Полный текст (65 431 стр.). Показаны 11131–11170 · переход к 11136.
стр. 11131
كانت هذه المدة الوجيزة كافية لأن تجعل الشاب فكري أفندي يهوى الفتاة، ولأن يجعل الفتاة تحب ذلك الشاب، كأنما قد عزم كل منهما ابتداء على أن يحب الآخر إذا رآه! حقاً إن هناك نوعاً من الحب ينشأ للنظرة الأولى، ولكن ذلك الحب لا يستطيع أن يكون من نظرة عابرة جاءت عفواً؛ ولئن كانت النظرة السريعة تعقب الحب فلا بد أن يكون هناك عامل قد ساعد عليها، وأنه من حق النظارة أن يروا ما هو ذلك العامل الذي أسرع بالحب إلى هذا الحد.
على أننا إذا سلمنا أن الحب قد ينشأ من النظرة العجلى، فأنا لا نستطيع أن نسلم أن تبادل ذلك الحب يكون بغير تدرج ولا تقديم، وذلك على الأقل بين أصحاب النفوس المثقفة المهذبة، فكان لا بد للمخرج أن يدبر من الحوادث ما يساعد على إتاحة الفرص لتبادل ذلك الحب وإنمائه، ولكن فلم دموع الحب سار من المقابلة القصيرة الأولى إلى نزهة في الفجر في الحديقة يلتقي فيها الشاب بالفتاة ويبادلها أول ألفاظ التعارف فلا يكادان يسيران معاً دقائق قليلة حتى ترتفع الكلفة، وحتى يندفع الاثنان في تصريحات ودية، وحتى تبادلا الحب تصريحاً. ثم يسير الفلم بعد ذلك إلى نزهة لا مناسبة لها، ولا تفسير يعلل حدوثها، وفيها يتبادل المحبان العهود والمواثيق على أقدس أنواع الارتباط.
ومثل آخر لا يستطيع الناظر إلا أن يصطدم به وهو عندما عاد فكري أفندي من السفر بعد أن تبسم له الحظ ليحمل إلى حبيبته بشرى تحقيق الأمل في الزواج فيجد حبيبته في الحديقة إلى جوار حلمي صديقه، ولم يكن يعرف أن ذلك الصديق له أية علاقة بحبيبته وكذلك لم يكن ينتظر أن يجد تلك الحبيبة في مثل تلك الجلسة الخاصة مع شاب آخر. ومع ذلك فأنه لم يفعل شيئاً أكثر من أن وقف وجعل يتكلم عما جاء له، وكأنه لم يلاحظ شيئاً في وجود حبيبته في الحديقة منفردة مع شاب يناجيها وحيداً. ألم يكن من حق الناظر أن يرى علامة من علامات الاستياء على وجه المحب المتيم؟ ألم يكن على الأقل من حقه أن يرى علامة من علامات الدهشة أو الارتياع على وجه الشاب الذي أتى يحمل كل آماله إلى حبيبته فلا يجدها تطير نحوه كما كان ينتظر؟ وأين كرامته المجروحة؟ وأين حبه الثائر؟ وأين غيرته ونيران حقده؟ ثم ذلك الصديق الذي خانه مع سابق إخلاصه إليه وآسر على سعادته مع ما قدمه له في الأيام الماضية من وده وإخائه. ألا يستحق منه غير ذلك الموقف الفاتر الخامد؟
стр. 11132
ويعود فكري أفندي بعد ذلك إلى الدار التي كان قد بناها لتكون داره مع زوجته المنشودة فيبكي ويتضاءل حتى يبلغ مكان صورة تلك الحبيبة الغادرة - ولكنه يقف فيطيل البكاء إلى جانبها ولا تحدثه نفسه بثورة ما - أحقا هكذا يفعل المحب الثائر الحب؟
إننا نخطئ كثيراً لو زعمنا أن الفلم يستطيع أن يبلغ المستوى المطلوب بالغناء وحده، فإذا شئنا الغناء فليكن الفلم صورة لعرض غنائي لا محاولة فيه للتمثيل. فإذا كان ولا بد من المزج بين الغناء والتمثيل فليكن الدور الأكبر مسندا إلى من يستطيع أداءه، وليختر موضوع الفلم اختياراً يسمح بأن يكون للمغني دور لا يحتاج إلى كبير دراية في فن التمثيل. فالحق أن الأدوار الثانوية في فلم دموع الحب كانت لا نسبة بين أدائها وبين أداء الدور الأكبر. فلقد أتقن المعلم حنفي (عبد القدوس) ما شاء له الفن وكذلك أتقن حلمي أفندي (سليمان نجيب) دور الصديق الغادر والغني المستهتر اتقانا يستحق كل الإعجاب، ولو كان هذان الفاضلان هما بطلا القصة لكان الإخراج الفني أبرع وأبدع.
وأما عن الغناء فلست أدري ماذا يرى كل من شهد الفلم فيه، لأن الغناء مرجعه إلى الذوق ولا يستطاع فيه النقد المنطقي الذي يصح في التمثيل، على أني لا أستطيع أن أكتم ما أحسست به، وذلك أنني لم أسمع إلا تلك الأغاني التي اعتدنا سماعها في الصالات، وفي ليالي الغناء المعتادة، وفي أسطوانات الأدوار الشائعة. وبعد فأنّا نتساءل: أهذا هو الغناء المقصود في روايات الأوبرا أو الأوبريت؟ إننا لم نشهد بعد من تقدم الغناء ما كنا شهدنا بوادره في روايات السيدة منيرة المهدية أمثال كرمن وروزينا وتابيس وغيرها مما عرضته تلك الفنانة الماهرة في وقت ما منذ عشرات السنين، وقد كنا ننتظر أن يسمو الغناء المسرحي بعد ذلك إلى درجة أعلى من تلك، فإذا بنا نعود إلى تلك الأغاني الساذجة المكررة التي اعتدنا سماعها على التخوت أو في الصالات. وإنا لا نشك في أن تلك الأغاني لها جمالها الخاص، ولا سيما عند بعض الأذواق التي يجب أن تخرج عن قيود المألوف إلى التعبير عن عواطف النفوس، وتستدرج السامعين إلى أنواع منوعة بدل تلك الآهات المكررة والأنغام الواحدة المعتادة. وإنه لمن العجيب أن نسمع صوت العود والكمان، بل نقر الدف لحفظ الوحدة في تلك الأغاني كأنما نحن نستمع إلى تخت لا إلى شخص حي يفيض بعواطفه ويترجم عن وجدانه! والحق أن تلك الآلات الموسيقية وذلك النقر الناشز
стр. 11133
كان له أثر عظيم في تحويل العقل عن الاستغراق في القصة، وإلى إزالة غشاء الخيال عن جو القصة وإعادتها إلى جو آخر تنبه فيه العقل إلى أن الصور التي أمامه إن هي إلا صور متحركة وليست قصة حياة.
ولقد جرى مخرجو الأفلام المصرية إلى الآن على عادة لا نظنها تؤدي بهم أبدا إلى التفوق المنشود، وذلك أنهم يحاولون الاستغناء عن المؤلف الأديب. ولو كان المؤلف الأديب غير ضروري لكان لهم العذر فيما يذهبون اليه، ولكانت رغبتهم في الاقتصاد مفهومة واضحة، إذ لا نستطيع أن نلومهم على اقتصاد مبلغ من المال بدل أن يبذلوه للأديب الذي لا فائدة منه، ولكن الأمر على غير ذلك، فان أول أساس لنجاح القصة أن تكون قصة صالحة مكتوبة كانت أو مترجمة. ولقد رأينا فيما مضى أن أقوى مهارة في التمثيل تضمحل وتنتهي إلى الفشل التام إذا لم يكن دعامة ذلك التمثيل موضوعاً سامياً وقصة رائعة ذات جمال وفن وأدب؛ ونحن إذا استعرضنا المحاولات التي حاولها المخرجون إلى الآن لم نجد أنهم خصصوا لناحية القصة عناية تذكر. وقد يشكو المخرجون من أن الأدباء لا يواتونهم بالمؤلفات اللائقة كما أنهم قد يشكون من أن الأدباء يظهرون لهم من صعوبة المراس ما يجعلهم ييئسون من تعاونهم، ولكننا مع ذلك نريد أن نذكرهم ببعض أرقام قد تكون لها دلالة كبرى فان متوسط ما يناله الأديب الإنجليزي نظير قصة من قصص الأفلام يتراوح بين خمسمائة جنيه وألف جنيه، في حين أن متوسط ما يناله الأديب من هوليوود أكثر من ألف جنيه بلا نزاع؛ وليس من العجيب ولا المحرم أن يفوز المغني بآلاف الجنيهات؛ وكذلك ليس من العجيب ولا المحرم أن يفوز المخرج أو الممثل أو عارض الأفلام بآلاف مثلها، ولكنا نضيف إلى ذلك أنه ليس من العجيب ولا من المحرم أن يفوز الأديب ببعض تلك الألوف، لأنه شريك أساسي في المجهود الفني. ولهذا نرجو أن يعني المخرجون باختيار الموضوعات وألا يضنوا على الأدباء بما يشجع المبرز منهم على التخصص في إخراج ما تحتاج إليه الأفلام المصرية من القصص.
هذه كلمة لا نقصد بها إلا خدمة ذلك الفن الوليد ونحن على يقين من أن القراء مدركون قصدنا منها، وكذلك نرجو أن يحملها المخرجون والفنانون على المقصد السامي الذي نرمي إليه.
стр. 11134
محمد فريد أبو حديد
стр. 11135
قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور احمد زكي
وكيل كلية العلوم
بستور المسعور
وصل الفائت
نصب أعداء بستور له فخاً فدعوه إلى أن يجري تجربته عن اللقاح الذي اكتشفه في جمع عام. فأجابهم إلى ذلك، وحقن البهائم على رؤوس الأشهاد بالمكروب الأضعف، وبعد أيام حقنها بالضعيف ثم بعد أيام بالأقل ضعفا. واصطبر إلى اليوم الذي يحقنها فيه بالمكروب الحي القتال.
- ٤ -
وجاء اليوم الكبير الموعود، اليوم الحادي والثلاثين من مايو، فحقنت المواشي جميعها - ما حُصّن منها باللقاح وما لم يحصن - بحقنة قاتلة لاشك فيها من مكروب الجمرة، وقام بحقنها رو، فنزل في الوحل إلى ركبتيه، ومن حوله مصابيح الكحول وقوارير المكروب، فأدهش النظارة بحسن ضربه الإبرة في جلود الحيوانات، وبهدوئه ورزانته وبروده وهو يضربها.
أودع بستور كل سمعته العلمية هذه التجربةَ الدقيقة التي لا تؤتمن، وما فرغ منها حتى أدرك حقيقة الموقف، وأيقن أنه أجاب داعي الرجولة والشجاعة برضائه إجراءها، ولكنه أيقن إلى جانب ذلك أنه أذن للجمهور، وهو المتلوّن المتذبذب، في تقدير علمه والحكم عليه. فلم يطب له نوم تلك الليلة، وقصاها يتلوى ويتقلب على فراشه، وكلما عزه النوم قام عن سريره يطلب الراحة في القيام، ثم هو لا يجده فيعود إلى النوم، وهكذا دواليك، وأوصته زوجته بالصبر ومنّته خيراً فصمت عنها، ودخل معمله وخرج منه مُقطِّب الجبين عابساً، ولا شك عندي أنه هرع إلى الله فصلى ورجا وابتهل، ولو أني لم أقرأ شيئاً من
стр. 11136
ذلك في الأوراق.
كره بستور الصعود في البالونات، وخشي دائماً عواقب الخصومات في المبارزات، ولكنه لم يجبن ولم يتردد لما دعاه هؤلاء البيطريون إلى هذه التجربة وساقوه عامدين إلى هذا المأزق الخطير.
وجاء اليوم الأكبر الموعد، يوم الثاني من يونيو عام ١٨٨١، فجاء الناس من كل حدب وصوب لحضور اليوم المشهود، يوم يحكمون في أمر بستور، فإن خيراً فله، وإن شراً فعليه، وكثر عددهم حتى ضاق بهم المكان الرحيب، وتضاءل إلى جانب هذا الاجتماع كل اجتماع سبقه، وكان في الحاضرين نواب الأمة وشيوخ من شيوخها، وكان فيهم عظماء، وكان فيهم كبراء، ومن كل حسب ونسب لا يظهر في الناس إلا في أعراس الأمراء وجنائز الملوك، وكان فيهم الصحافي الشهير دي بلوفتس حوله جمهرة من رجال الصحافة ومكاتبيها.
ودقِّت الساعة الثانية، فخرج بستور إلى الميدان يصحبه رجاله، وفي هذه المرة لم يكن له ولهم من الجمهور إلا الترحيب الصارخ والهتاف المتعالي. فأما الشياه الأربعة والعشرون التي كانت لُقّحت ثم حُقنت فيها الملايين من المكروبات القاتلة فقد وجدوها قائمة تأكل وتجري فرحة مرحة هانئة بالحياة، ولم يجدوا بواحدة منها أثراً من الحُمىِّ، فكاْن مكروب الجمرة لم يخالط دمها، وكأنما كان بينه وبينها ما بين الأرض والسماء.
