Полный текст (65 431 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الشيخ عفا الله
قصة مصرية
بقلم الأستاذ محمود تيمور
حدثني صديقي، قال:
منذ عشرين عاماً كنت أسكن جهة درب سعادة. ذلك الحي القديم ذو الشارع الضيق والمباني المتزاحمة الأثرية. وكنت إذ ذاك في التاسعة عشرة من عمري أحضر لإمتحان الشهادة الثانوية. وفي أوقات فراغي كنت أجلس أمام البوابة أتفرج على الرائح والغادي. وكان يمر أمام الدار (من وقت لآخر) شيخ بملابس بسيطة ضامر الوجه، بلحية خفيفة فيها آثار الشيب ظاهرة. هادئ المشية. يسير في وقار. منكس الرأس على صفارته يناجيها بألحان شجية. فكنت استوقفه وأطلب منه أن يسمعني شيئاً من أنغامه. وكانت جميع ألحانه تحوي كثيرا من معاني اليأس والحنو. ولاحظت أنه قنوع يرضى بالقليل. وكان إذا استرسل في صفيره خيل لك أن الصفارة تتكلم وتنوح كأنها تحاول أن تفشي سراً! وهو على طهارة قلبه ومظاهر الصلاح الناطقة على وجهه، لا يؤدي أي فرض من فروض الصلاة، ولا يذهب إلى الجامع مطلقا! ولا يتكلم عن شيء اسمه مغفرة ورحمة. وإذا ذكر اسم الله أمامه طأطأ رأسه ذليلا، وتمتم بألفاظ متقطعة غير مسموعة!.
وتوثقت بيني وبين الشيخ ألفة ساذجة. وحاولت أن استوضحه حقيقة آلامه فلم يرض أن يبوح لي بشيء. فاحترمت رغبته وصممت أن لا أفاتحه في هذا الموضوع. وظل الرجل وقتا ما لغزاً لا أستطيع الوصول إلى حله. ومرت الأيام والشيخ يزورنا مرة في الأسبوع فأحظى منه بألحان شجية، وحديث هادئ جميل!. وكان يسترسل في الكلام بعض الأحيان فتفلت منه من غير وعي جمل وكلمات بدأت تكشف لي شيئا من سره. وكان ينشد لي كثيراً من المواويل الريفية في الحب والتشبيب بالنساء وكان إذا لفظ كلمة (الغيط) لفظها مفخمة منغمة واتسعت عيناه ولمعت بوميض غريب. واتسع صدره وتمددت طاقتا أنفه وهو يستنشق في شغف الهواء الذي يحسبه هواء الريف. ثم يعقب ذلك تنهد حار عميق، ومناجاة طويلة لصفارته وباغته ذات يوم بقولي:
- اقسم بالله لقد اكتشفت سرك يا شيخ (عفا الله)!
стр. 72
فارتعد مذعوراً. وأتممت كلامي:
- انك فلاح من الريف
فنظر ألي بحيرة وقال بعد تردد:
- وهل أستطيع أن أنكر (أصلي)!
- وانك تتألم من حب دفين.
فأمسك بيدي وشد عليها، وقال:
- اسكت يا سيدي، اسكت:
- وانك ارتكبت معصية كبرى، وتريد التكفير عنها
فامتقع وجهه ونظر ألي محملقا، وقال:
- أعالم سري. .؟ أعالم سري؟. .
وأخذت استدرجه في القول حتى لان. وبدأ يروي لي قصته كالآتي:
لم اكن أدعى بالشيخ (عفا الله) فيما مضى، بل كنت اعرف (بسرحان) وهو اسمي الحقيقي، وكان لي أخ يدعى (محمد الرخ) كان إماما لمسجد القرية التي نشأت فيها. وكان قد تجاوز الأربعين، بينما كنت في السابعة عشر. أو كنت اعتبره كأبي واحبه حبا عظيما وكان هو الآخر يحبني كابن له: وقد حفظني القرآن وعلمني أصول الدين وأشركني معه في خدمة المسجد. وكنت قد بدأت أتعلم الصفير في ذلك العهد على شيخ طريقة مجذوب يجيد التوقيع على الصفارة وإنشاد القصائد الصوفية. ولما برعت في الصفير كان يلتف حولي على باب الجامع. بعد العشاء. جمع كبير من الفلاحين يستمعون إليَّ.
وكانت زوجة أخي قد توفيت منذ عام، فتزوج بفتاة في الخامسة عشر لم تقع عيني على املح منها. لها جاذبية غريبة سحرتني وخبلت عقلي. رأيتها للمرة الأولى فلم أتمالك أن أحببتها حبا تملك على جميع مشاعري وكبلني بالرغم مني بقيود ظالمة لم استطع التخلص منها. وخجلت من نفسي ومن أخي واعتبرت هذا الحب الشائن اكبر خيانة لذلك الشخص الذي وهبني حنانه وإخلاصه وثقته، وأردت أن أحطم هذه العاطفة الذميمة، ولكني لم استطع فكتمتها في قلبي ولم أبح بها الا لصفارتي! فقد كانت عزائي الوحيد في نكبتي.
وكنت أتعمد أن لا أخلو بزوجة آخي أتحاشى أن أكلمها إلا في الأمر الضروري. وكنت
стр. 73
امكث بعيدا عن الدار في فحمة الليل، أناجي حبي بالحان الشكاية والنوح. وحدث مرة أن كنت في موضع خلوتي غير بعيد عن الدار، اصفر في شبه غيبوبة، وأنا ملتذ بآلامي إذ شعرت بإحساس غريب فرفعت رأسي. والتفت حولي فوجدت (هنية) زوجة آخي جالسة غير بعيدة عني تنظر ألي في صمت وخشوع. فذعرت وقمت من فوري وأنا أقول:
- أنت هنا. .؟
- منذ برهة وجيزة. . . إني أحب صفيرك وأشعر عند سماعه برغبة في البكاء.
وتحركت أريد الهرب، فأمسكت بطرف جلبابي وقالت:
- لماذا لا تريد أن تجلس؟
فصرخت بالرغم مني قائلا:. .
- دعيني!
فنظرت إليَّ دهشة ولم تتكلم. ثم قالت:
- ما الذي يدعوك إلى كرهي. لماذا تهرب مني. .
وبغتة أجهشت بالبكاء. فشعرت كأن قلبي يتمزق وأن دماغي يحترق. ثم هبطت عليها دفعة واحدة، وأخذتها بين ذراعي، وأنا أقول:. .
- أنا أكرهك يا هنية!. .
وأنحنيت عليها أشبعها ضما وتقبيلا معبرا عن حبي الكبير بأحر العبارات. . وكانت الفتاة مستسلمة إليَّ في نشوة وغرام!.
وبينما نحن على هذا الحال إذ طرق سمعنا أصوات من بعيد فصحونا من حلمنا اللذيذ. ورأينا على جسر الترعة أشباحا تسير متمهلة. فاضطربت هنية وهمست في أذني قائلة:
هذا أخوك عائد مع المستأجرين.
ثم قامت دفعة واحدة وقالت:
- سوف أسبقه إلى الدار، متخذة طريق الغيط.
وقامت تعدو كالظبي المذعور، وأنا أراقبها في لهفة حتى ابتلع الظلام شبحها الجميل! وسرت أنا إلى الدار متمهلا في طريق الجسر فوجدت أخي قد جلس أمام الطعام منتظراً حضوري، ولما رآني صاح بي مداعبا:
стр. 74
أيصح أن تتركنا ننتظرك. تعال يا ملعون وشاركنا الطعام!. أريد أن أقص عليك كيف أجْرت الفدادين هذا العام بقيمة لم اكن احلم بها.
وجاءت (هنية) ووضعت العيش أمامنا. وجلست مبتعدة قليلا عنا. وبدأنا نأكل. وكنت منهمكا في تفكيري، لا أفهم شيئاً مما يرويه لي أخي، مع تظاهري بالإصغاء إليه. وكنت أرفع بصري بين وقت وآخر نحو (هنية) فأجدها مسبلة الأجفان في شبه ذهول تأكل بحركات ميكانيكية، ووجهها ممتقع. وحدث مرة أن رفعت نظرها إليّ واشتبكت عينانا. وخيل لي أن وجهي يدنو من وجهها، وأن شفتينا على وشك التلاقي. وبغتة سمعت صرخة اهتزت لها الدار فارتعت، وتنبهت لنفسي فرأيت (هنية) تشهق بالبكاء قائلة:
لا أستطيع! لا أستطيع!
وهب أخي فزعا نحوها. وضمها إلى صدره وهو يقول:
- ما لك يا هنية؟. ما لك؟.
ليس لي رغبة في الأكل. دايخة. أريد أن أنام.
- قومي يا حبيبتي لتستريحي. .
وقامت متجهة نحو حجرتها، وهي معتمدة على ذراع أخي. وكنت شاهد هذا المنظر وأنا في شبه خبل. أشعر بأني قد تحجرت وصرت جزءاً من الأرض التي كنت أنا جالس عليها.
وعاد أخي بعد هنيهة، وقال لي:
- المسكينة أجهدت نفسها اليوم في أعمال الدار.
وكنت لا أطيق أن أنظر إلى أخي في هذه اللحظة فقمت من فوري ووجهتي الباب. وسألني أخي؛
- إلى أين؟
- إلى الجامع. أريد أن اصلي العشاء. ثم أقفله أعود.
وخرجت أعدو إلى مأواي المختار (الذي قابلت فيه (هنية) منذ وقت قريب) وارتميت على الأرض أمرغ وجهي في الموضع الذي كانت جالسة فيه، وأنا أنشج نشيجا حارا وأمضيت ليلتي هناك، وأنا لا يهنأ لي مضجع. أبكي وأغفو وأحلم، ثم أصحو برجفة تزلزل جسمي،
стр. 75
وكان يتراءى لي شبح أخي في يقظتي ونومي. يحوم حولي يريد أن يقتلني، فكنت العنه بأشنع اللعنات. وفي الفجر غلبني نعاس عميق، لم أصحو منه الا عند الظهر. وفتحت عيني وأردت النهوض فخانتني قواي، إذ كنت أشعر بآلام شديدة وضعف هائل.
فجلست مستندا إلى جذع شجرة خلفي وأخذت استعيد قواي شيئا فشيئا. وكان الغم يخيم على قلبي، وشعور الندم الشديد يكتسح نفسي. فقمت مهرولا نحو الجامع، واعتذرت لأخي عن تأخيري بمختلف الأعذار ثم هبطت على يده اقبلها، وأنا أقول له:
أني احبك يا أخي!. واقسم بالله أني احبك حبا لم يضمره ابن لأبيه. أريد دائما أن أنال رضاك وعفوك. قل لي أتحبني!.
فأجابني:.!
- ما هذا الكلام يا سرحان. هل رأيت مني غير الحب الكبير؟. أنت ابني بل أنت افضل من ابني:.
ونظرت إلى أخي فوجدت آيات الإخلاص مرتسمة على وجهه. فأندفعت اقبل يديه من جديد؛ وأنا ابكي بصوت عال. وأنتابتني نوبة عصبية شديدة، فارتميت على الأرض في حالة تشبه الصرع. ولما أفقت وجدت نفسي ممددا في ركن من أركان الجامع وأخي بجانبي مهموم الخاطر من اجلي؛ يمرضني ويحنو عليّ.
