← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 11236–11275 · переход к 11241.

стр. 11236

رسائل حاج ٣ - من ربوع الغرب إلى بلاد العرب للمستشرق المجري الدكتور عبد الكريم جرمانوس أستاذ التاريخ بجامعة بودابست كنت لا أزال منزويا في مقدم الباخرة، حينما أسفرت أضواء الفجر الشاحبة عن هذه البقاع الإسلامية المقدسة، فإذا (بجدة) تسمو في السماء اللازوردية، بينما تترامى أمواج البحر على أقدامها، تشقه عشرات البواخر والزوارق في حركة متواصلة، يتصاعد منها صخب داوٍ اختلطت فيه كافة لغات الشرق، فأعادت إلى ذهني المكدود بابل بأسواقها وشعوبها، إلا إن المدينة الخالدة كانت تبدو فوق هذه الحياة اللاغطة، كأنما تسمو خلوداً فوق مظاهر مدنيتنا الحديثة الزائلة وقد برزت منها مآذن في دقة الحراب وقباب كانت شاحبة البياض قبل أن يدنسها دخان بواخر الغرب فكانت ترسو في ظلها المراكب الشراعية حاملة طوائف المسلمين من الهند وجاوة وسومطرا والصين وشواطئ أفريقيا وأقترب الصباح فاستعد الركاب للنزول وبدءوا يستقلون الزوارق الخفيفة، وكان النساء يرتدين تلك الملابس البيضاء، سافرات الوجوه، لا يجرؤ أحد على أن يتطلع إليهن بنظرة، ومن ذا الذي في قلبه مرض فينظر إليهن في هذه الساعة الرهيبة نظرة اشتهاء؟ وفي الواقع إن الجاذبية الجنسية كانت منعدمة تماماً؟ وقد أبعد الحجاج عن خواطرهم شتى صور الحياة حتى لا يحول شيء بينهم وبين الوصول بقلوبهم إلى نور الله الواحد القهار وكان على الشاطئ حشد من الحمالين والمطوفين ومراقبي جوازات السفر وفريق من موظفي الحكومة لجباية الضرائب وهم جميعاً يتكلمون لغات شتى. فما إن يهبط عليهم أحد الحجاج حتى يلتقطه المطوف ويقوده إلى الموظفين المختصين وبعد إتمام الإجراءات الرسمية يصحبه إلى المسكن المعد لإقامته وجاء دوري، فلما سئلت أمام مراقب الجوازات تطلع إلى وسألني عن جنسيتي فأجبته: من بلاد المجر. . . عند ذلك أظهر ارتباكاً، إذ لم يسبق له أن سمع قبل اليوم ببلادنا؛ وأخيراً أسر إليّ بأن مسألتي من المسائل التي يبت الأمير فيها بنفسه. وأشار إلى أحد رجال الشرطة وأمره بأن يقودني إلى دار الأمير لأنه هو الذي بيده سلطة التصريح لي بالسفر

стр. 11237

إلى مكة. وكانت دار الأمير تبعد عن الميناء مسافة لا تقل عن نصف ساعة سيراً على الأقدام. ولبيت الأمر فسرت مع ذلك الشرطي نتجاذب أطراف الحديث في طرق معبدة ملساء، غير أنه كان من سوء حظي أن أحد مسامير الخف الذي كنت أنتعله، برز من موضعه ودخل في قدمي فأحدث لي ألماً شديداً ظل أثره أياماً طوالاً وما إن انتهت مقابلتي للأمير، وقد استغرقت نحو ساعة، حتى عدت إلى الباخرة، وكنت قد نسيت أني تركت أمتعتي في الزورق البخاري، ولقد كان أسفي لضياعها عظيماً، وكم عنفت نفسي لوقوعي في مثل هذا الإهمال الذي كانت نتيجته ضياع الأمتعة بما فيها الكتب! وكدت أقطع الأمل من العثور عليها، ولكن الله سلم، فإن النظام المحكم الذي يقوم به رجال الشرطة في الحكومة السعودية أتاح لي أن أعثر عليها بسهولة في إحدى قاعات الجمرك وعليها بطاقة باسمي. وبعد ساعة قادني المطوف إلى دار الأستاذ محمد ناصيف الذي كنت أحمل إليه كتاب توصية، وما كاد يتلوه حتى رحب بي على طريقة العرب في شوق وترحاب، وغمرني بكل صنوف الكرم التي لن أنساها؛ وتلك لعمري إحدى مفاخر الإسلام التي تتجلى عظمتها في كل مناحي الحياة والأستاذ محمد ناصيف فوق أنه من سراة الحجاز رجل مثقف ثقافة عربية ناضجة، وتضم داره مكتبة زاخرة لا يكاد الإنسانيرى مثيلها في بعض الأقطار الأوروبية أو الأسيوية، وله رفاق يلتفون حوله كأسراب الطيور، ليلتقطوا من حديثه الشهي الحكم البالغة والآيات البينات تبعد جدة عن مكة بمسافة ٧٩ كيلومترا، وتشبه مبانيها الاستحكامات العسكرية، ودورها مرتفعة ارتفاعاً شاهقاً، وهي مكونة من جملة أدوار، بينما تتوج جدة قباب المساجد المقدسة، واسمة إياها بذلك الطابع الفريد الذي يميزها دون سائر مدن العالم ومن الغريب أن قناصل الدول والوزراء المفوضين يقيمون في جدة دون أن يتخطوها إلى داخل الأراضي المقدسة؛ ويستحضر رجال الهيئة السياسية طعامهم من الخارج، حتى الماء يجلبونه من مصر، لأن مياه جدة أجاجية غير صالحة للشرب وتستقبل أسواق جدة عادة زبائن من كافة بقاع العالم، ولا يفتأ تجارها يستحضرون أنواعا من السلع لا تناسب بينها مطلقاً، بل هي خليط من أذواق مختلفة ومشارب متباينة وبعد أن

