Полный текст (65 431 стр.). Показаны 11201–11240 · переход к 11206.
стр. 11201
السمكة
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
حدَّث أحمد بن مسكين الفقيه البغدادي قال: حصلت في مدينة (بلخ) سنة ثلاثين ومائتين، وعالمهما يومئذ شيخ خراسان أبو عبد الرحمن الزاهد صاحب المواعظ والحكم، وهو رجل قلبه من وراء لسانه، ونفسه من وراء قلبه، والفلك الأعلى من وراء نفسه، كأنه يلقى عليه فيما زعموا، وكان يقال له عندهم (لقمان هذه الأمة) لما يعجبهم من حكمه في الزهد والموعظة. وقد حضرت مجالسه وحفظت من كلامه شيئاً كثيراً كقوله: من دخل في مذهبنا هذا، (يعني الطريق) فليجعل على نفسه أربع خصال من الموت: موت أبيض، وموت أسود، وموت أحمر، وموت أخضر، فالموت الأبيض الجوع، والموت الأسود احتمال الأذى، والموت الأحمر مخالفة النفس، والموت الأخضر طرح الرِّقاع بعضها على بعض (يعني ليس المرقعة والخَلَق من الثياب).
وقلت يوما لصاحبه وتلميذه (أبي تراب) وجاريته في تأويل هذا الكلام: قد فهمنا وجه التسمية في الموت الأخضر ما دامت المرقعة خضراء، فما الوجه في الأبيض والأسود والأحمر؟ فجاء بقول لم أرضه، وليس معه دليل، ثم قال: فما عندك أنت؟ قلت: أما الجوع فيميت النفس عن شهواتها ويتركها بيضاء نقية، فذلك الموت الأبيض؛ وأما احتمال الأذى فهو احتمال سواد الوجه عند الناس فهو الموت الأسود؛ وأما مخالفة النفس فهي كإضرام النار فيها، فذلك الموت الأحمر.
قال أحمد بن مسكين: وكنت ذات نهار في مسجد (بلخ) والناس متوافرون ينتظرون (لقمان الأمة) ليسمعوه، وشغله بعض الأمر فراث عليهم، فقالوا: من يعظنا إلى أن يجيء الشيخ؟ فالتفت إلي أبو تراب وقال: أنت رأيت الإمام أحمد بن حنبل، ورأيت بشراً الحافي وفلاناً وفلاناً، فقم فحدث الناس عنهم، فإنما هؤلاء وأمثالهم هم بقايا النبوَّة، ثم أخذ بيدي إلى الاسطوانة التي يجلس إليها إمام خراسان فأجلسني ثمَّة وقعد بين يديّ.
وتطاولت الأعناق، ورماني الناس بأبصارهم، وقالوا: البغدادي! البغدادي! وكأنما ضوعفت عندهم بمجلسي مرة وبنسبتي مرة أخرى، فقلت في نفسي: والله ما في الموت الأحمر ولا الأخضر ولا الأسود موعظة، ولو لبس عزرائيل قوس قزح لأفسد شعر هذه الألوان معناه،
стр. 11202
وإنما يجب أن يكون كما يجب أن يكون. ولا موعظة في كلام لم يمتلئ من نفس قائله ليكون عملاً فيتحول في النفوس الأخرى عملاً، ولا يبقى كلاماً؛ وإنه ليس الوعظ تأليف القول للسامع يسمعه، لكنه تأليف النفس لنفس أخرى تراها في كلامها، فيكون هذا الكلام كأنه قرابة بين النفسين، حتى لكأن الدم المتجاذب يجري فيه ويدور في ألفاظه.
وكنت رأيت رؤيا (ببلخ) تتصل بقصة قديمة في بغداد، فقصصتها عليهم، فكانت القصة كما حكيتها أني امتحنت بالفقر في سنة تسع عشرة ومائتين؛ وانحسمت مادتي وقحط منزلي قحطاً شديداً جمع علي الحاجة والضر والمسكنة؛ فلو انكمشت الصحراء المجدبة فصغرت ثم صغرت حتى ترجع أذرعها في أذرع لكانت هي داري يومئذ في محلة باب البصرة من بغداد. وجاء يوم صحراوي كأنما طلعت شمسه من بين الرمل لا من بين السحب، ومرت الشمس على داري في بغداد مرورها على الورقة الجافة المعلقة في الشجرة الخضراء؛ فلم يكن عندنا شيء يسيغه حلق آدمي إذ لم يكن في الدار إلا ترابها وحجارتها وأجذاعها، ولي امرأة ولي منها طفل صغير وقد طوينا على جوع يخسف بالجوف خسفاً كما تهبط الأرض، فلتمنيت حينئذ لو كنا جرذاناً فنقرض الخشب، وكان جوع الصبي يزيد المرأة ألماً إلى جوعها، وكنت بهما كالجائع بثلاثة بطون خاوية، فقلت في نفسي: إذا لم نأكل الخشب والحجارة فلنأكل بثمنها؛ وجمعت نيتي على بيع الدار والتحول عنها وإن كان خروجي منها كالخروج من جلدي لا يسمى إلا سلخاً وموتاً؛ وبت ليلتي وأنا كالمثخن حُمل من معركة فما يتقلب إلا على جراح تعمل فيه عمل السيوف والأسنة التي عملت فيها.
ثم خرجت بغَلَسٍ لصلاة الصبح، والمسجد يكون في الأرض ولكن السماء تكون فيه، فرأيتني عند نفسي كأني خرجت من الأرض ساعة. ولما قُضيت الصلاة رفع الناس أكفهم يدعون الله تعالى وجرى لساني بهذا الدعاء: اللهم بك أعوذ أن يكون فقري في ديني، أسألك النفع الذي يُصلحني بطاعتك، وأسألك بركة الرضى بقضائك، وأسألك القوة على الطاعة والرضى يا أرحم الراحمين.
ثم جلست أتأمل شأني وأطلت الجلوس في المسجد كأني لم أعد من أهل الزمن فلا تجري علي أحكامه، حتى إذا أرتفع الضحى وابيضت الشمس جاءت حقيقة الحياة فخرجت أتسبب لبيع الدار وانبعثت وما أدري أين أذهب، فما سرت غير بعيد حتى لقيني أبو نصر الصياد
стр. 11203
وكنت أعرفه قديماً، فقلت: يا أبا نصر! أنا على بيع الدار فقد ساءت الحال وأحوجت الخصاصة، فأقرضني شيئاً يمسكني على يومي هذا بالقوام من العيش حتى أبيع الدار وأوفيك.
فقال: يا سيدي! خذ هذا المنديل إلى عيالك وأنا على أثرك لاحق بك إلى المنزل. ثم ناولني منديلاً فيه رقاقتان بينهما حلوى وقال: إنهما والله بركة الشيخ.
قلت: ما الشيخ وما القصة؟
قال: وقفت أمس على باب هذا المسجد وقد أنصرف الناس من صلاة الجمعة فمر بي أبو نصر بشر الحافي فقال: مالي أراك في هذا الوقت؟ قلت: ما في البيت دقيق ولا خبز ولا درهم ولا شيء يباع. فقال: الله المستعان؛ احمل شبكتك وتعال إلى الخندق، فحملتها وذهبت معه، فلما انتهينا إلى الخندق قال لي: توضأ وصل ركعتين، ففعلت، فقال سم الله تعالى وألق الشبكة، فسميت وألقيتها، فوقع فيها شيء ثقيل فجعلت أجره فشق علي؛ فقلت له ساعدني فإني أخاف أن تنقطع الشبكة، فجاء وجرها معي فخرجت سمكة عظيمة لم أر مثلها سمناً وعظماً وفراهةً. فقال: خذها وبعها وأشتر بثمنها ما يصلح عيالك. فحملتها فاستقبلني رجل اشتراها، فابتعت لأهلي ما يحتاجون إليه، فلما أكلت وأكلوا ذكرت الشيخ فقلت أهدي له شيئاً، فأخذت هاتين الرقاقتين وجعلت بينهما هذه الحلوى وأتيت إليه فطرقت الباب فقال: من؟ قلت أبو نصر! قال: أفتح وضع ما معك في الدهليز وأدخل، فدخلت وحدثته بما صنعت فقال: الحمد لله على ذلك. فقلت: إني هيأت للبيت شيئاً وقد أكلوا وأكلت ومعي رقاقتان فيهما حلوى.
قال: يا أبا نصر! لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة! أذهب كله أنت وعيالك.
قال أحمد بن مسكين: وكنت من الجوع بحيث لو أصبت رغيفاً لحسبته مائدة أنزلت من السماء، ولكن كلمة الشيخ عن السمكة أشبعتني بمعانيها شبعاً ليس من هذه الدنيا كأنما طعمت منها ثمرة من ثمار الجنة. وطفقت أرددها لنفسي وأتأمل ما تفتق الشهوات على الناس، فأيقنت أن البلاء إنما يصيبنا من أننا نفسر الدنيا على طولها وعرضها بكلمات معدودة، فإذا أستقر في أنفسنا لفظ من ألفاظ هذه الشهوات، استقرت به في النفس كل معانيه من المعاصي والذنوب، وأخذت شياطين هذه المعاني تحوم على قلوبنا فنُصبح مُهيَّئين لهذه
стр. 11204
الشياطين عاملين لها ثم عاملين معها، فتدخلنا مداخل السوء في هذه الحياة وتقحمنا في الورطة بعد الورطة وفي الهلكة بعد الهلكة. وما هذه الشياطين إلا كالذباب والبعوض والهوام، لا تحوم إلا على رائحة تجذبها فإن لم تجد في النفس ما تجتمع عليه تفرقت ولم تجتمع، وإذا ألمَّت الواحدة منها بعد الواحدة لم نثبت. فلو أننا طردنا من أنفسنا الكلمات التي أفسدت علينا رؤية الدنيا كما خلقت، لكان للدنيا في أنفسنا شكل آخر أحسن وأجمل من شكلها، ولكانت لنا أعمال أخرى أحسن وأطهر من أعمالنا.
فالشيخ لم يكن في نفسه معنى لكلمة (التلذذ)، وبطرده من نفسه هذا اللفظ الواحد، طرد معاني الشر كلها وصلح له دينه وخلصت نفسه للخير ومعاني الخير. ولو أن رجلاً وضع في نفسه امرأة يعشقها لصارت الدنيا كلها في نفسه كالمخدع ما فيه إلا المرأة وحدها بأسبابها إليه وأسبابه إليها.
وقد كنتُ سمعت في درس شيخنا أحمد بن حنبل هذا الحديث: لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات! فما فهمت والله معناه إلا من كلمة الشيخ في السمكة وقد علمنيها هذا الصياد العامي. فالشياطين تنجذب إلى المعاني، والمعاني يوجدها اللفظ المستقر في القلب استقرار فرض أو شهوة أو طمع؛ فإذا خلا القلب من هذه المعاني فقد أمن منازعتها له وشغله إياه فيصبح فوقها لا بينها، ومتى صار القلب فوق الشهوات ولم يجد من ألفاظها ما يعميه ويعترض نظره إلى الحقائق، انكشفت له هذه الحقائق فانكشف له الملكوت. فإذا وقع بعدُ في واحدة من اللذات ولو (كالرقاقتين والحلوى) استملت الأشياء عليه فحجبته، وعاد بينها أو تحتها، وعميَ عمى اللذة، والحجاب على البصر كأنه تعليق العمى على البصر.
وكنت لا أزال أعجب من سير شيخنا أحمد بن حنبل وقد ضرب بين يدي المعتصم بالسياط حتى غُشي عليه فلم يتحول عن رأيه، فعلمت الآن من كلمة السمكة أنه لم يجعل في نفسه للضرب معنى الضرب، ولا عرف للصبر معنى الصبر الآدمي، ولو هو صبر على هذا صبر الإنسان لجزع وتحول، ولو ضُرب ضَرب الإنسان لتألم وتغير، ولكنه وضع في نفسه معنى ثبات السنة وبقاء الدين وأنه هو الأمة كلها لا أحمد بن حنبل، فلو تحول لتحول الناس ولو ابتدع لابتدعوا؛ فكان صبره صبر أمة كاملة لا صبر رجل فرد، وكان يضرب
стр. 11205
بالسياط ونفسه فوق معنى الضرب، فلو قرضوه بالمقاريض نشروه بالمناشير لما نالوا منه شيئاً إذ لم يكن جسمه إلا ثوباً عليه، وكان الرجل هو الفكر ليس غير.
هؤلاء قوم لا يرون فضائلهم فضائل ولكنهم يرونها أمانات قد ائتُمِنوا عليها من الله لتبقى بهم معانيها في هذه الدنيا؛ فهم يزرعون في الأمم زرعاً بيد الله ولا يملك الزرع غير طبيعته، وما كان المعتصم وهو يريد شيخنا على غير رأيه وعقيدته إلا كالأحمق يقول لشجرة التفاح: أثمري غير التفاح.
قال أحمد بن مسكين: أخذت الرقاقتين وأنا أقول في نفسي: لعن الله هذه الدنيا! إن من هوانها على الله أن الإنسان فيها يلبس وجهه كما يلبس نعله. فلو أن إنساناً كانت له نظرة ملائكية ثم أعترض الخلق ينظر في وجوههم لرأى عليها وحولاً وأقذاراً كالتي في نعالهم أو أقذر أو أقبح، ولعله كان لا يرى أجمل الوجوه التي تستهيم الناس وتتصبّاها من الرجال والنساء إلا كالأحذية العتيقة. . .