ومضى أسبوع وأنا لا اقصد الدار الا في أوقات قليلة. وكثيرا ما كنت أتناول الطعام في الجامع، وأنام ليلا فيه، ولو استطعت لأمتنعت تماما عن الذهاب إلى المنزل. ولكني كنت احتاط للأمر حتى لا يشك أخي في سلوكي. وكنت أجاهد ما أمكن في سبيل ضبط عواطفي وأكلم (هنية) أمام أخي كلاما عاديا متحاشيا دائما النظر إليها. وإذا تصادف وخلونا نحن الاثنان برهة صغيرة ظللنا صامتين منكسي الرأس وإذا تقابلت الأعين اهتزت منا الأجسام كأن مستها الكهرباء.
ومضت الأيام والنار تأكلني أكلا، أنام نوماً سيئاً، وأقضي يقظتي في شبه أحلام مشوشة. وإذ أديت صلاتي أخطأت الأداء وكان قلبي مسرحا لمختلف الاحساسات المتباينة، الغضب والرحمة، والكفران، والتوبة والحب والبغض تتطاحن كلها باختلاط.
وتركت الدار (يوماً) بعد منتصف الليل بقليل وخرجت أعدو كالوحش المطعون وأنا أردد:
стр. 76
- أنه معها في الحجرة. إنها له. . وهو يتمتع بها. . .
وهمت على وجهي لا أدري أي وجهة اقصد. وأخيرا وجدت نفسي أمام الجامع فدخلته بدون وعي وارتميت على الأرض أعض يدي واضرب رأسي في الحائط، وأنا ما زلت أردد قولي: انه معها في الحجرة. . إنها له. وهو يتمتع بها. . .
وبينما كنت على هذه الحالة، شعرت بيد وضعت على كتفي. فالتفت مذعورا. فإذا (هي) أمامي. . هي (هنية) في تلك الساعة الموحشة من الليل، وفي ذلك المكان المنعزل. فأخذتها بين ذراعي بلا كلام واحتضنتها بوحشية وأنا أهذي.
وأمضيت معها ساعة غرام عنيفة، من أشهى ساعات الوجود. وأقسم لك انه ليس على وجه الأرض منذ خلقت الدنيا شخص نال مثلي نعيم تلك الساعة. إنها ساعة تساوي أعماراً بأكملها.
وبعد ذلك نمنا متعانقين. . . وتنبهت فإذا الباب يقرع. وإذا ضوء الشمس يغمر المكان، وسمعت صوت أخي يقول:
- افتح يا سرحان
فوجدتني أجيب بلا وعي:
- سأفتح في الحال
وكان للجامع نافذتان مشبكتان بالحديد. وليس ثمة مخبأ تستطيع أن تختبئ فيه هنية أو منفذ تنفذ منه إلى الخارج. فأختبل عقلي. ولكن خاطراً مر برأسي فقلت لها هامسا!
- أصعدي إلى السطح. . أصعدي سريعاً
فقامت هنية وصعدت في الحال إلى السطح؛ وقمت أنا إلى الباب ففتحته. وتظاهرت بالفتور الشديد ودخل أخي وعليه شيء من مظاهر الغضب. وقال:
- أما زلت تنام في المسجد يا سرحان؟ اليس لنا دار تسعك معنا؟
- يحلو لي الآن أن أتعبد في المسجد حتى مطلع الفجر!. .
وجلس أخي صامتا. وبعد برهة تكلم بلهجة قلقة.
- لقد أستيقضت من النوم؛ فلم أجد هنية بجانبي. وقد بحثت عنها طويلا في الدار فلم اعثر عليها. .
стр. 77
فارتجفت. ولكني تغلبت على ضعفي وقلت:
- لعلها تكون قد خرجت لتملأ جرتها من الترعة
- ربما. . إنما. . . .
ثم ابتلع ريقه وتمتم بكلمات لم أفهمها وقام وقال:
- هيا نصل الصبح!
وقمنا إلى الصلاة. ولكن أي صلاة هذه التي أديتها في ذلك الوقت. كانت صلاة للشيطان لا لله! وأنتهت الصلاة. وبدأ الناس يفدون على الجامع وأصبحت في حالة يرثى لها. وأخيراً خرج أخي عائداً إلى الدار. وما كاد يفعل حتى انسللت صاعدا إلى سطح الجامع لأدبر حيلة لهرب هنية. وما كانت أشد دهشتي حينما رأيت السطح خالياً. ودرت فيه وأنا كالمخبول، ابحث هنا وهناك. وشعرت بإحساس غريب يجذبني نحو حافة السطح. وما كدت أشرف منه إلى الأرض حتى صرخت مرتاعاً. ووجدت نفسي بعد لحظة على الأرض ولا أدري كيف نزلت. وكانت هنية ملقاة بجوار الجدار تئن أنينا خافتا فدنوت منها وأنا في جزع ولهفة وأمسكت بها وسألتها عما أصابها ففتحت عينيها بصعوبة وقالت:
- لقد انكسرت يا سرحان. انكسرت!
وكانت تعض على شفتيها محاولة كتم تأوهاتها!
فاحتضنتها وأنا أواسيها وأشجعها. وسمعتها تقول:
- آلامي لا تطاق. . أني أموت!
وحملتها بكل عناية واحتراس. وأنا أكاد اجن من الحزن، وذهبت بها إلى دار أم عبد الجليل. وكانت امرأة وفية ولي محبة. وأخبرتها بشيء من الحقيقة ورجوتها أن تذهب إلى أخي لتبلغه خبرا ملفقاً. فقامت المرأة من فورها إلى داره.
ونقلوا هنية إلى دارنا وقد أشاعت أم عبد الجليل أنها سقطت من سطح منزلها بينما كانت تأتي بوقود لها!
ومضى يومان وهنية تعيش في أتون متقد من آلام لا يتصورها العقل. أما أنا فكنت أذهب إلى زريبة المواشي، وأحكم أقفالها عليّ. ثم انهال على وجهي باللطم. وأنفجر في نواح طويل وأنا أقول:
стр. 78
- أنا سبب كل هذا!. أنا الذي يجب أن يعذب!. أنا الذي يجب أن يموت!
وماتت هنية في اليوم التالي ودفناها في قرافة القرية باحتفال بسيط. أما حالتي يوم وفاتها فقد اعتراني خبل غريب، فلم أصدق أنها ماتت. وكنت أؤدي عملي الذي كلفت به في مأتمها ببساطة وهدوء، بل كان يعتريني بعض الأحيان نوبات ضحك يعقبها خمول ووجوم. ولكن بعد أيام بدأت أشعر برد فعل شديد، فأخذت أهيم في الغيطان؛ وأختبئ في الذرة، وأنا ابكي وأندب بلا انقطاع. وأخيرا هدأت حالتي نوعا فعدت إلى عملي في الجامع. ولكن مرآي ذلك الجامع كان يزيد شجوني وعذابي. فتتمثل أمامي جريمتي كلما وطئت عتبته ويخيل لي أني أسمع صوت سقوط جسم من أعلى السطح إلى الأرض. فتعتريني قشعريرة واخبىء وجهي في يدي وأجهش بالبكاء.
لقد عملت المستحيل لكي أضلل أخي؛ وأبعد شكه من ناحيتي وتحملت أكبر العذاب في سبيل إخفاء جرمي. ولم اكن أجسر على النظر إليه. وكان يخيل إلي أنه يرفع يده في وجهي يريد سحقي.
ومضت الأيام وسري ينمو ويتضخم في قلبي فأشعر بثقله الهائل. ويخيل ألي في كل وقت إن قلبي يتمزق وان السر يطير منه ويعلن إلى الملأ فضيحتي. وكانت أيام عذاب لا أظن عذاب الجحيم يفوقها.
وفي ليلة عقب صلاة المغرب خرجت لأروح عن نفسي قليلا فقادتني قدماي، بدون شعور، إلى المكان الذي سقطت فيه هنية بجوار حائط الجامع. وبغتة قابلت أخي وجها لوجه ولا أدري ما لذي أرسله إليّ في هذه الساعة وفي هذا المكان. أهي المصادفة أم شيء آخر. لا ادري!. ووقفنا أمام بعضنا بالقرب من ذلك الجدار الرهيب. وشملنا الصمت برهة. وبغتة وجدت نفسي أصرخ وأقول:
- لا تقربني!. لا تقربني!.
وأندفعت أجري كالمجنون أهيم على وجهي. وكان هذا آخر عهدي بأخي وبتلك الديار!. وأخذت منذ ذلك الوقت أطوف المدن، وأعيش عيشة الطريد الشريد.
ثم أطرق الشيخ عفا الله صامتا. وشاهدت دمعة تتحدر في بطأ على خده. فقلت وأنا شديد التأثر بما سمعت.
стр. 79
- لماذا لا تعود إلى صلاحك، وتطلب مغفرة الله.
فرفع عينيه وقال:
- لقد تألبت عليْ الأقدار. وسأظل حتى النهاية ذلك المتمرد العاصي.
ثم سحب صفارته من عبه في هدوء وأخذ يوقع عليها لحنا شجيا فيه معنى الصبابة والتضحية. وكان منتشياً، بلحنه يتذوق آلامه الدفينة في شبه غيبوبة مسكرة.
стр. 80
في الأكاديمية الفرنسية
انتظم في سلك الأكاديمية الفرنسية أخيرا عضوان جديدان هما الكاتب القصصي بيير بنوا، والمؤرخ الأشهر جوسلان لينتر. والأول هو أصغر (الخالدين) سنا. فهو لا يتجاوز الأربعين من عمره، مع أنه لا يرقى في الغالب إلى هذا الشرف الرفيع سوى رجال قطعوا معظم مراحل العمر وأشرفوا على الستين أو السبعين. وينتمي بيير بنوا إلى أسرة من الضباط وقد كان أيام الحرب الكبرى ضابطاً في الجيش. فلما انتهت الحرب عاد إلى الأدب. وسرعان ما ظهر في ميدانه، وحاز ذروة الشهرة حينما اخرج روايته الأخيرة (الاتلانتيد). وهو يتربع اليوم في كرسي المؤرخ الشهير لافيس.
وأما المؤرخ لينتر، فهو باحث محقق اشتهر بالأخص بتحقيقه في تاريخ الثورة الفرنسية، وله في ذلك (باريس أيام الثورة) و (سقوط الجيرونديين) وقد اشتهر بتاريخ مختصر كتبه عن نابليون يمتاز بطرافته وفكاهته وقد حل في الأكاديمية مكان الروائي الشهير (رنيه بازان) وهو يربى على السبعين من عمره، ولكنه ما زال وافر الإنتاج يشتغل في التحرير في جريدة (الطان) ويكتب فيها باب (التاريخ الصغير).