стр. 11238

قضيت في ضيافة الأستاذ محمد ناصيف بضعة أيام صدرت الأوامر بالسماح لنا بالسفر إلى مكة. والواقع أن الفترة التي قضيتها في دار ذلك الشيخ الجليل دفعتني إلى الإيمان الشديد بأن الفوارق الجنسية لا أثر لها مطلقا في الإسلام، بعكس ما نشاهده في الحضارة الأوربية من الإشادة بالقوميات والعصبيات وغيرها من المشكلات الاجتماعية التي تثيرها روح التعصب الأعمى. وصادف أن رافقني في السيارة إلى مكة خمسة عشر زنجياً من أهالي الصومال، وكنا في خلال الطريق لا ننقطع أن نهتف: لبيك اللهم لبيك! وهنا يجدر بي أن أنوه للمرة الثانية بعظمة الإسلام التي تتجلى في عدم التفرقة بين الكبير والصغير والرئيس والمرءوس، فالكل سواسية؛ وقد شعرت بتلك الحقيقة وأنا بصحبة هؤلاء العبيد الفقراء، وقارنت بين ذلك وبين الفروق الشاسعة في أوربا الموجهة نحو احتقار العناصر الضعيفة والتفرقة ين الألوان كانت السيارة تنطلق بنا في طريق ممهد لا يمله النظر في كل جزء من أجزائه، الطريق سلكه قبلنا ملوك وعظماء وأنبياء منذ مئات السنين، وكانت السيارة كلما مرت بقافلة من القوافل نظر الأعراب إلى تلك الآلة الجهنمية التي تنبعث منها أصوات منفرة وروائح كريهة، في شيء من الحنق والغيظ. فقد أصبح النقل اليوم في أكثر طرق الحجاز بالسيارات تمشياً مع مقتضيات الحضارة الحديثة، مع إن البدو كانوا يربحون الشيء الكثير من نقل الحجاج بالإبل، وكانت النقود التي تدفع إليهم تبقى في حوزتهم، أما السيارة فإن ثمنها وأثمان وقودها وقطع تغييرها تتسرب الآن إلى خارج البلاد، فلا عجب إذا نظر إليها البدو في شيء من الحنق ونقموا على من كانوا سبباً في إدخال تلك (الآلة الجهنمية) إلى الصحراء، وهم يقولون إن الإنسان يجب أن يركب في سبيل الحج أشد الأمور، فلا يخال نفسه ذاهباً إلى سياحة هادئة، ويتذرع بوسائل الراحة والرفاهية مما يلقاه في السيارة؛ وبمقارنة الإبل بالسيارة، نجد إن للأولى قوة احتمال على الجوع والعطش، بعكس السيارة التي تحتاج إلى تجديد الماء كل أربعة ساعات، والوقود كلما نفد، فضلاً عن جهل السائق بميكانيكيتها مما يسبب عطلها في الطريق وتترك الحجاج في العراء إلى أن تقدم سيارة أخرى أجل! لقد أزعجت السيارة ذلك الهدوء الشامل في الصحراء وأقضت مضاجع الأعراب

стр. 11239

وحولت طمأنينتهم إلى نوع من الثورة على الحضارة الأوربية وما تقدمه إليهم من كهرباء وطيارات ولاسلكي دخلت سيارتنا مكة في منتصف الليل تقريباً فراعني أن أرى الناس في الشوارع، يغطون في نومهم ويحلمون بالجنة التي هم بها موعودون، لا سيما وأنهم أصبحوا على قاب قوسين منها. أهاج هذا المنظر خاطري فأنبثق في نفسي شعور خفي وأنا أستقبل تلك الأرض المقدسة التي وطئتها قدما الرسول وكانت خير منارة للحق، فهددت الناس إلى السبيل القويم وقصدت لساعتي إلى دار مطوفي، وهي دار رحبة عالية البنيان، بها غرف في الدور الأسفل، أعدت لاستقبال الحجاج الجدد عند وصولهم إلى مكة. وبعد أن رحب بي المطوف سألني عما إذا كنت في حاجة إلى طعام أو شراب فأجبته بالنفي، إذ كنت لا أزال غارقا في نهار من الأحاسيس الخفية، معللا النفس بقرب بزوغ النهار للطواف بالكعبة المقدسة وما أن غشيت غرفتي واستلقيت على البساط حتى أغمضت عيني واستولى عليّ النعاس، فتخيلت الرسول الكريم وقد بدا أمامي في شكل نوراني، يكاد يخطف الأبصار، وكأنما هو ينشر كلمة الله فيضئ بها العالم يدعو الخلق إلى كلمة الحق، ورأيت الخلفاء الأربعة يتوسطون حلقات من الناس طبقا لقواعد الدين الحنيف، ويسودون العالم بالحكمة والمحبة لا بالعنف والشدة، ثم تخيلت هارون الرشيد وهو يجول أناء الليل في شوارع بغداد ويجوس في خلال أزقتها ودروبها، فيكافئ الأتقياء وينزل عقوبته بالمجرمين، وانبسطت أمامي بلاد الأندلس الزاهرة وقد سادها حكم العرب، فنشروا بين ربوعها العلم والحكمة والفلسفة والفلك والفقه حتى أصبحت هذه العلوم كشجرة مباركة فرعها في السماء، وأظلت بأوراقها اليافعة الخضراء تجاه مكة المكرمة والكعبة الشريفة؛ ولا يظن أحد أن ما شهدته كان من قبيل الرؤيا أو أضغاث أحلام، بل هي أشباح خالدة تطوف بذهن كل مسلم صادق العقيدة متوجه إلى الله بقلب نقي طاهر وعند انبثاق الفجر نهضنا من النوم على أصوات ملائكية، كأنها هابطة من السماء، تلك هي أصوات المؤذنين يدعون المؤمنين إلى صلاة الفجر التي هي خير من النوم، فقمت مهرولاً، وبعد أن توضأت يممت شطر المسجد الحرام ومعي مطوفي، وكنت أؤدي الصلاة المفروضة طبقاً لإرشاده، ثم بدأت أطوف بالكعبة فسرني أن رأيت ألوفاً من الحجاج، من

