← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 11166–11205 · переход к 11171.

стр. 11166

فيا دمعُ أنت اليوم كالقلب نابضٌ … ويا قلب أنت اليوم كالدمع ذائب لقد ندبته نسوةٌ حول نعشه … وأَشْجِ بما كانت تقول النوادب إذا انطفأ النجمُ الذي كان ساطعاً … فليس ببدعٍ أن تسود الغياهب - ٤ - أمحمودُ كنتَ الراجحَ العقل والخلق … من الباطل الخدّاع تفزع للحق وكنتَ كنجم لا قرار لسيره … فتطلع من أفق وتغرب في أفق وكان لموتٍ قد أصابك سهمُه … دوىٌّ بغرب الأرضِ أجمعَ والشرق ولا رُزَء إلاّ كان رتقٌ لشقه … وليس لشقٍ يفتق الموت من رتق مضى بصديقي الحرِّ يستعجل الردى … فليت الردى للحر قد كان يستبقي بكتك عيون العارفيك بأدمع … تفيض وللأرض التي ظمئت تسقي تجنبتَ ضوضاَء السياسة آخذاً … بأيديك أسبابَ التجارة في حذق - ٥ - حياةٌ ومن بعد الحياة. مماتُ … وجمعٌ على الأعقاب منه شتات وهل تغسل القلبَ الحزين من الأسى … إذا العين منها انصبّت العبرات وإن أثقلت نفسَ الوفيّ فجيعةٌ … فلا النورُ يُسليها ولا الظلمات أقول لقومي إن يكن عندكم لمن … تَفَجَّعَ سلوى في المصاب فهاتوا وما أجَملَ الأيامَ إمّا لنا وفت … ولكنما الأيامُ منتقلات لقد حملوا نعشَ الفقيد لقبره … فساروا وسارت خلقَه السروات فما كنت من تلك الجماهير سامعاً … سوى صرخات بينَها شهقات - ٦ - على الأرض أمجادٌ كثير قصورُها … وأكثر منها في العراء قبورها وما من بقاع ليس يهلك أهلُها … ولا من سماءٍ ليس تردى نسورها وما خيرُ دنيا بالزلازل أرضُها … تميد وبالأمواج تغلي بحورها إن الجسمُ أودى فالبوارُ نصيبُه … ولكنما الأرواح ماذا مصيرها

стр. 11167

إذا ما حياةُ المرء للمرء فارقت … فهل من حياة غيرها يستعيرها وليس لنفسٍ أن تخِيرَ حمامَها … ولا هو إمّا زارها يستشيرها إذا النفس دبّ الداء فيها فعالجت … منيتَها ماذا يكون شعورها - ٧ - هل الحزنُ إلاّ مقلةٌ تتفجّر … وألاّ قلوبٌ نارُها تتسعّر تبعثر شمل البيت بعد اجتماعه … وأيّ جميع عَوضُ لا يتبعثر وأجساد موتى في القبور تأسّرت … وأرواح موتى للبقاء تحَّرر على أن موتى السابقين إلى الردى … حياةٌ لأبناءٍ لهم قد تأخّروا ولم يك يوماً للطبيعة غايةٌ … سوى النوع إن النوع أبقى وأثمر لقد عرف الإنسان منها ظواهراً … ولم يدرِ ماذا في البواطن مُضمر إذا مات طفل البيت فالخطبُ فادح … وإن مات ربُّ البيت فالخطب أكبر - ٨ - لقد جاء ما قد كان يبنيه ذا حسن … فما تمَّ حتى قام يهدم ما يبني حزنتُ وما حزني سوى ابن رزيئةٍ … وما دمعتي في العين إلاّ ابنة الحزن وما أحدٌ في الناس يدري مصيرَه … ومن كان لا يدري فيفزع للظن لقد زيّنت بالزهر قبرَك صحبةٌ … وعن كل هذا الزهر قبرك مستغن يخال الفتى علماً له بحقائق … ولم ينتبه أن الحقائق في الذهن وليست حياة المرء بعد مشيبه … وإن قل شكواه سوى التعب المُضني سمعتُ أحاديثاً وإني لمبدلٌ … لما نظرت عيني بما سمعت أذني (بغداد) جميل صدقي الزهاوي

стр. 11168

نذالة التعاسة للأستاذ عبد الرحمن شكري كدت أنسى دواعيَ الرفق مما … قد أرتني نذالة التعساء يقضمون اليد التي تنتحيهم … بسخاء ونجدة وإخاء ويكيدون في الخفاء أو الجه … رة أَلْئِم بجهرهم والخفاء عشش اللؤم حيثما عشش البؤ … س سوى في القليل من كرماء ليس بِدْعاً أليس ما نغص العي … ش من البؤس باعث الشحناء كل قلب يبيت من حسك البؤ … س ملئ بخسة الأدنياء يتلظى شراً ويرشح غدراً … ويداجي خوناً بثوب رياءِ يلؤم المرء وهو غير شقى … كيف ينأى عن لؤمه في الشقاء ليزيدنَّهُ اغتيالاً وحقدا … وافتراساً على حطام الرخاء وسعُاراً لو أَنه نال من أر … ض لُجَنَّتْ زلازل الغبراء وهو غلٌ لو حاق بالشمس أمسى … مثل ذر الرماد وجه ذُكاء ليس شر البأساء قصراً على النح … س ولكن كم أشعلت من عداء وحقود وخسة وسعار … واغتيال ومكرة ورياء تفسد الأنفس الكرائم حتى … تغتدي مقل أنفس اللؤماء ضاع عطف الرحيم إذ ضاع حسن ال … خلق في خيم أنفس التعساء وعظيمٌ ما أفسد النحس من خل … ق هضيمٍ ورحمة الرحماء كم شقاء يمضى وفي النفس منه … أثر واضح لغير فناء من عوادي سخائم لست تدرى … هي بالمرء علة الأدواء أم هي النفس سقمها مثل سقم ال … جسم من احنة ومن شحناء مثل ذل الشعوب خَلَّف لؤماً … بعد فوت من عهده وانتهاء وصفات الشعب الضعيف لَتُلْفىَ … في جسوم صحيحة أقوياء من رياء واحنة واحتيال … وتعادى تخاذل وافتراء شيم يدرأ الذليل بها من … عجزه سطوة من الأعداء

стр. 11169

أصبحت شيمة النفوس وإن لم … يك ذل ولم يكن من عداء فمنى يلبس الخلائق طرا … طيب نفس في شملة النعماء ليس إلا بها نجاء نفوس ال … ناس طرا من خسة الغبراء فاطلبنْهُ فيها وإلا فدع نشد … ان أمر بغير داعي الرجاء عبد الرحمن شكري

стр. 11170

الأمة العربية بقلم حبيب عوض الفيومي قد أصبحت وطعامها جِرَّاتُها … وتعَرَّفَتْ لِعَليمها نَكِراتُها مبذولةً حُرُماتهُا مفتوحةً … أسدادها ملحوظةً غِرَّاتها غلبت مطامعها على أخلاقها … فهوت بها أحقادها وتِرَاتها فتخالفت من حقدها غاياتها … وتشابهت من موتها فتراتها فكأن خالد لم يَفُزْ بدٍمَشقِها … يوماً ولا خَدَمَ الرشيدَ فُراتها يا مُخْفِقَ الأسفارِ طَيَّاراً بها … قد أنجحت بك آنفاً بَكَرَاتُها نَهَضَت بنفسِكَ فارساً أخلاقُها … وهَوَت بنفسك طائراً عَرَّاتُها انظر لنفسك أين موضع فضلها … لا تلفحنَّك جامحاً جمراتها ما بالغِنَى فتح البلادَ محمدٌ … بل بالهدَى دانت له داراتُها ينجو الكريم مَعَ القليل صِيَانةً … وتُمِيتُ صاحب حاجةٍ حَسَرَاتُها وكأنَّ ذلكم البريقَ غِشَاوةٌ … للنفس تَكْمُنُ تحته عَثراتُها ومن الدليل على شقَاوَةِ أُمَّةٍ … أن يستنيم إلى النعيم سَرَاتُها والأرض دارٌ إن تفاضل أهلُها … بغنى البطون فخيرهُم حشراتُها الفيوم حبيب عوض الفيومي

стр. 11171

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ٢٩ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا الناحية الإيجابية من مذهب نيتشه السوبرمان أو الإنسان الأعلى للأستاذ خليل هنداوي لا ينبغي للعاقل أن يكون قاسياً على نفسه فحسب، ليكن قاسياً على الآخرين أيضاً لا يحفل بهدوء ولا بسلام؛ هو يدرك أن الإنسانية لا تنشط نحو غاية معينة معلومة؛ ولكنه يرى كل شيء في استحالة وتطور؛ يرى من واجب الحياة نفسها أن تعمل على أن تفوق نفسها، ويدرك أن الإنسان ليس من حقه أن يعلل نفسه بأنه بلغ المرفأ سالماً. ليكن كل سلام عنده ذريعة لحرب جديدة، ولتكن حياته طافحة بالحوادث العظام؛ هو لا يتحرى عن السعادة ولا يجهل أن الفرح والحزن هما توأمان متقارنان. وفي استطاعة الإنسان أن يجوز الحياة بدون فرح كبير يعروه، أو شقاء كبير يغزوه، على أن ينقص من قوة حيويته. أما الذي يريد أن يتذوق الأفراح الكبيرة فمن واجبه أن يعرف الأحزان الكبيرة، إذ كل ارتجاج في ناحية يقابله ارتجاج في ناحية أخرى. (أما خالق القيم المؤمن بالحياة، من يريد الحياة عنيفة قوية ما شاءت القوة، فهو يريد أن تكون الارتجاجات واسعة حول نقطة الموازنة؛ يريد أن يعرف القمم العالية للسعادة والشقاء. يريد أن يعرف الانتصارات المسكرة والهزائم الشنيعة. يجب عليه أن يمشي في وقت واحد إلى النصر والى الاندثار. وزرادشت نفسه قد هلك حين بلغ (قمة) وجوده. والسوبرمان هو - في وقت واحد - الظفر اللامع والاندثار القوي للإنسان. وبينما ينبغي للعاقل أن يكون قاسياً على نفسه، لا يلتوي إزاء الألم، ينبغي له كذلك أن يكون قاسياً على الآخرين؛ هنالك مصائب وآلام يُعد مخففها فاقداً للإنسانية، وهنالك منحطون ناقصون، جاءوا الحياة اختلاساً، فلا يجوز تأخير فنائهم!. يقول زرادشت: (في كل مكان ترن أصوات الذين يعظون بالموت، والأرض مفعمة بالذين يجب أن يوعظوا بالموت، أو (بالحياة الأبدية) حتى يقلعوا عن الحياة سراعاً. وللمتشائمين