ولكني أحسست أن في هاتين الرقاقتين سر الشيخ ورأيتهما في يدي كالوثيقتين بخير كثير، فقلت على بركة الله ومضيت إلى داري؛ فلما كنت في الطريق لقيتني امرأة معها صبي فنظرت إلى المنديل وقالت: يا سيدي هذا طفل يتيم جائع ولا صبر له على الجوع فأطعمه شيئاً يرحمك الله، ونظر إلي الطفل نظرة لا أنساها حسبت فيها خشوع ألف عابد يعبدون الله تعالى منقطعين عن الدنيا، بل ما أظن ألف عابد يستطيعون أن يُروا الناس نظرة واحدة كالتي تكون في عين صبي يتيم جائع يسأل الرحمة. إن شدة الهم لتجعل وجوه الأطفال كوجوه القديسين في عين من يراها من الآباء والأمهات، لعجز هؤلاء الصغار عن الشر الآدمي وانقطاعهم إلا من الله والقلب الإنساني، فيظهر وجه أحدهم وكأنه يصرخ بمعانيه يقول: يا رباه يا رباه!
قال أحمد بن مسكين: وخيل إلي حينئذ أن الجنة نزلت إلى الأرض تعرض نفسها على من يشبع هذا الطفل وأمه، والناس عمي لا يبصرونها، وكأنهم يمرون بها في هذا الموطن مرور الحمير بقصر الملك، لو سئلت فضلت عليه الإسطبل الذي هي فيه. . .
وذكرت امرأتي وأبنها وهما جائعان مذ أمس، غير أني لم أجد لهما في قلبي معنى الزوجة والولد؛ بل معنى هذه المرأة المحتاجة وطفلها، فأسقطتهما عن قلبي ودفعت ما في يدي
стр. 11206
للمرأة وقلت لها: خذي وأطعمي أبنك، ووالله ما أملك بيضاء ولا صفراء وإن في داري لمن هو أحوج إلى هذا الطعام، ولولا هذه الخلة بي لتقدمت فيما يصلحك. فدمعت عيناها وأشرق وجه الصبي، ولكن طمّ على قلبي ما أنا فيه فلم أجد للدمعة معنى الدمعة ولا للبسمة معنى البسمة.
وقلت في نفسي: أما أنا فأطوى إن لم أصب طعاماً، فقد كان أبو بكر الصديق يطوي ستة أيام، وكان أبن عمر يطوي، وكان فلان وفلان ممن حفظنا أسماءهم وروينا أخبارهم؛ ولكن من للمرأة وأبنها بمثل عقدي ونيتي؟ وكيف لي بهما؟
ومشيت وأنا منكسر منقبض وكأني كنت نسيت كلمة الشيخ (لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة) فذكرتها وصرفت خاطري إليها وشغلت نفسي بتدبرها وقلت: لو أني أشبعت ثلاثة بجوع أثنين لحرمت خمس فضائل وهذه الدنيا محتاجة إلى الفضيلة، وهذه الفضيلة محتاجة إلى مثل هذا العمل، وهذا العمل محتاج إلى أن يكون هكذا، فما يستقيم الأمر إلا كما صنعت.
وكانت الشمس قد انبسطت في السماء وذلك وقت الضحى الأعلى، فملت ناحية وجلست إلى حائط أفكر في بيع الدار ومن يبتاعها، فأنا كذلك إذ مر أبو نصر الصياد وكأنه مُستَطار فرحاً فقال: يا أبا محمد ما يجلسك ههنا وفي دارك الخير والغنى؟ قلت: سبحان الله! من أين خرجت السمكة يا أبا نصر؟
قال: إني لفي الطريق إلى منزلك ومعي ضرورة من القوت أخذتها لعيالك ودراهم استدنتها لك، إذا رجل يستدل الناس على أبيك أو أحد من أهله، ومعه أثقال وأحمال، فقلت له أنا أدلك ومشيت معه أسأله عن خبره وشأنه عند أبيك. فقال: إنه تاجر من البصرة وقد كان أبوك أودعه مالاً من ثلاثين سنة فأفلس وأنكسر المال، ثم ترك البصرة إلى خراسان فصلح أمره على التجارة هناك وأيسر بعد المحنة، وأستظهر بعد الخذلان، وأقبل جده بالثراء والغنى فعاد إلى البصرة، وأراد أن يتحلل فجاءك بالمال وعليه ما كان يربحه في هذه الثلاثين سنة وإلى ذلك طرائف وهدايا.
قال أحمد بن مسكين: وأنقلب إلى داري فإذا مال جم وحال جميلة! فقلت: صدق الشيخ: (لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة)! فلو أن هذا الرجل لم يلق في وجهه أبا نصر في
стр. 11207
هذه الطريق في هذا اليوم في هذه الساعة لما اهتدى إلي، فقد كان أبي مغموراً لا يعرفه أحد وهو حي، فكيف به ميتاً من وراء عشرين سنة؟
وآليت ليعلمن الله شكري هذه النعمة، فلم تكن لي همة إلا البحث عن المرأة المحتاجة وأبنها فكفيتهما وأجريت عليهما رزقاً، ثم اتجرت في المال وجعلت أربِّه بالمعروف والصنيعة والإحسان وهو مقبل يزداد ولا ينقص حتى تمولت وتأثَّلت.
وكأني قد أعجبتني نفسي وسرني أني قد ملأت سجلات الملائكة بحسناتي، ورجوت أن أكون قد كتبت عند الله في الصالحين، فنمت ليلة فرأيتني في يوم القيامة والخلق يموج بعضهم في بعض، والهول هول الكون الأعظم على الإنسان الضعيف يسأل عن كل ما مسه من هذا الكون. وسمعت الصائح يقول: يا معشر بني آدم! سَجَدَت البهائم شكراً الله أنه لم يجعلها من آدم. ورأيت الناس وقد وسعت أبداًنهم فهم يحملون أوزارهم على ظهورهم مخلوقةً مجسمة، حتى لكأن الفاسق على ظهره مدينة كلها مُخزيات!
وقيل: وضعت الموازين وجيء بي لوزن أعمالي. فجعلت سيئاتي في كفة وألقيت سجلات حسناتي في الأخرى، فطاشت السجلات ورجحت السيئات، كأنما وزنوا الجبل الصخري العظيم الضخم بلفافة من القطن. .
ثم جعلوا يلقون الحسنة بعد الحسنة مما كنت أصنعه فإذا تحت كل حسنة شهوة خفية من شهوات النفس كالرياء والغرور وحب المحْمَدة عند الناس وغيرها فلم يسلم لي شيء وهلكت عني حجتي، إذ الحجة ما يُبينه الميزان، والميزان لم يدلّ إلا على أني فارغ.
وسمعت الصوت: ألم يبق له شيء؟ فقيل: بقي هذا
وأنظر لأرى ما هذا الذي بقي، فإذا الرقاقتان اللتان أحسنت بهما على المرأة وأبنها! فأيقنت أني هالك؛ فلقد كنت أحسن بمائة دينار ضربةً واحدة فما أغنت عني ورأيتها في الميزان مع غيرها شيئاً معلقاً كالغمام حين يكون ساقطاً بين السماء والأرض لا هو في هذه ولا هو في تلك.
ووضعت الرقاقتان وسمعت القائل: لقد طار نصف ثوابهما في ميزان أبي نصر الصياد. فانخذلت انخذالاً شديداً حتى لو كسرت نصفين لكان أخفُّ علي وأهون. بيد أني نظرت فرأيت كفة الحسنات قد نزلت منزلة ورجحت بعض الرجحان.
стр. 11208
وسمعت الصوت: ألم يبق له شيء؟ فقبل: بقي هذا
وأنظر ما هذا الذي بقي، فإذا جوع امرأتي وولدي في ذلك اليوم! وإذا هو شيء يوضع في الميزان، وإذا هو ينزل بكفة ويرتفع بالأخرى حتى اعتدلتا بالسوية. وثبت الميزان على ذلك فكنت بين الهلاك والنجاة.
وأسمع الصوت: ألم يبق له شيء؟ فقيل بقي هذا
ونظرت فإذا دموع تلك المرأة المسكينة حين بكت من أثر المعروف في نفسها ومن إيثاري إياها وأبنها على أهلي. ووضعت غرغرة عينيها في الميزان ففارت فطمّت كأنها لجّةٌ من تحت اللجة بحر. وإذا سمكة هائلة قد خرجت من اللجة وقع في نفسي أنها روح تلك الدموع، فجعلت تعظم ولا تزال تعظم، والكفة ترجح ولا تزال ترجح، حتى سمعت الصوت يقول: قد نجا!
وصحت صيحة انتبهت لها فإذا أنا أقول: لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة!
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 11209
أساليب الكفاح الدولي بين الأمس واليوم
بقلم باحث دبلوماسي كبير
تثير المشاكل العسكرية والسياسية المالية الحاضرة كثيراً من التأملات؛ وأول ما يلاحظ فيها أن أساليب الحرب والكفاح المادية بين الدول قد طرأ عليها تغيير جوهري حاسم، هذا بينما نرى أساليب الكفاح السياسي تقوم في جوهرها على نفس الأسس التي قامت عليها منذ قرون، ويكفي أن نرجع إلى عشرين عاماً فقط، أعني إلى الحرب الكبرى، لنرى إلى أي مدى هائل تطورت أساليب الحرب؛ ففي أثناء الحرب الكبرى كانت الحرب الجوية لا تزال في بدايتها، وكانت المخترعات والأسلحة الجديدة المهلكة مثل الغازات السامة والدبابات لا تزال في دور التجربة، ولم يعلم يومئذ مبلغ فعلها أو أثرها في تطور أساليب الحرب. أما اليوم فقد غدت الأساطيل الجوية أروع وأفعل وسائل الحرب السريعة المهلكة، وغدت الغازات السامة سلاحاً يعتمد عليه ويحسب حسابه ويتحوط لدرئه والوقاية منه في جميع الأمم المتمدنة، وغدت الدبابات الضخمة وحدة فنية ثابتة في معظم الجيوش الكبرى؛ وهذه أمثال فقط مما ذاع وعرف من أسلحة الحرب المعاصرة، ولكن لا ريب أن هناك أسلحة ووسائل مهلكة أخرى لم تعرف ولم تذع بعد، وإن كنا نسمع عنها بعض الروايات الغريبة المدهشة، ومن المحقق أنها يوم تنشب حرب عالمية جديدة، أو حرب طاحنة بين دولتين عظيمتين، ستقع على العالم وقع الصواعق، وتحدث ثورة جديدة هائلة في أساليب الحرب والقتال.
ونرى من الجهة الأخرى منظراً غريباً من مناظر الكفاح الدولي الحديث هو العقوبات الدولية، فهناك اليوم زهاء خمسين دولة من دول العالم، وبينها عدة من الدول العظمى، تبحث في جنيف في فرض عقوبة جديدة على إيطاليا تكون حاسمة في وقف اعتدائها على الحبشة، وذلك بعد أن فرضت عليها العقوبات الاقتصادية الإجماعية وأحدثت في شؤونها الداخلية والاقتصادية أزمات ومتاعب شديدة، وهذه العقوبة الجديدة تنحصر في حظر تصدير البترول والحديد والفحم إلى إيطاليا، والمقدر إن تنفيذ هذه العقوبة يكون ضربة قاضية على المغامرة الإيطالية في الحبشة، وإنه يؤدي سريعاً إلى شل الحركات العسكرية الإيطالية، لأن إيطاليا تعتمد على الخارج في استيراد هذه المواد الحيوية اللازمة لتموين
стр. 11210
أسطولها وطياراتها ودباباتها، وكل حركاتها ومشاريعها العسكرية، وحرمانها من هذه المواد يقضي على كل هذه المشاريع والحركات، ويجعل من أساطيلها وطياراتها ودباباتها قطعاً من الحديد والصلب لا حياة فيها؛ ثم نرى الدول تذهب في تفكيرها إلى أبعد من ذلك، فتقدر أن إيطاليا قد استوردت من هذه المواد ما يكفيها زمناً، أو أنها ستظفر على أي حال باستيراد البترول من إحدى الدول التي لا توافق على حظره، فتفكر في وسيلة أخرى هي حظر نقل البترول إلى إيطاليا على سفن الدول المشتركة في توقيع العقوبات، وهذه الدول محدودة معروفة، وإيطاليا لا تملك من سفن نقل البترول ما يكفي لاستيراد ما تبغيه
فهذه وسائل جديدة مبتكرة في ميدان الكفاح الدولي؛ ولكنها لا تخلو من روح القديم أيضاً، بل لا تخلو من وسائله، فهي في الواقع نوع من الحصار السلمي العام، وهي تؤدي إلى نفس النتائج التي يؤدي إليها الحصار العسكري أو البحري، وكل ما هنالك أنه قد أسبغ عليها تأييد دولي عام يجعلها بعيدة عن صفة النضال الشخصي أو المباشر؛ ويقدم إلينا التاريخ الحديث مثلا من هذا الحصار العام الذي يراد به إذلال دولة أو سحقها بالوسائل الاقتصادية، وهو القرار الشهير الذي نابوليون في سنة ١٨٠٦ والذي يعرف بقرار برلين نسبة إلى البلد الذي صدر فيه؛ فهذا القرار يقضي بوضع الجزائر البريطانية في حالة حصار تام، وبأن تقطع فرنسا وجميع الأمم التابعة لها جميع علائقها الاقتصادية والمالية مع إنكلترا، وأن تقفل جميع الثغور الفرنسية وثغور الأمم التابعة لها في وجه السفن البريطانية؛ وكان نابوليون يرمي بتنظيم هذا الحصار الاقتصادي المطبق إلى سحق تجارة إنكلترا التي هي سر عظمتها وغناها بعد أن عجز عن مكافحتها بالوسائل العسكرية، ولكن إنكلترا أجابت على هذا الحصار بتنظيم المقاطعة التجارية والبحرية ضد فرنسا واتخاذ الإجراءات الانتقامية المماثلة؛ وقد عانت إنكلترا مدى حين آثار هذا الحصار المرهق، ولكن فرنسا عانت أيضاً من آثاره، ولم يوفق نابوليون إلى تحقيق غايته، إذ كانت سياسته قائمة على الغايات والاعتبارات الشخصية، ولم تفز بنوع من التأييد الدولي العام؛ ومن الواضح أن العقوبات الاقتصادية التي توقعها الآن عصبة الأمم على إيطاليا تقوم على فكرة مماثلة في القصد إلى إضعاف الدول المعتدية (إيطاليا) وإخضاعها بالوسائل الاقتصادية، وهي وسائل فعالة في عصرنا، ولكن الفرق بين قرار برلين، وقرار عصبة الأمم أن قرار العصبة يفوز
стр. 11211
بما يشبه الإجماع الدولي، وبذلك يتخذ طابعاً دولياً عاماً بدلاً من أن يتخذ طابع الكفاح الشخصي بين دولتين، ويغدو أثره أشد وقعاً وفعلاً.