стр. 11240

كافة الألوان والأجناس، يقبلون في لهفة على لثم الحجر الأسود، وهو رمز تاريخي للإسلام، كان الرسول الكريم يتبرك به ويقبله؛ وتبعه في ذلك الخلفاء الراشدون، وظلت تلك العادة متبعة للآن؛ وقد حاولت ولقد حاولت مراراً أن أقترب منه فكان يبعدني عن بلوغه كثرة الزحام، وبعد مشقة لمست بيدي سطحه الرمادي الأملس، ولكن ما كدت ألثمه حتى رأيت سيدة من أهالي فرجانة تقع على الأرض إثر صدمات عنيفة من الخلف، وكانت تحمل على ظهرها طفلتها المسكينة التي ستصبح حاجة بعد حين، ولقد قدمت هذه المرأة التقية إلى الحج ممتطية صهوة جواد مع بقية أفراد أسرتها، من بلدها في أواسط آسيا فاستغرق سفرهم أربعة أشهر؛ ولقد أخبرتني هذه الحاجة أنها كانت تدخر لهذه الزيارة المقدسة من سنوات بعيدة، وأخيرا حققت حلمها وكانت مبتهجة أشد الابتهاج وقمت بعد ذلك للسعي بين الصفا والمروة، وهناك نالني كثير من الشقاء والعناء، فجلست بجوار حلاق أخذ يقص خصلة من شعري المبعثر عملاً بالسنة الشريفة، ولبثت في انتظار مطوفي ليأخذني إلى جبل عرفات إن اللقاء على جبل عرفات لهو الغرض الأساسي تقريباً للحج، فالحجاج الذين يفدون إلى جدة متفرقين، يجتمعون كلهم في يوم واحد ويحشرون إلى صعيد واحد، وهنا تظهر عظمة الدين الحنيف وحكمته، فقد كان مجموع الحجاج فوق عرفات لا يقل عن خمسين ألفاً، مع إن مكة بمساحتها الشاسعة لا تستطيع أن تأوي مثل هذا العدد الوافر وجبل عرفات من أجمل جبال العالم، يصل الماء إليه من (عين زبيدة) في أنابيب، وهو عمل عظيم في ذاته، لأنه يخفف من متاعب الحجاج للحصول على الماء. وهناك تل يطلقون عليه (جبل الرحمة) به مصلى كان النبي ﵊ يصلي فيه ولقد رأيت الحرس الوهابي يقيم على تلك البقعة ليمنع الحجاج من إقامة الصلاة بالقرب منها، كما إنهم يحرمون على الحجاج السجود أمام العمد الحجرية المسندة إليها والوهابيون يعارضون أشد المعارضة في تدخين التبغ، ولكني رأيت أن هذه العادة تكاد تتلاشى، وألفيت كثيراً من الناس يدخنون في الطرق العامة حتى في الجبل وبجوار المصلى، كما أبطلوا عادة الخطابة التي كانت تلقى على ظهر البعير (يتبع)

стр. 11241

عبد الكريم جرمانوس

стр. 11242

بين الثريا والثرى للأستاذ عبد الرحمن شكري الحمل والجدي والسرطان: هي الأبراج المعروفة بهذه الأسماء، والمعنى هو أن الشباب لا يهتم بما يخبئ له القدر، كما يهتم من يرصد الأفلاك والأبراج ليعرف منها ما يخبئه له القدر (الناظم) الشباب تذكرني الشباب، وقد علونا … به فوق المجرة والنجوم ونحن الخالدون، وكان حقاً … خلوُّ الخالدين من الهموم سوى الحزن الذي عقباه ضِحْكٌ … يرن صداه في ضحك الهزيم وطئنا فوق أطلال الدرارى … وأشرفنا على بيد السديم فلا حمل ولا جدي رقبنا … ولا السرطان ذو البرج العظيم وما من صولة الأقدار خفنا … ولا لاحت لنا مثل الغيوم بأرواح لها في الأفق مسعى … وتحليق على العيش البهيم ركضنا في السماء لكل نجم … حُنُوَّ الطير للزهر العميم وحوَّلنا وجوه الكون كأسا … حسوناها ولم تَكُ من كروم ولم نعبأ بما تُخْفِي الليالي … ولم نَخْشَ المنية في الهجوم وأسْلَفَنا الزمان نعيم عيش … ولم نحذر مقاضاة الغريم وكنا في ائتلاف الشمل نحكي … نظام الشهب والدر النظيم المشيب سكنا الأرض بعد الأفق دارا … وأُنزِلنا إلى بطن الأديم وأُفْهِمْنَا القضاَء، ما فهمنا … وقُلْ ما شئتَ في لغو العليم وكُسِّرَت القوادم والخوافي … وهِيض العظم في الجسم الكليم صحونا للحياة، وما تراه … من الخُلُقِ المُقَبَّحِ والذميم