أما الشياه الأربعة والعشرون الأخرى التي لم تُلقِّح، تلك الأربعة والعشرون التي حقن المكروب القتال تحت جلدها من غير أن تُحمى منه وتُحصّن، فقد وجدوا اثنين وعشرين منها راقدة على جنوبها في خط واحد رقدةً تبعث الأسى والحزَن. أما الاثنتان الأخريان فكانتا لا تزالان قائمتين على أرجلهما ولكن في غير اتزان، تجاهدان في سبيل العيش هذا العدوَّ الأخفى الذي ما غالب الحياة إلا غلبها، وكان دم أسود ينضح من أنفيهما ومن شفتيهما ينذر بقرب لحاقهما بالشياه المنبطحة الصريعة من أخواتها.
صاح بَيْطار لأخيه البيطار: (انظر، انظر، فهذه أخرى من التي لم يلقِّحها بستور قد سقطت إلى الأرض!).
- ٥ -
стр. 11137
حضر عيسى المسيح عرس (كانا) الشهير، فلما نَفِد الخمر وكاد يتعرض أهل العرس للفضيحة شاء يسوع أن يستحيل الماء خمراً فاستحال، ولم يذكر لنا الإنجيل تفصيل ما ظن الناس بصاحب هذه المعجزة، ولا ما فعلوا به عندها. وهذا بستور في الثاني من يونيو عام ١٨٨١ يأتي في هذا العصر الحديث بمعجزة لا تقل إعجازا عن تلك التي وقعت في ذلك العصر المقدَّس العتيق فيقوم هذا الجمع الحاشد، على الرغم مما كان من اختلاف أهوائه يحنون رؤوسهم لهذا الرجل القليل، المشلولِِ بعضُه، الذي حمى مواشيهم تلك الحماية التامة الرائعة من قرصات هذه الخلائق الصغيرة التي تقرص فتقتل في الظلام قتلاً مُؤكّدا. إن هذه التجربة الجميلة التي أجراها بستور على الملأ في بُحبوحة هذا الحقل تقع في نفسي موقعاً شاذاً غريباً، لأنها قصة شاذة غريبة في تاريخ الإنسان وجهاده هذه الطبيعة القاسية. أما شذوذها ففي هذا التهليل والتكبير الذي صحبها، وهذا الترحيب الصاخب الذي ناله بستور من أجلها. فعهدنا بكشوف العلم ألا تقدِّر في حينها، وعهدنا بها أن ينال صاحبها الأذى من أجلها. ألم يودع جاليليو السجن من أجل أبحاثه التي تسببت أكثر من غيرها في الانقلاب الهائل الذي أدى بالدنيا إلى حالها الحاضرة؟ وكم لجاليليو من أشباه وأمثال. كذلك عهدنا بصاحب الفكرة أن تبقى فكرته ويزول فلا يَنْعم حتى بالذكر طيباً كان أو خبيثاً. وإلاّ فما العباقرة الأولون الذين اخترعوا النار واصطنعوا العجلات وابتدعوا الشراع وأنّسوا الخيل؟.
- ٦ -
أما بستور فحظه غير حظ هؤلاء جميعاً. فهذا هو قائم في هذا الحقل ومن حوله الأغنام الأربعة والعشرون تشطح وتمرح بين جُثثٍ أربعِ وعشرين لأخوات لها ماتت شر ميتة. رجلٌ قدير في تمثيله، ومسرحٌ فخم في بشاعته، ورواية خالدة على الدهور، وقد اجتمعت الدنيا إليه تسمع وتنصت، وتُثبت ما تسمع، ثم تدخل في دينه أفواجاً تحارب معه الموت لَّما بان لها أن النصر قريب أكيد.
وأحدثت هذه التجربة في الناس تحوّلاً كبيراً. مثال ذلك رجل يدعى الدكتور بَيُوت كانت صناعته علاج الخيل والسخرية ببستور سخريةّ مُرَّة. فلما رأى أخيرة الشياه تموت جرى
стр. 11138
مندفعاً إلى بستور يصيح به: (بالله عليك يا سيدي إلاّ ما حصنتني بهذا اللقاح كما حصَّنت هذه الشياه، ثم حقنتني بذلك المكروب القاتل كما حقنتها فنجَّيتها، فالعالم لابد أن يقتنع بصدق هذا الكشف العجيب!).
وجاءه خصيم آخر مخفوض الجناح يقول: (حقاً إني قصفت بالنُّكات الكثير عن هذه المكروبات، أما اليوم فأنا مخطئ توَّاب!). فأجابه بستور مقتبساً من الإنجيل: (سيكون الفرح في السماء لخاطئ واحد يتوب أكثر منه لتسعة وتسعين من العُدوُل الذي لا يحتاجون إلى التوبة).
أما الصَّحفيِّ الكبير دي بلوفتس فهتف لبستور وهرع يرسل تلغرافه إلى جريدة التيمس والى جرائد الدنيا. قال فيه: (إن تجربة قرية بولي - نجاحاً كاملاً لم يسبق له مثيل.
وتلقت الدنيا هذا الخبر، وأخذت تنتظر ما بعده، فكأنما حسبت في شيء من التخليط أن بستور بعض الأنبياء أرسله الله رحمة بالناس، يحمل عنهم الأثقال ويدفع عنهم الآلام. وخرجت فرنسا عن وعيها فيه فسادت به أعظم أبنائها ومنحته وسام الكردون لأكبر لليجيون دونير وبعثت إليه الجمعيات الزراعية والبياطرة وفقراء الفلاحين ممن حلّ بحقولهم داء الجمرة اللعين، بعثوا أجمعين إلى بستور برقيات عديدة يسألونهُ ألوف الحُقَن من لقاحه الشافي، وأجاب بستور وأعوانه الثلاثة رجاء هؤلاء في نخوة مجيدة أنستهم صحتهم - والعلم كذلك. وكان بستور شاعراً، فأثارت شاعريته في قلبه ايماناً بتجربته، التي كانت، زاد حتى أربى على إيمان من دخلوا في دينه حديثاً.
نعم أجاب بستور السائلين، فقلب معمله الصغير بشارع مصنع للقاح، فكنت ترى الأوعية الكبيرة بأحسيتها على النار تغلي وتتفقَّع ليزُرع فيها مكروب الجمرة بعد إضعافه وتأنيسه. وكنت ترى رو وشمبرلاند يقومان على إضعاف البشلة القوية والتخفيف من عنفها لتعطى شياه فرنسا بعض المرض دون أن تقتلها، وتوخيا الدقة فيما يعملان، ولكن أين الدقة من المسرع الهلع؛ وتهيأ اللقاح، فقام الأعوان جميعاً والعرق يتصبب منهم بتعبئة الجالونات الكثيرة منه في زجاجات تسع الأوقيات القليلة. وكان لا بد أن تكون الزجاجات طاهرة من المكروب كل الطهارة فطهروها؛ كل هذا دون أن يكون لديهم كل الأجهزة اللازمة لضمان العاقبة، يا عجبا لبستور! كيف قام بذلك كله؟ بل هي تجربة واحدة واضحة ابتدعها - أم
стр. 11139
هو القدر أعثره بها؟ - ملأنه ثقة عمياء ليس عهدي بالتجارب الفُرادى الواحدة أن تملأ رجلا بمثلها.
وفي أثناء تحضير هذه الألقحة كان الأعوان الثلاثة يتحينون الفرص فيفلتون منها ليلقحوا البهائم في شمال فرنسا وفي جنوبها، وأدى بهم المطاف يوما إلى هنغاريا. لقحوا مائتي شاة هنا، ولقحوا خمسمائة وستا وسبعين شاة هنالك، حتى بلغ ما لقحوه في دون العام مئات الألوف منها؛ ثم يعود هؤلاء اللقّاحون الأفّاقون يجرون أرجلهم من التعب إلى باريس، وفي حلوقهم عطشةُ إلى شراب يسوغ، وفي قلوبهم عطفةٌ إلى حُبّ يطيب، أو لعلهم كانوا يتوقون إلى ساعة هادئة يقتلونها على دخان الطُبّاق: ولكن أين لهم ذلك وبستور كان يكره رائحة الطباق، أما الحب والشراب فكيف يجوز أن عنده وشياه فرنسا تثغو ثغاء عالياً تطلب الخلاص ممن عنده الخلاص، فلا يكون لهؤلاء الثلاثة الأرقاء رغم شبابهم مندوحة من إطاعة هذا المجاهد المجنون الذي تعبِّدوا له اختياراً، هذا المأمون الذي تجمع فكره وتركّز كيانه وانحشد عزمه على إيجاد هذا المكروب الذي يقتل بعضه بعضاً. فيقومون بالتخففّ من ملابسهم والتشمير عن سواعدهم ثم يقضون الساعات الطويلة إلى جانب مجاهرهم يُحملقون فيها حتى تحمرَّ جفونهم وتتساقط رموشهم. وفي أثناء ذلك يزداد الفلاَّحون صياحا طلباً للقاح، ويزداد أصحابنا انهماكا في تجهيزه فيقعون أثناء ذَلك ومن جرائه في متاعب غربية لم تكن في الحسبان: دخلت بعض الجراثيم الغريبة إلى الأحسية مع مكروب الجمرة، وإذا باللقاح الضعيف الذي يكفي لقتل الفأر صار يقتل الأرنب الكبير. فقام هؤلاء الأبالسة يتعرفون أصل الخطأ حتى عرفوه، ويتعقبون مدخل هذا المكروب الضال فسدوه، فيأتيهم بستور بعد هذا كله ساخطا صاخبا. ولم ذا؟ لأنهم أضاعوا في هذه التجارب وقتا طويلا ثمينا!.
وأراد بستور أن يكشف عن جرثومة داء الكَلَب.
كان ليل المعمل هادئاً إلا من صوت الخنازير وعراك الأرانب، أما الآن فقد غطى على هذا نباح الكلاب المسعورة، وهي تعوي عواءاً يملأ الآذان وقرا والقلوب رعباً، ويطير بالنوم عن أعين الأعوان الثلاثة رو وشمبرلاند وتويبيه. . . لهم الله من ثلاثة! ليت شعري ما كان يصنع بستور في حربه رسلَ الموت لولا هؤلاء الثلاثة.
стр. 11140
ومضى عام أو دون عام على المعجزة التي جرت على يدي بستور في قرية - حتى أخذ يتضح للناس أن بستور، هذا الصياد الماهر في صيد الميكروب، ليس إلّها معصوماً بل بشراً مخلوقا يخطئ ويصيب. وجاءته كتب عدة تراكمت على مكتبه من مونت بتييه وعشر مدنٍ أخرى في فرنسا، وكذلك من هنغاريا، وكلها تشكو أن الشياه تموت من الجمرة، لا الجمرة الطبيعية المألوفة، ولكن جمرة جاءتها من هذا اللقاح الذي قصد إلى خلاصها، وأنت الأنباء بالسوء من أصقاع أخرى تقص حكايات أخرى عن خيبة هذا اللقاح. ففي بقعة من تلك البقاع اشترى الفلاحون هذا اللقاح، ودفعوا ثمنه نقدا، ولقحوا به قطعانا كاملة من الأغنام، ولما جاء المساء عادوا إلى منازلهم وأراحوا جنوبهم في مضاجعهم وهم يقولون حمدا لله الذي منَّ علينا برجلنا العظيم بستور، ثم طلع الصباح عليهم، فما انفتحت عيونهم حتى وجدوا الحقول قد غطَّتها جثث الشياه النافقة - تلك الشياه التي زعموها حصينة قد ماتت من بزور الجمرة التي تخبَّأت في ثرى هذه الحقول.
وأخذ بستور يكره كل صباح أن يفضّ الكتب التي تأتيه إشفاقاً على نفسه مما كتب كاتبوها، وودَّ لو سدَّ أذنيه فلم يسمع بسخرية الساخر وضحكة الهازئ يأتيه صداها من وراء الأركان. وأخيراً حدث شر ما يحدث له: تقريرٌ خرج من معمل كوخ، تقريرٌ محكمُ في بروده، دقيقٌ في فظاعته، كتبه ذلك الرجل الألماني القصير الخسيس، وفيه نَفى أن يكون للقاح الجمرة لدى التطبيق نفع أبداً. وزاد همَّ بستور علمُهُ أن كوخ أدق صَيادٍ للمكروب في الدنيا.