أما وسائل الكفاح السياسي الذي يضطرم اليوم في أوربا، والذي يراد أن يمهد به للصراع الحربي المقبل، فما زالت تقوم على نفس الأسس التي عرفتها أوربا منذ قرون. وقد مرت عقب انتهاء الحرب الكبرى فترة لاح للعالم فيها أن وسائل الكفاح الدولي القديمة قد عفت، وأن العالم سوف يستقبل عهداً جديداً من الوئام والتفاهم الدولي، وأن المنازعات الدولية يمكن أن تسوى بالوسائل السلمية مثل التحكيم أو الالتجاء لمحكمة دولية عليا؛ وكان للعالم عذره في هذا الاعتقاد وهو يرى عصبة الأمم ومثلها العليا، ومواثيق السلام وعدم الاعتداء يتوالى عقدها منذ ميثاق لوكارنو، ثم يرى ميثاقاً يعقد بتحريم الحرب ونبذها كأداة للسياسة القومية وتنضم إليه أسرة الدول الكبرى كلها؛ ولكن سرعان ما تبدد هذا الحلم، وارتفع الطلاء الخلب الذي كان يغشى هذه المظاهر والدعاوى، وبدت السياسة الدولية في ثوبها الحقيقي القديم، قائمة على نفس الأسس القديمة التي تدفع أوربا ما بين آونة وأخرى إلى معترك الحروب القومية الكبرى.
أما هذه الأسس التي يقوم عليها معترك السياسة الدولية اليوم، فهي اعتبارات السياسة والخصومات والمطامع القومية القديمة، والتوازن الأوربي القديم، الذي يقسم القارة إلى كتل سياسية وعسكرية متشادة متكافئة، لا تكاد تهم إحداها بالتفوق حتى تناهضها أخرى أقوى وأكثر تحفزاً؛ وقد كانت السياسة القومية القديمة تلعب دورها من وراء الستار دائماً حتى إبان ازدهار الدعوة إلى السلام والتفاهم الدولي، أما اليوم وقد اضمحلت هذه الدعوة وانهارت المواثيق السلمية التي عقدت باسمها وفي ظلها، فإن السياسة القومية تسيطر في ميدان النضال بصورة ظاهرة غير منكورة؛ وأوربا القديمة تتجاذبها اليوم عدة جباه سياسية وعسكرية خصيمة؛ وإذا كانت هذه الجباه قد تغيرت أوضاعها عما كانت عليه قبل الحرب الكبرى لتغير في الأوضاع السياسية والجغرافية التي ترتبت على الحرب، فإنها ما زالت تحتفظ في جوهرها بهيكلها القديم؛ فالخصومة الفرنسية الألمانية ما زالت محور التجاذب السياسي والعسكري في أوربا، وحول هذه الخصومة تجتمع القوى المختلفة، فروسيا الشيوعية لأنها تخشى ألمانيا الهتلرية تجنح اليوم إلى الجبهة الفرنسية، بعد أن كانت تجنح
стр. 11212
من قبل إلى الجبهة الألمانية؛ وفرنسا تحاول أن تستبقي إلى جانبها جميع حلفائها بالأمس؛ أعني بريطانيا العظمى وبلجيكا وإيطاليا؛ وهي تبذل في سبيل استبقاء صداقة إيطاليا جهودا واضحة، ولا ترى بأساً من أن تمالئها في مشروع اعتدائها على الحبشة لأنها تخشى إن هي سلكت سبيلاً آخر أن تلقي بإيطاليا في أحضان ألمانيا، وألمانيا رابضة متربصة تحاول أن تحدث هذه الثغرة في الجبهة الخصيمة؛ ثم إن فرنسا من جهة أخرى تبذل نفوذها في تسيير دول الاتفاق الصغير - يوجوسلافيا، ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا - نحو الغاية التي تعمل لها دائماً، وهي إحاطة ألمانيا بسياج قوي من الدول الخصيمة؛ والواقع إن ألمانيا ما زالت تشعر أنها بازاء هذه الحركة تقع في نوع من العزلة لسياسية والعسكرية يدفعها إلى البحث عن أنصار وحلفاء، وهي قد استطاعت أن تسلخ بولونيا من أحضان فرنسا، ولكن بولونيا ليست قوة كبرى يعتد بها؛ أما بريطانيا العظمى، فهي تشق سبيلها في هذا المعترك، إلى جانب فرنسا في الغالب، ولكن دون خصومة ظاهرة لألمانيا؛ وهي تخاصم اليوم إيطاليا من أجل المسألة الحبشية ومطامعها الاستعمارية في شرق أفريقيا، ولكنها تحاول أن تجتذب فرنسا إلى جانبها في هذه الخصومة، وقد استطاعت أن تحرز بعض النجاح في هذا السبيل.
والخلاصة إن المعترك الدولي في أوربا يقوم اليوم على نفس الأسس القديمة التي كان يقوم عليها قبل الحرب الكبرى: السياسة القومية، والتوازن الأوربي السياسي والعسكري؛ وإذا لم يكن هذا التوازن قد استقر الآن بصورة فعلية فإنه يسير في سبيل الاستقرار، ومتى تم هذا الاستقرار استطعنا أن نعين المعسكرات الخصيمة التي تشترك في الحرب الأوربية القادمة؛ وإذا قلنا الحرب الأوربية فإنما نعني الحرب العالمية، لأن التوازن الأوربي هو أساس التوازن العالمي؛ وليس في العالم بعد أوربا قوة يعتد بقوتها السياسية غير اليابان وأمريكا؛ فأما اليابان فإنها تتخذ لنفسها موقفا خاصا، ولا يمكن تصورها متحدة مع أي دولة أوربية في ميدان غير الشرق الأقصى، وأما أمريكا فإنه يصعب تصورها ملقية بنفسها في غمر المعركة الأوربية مرة أخرى، ومن المحقق أيضاً إن الذي يقود أوربا إلى ميادين الحرب أو السلام هي نفس الدول التي قادتها إلى الحرب الكبرى وهي ألمانيا وفرنسا وروسيا وبريطانيا العظمى وإيطاليا.
стр. 11213
وهنالك عنصر لا يمكن إغفاله في تطور هذا المعترك، هو عنصر الدبلوماسية السرية؛ وقد بلغت الدبلوماسية السرية ذروتها قبيل الحرب الكبرى وفي خلالها، وكانت مبعث طائفة من المفاجآت والتطورات الخطيرة التي غيرت مصاير الحرب، ولم ينقطع هذا العنصر السري في الدبلوماسية الأوربية عن العمل في أي وقت، ولكنه هدأ قليلاً عقب الحرب، أمام اضطرام صيحات السلام والتفاهم الدولي؛ بيد إنه يستعيد الآن كل أهميته القديمة، وإذا لم يكن من المستطاع أن نتلمس آثاره الآن في المعترك الأوربي، فإنه بلا ريب سيحدث أثره في الوقت المناسب. وعلى أي حال فإن السياسة الصريحة لم تكن يوما عماد دول عسكرية استعمارية مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا وروسيا؛ وقد رأينا كيف لعبت المساعي السرية دورها في سلخ إيطاليا عن التحالف الثلاثي أثناء الحرب الكبرى فمثل هذه المساعي يبذل اليوم من جميع النواحي، وإيطاليا ما زالت تقف بين الخصمين القديمين - ألمانيا وفرنسا - في مفترق الطريق، ولا ريب أن المستقبل فياض بمختلف التطورات والمفاجآت
стр. 11214
الاستعمار والتعليم
للأستاذ ساطع بك الحصري
مدير التعليم العام في وزارة المعارف العراقية
عندما طلب إلي نادي المعلمين إلقاء محاضرة عامة في هذه القاعة خطرت على بالي موضوعات عديدة، اخترت منها موضوع (الاستعمار والتعليم) ولما ذكرت هذا الموضوع في حديث لأحد أصدقائي اعترضني بقوله: (لم اخترت هذا الموضوع وقد تخلصنا من شبح الاستعمار؟) فقلت له حقاً لقد تخلصنا من الاستعمار ولكن بلادنا في اتصال ببلاد لا تزال تلعب فيها أيدي الاستعمار. ولا يسوغ لنا وهذه هي الحال أن نتغاضى عما يضمره الاستعمار من الكيد للأمم المستضعفة؛ زد على ذلك أن للاستعمار أساليب خداعة، فقد عرف المستعمرون كيف يدسون أساليبهم هذه تحت أستار جذابة قد تفوت المرء لأول مرة قبل أن ينفذ إلى دقائقها. وأخشى أن بعض هذه الأساليب قد يصل إلينا ويتسرب إلى أذهاننا وينخر في جسمنا من غير أن نشعر به وننتبه إلى منابعه. لذلك وجب علينا كأمة فتحت عينيها للحياة أن تهتم بهذه المباحث وتمعن في درسها.
لقد أخذ الأوربيون بعد الحرب العظمى يهتمون بسياسة التعليم تنفيذاً لأغراض الاستعمار. وقد عقدوا مؤتمرات عديدة - بعضها قومية وبعضها أممية - للمداولة في هذه الشؤون، وخليق بنا أن ندرس سياسة الاستعمار من حيث علاقتها بالتعليم، ولهذه الملاحظات جئت أتتحدث إليكم هذا المساء عن (الاستعمار والتعليم).
تتعلمون أيها السادة أن كل نظام تعليمي يتكيف عادة بمطالب السياسة العامة، لذلك لا بد لنا ونحن نبحث هذا الموضوع أن نعرف أهداف الاستعمار لنصل إلى أهداف السياسة التعليمية فيه. فلننظر ما هي غاية الاستعمار.
لقد اعتاد علماء الاجتماع أن يقسموا المستعمرات إلى ثلاثة أصناف أساسية من حيث الغايات المتوخاة من الاستعمار وهي: (١) مستعمرات الاتجار (٢) مستعمرات الاستغلال (٣) مستعمرات الاستيطان.
يبدأ المستعمرون عادة بالاستعمار التجاري، فيختارون ميناء أو نقطة جغرافية مهمة في بلاد ما، فيؤسسون فيها مستعمرة صغيرة يتخذونها مركزاً للاتجار، ومن هذا المركز يعقدون
стр. 11215
صلاتهم مع داخل البلاد، فيعملون بذلك على احتكار تجارتها، دون أن يستولوا على داخليتها. فغايتهم من هذه المستعمرة تنحصر في (الاتجار)، غير أنهم كثيراً ما لا يقفون عند هذا الحد بل يتغلغلون في داخلية البلاد، ويستولون على جميع منابع الثروة الموجودة فيها، وهم في هذا السبيل لا يكتفون بتأسيس ما تحتاج إليه التجارة من مؤسسات، بل يتوسعون في مؤسساتهم داخل البلاد ويستولون على كل ما يجب الاستيلاء عليه لاستغلال مرافقها. فالغاية الأصلية من مثل هذه المستعمرات تكون (الاستغلال).
غير أن بعض المستعمرين لا يكتفون بذلك أيضاً، فإنهم لا يقصرون حظهم على استغلال المرافق الاقتصادية والثروة، وإنما يرمون أحياناً إلى تركيز سياسة الاستيطان جاعلين من البلاد التي يستعمرونها وطناً جديداً لأبناء جلدتهم. وهذا أهم أنواع الاستعمار وأشدها خطراً.
وهذه الأنواع لا يختلف بعضها عن بعض اختلافاً كلياً لأن كثيراً ما يحول جشع المستعمرين البلاد التي يستعمرونها من شكل إلى شكل آخر من الأشكال الثلاثة التي ذكرناها.
إن أبرز الأمثلة على (مستعمرات الاتجار) هي المستعمرات التي أحدثها الأوربيون في سواحل الصين. أما أحسن الأمثلة على (مستعمرات الاستغلال) فهي الهند حيث تغلغل الإنكليز وكانت أغراضهم الأولية استنزاف المنافع الاقتصادية من تلك البلاد الغنية المترامية الأطراف. وأما أوضح النماذج لمستعمرات الاستيطان فنجده ماثلاً في كندا وأوستراليا حيث أتخذ المهاجرون من الإنكليز وغيرهم وطناً جديداً لهم فيها.