العالم المسرحي والسينمائي
بنات اليوم على مسرح رمسيس
للأستاذ محمد توفيق يونس
بدأ الموسم التمثيلي هذا العام متأخرا عن موعده العادي، وكان أسبق الأيدي إلى هصر الستار عنه فرقة رمسيس بتمثيلها رواية (بنات اليوم) لمديرها الأستاذ يوسف وهبي. وهي قطعة ناجحة في أربعة فصول شائقة الموضوع، قوية الحوار، سريعة الحركة الا أن فيها بعض الطول. وكلامنا عن الرواية يتناول أمرين موضوعها وبناءها. أما الموضوع فحيوي جليل خليق بالعناية والنظر، هو موضوع الأسرة المصرية الذي طالما أثار الانتقاد، وبعث على الشكوى.
فبنات اليوم من الروايات ذوات الفكرة التي تبحث في نظام الأسرة وتنبه إلى الخطر الذي تتعرض له من الزواج المبني على اختلاف المشارب، وتباين الطباع، وتنافر الأهواء،
стр. 81
الذي تعقده المصادفة ولا يقوم على أساس من حرية الاختيار وائتلاف المزاج.
أحسن المؤلف اختيار موضوعه وأجاد بسطه وإن كان قد عنى بالتأثير أكثر من عنايته بالتحليل والتعليل.
جمع المؤلف بين اثنين مختلفي الأفكار برباط الزواج وقد نكد حظ الزوج به وساء طالعه فزوجته تختلف عنه عقلية ومزاجاً ولكنه سرعان ما يجد في أختها (لطيفة) فتاة تستطيع أن تفهم سر نفسه وتنظم أمور حياته. ويحلو الحب للعاشقين ولكن الزوجة (خديجة) تعلم أمرهما إذ يعثر أبوها على رسائل باللغة الفرنسية تبادلها الحبيبان فيطلب منها قراءتها فتعرف الحقيقة ولكنها تكتمها، مدعية أن ليس فيها ما يريب. ولكن لطيفة تحمل فتأتي إلى عيادة حبيبها وزوج أختها (الدكتور صادق) ليجهضها بعد أن ادعت أنها مسافرة لضيعة إحدى قريباتها. ولكن خديجة تفاجئها فإذا علمت أن أختها في خطر نسيت نفسها واهتمت بأمرها. ولكن الحالة تتحرج بدخول (سامي) خطيب لطيفة وابن عمها. وتنقذ الزوجة الموقف ثانياً فتدعي أن أختها اصطدمت بسيارة فجاءت إلى الطبيب.
تنقضي فترة من الزمن يأتي بعدها عم لطيفة يطلب يدها لأبنه سامي فيوافق الأب ولكن الابنة ترفض فلا يأبه لها ويمضي في تنفيذ إرادته. وتخلو لطيفة بابن عمها فتعلن إليه أنها لا تستطيع أن تقبله زوجاً لأنها لا تحبه. ويعود الأب فيملي عليها إرادته ولكنها لا تطيع، فيثور ويحتد فتضطر الفتاة إلى أن تعلن أن رفضها للزواج من أبن عمها إنما كان لإنقاذه وتسأل سامي أيقبل أن يتزوج من فتاة ساقطة سلمت نفسها لغيره. فيجن جنون الأب ويسألها عن الجاني فيخبره صادق بالواقع بعد أن ينبئه أن جهله وغطرسته وتشبثه بتزويج ابنته الكبرى قبل الصغرى كالتاجر الذي يريد التخلص من بضاعته القديمة قبل الجديدة قد دفعهما إلى هذا الموقف الأليم. لكن الأب لا يسمع ولا يرحم فإذا البيت شعلة من نار تحاول لطيفة أن تطفئها فتلقي بنفسها في النهر فيلحق بها صادق وسامي.
وتنجو لطيفة ويطردها أبوها فتبحث عن عمل فتلجأ إلى بيت حقير يأويها. أما صادق فيسجن لقاء جريمته ثم تنقضي مدة السجن فيعود إلى حبيبته ويتفقان على أن يغادرا البلاد معاً ليستأنفا الحياة من جديد. ثم تقبل خديجة وابنها ترجو من زوجها أن يتركه لها فيودعهما باكياً مستغفراً. ولهذا الموقف أثره في نفس لطيفة فتأبى الرحيل مع صادق حتى يبقى
стр. 82
لزوجته وابنه وتسأل سامي إن كان يقبل توبتها ويرضى بها زوجة فيوافق راكعا.
هذا مجمل الرواية أو بالأحرى مجمل الحادث الأصلي فيها ولم نعرض من الأشخاص إلا الأساسيين في العمل. فالرواية مليئة بالحوادث مزدحمة بالأشخاص وكان أجدر بالمؤلف أن يسير إلى غايته قدما حتى لا يضعف أثر الحادث الأصلي في الرواية ولا يقطع سلسلة العمل الأساسي بمشاهد ثانوية وشخصيات فضولية. هذه المشاهد في ذاتها قوية الوضع وتلك الشخصيات خفيفة الظل، ولكن قيمتها بالنسبة إلى الرواية ضئيلة وصلتها بها واهية، وأثرها عكسي في الواقع يخمد من حدة الشعور ويعوق وجهة الدفع الروائي نحو النهاية.
وكذلك يقطع العمل أثناء الرواية بحلول تكاد تكون حاسمة يمكن أن تقف الرواية عندها والروايات الحديثة تنتهي دون خاتمة ولا حل تاركة المجال للتفكير والتأمل.
وفي الرواية شيء من التصنع كتصريح الزوج انه هو المعتدي على عفاف أخت زوجته، وعلى عمل الأب على زج زوج ابنه في السجن مع ما في ذلك من فضيحة للأسرة جميعها.
إذا غضضنا النظر عن هذه المآخذ استطعنا أن نقول أن الرواية جميلة قوية مؤثرة ذات مواقف درامية صادقة ومناظر إنسانية رائعة تسترعي سمع المشاهد وتأسر لبه.
ولا عجب فقد درس الأستاذ يوسف وهبي المسرح وخبر الجمهور فضرب على أوتاره الحساسة واستطاع أن يظفر منه بالإعجاب والإقبال ولا يسعنا نحن الا أن نحييه ونهنئه ونرحب به عاملا من عوامل بناء المسرح المحلي.
стр. 83
العدد ٢ - بتاريخ: ٠١ - ٠٢ - ١٩٣٣
стр. 84
رسالة الشباب
عن يسارك وأنت خارج من ميدان الأبرا إلى عابدين باب عتيق ضخم، لا تجد بينه وبين جيرته انسجاما في طراز، ولا التئاما في ذوق، تدخله فكأنما تدخل داراً من دور الترك، أو ديراً من ديور الروم: دهليز قاتم رحب، وفناء كالح رطب، ودرج رخامي يصعد بك طبقتين إلى جمعية القرش!
في هذا الربع الموحش يعمل الشباب النضر! ومن هذا الطابق الرهيب ينبثق الروح الذي يهز القلوب، ويشغل الأذهان، ويملأ الصحف، ويحرك الأيدي ويرصد الأهبة لافتتاح (مصنع الطرابيش) عما قليل!
تدخل فتجد مقترح المشروع وكاتب سره وهو فتى لا تزال على محياه الأبلج قسمات اليفاعة! يجلس في غرفة عارية من الأثاث، على مكتب مغطى بأشتات الورق ومن حوله رفاقه الأبرار يجيبون دعاءه، أو يناقشون آراءه، أو يطلبون إمضاءه، والعواطف المشبوبة النبيلة تجيش في هذه القلوب الغضة فتنسيها في النهار الراحة وفي الليل النوم! جلست هنيهة في هذه الغرفة الجرداء الوسيعة، أرى الإخلاص يتمثل في المخايل، والأمل يتدفق في الحديث، والشباب المرح اللاهي يحول إلى كد دائب وصبر غالب ووقار مرهوب، ثم اسمع أخبار اللجان ومعدات المهرجان وحركة المطبوعات وجمع التبرعات وإصدار الطوابع إلى مختلف الجهات، فقلت لنفسي: يا لله! أقيادة جيش تقرر الخطط وتحفظ السلام وتعز الوطن، أم خلية نحل تدير الأمر وتجمع الرحيق وتصنع العسل؟!
لقد كان الشباب في نهضتنا السياسية الروح الذي أحيا الشعور، والضوء الذي هدى الجمهور والدعوة التي دار عليها الرأي!
وهاهم أولاء في نهضتنا الاقتصادية يرفون رفيف الأملاك حول بنك مصر وشركاته؛ ويضيفون إلى هذا البناء الرفيع المحكم شرفات تزيده جمالا وروعة! يريدون (والشاب قادر إذا أراد) أن يتجمع من القرش الواحد رؤوس أموال لمصانع شعبية. كما يتجمع البحر من قطرات المطر، والجبل من ذرات الرمل!!
فمن ذا الذي لا يساهم في هذا المشروع الخطير بهذا القرش الحقير وفي كل لحظة تلفظ اليد أمثاله في توافه الأشياء وضئال الأمور!
إن نشئنا ليؤدون رسالة الشباب كما تؤدي الزهور رسالة الفردوس.
стр. 85
ولقد رأيت إخوانهم في فلسطين والشام والعراق ينتعشون بهذا التعبير، ويسيرون على هدى هذا الشعاع.
فافسحوا في المجال لعزم الصبي ينهض برأي الكهولة!
فان الوطن لا ينهض إلا بشبانه، وأن الشجر لا يثمر إلا بأغصانه،
أما الشيوخ فكالجذوع، هم الأصل والمدد والسند، ولكنهم الصق بالأرض وأميل إلى السكون وأقرب إلى الجمود، فلا تقوى على تحريكهم رياح الأمل، ولا تغرد على حطبهم طيور السماء!
أحمد حسن الزيات.
стр. 86
خواطر وصور
(قروش) فكرية
مهداة إلى (القروش) النقدية!
للأستاذ عباس محمود العقاد
الشعور السعيد
أسعد الشعور ما امتزج فيه شعور الإنسان بنفسه وشعوره بغيره، أو ما كان فيه الشعور بالغير ضربا من الشعور بالنفس. ومن هذا القبيل شعور الأب بابنه والحبيب بحبيبه والمشهور بشهرته: يرى نفسه في غيره ويرى غيره في نفسه، فيلتقي فيه الرضى عن النفس والرضى عن الدنيا. وهما تمام الرضى الذي يحيل الألم والشقاء سروراً وسعادة.
كراهة الأخيار
قد يكون الشرير الذي يشتد بغضه لأهل الخير من أقرب الأشرار إلى الأخيار. لأنه يحس بما فقد ويحس بما امتاز به غيره فيحسدهم. والحسد إعجاب معكوس، أما الشرير الذي لا يبغض أهل الخير فإدراكه للخير قليل، وطلبه للامتياز والرجحان ضعيف.
حرية الفكر
فرق بين من يجترئ على العقائد الراسخة لقوة في نفسه، وبين من يرتاب فيها لتحلل في طبيعته يعجزه أن يمسك العقيدة القوية ويحتويها.
إصابة الجاهل
الساعة المعطلة تكون أضبط الساعات جميعا في لحظة من اللحظات، وكذلك العقل الصغير الخابي يصيب مرة حيث لا تصيب كبار العقول.
أنانية الشيوخ
دين المنفعة يغلب على الشيخوخة لأنها عهد الضعف والأدبار، لا لأنها عهد الخبرة والمعرفة.
стр. 87
العظماء
حاجة الناس إلى العظيم حاجتهم إلى إرضاء غرورهم لا إلى إرضاء غرور العظيم.