стр. 11243

فمن حذر إلى بخل وذل … وسوء الظن بالخلِّ الحميم أَطَلَ الموت من كَثَبِ علينا … وظِل الموت أصبح كالنديم تُرَوِّعُنَا الصروف بكل خطب … وخطب الموت أهون للفهيم وضاعت جِدَّةُ الدنيا وصارت … كأطمار على جسم العديم يحاربنا التذكر والتمني … كلا الأمرين يُفْضِي للهموم وقدما قد نعمنا بالتمني … وأمَّلْنَا الخلود على النعيم وليت الذكر، وهو نذير شجو … يدوم بروقة العهد القديم سننسى أننا كنا قديماً … على هام الثريا والنجوم عبد الرحمن شكري

стр. 11244

الليلة الثانية عشرة للشاعر الحضرمي علي أحمد باكثير إحدى روايات شكسبير الخالدة يترجمها إلى العربية شعراً الشاعر الحضرمي علي أحمد باكثير، وقد تصرف تصرفاً لا يضير بجمال الأصل، بل يزيده أحياناً وضوحاً وحسناً؛ كما فعل في التورية اللفظية التي قصد إليها شكسبير في كلمتي (الوعل) (القلب) فقد نقل المترجم الصيد من البر إلى البحر ليتسنى له الإتيان بمثل هذه التورية في اللغة العربية، وإلى القارئ المشهد الأول من الرواية: المشهد الأول - في قصر الدوق يدخل الدوق و (كريو) وأشراف آخرون، حيث فرقة الموسيقى على استعداد للدوق: هات ألحانك يا عازف إن … تكن الألحان للحب غذاء! هاتها! زدنيَ منها فعسى … أن يلاقي حتفَه منها امتلاء! أعِدِ اللحن الذي غنّيتَه! … إنه طاب على السمع غناَء كاد من رقته يفنى! فلم … يَدَعِ الشجو له الاذماَء! رفَّ بالسمع جَنوباً عَطِراً … سرق الروض شذاه ثم جاَء قَدْكَ! قف لحنك هذا لم يَعُدْ … عندي الآن وما قبلُ سَواَء آه رُوحَ الحب! ما ألطف مس … راكِ في النفس وأقواك مضاَء قوةٌ هائلة أنت، فقد … كدت تطغين على ماضي القضاءْ قوة حُوَّلَةٌ قُلبه … أبداً تَبْدين في ألف رواءْ أين منك البحر عُظماً وقُوَىً؟ … إنه ماءٌ وأنتِ الكهرباءْ! تسقط الأنهارُ في البحر فلا … تعدم التأثيرَ فيه والثّواء وهمومُ النفس مهما عظُمت … وسمت أوجا، وشطّت في غلاءْ دون أمواجكِ في ثانيةٍ … تتلاشى كالتماعٍ من ضياءْ! فإذا الغالي رخيصٌ، وإذا ال … أوج قعْر، وإذا الأسْر عياء كريو: مولاي! هل لك في صي … د البال؟ فالجو حالي

стр. 11245

الدوق: ويلك! هل أنا إلاّ … في الصيد! والبال بالي! أعزُّ شيءٍ بجسمي … قدراً. وأنفَسُ غالِ أوّلَ ما زلزلْتني … بطَرْفها القتَّال (أوليفيا)، وهدتني … للحبّ بعد الضلال هناك صُيِّرتُ بالاً … مضرِّساً بالنكال مطارَداً طول أيّا … مه وطول الليالي! اكتنفَتْه شِباكٌ … من كل وجه وحال خيوطها من همومي … ونجما من خيالي!! (يدخل فالنتين) - هات عنها! ماذا وراءك؟ - ما ير … ضيك مولاي! لو رُزِقتُ القبولا سلّمتْني عنها الوصيفةُ هذا ال … ردَّ منها - وما أُراه جميلا -: لن يرى الكون نفسه وجهَها السَّا … فرَ سبعاً كسبع يوسف طولا! نذرَت أن تبقى كراهبة الدَّيْ … ر عليها نقابُها مسدولا كل يوم تطوف بالبيت بالدم … ع يبل الثَّرى ويُحفى المسيلا كل هذا من أجل موت أخ كا … ن إليها المحبب المأمولا رُزئَتْه فأقسمتْ لَتُديمَنَّ (م) … أساها عليه دهراً طويلاً الدوق: زِهِ! ضمَّتْ إذا - إلهي لك الحم … د ُ! - إلى حسنها الشّعورَ النبيلا! كان هذا وفاءها لأخيها … كيف بالله لو أحبّت خليلا! لَوْ إليها (كوبيد) سدّد يوماً … سهمه المُذْهَب اللطيف القتولا! فغدا في فؤادها كلُّ همٍّ … شاغلٍ - دونه صريعاً قتيلا واعتلى عرشَ قلبها مَلِك فرْ … دٌ كفرعونِ مصر دانَ النيلا! سِرْ أمامي إلى أريكٍ من الزَّه … ر أهدهِدْ بها الفؤادَ قليلا!