стр. 11172

والشكوكيين والمنحطين الذين يئنون ويقولون (ما الحياة إلا شقاء)، لهؤلاء يجب أن يقول العاقل (إذن! ضعوا لحيتكم وآلامكم حداً تنتهي تنتهي عنده وآلامكم، ولتكن شريعتكم مبنية على هذه الكلمة (الانتحار واجب، والانهزام من الحياة واجب)، إذ لا ينبغي للأرض أن تغدو داراً آهلة بالمرضى والبائسين، حيث يفني الإنسان الخالص الجوهر سأماً وشفقة. إذا أردنا أن نستنقذ السلالات الآتية من مشاهد الفاقة والشناعة فلنترك الموت ينزل بمن هو ناضج للموت. ولتكن فينا جرأة على ألا نصرف الساقطين عن السقوط؛ لندفعهم ولنقذف بهم قذفاً حتى يهووا سريعاً. ينبغي للعاقل أن يعرف كيف يتحمل مشهد الألم عند الآخرين، وأن يعرف كيف (يؤلم) ويبث الألم دون أن تجد الشفقة إلى قلبه سبيلا. هذا هو ما تطلبه النفس العظيمة. يقول زرادشت: (أبالغ أنت شيئاً عظيماً إذا لم تشعر بقوتك وإرادتك التي تعاقب بآلام كبيرة. عرفانك أن تتألم، هذا شيء حقير؛ فالنساء الضعيفات والعبيد يصبحون أسياداً في فن الألم. ولكن ثبات جأشك وعدم انحنائك أمام المصائب المؤلمة والصيحات المؤلمة، هذان هما مظهر العظمة وسرها الصريح). ينبغي للعاقل أن يتصف - في كل فصول حياته - بطهارة الطفل اللاعب، وصفاء الراقص الباسم، وهناء اللاعب المجدود، وفي مثل (الاستحالات الثلاثة للروح) ينبئ زرادشت بأن النفس الإنسانية يجب أن تكون في استحالتها الأولى (بعيراً) يحتمل بصبر أثقل الأعباء على ظهره، حتى يستطيع أن يجمع الشيء الكثير من التجارب، ثم يستحيل (البعير أسداً) يجأر قائلا: (أنا أريد!) ويتوعد بمخالبه الحادة كل من يحاول العبث بحريته. يجب عليه أن ينتصر على تنين الشريعة المكتوب على كل جزء من جسده بأحرف ملتهبة (يجب عليك!) ثم يسرع في نزع أثقالالمثل الأعلى والحقيقة والخير عن ظهره مما كان يظن حمله خيراً له، وأخيراً، لكي يستطيع أن يدخل في دور (الإنتاج والإبداع للقيم الجديدة) بعد تهديم القيم القديمة، يجب عليه أن يستحيل طفلا يلهو ويلعب؛ (إن الطفل هو صفاء ونسيان، هوأبتداء، هو لعبة، هو دولاب يدور بنفسه حول نفسه). وهكذا يجب على النفس التي تتوق إلى الصعود فوق قمم الحكمة أن تتعلم أن تلعب، وأن تفرح وتمرح طاهرة صافية، يجب أن تكون خفيفة غير واعية تنعتق من التشاؤم والكآبة، ومن كل ما يجعل حياتها سحابة دكناء.

стр. 11173

تقول الشريعة القديمة: (ويل لمن يضحك)! وهذا القول عند زرادشت منكر قبيح. أما العاقل فيجب عليه أن يضحك الضحكة الإلهية؛ يجب أن يدنو من محجته وغايته بخطوات خفيفة راقصة طائرة، لا بليدة نادمة؛ إنه يتعزى بالضحك عن نقصه؛ إنه بالرقص والطيران يجوز مستنقعات الكآبة كالرياح العاصفة. يجب على الإنسان أن يتعلم الرقص بنفسه والضحك بنفسه وأن يرتفع وأن يسمو فوق نفسه، وأن تفوق نفسُه نفسَه على أجنحة الضحك والرقص. يقول زرادشت: (إن إكليل الضحك، هذا الإكليل من الورد، ضفرته أنا على رأسي، وأنا قدست ضحكتي المرحة. إن إكليل الضحك، هذا الإكليل من الورد، أُلقى به إليكم يا رفاقي! أنا أقدس الضحك أيها الرجال السامون، فتعلموا أن تضحكوا). - ٣ - (إن من كان مثلي مدفوعاً بشوق غريب للتأمل في مذهب التشاؤم إلى أقصى حد، قد يكون - من حيث لا يريد بذاته - فاتحاً عينه على المثل الأعلى للرجل الحي الطروب المبتهج بالحياة الذي لم يتعلم أن يتحمل الماضي والحاضر فحسب، بل يعمل على إحيائهما معاً، مهما كان الماضي ومهما ذهب المستقبل.) ولعل هذا التشاؤم المبطن عمقه بالتفاؤل هو الذي حدا بنيتشه إلى أن يطلب الحياة لنفسه، ولهذه الرواية الإنسانية الشاملة الكاملة، وللوجود الذي يقوم بتمثيل هذه الرواية. في شهر أغسطس من عام ١٨٨١ هبت في رأس نيتشه فكرة القول بالرجعة الخالدة التي أصبحت أساس فلسفة السوبرمان، وما لبثت هذه الفكرة أن ملكت عليه مشاعره كلها. وقد تتلخص هذه الفكرة في هذه الكلمة: إن شحنة القوى التي تهيمن على العالم تتراءى لنا ثابتة سرمدية؛ لا نقدر على أن نفترض لها نقصاً لأنها لو كانت كذلك لوجب زوالها في هذا الدهر الطويل، ولا نقدر على أن نفترض لها نمواً - كالنمو العضوي الذي نعرفه - إذ لو كانت كذلك لافتقر نموها إلى غذاء؛ وما هو هذا الغذاء أو هذا الوقود؟ وعلى هذا لم يبق لدينا إلا الاعتقاد برسوخ هذه القوى وثباتها. (يتبع)

стр. 11174

خليل هنداوي

стр. 11175

القصص مأساة من أسخيلوس أجامْمنون للأستاذ دريني خشبة (ولد أسخيلوس سنة ٥٢٥ ق. م وعاش سبعاً وستين سنة، وحارب في موقعة ماراثون، وكتب تسعين درامة لم يبق منها غير سبع. وكان يكتب درامات ثلاثية أي تتركب الواحدة منها من ثلاث درامات - أو قل فصول - تستقل كل منها بنفسها، وتكون مع الأخريين وحدة رائعة. وكانت مآسي أسخيلوس غرة في حين عصر بركلس، أزهى عصور الأدب في التاريخ القديم؛ ودرامة اليوم (أجاممنون) هي الحلقة الأولى - أو الفصل الأول - من إحدى ثلاثيات إسخيلوس (الأورستية) نسبة إلى جل المأساتين الأخريين (أورست) بن أجاممنون وضحية الأمومة الأثيمة، ويعدها نقاد الأدب الكلاسكي أروع طرف الأدب اليوناني. (وإسخيلوس هو أول من سار بتقاليد المسرح القديمة، بل ربما كان واضع أول لبنة في المسرح القديم. وقد كانت الدرامة - أو المأساة - قبله غير معروفة، وكانت المقالة هي المتداولة، وكان القصاصون يقومون بتأدية الأدوار جميعاً. فلما كان أسخيلوس حتم أن يخصص لكل دور ممثل بعينه، والمنشدون أو (الخورس) لهم مكانة رفيعة في درامتي اسخيلوس وسوفوكليس، وأناشيدهم هي شرح الأحداث التي تمهد للدرامة أو تتصل بها.) - ١ - نحن في الـ (بلوبيديه)، ذلك القصر العتيق الشاهق، الذي تكتنفه الأسرار، وتهوم في أبهائه وردهاته الألغاز. . . ومن الـ (بيلوبيديه) تصدر الأوامر، فتصدع بها مملكة آرجوس. . . وتُجيّش الجيوش، وتتحرك الأساطيل. . . وتسيل الدماء أنهاراً! ومن هذا القصر، يحكم الملكان الشقيقان أجاممنون، ومنالايوس. . . أما أولهما فقد تزوج من الفتاة الكاسرة، ذات الصولة، كليتمنسترا، بطلة المأساة التي نحن بصددها الآن. . .

стр. 11176

وأما ثانيهما، فقد تزوج من الفتاة اللينة الغضة؛ المترعة بالمفاتن، هيلين! التي فرت مع عشيقها المجرم باريس. . إلى. . طروادة؟. . والتي شبت بسببها تلك الحروب الطويلة المروعة فذهبت بالنخبة الناضرة من شباب هيلاس وإليوم. . . والفتاتان شقيقتان، وقد تبناهما تنداريوس العظيم، وزوجهما من هذين الملكين الشقيين، ليزيدا في شقائهما، وليكونا حرباً عليهما وعلى شعبهما البائس لا تنتهي! وليكونا كذلك، ليلاً على هذا القصر العتيق الشاهق - الـ (بيلوربيديه) مظلماً. . . لا تنجاب غواشيه. . . ولا تنقشع دياجيره!! - ٢ - وفرت هيلين الآبقة، مع باريس الآثم،. . . فهاجت هيلاس، وهبت ريح الحرب، وتدفقت الجيوش إلى أوليس حيث الأساطيلِ في انتظارها، لتمخر بها البحر اللجي إلى مدينة بريام. . . وودع أجاممنون زوجته. . . وذرفا، وهما يتعانقان، دموعاً حارة سخينة! وأنطلق مع شقيقة الملك البائس المفضوح في عرضه، منالايوس، إلى أوليس. . . ليركبا مع بقية الجند. . . وليبحرا إلى إليوم. . . بيد أن البحر المضطرب كان ينذر بتحطيم الأسطول إذا هم أن يقلع. والعاصفة التي أطلق بوسيدون عنانها كانت تثير في اليم موجاً كالجبال. . . وكانت تراوح الشاطئ المرتجف وتغاديه، فتهيل التراب وتسفيه، وتحط صخره من علٍ وتغرق به ما تهاوى عليه من أسطول هيلاس. . . وانتظروا طويلاً حتى تسكن العاصفة، ويهدأ البحر المصطخب. . . ولكن. . . بلا جدوى! ثم قيل لهم إن الآلهة عطشى، وأرباب الأولمب ظماء، وإنها لا يرويها إلا دم عزيز غال يسفح، ومهجة شابة غيداء تطل، وإن الآلهة لا ترضى بإحدى أبنتي أجاممنون بديلا!! لا ترضى الآلهة أن يسفك دم إلا دم إفجنيا العذراء، أو أختها الكاعب إفياناسا، فإذا لم ترو الآلهة فلن تهدأ العاصفة، ولن يسكن العباب، ولن يفتأ البحر يضطرب، ولن يقلع هذا الأسطول اللجب. وتردد أجاممون! وأضطرم قلبه بحنان الأبوة! ولكن القادة تكبكبوا حوله يلحفون عليه أن

стр. 11177

يصغي إلى وحي السماء، ويستجيب لأمر الآلهة. . . فقبل. . . وبكى. . . - ٣ - وجئ بالعذراء البريئة إفجنيا، ليحتفل بخِطبتها إلى أخيل فيما ادعى الوالد المحزون في رسالته إلى زوجه. . . ولكن الزوجة تكتشف أن لا خطبة هناك. . . بل هناك قتلة شنيعة تنتظر ابنتها. . . لا لشيء. . . إلا أن تروى الآلهة. . . كما أرجف المرجفون! وتصبح أضواء الحياة كلها ظلمات في عيني الأم. . . وتحاول إنقاذ الفتاة. . . ولكن. . . عبثاً!. . . لقد تقدمت إفجنيا إلى الكاهن الجلاد بقدم ثابتة، وجأش رابط، ونفس مطمئنة. . . وأعلنت أنها تهب نفسها للوطن. . .! ودمها للآلهة. . . وإنها تستودع الأولمب أباها. . . وأمها!. . . وأهوى الجلاد. . . الكاهن. . . بسكينه. . . فهريق الدم العزيز الغالي!! - ٤ - وعادت الأم المضعضعة إلى القصر الشاهق العتيق. . . إلى الـ (بيلوبيديه). . . تجتر هذه المصيبة الدامية، وتغص بتلك الداهية الحمراء! وتحزن أياماً. . . ويشمل السواد كل شيء. . . حتى أضواء الشمس، وأفواف الزهر، وآراد القمر!! كل شيء أسود حالك. . . لا سيما. . . قلب الملكة. . .! لقد انفردت في هذا القصر العتيق، فهي صاحبة الأمر والنهي فيه، وكل شيء يصدر عن إذنها ويقضى بأمرها. . . والمملكة بأسرها بيديها. . . ومع ذاك. . . ومع كل ذاك. . . فليس في الدنيا العريضة ما ينسيها افجنيا! أو يبعد عن عينيها ذلك المنظر الرائع الرهيب. . . منظر السكين اللامعة تهوى على عنق الفتاة. . .! إنها أمامها أنى ذهبت وأيّان وجهت. . . هاهي ذي تمرح في هذه الغيضة من حدائق القصر. . . وتلعب في تلك الردهة من الطابق العلوي. . . وتغرق في هذه اللجة من ديباج السرير. . . وتداعب الظباء في الحظيرة. . .