الشعر والشيخوخة
إذا قال الشيخ لا حاجة بي إلى الشعر فلا ترث للشعر بل ارث له هو لأنه ينعى نفسه.
وإذا قالت الأمة لا حاجة بي إلى الشعر فصدقها، واعلم أنها قد شاخت، فلا حاجة بها إلى الشعر، ولا إلى غيره من علامات الفتوة والحياة.
الخوف وحب الحياة
الخوف المفرط من الموت علامة الجهل بقيمة الحياة لا علامة المعرفة بتلك القيمة، لأن الذي يؤثر كل حياة على كل موت يقبل الحياة على أي شكل من الأشكال، ويقبلها على اقبح الأشكال، والذي يقبلها على أقبحها لا يعرف لها قيمة تصان.
الزهد والمتعة
الزاهد الذي يروض نفسه على الزهد بتقبيح الدنيا ليس بزاهد، لأنه لا يترك إلا نجسا قبيحا حين يترك دنياه، والأشرف منه نفساً ذلك الذي ينعم بالدنيا لأنها عنده نفاسة وجمال.
تفاؤل القوة والضعف
يتفاءل المرء ثقة منه بالقدرة على مغالبة الخطوب، أو قلة مبالاة بعواقب الهزيمة، وهذا تفاؤل القوة.
ويتفاءل المرء خداعا لنفسه كي لا يجشمها التأهب لملاقاة الخطوب والتفكير في عواقبها، وهذا تفاؤل الضعف.
الانتقاد والحرية
ليست كثرة الانتقاد دليلا على الحرية في كل حين.
إن الناس يكثرون الانتقاد حين يجهلون الحرية، لأنهم لا يرون للآخرين حقا في التصرف كما يشاءون.
الكبرياء
стр. 88
الكبرياء اعتداء، أو رد اعتداء.
الواقعيون والخياليون
التعويل على المحسوسات دأب جميع الناس، لكن صاحب النفس الكبيرة يحس ما لا يحسه أصحاب النفوس الصغار، فيعده هؤلاء من الخياليين. . لأن محسوساته غير موجودة عندهم، فهي ضرب من الخيال.
стр. 89
صديق
للأستاذ احمد أمين
الأستاذ بكلية الآداب
- ١ -
لي صديق اصطلحت عليه الأضداد، والتقت فيه المتناقضات، سواء في ذلك خلقه وخلقه وعلمه.
حي خجول، يغشي المجلس فيتعثر في مشيته، ويضطرب في حركته، ويصادف أول مقعد فيرمي نفسه فيه، ويجلس وقد لف الحياء رأسه، وغض الخجل طرفه، وتقدم له القهوة فترتعش يده، وترتجف أعصابه، وقد يداري ذلك فيتظاهر أن ليس له فيها رغبة، ولا به إليها حاجة، وقد يشعل لفافته فيحمله خجله أن ينفضها كل حين، وهي لا تحترق بهذا القدر كل حين، وقد يهرب من هذا كله فيتحدث إلى جليسه لينسى نفسه وخجله، ولكن سرعان ما تعاوده الفكرة فيعاود الهرب، وهكذا دواليك حتى يحين موعد الانصراف، فيخرج كما دخل، ويتنفس الصعداء حامدا الله على أنه لم يخر صعقا، ولم يدركه حينه كربا وقلقا.
من اجل هذا اكره شيء عنده أن يشترك في عزاء أو هناء. أو يدعى إلى وليمة أو يدعو إليها، يشعر أنه عبء ثقيل على الناس وانهم عبء عليه، يحب العزلة لا كرها للناس ولكن ستراً لنفسه، ويأنس بالوحدة وهي تضنيه وتبريه.
ثم هو (مع هذا) جريء إلى الوقاحة، يخطب فلا يهاب، ويتكلم في مسألة علمية فلا ينضب ماؤه، ولا يندى جبينه، ويعرض عليه الأمر في جمع حافل فيدلي برأيه في غير هيبة ولا وجل، وقد تبلغ به الجرأة أن يجرح حسهم، ويدمي شعورهم فلا يأبه لذلك، ويرسل نفسه على سجيتها فلا يتحفظ ولا يتحرز.
يحكم من يراه في حالته الأولى أنه أحيا من مخدرة، ومن يراه في الثانية أنه أوقح من ذئب وأصلب من صخر، ومن يراه فيهما أنه شجاع القلب، جبان الوجه.
وهو طموح قنوع، نابه خامل، يرمي بهمته إلى أبعد مرمى، وتنزع نفسه إلى أسنى المراتب، وتحفزه إلى أبعد المدارك، فيوفر على ذلك همه، ويجمع له نفسه، ويتحمل فيه أشق العناء، وأكبر البلاء، ولا يسأم ولا يضجر. وكلما نال منزلة ملها، وطلب أسمى منها.
стр. 90
وبينا هو في جده وكده، وحزمه وعزمه إذ طاف به طائف من التصوف، فاحتقر الدنيا وشؤونها، والنعيم والبؤس والشقاء والهناء وسمع قول المتنبي:
ولا تحسبن المجد زقا وقينة … فما المجد الا السيف والطعنة البكر
وتركك في الدنيا دويا كأنما … تداول سمع المرء أنمله العشر
فهزئ به وسخر منه، واستوطأ مهاد الخمول ورضي من زمانه بما قسم له، وبينا يأمل أن يكون أشهر من قمر، ومن نار على علم، يسافر في الشرق والغرب ذكره، ويطوي المراحل أسمه إذا به يخجل يوم ينشر اسمه في صحيفة، ويذوب حين يشار إليه في حفل ويردد مع الصوفية قولهم (ادفن وجودك في ارض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه) يعجب من يراه مجدا خاملا، ومعرفة نكرة، وعاملا مغمورا.
وأغرب ما فيه أنه متكبر يتجاوز قدره، ويعدو طوره. ومتواضع ينخفض جناحه، وتتضاءل نفسه. يتكبر حيث يصغر الكبراء. ويتصاغر حيث يكبر الصغراء. يتأله على العظماء حتى تظن أنه نسل ألا كاسرة ووارث الجبابرة ويجلس إلى الفقير المسكين يؤاكله ويستذل له، هو نسر أمام الأغنياء، وبغاث لدى الفقراء لا تلين قناته لكبير، ويخزم أنفه الصغير.
يحب الناس جملة، ويكرههم جملة. يدعوه الحب أن يندمج فيهم، ويدعوه الكره أن يفر منهم فحار في أمره، فامتزج الحب بالكره، فاستهان بهم في غير احتقار.
صحيح الجسم مريضه. ليس فيه موضع ضعف ولكن كذلك ليس فيه موضع قوة. يشكو المرض فيحار في شأنه الطبيب فيحنق على الأطباء ويرميهم بالعجز، وما العاجز إلا جسمه لم يستطع أن ينوء بنفسه.
كذلك كان رأسه. مضطرب. مرتبك. كأنه مخزن مهوش، أو دكان مبعثر وضع فيه النعل القديم بجانب الحجر الكريم، يؤمن بقول الفقهاء: القديم على قدمه، ثم يدعو إلى التجديد. ويتلاقى فيه مذهب أهل السنة بمذهب أهل النشوء والارتقاء، ومذهب الاختيار بمذهب الجبر، وحب الغني بمذهب أبي ذر وتجتمع في مكتبته كتب خطية قديمة قد أكلتها الأرضة، ونسج الزمان علها خيوطه، وأحدث الكتب الأوربية فكرا وطبعا وتجليدا. ولكل من هذين ظل في عقله، وأثر في رأسه. يسره تأبط شرا في بداوته وصعلكته و (جوته) في حضارته وإمارته ويؤمن لشاعرية هذا وذاك. يسمع إلى الملحدين فيصغي إليهم، وإلى المؤمنين فيحن
стр. 91
شوقا لذكراهم، يهمل في صلاته ويحافظ على صومه. إن ألحد فكره لم تطاوعه طبيعته، وإن كفر عقله آمن قلبه. ومن أصدقائه السكير والزاهد، والفاجر الداعر والعابد. وكلهم على اختلاف مذاهبهم يصفه بأنه يجيد الإصغاء كما يجيد البليغ الكلام.
سرت معه سيرة من جنسه، فأحببته وكرهته، ونقمت منه ورحمته، وكنت أنس به واستوحش منه، يبعد عني فأتوق إليه، ويطول مقامي معه فأتبرم به.
وأخيرا، لم يقو جسمه على هذه الأضداد مؤتلفة، والمتناقضات مجتمعة. فعاجله الشيب في شبابه، وتقوس ظهره في ربيع عمره، وأصبح مترهل العضل، منسرق القوى، يظنه من رآه أنه بلغ أرذل العمر، ولداته في رونق الشباب وميعة النشاط.
بلغني مرضه، فلم أدركه إلا جنازة فشيعته إلى أن أنزل حفرته وأجن في رمسه ونفضت من ترابه الأيدي!
وعدت موجع القلب باكيا، ضيق الصدر، مكروب النفس، أخذني من الحزن عليه ما تنقض منه الجوانح، وتنشق له المرائر، فعلمت أن حبي له كان أعمق من كرهي إياه، وأن نقمتي عليه لم تكن الا مظهراً من عطفي عليه، أني كنت أقسو عليه رحمة به! رحمة الله عليه فقد حطم بعضه بعضا، ومضى قتيل روحه شهيد نفسه!
стр. 92
مسارح الأذهان
مشروع القرش
دلالته على مبدأ التضامن القوي
للدكتور محمد حسين هيكل بك
أذاعت جماعة مشروع القرش في العام الماضي أكثر من نشرة كتب فيها كبار الكتاب وذوي الرأي حتى لقد أصبح الإنسان يشعر حين يفكر في كتابة شيء جديد للمشروع وأصحابه بشيء من المشقة غير قليل. ذلك شأني على الأقل لأنني لا أريد أن أتناول موضوعا إلا أن يكون له مساس أو اتصال بالقرش ومشروعه. وقد طلبت إلى جماعة القرش منذ اعتزمت إصدار هذا العدد من (الرسالة) أن أكتب ففكرت وفكرت وفكرت حتى انتهيت أخيرا إلى ما اكتب اليوم عن دلالة هذا المشروع من ناحية الاتجاه الاقتصادي وتأييده لمبدأ التضامن الاقتصادي على غيره من المبادئ وتأييده لهذا المبدأ في حدود الاقتصاد القومي اكثر من تأييده إياه في المدى الواسع الذي يعتبر العالم كله وحدة اقتصادية يجب أن تعمها روح التضامن من غير تقيد بالتفكير القومي ومن غير خضوع للمبادئ الاشتراكية المتطرفة.