стр. 11246

حيث تُلفى خواطرُ الحب في أك … نافها مرتعاً خصيباً ظليلا!! علي أحمد باكثير

стр. 11247

الشاعر للسيد رياض معلوف من كتابه (الأوتار المتقطعة) الذي صدر حديثا شاعر في شفتيه … كلمات مُنْزَلهْ! ضاقت الأرض عليه لطموحهْ وخيالهْ جذوة في مقلتيه … رُوحه المشتعلهْ قطرة من محجر الله ورُوحِه وجمالهْ شاعر إن شدا وردَّدا شعرا … فنياط القلوب من أوتارهْ ما ابتسام الربيع ألطف ثغرا … منه حتى لو كان في نَوَّارهْ ودموع الصباح أطهر دمعا … منه فوق الخدود من أزهاره أين شدْو الهزار في الروض منه … لا يجاريه روضه بهزاره هو (مُوسِّيهُ) هل سمعت نواحا … في الليالي أرق من أشعاره وهو (دَنْتِي) هلا رأيت جحيما … بكتاب حروفُه جَمْرُ ناره والمعرى، رغم العمى (ضوء سقط) … يهتدي التائهون من أنواره رياض معلوف

стр. 11248

يد الأيام للسيد الياس قنصل لو كانت الأيام تقضى مرةً … للمرءِ ما يصبو إليه، معجبا لخلعتُ عن نفسي ثيابَ رزانتي … ورجعتُ مسروراً إلى عهد الصَّبى هي حقبةَ في العمر يحرس صفوَها … ظلٌّ من الطهر الصميم ظليلُ وكأنها لخلوِّها من كلِّ ما … يئدُ العواطفَ للكمال سبيلُ يسخو الزمان بما لديه على الذي … رضىَ الوجودُ بأن يريه ضياَءهُ لكن حُمَّاه ترافق جودَه … سراً، وتتلف ما يفوق عطاَءهُ إني بلغتُ إلى الشباب مضيّعا … من حيث لا أدري جمالَ هنائي في كل يومٍ كان يهلك بعضُ ما … زخرتْ به نفسي من الآراءِ فإذا التفتُّ إلى الوراء رأيتني … أشلاء ضمّتها الليالي الماضيَه ووجدت حولي ما يماثل غربةً … تغشى بلاقعَها الأماني الذاويَه والحق أني قد غُبنتُ ولم أفزْ … إلا بساعات من الآلامِ ما خبرتي إلا شعور طهارةٍ … خنقْته في صدري يدُ الأيامِ (عاصمة الأرجنتين) الياس قنصل

стр. 11249

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ٣٠ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا الناحية الإيجابية من مذهب نيتتشه السوبرمان أو الإنسان الأعلى للأستاذ خليل هنداوي لنفترض أن هذه القوى يتفاعل بعضها ببعض تتبعاً لقانون المصادفة والتدابير المتعاقبة، وأن الترتيب اللاحق مؤثر في الترتيب السابق، فما عسى يقوم في أزلية الزمان؟ أرانا إذ ذاك مضطرين إلى القول بأن هذه القوى لم تبلغ بعد نقطة التوازن ولن تبلغها أبداً، إذ لو كان هذا الترتيب في استطاعته أن يظهر يوما ما، لاستطاع إذا أن يظهر لتطاول الزمن الغابر. والعالم - عند ذلك - يصبح جامداً ساكناً لا يتحرك، لأن من المحال أن تضل هذه القوى عن (نقطة التوازن والاستواء) بعد أن أدركتها ووصلت إليها. فنحن إذا أمام القول بأن شحنة من القوى الثابتة المعينة تولد - في هذه الآماد - تدابير لا تنبتر وحالات لا تتناهى. وبما عن الزمان لا نهاية له، وبما إن هذه الشحنة من القوى هي معينة محدودة، فسوف تأتي لحظة - مهما كانت هذه القوى عظيمة ومهما كانت آثارها الناشئة عنها كثيرة - نرى فيها هذه اللعبة الطبيعية غير العاقلة تولد (تدبيراً) أو تهتدي إلى حالة تستقر عندها وتقف عليها. ولكن هذه الحالة أو هذا الانتقال سيجر وراءه سلسلة تامة من الحالات المتسببة عنه، من حيث أن الحركة العالية تولد ذات الأشياء وتمشي باستمرار على دائرة واسعة. كل حياة خاصة هي جزء من هذا الدور الكلي. وكل فرد قد عاش الحياة ذاتها مرات لا تحصى وسيعيشها إلى الأبد. كل الحالات التي يمكن للوجود أن يبلغها قد بلغها في الماضي مرات متعددة. قد كان مرة، ومرات عديدة سيكون وسيعود. وكل القوى السابقة متوزعة اليوم توزعها بالأمس أيها الإنسان! إن الحياة كلها كمرملة ترش دائماً وتجمع دائماً. وكل خليقة من هذه الخلائق لا تنفصل عن الأخرى إلا بقدر تلك اللحظة الطويلة الضرورية لها حتى تعود تلك