قطف بستور القطفة الأولى من ثمار تجربته فكانت حلوة طيبة، ثم أتى يقطف القطفة الثانية فأجزعته مرارتها يقيناً. ولكنه، طيَّب الله ثراه، كان شهماً لا يثنيه الحَدَث الجليل. فلم يكن في جِبلَّته أن يعترف للناس أو لنفسه بأن دعاواه العريضة الطويلة ليس لها هذا العرض ولا هذا الطول الذي ادعاه. وكأني بك تسمعه يتمتم لنفسه: (ألم أقل إن هذه الألقحة تُمرض الشياه قليلاً ولا تقتلها، ثم هي بعد ذلك تحصَّنها من الداء تحصيناً تاماً كاملاً. فهو ذاك، فلألزمْ ما قلت فليس عنه من مَحَيد)
ياله من باحث عظيم! ومع هذا فما أقل حظه من تلك الصراحة النبيلة التي نسى فيها سقراط نفسه ذاته، فلم تخدعهما عن الحق المظاهر، ولم تستهوِهِما عنه المنافع. على أن
стр. 11141
بستور لا يلام هذا اللوم كله، ففرْقُ ما بينهما واسع واضح، فهذان إنما طلبا الحق على الأسلوب الذي ارتأياه ولم يتطلبا شيئاً سواه، أما بستور فقد ساقه بحثه رويداً رويدا إلى حيث يفقد المرء لبَّه ويُضيَّع رشدَه، إلى صناعة تخليص الأرواح من براثن الموت، وهي صناعة ليس الحق بأهمَّ ما فيها.
وفي عام، ١٨٨٢ بينما التقارير مكدسة على مكتبه تحمل أنباء المصائب الكثيرة من هنا وهنا، قام بستور وسافر إلى جنيف وألقى على الزبدة المختارة من مجاهدي الأدواء في العالم خطبة رنَّانة موضوعها: (كيف نخلص الأحياء من خبيث الأدواء بحقنها بالمكروبات بعد إضعافها).
وفيها أكَّد لهم بستور: (أن المبادئ العامة قد وجدناها فلا يستطيع المرء أن ينكر أن المستقبل ملئ بآمال عظام. وصاح فيهم: (إننا جميعاً مدفوعون بعاطفة قوية نبيلة، هي حب الحق وحب التقدم بالإنسانية إلى خير مما هي فيه). ولكنه وا أسفاه لم يذكر في هذا الخطاب البديع شيئاً عن الشياه الكثيرة التي ذهب لقاحه بها وقد كان لحفظها وتحصينها.
وكان كوخ حاضراً في الاجتماع، وظل يَطرِف إلى بستور بعينه من وراء نظارته الذهبية ويبتسم في لحيته الكثَّة كلما سمع بستور يقصف بالجمل الرنَّانة، قد عَمِرت باللفظ البديع وأقفرت من العلم الصحيح. وكان بستور يخطب وهو يحس كأن سيفاً خفياً مُصلَتا فوق رأسه. ولما فرغ من خطابه تحدّى كوخَ أن يجادله على رؤوس الأشهاد علماً منه أن كوخ في صيد المكروب خير منه في الحِجاج. فقام كوخ فقال: (سأقنع نفسي بالرد كتابةً على السيد بستور، وسيكون هذا قريباً). وكحَّ، ثم جلس.
(يتبع)
أحمد زكي
стр. 11142
الحياة الأدبية في دمشق
للأستاذ علي الطنطاوي
لا شك أن (الرسالة) بسموها عن الفكرة الإقليمية الضيقة، وفتحها أبوابها لأبناء العربية جميعاً، ودعوتها إلى الاجتماع على التوحيد في الدين، والفضيلة في الأخلاق، والوحدة في السياسة، والصحة في اللغة، والجمال في الأسلوب، والتجديد في الأدب. . سيكون لها أثر كبير في تاريخ الصحافة العربية بما سنت من هذه السنة الحسنة التي لم تعرفها من قبل كبريات مجلات مصر إلا قليلا، وبما بلغته من الجمال والإتقان، في الشكل والموضوع؛ وسيكون لها أثر كبير في تاريخ الأدب العربي، بما وضعت للأدب من منهج مستقيم، وما أحيت من الأسلوب العربي، وما قبست من روائع الآداب الأجنبية؛ وسيكون لها أثر كبير في التاريخ العربي العام، بما دعت إليه من الوحدة العربية، وما نشرت من أمجاد السلف، وما وضعت في نفوس الناشئة من قرائها، من العمل للجامعة العربية الواسعة، لا للإقليمية الضيقة. . .
ولا شك أن (الرسالة) اليوم للأقطار العربية كلها، لا لمصر وحدها؛ فكما تفتح (الرسالة) أبوابها للمقالات الوصفية والقصصية، وللقصائد والبحوث التي يبعث بها إليها أدباء الشام والعراق وغيرهما، فلتفتح أبوابها للفصول النقدية، والبحوث المستفيضة عن الحركة الأدبية في هذه البلاد، ولو كانت قاسية شديدة على النفوس، ولو كشفت عن حقائق يحب بعض الناس ألا ينكشف عنها الستار؛ وليس من مصلحة الأدب في شيء أن يظل أدباء مصر والعراق جاهلين مدى الحركة الأدبية في الشام - مغترين بها - وليس من المصلحة أن يبقى أدباء الشام ومصر جاهلين مدى الحركة الأدبية في العراق، بل يجب أن يصف أدباء كل قطر من الأقطار الحياة الأدبية في قطرهم، ومبلغ قوتها أو ضعفها، وسبب تقدمها أو علة قصورها، وأن يحللوا أدواءها وأمراضها، لنتعاون جميعاً على علاجها ومداواتها، وتقويتها وشد أزرها؛ والحياة الأدبية في الشام أحوج شيء إلى المداواة والعلاج، إذا كان في الشام حياة أدبية، لها وجود، ولها آثار يستطيع الناقد أن يصفها ويتحدث عنها؛ وأنا أشك في وجود هذه الحياة، فلا أستطيع أن أجزم بوجودها لأني لا أرى علامة من علامات الحياة في أدباء دمشق وأدبها، ولا أستطيع أن أنفيها، لأن في دمشق أدباء كباراً معروفين، ولأن
стр. 11143
دمشق - كما يعلم الناس جميعاً - عاصمة من عواصم البيان العربي. . . .
ولقد رجعت أعرض تاريخ الأدب في دمشق منذ عهد الاحتلال إلى اليوم، وأنظر الآثار الأدبية الخالصة التي أخرجها أدباء دمشق هذه الخمسة عشر عاماً، فلا أجد إذا استثنيت مجلتي الرابطة الأدبية والميزان، ورواية سيد قريش لمعروف الأرناؤط، وكتابي المتنبي والجاحظ لشفيق جبري، ورسائل أئمة الأدب لخليل مردم بك، إذا استثنيت هذه الكتب، وكتابين آخرين أو ثلاثة قد أكون نسيتها، لا أجد أثراً أدبياً له قيمة. وهناك كتب محمد بك كرد علي: خطط الشام، والإسلام والحضارة، وغيرها، ولكنها ليست من الكتب الأدبية الخالصة، وإنما هي كتب تاريخ لا تدخل في موضوع مقالي.
على أن هذه الكتب التي استثنيتها ليست في درجة واحدة من حيث قيمتها الأدبية، فبينا نعد (سيد قريش) عملاً فنياً كبيراً على ما فيها من ضعف العقدة الروائية، وتشابه المناظر، وتكرار الأوصاف، وغلبة النصرانية على أجمل صفحاتها، نعد رسائل (أئمة الأدب) لخليل مردم بك، كتباً مدرسية، موضوعة لطلاب البكالوريا لا تبلغ أن تعد في الدراسات القوية التي تستند إلى طريقة في البحث معروفة، وتكشف عن نواح مجهولة من حياة الأديب الذي تبحث عنه ومن أدبه؛ ثم إن هذه الكتب نفسها إذا قيست بمدينة كدمشق، في مدة طويلة كهذه المدة، لا تعدو أن تكون أثراً ضئيلا لا يدل على حياة. . . . وهذا الأثر على ما فيه من ضعف ينحصر في فنين من فنون الأدب هما: القصة التاريخية، والدراسة التحليلية؛ أما سائر فنون الأدب كالقصة التمثيلية، والأقصوصة القصيرة، والصورة الوصفية، والمذكرات الأدبية، التأملات الفلسفية والشعرية، والدواوين القيمة، والخطب البليغة، وغيرها من فنون الأدب، فلا نكاد نجد لأدباء دمشق فيها أثراً يذكر.
من أجل ذلك لم أقل إن في دمشق حياة أدبية، لأن ما نحن فيه ليس بالحياة ولا بشبه الحياة، ولم أنف هذه الحياة لأن في دمشق أدباء ينتجون، أو يستطيعون أن ينتجوا شيئاً، وإنما أقول إن أدباء دمشق في منزلة بين الموت الكامل، والحياة الصحيحة، هي السبات العميق، والنوم الطويل الذي يشبه نوم الضفادع طول الشتاء، إذ تدخل في ثقب من الثقوب، فتلبث الفصل كله كأنها قطع الحجارة، لا تأكل ولا تشرب، ولا تنق ولا تتحرك. . .
وإلا فما يصنع كتاب دمشق وشعراؤها؟ وأين هي منتجاتهم الأدبية؟ وهل يكفي الشاعر أن
стр. 11144
يقول كل خمسة أعوام قصيدة واحدة تضطره إليها المناسبات اضطراراً، ثم لا يكون فيها أثر من نفسه، ولا تصف شيئاً من عواطفه؟ وهل يكفي الكتاب أن ينشر كل عامين مقالة تطلب منه، أو مقدمة كتاب يسأل كتابتها؟ بل هل يستطيع أن يملك لسانه الشاعر فلا يقول شيئاً وهو يرى كل يوم ما ينطق الصخر بالشعر من مصائب الأمة ونكباتها، بل وهمومه هو ومصائبه وما يشاهده في حياته في بيته، وحياته في عمله؟. . أليس في حياته سرور وألم، وأمل وقنوط، وضحك وبكاء؟ أفيضحك الشاعر فلا يغني، ويبكي فلا ينوح، وتهز قلبه الحادثات فلا يقول شيئاً؟ أنا لا أستطيع أن أتصوَّر كاتباً أو شاعراً، لا يكتب ولا ينظم، وكل ما حوله يهيج نفسه، ويثير عاطفته. . .
إن أدباءنا يحتجون بأنهم لا يجدون مكاناً ينشرون فيه، وإذا لم يجد الأديب سبيلاً إلى النشر ضعفت همته، وانكسر نشاطه، ولم يجد حافزا إلى العمل، لأن فقد عنصر النشر من أكبر الأسباب في هذا الركود الأدبي. . . وهذا صحيح لا غبار عليه.
وليس في دمشق مجلات أدبية، إلا مجلة صغيرة اسمها (الطليعة) يصدرها نفر من الشباب المثقفين الذين يحملون الشهادات العالية من أكبر معاهد أوربا، ولكن لها منحى خاصاً لا يرضى عنه الناس كلهم، وهي تمشي بخطى مضطربة. وربما اضطر أصحابها إلى إغلاقها كما اضطر من قبل أصحاب (الثقافة) إلى إغلاقها، برغم أن أصحابها من صفوة أدبائنا ومفكرينا، كخليل مردم بك وجميل صليبا وكاظم الداغستاني؛ ثم إن الجرائد اليومية لا تعنى بالأدب عناية كبيرة، ولا تخصص له صفحات دائمة تنفق عليها بسخاء، وإن هذه الصفحات الأدبية التي تزيَّن بها صدور بعض جرائدنا اليومية صفحات فارغة، لا أظن أن أحداً ممن له صلة بالذوق الأدبي يرضى عنها، وما أظن أن أصحاب الجرائد والقائمين عليها يرضون عنها، أو يجدون فيها وفاء مما يؤملون. وإذا ألَّف الأديب كتابا أو قصة لم يجد الناشر، وإذا أنفق عليها من ماله لم يشترها أحد، لأن دمشق بلد تقرأ كثيرا ولكنها لا تشتري؛ وهذه مجلة (الرسالة)، لا تجد في دمشق أديباً أو متأدباً إلا اعترف لك بأنها خير مجلة أخرجت للناس، وأن العالم العربي لم يعرف مجلة مثلها منذ أنشئت أول مطبعة في مصر، ولا تجد أديباً أو متأدبا إلا وهو ينتظر يوم الثلاثاء ليقرأ الرسالة، وبعد ذلك كله يباع من أعداد الرسالة في دمشق كلها أقل من خمسمائة عدد. . .