стр. 11178

وتضفر أعواد الزنبق للتماثيل. . . وتنثر الورود والرياحين تحت أقدام الدُّمى. . . ثم. . . . . . ثم هاهي مسجَّاة فوق المذبح يتفجر من غلاصمها الدم!! - ٥ - وسكنت العاصفة، وهدأ البحر الجياش، وأقلع الأسطول بمن عليه. . . وحوصرت طروادة. . . وقتل الأبطال الصناديد من الفريقين. . . وكرت أعوام عشرة. . . - ٦ - (كيف يقتل ابنتي هذا الملك الذي قُد قلبه من صخر؟ كيف سوَّلت له نفسه أن يأذن لجلاديه بذبحها؟ أين حنان الوالد؟ قربان للسماء؟ أي سماء هذه التي تشره لدماء العذارى؟ لا ظفر أجاممنون بأعدائه! ولا حمله البحر إلى آرجوس كرةٌ أخرى! وروى ثرى طروادة من دمه، كما رويت آلهته من دم ابنتي!!). ووقر في قلب كليتمنسترا أن تثأر لابنتها. . . ولكن. . . ممن؟ من أجاممنون. . . من أبيها أجاممنون. . .! إذن. . . فلتدبر غيلته في هذه السنين العشر، ولتحشد حولها أعداء هذا القصر العتيق الباذخ. . . ولْنُعَشَّش الأحقاد القديمة، والترات التي تتقلب في أحشاء الماضي. . . ولتجتمع عصابة الشرور فتدبر وتأتمر. . . - ٧ - ترك أتربوس مُلْك أرجوليس العتيد لولديه، أجاممنون وأخيه، وترك لهما كذلك إرثاً عتيداً من الدم لم يسمع الناس بمثله. . . لن يسمعوا بمثله. . . لأنه دم أعز الأبناء. . . وشِواء لعين أيما شِواء. . . ذلك أنه كان للملك أتريوس أخ يناوئه من أجل عرش أرجوليس ومايتاخمها من الاقطاعات. . . وكان هذا الأخ (ثيذتيس) يحاول أن يجعل الملك في أبنائه. . . من دون أبناء أخيه. . . ولكن أتريوس وقف على التدبير السيئ الذي يرسم خطط أخوه في الظلام؛ فما كان من أتريوس إلا أن دبر هو تدبيراً دموياً هائلاً. . . قضى به على أخيه وعلى أبناء أخيه. . .

стр. 11179

إلا واحداً! تودد إلى أخيه أياماً، وعاتبه في هذه الجفوة التي لا يكون مثلها بين أخوين، فأعتبه. . . ثم دعاه إلى وليمة فاخرة يقيمها له في الـ (بيلوبيديه). . . فقبل ثيذتيس! وفي اليوم المحدد. . . وبعد تدبير أحكمت حلقاته. . . أقبل ثيذتيس ليؤا كل أخاه، وليتصافح القلبان اللذان ينطوي كل منهما لصاحبه على الحب. . . واصرم الغل والحقد. . . وحان موعد الغداء. . . فنهضا إلى خوان عامر مجلل بما لذ وطاب من لحم يملأ قتاره الخياشيم الجائعة، ويسيل لعاب الأفواه المتلمظة. . . وجلس ثيذتيس المنهوم فأكل حتى امتلأ. . . وما كاد ينتهي حتى كشف له الغطاء عن تلك الغيلة القاسية، التي يتنزه عنها أضرى الوحوش!! لقد أكل ثيذتيس حتى امتلأ من الشواء الفاخر الذي أعد له من لحم أبنائه. . . وأكبادهم وقلوبهم. . . وهاهي الأصابع والأيدي والرؤوس والأقدام في سفط كبير على مقربة من الوالد البائس. . . شهيد على ذلك!! وجن جنون الأب المسكين! ولكنه عوجل هو الآخر بقاصمة الظهر. . . فذهبت روحه تتردى في ظلمات هيدز! فيا للوحشية. . . وويل للمتوحشين!!! - ٨ - وكان إبجستوس يتقلب على وجهه في البلاد. فلما علم بالمأساة التي ذهبت بأخوته، وبأبيه. . . شرد في الأدغال، ونفر في التيه الذي لا أول له ولا آخر من غاب هيلاس وأنس إلى الوحشية، وسمر إلى الذئاب، وصحب اللصوص وقطاع الطرق. . . وتلبَّث حتى اسند ساعده، واشتد عوده. . . وعاد مستخفياً يدبر أمر هذا الثأر الثقيل، ويرسم الخطط لهذا الدم المطول. . . ولكن. . . لقد مات أتريوس. . . وحكم من بعده ابناه أجاممنون ومنالايوس. . . وهما اليوم تحت أسوار طروادة يصطرعان مع الطرواديين. فهل تزر وازرة وزر أخرى؟

стр. 11180

أجل!! (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خانوا عليهم. . . فليتقوا الله!!). إبجستوس!! هذه فرصتك فلا تُفلتها!! - ٩ - وأتصل إبجستوس بالقصر، وتأكدت بينه وبين كليتمنسترا أواصر الود أولا؛ ثم انقلب الود واتحاد المقصد وبغض أجاممنون وأسرة الـ (أترديه) فصارت غراماً أثيماً وعشقاً فاسقاً ولذاذةً مجرمة. وعمى قلب الأم. . . وحجبت الغواية بصيرتها؛ فنفت ولديها: أورست الغلام الحَدَث، وإفياناسَّا الفتاة الناعسة بعيداً عنها، لتزداد إغراقا في اللذة، ولينام ضميرها الميت فلا يوقظه هذا النسل البريء من صلب أجاممنون!!. - ١٠ - العاصفة تهب بشدة، والحارس المتعب يلفحه البرد القارس فوق سطح القصر الملكي العتيق، الـ (بيلوبيديه)، والليل الرهيب ينظر إلى القصر الفائض بالأسرار بعين قلقة من تلك النجوم المحملقة؛ وسنوات عشر قد تصرمت، وهذا الحارس المسكين في مكانه من هذا الميدان المعلق بين الأرض والسماء. . . أجل عشر سنين طوال كأنها عشر أحقاب كاملة، وهو يروح ويجئ كأنه آلة الزمن، أو قوس من دائرة الفلك. . وهو يشكو، ويحاول أن، يتسلى بأغنية أو صفير، ولكن الأسرار الهائلة التي يعج بها القصر من تحته تفزعه، فيعزف عن الغناء وعن الصفير. . . ويصل شكواه، ويرسل بثه. وهن هناك فوق سطح القصر الملكي منذ قيام تلك الحملة المشئومة إلى طروادة. . . وهو إلى هذه الليلة يرقب النيران التي إذا تأججت في رؤوس الجبال كانت بشرى سقوط طروادة!. وأومض البرق في الظلماء فجأة!. . . واندلعت النيران المنشودة! واستطير الحارس من الفرح؛ وفرك عينيه ليستيقن أنه ليس في حلم. . . ولكن النار تندلع وتندلع. . . إذن انتصرت جيوش هيلاس. . . وسقطت مدينة بريام!. وأي بأس في أن ينطلق هذا الحارس المسكين فيزف البشرى إلى الملكة. . . لا بأس!

стр. 11181

ولكنه ما يكاد يخطو خطوة واحدة، مفتراً في ظلمات الليل البهيم عن ابتسامة الجذل، حتى يذكر الأسرار الهائلة التي نسجتها عناكب القدر في القصر. . . فتقلب ابتسامته الجدلة إلى عبوسة قاتمة. . . فيقف مكانه ويصمت!!. - ١١ - ويدخل المنشدون حديقة القصر، ويهزجون بنشيد طويل حلو ثم تقبل الملكة فيتقدم إليها رئيس الخورس محبياً ويتساءل: (هل من نبأ عن الحملة يثلج الصدر المكروب ويهج النفس المحروبة؟) وتبتسم الملكة ابتسامة خبيثة صفراء، ثم تزف بشرى انتصار الهيلانيين. - (وكيف؟ لا نصدق! ولكن تكلمي. . . تكلمي أيتها الملكة!). - (إليوم في قبضة رجالنا! هل أراك فهمت؟) - (إنها مفاجأة تملأ أعيننا دموعاً. . .) - (وإنها دموع تؤكد إخلاصكم وطهارة قلوبكم) - (ولكن هل من برهان أيتها الملكة؟) - (ما لم يكن بعض الآلهة يخدعني!) - (ألا تكونين قد استسلمت لغفوة لذيذة فشهدت رؤيا طارئة؟) - (إن أوهام المنام لم تخدعني قط!) - (إذن منذ كم سقطت طروادة؟) - (في نفس هذه الليلة التي كاد صبحها يتنفس؟) - (وأي رسول حمل إليك النبأ في مثل هذه السرعة؟) - (النار الآلهية ألمعت به إلى هنا من ذروة جبل إيدا. . . وهشيم الحلنج المتأجج في شعاف الجبال ورؤوس الآكام. . .). واستطردت كليتمنسترا فذكرت كيف أشعل الهيلانيون النيران في قُلَل الشاطئ الأسيوي، ثم كيف تنقل الوميض فيالسماوات حتى عكسه أفق أرجوليس. . . وطفقت تحشد الكنايات في حديثها، وتنثر الألغاز في ثناياه. . . صادرةً عن غلها المقيم وحقدها القديم على أجاممنون!