стр. 11250

الضرورات التي كانت سبب ولادتها، فتعود إلى الظهور. والولادة حالة محلها في (الدور العالمي) وعند ذلك ستجد كل شقاء وكل غبطة، وكل صديق وكل عدو، وكل أمل وكل ضلال، وكل غرسة وكل شعاعة من الشمس، وكل نظام الأشياء، وهذا الدور الذي أنت فيه مثله مثل الحبة سينبثق من جديد في كل دور من أدوار الوجود الإنساني، لكل إنسان - على الأغلب - ساعة تظهر فيها الفكرة القوية القائلة (بالرجعة الدائمة) لسائر الأشياء. وهذه الساعة التي تبلغها الإنسانية هي ساعة (الهاجرة) وما إن بدأ نيتشه هذا المذهب حتى سرى في روحه، وغمر فكره، وغلب على قلبه؛ وقد عزم على أن يغامر بعشرة أعوام من عمره، يدرس التاريخ الطبيعي لكي يستطيع أن يبني مذهبه هذا على قواعد علمية ثابتة، ولكنه لاذ بالصمت وأدرك خيبته في زعمه هذا. ولكن فكرة الرجعة الدائمة ظلت تتجاذب فكره، وظل يدور حولها. وهذه الفكرة كانت إحدى هبات (زرادشت) الكبرى إلى رجاله وقد وضح جلياً تأثير هذه الغمة التي غشيت نيتشه يوم أصبح يؤمن بهذه الرجعة الدائمة. ولن نستطيع أن نتخيل حلاً لمسألة الوجود أظلم وأبهم من هذا الحل، فالوجود لا يعني شيئاً، إنه وليد مقادير عمياء، ينتج من وراء مصادفاته الخالية من الشعور قوى يمتزج بعضها ببعض، فيخلق بعض النماذج على حسب المصادفات. أما الحركة الشاملة للوجود فهي لا تقود جزءاً منه ولا قسما. وإنما هي تدور حول نفسها بدون انقطاع في نفس الدائرة، وهذه الحياة التي نحياها سنكررها إلى ما لا نهاية، دون أن يكون هناك رجاء في التغير. وفي كل لحظة مشحونة بالكآبة والشقاء والسأم سنحياها مرات لا تحصى. فهل في الإمكان أن نتخيل ما يصنع هذا الافتراض في جماعات المنحطين والمرضى والمتشائمين، وفي كل من نرجح كفة شقائهم على كفة فرحهم؟ إن عند أغلب الناس - كما يبدو - فكرة تشبه فكرة العودة الدائمة؛ تظل وإن لم تكن مبنية على مبدأ معين - غير مؤذية ولا ضارة، لأنها تبغي فكرة مجردة خارجة عن الإدراك، لأن مخيلتنا غير قادرة على إخراج هذه الفكرة إلى حيز الحقيقة، ولأن المعارف التي يتلقاها عقلنا لا تعين إلا قليلاً من قوتنا الحاسة. ولكن نيتتشه هو الذي يهب الحياة لتعاليمه، وهو يتفلسف بكل وجوده

стр. 11251

وقد يشاهد أن الرجعة الدائمة أخذت تظهر في بعض اللحظات ككابوس شيطاني يملأ قلبك رعباً ويقف دقات قلبك، وقسوته على المنحطين والأشقياء بدأت الآن ترتدي غير رداء، وقد وضح ما يريد في صيحته هذه (ليموتوا سريعاً. ليقتلوا أنفسهم، أو ليقتلوا، هؤلاء المنحطون. . . .!! من قبل أن يتمكنوا من قياس هاوية الآلام التي غرقوا فيها، وقبل أن يفقهوا معنى القدر الوحشي الذي يقضي عليهم بان يجرجروا صلبانهم بدون أمل في نجاة، وإذ ذاك تفهم إذا كانت الإنسانية في استطاعتها أن تتحمل هذا المذهب دون أن تزل سريعاً في هاوية اليأس والخوف، أو أن تعتبر فكرة العودة الدائمة كابتلاء يهوى به من لا تصلح حيويتهم لابد من قوة نفسية خارقة لاحتمال فكرة العودة الدائمة وهذا هو صاحب هذه القوة النفسية يستطيع أن يقول (إذا لم يكن للحياة معنى بذاتها فأنا أعطيها معنى. إنما أنا قطعة من الطبيعة تريد أن تكون دائماً جديدة، تسعى بدون سأم ولا نصب إلى ما لا نهاية في الحلقة ذاتها. إنني سأرتفع وأصعد حتى يتسنى لي أن أتأمل كفنان روعة الحياة المخصبة التي لا تفهم. وسأهتز طرباً إلى لعبة هذه القوى التي أنتجت وحصلت كثيراً من الآثار اللطيفة الرائعة. والتي ولدت الإنسان وستلد السوبرمان. سأتمنى بكل قلبي وإيماني من القوة العمياء أن تبدع شيئاً لامعاً ساطعاً يسمو على الإنسان. وسأحيا يراودني هذا الأمل، وسأجعل وجودي كله وعاء لهذه الفكرة. أريد أن للدائرة التي تتحرك فيها الحياة تحور إكليلا باهراً زاهراً. سأقضي حياتي فرحاً مرحاً، راجياً أن يؤول دوري الذي أمثله إلى نتيجة حسنة. وإذا خسرتُ - في هذا الدور - فلي رجاء كبير فيمن يليني ويأتي بعدي. وهكذا لا يتلاشى من الوجود ضياء الحياة ولا يكفهر. وهكذا الإنسان المأخوذ بهذه الفكرة التي تزيده نشوة، يصبح في حالة يبصر فيها هزائمه وانكساراته كفدية يسيرة لأفراحه وانتصاراته. يجدها كالنخس الذي يدفعه دائماً إلى التعالي والتسامي، إلى تفوقه على نفسه. وهكذا إذا رجع إلى محاسبة نفسه يرى إن مقدار سروره كان أرجح من مقدار ألمه وإذ ذاك يرضى بكل حمية وشوق فكرة الحياة الخالدة، وفكرة القبول بالحياة التي يكررها إلى الأبد ولهذه النتيجة تسامى أولئك الرجال المسلمون الذين جمعهم زرادشت في مغارته. فحين عرض عليهم تعاليمه الجديدة وفضائله الجديدة، وفتح عيونهم على جمال الحياة وروعة