стр. 11145
هذه حجة الأدباء في تقاعسهم عن النشر، وهي كما ترى حجة مقبولة، ولكنك إذا سألت القراء لم لا يشترون، احتجوا بأن الأدباء لا ينشرون، وإن تقاعسهم وكسلهم علم القراء الزهد في الآثار القيمة والانصراف عن شرائها.، وأنه لابد من أن يضحي الأدباء بقسط من أموالهم وشهرتهم حتى يستعيدوا القراء الذين فقدوهم. على أن الذنب في رأيي ذنب المدارس والمدرسين، لا ذنب الأدباء ولا ذنب القراء، فليس في الشام اليوم من دروس الأدب إلا هذا المقدار القليل الذي يتعلمه الطالب في مقرر البكالوريا. وهذا المقدار لا يحق حقاً، ولا يبطل باطلاً، ولا يصنع شيئاً أكثر من تبغيض الطلاب في الأدب، وتسويده في أعينهم، ذلك لأن شعب الأدب في صفوف البكالوريا تسير في طريق عوجاء أبعد ما تكون عن بث الملكة الأدبية في نفس الطالب. وكيف تكوِّن الملكة الأدبية طائفة من أخبار الشاعر وأشعاره يستظهرها الطالب من غير أن يفهمها غالباً، ويحتفظ بها دماغه إلى يوم الامتحان، فإذا أدَّاه ونال الشهادة أهملها، أو دخله الغرور فظن أن معنى (بكالوريوس في الآداب) كاتب أو أديب، فزهد في المطالعة، وانصرف عنها أو طالع ما يقع تحت يده من الكتب والمجلات حتى ابتلى بسوء الهضم، وأصيب بالتخمة العقلية. . . فترْك القراءة وذهب إلى الندَّى (القهوة) يقطع عمره في النرد والشطرنج ثم يعمد إلى الكتابة في موضوع علمي أو فلسفي دوَّنت فيه عشرات المجلدات من غير أن يقرأ منها شيئاً. . .
ثم إن طلاب شعب الأدب في صفوف البكالوريا لا يستطيعون أن يستعينوا بالثقافة العامة التي يتلقونها في المدرسة، ولا يعرفون كيف يستفيدون من علم الغريزة (الفسلجة) أو علم النفس أو التاريخ في بحوثهم الأدبية ولا يعرفون شيئاً من مناهج النقد، وقواعد التحليل الأدبي، لا لأن الطلاب كسالى أو بلداء، فالطلاب يدرسون الأدب الفرنسي فيسيغونه، ويدرسون الرياضة فيفهمونها، ويدرسون أشياء كثيرة غير هذه يضيقون ببعضها ويتبرمون به، ويقبلون على بعضها ويحبونه، ويجدون لذلك كله أثراً في نفوسهم، فإذا جاء الأدب العربي وجدت أكثر الطلاب لم يلذَّوه ولم يبق في نفوسهم أثراً.
وسبب ذلك أن أكثر المدرسين عاجزون عن أداء هذه المهمة التي انتدبوا أنفسهم لها، أو اندبهم لها من بيدهم مقاليد الأمور، لشهرتهم الأدبية أو لشهادتهم العالية، أو لشيء غير ذلك له صلة ضعيفة، أو لا صلة له بالأدب قط. وأكثر المدرسين اليوم بين رجلين: رجل ثقف
стр. 11146
الأدب العربي القديم ثقافة حسنة، وضرب بالسهم الوافر في علوم العربية نحوها وصرفها، وبلاغتها وعروضها، ونقدها وروايتها، وحفظ أيام العرب وأمثالهم واستطاع أن يفهمها حق فهمها، وينقدها نقد بصير بها، ولكنه عجز عن أن يدرسها ويدرس رجالها دراسة تحليلية صحيحة لجهله الآداب الأجنبية، وجهله قواعد النقد الحديث.
ورجل درس الآداب الأجنبية أو واحداً منها دراسة عميقة، وعرف مناهج البحث، ومذاهب النقاد، وأحسن نقلها إلى الأدب العربي، ولكنه عجز عن فهم الشعر العربي، وجهل علوم العربية، فغدا لا يستطيع إدراك معنى النص العربي فضلا عن نقده أو الحكم عليه.
ثم إن أكثر المدرسين من غير رجال الأدب؛ وإن فيهم من لم يعرفه الناس شاعراً مطبوعاً، ولا كاتباً مجيداً، ولا ناقداً بصيراً، ولا أكثر من ذلك ولا أقلّ. فكيف لعمري نطلب منه غرس الملكة الأدبية في نفوس الطلاب؟ إن مثل هذا الطلب هدم للمنطق الذي يقرر أن فاقد الشيء لا يعطيه.
هذه قيمة الحياة الأدبية في الشام؛ وهذا موطن الضعف فيها؛ فلا صلاح لها إلا بتقويته، ولا نجاح لأمة لا تسخّر أدبها لخدمة قضيتها. فهل يبدأ في حياتنا الأدبية (عهد الإصلاح) المنتظر؟
علي الطنطاوي
стр. 11147
أزمة أوربا الدينية في العصر الحاضر
بقلم محمد جلال
يخيل إلينا - كما يرى الكثيرون - أن التصوف هو أظهر حالات النفس وأقدرها على محاسبة الضمير وكشف حقيقته. قال ابن خلدون: (وأصله - أي التصوف -. . . طريقة الحق والهداية) وقال أيضا: (ويتم (بالمجاهدة) وجود النفس الذي لها من ذاتها وهو عين الإدراك) وقال الأستاذ لَالَنْد:
. , ? ' ' ,
أي أن التصوف هو اعتقاد في إمكان حصول اتحاد تام مباشر بين الروح وحقيقة الإنسان. وقال الفيلسوف بِرْجِسون:
? ' , '
ومعناه أن الصوفي الحقيقي هو الذي يتخطى حجاب الحس الذي وضعته الطبيعة البشرية ليواصل بذلك العمل الإلهي.
يتضح من ذلك أن التصوف يحقق شرطي الدين وهما الاعتقاد والعمل. فتلاحظ إذاً أن معظم المتصوفة قد نشأوا في بيئة دينية إلا القليل منهم من ظل يعمل بعيدا عنه في الظاهر. ولما كان للروح العلمية اتجاه يختلف عن الاتجاه الديني في كثير من أغراضه وميوله، مال العلماء إلى التخلي عن الدين ورميه بالنقص. لهذا سنقصر بحثنا الآن على حقيقة الإيمان مع اتصاله بالعلم والفلسفة والتاريخ.
١ - العلم:
أحدث تقدم العلم في القرن التاسع عشر اضطرابا في الحياة الدينية أفضى إلى تمحيص الدين على ضوء القوانين العلمية. من ذلك لوحظ أن نظرية خلق العالم في سبعة أيام - كما هو وارد في معظم الكتب المقدسة - لم تتفق وقوانين العلم الكوني.
فإن اليهودية والمسيحية والإسلام ومعظم الأديان الأخرى نشأت كلها في الشرق فمن المحتمل إذا أنها تكاد تتحد في فكرة علمية واحدة. في فلسطين مثلاً ساد الاعتقاد قديماً أن الأرض محاطة بطبقة صلبة معلقة فيها الكواكب يعلوها عرش الله الذي يثبت الأرض وما عليها وهو منفصل عنها؛ ولكن علم الفلك أثبت أن العالم لا نهاية له، فيكون عرش الله
стр. 11148
واقعاً في حيز العالم تجرى عليه سنة هذا الوجود من حركة وسكون. أدى هذا الخلاف إلى رأيين: الأول اتحاد العلم والدين، والثاني انفصالهما
أما الرأي الأول فانه يقرر - على رغم ظواهر الأشياء وما في الكتب المقدسة من اختلاف - أن هناك صلة بين العلم والدين يسهل تحديدها إذا اتفق العلم والدين على معاني الكلمات؛ ففي المثال السابق مثلاً جاء في التوراة أن معنى كلمة يوم: مدة مقدارها عصر لا أربعاً وعشرين ساعة كما نعتقد نحن اليوم؛ على هذا الاعتبار تكون الأرض قد تم تكوينها في ستة عصور - وهذا هو رأي علماء الجيولوجيا.
ويقول الرأي الثاني إن للعلم والدين أسباباً ودواعي خاصة بكل منهما، وقد يتفاوت محيط أحدهما بالنسبة لمحيط الآخر دون أن يتعارضا في شيء. فمقتضى الدين اعتقاد وأمر ثم عمل؛ وأما مقتضى العلم فكشف قوانين هذا الوجود - بما في ذلك الإنسان - وتحقيقها بالطرق التجريبية. وليس من العلم في شيء أن تحمل الجماعة على اتباع هذا النظام أو التخلي عن هذا العرف.
يستوي عنده البار والفاجر؛ وبعكس ذلك الدين، فانه حب وعاطفة ومفاضلة بين البار والفاجر؛ فهو لذلك ضرورة للنظام الاجتماعي، وهذا رأي برجسون في كتابه المشار إليه آنفاً.
أفي ذلك طمأنينة للنفوس؟ قد يكون ذلك. . ولكن ظاهر الشيء غير حقيقته؛ إذ النفس لا تعرف السكون الذي يُزيَّن لها التخير بين طريق وطريق؛ فهي إن خضعت للدين بالأمس فذلك من طبيعتها، وإذا خضعت للعلم اليوم فذلك أيضاً من طبيعتها. وقد لا تخضع غداً لا لهذا ولا لذاك، وعليه فإن هذا التقسيم لم يحقق مأرباً.
٢ - الفلسفة:
أما في الفلسفة فالنزاع قائم بين أنصار مذهب الفكر وبين أنصار مذهب العمل يقرر الفكريون أن الذكاء هو خير وسيلة لفهم الحقيقة الواقعة، وفي رأي العمليين أنه وسيلة لتكوين صور لأعمالنا نستعين بها على فهم الأشياء.
فعند الفكريين (أي معظم فلاسفة الغرب والفرنسيين منهم خصوصاً يتقدمهم ديكارت) تتعين الحقيقة بنفسها؛ وليس في مستطاع الفرد - مهما كانت قدرته - أن يحددها دفعة واحدة،
стр. 11149
ولكننا نقرب منها شيئاً فشيئاً مع وفرة مجهودنا الفكري خلال العصور المتطاولة. كان العلم عند اليونان مثلاً مبادئ وأوليات، وقد ترقى بعض الشيء عند العرب، وفي عصر النهضة بأوربا، ومازال يرتقي وستخلص أسسه من شوائب كانت سبباً في تغيير معالم الحقيقة التي لم تغير جوهرها بالنسبة لحاجة الإنسان.
ويرى آخرون أن ليس للحقيقة وجود ذاتي، فهي محض فكرة دعت إليها حاجة الإنسان. فعند اليونان تدل كلمة حقيقة على شيء نسبي - أي أن حاجة الإنسان الفكرية تتطلب حقائق مختلفة حسب الزمان والمكان، وهي بدورها تحقق رغبة علمية واحدة؛ وبما أن حاجة الإنسان غير ثابتة فتكون تلك الحقيقة أيضاً غير ثابتة، وذلك لاختلاف وسائل تحقيقها. فمطرقة الحداد مثلاً كانت حقيقة في الماضي - كذلك مطرقة النجار هي حقيقة اليوم، ورغم ما أثبته العلم والعمل حتى عهد قريب من صحة نظرية نيوتن الخاصة بتجاذب الأجسام، فان أبحاث اينشتين تثبت حقيقة أخرى بعد ما هدمت الأولى؛ أعني أن هناك تناسباً خاصاً في الحياة الفكرية لكل عصر؛ ولا غضاضة إذا أقبلنا بجميع جهودنا على تلك الحقيقة المتغيرة فهي لم تتحدد بغير منفعتها.
مثل وليم جيمس هذا الرأي في أمريكا - وأخذ برجسن ببعض منه، أي الجزء الخاص بتطور الفكر، وتبع المسيو ادوارلروا أستاذه برجسون في ذلك إذ رأى أنه يصعب على الرجل العملي فهم الدين من الوجهة المنطقية. وعليه فان عبارة (الأب والابن وروح القدس) معناها تصوير حقيقة واقعة تنشأ عن ارتباط الفرد بغيره. ويقال مثل ذلك في تفسير وجود عبادة الله وحده - أي كونه ماثلا حقيقة روحاً ودماً (عقيدة سر القربان عند المسيحيين)؛ ويراها آخرون أنها صيغة أمر، أي وجوب تصور حالة العبد أمام ربه كما يجب أن يكون عليها أمام إنسان يرى فيه أصل الحب والتقديس. هو أصل اليقين والشعور الطاهر، وقال بمثل ذلك الأب بالمعهد الكاثوليكي بفرنسا في إحدى جلسات مجمع باريس الديني الأخير إذ رأى أن أوضاع الدين لم تكن غير نواميس للحياة.
٣ - التاريخ
شك علماء التاريخ في مصادر التوراة، لأن فيها أجزاء وضعها قديسون، وقد نُقحت من بعدهم. وللآن لم يستقر الأمر على معرفة كيفية حصول ذلك لعدم توفر الوثائق التاريخية
стр. 11150
الكافية؛ فلا يبعد إذن أن يكون قد وقع فيها بعض التغيير أو الحذف. مثال ذلك أسفار موسى الخمسة فانه لم يزل أمرها غامضاً حتى اليوم. يوجد عدا هذا بعض تناقض في الآيات من حيث الصورة والمعنى. آمن عيسى ﵇ في عودته ثانية إلى الأرض، وإن الساعة آتية قبل أن ينقضي العهد الذي نزل هو فيه.