стр. 11182

- (يا لطنين النصر في طروادة اليوم؟. . . . . . أحسب ألا يستطيع أحداً، يميز صيحات السادة الظافرين من صيحات العبيد المقهورين بين جدرانها! إنهم سواء منكودو الحظ، سود الجدود، حقيقون بالرثاء! ومن يدري؟ فلعل الآلهة تغضب فتنتقم ممن دنس هياكلها، وسطا على طُرفها وتحفها بجعلها في جملة الغنائم والأسلاب!. . . ولعل أرواح الضحايا (!) والشهداء تهب من مراقدها مغضبةً حانقة فتقف في سبيل الأبطال الظافرين فلا يعودون إلى أوطانهم!. . . ولكن قلما ساد حق. . . دون أن ترتكب ألف مذمة باسمه!. . .) - ١٢ - ويفطن الخورس إلى ما كان يتناثر في حديث الملكة من ألغاز، ويفطنون إلى هذا الفتور وذاك الضيق الذين كانت تزف في ظلامهما بشرى سقوط طروادة. . . فيعزونه إلى أسبابه التي باتت لا تخفى على أحد في المملكة. . . ثم يتشككون في كل ما انطلق به لسانها ويحسبونه هذياناً في هذيان!. وما يكادون يفرغون من نشيد طويل رائع حتى يحضر البشير فيزف إليهم النبأ الصادق ويبشرهم بأوبة الملك، ثم يصف لهم شطراً مما لقيه الجنود تحت أسوار إليوم: (بل ما لقيه الطرواديون يومئذ من مصائب الحصار وكوارث القتل، ثم هذه النهاية التي أبادت دولتهم وقوضت بنيانهم. . .). بيد أنه سرعان ما يفطن البشير إلى تلك الكآبة التي تُغشَّى نفوس القوم، فيسألهم، ويجيبه رئيسِ الخورس: - (لقد كان الصمت. وسيظل. . . ملاذنا أيها البشير!) - (وكيف؟ أترهبون أحدا في هذا القصر غير مولاكم؟) - (. . .؟. . .!. . .) - (أسرار. . . أسرار. . . - ١٣ - وتقبل الملكة كرة ثانية فتلمح تثلج مشاعر المنشدين وتحاول أن تخدعهم عن خافية نفسها فتقول: (هل صدقتم الآن أن إليوم قد سقطت؟! لقد كنتم في مرية من بشراي التي زففت

стр. 11183

إليكم لأنكم لم تروا أماكم تلك الفتاة المزهوة التي تكاد تجن من الفرح لهذا النصر المفاجئ الذي انتظرناه طويلاً. . . يا لكم أيها الرجال! وأنت أيها البشير! أترى إلى قرباني الجسد ذي الخوار الذي أعددته أُضحِية لما بشرتنا به؟. . . وسترى كيف ينتشر البخور من مجار المد ومخارق العنبر فيؤرج أجواء آرجوس تحية لملك. تعال. . . تعال أيها البشير فقص علىَّ كيف سقطت طروادة وكيف رغم أنف ملكها!. . . ولكن. . . لا. . . ليست لي فيك حاجة. . . اذهب. . . فلن أسمع قصة ذلك إلا من رجلي. . . أجاممنون. . . ملك أرجوليس ومعقد آمالها!. . . أي فخار للمرأة أكبر من أن تستقبل فيض النور السماوي يتنزل عليها من العلو. . . حين يعود إليها بعلها وعلى رأسه! كليل من غار النصر؟ وأي فخار للرجل أكبر من أن يعود من حلبة الحرب فيجد زوجه وفية له كما تركها مخلصة كآخر عهده بها!؟ حريصة على أسراره. . . قائمة على بيته. . . ساهرة على أبنائه ككلبه الأمين!! ما تزال تحمل ذكرى عناقه الأخير، وتشدو بآخر قبلاته كأحسن أغاريد الحياة! (يا للفخر. . . يا للفخر. . .) وتخرج الملكة. . . ولا ينطلي ما زخرفت من قول على أحد! - (ها قد سمعت مقالة الملكة، فلتكن أذنك ترجمانك الأمين!. . . ولكن. . . حدثنا بأربابك عن أمير هذه البلاد المحبوب، جليل المقام منالايوس. . . هل قدم معكم في أمان إلى أرض الوطن!. . . ويربد وجه البشير، ثم يمهد لحديثه بمقدمة مجلوة، ويذكر كيف ثارت العاصفة فبعثرت الأسطول المنتصر. . . (وفصلت سفائن منالايوس عن سائر الأسطول، فلا يعلم أحد أين رست به إن كانت قد سلمت من غضبة البحر الذي طفق يتدجى فوقنا كأنه الليل. . . . . . ولم نصدق أننا نجونا من فورة هذا العباب حتى انبلج الصبح، فصلينا للآلهة، وشكرنا للسماء. . . وابتهلنا إلى الأولمب أن يحفظ منالايوس، وأن يرده سالماً إلى أرض الوطن. . .) ويأخذ الخورس في نشيد بعضه شدو وبعضه شجو. . . وبعضه سخط على هيلين. . . التي فاز بها من فاز بالحرب. . . وتزوج بها من تزوج بالحرب. . . والتي كانت على جميع من اتصل بها حرباً أي حرب!)

стр. 11184

- ١٥ - وبينا المنشدون يتغنون بألحانهم، إذا عربة مطهمة، تجرها صافنات جياد، تدخل فجأة فتكون تلقاء القوم. . . ويكون في العربة أجاممنون الظافر المنتصر، قاهر طروادة؛ والى جانبه تلك النبية المباركة. . . حبيبة الآلهة. . . الفتاة العذراء. . كاسَّندرا ابنة بريام العظيم ملك إليوم المقتول. . . عاد بها أجاممنون من جملة السَّبْي لتكون له. . . ويحي الخورس مليكهم بلحن حلو من موسيقى السماء، يبللونه بدموعهم ويصهرونه بحرارة قلوبهم، فيشكر لهم ويثني عليهم، ويقول: (البقية في العدد القادم) دريني خشبة

стр. 11185

البَريد الأدَبيّ حلم ليلة صيف ظهرت أخيراً أول قطعة من مسرحيات شكسبير الخالدة على ستار السينما؛ وهو بلا ريب حادث عظيم في تاريخ الإخراج السينمائي؛ وقد كان رأى النقدة والفنانين أن مسرحيات شكسبير إنما خلقت للمسرح، ومن الصعب أن لم يكن من المستحيل إخراجها بنجاح على ستار السينما؛ ذلك أن مناظرها وخيالاتها لا تسمح رغم روعتها بذلك السبك الذي يطلب في الشرائط المصورة، ولأنها ترتفع أحياناً فوق الوسائل الفنية التي يسمح بها الإخراج السينمائي؛ ولكن فناناً عظيماً هو ماكس رينهارت رأى في مسرحيات شكسبير رأياً آخر، وجالت بذهنه فكرة جريئة هي الأقدام على إخراج بعض هذه القطع الخالدة على لوحة السينما؛ وقد تم إخراج المسرحية الأولى وعرضها، وهي (حلم ليلة صيف)، وقد أتيح لنا أن نشهد هذا الشريط الرائع أخيراً في إحدى دور السينما بالقاهرة، فألفينا فيه عبقرية المخرج العظيم تتجلى إلى جانب عبقرية الشاعر الخالد، ورأينا خيال الشاعر المبدع يبدو على صفحات الواقع الملموس في أروع ثوب؛ ولم يحل دون تحقيق هذه الأمنية. أن القصة كلها أحلام في أحلام، وأن هذه الأحلام تبلغ ذروة الخيال المغرق، وتفيض في عالم الأرواح والأشباح والعالم الآخر. وسر هذا الإبداع المدهش في إخراج هذه القطعة الخالدة هو بلا ريب في عبقرية المخرج؛ والواقع أن ماكس رينهارت قد بلغ الذروة من قبل في إخراج المسرحيات الخالدة: مسرحيات شكسبير، وجيتي، وشيللر، ولسنج وغيرهم، على المسرح؛ وماكس رينهارت نمسوي يهودي، ولد في مدينة سالزبورج، موطن الفن والموسيقى الخالدة؛ وتلقى تربيته وخبرته الفنية في مدينة فينا أعظم موطن للثقافة الفنية والموسيقية، وظهر قبل الحرب بجهوده المسرحية في أعظم مسارح فينا وبرلين، ثم أستقر في برلين بعد ذلك، وهنالك تبوأ ذروة الفن، وأضحى مرجع المسرح في ألمانيا وكوكبه الساطع؛ ولكن حكومة هتلر جاءت منذ ثلاثة أعوام لتسحق العلوم والفنون والآداب في ألمانيا بكل ما وسعت من شهوات التعصب الجنسي والسياسي، فلم يطق الفنان العظيم - وهو يهودي غير مرغوب فيه - أن يعيش في هذا الجو الكدر، فغادر ألمانيا حيث سطع مجده، ليعمل حيثما تزدهر الأفكار

стр. 11186

والحريات الفنية؛ وطاف بفينا وباريس ولندن وغيرها، ومر منذ شهر بمدينة سالزبورج مسقط رأسه، فلقي فيها أعظم مظاهر الحفاوة والتكريم، وأطلقت البلدية أسمه على شارع من أشهر شوارعها. وفي (حلم ليلة صيف) تتجلى عبقرية شكسبير الرائعة في مزج المبكي بالمضحك، وإبراز المفاجآت والمدهشات في ثوب يأخذ باللب، ويذكي العواطف إلى الذروة؛ ومع أن القطعة كانت في بعض تفاصيلها مسهبة، فأن الموسيقى الرائعة التي اقترنت بمناظرها، وهي من مقاطيع مندلزون وفاجنر، كانت ترفع بجمالها وسحرها كل ميل إلى السأم. والمفهوم أن ماكس رينهارت سيمضي في إخراج قطع أخرى من مسرحيات شكسبير؛ وربما رأينا قريباً هملت أو مكبث، أو تاجر البندقية أو يوليوس قيصر أو غيرها من آثاره الخالدة على مسرح السينما بفضل عبقرية ماكس رينهارت. بييردي نولهاك في الأنباء البرقية الأخيرة أن الكاتب والمؤرخ الفرنسي الكبير بييردي نولهاك قد توفي في السادسة والسبعين من عمره. وكان دي نولهاك عضواً بارزاً من أعضاء تلك المدرسة التاريخية الباهرة التي استطاعت أن تجمع بين التحقيق التاريخي والعرض الساحر، والتي تزعمها كتاب ومؤرخون يمتازون بالقوة والطرافة مثل فرانز فونك برنتانو، ولينوتر، ودي نولهاك، وقد كان لهذه المدرسة أكبر الفضل في الكشف عن طائفة من الوثائق والمحفوظات الشهيرة، ودرس دي نولهاك الفلسّفة والأدب القديم، وتفقه في الدراسات اليونانية واللاتينية، وعني منذ فتوته بالتنقيب في أقبية المكاتب العامة؛ ودرس مدى حين فيمدرسة الآثار الفرنسية برومة، وعثر في مكتبة الفاتيكان على طائفة من الوثائق التاريخية النفيسة، ونشر عن مباحثهعدة مؤلفات منها (مكتبة زعيم إنساني في القرن السادس عشر) و (ثبت المخطوطات اليونانية لجان لسكاريس) و (مباحث عن رفيق بومبونيوس لاكثوس) وغيرها، ووقع دي نولهاك أثناء هذه الفترة على خطية من كتاب (كانزونير) للشاعر الأشهر بترارك وبخطه أيضاً، وقدمها لأكاديمية الآثار، فكانت نقطة باهرة؛ وأثار هذا الاكتشاف اهتمام دي نولهاك بدراسة بترارك، فقدم عنه رسالته الشهيرة عنوان (بترارك والإنسانية) في سنة ١٨٩٢.