أنا لا أظن أن الذين بدءوا التفكير في مشروع القرش بدءوه متأثرين بهذا المبدأ الاقتصادي أو ذاك. بل أغلب الظن أنهم بدءوه متأثرين بخضوع مصر الاقتصادي لغيرها من الأمم خضوعا تستطيع بشيء من المثابرة أن تتخلص من نيره. وإذن فهي فكرة الاستقلال الاقتصادي تدفع إليها عاطفة وطنية كالعاطفة التي دفعت إلى النهضة في سبيل الاقتصاد السياسي هي التي حركت في نفوس السابقين إلى فكرة مشروع القرش الدعوة إلى مشروعهم وإبرازه من حيز الفكرة إلى حيز العمل. لكن ذلك لا يغير شيئا من دلالة المشروع على نحو ما قدمنا بل هو يزيده تأييدا. فلو أن فكرة الاستقلال الاقتصادي وحدها هي التي كانت الدافع والمحرك ولم تخلطها فكرة التضامن القومي لرأينا الدعوة إلى هذا الاستقلال تلبس ثوبا آخر وتظهر في صورة أخرى. ومن قبل دعا الداعون إلى تأليف شركة لإنشاء بنك مصر تحقيقا لفكرة الاستقلال الاقتصادي ونجحت الدعوة نجاحها الباهر
стр. 93
ومن قبل فكر بنك مصر وألف الشركات المختلفة التي يساهم فيها ويشرف عليها وكان لها من التوفيق الحظ الأكبر. وفي هذه الظروف جميعا كانت فكرة الاستقلال الاقتصادي هي الحافز الأول، وكانت العاطفة الوطنية التي تطمح إلى هذا الاستقلال طموحا صادقا هي اكبر عون على الاكتتاب ثم على النجاح.
وكان ممكناً إنشاء مصنع للطرابيش على الطريقة التي أنشئت بها شركة غزل ونسج القطن، وشركة مصايد الأسماك، وكان ممكناً إنشاء مصنع للأصواف بالطريقة ذاتها. لكن مشروع القرش تأثر بالفكرة التي قدمنا فوجهته في سبيل الاستقلال الاقتصادي وجهة جديدة! وجهة تضامن عام في حدود الاقتصاد القومي لا يطبعها الطابع الفردي الذي يطبع الشركات المختلفة التي تصبو أولا وبالذات إلى الربح، بل يطبعها طابع الإيثار من جامعي القرش ومؤلفيه ومنظمي استثماره الإيثار الذي يجعل المرء يحب لغيره ما يحب لنفسه ويعمل لخير غيره بمقدار ما يعمل لخير نفسه، وان كان إيثارا محدودا بالحدود القومية. ولهذا الإيثار القومي عذره وفضله. له عذره في أنه رد فعل طبيعي لثائرة الغرب وحرصه في أن يستأثر بخيرات العالم كله وأرزاقه تاركا للشرق ما يكفي لإقامة حياته كي يجد ويشتغل أجيراً لحساب الغرب الذي يؤيد أثرته هذه بالمدفع والغواصة والطيارة وله فضله في أنه إنهاض قومي لمصر كي تشعر بما تقدر عليه من غير كبير مشقة أو تضحية. وإنهاض يقوم به شبابها فتيات وشبابا لخير الوطن غير ناظرين جزاء ألا أنهم أدوا للوطن خدمة شعروا بأن أداءها واجب عليهم.
والشعور بالتضامن الاقتصادي على الوجه الذي يلقى شباب القرش على الناس درسه مقدمة لحيوية قوية تربط الأمة بروابط التضامن الأكيدة فيما سوى الميدان الاقتصادي من مرافق حياتها. فالرجل الذي يدفع القرش ويلبس طربوشاً
مصرياً بثمن معتدل يشعر بأنه يؤدي خدمة وطنية تعود عليه هو في الوقت نفسه بفائدة سريعة. وهذه إحدى فضائل التضامن في كل شيء. وهذا الشعور يجعل كل مصري يقدر أن كل خدمة يؤديها الإنسان لوطنه وكل قرش يدفعه له يعود عليه وعلى أمثاله بفائدة مضاعفة لما دفع. فكما أن قرشك الذي دفعته في العام الماضي سيجعلك تلبس الطربوش تدفع ثمنه خمسة عشر قرشا بدلا من خمسين كذلك يجب أن تسأل عن كل قرش تدفعه ماذا
стр. 94
يعود عليك أو على الوطن من نفعه؟ فإذا لم يعد بمثل هذه الفائدة المضاعفة فاعلم أن الذين ائتمنوا عليه يغتالونه وأنهم لذلك غير أمناء، وانهم لا يقدرون معنى التضامن القومي وواجبهم إزاءه بل يقدرون فائدتهم الشخصية ناسين فائدة مواطنيهم، ناسين بذلك فائدة الوطن، مضحين بمصالحه في سبيل منافعهم الذاتية، وفي سبيل وصولهم السريع إلى الثروة على حساب غيرهم.
إذا صدقت رسالة مشروع القرش التي قدمنا وكانت بشيرا بتقدير المصريين لمبدأ التضامن ولو في الحدود القومية فقد آن للمصريين أن يستبشروا حقا بمستقبل قريب تتطور فيه النظرة إلى الحياة من مختلف نواحيها تطوراً محسوساً. فنظرية التضامن لا تقف عند الميدان الاقتصادي بل تمتد به إلى ميادين النشاط جميعا، وفي مقدمتها ميدان الإنتاج الفكري والفني. ونظرية التضامن لا يحدها زمن، بل هي تقوم على أساس أن الثروة المادية والثروة المعنوية لأمة من الأمم هما جميعا ثمرة مجهود الأجيال المتعاقبة، وأن لأهل القبور فيها نصيبا اكثر مما لأهل الدور، وأننا جميعا وحدة متماسكة في السعي والعمل بدأت من أول الزمن إن كان للزمن أول وتستمر على الزمن ما بقى الزمن. فإذا وقر الشعور بهذا الرأي في النفوس كان من آثاره أن يحس كل بأنه مدين للمجموع اكثر مما هو دائن له، وان تضامنه مع المجموع في المجهود العائد على المجموع وعليه بالفائدة من خضوعه لسلطان الأنانية الغرور. وهنالك يشعر حقا بان واجباً عليه أن يبني لا أن يهدم، وأن يكون منتجا اكثر منه مستهلكا؛ وأن يعمل لخير غيره عمله لخير نفسه. وهنالك تزول البغضاء من النفوس فتحل محلها المحبة وتتلاشى فكرة التنافس لتقوم مقامها فكرة التعاون ويقضي في النفوس على شهوات الحقد والغيرة والغرور الكاذب لتقوم مقامها فضائل العطف والحنو والتواضع الجميل. وأنت قدير متى صورت هذا التطور كله لنفسك أن تصور الشجاعة الجديدة التي تغمر وادينا الخصب الجميل وان تقدر سعة الخطوات التي تخطو في سبيل الحق والخير والسعادة.
لعل شبان القرش وفتيانه يوافقونني على أن هذه النوازع النفسية الجميلة تجول بخواطرهم مبهمة عند البعض أقل إبهاما عند الآخرين ولعلهم إذا خلوا إلى أنفسهم وفكروا في الأمر يرون أنهم لم يفتحوا عهد مصنع الطرابيش أو مصنع الصوف وكفى، وإنما هم يفتحون
стр. 95
السبيل إلى طور جديد يريدون أن يطبعوا به حياة وطنهم. ولعلهم يقدرون عظمة هذا التطور الجديد وعظمة ما يجب على الشباب من مجهود تنهض بعدته أجيال الشباب المتعاقبة لتزيده قوة وإثماراً. ثم لعلهم يحسون أن في الحياة قرشاً غير القرش المادي الذي أدفعه من جيبي. فيها القرش المعنوي والقرش الروحي الذي يعاون على إذكاء معنى التضامن الروحي في النفوس بمقدار ما يعاون القرش المادي على تحقيق معنى التضامن الوطني في الحياة الاقتصادية. هذا القرش المعنوي، وهذا القرش الروحي، الذي يستطيع كل مصري أن يؤديه استطاعته أداء القرش المادي.
- في أي ناحية يجب أن ينفق وأي مصنع يجب أن يقدم كأثر من آثاره؟! هذا ما أترك للشباب البحث فيه ويقيني أنهم مهتدون إلى خير ما يثمر البحث في هذه الناحية كما اهتدوا إلى خير ما أثمر البحث في ناحية القرش. وهم اقدر على تصوير التضامن المعنوي والتضامن الروحي وما يثمران!. .
стр. 96
مجمع اللغة العربية الملكي
لأستاذ كبير
في مجلة باريس التي ظهرت أول يناير فصل قيم، دقيق مستفيض عن المجمع العلمي المصري، الذي أنشأه بونابرت في القاهرة في شهر أغسطس سنة ١٧٩٨. تقرأه فيعجبك لفظه العذب وأسلوبه المتين، ودقة صاحبه في البحث وعنايته بالتفصيلات، وعنايته قبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء بتمجيد فرنسا وبونابرت، وما كان لهما من أثر بعيد في أحياء مصر الحديثة، وتمهيد السبيل أمامها إلى الرقي المادي، والمعنوي جميعاً.
وربما أحسست (وأنت تقرأ هذا المقال) شيئا من الحزن الخفي يمازج هذا الفخر الظاهر، الذي يملأ نفس (المسيو ف. شارل ليرو) كاتب هذا الفصل. لأن هذا الجهد العنيف الخصب المعجز، الذي أنفقه الفرنسيون أثناء إقامتهم القصيرة بمصر في أواخر القرن الثامن عشر لم يؤت الثمر الذي كان ينتظره بونابرت وأصحابه، والذي كان الفرنسيون يودون أن يكون شيئاً غير الفخر والذكرى.
ولعلك تعلم أن هذا المجمع العلمي المصري الذي أنشئ في القاهرة منذ قرن وثلث قرن، على نظام المجمع الفرنسي، وسعى إلى نفس الأغراض العلمية والأدبية التي كان يسعى لها هذا المجمع وسعى بعد ذلك إلى أغراض عملية كانت تحتاج إليها سياسة الفاتحين وإدارتهم. لعلك تعلم أن هذا المجمع لا يزال قائماً إلى الآن أعيد تنظيمه سنة ١٨٥٩ وهو الآن يعمل كما كان يعمل آخر القرن الثامن عشر يبحث أعضاؤه عن الرياضة والطبيعة والطب والعلوم الاقتصادية والسياسية والفنون والآداب، ويبحث الآن كما كان يبحث من قبل عن حلول عملية لبعض المسائل التي تمس الزراعة والري والصحة وما إلى ذلك وهو يعتبر كأنه فرع من المجمع العلمي الفرنسي المستقر في باريس ولأعضائه إذا ذهبوا إلى مدينة النور أن يشهدوا جلسات هذا المجمع. وهو دولي كما يقولون فيه علماء يمثلون الأجانب الذين يقيمون في مصر على اختلاف جنسياتهم، وفيه مصريون. ولكن مصر لا تكاد تحسه ولا تشعر به وإن إعانته الحكومة المصرية بالمال، وإن كثر ما ينشره من الكتب والمذكرات، وإن أصدر نشرته في نظام واضطراد لأن لغته ليست اللغة العربية وإنما هي اللغة الفرنسية غالباً والإنجليزية أحياناً. ولست ادري أنشر هذا الفصل في مجلة باريس
стр. 97
بمناسبة المرسوم الملكي الذي صدر في منتصف الشهر الماضي بإنشاء المجمع الملكي للغة العربية أم هي مصادفة مطلقة؟ أرادت أن تشتغل مجلة من اكبر المجلات الأوربية بالمجمع العلمي المصري القديم، وفي الوقت الذي تشتغل فيه الصحف المصرية والأندية المصرية بالمجمع الملكي الجديد.