يلاحظ هنا تباين نشأ عما رمز إليه في التوراة من أعمال دنيوية، إذ انقضى عهده وانتهى النظام الوراثي للملك وهو لم يعد بعد. أدى هذا الاعتراض إلى أحداث انشقاق في الكنيسة الكاثوليكية في أواخر القرن التاسع عشر. أخذ رجال الكنيسة من جديد يدرسون الإنجيل من حيث التاريخ والجغرافيا والتشريع، وقد قضى الأب لوازي حياته في التوفيق بين الدين والتاريخ.
نشأ عن تلك الحركة اتجاه جديد في الرأي سمي بمذهب (المثل الاعتقادي) يرى أخذ الأشياء على أنها أمثلة بسيطة شأنها أن تحدث معتقدات تتناسب مع قوة إيمان الفرد؛ فيكون مرمى نظرية نزول المسيح تحديد قيمة مثلى.
على رغم كل ذلك ما زال في النفس بقية تدعوها إلى كشف معتقد جديد وحقيقة أخرى، فيرى برجسن وهنري بوانكاريه أن العقل غير كاف وحده لكشف الحقيقة التي دأب وراءها الإنسان منذ نشأته. فلا بد له أن يتبع هدى روحه كما فعل أفلاطون وغيره.
ويرى أوجست كنت وأتباعه أن الدين نظام اجتماعي قابل للتطور مثل الجماعة في تاريخها من تشريع وأخلاق. ويرى الأستاذ شارل مورا الدين الكاثوليكي لإصلاح النظم الاجتماعية في فرنسا لما فيه من عناصر السلام
ما هي حالة الفرد النفسية إزاء ذلك الانقسام؟
عبر علماء النفس عن ذلك بأنه شعور جديد بشخصية الفرد يدعوه إلى تحديدها من حيث اتصاله بالجماعة، ومن حيث اتصاله بنفسه، مما أدى إلى ترك بعض المعتقدات والتمسك بأخرى. ولما كانت الجماعة تحمل في ماضيها عناصر مدنيات مختلفة فهي إذاً الدافع إلى هذا الشعور في الفرد. ويختلف الأفراد في قبول ذلك حسب استعدادهم النفسي، وهذا ما نشاهده في القديس بولس إذ اضطربت نفسه متأثرا بعصره، فخرج على الدين ثم عاد إليه متحمساً لتجديده، وذلك بالدرس والمجاهدة النفسية.
стр. 11151
يرى بعض رجال الدين أن مثل هذا النوع من المجاهدة محاولة من العبد أن يتصل بالله ليظفر بالغفران. ولكن بعض أتباع لوثر ليسوا في حاجة إلى ذلك، إذ الغفران في رأيهم ملك للجميع، وثقتهم بالله عظيمة لتوزيع هذا الغفران، فلم يكن عندهم إذا هذا النوع من المجاهدة.
وهناك فريق آخر يقال لهم الوصوليون وغايتهم فعل الخير لأنهم مجبرون عليه، وهذا عمل خلو من الشعور بالاتجاه نحو الله كما رأى ذلك رينان
عرضنا في تلك الكلمة الموجزة نشوء بعض تطورات الدين بأوربا، مما يدعونا إلى الاعتقاد أن هناك عوامل أخرى أدت إلى تلك الاختلافات الطائفية غفل عنها رجال الدين والفلاسفة، وهي التي دعت علماء الاجتماع للتعبير عنها بطريقة أخرى غير ما سبق. وذلك موضوع كلمتنا القادمة.
باريس
محمد جلال
بجامعة باريس
стр. 11152
بين الماضي والآتي
للأستاذ أديب عباسي
(وصلنا عدد (الرسالة) المائة والسادس والعشرون، وقد انتهينا إلى جزء هذه المقالة الأخير، وكم كانت دهشة المفاجأة إذ فضضت غلاف الرسالة ووجدت بين بحوثها مقال الأستاذ الكبير أحمد أمين (أمس وغداً). وكانت بادرة الفكر التي تلت دهشة المفاجأة أن أهمل الموضوع وأوفر على نفسي عناء المراجعة والتنقيح. ولكنني عدت وقلت قد أكون طرقت الموضوع من ناحية غير التي طرقها الأستاذ، وقد أكون على خلاف معه في الرأي أو بعضه. وقرأت المقال فوجدت أننا نسير والأستاذ بعض الطريق ونفترق في بعضه الآخر. ومن أجل هذا الافتراق أبعث بمقالي هذا إلى (الرسالة) العزيزة).
تمرُّ بزمرة من الشيوخ خلوا إلى أنفسهم وأرسلوا أحاديثهم إرسالاً لا تحده موضوعية البحث الجدي، ولا اندفاع العاطفة المثارة، ولا عصبية الجدل؛ فتكاد لا تحسُّ في حديثهم إلا اللهفة العميقة، والالتياع الشديد على الزمن الفائت، حيث اللذة لا يكدرها ألم، والصفو لا يرنَّقه كدر، وحيث النعيم أبداً مقيم، والمنى أبداً حُفَّل دانية! وينبثُّ إليك من صدق اللهجة واجتماع الرأي وخلوص النية في حديثهم ما يوحي بأن أعصر السعادة المطلقة قد تلكأت عند شبابهم، وترخَّصت فقط لماضيهم، فأقامت ثمِّ لا تبرح ولا تريم؛ لهذا أقحل الحاضر، وعقم المستقبل، وغادر الناس طيب العيش وبشاشة الأمل!
تسمع هذا وخلافه مما تفيض به بقايا العمر وأعقاب السنين من الشيخوخة، فتتدسَّس إليك الحسرة ويغمرك الألم إن تأخر بك الزمن، ولم يحشرك في زمرة الشيوخ هذه، ويجعلك في حشدهم، فيكون لك من السعادة مثل ما يتحدثون ويصفون.
وتقودك رجلاك من حيث أنت إلى زمرٍ أخرى وأفراد آخرين، بعضهم ما يزال - في رأي نفسه - يستعدُّ لخوض معركة الحياة، وبعضهم الآخر - كذلك في رأي نفسه - قد أعدَّ لها العدَّة، وهيأ السلاح، فهو الآن يخوض غمارها ليصطلي بنارها، أو يستاف العطر الذكي عن أزهارها.
وتقف تتسمع، فما يروعك من هذه الزمر مثلُ انشغالها بمستقبلها عن حاضرها، وغفلتها عما في اليد إلى ما يمنيها به الغد، كأن حياة اليوم ليست في العمر ولا في تقدير الزمن،
стр. 11153
ويمضون هذا المضي، الغفلةُ عن حاضر الحياة غريبة مدهشة، والثقة في المستقبل قوية آسرة، ويظلُّ هذا دأبهم إلى أن يؤذَّن بركود الشباب، ووشك الانخراط في سلك الشيخوخة المتهدمة. عندها - وعندها فقط - يصحون، ولكن لات ساعة صحو.
وهنا ينقلب الوضع وينكفئ الاتجاه، فتحل الذكرى القريبة أو البعيدة محل العزم، والركود محل النشاط، والعجز محل القدرة، وهكذا بي ماضي الحياة وآتيها، يُسقط الناس كل رصيدهم فيها، ويجعلون منها - على حد تعبير الرياضيين - الكمية المهملة.
وليست هذه الصور التي رسمنا بالصور الخاصة أو الطارئة طروءاً زائلاً، إنما هي صور لها من طبيعة الشعور وخصائص الإحساس ما يجعلها من ألزم الصور للحياة وأكثرها لصوقاً بها وشيوعاً فيها. فالشيخ، أو من كان في حكمه من شبان السنين، يتَّجه إلى الماضي ليلطف عنده مرارة الحاضر، وليتعوض بذكراه عما يفيته العجز وضعف الُمنة من لذائذ راهنة يراها ولا يرى السبيل إليها كيف يكون. وقد تقول: لم يؤثر الشيخ أن يرتد بخياله إلى ماضي العمر ولا يرى أن يرسله في مطاوي المستقبل ليلتمس عنده الفرار وينشد السلوان؟ والجواب سهل هين إذا علمنا أن خيال الشيخ يخونه هنا، كما يخونه كذلك منطق الواقع ومنطق الاحتمال. فالشيخ يدرك أن سبيله من بقية العمر هي سبيل نازلة لا صاعدة، وأن كل يوم يمضي يدنيه من النهاية ويقلص لديه بقايا الأمل وأصداء السعادة؛ وإذاً فالحاضر فسحة مسدودة، والآتي سبيل مظلم مخيف؛ أما الماضي فهو السبيل الوحيد الذي يستطيع أن ينساب فيه الخيال دون أن يشله برد الواقع أو تروِّعه بشاعة الحاضر.
وقد تسأل: ألم يكن في ماضي الشيخ الألم كاللذة، والنعيم كالشقاء، والحرمان كالإنالة؟ فكيف يؤثر أن يعيش في ماضيه دون حاضره وآتيه؟ وهنا نرجع إلى حقائق الشعور الراهنة، فيستبين لنا أن الألم الفائت يفقد قيمته مع الزمن حتى لا يبقى منه إلا ذكراه وصداه. وهذه الذكرى - إذا لم يصحب أسباب الألم عند نشوئه حالات ملازمة - تضحى باعثاً على الاطمئنان والراحة. فأنت إذ تفقد كل ما تملك أو تصاب إصابة جائرة في سمعتك أو تجلس إلى حبيب إليك علَّقه المرض بين فكي الفناء والبقاء، بشعر بالغبطة وانفراج الشعور بزوال الخطر، حينما يعوض عليك السعي بديلاً من مالك، وحينما يردُّ إليك الوضع العادل سمعتك، وحينما يتخطى غول الفناء حبيبك فيرده سليماً معافى تنعم بلقائه نعمتك بكل عزيز
стр. 11154
عليك. وعليه فتلك الأحداث التي كانت يوماً ناراً يقلب عليها الإحساس ويضرَّم الشعور أضحت بعد زوالها مجلبة للراحة والاطمئنان، فلا عجب إذاً من ارتداد الخيال إلى الماضي وعكوفه عليه.
بيد أننا لا ننكر أن ثمة عللاً أخرى غير ما أسلفنا لهذا العكوف من الشيخ على ماضيه وانصرافه إليه عن آتيه وحاضره: منها أن الشيخ إذ يرتدُّ إلى ماضيه يُسِّير الشعور في مسارب أضحت بتكرار الحدوث ممهدة لا تعترضه فيها عقبة ولا تتصدى له عثرة. ومن هنا فكرة (الماضي السعيد) عند الشيوخ، ومن هنا أيضاً ميلهم الميل الشديد إلى المحافظة وإبقاء القديم على قدمه وتجنب كل جديد يصدم الشعور ويدعو إلى تحويله من مجراه المعتاد.
ومن هذه العلل أيضاً ذهاب الرفقة وتخطُّف الموت أبناء الجيل الواحد، بحيث يجئ اليوم الذي يشعر فيه الشيخ أنه غريب في بيئة غريبة، فيزداد حنينه إلى ذلك الرهط الذاهب من جيله، فيستعيد بخياله ذكراهم المحبَّبة وأيامه وأيامهم الحافلة.
يضاف إلى هذا لون معهود من ألوان الدفاع عن النفس بتهوين الحرمان عليها وطلب العزاء لها عنه في الماضي؛ وهو نوع من أنواع تخدير الإحساس ينشأ أول الأمر في دائرة الوعي، ولكنه مع الزمن وتوالي الحدوث والتأثير يتسرب إلى دائرة العقل الباطن ويتخفى في تيه اللاشعور. وعندها يصدر ذمُّ الحاضر عن عقيدة وينطلق عن يقين. وهذه الظاهرة تبدو أجلى وأوضح في حياة الجماعات منها في حياة الأفراد. ومن هنا أن الأمم كلما أهمل حاضرها وأزداد تخلفها عن غيرها من الأمم ازدادت حفولاً بالماضي وتفطناً إليه وعكوفاً عليه. ولعل عبادة السلف عند بعض الشعوب ترجع في معظم الأمر إلى هذا الميل النفسي العميق.