стр. 11187

والتحق دي نولهاك منذ سنة ١٨٨٦ بوظيفة في المكتبة الأهلية، وانتدب للتدريس في نفس الوقت بمدرسة الدراسات العليا؛ ثم عين بعد ذلك مديراً لها واستمر في هذا المذهب حتى سنة ١٩٠٠، وعين أيضاً أميناً لمتحف فرساي واستمر في هذا المنصب حقبة طويلة، وفي أقبية المكتبة والمتحف بدأت مباحث دي نولهاك المؤرخ، وهي مباحث دلت فيما بعد على أنه في هذا الميدان عبقرية بارزة، ووقع في الأقبية على طائفة من الوثائق والمحفوظات التاريخية النادرة، واستطاع أن يستخرج منها مادة بديعة لكتبه، وأشهر مؤلفات دي نولهاك التاريخية: (فرساي في القرن الثامن عشر) و (الملكة ماري انتوانيت) و (لويس الخامس عشر ومدام دي بومبادور) وغيرها، وفيها تبدو عبقرية نولهاك كمؤرخ وكاتب، ذلك أن حقائق التاريخ تعرض فيها في أثواب ساحرة كأنها الخيال المرسل، وتسطع فيها الصور حتى يخيل إليك أنها حية تغدو وتروح وكأنك تعيش معها وفي عصرها. وكتب دي نولهاك عدة كتب أخرى ارتفعت باسمه إلى مصاف أقطاب النقد والتفكير الفلسفي منها: (رونسار والإنسانية)، ومنها (قصائد إيطاليا وفرنسا). وانتخب نولهاك عضواً بالأكاديمية الفرنسية وانتظم في سلك الخالدين قبل وفاته بأعوام طويلة. كتاب عن ذكرى ابن ميمون احتفلت الطوائف اليهودية في مصر وفي سائر أنحاء العالم، وكذلك احتفلت معظم الهيئات العلمية في مختلف الأقطار بذكرى العلامة والفيلسوف والطبيب اليهودي العربي الأندلسي موسى ابن ميمون، وكان الاحتفال في إبريل من العام الماضي، وذلك لمناسبة انقضاء ثمانمائة عام كاملة على مولد الطبيب الأشهر؛ ولابن ميمون في مصر ذكريات خاصة، فقد كتب فيها معظم مؤلفاته، وتوفي فيها، وكان كبير الربانيين بالقاهرة، وكان طبيباً للسلطان صلاح الدين الأيوبي؛ وكان مولد ابن ميمون في قرطبة في ٣٠ مارس سنة ١١٣٥م، في عهد المرابطين، ثم نزح مع أسرته إلى المغرب فالقاهرة حيث اتصل بالسلطان صلاح الدين وعينه طبيبه الخاص. وعكف ابن ميمون على دراسة التلمود وكل ما يتعلق بالقصائد والفلسفة اليهودية، وألف فيها بالعربية، ولكن بحروف عبرية، طائفة من الكتب الفلسفية والدينية مازالت تتبؤا المقام الأول بين تراث اليهودية. وقد عنيت الحاخامية اليهودية بالإسكندرية بإصدار مجلد ضخم عن هذا العيد العلمي

стр. 11188

بالفرنسية بعنوان: (الذكرى المئوية الثامنة لابن ميمون) وضمنته ترجمة وافية للطبيب الفيلسوف، وشرحاً قيماً لأهم نظرياته ونصوصه، وشذوراً من مصنفاته بالعربية والعبرية والفرنسية والإيطالية، وأشرف على وضعه وإخراجه الأستاذ دافيد براتو حاخام الطائفية اليهودية بالإسكندرية، ومما يجدر ذكره بهذه المناسبة أن لابن ميمون بين مفكري اليهود وفلاسفتهم المقام الأول، حتى لقد اعتبره بعضهم الرجل الثاني في اليهودية بعد موسى. ولابن ميمون نظريات فلسفية ودينية عويصة، وله شرح نفيس للتلمود ما زال هو الحجة في موضوعه. القصة في التعليم في وزارة المعارف اليوم حركة تجديد تسير إلى غايتها بنشاط وقوة، نؤمل من ورائها انقلاباً في وسائلنا التعليمية يدنينا من الهدف الذي نقصد إليه من تعليم أبنائنا. وقد كان آخر هذه المحاولات، هذا المشروع الذي أشارت إليه الصحف في الأسبوع الماضي، بأن الوزارة تفكر في تدريس كثير من المواد بالمدارس الابتدائية عن طريق القصة. وهو مشروع جدير بأن يثمر ثمرة طيبة لو حَسُنتْ القوامة عليه؛ فما نعرف شيئاً يروق الصغار ويجذب انتباههم مثل القصة، وما نعرف بابا من أبواب الأدب يتسع لكل شيء كما تتسع القصة، فالقصة عند الطفل لون من ألوان اللعب يقبل عليه بشوق ولذة، ولكنه عند أهل التربية فن من فنونهم يبلغون به مالا يبلغون بسواه من أساليب العلم. وإذا كان لنا أن نغتبط بهذا المشروع، فإننا نخشى أن تؤدى طريقة تنفيذه إلى ما لا نرجو من جَدْواه، فان القصة فنٌّ واستعداد لا يتوفران لكل شخص، ولا يحسنهما إلا الموهوب؛ فلو أن وزارة المعارف وكلت أمر إنشاء هذه القصص إلى غير القادرين عليه لقضت على الفكرة بالموت قبل أن تظهر لها ثمرة؛ وفي وزارة المعارف رجال درسوا القصة وعالجوها فنجحوا فيما عالجوا إلى حد كبير، وإن لم يكونوا من رجال التعليم. وفي مختلف مدارس الوزارة مدرسون حاولوا القصة ووُفِّقوا في كثير مما حاولوا، فلعل الوزارة تنتفع برأي هؤلاء وهؤلاء. الإسلام في اليابان

стр. 11189

كتبت مجلة (آسيا) في عددها الأخير أنه لن تنقضي أعوام حتى تصبح اليابان كلها إسلامية. وقد أشارت المجلة إلى الدعاية الإسلامية القائمة بين الشعب الياباني وقالت إن ٣٢ ألفاً من اليابانيين اعتنقوا الديانة الإسلامية منذ ثلاثة أعوام، وإن الإقبال على الإسلام لا يزال مستمراً. وقد تم إنشاء مسجد (باب الله) في الأسبوع الماضي واحتفل اليابانيون بافتتاحه احتفالاً عظيما. ويتألف هذا المسجد من ثلاثة طوابق، ويمتاز بمآذنه الشائقة المزدانة بأجمل النقوش كما يمتاز بأبهائه وحدائقه والنقوش العربية التي تزين جدرانه. وقد رأس حفلة الافتتاح مياه عبد العزيز، وكان يرتدي العباءة والكوفية والعقال؛ وقد ألقى خطاباً شكر فيه لجنة المسجد ثم قال: (إنه ليسرني أن أرأس هذه الحفلة في اليابان إمبراطورية الشرق الكبرى، وأعتقد أن (باب الله) سيجد كثيراً من اليابانيين الذين يرغبون في دخوله. .). وبعد أن أشار الخطيب إلى موقف الحكومة اليابانية من الديانة الإسلامية وتنشيط القائمين بالدعوة إليها شرح للحاضرين التعاليم الإسلامية ومبادئ المسلمين السامية وقال: (إن الديانة الإسلامية التي أجمع العالم على أنها أفضل الديانات لابد أن تنتشر في جميع أنحاء العالم وخاصة في اليابان، ولابد أن تجد من الأنصار ما يجعلها سيدة العالم). وأشار الخطيب إلى إعجاب العرب المسلمين بالشعب الياباني، وقال إن اليابان تسير في طريق الإمبراطورية الآسيوية الكبرى، وإن الإسلام سيكون في أول هذا الطريق. من أعاجيب الراديو أضحى (الراديو) أعجوبة الأعاجيب في عصرنا، يستعمل في كل ما لا يمكن أن يخطر في البال من عظائم الأمور وصغائرها؛ وسنرى في الأعوام القادمة إلى أي حد يمكن أن تقف أعاجيب هذا الاختراع المدهش؛ ومما قرأناه أخيراً في صحف فيينا أن الراديو كان وسيلة مدهشة لنجاة مريض من تناول دواء خاطئ؛ فقد وفد مريض على صيدلي وقدم إليه تذكرة

стр. 11190

دوائه ليعدها، ثم أخذ المريض الدواء وانصرف، وبعد قليل تذكر الصيدلي أنه ارتكب في صنع الدواء خطأ قد يؤدي بحياة المريض، ولم يكن يعرف عن المريض أو اسمه أو طبيبه شيئاً؛ فهرع إلى شركة للإذاعة اللاسلكية، وفي الحال أذاعت الشركة خلال برنامجها نبأ هذا الخطأ في جميع أرجاء النمسا؛ ووقف الطبيب المعالج مصادفة على هذا النبأ حين كان يستمع إلى الإذاعة، فهرول إلى المريض في منزله ولحق به قبل أن يتناول الدواء القاتل.

стр. 11191

الكتب (محمد) كتاب توفيق الحكيم للأستاذ مصطفى صادق الرافعي عملُ الأستاذ توفيق الحكيم في تصنيف هذا الكتاب أشبهُ شيء بعمل (كريستوف كولمب) في الكشف عن أمريكا وإظهارها من الدنيا للدنيا؛ ولم يخلق وجودها ولكنه أوجدها في التاريخ البشري، وذهب إليها فقيل جاء بها إلى العالم، وكانت معجزته أنه رآها بالعين التي في عقله، ثم وضع بينه وبينها الصبرَ والمعاناةَ والحذق والعلم حتى انتهى إليها حقيقة ماثلة. قرأ الأستاذ كتب السيرة وما تناولها من كتب التاريخ والطبقات والحديث والشمائل، بقريحة غير قريحة المؤرخ، وفكرة غير فكرة الفقيه، وطريقة غير طريقة المحدَّث، وخيال غير خيال القاصَّ، وعقل غير عقل الزندقة، وطبيعة غير طبيعة الرأي، وقصد غير قصد الجدَل؛ فخلص له الفن الجميل الذي فيها إذ قرأها بقريحته الفنية المشبوبة، وأمرَّها على إحساسه الشاعر المتوثب، واستلَّها من التاريخ بهذه القريحة وهذا الإحساس كما هي في طبيعتها السامية متجهةً إلى غرضها الإلهي محققةً عجائبها الروحانية المعجزة. وقد أمدته السيرة بكل ما أراد، وتطاوعت له على ما اشتهى، ولانت في يده كما يلين الذهب في يد صائغه؛ فجاء بها من جوهرها وطبيعتها ليس له فيها خيال ولا رأي ولا تعبير، وجاءت مع ذلك في تصنيفه حافلة بأبدع الخيال، وأسمى الرأي، وأبلغ العبارة؛ إذ أدرك بنظرته الفنية تلك الأحوال النفسية البليغة، فنظمها على قانونها في الحياة، وجمع حوادثها المدوَّنة فصورَّها في هيئة وقوعها كما وقعت، واستخرج القصص المرسَلَة فأدارها حواراً كما جاءت في ألسنة أهلها؛ وبهذه الطريقة أعاد التاريخ حياً يتكلم وفيه الفكرة وملائكتُها وشياطينُها، وكشف ذلك الجمال الروحاني فكان هو الفن، وجلا تلك النفوس العالية فكانت هي الفلسفة، وأبقى على تلك البلاغة فكانت هي البيان. كانت السيرة كاللؤلؤة في الصدفة، فاستخرجها فجعلها اللؤلؤة وحدها.