وقد يتطور الاستعمار في بعض المستعمرات من طور إلى آخر. مثل ذلك تحول الاستعمار في الهند من شكل الاتجار إلى شكل الاستغلال، وتطور الاستعمار في كندا وأوستراليا من الاستغلال إلى الاستيطان، ونجد بعض المستعمرات ينفذ الاستعمار فيها بشكلين في وقت واحد. فقد حل الفرنسيون الجزائر مستعمرين لاستغلالها، ثم ما لبثوا أن أخذوا يرمون إلى سياسة الاستيطان في بعض أقسام الجزائر كما هو واقع.
إن الغايات الثلاث التي ذكرناها هي الغايات الأساسية التي عملت عملها في تأسيس المستعمرات. غير إن المستعمرين أخذوا يتوخون من الاستعمار غايات أخرى لا تقل أهمية
стр. 11216
عنها. منها الغاية العسكرية، فبعض الدول تقصد من وراء استعمارها بلداً ما إيجاد قواعد ارتكاز وحركة لجيشها وأسطولها، وبعض الدول لا تكتفي بذلك بل تعمل على إيجاد جنود من أهل البلاد المستعمرة تضيفه إلى جيشها معززة به قواتها المحاربة، وقد تجللت هذه المطامع في الحرب الكبرى، إذ حاولت كل دولة من الدول الاستفادة إلى أقصى حد ممكن من مستعمراتها، فلم تكتف باستنزاف الثروة منها واستغلال خيراتها لمعيشة جنودها، بل عملت على أخذ أفراد من أهالي المستعمرات زادت بهم جيشها.
وإني لأذكر المارشال (ليوتي) الذي يعتبره الفرنسيون مؤسساً للإمبراطورية في أفريقية الشمالية، وقد أسهب هذا القائد الكبير في الخطبة التي ألقاها عند دخوله عضواً في الأكاديمية الفرنسية في وصف (فوائد المستعمرات للجيش) وأعترف بأن أبناء المستعمرات الذين جندوا في خلال الحرب العالمية قد وفروا على فرنسا بما قدموه من تضحيات بأرواحهم ملايين من الأنفس الفرنسية)
وزيادة على ذلك فقد بين المارشال ليوتي في خطبته أن فرنسا استفادت من مدرسة المستعمرات استفادة كبيرة من جهة (تكوين الضباط والقواد) أيضاً، لأن جل قوادها الذين بلغوا بها إلى النصر الأخير قد نشأوا في بيئة المستعمرات، وشب كبار رجالها على المعيشة في البلاد المستعمرة فنشأوا خير نشأة لأن حياة المستعمرات تربي في المستعمر الناشئ القوة المعنوية التي هي دعامة من دعامات الجيش. فالقادة المستعمرون في بلاد الاستعمار يضطرون إلى التذرع بالحزم والتدرب على اتخاذ القرارات الآنية وهم بذلك يتكونون رجالاً أشداء في عقولهم وأخلاقهم.
إن الكتاب والمفكرين من رجال الاستعمار لا يقفون عند هذا الحد في تعداد فوائد المستعمرات، بل يسترسلون في شرح فوائدها المعنوية أيضاً، فيقولون إن المستعمرات لا تكون للدولة المستعمرة مناجم ثروة مادية فحسب، بل هي مباءة استغلال للقوة المعنوية أيضاً، إذ تجد هذه الأمم في المستعمرات مجالاً واسعاً للجد والنشاط والإقدام فيزدهر أملها المرجو في المستقبل. فإن الأمم القانعة بحدودها تعتاد التراخي والكسل، بينما تغير المستعمرات نفسية الأمة وتخلق فيها نشاطاً حياً وآمالاً جديدة، ويمكننا أن نشبه تأثير المستعمرات في نفسية الأمم بتأثير الأولاد في نفسية العائلات، فالولد ينشئ للعائلة أمل
стр. 11217
للمستقبل ويحملها على العمل، وكذلك المستعمرة تقدم للأمم المستعمرة دافعا جديداً للحياة والكفاح.
بعد أن ألقينا هذه النظرة العامة عن غايات الاستعمار ومراسيها نستطيع أن ننتقل إلى بحث (سياسة التعليم) في الاستعمار.
إن هذه السياسة تتجلى في ثلاثة أنواع من المعاهد التعليمية
أولا - المعاهد التي يؤسسها المستعمر في وطنه الأصلي لخدمة الاستعمار.
ثانيا - المعاهد التي يؤسسها المستعمر في المستعمرات لتربية أبنائه.
ثالثا - المعاهد التي يؤسسها في المستعمرات لتربية أولاد الأهلين في القطر المستعمَر.
فالنوع الأول من المعاهد التعليمية الاستعمارية سيبقى خارجاً عن نطاق بحثنا هذا، أما النوع الثاني من المعاهد التعليمية التي ينشئها المستعمر في المستعمرات لتربية أولاده فهي أيضاً لا تستدعي اهتمامنا كثيراً لأنها تشبه بوجه عام المعاهد التعليمية التي تنشأ في الوطن الأصلي ولا تختلف عنها إلا من حيث زيادة بعض الدروس لإعداد أولاد المستعمرين للقيام بأعمال استعمارية.
والمهم أن ندقق في النظم التي يرسمها المستعمر لتعليم أولاد الأهلين في المستعمرات وأن نستعرض السياسات المختلفة التي ابتدعت في ذلك. إن أقدم هذه السياسات كانت السياسة السلبية في التعليم، وهي تتلخص في عدم تعليم أحد من أبناء الأهلين، وقد ترمي إلى بذل الجهد في محو المتعلمين، وهذه سياسة تجلت بوضوح تام في أوائل القرن التاسع عشر في أمريكا.
ففي أمريكا الجنوبية عندما ثار الأهلون على المستعمرين الأسبانيين كتب القائد العام إلى مليكه يبشره بانتصار جيشه في إحدى المعارك، وكان مما قال في تلك الرسالة التاريخية: (إنه عامل المتعلمين من أبناء البلاد معاملة العصاة وقضى عليهم قضاء ومحاهم محواً، وإنه استأصل بهذه الصورة فكرة التمرد والعصيان من جذورها استئصالاً تاماً). وحتى في أمريكا الشمالية مثلا كان يحظر في الولايات المتحدة الأمريكية تعليم الزنوج القراءة والكتابة؛ وكان كل أبيض يعلم زنجياً يعاقب بالحبس والجلد. وعلى هذا المنوال كانت سياسة الاستعمار في التعليم بادئ ذي بدء في موقف عدائي مطلق تسعى إلى عدم التعليم،
стр. 11218
وتعمل على محو المتعلمين.
غير إن سياسة الاستعمار لم تستطع الاستمرار على هذه الخطة السلبية ولاسيما في المستعمرات الاستغلالية، لأن المستعمرين وجدوا أنفسهم في تلك المستعمرات في حاجة شديدة إلى الاستعانة بأهل البلاد لاستغلال المرافق الاقتصادية والثروات الطبيعية، وشعروا بضرورة تعليمهم لإعدادهم لتلك الأعمال، ولذلك أخذوا يؤسسون معاهد التعليم في المستعمرات؛ وكان العامل الأساسي لتأسيس هذه المعاهد تخريج طائفة من أهالي المستعمرات يخدمون المستعمر في مصالح الحكومة والشركات؛ وفي المشروعات المختلفة التي تتطلبها مقاصد الاستغلال والاستعمار، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى فكر بعض المستعمرين في مسألة التعليم تفكيراً آخر فذهبوا إلى إنه يجب أن يرافق الفتح السياسي فتح معنوي، بحيث يقترب أهالي المستعمرات من المستعمرين إلى أن يندمجوا فيهم اندماجاً، وقد فكروا في سبيل تحقيق هذا الغرض أولاً بنشر لغة المستعمر، وثانياً بتعليم أهالي المستعمرات تعليماً ينشئ في نفوسهم حب المستعمر فيستسلمون له عن طواعية.
وقد برز النوع الأول من سياسة الاستعمار أكثر وضوحاً في الهند في ظل الاستعمار الإنكليزي، كما تجلى النوع الثاني في الجزائر بالاستعمار الفرنسي.
وكان الفرنسيون يأملون من سياستهم هذه تقريب المستعمرين إليهم، وظنوا أنهم بنشرهم لغتهم بينهم وإشرابهم ثقافتهم يغرسون حبهم في قلوب الأهلين، لذلك جعلوا للغة الفرنسية محوراً لكل درس في مناهجهم، وقالوا بصراحة إن المدرسة يجب أن تكون قبل كل شيء معهداً لتعليم اللغة الفرنسية، وكذلك اهتموا بمناهج الأخلاق في المدارس لتعليم أولاد المستعمرات كل ما يحبب الأهلين في الفرنسيين، فنجد في مناهج الأخلاق في مدارس الجزائر مثلا قسماً خاصاً في واجبات الأهلين نحو فرنسا، يشغل حيزا مهماً بين الواجبات الأساسية كالواجبات نحو الله، والواجبات نحو الناس. ومما جاء في هذا المنهج (ما يترتب على أهل الجزائر من الواجبات نحو فرنسا، مقابل الحماية التي تسديها إليهم والعدل الذي أدخلته إلى بلادهم، والأمن الذي نشرته في ربوعهم، ونعم التعليم والحضارة التي أغدقتها عليهم. . . الاحترام الذي يجب أن يشعروا به نحو من يدير البلاد باسم فرنسا، والاحترام الذي يجب أن يظهروه نحو العلم الفرنسي)
стр. 11219
وهكذا نجد الاستعمار بعد أن ترك السياسة السلبية في التعليم التي وصفناها سلك طريقاً آخر يمكننا أن نسميه: (التعليم لتسهيل عمل الاستعمار)
على إن التجارب القاسية لقصر التعليم على خدمة الاستعمار وحده قد أسفرت عن نتائج سيئة إذ ما عتمت أن أحدثت رد فعل عند أولاد المستعمرات فقد تغيرت أحوالهم بعد مدة قليلة أو كثيرة من تخرجهم من المدارس، وبدلاً من أن يكونوا مطبوعين على حب المستعمر يتفانون في سبيل خدمته وفق الثمرة التي كانت مرجوة من التعليم الاستعماري، أصبحوا على نقيض ذلك يكرهونه ويكافحونه. فأسقط في أيدي المستعمرين وطفق ساستهم وعلماؤهم يفكرون في الموضوع ويدرسونه فيجدون أنفسهم كلما أمضوا في تعليم أولاد المستعمرات بطرائق تضمن محبة الأهلين لهم، تذهب الجهود سدى، إذ لا يلبث أكثر هؤلاء الأولاد بعد تخرجهم أن يقلبوا للمستعمر ظهر المجن، ففكر علماء المستعمرين في هذه المعضلة فوجدوا أن هذه نتيجة طبيعية، لأن ابن المستعمرات إذا ما قرأ تاريخ الأمة المستعمرة ودرس الثورات وقف على مطالب الشعب من الحكومة يتحمس بهذا الحس برغم أنف المستعمر فيشب راغباً في تطبيق ما درسه. وهكذا تطورت آراء المستعمرين في سياسة التعليم ووقعوا في حيرة مربكة لا يدرون ماذا يفعلون.
هل يركنون في المستعمرات إلى عدم التعليم؟ ولكنهم يعلمون إن عدم التعليم لا يمكنهم من استغلال البلاد المستعمرة، إذ يجبر المستعمر في تلك الحالة على ممارسة الاستغلال في المستعمرات بقواه الذاتية فيضطر إلى الإتيان بالعمال من وطنه الأصلي وهو لا يجد في أمته العدد الكافي منهم، وإذا وُجد فاستقدامهم إلى المستعمرات وتشغيلهم فيها يكلفه كثيراً فيغدو المنتوج الاقتصادي أغلى سعراً بحيث لا يستطيع أن ينافس منتوجات غيره في الأسواق العالمية، ومن ناحية أخرى لا يمكن أن يكون العامل مفيداً في أي عمل ما لم يكن قد أخذ بنصيب من التعليم في عصر الصناعة الذي نعيش فيه.