ونعود إلى صورة الشعور كما يرسمها طماح الشباب ويحددها أمله، فنجد أن الشاب إذ يتجه في أمانيه وأخيلته وعمله إلى المستقبل، إنما يجري على طبيعة الشعور وبموجب قواعده. فالحاضر لدى الشاب الذي لم يحدد الضعف وقصر المجال وضيق المضطرب أمله فيه وحدود مسعاه، هو مرقاة منها يرقى إلى غيرها. وإذاً فحاضر الحياة من الشاب هو الدرب، والمستقبل الأفق، ما يفتأ متجدداً مغرياً بالسعي والسير ما بقيت في النفس حوافز السعي
стр. 11155
والسير. ثم أن حاضر الحياة مزيج من الخير والشر واللذة والألم والنجاح والفشل. أما آتيها فهو كما يرسمه الخيال ويحدده الأمل، خير ونعيم ونجاح. أما الماضي فقد كان يكون من خياله ما يكون من خيال الشيخ لولا أن صورة المستقبل صورة قوية رائعة لا تدع للتفكير في الماضي إلا ما يدعه القوي للضعيف. وعلى كل فقد ترى من الشباب من ينزوي عن مستقبله ويتجه إلى ماضيه، إن يكن له ماض، فعل الشيوخ الذين غادرهم الأمل وأحالهم الكبر
هذا تحليل مجمل لصور الشعور في ثلاثة أطوار الحياة وفي أزمنتها الثلاثة، لا نعتقد أننا نتحكم فيه أو نفرضه فرضاً على القارئ، لاسيما إذا أزلنا من الصورة جانبي المبالغة والإغراق من تفاؤل رخيص يجعل الحياة ابتسامة طويلة كاذبة، وتشاؤم عبوس دائم التقطيب، كما يتمثلان في حياة نفر من الناس، شأنهم الحقيقي من الحياة شأن الهامش من الصحيفة، فيها وليسوا فيها.
مما وصفنا ترى جليّاً أن حاضر الحياة - وهو كل حقنا فيها - لا ينال من فطنة الشعور إلاّ قدراً ضئيلاً عابراً إذا قيس بما يملأ أخيلتنا ويكظها من صور الماضي والآتي.
وقد تقول: ماذا علينا - إذا كان هذا هو الحال - لنخلِّص الحياة من هذا العبث الذي يضيع فيه العمر بين لهفة على الماضي وغفلة عن الحاضر واستشراف للمستقبل؟ وجوابنا أن من طبيعة الحياة أن يتمازج فيها الخير والشر وتُساير اللذة الألم، وانه يستحيل أن تكون الحياة خيراً كلها أو شراًّ كلها، وانه لهذا أضحى واجباً أن يقبل عليها الناس إقبالاً لا يُفيتهم ما يتيسّر لهم من نعيمها، ولا يفيتهم - كذلك - النظر إلى المستقبل والسعي في سبيله؛ ولن ينقص نظر الناس إلى المستقبل من استمتاعهم بلذات الحاضر إذا عرفوا كيف يحسنون السير في سبيله سيراً معتدلاً حتى لا يضحى مشغلة لهم تزحم حاضر الحياة على نصيبها الذي يجب أن يكون لها من وعي الشعور، بل نحن نعتقد أن المرء يتيسّر له من سعادة الواقع، مع السعي السليم والتطلع إلى المستقبل الذي لا يقطعُ المرء من حياته الحاضرة، أكثر مما يتيسّر له حينما ينقطع عن ماضيه وآنيه ليكبّ على الحاضر وحده يرضع فيه اللذة ويترشف النعيم على الطريقة الخيَّاميَّة.
وهذه الحالة السليمة من الشعور لا تحلُّ حلولا مفاجئاً، كما يحلُّ الوحي، ولا تجئ بالسعي
стр. 11156
الهين أو المعتدل، إنما هي حالة تقتضي السعي الأكيد، والتعاون الشديد، من جميع مصادر التوجيه النفسي. ولعل البيت والمدرسة يفوقان في هذا الشأن جميع مصادر التوجيه الأخرى في طول مدى التأثير وعمقه، فالبيت والمدرسة يستطيعان أن ينشئا الجيل الذي لا يقتله الفشل فيرتد إلى الماضي يخدِّر فيه الشعور، ولا يستخفه النجاح، فيستعبده المستقبل ويستذله. ويكون ذلك بأن يتعاون البيت والمدرسة على تعويد الطفل بالتلقين والإيحاء تلقى مؤثرات الحياة برحابة في الصدر، وتوطين للنفس على خير الحياة وشرها على السواء.
ويساعد على تكوين هذه الحالة السليمة من التصور مثل التربية الاستقلالية التي يُرباها أبناء الأمم السكسونية، حيث يتخذ الألم معنى الواقع الذي لابدَّ منه، واللذة معنى الخير يجئ بالسعي، فلابدَّ من تذوُّقه واستمتاعه إلى أقصى حدود الاستمتاع.
ويجب كذلك أن يتعاون البيت والمدرسة تعاوناً حكيماً في الحد من أنانية الصغار الصارخة، وإفهامهم أن فرص النجاح مثل حقهم؛ فلا تمضي حياتهم آمالاً مخيَّبة، وآلاماً موصولة.
كذلك على المدرسة والبيت أن يعوِّدا الناشئ كيف يقف من حوادث الحياة موقف الحياد والاستقلال في التقدير، ومن نفسه موقف المحاسبة والتحليل الدقيق للأوضاع التي تسوقه إليها مجريات الحياة. بذلك يكتسب ثقة في النفس وتقديراً عادلاً للأوضاع، يربحانه من خصومة النفس وغربة الوضع وغرابة الإحساس. . . .
ومن واجب البيت والمدرسة - كذلك - أن يعتاد الصغار تقدير آلام الغير ويستيقنوا أن الناس يتألمون كما هم يتألمون، وأن ما نشاهده من ظاهر السعادة عندهم هو في أغلب الأحيان دون ما نقدِّر ونتوهم.
ومن أول واجبات البيت والمدرسة أن ينشئا الصغار على التفطن إلى جميع مظاهر الجمال وتذوقه في الطبيعة والحياة والفن، فأن في ذلك توسيعاً لمدى اللذة وتغليباً لأسباب السعادة على أسباب الشقاء.
وأخيراً يجب على البيت والمدرسة أن يفقهاأن عملية التربية ليست إعداد المرء للحياة كما تصر نظم التربية القديمة، إنما هي - كما يقول جون ديوي - فيلسوف النزعة الحديثة في التربية: (الحياة) بذاتها.
أديب عباسي
стр. 11157
الرابطة الثقافية بين مصر والشرق العربي
دعوة إلى توثيقها
للأستاذ رفيق اللبابيدي
أحب أن أقرر أولاً أن الأمة العربية مهما تكن شتى في نوازعها السياسية، هي أمة متماسكة ذات وحدة أو كيان واحد في ثقافتها وفي تفكيرها.
وقد اختلفت على هذه الأمة أدوار من الزمن، كما اختلفت فيها أطوار من التاريخ، وكانت تجتمع كلما حز بها أمر من الأمور عند هذه الوحدة الفكرية في قوالب شتى، فالدين كان ولا يزال واحداً، واللغة كانت ولا تزال لغة واحدة، والخوالج النفسية العامة واحدة، والأدب في مقاييسه ونوازعه كان واحداً؛ ولو عدنا رَجْعَنا إلى التاريخ وقلبنا صفحاته، لوجدنا أن الأقطار العربية كانت تجتمع عند الاحتفال بالشاعر النابه والأديب مهما يكن موطنه ومهما تكن نزعته؛ وقد كان الشعر أو الأدب يطوفان في أرجائها يحملان أسم الشاعر أو الأديب طواف الفكرة الدينية أو المذاهب الفقهية، أو النحل الشتى من بلد إلى آخر، أو من قطر إلى قطر.
وبينا كانت هذه الأقطار تسودها النزعات السياسية المتباينة كانت تفسح صدورها للآراء الدينية والمذاهب الكلامية، والاستنباطاتِ التشريعية، تتسرب إليها عن طريق السفارات العلمية بارتحالِ العلماء في مختلف العصور.
وفي بغداد، وفي دمشق، ثم في القاهرة، وبين هذه العواصم التاريخية العريقة في تاريخنا الواحد وماضينا أمثلةٌ صادقة تسجَّل هذا الاتحادَ الثقافي أو هذه الرابطة العلمية، وإن تكن في غير ما نألفه الآن من وسائل يسَّرتها عواملُ الرقي، وسننُ التطور.
ولقد كانت رحلات الفقهاء، وجماعات الأدباء، ورجالات التاريخ من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب تُوثِّق من عُرَى هذه الروابط فاجتمع للعرب من هذا تراث واحد يمثل ذلك الاتجاه الفكري، وإن تكن قد اختلفت طرقه إلى النتائج، وتباينت وسائله فيها؛ ومذاهب الفقه، والنحل المبسوطة في المدوَّنات والمظان التي تسربت إلى المغرب الأقصى والأندلس في أيام ازدهارها ومن هذه إلى الشرق - لونٌ من ألوان هذا الاتجاه كما كان من قبل ذلك للأدب سفاراته في طواف الشعراء والكتاب من دولة إلى دولة، ومن إقليم إلى آخر، ولم
стр. 11158
تستطع الأحداث السياسية أن توهن من هذه الروابط أو تفلَّ منها، وإن استطاعت بعضَ الاستطاعة أن تعوق وسائلها، وتقف تقدمها؛ على أني لا أزعم أن أثر هذه الأحداث لم يكن قوياً، ولكني أجيز لنفسي أن أقول إن هذه الرابطة لم تضعف بالرغم من هذه الحوائل، بل صمدت لها حتى اجتاحها الزمن، وانطلقت الأقطار العربية من عقالها فعادت إلى طريقها الأولى ماضية فيها تساير أطوار التاريخ رفعة وضعة، سنة الله في الكائنات جميعها.
ولمصر في نهضتها العلمية والأدبية الآن يد لا تُجحد على الشرق العربي؛ ففي صحافتها روح قوية توحي بهذه الرابطة التي لم تنهزم أمام أحداث الزمن، وفي نتاج بنيها النابهين، وعلمائها ومعاهدها وما تخرجه المطابع من مختلف الكتب والمؤلفات، وما يظفر به القراء في الأقطار العربية من ثمرات هذه الجهود المشكورة - ما يُحِلَّ مصر الكريمة محلَّ الزعامة المختارة المصطفاة؛ والشرق العربي أحوج ما يكون اليوم إلى توثيق الروابط بمختلف ألوانها وأشكالها منه في آونة أخرى؛ فقد تدافعت هجمات الأحداث عليه من كل جانب، وما أشده حين يكون كتلة واحدة على دفعها، وما أهونه عليها حين تتسع شقة البين في روحه وفي تفكيره بين بعضه وبعضه الآخر؛ وأقول في كثير من الاطمئنان إن دعامة هذه الجبهة الشرقية القوية لا تقوم إلا على وحدة في الثقافة ترتكز على رابطة متينة بين الأقطار العربية وبين مصر الزعيمة.
وبعد، فلست أقترح رأياً فطيرا لا يدعمه البحث أو الأخذ والرد بين الأدباء والقامة على هذه الرابطة؛ ولكني أقدم بين يدي هذه العجالة كلاماً يصح أن يكون دعوة إلى خطوات تمهيدية لمعالجة هذا الغرض المنشود، ويشجعني على القولِ أن الأستاذ الزيات في زيارتي الأخيرة له في دار (الرسالة)، قد ارتاح إلى ما بسطته من رغبة في توثيق هذه العُرَى الثقافية، وتعهد أن تقوم الرسالة بالسفارة الأدبية بين أشياع هذه الرابطة.
وإيماني ازداد رسوخا بنجاح هذه الفكرة أو هذه الدعوة، حين تحدثت بها إلى أكثر من أخ من إخواننا هنا في مصر، وهناك في سوريا وفي فلسطين؛ وأعتقد أن الحاجة ماسة إلى زورات علمية يقوم بها شباب مثقفون مؤمنون بفكرة هذه الرابطة الثقافية بين الآونة والأخرى، لا يكون الغرض منها متعة النفس فحسب، بل يكون مع هذا اتصال وثيق بين البيئات العلمية والأدبية هنا وهنالك بإعداد بحوث تبسط فيها الأحاديث في الشؤون
стр. 11159
الاجتماعية والأدبية والعلمية، وأن تكون من ثم حلقاتٌ في كل بلد من البلدان العربية تضع لها ميثاقا واحدا ينتظم الجهود الثقافية فيها، مع الحرص على ما للشرق من تقاليد تفرضها أو تحتمها أوضاع الكيان القومي، فقد أخر الشرق كثيرا هذا الاقتباس المشوَّه عن الغرب في أكثر من ناحية من النواحي التي لا تتفق مع تقاليده وروحه، وحالت دون أن يكون له لون من ألوان الامتياز الاجتماعي والأدبي والاستقلال العلمي إلى حد ما يحفظ كرامته. واتجاه الشباب المثقف في مختلف الأقطار العربية يكاد يكون متأثرا بأوضاع شتى ونواح كثيرة متباينة، وهذا يوسع من شقة الخلاف، ويباعد على الزمن بين ما ورثناه من هذه الروابط؛ ذلك لاختلاف الثقافات، واختلاف المناهج التي تفرضها هذه الثقافات؛ وقد يجوز أن يكون مثل هذا في الشرق العربي لو كانت اللغة غير واحدةِ، أو لو كان التاريخ غير واحد؛ ولكن الأمة العربية مهما تباعدت سياسياً، أمةٌ تراثها واحد روحا وتقاليد؛ فيجب أن يكون اتجاهها واحداً في الثقافة حتى يظل لها هذا التماسك القوي المتين.