стр. 11192

إن هذا الكتاب يفرض نفسه بهذه الطريقة الفينة البديعة، فليس يمكن أن يقال إنه لا ضرورة لوجوده، إذ هو الضروريَّ من السيرة في زمننا هذا، ولا يُغْتَمَزُ فيه أنه تخريف وتزوير وتلفيق، إذ ليس فيه حرف من ذلك؛ ولا يردُّ بأنه آراء يخطئ المخطئ منها ويصيب المصيب، إذ هو على نص التاريخ كما حفظته الأسانيد؛ ولا يُرمى بالغثاثة والركاكة وضعف النسق، إذ هو فصاحة العرب الفصحاء الخُلَّص كما رُويت بألفاظها؛ فقد حصنه المؤلف تحصيناً لا يُقتحم، وكان في عمله مخلصاً أتم الاخلاص، أميناً بأوفى الأمانة، دقيقاً كل الدقة، حَذِرا بغاية الحذر. ومن فوائد هذه الطريقة أنها هيأت السيرة للترجمة إلى اللغات الأخرى في شكل من أحسن أشكالها يرغم هذا الزمن على أن يقرأ بالإعجاب تلك الحكاية المنفردة في التاريخ الإنساني؛ كما أنها قرَّبت وسهلت فجعلت السيرة في نصها العربي كتاباً مدرسياً بليغاً بلاغة القلب واللسان، مربياً للروح، مرهفاً للذوق، مصححاً للملكة البيانية. وحسبُ المؤلف أن يقال بعد اليوم في تاريخ الأدب العربي: إن ابن هشام كان أول من هذَّب السيرة تهذيباً تاريخياً على نظم التاريخ، وأن توفيق الحكيم كان أول من هذبها تهذيباً فنياً على نسق الفن. مصطفى صادق الرافعي

стр. 11193

١ - علم تكوين الجنين (طبع دمشق) للدكتور شوكت موفق الشطى ٢ - دليل الحج والسياحة (طبع الرباط) للأستاذ أحمد الهواري للأستاذ محمد بك كرد علي - ١ - أصدر الدكتور الشطي في دمشق الجزء الأول من هذا الكتاب، وهو (يبحث في التناسل والجهاز التناسلي في الذكور والإناث، والألقاح والذكورة والأنوثة والوراثة)، وقد تقدم للمؤلف أن نشر كثيراً من الأبحاث الطبية في كتب ورسائل ومقالات. والذي يعنينا هنا أن نقوله إن هذا الكتاب وبعض الكتب الطبية والعلمية التي ظهرت في العهد الحديث في جمهورية سورية تدل على اضطلاع المؤلفين الجدد بعلمهم، مضافاً إليه تمكنهم من العربية. وقد رأينا مصنف هذا الكتاب المفيد يضع ألفاظاً لبعض الكلمات الطبية والعلمية، هذا إلى ما في مجموع كلامه من الرشاقة والجزالة. أما البحث في موضوع الكتاب ودرجته من العلم فهو من شأن الأطباء. - ٢ - جاءت رحلة الأستاذ الهواري الفاسي من الغرب الأقصى إلى الديار الحجازية المباركة في ٣١٠ صفحات محلاة بالرسوم البديعة. وقد قال في وصف كاتبها الأستاذ السيد عبد الحي الكتاني عالم فاس إنه رحل (ونقب، وسأل وكتب، وجمع وحطب، وإن كانت وجهة قلمه غلبت عليها نشوة الوظيف والاهتبال بالموظفين، والإدارات والمديرين، ولكن إذا عُلم أنه يكتب لأبناء هذا العصر زال العجب). ووصفه بأنه (صاحب القلمين واللسانين)، يعني العربية والفرنسية. وقد أورد الأستاذ الكتاني ثبتاً بديعاً بأسماء من رحلوا من القديم إلى اليوم، إلى الحجاز من بلاد الغرب والأندلس، ودل على أماكنها، ومنها المطوط المحفوظ في الخزانة الكتانية بفاس.

стр. 11194

ولاحظنا أن المؤلف عني عناية خاصة بذكر أصحاب القبور أكثر من التنويه بأعمال الإحياء في مصر والشام. والقبوريون يظفرون متى شاءوا بما يحبون من الزيارات في كل بلد من بلادالإسلام، ولكن ما يحفظ على هذه الأمة دينها ودنياها هو اليوم الاستمداد من الأحياء، ولذا كان على المؤلف أن ينوه بما يجب أن يقتبسه بنو قومه من جلائل أعمال الحياة في البلاد التي زارها. وقد قدم صاحب الجلالة سيدي محمد سلطان المغرب الأقصى تقريظاً للكتاب على سبيل التنشيط. وعبارة المؤلف تدل على أنه عانى صناعة الكتابة في بلاده، بيد أنه جرى في تدوين رحلته على ما يرضي العامة وأرباب السلطان. . . . محمد كرد علي

стр. 11195

العدد ١٣٧ - بتاريخ: ١٧ - ٠٢ - ١٩٣٦

стр. 11196

العزة للأستاذ أحمد أمين استعملت العرب كلمة (العزة) في مقابل (الذلة) فقالوا رجل عزيز ورجل ذليل. وجاء استعمال (العزيز والذليل) في القرآن متقابلتين، فقال تعالى: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين). وحكي عن المنافقين أنهم قالوا في حرب الغزوات: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)، وهي كلمة قالها ابن أُبي، ويريد بالأعزة نفسه وصحبه، وبالأذلة محمداً (ص) وصحبه، فرد عليهم الله بقوله: (ولله العزة ولرسوله والمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون). وقد تصدى بعض المسلمين لأبن أُبي وسل سيفه عليه ومنعه من دخول المدينة، وقال: والله لا أغمده حتى تقول: (محمد الأعز وأنا الأذل) فقالها. والسبب في كل هذا أن العرب في الجاهلية كانوا يفهمون العزة في المال والجاه والرياسة والولد ونحو ذلك، فجعلها الإسلام في الدين الحق، وأداء الواجب للناس والله. وأكثَر العرب من استعمال هذه الكلمة في الجاهلية والإسلام، فكان أبو جهل يقول: (أنا أعز أهل الوادي وأمنعهم)، وقال الشاعر: بيضُ الوجوه كريمةٌ أحسابهم … في كل نائبةٍ عِزَازُ الآنُفِ وفسر الراغب الأصفهاني (العزة) بأنها حالة مانعة للإنسان من أن يُغلب، وجعل اشتقاقها من قولهم أرض عَزَاز أي صلبة، وتعزز لحم الناقة أشتد وصلب. والحق في أن تحديد معنى العزة في منتهى الصعوبة، وأصعب ما في ذلك رسم الحد الفاصل بين العزة والكبر، وبين الذل والتواضع: وقديماً حاول الناس أن يفرقوا بينهما، فقد روى أن رجلاً قال للحسن بن علي: (إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً) فقال: (ليس بتيه ولكنه عزة). وروي عن عمر ابن الخطاب أنه قال: (اخشَوشِنوا وتَمَعْزَزُوا) كأنه خشي إذا أمر الناس بتعود الخشونة أن يلجئهم ذلك إلى احتقار النفس وذلتها فاستدرك ذلك بطلب المحافظة على العزة. وحاول السهروردي أن يفرق بين العزة والكبر فقال: (العزة غير الكبر لأن العزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه وإكرامها، كما أن الكِبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منازلها) ولست أدري لم أهمل علماء الأخلاق من المسلمين هذا الخلق فلم يكثروا الكلام فيه إكثارهم

стр. 11197

في غيره من الصدق والعدل الكرم والتواضع. ولو وضعت أنا (قائمة) الأخلاق مرتبة حسب أهميتها للمسلمين لوضعت في أعلاها (العزة)، ولاخترت من الأخلاق ما يبعث القوة والاعتداد بالنفس والرجولة والأنفة والحمية، ولأقللت جداً من الكلام في التواضع والزهد والخوف ونحو ذلك، لأن قائمة الأخلاق يجب أن تخضع في ترتيبها وتقويمها لعاملين: روح العصر، وموقف الأمة إزاء بقية الشعوب؛ بل أحياناً تنقلب الفضيلة إلى رذيلة، ويكون الحث على هذا النوع من الفضائل داعية إلى الإجرام. فإذا أفرطت أمة في التواضع كانت الدعوة إليه إجراماً، وإذا أفرطت أمة في الزهد كانت دعوة الأخلاقيين إليه دعوة إلى الموت والفناء. كنت زمناً قاضياً في (الواحات الخارجة) وهي بلاد في منتهى الفقر والبؤس، أغناهم من ملك نُخَيلات وسُوَيعات في عين من عيون الماء، بؤس شامل، وجهل شائع، وضنك يستذرف الدمع، ويستوجب الرحمة. فذهبت يوماً إلى صلاة الجمعة في مسجدها البائس الفقير أيضاً. . فما كان أشد عجبي من خطيب يخطب من ديوان مطبوع يستحث الناس على ألا يقضوا صيفهم في أوروبا، وأنا على يقين أن الخطيب والمسلمين لم يعرفوا أوروبا، ولم يفهموا لها إلا معنى غامضاً، ولم تحدث أحداً منهم نفسه بالسفر إلى مصر فضلاً عن أوروبا، ولكنها قلة ذوق الخطيب وسماجته، وجهله التام بالواقع. وأؤكد أن أكثر المتكلمين في الأخلاق من المسلمين في مثل حال هذا الخطيب، لا يعرفون زمانهم، ولا يعرفون أمتهم، ولا يعرفون موقف أمتهم من زمانهم. يرونهم أذلة فيدعون إلى الذلة، ويرونهم متواضعين فيلحون في طلب التواضع، ويرونهم زهاداً بالطبيعة لا يجدون الكفاف من العيش فيمعنون في طلب الزهد. فإن هم تلطفوا قليلاً طلبوا منهم الرضا بالبؤس وألصقوه بالقدر، وجعلوا ذلك كله ضرباً من التقوى والإيمان، وهم بذلك يداوون جوعاً بجوع، وجرحاً بجرح، وسماً بسم؛ وكان يجب أن يداووا جوعاً بشبع، وجرحاً بضماد، وسماً بترياق. تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ندعو إلى خلق يزيد الأمة ضعفاً، فلا ندعوها إلى الرضا بالقليل وفي إمكانها الكثير، ولا ندعوها إلى الاستسلام للقدر وفي وسعها مكافحة الصعاب ومواجهة الشدائد، ولا ندعوها إلى الذلة وفي استطاعتها أن تعز. والواقع أن أبيات