وقد ظل المستعمرون في حيرة من هذه المشكلة: التعليم في المستعمرات يؤدي إلى ثورة الأهلين عليهم، وعدم التعليم في المستعمرات يعيقهم عن الاستغلال! ففكروا كثيراً وأخيراً وجدوا ضالتهم بطريقة مبتكرة في سياسة التعليم وهي: (التعليم بغير تثقيف). فقالوا نعلم أولاد المستعمرات من غير أن نثقفهم. نعلمهم تعليماً ضيقاً جداً يجعلهم آلات صماء في
стр. 11220
أيدي الاستعمار. وقد بذلت الدول المستعمرة جهودها في وضع نظام للتعليم على هذا الأساس، بجعل التعليم وسيلة ميكانيكية بحتاً إذ يكون لغايات محدودة معينة بدون أن يدخل على هذا التعليم أي عنصر من عناصر الثقافة العامة. وقد تقننوا في إيجاد هذه الأساليب وابتكار طريقة خبيثة لتدريب أبناء المستعمرات على أن يكونوا مسامير في صفحة خشبية، أو عجلات في آلة ميكانيكية، محرومين من أي لون من ألوان الثقافة العامة
وهكذا اتفقت سياسة الاستعمار التعليمية على وجوب الأخذ بالتعليم بدون تثقيف، وهذا آخر ما وصلوا إليه لحل معضلة التعليم في المستعمرات. وقد بدأ المستعمرون من يوم تفتحت قرائحهم بهذا الابتكار يجاهدون في تحقيق غاياتهم، وقد أرادوا أن يموهوا على الناس ويستروا مقاصدهم المعلومة تحت أستار حيل مختلفة، فقالوا بأن هذا النوع من التعليم الابتدائي والعملي هو الذي يفيد أولاد المستعمرات أنفسهم؛ وادعوا بأن التعليم الثانوي والعالي وكل نوع من أنواع التعليم الأوربي بغير الأهلين؛ وقد بذلوا جهوداً عظيمة ليقنعوا الأهلين بذلك، وقاموا بدعايات كثيرة نشروها لبث هذه الفكرة وتوجيه الأمم المستعمرة إلى هذا الضرب من التعليم
مع هذا جابه المستعمرون مشاكل كبيرة: جوبهوا بحقيقة مرة وهي تعذر السيطرة التامة على التعليم في المستعمرات، إذ في وسع ابن المستعمرات الذي يرغب في التعليم ولا يجد في بلاده العلم الذي يريده أن يقصد إلى بلد آخر في طلب العلم
ويجدر بنا أن نذكر في هذا الصدد المناقشات التي جرت في إيطاليا لمعالجة مسألة التعليم في طرابلس الغرب، فعندما أقدموا على إلغاء المدارس الثانوية والعالية والدينية قال أحد رجال التربية في روما خلال مناقشة لهذا الموضوع: إنني لا أوافق على إلغاء هذه المدارس، إذ يجب أن نعلم أننا إذا ألغينا هذه المدارس لا نستطيع أن نمنع الذين يريدون الذهاب من أبناء طرابلس الغرب إلى الجامعة الزيتونية في تونس أو الجامع الأزهر في مصر، وهؤلاء الشبان يحتكون هناك بشبان من أمم مختلفة ويتلقون ثقافات واردة من أنحاء العالم ويرجعون بأفكار أشد وبالاً على سياستنا الاستعمارية. فخير من إلغاء هذه المدارس إذا أن نحدد التعليم في داخل طرابلس الغرب لنؤسس مدرسة عالية نحدد تعليمها ونجعل النشء مرتبطين بها فلا يضطرون إلى السفر إلى الخارج في طلب العلم ويعودون إلى
стр. 11221
بلادهم وقد تسممت أفكارهم كما قلت.
إن الخطط التي وضعها المستعمرون في هذا الباب مختلفة باعتبار المشاكل العديدة التي يريدون حسمها فيعمدون لتحقيق كل مأرب من مآربهم بخطة منها. ومما يلفت النظر انتباههم إلى أمر انتقال الطلاب من أبناء المستعمرات من بلد إلى آخر حيث يقتبسون آراء جديدة ويستفهمون نزعات حديثة، لذلك عمدوا إلى تدابير يقدرون من ورائها فصل الأقطار عن بعضها لجعلها مختلفة اللغة.
فقد أخذ الفرنسيون في المغرب يفرقون بين البربر والعرب وغيرهم بحرمان البربر من تعلم اللغة العربية حتى يجعلوهم بعيدين عن التأثر بالمدارس التي تدرس العربية أو ما يكتب بهذه اللغة في الأقطار الأخرى.
وهناك فكرة أحيت بعض الأمل في نفوس المستعمرين وهي السعي لنشر اللغة العامية، وهذه الوسيلة تباعد بين الأقطار العربية وتسهل على المستعمرين أغراضهم. وقد بثوا لهذه الفكرة دعايات منوعة: دعايات بدأها المستعمرون فانطلت مع الأسف على بعض أبناء البلاد المستعمرة إذ أن بعضهم خدعوا بها وروجوا لها، وقد طلا المستعمرون هذه المكيدة تحت عنوان نشر التعليم بين طبقات الشعب وقالوا (ما دام الجمهور في الأقطار العربية لا يعرف اللغة الفصحى غالباً، فيجب تعليمه بلغته المحلية العامية. ولماذا نضيع عليه الوقت في تعليم الفصحى وقواعدها الكثيرة وأساليبها العويصة؟) وقد وجدت هذه الفكرة بعض الأنصار ولا يزال لها مؤيدون في بعض الأقطار العربية مع إنها وليدة الاستعمار!
ومن حسن حظ الأمة العربية أن هذه الفكرة لم تعمر كثيراً في حينها. مع هذا نجد بعض الأوربيين قد أخذوا يعودون إلى هذه الفكرة وصاروا يعتقدون بأن السينما الناطقة والراديو من المسائل التي ستجبر البلاد العربية على أن تفسح مجالاً أوسع للغة العامية لأن التمثيل والكلام باللغة العامية يرضي الدهماء أكثر من الفصحى؛ فيجب علينا نحن أن ننتبه إلى هذا الخطر الأخير خطر انتشار اللغة العامية كما يشتهيه المستعمرون، وهذا الخطر الذي يتمثل أمامنا ربما كان خطراً كبيراً لأن الموضوع يخالطه شيء كثير من المنفعة المادية: لأن التمثيل بالغة العامية يكسب الممثلين أكبر عدد من النظارة، ولا ريب في أن على كل مفكر عربي أن يحارب هذا السلاح الأخير الذي يرجو منه المستعمرون خيراً عظيماً لمقاصدهم
стр. 11222
على حساب الضرر البليغ بالبلاد العربية.
стр. 11223
قصة المكروب كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم
بستور والكلب المسعور
وصل الفائت
أكتشف بستور لقاحاً يحصن الشياه من داء الجمرة، وذلك بإضعاف مكروبها ثم حقنه في الشياه، فتقوى بعد ذلك على مقاومة الداء. ونجح اللقاح واهتزت الدنيا له. وبعد زمن أخذت ألقحة بستور تقتل بعض الشياه بدل تحصينها وكثرت الشكوى. فألقى بستور محاضرة في اللقاح ولم يذكر تلك الشكاوي، وتحدى كوخ وكان حاضراً إلى الحجاج فقام وقال إنه يجيبه بالقلم لا باللسان.
ولم يمض زمن طويل على هذا حتى جاء كوخ بجوابه الموعود، فكان جواباً بين الجد والهزل، شديداً فظيعاً؛ بدأ كوخ بقوله إنه أتى من بعض وكلاء بستور بشيء من هذه المادة الثمينة الغالية التي يقال لها لقاح الجمرة، ثم استطرد يسلقه بلسان سليط:
أحقاً قال بستور إن اللقاح الأول يقتل الفئران ويعفي الخنازير الغينية! إذن لقد قام كوخ بتجربته فوجده لا يقتل حتى الفئران. وبعض عينات غريبة منه قتلت الشياه!
وهل حقاً قال بستور أن لقاحه الثاني يقتل الخنازير الغينية ويعفي الأرانب؟ إذن لقد قام كوخ بتجربة هذا اللقاح أيضاً في دقة وعناية فوجده يقتل الأرانب، ويقتلها في الأغلب قتلاً سريعاً. ووجد أنه يقتل الشياه أحياناً، تلك الشياه التي أراد بستور من هذا كله أن يحصنها من الموت.
ثم أحقاً يعتقد بستور إن هذه اللقاحات لقاحات من مكروب الجمرة، ومن مكروب الجمرة وحده؟ إذن فقد قام كوخ على حذر بامتحانها، فوجدها تعج بمختلف الأحياء، فمن كل كُرَيّة ومن كل عصية دخلت إليها دخول الضيف الثقيل لا أهلاً به ولا سهلاً
وأخيرا، أحقاً إن بستور يتحرق تحرقاً إلى كشف الحقيقة خالصة؟ إذن فلم لم يخبر الناس بجميع النتائج التي جاءت من لقاحه بعد أن شاع استخدامه وذاع؟ لِمَ لَمْ يخبرهم بالحالات الفاشلة الخائبة كما أخبرهم بالحالات الناجحة الصائبة؟
стр. 11224
ثم ختم جوابه بقاصمة الظهر، قال: (إن هذا مسلك قد يستساغ في الدعاية لبيت من بيوت التجارة، أما العلم فيجب أن يقيئه قيئاً)
فأجاب بستور على هذا النقد بنشرة تضمنت حجاجاً غريباً لا يجوز حتى على محكّمين في مناظرة بقرية في الريف. استكبر على كوخ أن يدعي أن ألقحته تحوي أخلاطاً من مكروبات. قال: (لقد كانت صناعتي من قديم فصل المكروب وتربيته خالصاً من كل شائبة. صناعة اصطنعتها عشرين عاماً قبل ميلاد كوخ في عالم العلم سنة ١٨٧٦، فدعواه أني لا أعرف كيف أربي المكروب نقياً لا يمكن أن تكون إلا هزلاً وهذراً)
وأبت الأمة الفرنسية بوطنية صادقة أن تؤمن بأن كوخ استطاع أن يزحزح بطلها العظيم عن عرشه العالي، وأن يبطل ربابته للعلم، وشرك صغراء الأمة في ذلك كبراؤها، وعلى كل حال فما كان ينتظر الناس من ألماني غير هذا؟! وما أسرع ما انتخبوا بستور عضواً في المجمع الفرنسي فمنحوه كبرى المنح التي يطمع فرنسي فيها، وفي يوم جلوسه بين أعضاء المجمع الأربعين الذين يسمونهم بالخالدين قام ارنست رينان بالترحيب به، وهو العبقري الزنديق الذي جعل من يسوع الرب بشراً رجلاً غفر كل شيء لأنه فقه كل شيء؛ عرف رينان أن بستور لو كان ستر الحق لما ذهب هذا بكل فضله، ولم يكن رينان عالماً، ولكن كان له من الحكمة والفطنة ما يدرك به أن بستور أتى بشيء فخم عظيم لما أثبت أن الجراثيم الضعيفة تمنّع الأجسام فلا تنالها الجراثيم القوية، حتى ولو لم تبلغ هذه المناعة مائة في المائة
التقى هذان الرجلاًن في هذا اليوم المهيب، فالتقى منهما نقيضان: بستور المغامر المحارب الوثاب المليء بشتيت من عقائد هوشت عليه أحياناً وجه الحق، ورينان في ضخامته كالجبل يخاطبه جالساً من علٍ بنفس ساكنة مطمئنة لا تهزها الرياح الهوج، وكيف يهتز جسمه لشيء أو تتحرك نفسه لأمر، وهو قد بلغ به الشك أن أرتاب في وجود نفسه، وارتاب في قِيَم الأعمال فلم يقم لعمل فصيره طول القعود من أسمن رجال فرنسا.