ولكن شيئا يدعو إلى التفكير على كل حال حين نقرأ الفصل الذي نشرته مجلة باريس وهو نشاط الفرنسيين وإسراعهم إلى إنشاء هذا المجمع وفتور المصريين وإبطاؤهم في إنشاء مجمعهم اللغوي.
أيام قليلة لا تكاد تبلغ الخمسة كفت لأن يتكلم بونابرت في مجمعه العلمي إلى بعض العلماء الفرنسيين الذين كانوا يرافقونه ويصدر إليهم أمراً بان يجتمعوا فيضعوا له نظماً ويرشحوا له أعضاء ولأن يجتمع هؤلاء العلماء فيضعوا النظام ويرشحوا الأعضاء ولأن يصدر المرسوم ويعقد المجمع جلسته الأولى وما هي إلا أسابيع قليلة حتى يجمع العلماء الفرنسيين الذين كانوا مفرقين في الإسكندرية ورشيد ليأخذوا مجالسهم في مجمع القاهرة ولا يكاد يعقد المجمع جلسته الأولى حتى يبدأ البحث وتقرأ المذكرات وتنشر الرسائل وكانت المطبعة والمعامل قد أعدت من قبل وما هي الا أعوام حتى يظهر هذا الأثر الخالد لهذا المجمع وهو كتاب وصف مصر.
أما نحن فنفكر في مجمعنا اللغوي منذ أعوام طوال ونحاول إنشاءه فلا نوفق. فكرنا فيه أن صدقتنا الذاكرة في أوائل هذا القرن وقبل الحرب الكبرى وفكرنا فيه وحاولنا إنشاءه أثناء الحرب وفكرنا فيه بعد الهدنة وفكرنا فيه بعد الاستقلال، واعددنا له مشروعا ومشروعا ومشروعاً وكان بعض هذه المشروعات يضيع فلا يهتدى إليه، وبعضها ينام فيطيل النوم وبعضها يقبر قبل أن تنبعث فيه الحياة. وأخيرا وبعد التفكير والتقدير، وبعد الذهاب والإياب، وبعد السفر والإقامة صدر المرسوم، وقيل في البرلمان أن المجمع اللغوي قد أنشئ. وهو قد أنشئ حقاً ما دام المرسوم الذي ينشئه ويحدد أغراضه ويرسم شكله ويبين له خطة العمل قد صدر ونشر وتحدثت عنه الحكومة في البرلمان. ولكنه منشأ بالقوة لا بالفعل، لأن مكانه لم يعرف وأعضاءه لم يختاروا وأبحاثه لم تنشر، والوجود بالقوة خير من العدم على كل حال. أنفق بونابرت أياما لينشئ مجمعاً ينتج بالفعل في واد مجدب من العلم
стр. 98
والفن والأدب. وأنفقت مصر ثلاثين عاما لتنشئ مجامعها وتنشر أبحاثها.
وشيء أخر يدعو إلى التفكير حين نقرأ الفصل الذي نشرته مجلة باريس. فالمجمع المصري القديم الذي أنشأه بونابرت لم يكن مقصورا على جنسية بعينها، وكان فيه منذ إنشائه قسيس يوناني شرقي، وهذا المجمع لا يزال إلى الآن دوليا، لا تستطيع أمة أن تقول لها فيه الكثرة حتى ولا مصر التي تؤويه وتنفق عليه وتمكنه من الحياة ونشأ عن ذلك أن مصر هذه التي تؤوي وتمد بالمال لا تستطيع أن تقول أن مجمعها المصري يعترف بلغتها على أنها اللغة الرسمية ومجمعنا اللغوي الجديد دولي أيضاً، سيمثل فيه الشرق العربي كله، وستمثل فيه أمم أوربية مختلفة، يشتغل بعض أبنائها باللغة العربية. وقد تكون اللغة العربية لغة المجمع الجديد وقد يستعين أعضاؤه بالفرنسية أحياناً وبالإنجليزية أحياناً أخرى، وربما كانت هذه اللغة أو تلك ايسر وأدنى إلى أن يفهم بعض الأعضاء بعضاً. وكذلك يكون في مصر مجمعان دوليان أحدهما علمي قديم والآخر لغوي جديد. وكذلك تضرب مصر للناس أحسن الأمثال في الإيمان بأن العلم يجب أن يكون فوق الأوطان والقوميات واللغات الخاصة!
وشيء آخر يدعو إلى التفكير حين نقرأ الفصل الذي نشرته مجلة باريس، وهو أن المجمع الذي أنشأه بونابرت كان يعقد جلساته في اتصال غريب لا يعرف الراحة ولا الهدوء، وهو الآن يعقد جلساته مرات في الشهر أثناء سنة العمل، لا يستريح إلا في الصيف حين يتفرق الأعضاء.
أما مجمعنا اللغوي الجديد فسيجتمع شهرا في العام في الشتاء أو في الربيع، فإذا فكرت في أن المجمع العلمي المصري واحد من مجامع تعد بالعشرات. وانه لو استراح من العمل لم يكد العلم يخسر كثيراً وأن مجمعنا اللغوي الناشئ بالقوة سيكون يوم ينشأ بالفعل واحداً من مجامع لا تبلغ أصابع اليد الواحدة عداً، وأنه يريد أو يراد له أن يضع معاجم في اللغة منها العادي ومنها التاريخي وان يجدد اصطلاحات العلوم والفنون وينشئ منها ما لم يوجد وأن يشرف بعد هذا كله على حياة الأدب واللغة وصفائهما. نقول إذا فكرت في هذا كله وافقتنا على انعقاد مجمعنا اللغوي شهرا كل عام في الشتاء أو في الربيع أقل جدا من أن يتيح له النهوض ببعض ما يطلب إليه. ولكن المجمع اللغوي قد وجد على كل حال ولو بالقوة
стр. 99
(وماش خير من لاش) كما يقول المثل ومن يدري لعل أعضاءه لا يكادون يجتمعون لأول مرة حتى تشرب قلوب بعضهم حب بعض ويعز كل منهم على صاحبه ويكرم في نفسه، فلا يفترقون بل يبقون في القاهرة يعملون طول الخريف وطول الشتاء وطول الربيع، ولا يفترقون في الصيف الا كارهين!.
стр. 100
صور من التاريخ الإسلامي
أبو ذر الغفاري
للأستاذ عبد الحميد العبادي
الأستاذ بكلية الآداب
العربي القديم من أبسط الناس طبيعة، وأوضحهم سريرة، وأصرحهم لسانا، وأشدهم استمساكا بما يراه الحق، وأعظمهم حمية، أن يجري عليه ذل أو ضيم. ثم هو من اكثر الناس قناعة، وأرضاهم من حطام الدنيا بالكفاف.
ذلك الخلق، الذي قد لا ترضى عن بعض نواحيه النظريات الأخلاقية الحديثة، يرجع إلى البيئة الطبيعية والاجتماعية التي نشأ العربي في حجرها، صيغ على مثالها. فالبادية محدودة الحاجة، ونظام القبيلة الاجتماعي إنما هو نظام الأسرة مكبراً. وكم للناس من فضائل هي وليدة بيئتهم، وإن شئت فقل: كم من فضائل الناس ما هو مرزوق غير مجلوب، وموهوب غير مكسوب!.
ولقد جاء الدين الإسلامي مطبوعا في جملته بالطابع العربي، موسوما بسمته، قد سلك إلى الحقيقتين الدينية والاجتماعية اقرب السبل، وعبر عنهما أوجز تعبيره وأبلغه، فهو من ناحية يأمر بالتوحيد المحض، ومن ناحية أخرى يأمر بالتسوية بين الناس في الحقوق العامة، وبالأخذ من الدنيا بحساب.
ولكن شاء الله أن ينبعث العرب من جزيرتهم غزاة فاتحين، وان يحووا مواريث أمم التبس عليها أمر الحقيقتين المذكورتين، فلم يلبث العرب أن تأثروا بتلك الأمم وانتقلت إليها أدواؤها وأصابهم ما أصابها من لبس واضطراب. فأما الحقيقة الدينية السهلة فقد صيّرها غلاة الفقهاء والمتكلمين، وأهل الأهواء والنحل، أمراً صعباً مستصعباً، له ظاهر وباطن، وقريب وبعيد.
ليس من موضوعنا أن نفيض فيما طرأ على الحقيقة الدينية في صدر الإسلام، ولكن موضوعنا مقصور على ما عرى الحقيقة الاجتماعية فنقول إن هذه أيضاً قد ضل عنها رجال السياسة ضلالا بعيدا. فأفسدوا بذلك النفس العربية الساذجة، وأبدلوها بالزهد في
стр. 101
الدنيا شغفا بها، وتهالكا عليها. نعم أن أبا بكر وعمر أنفقا جهدا غير يسير في سد ذرائع هذا الخطر، وبدءا في ذلك بأنفسهما. فكانا مضرب المثل في القناعة والزهد وخشونة العيش. وحاول ثانيهما أن يحمل الناس على القصد والاعتدال فلم يقسم بينهم الأرض المفتوحة عنوة، ثم زاد فمنع قريشا من الخروج إلى البلدان المفتوحة الا بأذن وإلى أجل. فلما شكوه خطبهم خطبة قال فيها تلك المقالة التي تفيض قوة وتصميما. . . . . ألا وان قريشا يريدون أن يتخذوا مال الله معونات من دون عبادة، ألا فأما وابن الخطاب حي فلا! أني قائم دون شعب الحرة فآخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار. فلما ذهب عمر لسبيله وولى عثمان تنفست قريش وسرى عنها، وأقبلت تستغل لين ذي النورين وحياءه الجم، فانطلقت إلى الأمصار تقتني المال الوافر والعقار الواسع والاقطاعات المترامية على ضفاف دجلة والفرات والنيل، وتتملك أرضا هي بحكم نظام عمر وقف على عامة المسلمين يشركون جميعا في غلته. فأثرت قريش وربلت، وصارت إلى رفاغة عيش لهم تلم لها من قبل بخيال. يحدثنا أبو الحسن المسعودي فيقول: (وفي أيام عثمان اقتنى جماعة من أصحابه الضياع والدور، منهم الزبير بن العوام، بنى داره بالبصرة وهي المعروفة في هذا الوقت. . . . . وابتنى أيضاً دورا بمصر والكوفة والإسكندرية وما علم من دوره وضياعه فمعلوم غير مجهول إلى هذه الغاية. وبلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلف الزبير ألف فرس وألف عبد وألف أمة وخطاطا بحيث ذكرنا من الأمصار. وكذلك طلحة بن عبيد الله التيمي، ابتنى داره بالكوفة المشهورة به هذا الوقت المعروفة بالكباسة بدار الطلحتين وكانت غلته من العراق كل يوم ألف دينار، وقيل اكثر من ذلك (!) وبناحية سراة (؟) اكثر مما ذكرنا، وشيد داره بالمدينة وبناها بالآجر والجص والساج؛ وكذلك عبد الرحمن بن عوف الزهري، ابتنى داره ووسعها وكان على مربطه مائة فرس وله ألف بعير وعشرة آلاف من الغنم، وبلغ بعد وفاته ريع ثمن ماله أربعة وثمانين ألفا. وقد ذكر سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت حين مات خلف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار. وابتنى المقداد داره بالمدينة في الموضع المعروف بالجرف على أميال من المدينة وجعل أعلاها شرفات، وجعلها مجصصة الظاهر والباطن. ومات يعلى بن أمية وخلف خمسمائة ألف دينار وديونا
стр. 102
على الناس وعقارات وغير ذلك) ثم يقول المسعودي (وهذا باب يتسع ذكره ويكثر وصفه فيمن تملك من الأموال في أيامه، ولم يكن مثل ذلك في أيام عمر بن الخطاب، بل كانت جادة واضحة وطريق بينة).