стр. 11198

العزة وأدب العزة وأمثال العزة وقصص العزة إنما تكثر في الأمة أيام عزتها وتختفي أيام بؤسها، فلما كان العالم الإسلامي عزيزاً أنطقتهم بالعزة رماحهم، ثم غلبوا على أمرهم فنطقوا بالتواضع، وتواصوا بالاستكانة، وألفت الكتب والخطب من ذلك الحين تروّح على البائسين حتى لا يشعروا ببؤسهم ولا يملوا أشقاءهم، وما زال الحال على هذا المنوال حتى صار الداء صحة والدواء مرضاً. وليس غريباً أن يسير الناس على هذه الخطة، ولكن غريباً أن يسير القادة عليها، وكان المفروض أن يكونوا أبعد نظراً، وأطهر قلباً، وأعرف بحقائق الأمور. أريد بالعزة أن يشعر كل إنسان بكرامة نفسه ويشعر بما لها من حقوق، فلا يسمح لمخلوق كائناً من كان أن ينال منها مثقال ذرة، كما يشعر بما عليه من واجبات فلا يسمح لنفسه أن يعتدي على حقوق الناس مثقال ذرة أيضاً. وللعزة مظاهر متعددة ووسائل مختلفة، فالناس كثيراً ما يتطلبون الغنى وسيلة من وسائل العزة، وآخرون يطلبون المنصب الحكومي أو العضوية البرلمانية أو العضوية في الجمعيات الراقية أو صداقة العظماء أو حسن الملبس على إنها وسائل العزة، والمتعلمون يطلبون العزة عن طريق الشهادات من ليسانس ودكتوراه ودبلوم ونحو ذلك، وهذه كلها عزة شخصية، وهناك عزة أخرى قومية وهي اعتزاز الفرد بنسبته إلى أمته كاعتزاز الإنجليزي بإنجليزيته والفرنسوي بفرنسيته والألماني بألمانيته، ولهذه كذلك مظاهر متعددة كاحترام كل أمة أعلامها والمحافظة على بعض تقاليدها والافتخار بلغاتها والفخر بآثارها ونحو ذلك؛ وليس يهمني الآن هذا ولا ذاك، إنما يهمني نوع من الشعور يتملك المرء ويشعر منه بأنه إنسان في الحياة لا يمتاز عنه أحد في الوجود في إنسانيته. قد يمتاز الناس عنه في المال أو في الجاه أو في المنصب ولكن لا يمتاز عليه أحد في أنه إنسان، فسائق السيارة وصاحب السيارة سيان في احترامهما أنفسهما وشعورهما بحقوقهما وواجباتهما. ويسوءني أن أرى الشرقي لا يشعر بالعزة الشعور الواجب، ولا ينزل هذه الفضيلة من نفسه المنزلة التي تستحقها، وأكبر ما يؤلمني في ذلك مظهران: الأول: استخذاء الشرقي أمام الأجنبي الأوربي وشعوره في أعماق نفسه كأنه خلق من طينة غير طينته، وكأن الطبيعة جعلت أحدهما سيداً والآخر عبداً، ترى هذا الشعور في المصالح

стр. 11199

الحكومية وفي الحوانيت التجارية وفي المجتمعات وفي الشوارع، وفي كل معاملة وفي كل خطوة. بالأمس كنت في محطة السكة الحديدية فذهبت إلى شباك التذاكر وسألت الموظف - في أدب - هل هنا محل صرف التذاكر إلى بلدة كذا؟ فلم يجب، وأعدت السؤال فلم يجب فتولاني شعور ممتزج من غضب وخجل واحتمال لبرودة السؤال وغير ذلك، وما لبث أن جاء أجنبي فسأل مثل هذا السؤال بلغته الأجنبية، فترك الموظف ما في يده وأقبل عليه يكلمه، وأجابه إجابة فيها كل معنى التبجيل والتعظيم، وأختتم كل جملة من جملة بكلمة (سيدي)!، فدهشت من هذا الحال وثرت في نفسي، وتجمع الدم في وجهي، ونلت من الموظف بقدر ما نال مني، ولم أكسب من ذلك كله إلا أن أكتب هذا المقال. وموقف هذا الموظف تقفه كل الأوساط على اختلاف في مقدار اللياقة والكياسة ولكن الجوهر واحد، فذلك هو الشأن في الأوساط العلمية والتجارية والسياسية، يتكلم الأجنبي كلمة عادية فتكون المثل، وتكون الحكمة، وتكون القول الفصل، ويبدي الرأي فيكون الرأي الناضج والقول الحكيم والغاية التي ليس وراءها غاية، ويطلب الطلب فلا بد أن يجاب، وإذا لم يكن فالاعتذار الحار والوعد بإجابته في ظرف آخر؛ ويدخل المحل التجاري أو يركب القطار أو يدخل النادي فموضع رعاية خاصة؛ ويعمل العمل فيقدر التقدير الغالي في قيمته الأدبية ومكافأته المادية إلى ما يطول شرحه. وفي هذا من غير شك مذلة للشعور وكبت للنفس واستعباد للمواطن، ومع ذلك يطالبنا السادة الأخلاقيون بالتواضع! لابد أن يفهم الناس في كل مناسبة وفي كل ظرف أن القوم أناس مثلنا لهمك ما لنا وعليهم ما علينا، وأن هؤلاء القوم على أحسن تقدير ضيوفنا لا سادتنا، ومن لحم ودم كلحمنا ودمنا، ولهم عقل ولكن كعقلنا، وسلوك في الأخلاق كسلوكنا، وتصدر منهم الفضيلة والرذيلة كما تصدر عنا، وأنهم ككل البشر يستذلون من أذل نفسه، وأن واجبنا أن نحترمهم في غير مذلة، ونحترمهم لا على حساب احتقار المواطن، وأننا نبادلهم احتراماً باحترام واحتقاراً باحتقار، وأنه إذا حدثتهم أنفسهم بالاعتداء علينا لم نمكنهم، وأن الحكم بيننا وبينهم دائماً أن لنا حقوقاً وعلينا واجبات كحقوقهم وواجباتهم، فإذا طلبوا المساواة فالسمع والطاعة، وإذا طلبوا الإذلال قلنا (لا) بملء أفواهنا. والأمر الثاني من مظاهر الذلة الذي لا يقل خطراً عن هذا، فهمُ الرئيس لمعنى الرياسة،

стр. 11200

فهو يفهمها على إنها غطرسة من جانبه، وذلة من جانب مرءوسه، وإلا لم يكن المرءوس مؤدباً. فرئيس المصلحة ليس لأحد رأي بجانب رأيه، ولا لوكيله ولا لمديري إدارته، عليهم أن يسمعوا في ذلة والعزة له وحده، ثم يتكرر تمثيل هذا الدور من أعلى فنازلاً، فكل من بعد الرئيس الأعلى رئيس من جانب ومرءوس من جانب، فهو كمرءوس حاله ما بيّنا، وهو كرئيس يقلد تقليداً تاماً رئيسه في اعتزازه وإذلاله، وهكذا دواليك، حتى يصل الأمر إلى ما نرى من الباعة في الشارع والجندي، فمثلهم كالقاطرة تصدم العربة التي تقابلها ثم كل عربة تصدم ما بعدها إلى آخر القطار. ليس لهذا من علاج إلا فهم العزة بمعناها الدقيق، وهو احترام نفسك في غير احتقار أحد، وأن تقف موقفاً له جانبان، فإن نظرت إلى من هو أعلى منك في المنصب والجاه والجنسية فلا تمكنه أن ينال من نفسك ولو ذرة، ولا أن يتعدى حدوده ولو شعرة؛ وإذا نظرت إلى من هو أسفل منك فلا تتعد حدودك، وإذا شعرت باستخذائه وذلته فأرفع مستواه ما استطعت حتى يصل إلى الحدود على أنه ليس هناك أسفل ولا أعلى إلا في مواضعات سخيفة، فمن الذي قال إن كناس الشارع وضيع وفراش المصلحة وضيع، والخادم في المنزل وضيع؟ نعم إن الحالة الاجتماعية فرقت بين الناس في المرتب ونحوه، ولكن القيمة الحقيقية للإنسان وهي ما له من حقوق وواجبات قدر مشترك بين الجميع. فليس من حقك أن تنادي بائع الجرائد (يولد) ولا خادمك بأحقر الأسماء، ولا فراش المصلحة بما يشعر باحتقاره، وهو مطالب بالأدب معك، وأنت مطالب بالأدب معه، وليس للجندي حق أن يرفع عصاه على بائع لم يتجاوز حدوده، ولا لأي رئيس أن يخرج عن الأوضاع الأدبية في مخاطبته مرءوسه. فإذا فرغ الرئيس والمرءوس من العمل، وفرغ سائق السيارة ومالكها، وفرغ الضابط والجندي والمعلم والتلميذ فكلهم سواء في الحياة الاجتماعية، وكلهم سواء في الحقوق، لا ذلة لأحد على أحد، ولا اعتزاز من أحد على أحد (مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!) احمد أمين

стр. 11201

السمكة للأستاذ مصطفى صادق الرافعي حدَّث أحمد بن مسكين الفقيه البغدادي قال: حصلت في مدينة (بلخ) سنة ثلاثين ومائتين، وعالمهما يومئذ شيخ خراسان أبو عبد الرحمن الزاهد صاحب المواعظ والحكم، وهو رجل قلبه من وراء لسانه، ونفسه من وراء قلبه، والفلك الأعلى من وراء نفسه، كأنه يلقى عليه فيما زعموا، وكان يقال له عندهم (لقمان هذه الأمة) لما يعجبهم من حكمه في الزهد والموعظة. وقد حضرت مجالسه وحفظت من كلامه شيئاً كثيراً كقوله: من دخل في مذهبنا هذا، (يعني الطريق) فليجعل على نفسه أربع خصال من الموت: موت أبيض، وموت أسود، وموت أحمر، وموت أخضر، فالموت الأبيض الجوع، والموت الأسود احتمال الأذى، والموت الأحمر مخالفة النفس، والموت الأخضر طرح الرِّقاع بعضها على بعض (يعني ليس المرقعة والخَلَق من الثياب). وقلت يوما لصاحبه وتلميذه (أبي تراب) وجاريته في تأويل هذا الكلام: قد فهمنا وجه التسمية في الموت الأخضر ما دامت المرقعة خضراء، فما الوجه في الأبيض والأسود والأحمر؟ فجاء بقول لم أرضه، وليس معه دليل، ثم قال: فما عندك أنت؟ قلت: أما الجوع فيميت النفس عن شهواتها ويتركها بيضاء نقية، فذلك الموت الأبيض؛ وأما احتمال الأذى فهو احتمال سواد الوجه عند الناس فهو الموت الأسود؛ وأما مخالفة النفس فهي كإضرام النار فيها، فذلك الموت الأحمر. قال أحمد بن مسكين: وكنت ذات نهار في مسجد (بلخ) والناس متوافرون ينتظرون (لقمان الأمة) ليسمعوه، وشغله بعض الأمر فراث عليهم، فقالوا: من يعظنا إلى أن يجيء الشيخ؟ فالتفت إلي أبو تراب وقال: أنت رأيت الإمام أحمد بن حنبل، ورأيت بشراً الحافي وفلاناً وفلاناً، فقم فحدث الناس عنهم، فإنما هؤلاء وأمثالهم هم بقايا النبوَّة، ثم أخذ بيدي إلى الاسطوانة التي يجلس إليها إمام خراسان فأجلسني ثمَّة وقعد بين يديّ. وتطاولت الأعناق، ورماني الناس بأبصارهم، وقالوا: البغدادي! البغدادي! وكأنما ضوعفت عندهم بمجلسي مرة وبنسبتي مرة أخرى، فقلت في نفسي: والله ما في الموت الأحمر ولا الأخضر ولا الأسود موعظة، ولو لبس عزرائيل قوس قزح لأفسد شعر هذه الألوان معناه،