رحب رينان ببستور إلى المجتمع فأسماه عبقرياً، وقرن أسمه بأسماء أكبر من عرف من العباقرة، ثم عرج يُقرّع صياد المكروب الشيخ المشلول المضطرب تقريعاً خافتاً خافياً، قال: (إن الحقيقة يا سيدي كالمرأة الغَنِجَة اللعوب، لا تملك بالعاطفة الكثيرة تُبذل لها،
стр. 11225
وكثيراً ما تأتيك منصاعة بإعراضك عنها. وقد تسلم إليك قيادها فتظن أنك ملكتها فإذا بها تُفلت من قبضتك، فإذا أنت اصطبرت عليها عادت فوضعت عنقها في يدك. ولا يمنعها وداع وما سقط فيه من دموع أن تعود إلى الظهور، ولكنك إذا أحببتها فغلوت لم يكن لك منها غير البين والقطيعة)
لا أظن أن رينان، وهو الحكيم، خال أن كلماته الجميلات هذه سيكون لها أثراً ولو قليلاً في إصلاح المعوجّ من بستور، ولكنها كلمات ترينا في اختصار علة ما لاقى بستور في حياته من فواجع، وهي تعلمنا ما يجر الرجل المجنون على نفسه من المآسي والأحزان إذ هو خال أنه يستطيع قلب العالم في السبعين عاماً التي أذن الله له أن يحياها
- ٧ -
بعدئذ أخذ بستور بضع أنابيب من الزجاج في حلوق الكلاب وهي تتلوى وتتضور من داء الكلَب. وكيف استطاع أن يضع هذه الأنابيب في هذه الحلوق لهذه الضاريات؟ لا يعلم هذا غير الله. هذان خادمان قائمان على فكي كلب قوي عصيّ يفتحان فاه كَرْهاً واغتصاباً. وهذا بستور قائماً في وجه هذا الكلب تكاد لحيته تمس هذه الأنياب وفيها الموت المرير. وهذا هو يمص في أنبوبته من حلق الكلب بعض رغائه، ليأتي منه بعينة يبحث فيها عن مكروب الداء. وأحياناً يناله الرشاش من هذا الرغاء فلا يأبه له وقد جاز أن يكون فيه القضاء
أريد الآن أن أنسى ما قلته عن حب بستور للدعاية، فتصوري عينيه الزرقاوين وهما تحدقان في حلق هذا الكلب الهائج المسعور لا يتفق مع هذه الذكرى
ليت شعري ما الذي وجه بستور إلى صيد مكروب الكلَب؟ لقد كان في الوجود عشرات من الأدواء يجهلها العلماء، أدواء قتلت من الناس أضعاف ما قتل داء الكلَب، ولم يكن بها من الخطر على بحّاثة مغامر مثل الذي كان بهذا الداء اللعين الذي لا ينجو صاحبه أبداً، فما هو إلا أن ينفك الكلب من قيده فتقع الواقعة التي لا مردّ لها
يترجّح عندي أن شاعريته، والفن الخفي في نفسه، هما اللذان دفعاه إلى اختيار هذا الداء على الأدواء جميعاً. قال بستور: (لطال ما ساورتني صرخات ضحايا هذا الذئب المجنون الذي كان يهبط على الناس في شوارع اربوا لما كنت طفلاً. . .). عرف بستور من صباه
стр. 11226
كيف كانت دماء الناس تبرد لصوت كلب مسعور. وكر أنه قبل مائة عام أو دونها كان الفرنسيون يشتبهون في الرجل يحسبونه مصاباً بالكلب فيُذعرون فيقومون عليه فيَسُمونه أو يخنقونه أو يطلقون عليه الرصاص. وشاع هذا حتى سنت القوانين لحماية هؤلاء المساكين. ذكر بستور كل هذا فأعتزم أن يعيد في الناس السلام، ويمنع عنهم هذه الآلام والآثام
بدأ بستور هذا البحث الذي انتهى بأن كان أبدع أبحاثه وأصدقها، فإذا به يبدؤه على عادته بالأخطاء. جاء إلى طفل يموت من داء الكلب فأخذ بعض ريقه وامتحنه فوجد فيه جرثومة غريبة ساكنة فأسماها اسماً لا يتصل بالعلم كثيراً، أسماها (مكروبة الثمانية)، وما أسرع ما حاضر أعضاء الأكاديمية وأشار إلى هذه المكروبة بأن لها صلة بالسبب الخافي لداء الكلب، واستقر على هذا الرأي، واستمر يجري في اطمئنان وراء هذا المكروب، ولكنه لم يلبث غير قليل حتى اتضح له أنه إنما جرى وراء برق خُلّب. فإنه بمعونة عونيه وجد هذا المكروب في أفواه أناس أصحاء كثيرين لم يقتربوا من كلب مكلوب أبداً
على أن هذا الضلال لم يدم طويلاً حتى حملت بستور قدماه إلى الطريق الهادي إلى مخابئ هذه الأحياء، قال لنفسه: (لقد قلّت الكلاب المسعورة في هذه الأيام، والشيخ البيطار بوريل لا يبعث الآن لي منها إلا عدداً يسيراً، والمكلوبون من الناس أشد ندرة من الكلاب؛ فلا بد لنا من إحداث داء الكلب في حيوانات في معاملنا كي نستطيع دراسته في تواصل واستمرار)
وكان بستور فات الستين وكان مُتعباً مجهوداً
وذات يوماً جاءوا إلى المعمل بكلب سعران اصطادوه بالوهق ضربوه في عنقه ثم شدوا عليه، فأمرهم بستور فأدخلوه وهو ينذر بالشر إلى قفص به كلاب أخرى كي يعضها ويعطيها من الداء مثل الذي به، وجاء رو وشمبرلاند فأخذا من رُغاء فمه بعض الشيء ومصاه في محقن وحقنا به من الخنازير الغينية ومن الأرانب، واصطبرا ينتظران ظهور الداء فيها، فكان يظهر في بعضها أحياناً ويتخلف عن بعضها أحياناً أخرى فساءهما تخلفه، وعض الكلب المجنون أربعة من الكلاب، ومضت ستة أسابيع فإذا كلبان منها هائجان يضربان في جوانب القفص ويعويان، أما الآخران فمضت أشهر لم يظهر فيها عليهما من
стр. 11227
الجنون شيء. أمر يحير الباحث ويغيظه، فهو دائماً ينتظر النتائج الواحدة تأتي من المقدمات الواحدة، وقد اتحدت المقدمات هنا فكيف اختلفت نتائجها؟ لقد ضاع اتساق العلم وانسجامه، لا في هذه الكلاب وحدها، بل في الخنازير والأرانب كذلك، فقد يصاب من الستة الأرانب المحقونة اثنان، يمدان برجليهما الخلفيتين إلى الوراء من الشلل، ثم يموتان بعد ارتجاجات من الصرع عنيفة، أما الأربعة الباقية فتظل قائمة تقضم الحشيش قضماً، فكأنما جرثومة الكلب لم تخلط دمها أبداً
وذات يوم خطرت فكرة على بستور، فأسرع إلى رو يحدثه بها، قال: (إن جرثومة الكلب تدخل أجسام الناس بالعض عن طريق الجلد، ثم هي تستقر بعد ذلك في أمخاخهم وقفار ظهورهم. . . . إن كل الأعراض تدل على أن هذه الجراثيم التي لا نراها ولا نستطيع كشفها تغير دائماً على الجهاز العصبي. ففي هذا الجهاز العصبي إذن يجب أن نبحث عن هذه الجرثومة. .
ومن هذا الجهاز قد نستطيع تزريعها وتربيتها حتى ولو لم نرها. . . ولعلنا نستطيع أن نتخذ من مخ الحيوان طعاماً لها فننمّيها في جمجمته بدلاً من قبابة الحساء. أن نتخذ من الجمجمة والمخ قبابة وحساء أمر غريب، ولكن من يدري؟. . . ثم إننا اعتدنا أن نحقن الرُّغاء الخبيث تحت جلد هذه الأرانب والخنازير، فما أدرانا أن الجرثومات التي به لا تضيع في أجسام هذه الحيوانات قبل وصولها إلى أمخاخها، لوددت والله أن أرشق هذه الجراثيم مباشرة في هذه الأمخاخ رشقاً)
أنصت رو لهذه الأحلام، وانفتحت عيناه وسعهما ولمعتا لهذه الخيالات. . . لو أن رجلاً غير رو سمعها لظن بستور أصابه مس من جنون. يريد أن يتخذ من مخ الكلاب والأرانب بديلاً من الأحسية! ويريد أن يتخذ من جماجمها بديلا من القبابات! أي عبث هذا وأية خرافة تلك! أما رو فكان أفهم لبستور من أن يظن به خبالاً. قال: (وما منعك من وضع المكروب في مخ الكلب مباشرة يا سيدي الأستاذ؟ أنا أستطيع أن أثقب لك به ثقباً صغيراً لا يؤلم الكلب ولا يفسد مخه. وهذا أمر علي يسير. . .)
فصرخ بستور في وجه رو حتى أخرسه. ولم يكن بستور طبيباً، فلم يدر إن الطبيب يستطيع أن يفعل هذا حتى في الإنسان وهو آمن. لهذا أجزعته الفكرة جزعاً كبيراً. (ثقب
стр. 11228
يخترق جمجمة الكلب إلى مخه! يا للفظاعة! والكلب كيف يكون ألمه؟ والمخ بعد هذا كيف يكون صلاحه، إن الكلب يشل حتما! لا، لا آذن بهذا؟)
حنان قلب بستور كاد يفقده أكبر كشف أتاه، ويضيّع عليه بل على الإنسان أثمن تحفة أهداها إياه. وأمام هذه التجربة القاسية الغريبة خارت من بستور قواه، ولكن رو، رو الأمين لسيده، رو الذي نسيه اليوم الناس أو كادوا، رو هذا قام يحمي سيده من خور نفسه، فنجاه بأن عصاه. ذلك أنه اصطبر أياماً قلائل حتى غادر بستور المعمل لبعض حاجته، وعندئذ قام إلى كلب سليم فشممه قليل من الكلوروفورم حتى أفقده الإحساس، ثم ثقب رأسه ثقباً كشف عن مخه الحي، فكان يدق بالنبض دقاً بيناً، ثم أتى بقليل من مخ كلب كان قد مات مكلوباً فسحقه وحقن سحيقه في مخ الكلب النائم برفق شديد وهو يقول لنفسه: (لا شك إن سحيق هذا المخ مليء بمكروب الكلَب، فلعله مكروب دقّ فلم يكن باستطاعتنا أن نراه)
وأصبح الصباح فأخبر بستور بالذي كان. فصاح بستور فيه: (ويلك ماذا صنعت بالكلب المسكين! أين المخلوق التعيس. . . لا شك إنه شل. . . لا شك أنه يموت. . .)
ولكن رو كان سبق فنزل بسرعة على السلم، وفي لحظة عاد والكلب ينط أمامه، وإذا بالكلب يتمسح بساقي بستور، ثم يدور يتشمم بين قبابات الأحسية القديمة تحت مناضد المعمل. عندئذ أدرك بستور قدر رو ومبلغ ذكائه. وأدرك كذلك أن طريقاً جديداً للتجربة أنفتح أمامه. ولم يكن بستور يغرم بالكلاب، ومع هذا فإن اغتباطه بالذي سمع ورأى أغراه بملاعبة هذا الكلب خاصة. قال لسانه: (أهلا بكلبي العزيز! أهلا بسيد الكلاب). وقالت أحلامه: (إن هذا الكلب سيثبت أن فكرتي عن هذا الداء صائبة)
ولم يمض أسبوعان حتى تحققت أحلامه، فسيد الكلاب أخذ يعوي عواء أليماً حزيناً، وصار يمزق فراشه ويعض قفصه، ثم مات بعد أيام، نعم مات هذه الميتة القاسية، ولكنه ماتها ليحيا من بعده على نحو ما سنعلم ألوف من الناس كانت تموت مثل ميتته
بهذه الطريقة اهتدى بستور ورو وشمبرلاند أخيراً إلى نقل هذا الداء إلى الحيوانات نقلا أكيداً؛ أعني إنهم إذا حقنوا المكروب في مائة كلب أو خنزير أو أرنب أصاب الداء المائة كلها، وكأني بك تستمع إلى بستور يقول لصاحبيه: (إنّا لا نستطيع أن نرى المكروب ولا بأقوى العدسات، فلا بد أن هذا يرجع إلى شدة صغره. ولسنا نعرف طريقة واحدة لتربيته
стр. 11229
في الأحسية بالقبابات، ولكن في استطاعتنا أن نبقيه حياً في مخ الأرنب، فهذه هي الطريقة الوحيدة لحفظه ونمائه)
أوجِد أو يوجَد أعجب من هذه التجربة في كل الذي كان ويكون من صيادة المكروب، أو في أي علم آخر من العلوم! أم هل مارست تلك العلوم أمراً أبعد ما يكون عن المألوف فيها مثل الذي مارسه بستور وصاحباه: مكروبةٌ غير منظورة، كل الذي يعلمونه عن وجودها أنهم يستطيعون نقلها في الأمخاخ والحبال الفقرية في سلسلة طويلة من الأرانب والخنازير والكلاب، وكل برهانهم على كونها، وأن للكلب مكروباً هي مكروبته، موت تلك الأرانب المحقونة في تشنج وارتعاص، والعواء المزعج لتلك الكلاب التي أعملوا في رءوسها المثقاب
ثم أخذ بستور وأعوانه يحاولون أمراً عجباً لا يقول عاقل بإمكانه، ذلك تأنيس تلك المكروبة الفتاكة التي تُرى. وتعطّلوا في محاولتهم هذه بعض التعطل، فذهب رو وتويييه إلى مصر يدافعون مرض الكوليرا ومات تويييه في سبيل ذلك على ما علمت، وذهب بستور إلى بعض زرائب الخنازير في الريف يبحث عن مكروب داء كان تفشى فيها ويطلب لها لقاحاً منه، ولم يطل هذا التعطل طويلاً. واجتنب بستور تلك المنازعات والحجاجات الوضيعة التي كانت تنتهي على الأغلب بذمه والنيل من اسمه وكرامته. وحبس نفسه مع عونيه والحيوانات الشلاّء الخطيرة في معملهم بشارع أُلْم وفي هذه الحبسة أتوا على عدد لا حصر له من التجارب
ووضع بستور رقباء على مساعِدَيه الشابين وأنزلهما المعمل على منضدتيهما فكنت تراهما مكبّين عليها صباح مساء كأنهما بعض الأرقّاء. وكان ينظر ما يصنعانه بإحدى عينيه، وينظر بالأخرى الباب الزجاجيّ للغرفة التي كانا يعملان فيها، فإذا هو رأى أحداً من أصحابهما جاء يدعوهما إلى كأس ببيرة في شُرفة مقهى قريب، أسرع فخرج إلى الدخيل فقال له: (لا، لا، ليس هذا وقته. ألا ترى أنهما مشتغلان؟ إنها تجربة في غاية الخطر ليس في الإمكان أن يقطعاها!)
ومضت على هذه الحال أشهر غبر حسبوا جميعاً عند ختامها أنه لا سبيل إلى إضعاف هذه الجرثومة التي لا ترى، فالمائة من الحيوانات التي يحقنونها بالمكروب بعد محاولة إضعافه
стр. 11230
كانت تموت كلها، ومن ترى كان أقرب إلى اليأس في ختام هذه الأشهر؟ أضنك تقول الشيخ العجوز بستور، وأن عونيه الشابين، وقد ملأهما دم الشباب الحار، كانا أعصى من أن يثنيهما هذا الخذلان. إذن لقد أخطأت الحسبان يا سيدي، فالأمر كان على نقيض ذلك
(يتبع)
أحمد زكي
стр. 11231
في ميدان الاجتهاد
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
- ٢ -
كيف يعود الاجتهاد
ولا بد من عودة إلى ذكر نصوص أخرى فيما كان للسياسة من أثر في نصرة بعض هذه المذاهب على بعض، ولتلك المدارس وأوقافها من أثر في القضاء على الاجتهاد في نفوس العلماء؛ قال الشيخ أبو زرعة في شرح جمع الجوامع: قلت مرة لشيخنا البلقيني: ما يقصر بالشيخ تقي الدين بن السبكي عن رتبة الاجتهاد وقد استكمل الآلة؟ وكيف يقلد؟ ولم أذكره هو استحياء منه لما أريد أن أرتب على ذلك، فسكت عني، ثم قلت ما عندي أن الامتناع من ذلك إلا للوظائف التي قررت للفقهاء على المذاهب الأربعة، وأن من خرج عن ذلك واجتهد لم ينله شيء، وحرم ولاية القضاء، وامتنع الناس من استفتائه، ونسب إلى البدعة، فتبسم ووافقني على ذلك.