مهما يكن من المبالغة في هذا النص، فهو لا ريب يشير إلى حال كانت لا بد مثيرة لمعارضة جادة غير هازلة، فالعهد بصاحب الشريعة الإسلامية والشيخين كان لا يزال قريبا، ومبادئ الإسلام الديمقراطية لم تنمح بعد من الأذهان، وقد وجد نوعان من المعارضة لهذه الحال: نوع يستند إلى العنف والقوة المادية، وكان بالأمصار الكبرى، حيث الجند الذين شادوا الدولة بسيوفهم والذين اصبحوا يرون قريشا استأثرت بحقهم في الفيء، وبلسان هؤلاء يقول شاعر من أهل الكوفة: -
يلينا من قريش كل عام … أمير محدث أو مستشار
لنا نار نحرفها فنخشي … وليس لهم فلا يخشون نار
ومن هذا القبيل معارضة أهل المدينة. ولكنها كانت ذات صوت خافت ممجمج لأن المدينة لم تعد محل القوة المادية في الدولة العربية فقد خلفها في ذلك الأمصار المذكورة. والحق أن الأوس والخزرج قد أدوا الواجب الذي من اجله لقبوا (بالأنصار) ثم أخذ نجم مجدهم السياسي في الأفول. وأما النوع الآخر من المعارضةفكان يستند إلى الدليل الشرعي وإلى مبدأ الحق والعدالة. وهذا كان يحمل لواءه عاليا رجل قوال اللسان، ثبت الجنان، صريح في الحق كل الصراحة: ذلك أبو ذر الغفاري.
كانت غفار من القبائل الضاربة حول المدينة، وكانت في الجاهلية تحترف قطع الطريق واعتراض القوافل التي تمر من أرضها وهي حرفة لم يكن بها بأس في عرف ذلك الزمان، فنشأ أبو ذر نشأة أعرابية، واتصف بما يتصف به الأعراب عادة من صدق اللهجة وصراحة القول، ومرن على حياة البادية بما فيها من خشونة وسذاجة. ويقال أنه بقوة عقله وصفاء ذهنه أدرك ما عليه قومه من فساد العقيدة، فاطرح الأوثان ووحد الإله وذلك قبل أن يبعث النبي ﷺ بثلاث سنين. فلما نبئ ﵇ وبلغت أبا ذر دعوته، وجد مشاكلة قوية بين هذه الدعوة وبين ما كانت نفسه اطمأنت إليه من قبل، فرحل إليه من فوره، وما هو إلا أن لقيه وسمع منه القرآن حتى أسلم وكان خامس خمسة هم كل الجماعة
стр. 103
الإسلامية آنذاك. ولقد أبى إلا أن يجهر في مكة بدينه الجديد فتعمدته قريش بالأذى ثم ذكرت أنه من قوم تمر عيرها من أرضهم، فكفت عنه.
عاد أبو ذر بعد ذلك إلى البادية فدعا قومه إلى الإسلام فأسلم بعضهم، ثم أسلم سائرهم عندما هاجر الرسول إلى المدينة، وبذلك أصبحت غفار من القبائل التي ظاهرت الرسول في محاربته قريشا. وقد لبث أبو ذر في قومه إلى أن تمت الهجرة وانقضت أيام بدر وأحد والخندق ثم قدم المدينة وخرج مع الرسول في غزوة تبوك ولزم صحبته إلى أن توفي ﵇ فكان بذلك من أكبر رواة الحديث.
وقد وردت أحاديث تشير إلى أخلاق أبي ذر فيروى أن النبي سمعه يقول لآخر (يا بن الأمة) فقال ﵇ (ما ذهبت عنك اعرابيتك بعد) وتخلفت بأبي ذر راحلته عن الجيش في غزوة تبوك فتركها أدرك الجيش ماشيا وحده فقال الرسول (. . . يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده)، وورد فيه أيضاً (ما أفلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من ذي لهجة اصدق من أبي ذر).
وأقام أبو ذر بعد وفاة الرسول بالمدينة، فلما كانت خلافة عمر بن الخطاب ألحقه عمر في العطاء بأهل بدر تشريفا لقدره وان لم يكن منهم، فعرض له خمسة آلاف درهم في السنة. ثم خرج إلى الشام، وغزا مع معاوية ارض الروم سنة ٢٣ هـ وجزيرة قبرس سنة ٢٧ هـ.
فلما وقف تيار الفتوح العربية منتصف خلافة عثمان أقام أبو ذر بالشام فرأى ما آل إليه المسلمون من الحال التي سبق وصفها. رأى رجال الدولة تسمى الفيء مال الله توصلا بهذه التسمية الخادعة إلى الاستئثار به أو التصرف فيه كما يشاءون. ورأى المجتمع قد استحال فريقين متباينين: أغنياء مترفين وفقراء معدمين، فأثارت تلك الحال حفيظة أبي ذر وهو الذي شهد دورة الفلك كاملة، ورأى العرب في جاهليتهم وما صاروا إليه في خلافة عثمان، فنصب نفسه لمكافحة تلك الحال مهما جر عليه ذلك. فأعلن برنامجه في الإصلاح. فأما الفيء فيجب أن يسمى (مال المسلمين) لا (مال الله) وأما الأغنياء فيجب أن يرد فضل أموالهم على الفقراء، وذهب أبو ذر إلى المسلم (لا ينبغي له أن يكون في ملكه اكثر من قوت يومه وليلته أو شيء ينفقه في سبيل الله أو يعده لكريم) أخذ ذلك من ظاهر قوله تعالى
стр. 104
(والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) وبذلك البرنامج أصبح أبو ذر داعية اشتراكيا صريحا. وقد شاعت دعوته في فقراء الناس ومجاويحهم فثاروا بالأغنياء وطالبوهم أن يشركوهم في أموالهم، فتوجه الأغنياء بالشكوى إلى أمير الشام لذلك العهد: معاوية بن أبي سفيان.
أحب معاوية قبل كل شيء أن يختر صدق أبي ذر فيما يدعو إليه، فبعث إليه في جنح الليل بألف دينار ولما كان الصبح أرسل إليه يستردها بحيلة إحتالها فوجد أبا ذر قد فرقها كلها، فعلم معاوية أن الرجل يفعل ما يقول. فأقبل يجادله فيما يدعو إليه وعلى سبيل الترضية له قبل أن يسمي الفيء (مال المسلمين) بدلا من (مال الله) ولكن أبا ذر أصر على أن ينزل الأغنياء عن فضل أموالهم للفقراء، وعبثا حاول معاوية أن يقنعه بأن الآية التي يستدل بها إنما نزلت في أهل الكتاب وحدهم. وأعيا معاوية أمر أبي ذر فجنح إلى أخذه بالشدة فنهى الناس عن مجالسته وتهدده بالقتل فلما لم يجد كل ذلك رفع أمره إلى عثمان فأمره بأشخاصه إليه، فأشخصه إليه على شر حال.
لم يكن أبو ذر في المدينة بأسعد منه في الشام فقد حاول عثمان أن يصرفه عن دعوته، ويريه أنه لا يملك أن يجبر الناس على الزهد وعلى أن يؤدوا غير فريضة الزكاة، وان كل الذي يملك هوان يدعو المسلمين إلى الاجتهاد والاقتصاد. ولكن أبا ذر كان يريد برنامجه كاملا، وولع به أهل المدينة والتفوا حوله، فرأى عثمان آخرة الأمر أن يحصر الخطر في أضيق دائرة ممكنة فنفى أبا ذر إلى الربذة وهي مكان في البادية ناء عن المدينة. والظاهر أن عثمان لم يرد أكثر من إبعاد أبي ذر عن الناس، فالروايات تقول أنه أجرى عليه رزقا يناله كل يوم وأنه لم يمنعه إلى الاختلاف إلى المدينة من حين لآخر حتى لا يرتد أعرابياً.
لم يكن أبو ذر ثائرا ولكن طالب إصلاح أرتآه. ومما يدل على عدم نزوعه إلى الثورة أنه وهو في منفاه مر به ركب من أهل الكوفة ممن كان منحرفا عن عثمان فطلبوا إليه أن ينصب راية يلتف حولها كل من كان على شاكلته وشاكلتهم، فأبى ذلك بتاتا ونهاهم عنه: وأما مذهبه في الإصلاح فلا شك أنه ابن بجدته، فالإسلام لا يحظر الثروة ولا الملكية، ولا يوجب على المسلم حقا في ماله غير الزكاة، وكل ما ينهي عنه الإسلام في هذا الصدد إنما هو أن تجعل الثروة غرضا مقصودا لذاته.
стр. 105
وعندي أن حركة أبي ذر الاشتراكية تمت بنسب قوي إلى حركة مزدك الشيوعي الذي ظهر بفارس على عهد قباذ وكسرى أنو شروان، والذي كاد يقلب نظام المجتمع الفارسي رأسا على عقب لولا عزم أنوشروان وحزمه. فإذا عرفنا أن اليمن خضعت لفارس قبيل الإسلام وان يهوديا من أهل صنعاء يعرف بابن السوداء ادعى الإسلام في خلافة عثمان وجعل يطوف الأمصار الإسلامية داعيا إلى الثورة، وانه هو الذي حرك أبا ذر لما أنس فيه من الميول الاشتراكية، إذا عرفنا ذلك كله فقد وضحت الصلة بين الحركة الشيوعية الفارسية القديمة وبين الحركة الاشتراكية التي أوشكت أن تقع في الدولة الإسلامية على عهد ثالث الخلفاء الراشدين.
لبث أبو ذر في منفاه نحو ثلاث سنين يعاني ألم الوحشة وكبر السن وخيبة الأمل فلما أدركه الموت في سنة ٣٢ هـ كانت وفاته مؤثرة ودالة على شدة ثباته على مبدأه حتى النهاية، وعلى أنه حقا قد مشي وحده، ومات وحده، يروي ابن سعد في طبقاته أنه عندما حضرت الوفاة أبا ذر حارت امرأته في أمرها لتوحدها في تلك الفلاة (فكانت تشد إلى كثيب تقوم عليه فتنظر ثم ترجع إليه فتمرضه، ثم ترجع إلى الكثيب، فبينما هي كذلك إذا هي بنفر تحذ بهم رواحلهم كأنهم الرخم على رحالهم، فألاحت بثوبها، فاقبلوا حتى وقفوا عليها، قالوا ما لك؟ قالت امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه. قالوا ومن هو؟ قالت أبا ذر. ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، ووضعوا السياط في نحورها، يستبقون إليه حتى جاءوه. فقال لهم. . . . . . . . . ولو كان لي ثوب يسعني كفناً لم أكفن إلا في ثوب هو لي، أو لامرأتي ثوب يسعني لم أكفن إلا في ثوبها، فأنشدكم الله والإسلام الا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو نقيبا أو بريدا. فكل القوم قد كان قارف شيئا من ذلك إلا فتى من الأنصار قال أنا أكفنك فإني لم اصب مما ذكرت شيئا، أكفنك في ردائي هذا الذي على وفي ثوبين في عيبتي من غزل أمي حاكتهما لي. قال أنت فكفني. . . فكان ذلك الفتى الأنصاري هو الذي تولى تجهيزه ثم دفنوه جميعا.