стр. 11202

وإنما يجب أن يكون كما يجب أن يكون. ولا موعظة في كلام لم يمتلئ من نفس قائله ليكون عملاً فيتحول في النفوس الأخرى عملاً، ولا يبقى كلاماً؛ وإنه ليس الوعظ تأليف القول للسامع يسمعه، لكنه تأليف النفس لنفس أخرى تراها في كلامها، فيكون هذا الكلام كأنه قرابة بين النفسين، حتى لكأن الدم المتجاذب يجري فيه ويدور في ألفاظه. وكنت رأيت رؤيا (ببلخ) تتصل بقصة قديمة في بغداد، فقصصتها عليهم، فكانت القصة كما حكيتها أني امتحنت بالفقر في سنة تسع عشرة ومائتين؛ وانحسمت مادتي وقحط منزلي قحطاً شديداً جمع علي الحاجة والضر والمسكنة؛ فلو انكمشت الصحراء المجدبة فصغرت ثم صغرت حتى ترجع أذرعها في أذرع لكانت هي داري يومئذ في محلة باب البصرة من بغداد. وجاء يوم صحراوي كأنما طلعت شمسه من بين الرمل لا من بين السحب، ومرت الشمس على داري في بغداد مرورها على الورقة الجافة المعلقة في الشجرة الخضراء؛ فلم يكن عندنا شيء يسيغه حلق آدمي إذ لم يكن في الدار إلا ترابها وحجارتها وأجذاعها، ولي امرأة ولي منها طفل صغير وقد طوينا على جوع يخسف بالجوف خسفاً كما تهبط الأرض، فلتمنيت حينئذ لو كنا جرذاناً فنقرض الخشب، وكان جوع الصبي يزيد المرأة ألماً إلى جوعها، وكنت بهما كالجائع بثلاثة بطون خاوية، فقلت في نفسي: إذا لم نأكل الخشب والحجارة فلنأكل بثمنها؛ وجمعت نيتي على بيع الدار والتحول عنها وإن كان خروجي منها كالخروج من جلدي لا يسمى إلا سلخاً وموتاً؛ وبت ليلتي وأنا كالمثخن حُمل من معركة فما يتقلب إلا على جراح تعمل فيه عمل السيوف والأسنة التي عملت فيها. ثم خرجت بغَلَسٍ لصلاة الصبح، والمسجد يكون في الأرض ولكن السماء تكون فيه، فرأيتني عند نفسي كأني خرجت من الأرض ساعة. ولما قُضيت الصلاة رفع الناس أكفهم يدعون الله تعالى وجرى لساني بهذا الدعاء: اللهم بك أعوذ أن يكون فقري في ديني، أسألك النفع الذي يُصلحني بطاعتك، وأسألك بركة الرضى بقضائك، وأسألك القوة على الطاعة والرضى يا أرحم الراحمين. ثم جلست أتأمل شأني وأطلت الجلوس في المسجد كأني لم أعد من أهل الزمن فلا تجري علي أحكامه، حتى إذا أرتفع الضحى وابيضت الشمس جاءت حقيقة الحياة فخرجت أتسبب لبيع الدار وانبعثت وما أدري أين أذهب، فما سرت غير بعيد حتى لقيني أبو نصر الصياد

стр. 11203

وكنت أعرفه قديماً، فقلت: يا أبا نصر! أنا على بيع الدار فقد ساءت الحال وأحوجت الخصاصة، فأقرضني شيئاً يمسكني على يومي هذا بالقوام من العيش حتى أبيع الدار وأوفيك. فقال: يا سيدي! خذ هذا المنديل إلى عيالك وأنا على أثرك لاحق بك إلى المنزل. ثم ناولني منديلاً فيه رقاقتان بينهما حلوى وقال: إنهما والله بركة الشيخ. قلت: ما الشيخ وما القصة؟ قال: وقفت أمس على باب هذا المسجد وقد أنصرف الناس من صلاة الجمعة فمر بي أبو نصر بشر الحافي فقال: مالي أراك في هذا الوقت؟ قلت: ما في البيت دقيق ولا خبز ولا درهم ولا شيء يباع. فقال: الله المستعان؛ احمل شبكتك وتعال إلى الخندق، فحملتها وذهبت معه، فلما انتهينا إلى الخندق قال لي: توضأ وصل ركعتين، ففعلت، فقال سم الله تعالى وألق الشبكة، فسميت وألقيتها، فوقع فيها شيء ثقيل فجعلت أجره فشق علي؛ فقلت له ساعدني فإني أخاف أن تنقطع الشبكة، فجاء وجرها معي فخرجت سمكة عظيمة لم أر مثلها سمناً وعظماً وفراهةً. فقال: خذها وبعها وأشتر بثمنها ما يصلح عيالك. فحملتها فاستقبلني رجل اشتراها، فابتعت لأهلي ما يحتاجون إليه، فلما أكلت وأكلوا ذكرت الشيخ فقلت أهدي له شيئاً، فأخذت هاتين الرقاقتين وجعلت بينهما هذه الحلوى وأتيت إليه فطرقت الباب فقال: من؟ قلت أبو نصر! قال: أفتح وضع ما معك في الدهليز وأدخل، فدخلت وحدثته بما صنعت فقال: الحمد لله على ذلك. فقلت: إني هيأت للبيت شيئاً وقد أكلوا وأكلت ومعي رقاقتان فيهما حلوى. قال: يا أبا نصر! لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة! أذهب كله أنت وعيالك. قال أحمد بن مسكين: وكنت من الجوع بحيث لو أصبت رغيفاً لحسبته مائدة أنزلت من السماء، ولكن كلمة الشيخ عن السمكة أشبعتني بمعانيها شبعاً ليس من هذه الدنيا كأنما طعمت منها ثمرة من ثمار الجنة. وطفقت أرددها لنفسي وأتأمل ما تفتق الشهوات على الناس، فأيقنت أن البلاء إنما يصيبنا من أننا نفسر الدنيا على طولها وعرضها بكلمات معدودة، فإذا أستقر في أنفسنا لفظ من ألفاظ هذه الشهوات، استقرت به في النفس كل معانيه من المعاصي والذنوب، وأخذت شياطين هذه المعاني تحوم على قلوبنا فنُصبح مُهيَّئين لهذه

стр. 11204

الشياطين عاملين لها ثم عاملين معها، فتدخلنا مداخل السوء في هذه الحياة وتقحمنا في الورطة بعد الورطة وفي الهلكة بعد الهلكة. وما هذه الشياطين إلا كالذباب والبعوض والهوام، لا تحوم إلا على رائحة تجذبها فإن لم تجد في النفس ما تجتمع عليه تفرقت ولم تجتمع، وإذا ألمَّت الواحدة منها بعد الواحدة لم نثبت. فلو أننا طردنا من أنفسنا الكلمات التي أفسدت علينا رؤية الدنيا كما خلقت، لكان للدنيا في أنفسنا شكل آخر أحسن وأجمل من شكلها، ولكانت لنا أعمال أخرى أحسن وأطهر من أعمالنا. فالشيخ لم يكن في نفسه معنى لكلمة (التلذذ)، وبطرده من نفسه هذا اللفظ الواحد، طرد معاني الشر كلها وصلح له دينه وخلصت نفسه للخير ومعاني الخير. ولو أن رجلاً وضع في نفسه امرأة يعشقها لصارت الدنيا كلها في نفسه كالمخدع ما فيه إلا المرأة وحدها بأسبابها إليه وأسبابه إليها. وقد كنتُ سمعت في درس شيخنا أحمد بن حنبل هذا الحديث: لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات! فما فهمت والله معناه إلا من كلمة الشيخ في السمكة وقد علمنيها هذا الصياد العامي. فالشياطين تنجذب إلى المعاني، والمعاني يوجدها اللفظ المستقر في القلب استقرار فرض أو شهوة أو طمع؛ فإذا خلا القلب من هذه المعاني فقد أمن منازعتها له وشغله إياه فيصبح فوقها لا بينها، ومتى صار القلب فوق الشهوات ولم يجد من ألفاظها ما يعميه ويعترض نظره إلى الحقائق، انكشفت له هذه الحقائق فانكشف له الملكوت. فإذا وقع بعدُ في واحدة من اللذات ولو (كالرقاقتين والحلوى) استملت الأشياء عليه فحجبته، وعاد بينها أو تحتها، وعميَ عمى اللذة، والحجاب على البصر كأنه تعليق العمى على البصر. وكنت لا أزال أعجب من سير شيخنا أحمد بن حنبل وقد ضرب بين يدي المعتصم بالسياط حتى غُشي عليه فلم يتحول عن رأيه، فعلمت الآن من كلمة السمكة أنه لم يجعل في نفسه للضرب معنى الضرب، ولا عرف للصبر معنى الصبر الآدمي، ولو هو صبر على هذا صبر الإنسان لجزع وتحول، ولو ضُرب ضَرب الإنسان لتألم وتغير، ولكنه وضع في نفسه معنى ثبات السنة وبقاء الدين وأنه هو الأمة كلها لا أحمد بن حنبل، فلو تحول لتحول الناس ولو ابتدع لابتدعوا؛ فكان صبره صبر أمة كاملة لا صبر رجل فرد، وكان يضرب

стр. 11205

بالسياط ونفسه فوق معنى الضرب، فلو قرضوه بالمقاريض نشروه بالمناشير لما نالوا منه شيئاً إذ لم يكن جسمه إلا ثوباً عليه، وكان الرجل هو الفكر ليس غير. هؤلاء قوم لا يرون فضائلهم فضائل ولكنهم يرونها أمانات قد ائتُمِنوا عليها من الله لتبقى بهم معانيها في هذه الدنيا؛ فهم يزرعون في الأمم زرعاً بيد الله ولا يملك الزرع غير طبيعته، وما كان المعتصم وهو يريد شيخنا على غير رأيه وعقيدته إلا كالأحمق يقول لشجرة التفاح: أثمري غير التفاح. قال أحمد بن مسكين: أخذت الرقاقتين وأنا أقول في نفسي: لعن الله هذه الدنيا! إن من هوانها على الله أن الإنسان فيها يلبس وجهه كما يلبس نعله. فلو أن إنساناً كانت له نظرة ملائكية ثم أعترض الخلق ينظر في وجوههم لرأى عليها وحولاً وأقذاراً كالتي في نعالهم أو أقذر أو أقبح، ولعله كان لا يرى أجمل الوجوه التي تستهيم الناس وتتصبّاها من الرجال والنساء إلا كالأحذية العتيقة. . . ولكني أحسست أن في هاتين الرقاقتين سر الشيخ ورأيتهما في يدي كالوثيقتين بخير كثير، فقلت على بركة الله ومضيت إلى داري؛ فلما كنت في الطريق لقيتني امرأة معها صبي فنظرت إلى المنديل وقالت: يا سيدي هذا طفل يتيم جائع ولا صبر له على الجوع فأطعمه شيئاً يرحمك الله، ونظر إلي الطفل نظرة لا أنساها حسبت فيها خشوع ألف عابد يعبدون الله تعالى منقطعين عن الدنيا، بل ما أظن ألف عابد يستطيعون أن يُروا الناس نظرة واحدة كالتي تكون في عين صبي يتيم جائع يسأل الرحمة. إن شدة الهم لتجعل وجوه الأطفال كوجوه القديسين في عين من يراها من الآباء والأمهات، لعجز هؤلاء الصغار عن الشر الآدمي وانقطاعهم إلا من الله والقلب الإنساني، فيظهر وجه أحدهم وكأنه يصرخ بمعانيه يقول: يا رباه يا رباه! قال أحمد بن مسكين: وخيل إلي حينئذ أن الجنة نزلت إلى الأرض تعرض نفسها على من يشبع هذا الطفل وأمه، والناس عمي لا يبصرونها، وكأنهم يمرون بها في هذا الموطن مرور الحمير بقصر الملك، لو سئلت فضلت عليه الإسطبل الذي هي فيه. . . وذكرت امرأتي وأبنها وهما جائعان مذ أمس، غير أني لم أجد لهما في قلبي معنى الزوجة والولد؛ بل معنى هذه المرأة المحتاجة وطفلها، فأسقطتهما عن قلبي ودفعت ما في يدي
следующие страницы →