وقال الحافظ الذهبي في كتابه (بيان زغل العلم والطلب) عند الكلام على علم أصول الفقه: (أصول الفقه لا حاجة لك به يا مقلد، ويا من يزعم الاجتهاد قد انقطع وما بقي مجتهد، ولا فائدة في أصول الفقه إلا أن يصير محصله مجتهداً، فإذا عرفه ولم يفك تقليد إمامه لم يضع شيئاً، بل أتعب نفسه، وركب على نفسه الحجة في مسائل، وإن كان يقرؤه لتحصيل الوظائف وليقال، فهذا من الوبال، وهو ضرب من الخيال)
وجاء في نيل الابتهاج أن أهل الأندلس التزموا مذهب الاوزاعي حتى قدم عليهم الطبقة الأولى ممن لقي الإمام مالكاً، كزياد بن عبد الرحمن، والغازي بن قيس، وقرعوس ونحوهم، فنشروا مذهبه، وأخذ الأمير هشام الناس به، فالتزموه وحملوا عليه بالسيف إلا من لا يؤبه له
وجاء في نفح الطيب أن سبب حمل ملك الأندلس الناس على هذا المذهب في بعض الأقوال أن الإمام مالكاً سأل عن سيرته بعض الأندلسيين فذكروا له عنها ما أعجبه، فقال نسأل الله تعالى أن يزين حرمنا بملككم، أو كلاما هذا معناه، لأن سيرة بني العباس لم تكن
стр. 11232
مرضية عنده، وقد لقي منهم ما لقي مما هو مشهور، فلما بلغ قوله ملك الأندلس مع ما علم من جلالة مالك ودينه، حمل الناس على مذهبه وترك مذهب الأوزاعي
والآن فللشرع في بيان الطريق إلى عود الاجتهاد، وإنه ليس هناك فرصة تنتهز لهذا أقرب من هذه الفرصة التي يتولى فيها أمر الأزهر شيخ من أنصار الاجتهاد، وهو الأستاذ الكبير محمد مصطفى المراغي، ولا ننكر أنه يحيط به هذه المرة عوامل من جهات كثيرة جعلته يصير إلى أمور لم يكن يصير إليها في المرة الأولى، وقد كان يأخذ بالإصلاح فيها غير متأثر بتلك العوامل، ومن هذه الأمور محاولة القضاء على العلوم الرياضية في الأقسام الثانوية بالمعاهد الدينية لتحشر حشرا في الأقسام الأولية، فلا يكون هناك فائدة من دراستها فيها، وكثير منها ليس في نفس طالب القسم الأول الاستعداد لدراسته. ويقال إن الغرض من هذا تفريغ طلاب الأقسام الثانوية لدراسة الكتب الأزهرية كما كانت تدرس قديماً في الأزهر، ولا شك أن ستتبع هذه الخطوة خطوة أخرى في القضاء على هذه العلوم في الأقسام الأولية لتفريغ طلابها أيضاً لدراسة الكتب الأزهرية على تلك الطريقة التي كانت تدرس بها، لأنه لا فرق عند علماء التربية بين هذين القسمين في حياة الطالب، وكلاهما في حياته طور ثقافة عامة لا طور تخصيص لناحية من النواحي العلمية، فما يجري عندنا على أحد القسمين لتلك العلة السابقة لا بد أن يجري على القسم الآخر من أجلها أيضاً، وهناك نعود كما كنا قبل أن نقطع في الإصلاح هذه الأشواط، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإنه إذا كانت العلوم الرياضية قد زاحمت حقاً العلوم الأزهرية في الأقسام الثانوية، فطريق ذلك أن تختصر دراسة هذه العلوم فيها، لا أن يقضى عليها فيها لتحشر حشراً في الأقسام الأولية
ومن هذه الأمور ما نحن الآن بسبيله من أمر الاجتهاد والعمل على فتح بابه، إذ يخطو الأستاذ المراغي في ذلك خطوة لا يرضاها منه أنصار الاجتهاد، ويجعل دستور (لجنة الفتاوى) التي ألفها من علماء المذاهب الأربعة على هذا النحو (أن تجيب الطالب على المذهب أو المذاهب التي يريد الإجابة على مقتضاها، فإذا لم يعين المستفتي مذهباً أجابته بحكم الله المؤيد بالأدلة من غير تقييد بمذهب من المذاهب الشرعية) فلست أدري معنى لهذا التفريق بين المستفتين، وقصر الإجابة بحكم الله على من يريده منهم، وإنه ليجب أن
стр. 11233
تخضع لحكم الله مذاهب الفقهاء لا أن يخضع هو لها، فلا يجاب به المستفتى إلا إذا لم يطلب الفتوى على مذهب من مذاهب الفقهاء، فإذا طلب الفتوى عليها أفتى له بها ولو كان حكم الله المؤيد بالأدلة على خلافها، وأنّا لننزلها بهذا منزلة لم يردها لها أصحابها، ونجعل حكمها فوق حكم الله الذي كانوا يطلبونه فيها، وهم بشر يصيبون ويخطئون، ولم يدع العصمة أحد منهم في اجتهاده. وقد حكى ابن عبد البر عن معن بن عيسى بإسناد متصل به قال سمعت مالكاً يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيبفانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه
وحكى أبن القيم عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنهما قالا: لا يحل لأحد يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه. وذكر صاحب الهداية في كتابه (روضة العلماء) أنه قيل لأبي حنيفة: إذا قلت قولاً وكتاب الله يخالفه؟ قال اتركوا قولي بكتاب الله؛ فقيل إذا كان خبر الرسول يخالفه؟ قال اتركوا قولي بخبر الرسول ﷺ ، فقيل له: إذا كان قول الصحابي يخالفه؟ قال: اتركوا قولي بقول الصحابي
وروى البيهقي عن الشافعي أنه قال: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت
وذكر الشعراني في كتابه (الميزان) أن الأئمة كلهم قالوا: إذا صح الحديث فهو مذهبنا وليس لأحد قياس ولا حجة
فإذا ثبت لنا الآن حكم مؤيد بالأدلة فهو حكم الله الذي يقول به أبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم، ولو كانت أقوالهم في حياتهم على خلافه، ولا شك أنا إذا أفتينا في ذلك على المذهب الذي يريد المستفتى الإجابة على مقتضاه نكون بذلك قد خالفنا حكم ذلك المذهب الذي جعل صاحبه حكم الله رائده، وتبرأ من قوله إذا صح حكم الله بخلافه؛ وقد كان من الواجب على الأقل أن يكون دستور هذه (اللجنة) ما ذكره الإمام الشوكاني، فإنه بعد أن ذكر أن المقلد لا يصلح للقضاء وأنه لا يحل له أن يفتي من يسأله عن حكم الله في أمر من الأمور قال: فإن قلت هل يجوز للمجتهد أن يفتي من سأله عن مذهب رجل معين وينقله له؟ قلت يجوز ذلك بشرط أن يقول بعد نقل ذلك الرأي أو المذهب إذا كانا على غير الصواب مقالا يصرح به أو يلوح ان الحق خلاف ذلك، فإن الله أخذ على العلماء البيان
стр. 11234
للناس، وهذا منه، لا سيما إذا كان يعرف أن السائل سيعتقد ذلك الرأي أو المذهب المخالف للصواب
ومن المهم في ذلك أن الإمام الشوكاني لم يبح للمفتي المقلد أن يفتي إلا من يسأله عن قول فلان أو رأي فلان، ولم يبح له أن يفتي من يسأله عن الله أو حكم رسوله أو عن الحق أو عن الثابت في الشريعة أو عما يحل له أو يحرم عليه، لأن المقلد لا يدري واحدا من هذه الأمور على التحقيق، بل لا يعرفها إلا المجتهد؛ وهكذا إن سأله السائل سؤالا مطلقا من غير أن يقيده بأحد الأمور المتقدمة، فلا يحل للمقلد أن يفتيه بشيء من ذلك لأن السؤال المطلق ينصرف إلى الشريعة المطهرة، لا إلى قول قائل أو رأي صاحب رأي. وهذه (اللجنة) قد ألفت من علماء المذاهب الأربعة، فهم مقلدون لا مجتهدون؛ وقد أبيح لهم أن يفتوا من لم يبين مذهبا في فتواه بحكم الله المؤيد بالأدلة، من غير تقيد بمذهب من المذاهب الشرعية ولا يمكن لهم أن يفتوا بهذا إلا إذا خلعوا عن أنفسهم صفة التقليد، وادعوا لأنفسهم صفة الاجتهاد، ولا شك أن أكثر هؤلاء الأعضاء إن لم يكونوا كلهم لا يدعون لأنفسهم هذه الصفة وإنه ليسرنا أن يدعوها لأنفسهم. ولكنه يحول دون ذلك قبولهم أن يفتوا بحكم المذاهب الفقهية من يسألهم عنها وألا يبينوا حكم الله إلا لمن لا يعين في فتواه مذهبا من هذه المذاهب، اللهم إلا أن يدعوا لأنفسهم الجمع بين الصفتين، ويكون هذا من غرائب دستور (لجنتهم) ولكننا نجل إخواننا من أعضاء (اللجنة) عن هذه الدعوى، ونعتقد أنهم سيعملون على إصلاح وجهتها، وصرفها إما إلى الاجتهاد الخالص أو التقليد الخالص، ليكونوا إما مجتهدين بحق وإما مقلدين
فتلك الخطوة التي خطاها الأستاذ المراغي إلى الاجتهاد خطوة ضئيلة جدا، ولا يصح أبداً أن تكون نتيجة لذلك الجهاد الطويل الذي قام به الداعون إلى الإصلاح وفتح باب الاجتهاد من عهد جمال الدين الأفغاني إلى الآن، وهي خطوة من السهل أن ينظر إليها أنصار التقليد إذا آل الأمر إليهم وكأنها لم تكن، ونحن نريد أن نفتح باب الاجتهاد فتحاً صريحاً يكون في المستقبل حجة لأنصاره، وتكأة يعتمدون عليها، وحجة على أنصار التقليد يؤخذون بها، والفرصة الآن سانحة بالتفاف رجال الأزهر حول الأستاذ المراغي، واختيارهم له جميعاً على أنه رجل الإصلاح وخليفة الإمامين الصالحين: محمد عبده، وجمال الدين
стр. 11235
فلنبادر من الآن بالدعوة إلى عقد مؤتمر يجمع علماء الدين الإسلامي في سائر البلاد الإسلامية على اختلاف مذاهبهم، من رجال المذاهب الأربعة، إلى رجال الشيعة الزيدية، إلى رجال الشيعة الإمامية، إلى رجال الأباضية الباقين من فرق الخوارج، إلى أنصار الاجتهاد الذين لا يأخذون بمذهب من هذه المذاهب ليكون فتح باب الاجتهاد في هذا المؤتمر أمراً حاسماً لا يمكن أن يجادل فيه بعد هذا أنصار التقليد، وينظم فيه أمر الاجتهاد تنظيما يفتتح بابه لأهله، ويغلقه دون من ليس أهلا له، ويخط له الطريق إلى معالجة المسائل المهمة التي أدت إلى جمود الفقه الإسلامي، وعدم تمشيه مع حاجة المسلمين، ويعلو به عما نشتغل به الآن من الخلاف في أمور لا أهمية لها، من قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، والزيادة المعروفة في الآذان، وما إلى ذلك من الأمور التي نضيع وقتنا سدى في الخلاف فيها
ولقد أراني أبعدت في الأمل بعد أن سكنت من زمن بعيد إلى اليأس، ومضيت في سبيلي لا ألوى على أحد؛ على أني سأمضي في هذا السبيل الجديد بعد أن فتحت بابه على نفسي؛ وأنا امرؤ لا يعرف الإحجام، ولم يعود نفسه إلا الإقدام.