وهكذا انطفأ سراج هذه الشخصية الفذة العجيبة. أنها لا شك من تلك الشخصيات التي يقدمها الزمن عادة بين أيدي الأحداث الخطيرة إنذارا للناس وإقامة للحجة عليهم إذا لج بهم الغرور فلم يرعوا ولم يزدجروا.
стр. 106
على أن روح أبي ذر لم يكن ليغيب مع جثمانه في تلك الفلاة البلقع، فقد ظل صوته داويا إلى أن تحقق ما أنذر به المدينة من (غارة شعواء وحرب مذكار) ووقفت الفتنة الكبرى التي يقال أنها أنتجت كل فتنة حدثت في الإسلام. ولقد كانت غفار ممن نهض فيها وألقى في نارها حطبا.
стр. 107
العلم والخلق
للدكتور منصور فهمي
أستاذ الفلسفة بكلية الآداب
وجهة العالم في أن يدرك الأمور على ما هي عليه، ونشاطه في أن يكسب للمعرفة من ميدان الجهل، وأن ينشر النور حيث يخيم الظلام. ووجهة الخلقي في أن يصور الأمور على ما ينبغي أن تكون عليه الأمور، وأن يلفت الأنظار إلى مثل عليا تحفز بالناس للتسامي إليها والارتفاع بأنفسهم وبالحياة الراهنة إلى ما هو أرفع من أنفسهم وأرفع من الحياة الراهنة.
ولطالما اضطربت الإفهام واستغلق الأمر على الباحثين حيث تعرضوا لاستجلاء الصلة بين العلم وبين الأخلاق فحسبوا أن الوشائج بينهم مقطوعة حين نظروا إلى وجهتين مختلفتين: وجهة من يصف ويعلل، ووجهة من يرتضي مثالاً ويوجه إليه، وجهة من يهز صوته الفكر ويتردد صدى هذا الصوت بين جوانب الدماغ، ووجهة من تؤم نغماته تجاويف القلب وتسري في أقنية الدم، وعلى أسلاك العصب لتدفع بالنفس كلها إلى العمل.
ولطالما رأى غير قليل من المفكرين أن العلم النظري وثمراته التطبيقية لا تؤثر في الناس لتهذيبهم على نحو ما تؤثر العقائد الدينية والفلسفة والمثل العليا، حتى أن بعض قادة الفكر في الزمن الحديث أمثال (بسكال) و (ديكارت) اصطنعوا لأنفسهم ذلك الرأي فتخطوا العلم ليجدوا في الدين وفي العرف مرشدا لسلوكهم ومأمنا لأحكامهم وتقديرهم في اتخاذ الحسن من الأفعال وتجنب القبيح منها، وفي اتخاذ السبيل لراحة النفس واطمئنانها. بل قد ذهب غير قليل من مفكري عصرنا إلى إساءة الظن بالعلم فحملوه أوزار الحروب القاسية، وأخطار الفراغ الممل، وأضرار الثورات الاجتماعية العنيفة ومساوئ المطامع والتنازع الحاد، حتى وقد يبالغون في لوم العلم إلى حد أن يروا على نحو ما يرى (أيشتين) في أنه ذلك المسيء إلى الحريات الإنسانية، فمن ينظر إلى تلك المصانع وما فيها من آلات منوعة، وأعمال موزعة، يتبين أنها تتناصر جميعا على استعباد عدد من العمال وفير، وتسخيرهم تسخيراً آلياً تضمحل معه نفوسهم، وتهن من تأثيره كرامتهم، بل ربما يذهب الذاهبون في مذهبهم العدائي للعلم إلى حد أقسى مما تقدم، فلا يشفع له عندهم فضل
стр. 108
المحسن إلى البشر إذ يقاوم الأمراض الفتاكة، وييسر المسافات البعيدة، ويرفه الخلق في كثير، فمع ذلك ورغم ذلك قد ينكرون على العلم قيمته وفضله لأن من يستطيع الإحسان في شيء قد تكبر تبعته ويعظم إثمه إذا هو استخدم سلاحه للإساءة والعدوان وهو عارف لمواضع الإحسان. وأي إساءة اعظم من إساءة الحروب المعززة بجهود العلم؟ وأي عدوان أشد من تحويل عدد عديد من الناس إلى صنف من المخلوقات يستغرق في الإنتاج شهوة ومن غير قصد، ويستغرق في الاستهلاك شهوة، ومن غير حد؟.
على أن هذا النحو من النظر العدائي ربما كان بعض مصدره ما تتعرض إليه النفوس واللغات أحياناً من الخلط بين الوسائل وغاياتها، وبين العلل ومعلولاتها، وبين الحال والمحل مما هو شائع ذائع.
وعلى هذا النحو خلط الكثيرون بين العلم المحض الخالص وبين نتائج العلم وتطبيقاته في شؤون الحياة، وكذلك قد ظلموه على نحو ما يظلم السيف المهند في يد الجندي الجبان.
وليس حظ السذج والعامة في الخلط بين العلم وتطبيقاته بأربى من حظ بعض الخاصة وأشباههم في هذا الأمر. وقد يطلب الكثيرون من معاهد العلم ودوره أن تفيض عليهم وعلى أبنائهم من المتعلمين بما ينتفع به الناس انتفاعا عمليا حتى شاعت في السنين الأخيرة عندنا وعند غيرنا من الأمم بدعة العلم العملي والتعليم العملي ونادى بها أكثر من كاتب، وقال بها أكثر من مشتغل بشؤون التعليم. ولو أنصف هؤلاء وهؤلاء لأعترفوا للعلم بطبيعته النظرية، وقدروا له حرصه على المعرفة لذاتها فحسب دون تقدير لنتائجها الضارة أو النافعة.
لكن غير المشتغلين بالعلم الخالص من أفراد الناس بخاصة هم الذين وجهوا نتائج العلم للخير والشر وللحسن والقبيح، دون أن يكون للعلم في ذاته دخل في ذلك التوجيه. فما على العلم إذن وما له إذا استخدم الإنسان بعض آثاره ليعيث بها فسادا أو ليصلح بها في الوجود؟.
ليس في قانون البحث العلمي ما يلزمنا أن نحكم بأن غازا من الغازات يجب أن يتوجه لحيث يحيي أو لحيث يميت! وليس في قانون العلم أن جوهرا من الجواهر يجب أن يكون سما ناقعا أو بلسما نافعا! لكن طبيعة الإنسان بما فيها من رفعة أو ضعة هي التي تستخدم
стр. 109
السم لتجعل منه الدواء أو لتجعل منه الداء، وهي التي تستخدم الشيء الواحد ليكون نعمة أو نقمة. فمدار الخير أو الشر إذن إنما هو منوط بالإنسان. . . على أن الناظر المدقق لو أنه تأمل مليا لوجد أن العلم يشمل عدة عناصر تهيئ النفس للتسامي والخير. ذلك لأن العلم بشيء من الأشياء، وتكشف الحق في جهة من الجهات، وإطلاق النور في مكامن الديجور كل ذلك إنما يشعر بعظمة العقل وجدارة الإنسان، وفي الشعور بالعظمة والجدارة أول مصدر للخلق ونبالته. ولست أريد في هذه الكلمة الوجيزة أن أتعرض لما يحدثه العلم واصطناعه في تقوية الاستعدادات الخلقية الكريمة، وحسبي أن أنبه طالب العلم إلى أن العلم في جوهره نبيل وأن المنتمي إليه يجب أن يكون نبيلا. فيا طالب العلم لا تأثم في حقه فتتوجه به إلى منخفض من الحياة، وإلى ما في الدنيا من ضعة! واعمل دائما على أن تعلو بعلمك إلى السماء وتحلق به حيث شرف النفس ورفعة المقصد وآفاق المعاني السامية وعالم الخير.
стр. 110
التجديد في الدين
للأستاذ أمين الخولي
المدرس بكلية الآداب
مقال لمشروع القرش، وحول مشروع القرش، يحضر النفس ذكر الشباب، والتضامن والاستقلال والحياة والقوة وتجديد مجد مصر. . ثم نحن الآن في رمضان: صوم وزهد وتدين. . فمن تداعى هذه المعاني يأتلف العنوان (التجديد في الدين).
عنوان قد يطلع على البعض جريئا بل ربما كان مزعجا لكثير من المتدينين الذين يتعجلون الحكم على الأشياء قبل اختبارها ويبتدرونها بتلك الأحكام الغاضبة السريعة. فان يفعلوا ذلك قبل الفراغ من المقال فهذا هو الذي يفقد أحكامهم قوتها وحرمتها. وإن يتريثوا حتى يقرءوا فسيرون أنهم كثيرا ما يثورون في وجه من لا يستحق منهم الا التقدير.
عنوان قد يكون نابيا قلقا عند غير المتدينين. لأنهم يرون في الشيوخ صورة المحافظة المسرفة، بل يعتبرونهم حجر عثرة في سبيل التجدد على اختلاف ألوانه. ويحملونهم تبعة الكثير مما أوقف الشرق وأخره. ويرونهم جند الرجعية ومرجعها. ويصدر الكثيرون عليهم أحكاما رهيبة. لكنها سرية قل من يجرؤ على مجاهرتهم بها. فأصحاب تلك الآراء والأحكام قد يعدون هذا العنوان دعابة مازحة ومفارقة فكهة. لكنهم إن يتعجلوا الحكم كذلك قبل أن يقرءوا فهذا بعض تطرفهم الذي يفقد جهادهم قوته ويعوق نجاحه. وان يطمئنوا حتى يقرءوا فسيرون أن كثيرا مما ثاروا فيه على الدين ليس من الدين في شيء وأن الدين غير المنتسبين إلى الدين.
العنوان حقيقة صحيحة صريحة لا فكاهة فيه ولا مروق (إن شاء الله) ففي الدين فكرة واضحة عن التجديد تبين ناموسا كونيا وتنبه إلى سنة اجتماعية مطردة لا تتبدل. إذ ورد في الحديث (أن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها) أو ما هذا معناه. وهو حديث صحيح نص على صحته متقدمون منهم البيهقي والحاكم ومتأخر ون منهم ابن حجر والعراقي. . وراجت فكرة التجديد في الإسلام. وعني العلماء ببيان مجددي كل مائة وتعيين أسمائهم وأعمالهم والترجمة لهم. . . ولا أريد هنا وفي هذه الإلمامة الصحفية، أن أعني باستقصاء تاريخ فكرة (التجديد في الدين) بل اكتفي بأن أشير في ذلك
следующие страницы →