فتنظيم هذه الرحلات بين الشباب المثقف وسيلة من الوسائل لتكوين هذه الحلقات الثقافية في الشرق العربي أو خطوة أولى إلى توحيد الاتجاه الثقافي فيه، وتلي هذه الخطوة مرحلة أخرى تكون بعقد المؤتمرات الأدبية وتناول ما تقترحه هذه الحلقات من اتجاهات قوية في النهضة الأدبية والاجتماعية، ووراء هاتين المرحلتين مراحل تقترح ليس هذا مجال بسطها؛ وبين يدي الأستاذ الزيات صاحب الرسالة وشباب مصر المثقف هذه الدعوة، ولعلنا إلى تحقيق هذه الأمنية واصلون.
القاهرة
رفيق اللبابيدي
стр. 11160
رسائل حاج
٢ - من ربوع الغرب إلى بلاد العرب
للمستشرق المجري
الدكتور عبد الكريم جرمانوس
أستاذ التاريخ بجامعة بوادبست
وشعرت وأنا أجتاز دهاليز الأزهر وأستقبل لأول مرة أروقته وحلقات دروسه بنوع من الرهبة والخشوع والتسليم. فهذا المعهد العظيم موئل الإسلام ومعقله، ومنبع الثقافة الدينية، وحامي حمى اللغة العربية. كان من أسمى أماني أن أندمج في سلك طلابه. وكم كنت في شوق لاهف إلى أن أنهل من ينبوعه الفياض روح الإسلام الحق، وأضيء شمعة معرفتي الخافتة بحيث تتحول إلى شعلة وقادة، وإلى حماسة فائقة داخل جوانحي، وأتعرف إلى شيوخه الذين يقودون العالم الإسلامي بآرائهم وأفكارهم، كما كنت على يقين وثقة أنني بمعاونة هؤلاء العلماء الفطاحل سأمضي في ترجمتي للقرآن الكريم إلى اللغة المجرية بحيث أجعلها في متناول آلاف المسلمين من مواطني.
ومع أن هذه الترجمة كانت عملاً شاقاً مضنياً، فإني كنت أحس من أعماق روحي أنها فرض واجب علي كمسلم مخلص يريد أن يعلي منار الإسلام ويطمح في أن يضيف لبنة صغيرة إلى صرحه العظيم.
وخيل إليَّ وأنا في نشوة روحية عميقة أنني بدأت أظفر ببغيتي وأُجزى خير الجزاء عن تلك الليالي الطويلة التي لم أذق فيها طعم الكرى، بل أمضيتها منكباً على دراسة الإسلام وتفهم قواعده وأصوله، وأن كل ما حاق بي من مصاعب سيتبدد، وفشلي سيتحول إلى فوز عظيم وانتصار رائع بمعاونة شيوخ الأزهر ومدهم يد المساعدة إلى عملي المتواضع.
ولكنني رأيت والأسف يملأ جوانحي أن آمالي تنهار دفعة واحدة بحيث أصبحت عاجزاً عن خدمة الغرض الأسمى الذي خصصت حياتي له. علمت بأن هناك وشاة أوعزوا إلى الشيخ الظواهري بأنني دخيل أرمي إلى الوقوف على أسرار الإسلام وإذاعتها في البيئات العلمية في أوربا! وعلى الرغم من الظنون والشبهات السيئة التي حامت حولي بذلت جهداً
стр. 11161
عظيماً لمقاومتها؛ وكان رائدي في تلك المقاومة أن الحق على الدوام في جانبي، وقد كانت سيرة المرحوم الإمام الشيخ محمد عبدة وما لقيه من خصومة صماء خفية، وانتصاره على خصومه أكبر مشجع لي في الثبات أمام حجة خصومي. وقلت لنفسي: أين أنت أيها المصلح العظيم لترى كيف ابتعد الأزهر عن مبادئك العالية، وتجاوز عن رسالتك الرفيعة التي سموت بها فوق الأغراض الوضيعة والمطامع الدنيوية والمنافع المادية.
وعلى الرغم من جهادي الضعيف في مقاومة خصومي، ما كنت لأستطيع أن أبرهن لفضيلة الشيخ الظواهري على إخلاصي وحبي للدين الحنيف، وأني لست دخيلا، ولكنني رجل يؤمن من أعماق روحه بالرسالة المحمدية النبيلة، وأريد أن أحصل على معاونة رجال الأزهر للوقوف على تعاليم الإسلام، مع علمي بأن هذه الشريعة السمحاء ليس بها أسرار يمكن إذاعتها في البيئات العلمية، لأنها ديانة مؤسسة على ثقافة ثابتة مكشوفة للعالم لا تمييز فيها بين الأجناس والألوان. وليس الأزهر سوى الجامعة الإسلامية الحق التي تضئ شعلة الحق، فلا أسرار في جوانبها يمكن إخفاؤها عن رجل أجنبي مهما كانت صفته. ألا يعاقب الله كل مسلم يرمي أخاه بالشرك والكفر والتشكك في عقيدته المقدسة؟ ألا يعاقب أيضاً أولئك الذين لا يقومون بواجب الدعاية والإرشاد للإسلام، والذين يخفون أسرارا في قلوبهم؟ يشهد الله أنني لا أرمي من وراء ذلك أن أوجه التهم جزافا، أني لا أملك هذا الحق، ولكنها صرخة ضعيفة أردت أن أنفس بها عن صدري.
إن الأزهر بحسب نظامه الحالي لا يستطيع أن يؤدي رسالة الإسلام كما يجب. فالنظام الحديث الذي أدخل عليه، والحيلولة دون اجتماع الطلاب في حلقات الدرس كما كانوا قبلا حول شيوخهم، مسخ الأزهر وشوهه، وأفسد ما كان قد بقي له من جمال وجلال وحرمة، وأفقده سيطرته الدينية والاجتماعية في العالم الإسلامي، تلك السيطرة التي ظل متمتعاً بها قرونا عدة. ويلوح لي أن البرامج الحديثة لم تقدم الأزهر خطوة واحدة، لأن المشرفين على تنفيذها جعلوا هدفهم الأسمى فتح أبواب العمل في وجوه الطلاب، وتمكينهم من احتلال الوظائف المدنية دون أن يفكروا في تحميلهم ثقافة الإسلام على وجهها الصحيح وإرشاد المسلمين إلى الخير وتفقيههم، ودعوة غير المسلمين إلى الدخول في دين الله كما نص ذلك القرآن الكريم. يجب إذن أن يترك الأزهر ليكون جامعة الإسلام الحق، وأن يعد طلابه
стр. 11162
لحمل رسالة الحق، وتهيئهم للوعظ والارشاد؛ أما فتح أبواب العمل واحتلال الوظائف المدنية فأشياء ثانوية قد تصرف الأزهر عن الغاية التي أنشئ من أجلها.
وعلى الرغم من وجود عدد كبير من العلماء الجهابذة في هذا العهد الإسلامي العظيم فان الضغط أطفأ في قلوبهم روح المعرفة والتعطش إليها. على أن الإسلام في عرفي يحتاج إلى حرية كاملة في البحث والتنقيب والفكر. ولقد ولد الإسلام في مهد الحريات فيجب أن يظل كذلك، لأنه يحث على حب الحقائق والصدق والتغلغل في أعماق المعرفة. وتقدم الأزهر لا يتم بتشييد العمارات المهيبة العظيمة، وإقامة عمد من الرخام والمرمر، وصنع مقاعد الدراسة من الأخشاب الثمينة، وإنما يتم بالتمسك بالعروة الوثقى، وإزالة الصدأ الذي ران القلوب من التمسك ببعض التقاليد والعقائد المزيفة، وفي الإجماع على توحيد كلمة الحق ووضع الأنظمة الإلهية في المكان اللائق بها. ألم يقل الله : (خلق لكم ما في الأرض جميعاً) أو كما قال الرسول الكريم (تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا).
ولما يئست من معاونة رجال الأزهر قر في عزمي أن أقوم بدراستي وحدي مستعيناً بمعلم خاص تكرم بتضحية جزء من وقته لتعليمي، كما ألفيت مساعدة عظيمة من بعض أصدقائي بالقاهرة، كالأستاذ محمود تيمور الذي يجمع بين ظرف الشباب وطهارة الشيوخ، والشاب النابه محمد أمين حسونه الذي عرفني إلى طائفة من أدباء مصر وصحفييها، وأعارني مكتبته طيلة إقامتي في مصر، والباحث محمد عبد الله عنان الذي يعد حجة في التاريخ الإسلامي، والشيخ الوقور عبد الوهاب النجار الذي له أتباع وتلاميذ منتشرون في أنحاء الأرض، وقد كان سبباً في تعرفي بكثير من إخواني المسلمين، وكانت كتب توصيته بمثابة مفتاح يفتح أمامي كل باب.
وفي أواخر فبراير زودني الأستاذ النجار بكتب توصية بمناسبة عزمي على أداء فريضة الحج؛ وكان له الفضل الأكبر في تقديمي إلى (بنك مصر)، ذلك الصرح المالي العظيم الذي يتناول من جملة مشروعاته الاقتصادية تنظيم سبل السفر إلى الأقطار الإسلامية المقدسة. ومما يذكر مع الأسف العميق أن أعمال الحج كانت تقوم بها قبل ذلك شركات ملاحة أوربية لا علم لها بما تتطلبه حاجات الحجاج المسلمين، فكانت بواخرها تحمل المشروبات
стр. 11163
الروحية، وتقدم إلى الركاب الطعام الأوربي، ولا تكترث بأن تهيئ لهم الماء الكافي للوضوء ولا إقامة مصلى يؤدون فيه الفرائض الشرعية.
أما (بنك مصر) فقد نظم للحج باخرتين كبيرتين تعدان من أكبر البواخر، وزودهما بكل ما يحتاج إليه الحجاج من وسائل الراحة والمأكل بحيث يشعر المسافر أنه لم يفارق بلاده. وقد كانت بغيتي أن أستقل إحدى هاتين الباخرتين، لأنني عددت نفسي مصريا بعد أن شربت من ماء النيل، ولكني لم أتمكن وا أسفاه من نيل بغيتي، فان قانون شركة كلاحة مصر يمنع من نقل الحجاج الأجانب على هذه البواخر، وعلى الرغم من المجهود الذي قمت به وتوسط الهلباوي بك لم أوفق، واضطررت إلى السفر على إحدى بواخر الشركة الخديوية.
وقامت بنا الباخرة باسم الله مجراها تشق برزخ السويس، فرحت أفكر في تاريخ ذلك المضيق الذي كان سبباً في فصل أفريقيا عن آسيا، بل كان فاصلا بين حقبتين من أحقاب التاريخ؛ ومع أنه قرب مصر من أوربا فقد جعل لمصر مركزا سياسياً ممتازاً بحيث أصبحت جزءا من أوربا. وبينما أنا غارق في غمار تلك الأفكار إذ اقترب مني فريق من الحجاج وبدأ التعارف بيننا بسرعة. كان بينهم طبيب هندي تصحبه كريمته، ولكن لسوء الحظ لم يكن هذا الطبيب يعرف اللغة العربية حرفا واحدا، فاضطررنا أثناء السفر إلى التحدث باللغة الإنجليزية. وفي ذات يوم نظر إلى نسخة من القرآن الكريم في يدي، وهي الطبعة التي تولتها المطبعة الأميرية، فأعجب بها أيما إعجاب، وطلب إليَّ أن أبتاع لحسابه ألف نسخة من هذه الطبعة ليبعث بها إلى الهند إذ لا توجد هناك مصاحف جميلة من هذا النوع.
وكان بالباخرة أيضاً حاج مراكشي، يشغل وظيفة قاض في فاس، وكان صبوح الوجه، وقوراً، أميل إلى التزام الصمت، لكنه ما كاد يسمعني أتحدث بالعربية مع أحد الحجاج الأتراك حتى أقبل إلينا واشترك في الحديث. ولشد ما أعجبت بتبحر الرجل في العلوم الإسلامية والفقه، كما أن لباسه الشرقي الفضفاض كان يخلع عليه طابعاً من الرزانة والوقار؛ أما صاحبنا التركي فكان أحد ضباط الشرطة في دمشق، وبعد اعتزاله الخدمة آثر أن يبقى في سورية حيث تعلم اللغة العربية؛ وكان طيلة السفر يشكو مر الشكوى من الأنظمة الحديثة في تركيا وبالأخص ترجمة القرآن وتشويه هذه الترجمة بحيث لا تؤدي
стр. 11164
المعاني المقصودة، ويظهر سخطه وتبرمه بالغازي الذي يحول دائماً بين المسلمين الأتراك وبين أداء فريضة الحج، ويرهق كل من أراد الحج بالضرائب الفادحة.