عبد المتعال الصعيدي
стр. 11236
رسائل حاج
٣ - من ربوع الغرب إلى بلاد العرب
للمستشرق المجري الدكتور عبد الكريم جرمانوس أستاذ التاريخ
بجامعة بودابست
كنت لا أزال منزويا في مقدم الباخرة، حينما أسفرت أضواء الفجر الشاحبة عن هذه البقاع الإسلامية المقدسة، فإذا (بجدة) تسمو في السماء اللازوردية، بينما تترامى أمواج البحر على أقدامها، تشقه عشرات البواخر والزوارق في حركة متواصلة، يتصاعد منها صخب داوٍ اختلطت فيه كافة لغات الشرق، فأعادت إلى ذهني المكدود بابل بأسواقها وشعوبها، إلا إن المدينة الخالدة كانت تبدو فوق هذه الحياة اللاغطة، كأنما تسمو خلوداً فوق مظاهر مدنيتنا الحديثة الزائلة وقد برزت منها مآذن في دقة الحراب وقباب كانت شاحبة البياض قبل أن يدنسها دخان بواخر الغرب فكانت ترسو في ظلها المراكب الشراعية حاملة طوائف المسلمين من الهند وجاوة وسومطرا والصين وشواطئ أفريقيا
وأقترب الصباح فاستعد الركاب للنزول وبدءوا يستقلون الزوارق الخفيفة، وكان النساء يرتدين تلك الملابس البيضاء، سافرات الوجوه، لا يجرؤ أحد على أن يتطلع إليهن بنظرة، ومن ذا الذي في قلبه مرض فينظر إليهن في هذه الساعة الرهيبة نظرة اشتهاء؟ وفي الواقع إن الجاذبية الجنسية كانت منعدمة تماماً؟ وقد أبعد الحجاج عن خواطرهم شتى صور الحياة حتى لا يحول شيء بينهم وبين الوصول بقلوبهم إلى نور الله الواحد القهار
وكان على الشاطئ حشد من الحمالين والمطوفين ومراقبي جوازات السفر وفريق من موظفي الحكومة لجباية الضرائب وهم جميعاً يتكلمون لغات شتى. فما إن يهبط عليهم أحد الحجاج حتى يلتقطه المطوف ويقوده إلى الموظفين المختصين وبعد إتمام الإجراءات الرسمية يصحبه إلى المسكن المعد لإقامته
وجاء دوري، فلما سئلت أمام مراقب الجوازات تطلع إلى وسألني عن جنسيتي فأجبته: من بلاد المجر. . . عند ذلك أظهر ارتباكاً، إذ لم يسبق له أن سمع قبل اليوم ببلادنا؛ وأخيراً أسر إليّ بأن مسألتي من المسائل التي يبت الأمير فيها بنفسه. وأشار إلى أحد رجال الشرطة وأمره بأن يقودني إلى دار الأمير لأنه هو الذي بيده سلطة التصريح لي بالسفر
стр. 11237
إلى مكة. وكانت دار الأمير تبعد عن الميناء مسافة لا تقل عن نصف ساعة سيراً على الأقدام. ولبيت الأمر فسرت مع ذلك الشرطي نتجاذب أطراف الحديث في طرق معبدة ملساء، غير أنه كان من سوء حظي أن أحد مسامير الخف الذي كنت أنتعله، برز من موضعه ودخل في قدمي فأحدث لي ألماً شديداً ظل أثره أياماً طوالاً
وما إن انتهت مقابلتي للأمير، وقد استغرقت نحو ساعة، حتى عدت إلى الباخرة، وكنت قد نسيت أني تركت أمتعتي في الزورق البخاري، ولقد كان أسفي لضياعها عظيماً، وكم عنفت نفسي لوقوعي في مثل هذا الإهمال الذي كانت نتيجته ضياع الأمتعة بما فيها الكتب! وكدت أقطع الأمل من العثور عليها، ولكن الله سلم، فإن النظام المحكم الذي يقوم به رجال الشرطة في الحكومة السعودية أتاح لي أن أعثر عليها بسهولة في إحدى قاعات الجمرك وعليها بطاقة باسمي. وبعد ساعة قادني المطوف إلى دار الأستاذ محمد ناصيف الذي كنت أحمل إليه كتاب توصية، وما كاد يتلوه حتى رحب بي على طريقة العرب في شوق وترحاب، وغمرني بكل صنوف الكرم التي لن أنساها؛ وتلك لعمري إحدى مفاخر الإسلام التي تتجلى عظمتها في كل مناحي الحياة
والأستاذ محمد ناصيف فوق أنه من سراة الحجاز رجل مثقف ثقافة عربية ناضجة، وتضم داره مكتبة زاخرة لا يكاد الإنسانيرى مثيلها في بعض الأقطار الأوروبية أو الأسيوية، وله رفاق يلتفون حوله كأسراب الطيور، ليلتقطوا من حديثه الشهي الحكم البالغة والآيات البينات
تبعد جدة عن مكة بمسافة ٧٩ كيلومترا، وتشبه مبانيها الاستحكامات العسكرية، ودورها مرتفعة ارتفاعاً شاهقاً، وهي مكونة من جملة أدوار، بينما تتوج جدة قباب المساجد المقدسة، واسمة إياها بذلك الطابع الفريد الذي يميزها دون سائر مدن العالم
ومن الغريب أن قناصل الدول والوزراء المفوضين يقيمون في جدة دون أن يتخطوها إلى داخل الأراضي المقدسة؛ ويستحضر رجال الهيئة السياسية طعامهم من الخارج، حتى الماء يجلبونه من مصر، لأن مياه جدة أجاجية غير صالحة للشرب
وتستقبل أسواق جدة عادة زبائن من كافة بقاع العالم، ولا يفتأ تجارها يستحضرون أنواعا من السلع لا تناسب بينها مطلقاً، بل هي خليط من أذواق مختلفة ومشارب متباينة وبعد أن
стр. 11238
قضيت في ضيافة الأستاذ محمد ناصيف بضعة أيام صدرت الأوامر بالسماح لنا بالسفر إلى مكة. والواقع أن الفترة التي قضيتها في دار ذلك الشيخ الجليل دفعتني إلى الإيمان الشديد بأن الفوارق الجنسية لا أثر لها مطلقا في الإسلام، بعكس ما نشاهده في الحضارة الأوربية من الإشادة بالقوميات والعصبيات وغيرها من المشكلات الاجتماعية التي تثيرها روح التعصب الأعمى. وصادف أن رافقني في السيارة إلى مكة خمسة عشر زنجياً من أهالي الصومال، وكنا في خلال الطريق لا ننقطع أن نهتف: لبيك اللهم لبيك! وهنا يجدر بي أن أنوه للمرة الثانية بعظمة الإسلام التي تتجلى في عدم التفرقة بين الكبير والصغير والرئيس والمرءوس، فالكل سواسية؛ وقد شعرت بتلك الحقيقة وأنا بصحبة هؤلاء العبيد الفقراء، وقارنت بين ذلك وبين الفروق الشاسعة في أوربا الموجهة نحو احتقار العناصر الضعيفة والتفرقة ين الألوان
كانت السيارة تنطلق بنا في طريق ممهد لا يمله النظر في كل جزء من أجزائه، الطريق سلكه قبلنا ملوك وعظماء وأنبياء منذ مئات السنين، وكانت السيارة كلما مرت بقافلة من القوافل نظر الأعراب إلى تلك الآلة الجهنمية التي تنبعث منها أصوات منفرة وروائح كريهة، في شيء من الحنق والغيظ. فقد أصبح النقل اليوم في أكثر طرق الحجاز بالسيارات تمشياً مع مقتضيات الحضارة الحديثة، مع إن البدو كانوا يربحون الشيء الكثير من نقل الحجاج بالإبل، وكانت النقود التي تدفع إليهم تبقى في حوزتهم، أما السيارة فإن ثمنها وأثمان وقودها وقطع تغييرها تتسرب الآن إلى خارج البلاد، فلا عجب إذا نظر إليها البدو في شيء من الحنق ونقموا على من كانوا سبباً في إدخال تلك (الآلة الجهنمية) إلى الصحراء، وهم يقولون إن الإنسان يجب أن يركب في سبيل الحج أشد الأمور، فلا يخال نفسه ذاهباً إلى سياحة هادئة، ويتذرع بوسائل الراحة والرفاهية مما يلقاه في السيارة؛ وبمقارنة الإبل بالسيارة، نجد إن للأولى قوة احتمال على الجوع والعطش، بعكس السيارة التي تحتاج إلى تجديد الماء كل أربعة ساعات، والوقود كلما نفد، فضلاً عن جهل السائق بميكانيكيتها مما يسبب عطلها في الطريق وتترك الحجاج في العراء إلى أن تقدم سيارة أخرى
أجل! لقد أزعجت السيارة ذلك الهدوء الشامل في الصحراء وأقضت مضاجع الأعراب
стр. 11239
وحولت طمأنينتهم إلى نوع من الثورة على الحضارة الأوربية وما تقدمه إليهم من كهرباء وطيارات ولاسلكي
دخلت سيارتنا مكة في منتصف الليل تقريباً فراعني أن أرى الناس في الشوارع، يغطون في نومهم ويحلمون بالجنة التي هم بها موعودون، لا سيما وأنهم أصبحوا على قاب قوسين منها. أهاج هذا المنظر خاطري فأنبثق في نفسي شعور خفي وأنا أستقبل تلك الأرض المقدسة التي وطئتها قدما الرسول وكانت خير منارة للحق، فهددت الناس إلى السبيل القويم
وقصدت لساعتي إلى دار مطوفي، وهي دار رحبة عالية البنيان، بها غرف في الدور الأسفل، أعدت لاستقبال الحجاج الجدد عند وصولهم إلى مكة. وبعد أن رحب بي المطوف سألني عما إذا كنت في حاجة إلى طعام أو شراب فأجبته بالنفي، إذ كنت لا أزال غارقا في نهار من الأحاسيس الخفية، معللا النفس بقرب بزوغ النهار للطواف بالكعبة المقدسة
وما أن غشيت غرفتي واستلقيت على البساط حتى أغمضت عيني واستولى عليّ النعاس، فتخيلت الرسول الكريم وقد بدا أمامي في شكل نوراني، يكاد يخطف الأبصار، وكأنما هو ينشر كلمة الله فيضئ بها العالم يدعو الخلق إلى كلمة الحق، ورأيت الخلفاء الأربعة يتوسطون حلقات من الناس طبقا لقواعد الدين الحنيف، ويسودون العالم بالحكمة والمحبة لا بالعنف والشدة، ثم تخيلت هارون الرشيد وهو يجول أناء الليل في شوارع بغداد ويجوس في خلال أزقتها ودروبها، فيكافئ الأتقياء وينزل عقوبته بالمجرمين، وانبسطت أمامي بلاد الأندلس الزاهرة وقد سادها حكم العرب، فنشروا بين ربوعها العلم والحكمة والفلسفة والفلك والفقه حتى أصبحت هذه العلوم كشجرة مباركة فرعها في السماء، وأظلت بأوراقها اليافعة الخضراء تجاه مكة المكرمة والكعبة الشريفة؛ ولا يظن أحد أن ما شهدته كان من قبيل الرؤيا أو أضغاث أحلام، بل هي أشباح خالدة تطوف بذهن كل مسلم صادق العقيدة متوجه إلى الله بقلب نقي طاهر
وعند انبثاق الفجر نهضنا من النوم على أصوات ملائكية، كأنها هابطة من السماء، تلك هي أصوات المؤذنين يدعون المؤمنين إلى صلاة الفجر التي هي خير من النوم، فقمت مهرولاً، وبعد أن توضأت يممت شطر المسجد الحرام ومعي مطوفي، وكنت أؤدي الصلاة المفروضة طبقاً لإرشاده، ثم بدأت أطوف بالكعبة فسرني أن رأيت ألوفاً من الحجاج، من
стр. 11240
كافة الألوان والأجناس، يقبلون في لهفة على لثم الحجر الأسود، وهو رمز تاريخي للإسلام، كان الرسول الكريم يتبرك به ويقبله؛ وتبعه في ذلك الخلفاء الراشدون، وظلت تلك العادة متبعة للآن؛ وقد حاولت ولقد حاولت مراراً أن أقترب منه فكان يبعدني عن بلوغه كثرة الزحام، وبعد مشقة لمست بيدي سطحه الرمادي الأملس، ولكن ما كدت ألثمه حتى رأيت سيدة من أهالي فرجانة تقع على الأرض إثر صدمات عنيفة من الخلف، وكانت تحمل على ظهرها طفلتها المسكينة التي ستصبح حاجة بعد حين، ولقد قدمت هذه المرأة التقية إلى الحج ممتطية صهوة جواد مع بقية أفراد أسرتها، من بلدها في أواسط آسيا فاستغرق سفرهم أربعة أشهر؛ ولقد أخبرتني هذه الحاجة أنها كانت تدخر لهذه الزيارة المقدسة من سنوات بعيدة، وأخيرا حققت حلمها وكانت مبتهجة أشد الابتهاج
وقمت بعد ذلك للسعي بين الصفا والمروة، وهناك نالني كثير من الشقاء والعناء، فجلست بجوار حلاق أخذ يقص خصلة من شعري المبعثر عملاً بالسنة الشريفة، ولبثت في انتظار مطوفي ليأخذني إلى جبل عرفات
إن اللقاء على جبل عرفات لهو الغرض الأساسي تقريباً للحج، فالحجاج الذين يفدون إلى جدة متفرقين، يجتمعون كلهم في يوم واحد ويحشرون إلى صعيد واحد، وهنا تظهر عظمة الدين الحنيف وحكمته، فقد كان مجموع الحجاج فوق عرفات لا يقل عن خمسين ألفاً، مع إن مكة بمساحتها الشاسعة لا تستطيع أن تأوي مثل هذا العدد الوافر
وجبل عرفات من أجمل جبال العالم، يصل الماء إليه من (عين زبيدة) في أنابيب، وهو عمل عظيم في ذاته، لأنه يخفف من متاعب الحجاج للحصول على الماء. وهناك تل يطلقون عليه (جبل الرحمة) به مصلى كان النبي ﵊ يصلي فيه
ولقد رأيت الحرس الوهابي يقيم على تلك البقعة ليمنع الحجاج من إقامة الصلاة بالقرب منها، كما إنهم يحرمون على الحجاج السجود أمام العمد الحجرية المسندة إليها
والوهابيون يعارضون أشد المعارضة في تدخين التبغ، ولكني رأيت أن هذه العادة تكاد تتلاشى، وألفيت كثيراً من الناس يدخنون في الطرق العامة حتى في الجبل وبجوار المصلى، كما أبطلوا عادة الخطابة التي كانت تلقى على ظهر البعير
(يتبع)
следующие страницы →