стр. 11252

الحياة، وحين شفاهم من تشاؤمهم ورفع نفوسهم التي أوشكت أن تنحني تحت أثقال الكآبة والسآمة، جمعهم تحت جنح الظلام أمام المغارة تحت قبة السماء (جلسوا صامتين متهيبين. كلهم في سن الكهولة ولكن قلوبهم تفيض قوة وحياة، وكل منهم راضٍ بنفسه عن نفسه إذ غدا شيئاً صالحاً على الأرض، وكان سكون الليل المفعم بالأسرار يناجي قلوبهم. عند ذلك تمت أعجوبة الأعاجيب. فالإنسان الأكثر قبحاً جلس ينفخ للمرة الأخيرة، وحين دعاه داعي الكلام قال: هذا السؤال الذي خرج من فمه طاهراً نقياً عميقاً، وجميع من كان حوله يصغون إليه أحسوا إن قلوبهم تهتز وتخفق طرباً قال: (هأنا - لأول مرة - غدوت راضياً عن حياتي جميلة الحياة على الأرض. إن يوماً واحداً، إن عيداً واحداً مع زرادشت علماني بأن أحب الأرض سألت الموت: هل - هنالك - الحياة؟ ألا لتأت مرة أخرى أصحابي! ألا تريدون أن تقولوا للموت مثلي: هل هنالك الحياة؟ وفي سبيل محبة زرادشت لتكن مرة أخرى) أفلح إذ ذاك زرادشت. فإن الرجل الأكثر قبحاً، والمسخ الذي قتل بعضه الإله، الذي يتمثل فيه كل قبح وشر وسوء في الإنسانية قد تلقى الآن جمال الحياة، وأدرك أن الألم هو فدية لا مندوحة منها للسعادة، فقال: - بلى للوجود. وبينما كان النبي محاطاً بأتباعه، يتذوق خمرة هذا النصر كان يتهادى ناقوس قديم ذي رنين حاد يعلن ببطء - مجيء نصف الليل - أن نصف الليل هو الساعة الواحدة التي يلتقي فيها النهار الذي انتهى بالنهار الذي سيبتدئ، حيث يصافح الموت الحياة. نصف الليل هو ساعة الصمت الأكبر، حيث النفس المتأملة تتفتح لها التأملات والأسرار الخفية. وبينما كان الناقوس القديم، الرسول الذي يقرع لأفراح الإنسانية وأوجاعها، يعلن بدقاته الأثنتي عشرة عن تلك اللحظة التي يجوز فيها الموت إلى الحياة؛ نرى زرادشت يترك رجاله السامين يلمحون الفكرة الكبرى للرجعة الدائمة غارقة في الألغاز كأنها مزمور رمزي ممطر بالنشوة الدينية ١: ألا احترس أيها الإنسان!

стр. 11253

٢: ماذا يقول منتصف الليل العميق؟ ٣: كنتُ أنام، كنت أنام ٤: هأنا قد تيقظت من حلم عميق ٥: الوجود هو عميق ٦: اعمق مما لم يفكر فيه النهار ٧: وعميق شقاؤه ٨: وفرحه أعمق من ألمه ٩: الشقاء يقول لك: اهلك ١٠: ولكن كل فرح يبتغي الخلود ١١: يبتغي الخلود، الخلود العميق (انتهى البحث في فلسفة نيتشه) (خليل هنداوي)

стр. 11254

القصص مأساة من أسخيلوس ٢ - أجاممنون للأستاذ دريني خشبه (آرجوس!) (وطني العزيز!) (أربابي!. . .) (لكم في عنقي دين أبدي من الشكر، وفي فمي لسان رطب لا يفتر عن ثناء؛ فلولاكم ما نسمت هذا العبق الحلو الذي يتأرج به هواء هذا البلد، ولا ظفرت باليوم الخالدة، دولة بريام، ودرة هذا الزمان! أجل! فلقد بدء الآلهة ما ألم بشرفنا القومي، وحاق بعزتنا الوطنية، فقضت أن تكون طروادة نهباً مقسماً لا يحل إلا للهيلانيين، فلا تزال ألسن النيران تعلن في الخافقين حكمة السماء من أبراجها الشاهقة، وصياصيها السامقة، وقصورها الشماء. . . وغداً تصبح صعيداً جُرُزاً وطللاً بالياً. . . من أجل من؟ من أجل امرأة! أما أنتم يا رعاياي فأشكر لكم إخلاصكم ووفاءكم وتعلقكم بهذا العرش الذي يستمد قوته منكم وما يزال يرتقي بتأييدكم. . . وسننظر فيما تم إذ نحن نازحون عن الديار فنجزى كلاً بما عمل، ولا نقضي عن إساءة المسيء، ولا نتسامح في تألب المتألبين. . . يا آلهة النصر. . . لك الحمد ولك الثناء. . . لا زلت تباركين آرجوس، ولا برحت أياديك تُنَضِّر هذا الوطن) - ١٦ - وما يكاد الملك ينتهي من كلمته حتى تدخل الملكة. . . الملكة كليتمنسترا. . . أو الحية الرقطاء!. . . التي لا تفتأ تتحدث إلى الملأ من حبها للملك، وعن الآلام المبرحة التي عصفت بقلبها أثناء غيابه، والوحشة التي ظلت تخيم على!! (بلببوديه) العتيق الشاهق طيلة هذه السنين العشر. . . وتتحدث عن الإشاعات المحزنة التي تناقلتها الألسن عن الملك المفدى في ميدان إليوم. . . ثم. . ترى ألا بد من كلمة عن هذا الأمير الصغير المنفي. . .