من ذلك ترى أننا كنا على ظهر الباخرة من بلاد متباينة، ولكن تجمعنا جامعة الإسلام، وتؤلف بين قلوبنا وتجعلنا نعيش كأفراد أسرة واحدة. فلما اقترب موعد العشاء أخذنا أماكننا على المائدة، وكان يخيل إلى كل من يرانا أننا في برج بابل، فكل منا يتكلم بلغة لا يفهمها الآخر، بيد أننا سوف نصل بعد بضعة أيام إلى جدة وتطأ أقدامنا الأرض المقدسة فنخلع عن أنفسنا تلك الملابس التي تفرق بيننا لنستبدل بها لباس الإحرام الفضفاض بحيث لا يصبح أي فارق بيننا بل نكون سواسية في حضرة رب البيت الكريم.
وبعد انتهاء طعام العشاء بقليل صفرت الباخرة صفيراً عالياً فغادرنا المائدة وتهيأنا للوضوء، ثم صلى كل منا ركعتين قرأ فيهما سورة الإخلاص وقل يا أيها الكافرون.
وكان البحر هادئاً والهواء ندياً والنجوم تتألق في القبة الزرقاء، وراحت الباخرة التي كانت تحمل على ظهرها أكثر من ٧٠٠ حاج تلقى مراسيها بين هتاف الحجاج ودعواتهم الحارة.
وهكذا ظل الحجاج في هرج ومرج، فكنت ترى البعض يهتف بقوله: لبيك اللهم لبيك، والبعض الآخر مستغرقاً في صلاته، وآخرين صامتين لا يبدون حراكاً، شاخصين بأبصارهم في ذهول نحو الأرض المقدسة التي خرج منها سيد الخلق ورسول رب العالمين.
وما كنت بأقل من هؤلاء الحجاج شعوراً بالغبطة والابتهاج، ولزمت مكاني خاشعاً راكعاً لا تقوى قدماي على الحركة، ودقات قلبي تثب في قوة وعنف بينما يردد لساني في خفوت: لبيك اللهم لبيك. ثم انهمرت الدموع من مآقي ولم أملك أن أمنع نفسي من الاسترسال في البكاء. أجل! أدركت الحق الصحيح ولمست عظمة هذا الدين الحنيف، وعبثاً حاولت النوم في تلك الليلة، بل شرد عقلي واتجهت بتفكيري إلى أعمال الخلفاء، رضوان الله عليهم، وإلى رعايتهم الأمم الإسلامية، وتوزيع أسباب العدالة عليها طبقاً لأصول الشريعة السمحاء.
(يتبع)
عبد الكريم جرمانوس
стр. 11165
رثاء
محمد جلبي الشهبندر أحد سراة العراق
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
- ١ -
تحطْمت الآمال من بعد محمود … فيا سلوتي شحّى ويا عبرتي جودي
قد اجتُثّ روحٌ كان قبل اجتثاثه … يزين بأثمارٍ له ألفَ أملود
خلا القصرُ ممن كان للقصر مالئاً … كأن لم يكن في رُدهتيه بموجود
لقد غمدوا السيفَ الصقيلَ بحفرة … ويا ليت ذاك السيف ليس بمغمود
تجرّد من جسم تضيق حدودُه … يجوب فضاءً واسعاً غير محدود
نعاه ليَ الناعي فكان نعيُّه … كصاعقة أو مثل صدمة جلمود
فأدركني يومٌ من الدهر أسودٌ … فكان لحزني شرَّ أياميَ السود
- ٢ -
لقد غاب محمودٌ عن الصحب مضطراً … ولم يبق منه للصديق سوى الذكرى
كأن لم يكن قد سُرّ أصحابهُ به … ولا هو في يومٍ بأصحابه سُرّا
بربك لا تَلحُ الحزينَ على البكا … فإنك لا تدري بما فيه قد أورى
تقول عيوني للسحابة أقلعي … فأنكِ لا تبكين من كبدٍ حَرّى
على كل قبر مقلةٌ ذات عبرة … وماذا انتفاع القبر بالمقلة العَبرى
قسمتُ بكاَء الشعر بيني وبينه … فأعطيتُه شطراً وأبقيتُ لي شطرا
ولا تقترح قولاً على الشعر إنه … بموقفه في يوم محنته أدرى
- ٣ -
لقد ظلَّ للموت الزؤامِ يجاذب … إلى أن علاه الموتُ والموتُ غالب
أطال الردى همساً بأُذن مريضة … كأن له ديناً فجاء يطالب
ولو حزتُ علماً بالمقادير جئتُها … أؤّنبُها فيما أتت وأعاتب
يقولون أمراض به أغرت الردى … وما هي أمراضٌ ولكن نوائب
стр. 11166
فيا دمعُ أنت اليوم كالقلب نابضٌ … ويا قلب أنت اليوم كالدمع ذائب
لقد ندبته نسوةٌ حول نعشه … وأَشْجِ بما كانت تقول النوادب
إذا انطفأ النجمُ الذي كان ساطعاً … فليس ببدعٍ أن تسود الغياهب
- ٤ -
أمحمودُ كنتَ الراجحَ العقل والخلق … من الباطل الخدّاع تفزع للحق
وكنتَ كنجم لا قرار لسيره … فتطلع من أفق وتغرب في أفق
وكان لموتٍ قد أصابك سهمُه … دوىٌّ بغرب الأرضِ أجمعَ والشرق
ولا رُزَء إلاّ كان رتقٌ لشقه … وليس لشقٍ يفتق الموت من رتق
مضى بصديقي الحرِّ يستعجل الردى … فليت الردى للحر قد كان يستبقي
بكتك عيون العارفيك بأدمع … تفيض وللأرض التي ظمئت تسقي
تجنبتَ ضوضاَء السياسة آخذاً … بأيديك أسبابَ التجارة في حذق
- ٥ -
حياةٌ ومن بعد الحياة. مماتُ … وجمعٌ على الأعقاب منه شتات
وهل تغسل القلبَ الحزين من الأسى … إذا العين منها انصبّت العبرات
وإن أثقلت نفسَ الوفيّ فجيعةٌ … فلا النورُ يُسليها ولا الظلمات
أقول لقومي إن يكن عندكم لمن … تَفَجَّعَ سلوى في المصاب فهاتوا
وما أجَملَ الأيامَ إمّا لنا وفت … ولكنما الأيامُ منتقلات
لقد حملوا نعشَ الفقيد لقبره … فساروا وسارت خلقَه السروات
فما كنت من تلك الجماهير سامعاً … سوى صرخات بينَها شهقات
- ٦ -
على الأرض أمجادٌ كثير قصورُها … وأكثر منها في العراء قبورها
وما من بقاع ليس يهلك أهلُها … ولا من سماءٍ ليس تردى نسورها
وما خيرُ دنيا بالزلازل أرضُها … تميد وبالأمواج تغلي بحورها
إن الجسمُ أودى فالبوارُ نصيبُه … ولكنما الأرواح ماذا مصيرها
стр. 11167
إذا ما حياةُ المرء للمرء فارقت … فهل من حياة غيرها يستعيرها
وليس لنفسٍ أن تخِيرَ حمامَها … ولا هو إمّا زارها يستشيرها
إذا النفس دبّ الداء فيها فعالجت … منيتَها ماذا يكون شعورها
- ٧ -
هل الحزنُ إلاّ مقلةٌ تتفجّر … وألاّ قلوبٌ نارُها تتسعّر
تبعثر شمل البيت بعد اجتماعه … وأيّ جميع عَوضُ لا يتبعثر
وأجساد موتى في القبور تأسّرت … وأرواح موتى للبقاء تحَّرر
على أن موتى السابقين إلى الردى … حياةٌ لأبناءٍ لهم قد تأخّروا
ولم يك يوماً للطبيعة غايةٌ … سوى النوع إن النوع أبقى وأثمر
لقد عرف الإنسان منها ظواهراً … ولم يدرِ ماذا في البواطن مُضمر
إذا مات طفل البيت فالخطبُ فادح … وإن مات ربُّ البيت فالخطب أكبر
- ٨ -
لقد جاء ما قد كان يبنيه ذا حسن … فما تمَّ حتى قام يهدم ما يبني
حزنتُ وما حزني سوى ابن رزيئةٍ … وما دمعتي في العين إلاّ ابنة الحزن
وما أحدٌ في الناس يدري مصيرَه … ومن كان لا يدري فيفزع للظن
لقد زيّنت بالزهر قبرَك صحبةٌ … وعن كل هذا الزهر قبرك مستغن
يخال الفتى علماً له بحقائق … ولم ينتبه أن الحقائق في الذهن
وليست حياة المرء بعد مشيبه … وإن قل شكواه سوى التعب المُضني
سمعتُ أحاديثاً وإني لمبدلٌ … لما نظرت عيني بما سمعت أذني
(بغداد)
جميل صدقي الزهاوي
стр. 11168
نذالة التعاسة
للأستاذ عبد الرحمن شكري
كدت أنسى دواعيَ الرفق مما … قد أرتني نذالة التعساء
يقضمون اليد التي تنتحيهم … بسخاء ونجدة وإخاء
ويكيدون في الخفاء أو الجه … رة أَلْئِم بجهرهم والخفاء
عشش اللؤم حيثما عشش البؤ … س سوى في القليل من كرماء
ليس بِدْعاً أليس ما نغص العي … ش من البؤس باعث الشحناء
كل قلب يبيت من حسك البؤ … س ملئ بخسة الأدنياء
يتلظى شراً ويرشح غدراً … ويداجي خوناً بثوب رياءِ
يلؤم المرء وهو غير شقى … كيف ينأى عن لؤمه في الشقاء
ليزيدنَّهُ اغتيالاً وحقدا … وافتراساً على حطام الرخاء
وسعُاراً لو أَنه نال من أر … ض لُجَنَّتْ زلازل الغبراء
وهو غلٌ لو حاق بالشمس أمسى … مثل ذر الرماد وجه ذُكاء
ليس شر البأساء قصراً على النح … س ولكن كم أشعلت من عداء
وحقود وخسة وسعار … واغتيال ومكرة ورياء
تفسد الأنفس الكرائم حتى … تغتدي مقل أنفس اللؤماء
ضاع عطف الرحيم إذ ضاع حسن ال … خلق في خيم أنفس التعساء
وعظيمٌ ما أفسد النحس من خل … ق هضيمٍ ورحمة الرحماء
كم شقاء يمضى وفي النفس منه … أثر واضح لغير فناء
من عوادي سخائم لست تدرى … هي بالمرء علة الأدواء
أم هي النفس سقمها مثل سقم ال … جسم من احنة ومن شحناء
مثل ذل الشعوب خَلَّف لؤماً … بعد فوت من عهده وانتهاء
وصفات الشعب الضعيف لَتُلْفىَ … في جسوم صحيحة أقوياء
من رياء واحنة واحتيال … وتعادى تخاذل وافتراء
شيم يدرأ الذليل بها من … عجزه سطوة من الأعداء
стр. 11169
أصبحت شيمة النفوس وإن لم … يك ذل ولم يكن من عداء
فمنى يلبس الخلائق طرا … طيب نفس في شملة النعماء
ليس إلا بها نجاء نفوس ال … ناس طرا من خسة الغبراء
فاطلبنْهُ فيها وإلا فدع نشد … ان أمر بغير داعي الرجاء
عبد الرحمن شكري
стр. 11170
الأمة العربية
بقلم حبيب عوض الفيومي
قد أصبحت وطعامها جِرَّاتُها … وتعَرَّفَتْ لِعَليمها نَكِراتُها
مبذولةً حُرُماتهُا مفتوحةً … أسدادها ملحوظةً غِرَّاتها
غلبت مطامعها على أخلاقها … فهوت بها أحقادها وتِرَاتها
فتخالفت من حقدها غاياتها … وتشابهت من موتها فتراتها
فكأن خالد لم يَفُزْ بدٍمَشقِها … يوماً ولا خَدَمَ الرشيدَ فُراتها
يا مُخْفِقَ الأسفارِ طَيَّاراً بها … قد أنجحت بك آنفاً بَكَرَاتُها
نَهَضَت بنفسِكَ فارساً أخلاقُها … وهَوَت بنفسك طائراً عَرَّاتُها
انظر لنفسك أين موضع فضلها … لا تلفحنَّك جامحاً جمراتها
ما بالغِنَى فتح البلادَ محمدٌ … بل بالهدَى دانت له داراتُها
ينجو الكريم مَعَ القليل صِيَانةً … وتُمِيتُ صاحب حاجةٍ حَسَرَاتُها
وكأنَّ ذلكم البريقَ غِشَاوةٌ … للنفس تَكْمُنُ تحته عَثراتُها
ومن الدليل على شقَاوَةِ أُمَّةٍ … أن يستنيم إلى النعيم سَرَاتُها
والأرض دارٌ إن تفاضل أهلُها … بغنى البطون فخيرهُم حشراتُها
الفيوم
حبيب عوض الفيومي
следующие страницы →