стр. 11255

أورست. . . الذي هو (ثمرة حبنا وواسطة عقدنا، والنور الإلهي الذي يغمر قلبينا ويؤلف بين روحينا. . . إنه ينشأ ويشب ويترعرع في كف صديقنا وحليفنا، وحافظ ودنا، الأمير ستروفيوس، صاحب فوسيز، الذي تفضل فحماني في غيبتك، وذاد عن قصرك المنيف تكالب الأرجيف. . . ولقد كنت أتقلب على إبر الشوك حنيناً إليك، وشوقاً إلى لقائك. . . وكنت أبداً حزينة كاسفة لأن النيران لم تشتمل مؤذنة بأوبتك. . ولكن. . . ها أنت تعود فنعيد الآمال إلى القلوب الواجفة، والإيمان إلى النفوس التي نكأها اليأس، والرجاء إلى كل من عزه الرجاء. . . .) ثم تختل الملك وتخدعه، عسى أن تنطلي عليه تدبيراتها السود فيلج معها في القصر، وتنفذ فيه الغيلة الرائعة الرهيبة التي رسمتها له، والتي آلت إلا أن تكون بيدها. . . وبسلاح عاشقها الآثم إبجستوس. . (. . . والآن هلم يا ملكي. . . يا رجاء آرجوس وفخر هيلاس كلها. . . هلم فترجل من تلك العربة الفخمة الفاخرة ذات الأوشية، وطأ أرض القصر العتيد بقدميك الراسختين كما وطأت بها عز طروادة ومنعتها.) وتكون الملكة قد أعدت بساطاً كبيراً من الخز الأحمر الأرجواني ليمشي عليه الملك، فتأمر قيانها وجواريها أن يبسطنه على المرمر الناصع. . . (ليخطر عليه ملكي، وليتم بهاء اليوم. . . . وأبهة النصر. . . بما عاد رب البلاد ظافراً!) - ١٧ - وتصدع الجواري فيبسطنه ولكن أجاممنون، الذي كان الوسواس يملأ قلبه، والشك يذوب في كل قطرة من دمه، وسرطان الهم ينهش نفسه الحائرة. . . ظل في عربته متردداً. . . ذلك إن كاسندرا، تلك النبية الجالسة بجانبه، ابنة بريام التي جلبها معه لتكون خليلة له في الـ - (بلببوديه) - كانت قد تحدثت إلى الملك، فكشفت له أستار الغيب، وتنبأت عما ينتظره من دم. . . وغدر. . . وما ينتظرها هي أيضاً من مثل هذا المصير الأحمر. . . والقدر المخبوء. . . وكانت أصداء النبوءة التي ملأت بها كاسندرا روع الملك، ما تزال تتجاوب أصداؤها في

стр. 11256

قلبه، وتهتف به بألف لسان أن. . . يحترس! فقال للملكة: (إيه يا ابنة ليداء، وحارسة عرشي وحامية صولجاني! لقد استطالت تهنئاتك بقدر ما استطال نأيي وشط نزوحي عن آرجوس! بيد أنني كنت أؤثر الثناء الموشى من غيرك، وكنت أؤثر ألا أرى فيك تلك الغادة اللعوب من غادات الشرق السحري. . . تتحوى وتتلوى. . وتلقي رجلها بكل مصنوع ومجلوب! ثم ما هذا البساط الأحمر الحريري؟ هل أصبح أجاممنون إلهاً؟ إن البسط الحمراء لا يخطر عليها غير الآلهة. . . فهي حق مقدس لهم. . أما بنو الموتى، فليس أجلب للذعر، وأدنى للرهبة، من أن يتطاولوا على حقوق الأولمب، ويؤثروا أنفسهم بما ينبغي أن يبقى للسماء!. . . . والمجد. . . . بعد كل ذلك. . . لا يعوزه أن يسير على مهاد من المخمل، أو أن يهز أعطافه في حلل الدمقس. . . إيه! الخلود والمجد لمن تنتهي حياته الحافلة في أمان وسلام!) - (ماذا أيها الملك؟ هلم فحدثني. . . واجل في خافيتك؛ ماذا تريد أن تقول؟) - (سأجلو لك كل شيء حتى لا يكون خفاء بيننا:) - (قد تكون نذرت هذا في ملمة نزلت بك!) - (بديهة حاضرة يا ابنة ليدا؟) - (وما كان من أمر بريام؟ وبم أستحق هذه النهاية إذن؟) - (أغلب ظني أنه فرش طريقه بالخز والديباج. . .؟ فحنقت عليه الآلهة؟) - (أنت تأبه كثيراً لما عسى أن يتقول الغوغاء!) - (وأي شيء هو أعنف من تقولات الغوغاء؟) - (من لا حسود له، لا معجب به!) - (آفة المرأة أنها أبداً تثير الشغب والاضطراب!) - (حاشاي! بيد أنه من العظمة للمرأة أن تخضع فاتحاً عظيماً (كفاتح طروادة!)) - (أفنحن إذن في معركة حتى يشتد حرصك على الغلبة فيها؟) - (هلم. . ترجل. . دعني أنتصر على قاهر طروادة!) - (إذا كان لابد من هذا، فمري أحداً بنزع حذائي، فقد يطلع أحد الآلهة من ذروة الأولمب فيرى إلى أطأ الخز الأحمر الأرجواني بهما، فينقم علي ويثور بي. . . كم أضطرب حين

стр. 11257

أخطو خطوة واحدة على هذا الديباج؟. . .) (تتقدم جارية من جواري الملكة فتنزع حذاءه) - (إيه. . . قُضي الأمر. . . ولكني أرجوك أن تتقبلي هذه الغريبة النازحة في حنان وفي حب. . . فما تزال السموات يتبسمن كلما اطلعن فشهدتنا نتلطف في استعمال جبروتنا!. . . لقد منحني الجيش إياها من سبي اليوم. . (يترجّل وتظل كاسندرا بمكانها من العربة). . . فأما وقد ظفرت بطلبتك، فإني أمشي على هذا الأرجوان إلى قاعة العرش) وتتملقه الملكة بكلمات فيدخل إلى قاعة العرش، وتضرع كليتمنسترا إلى سيد الأولمب أن يحرس ما دبرت، وأن يتولى الغيلة التي أعدت للملك ببركاته!! - ١٨ - ويترنم الخورس بأنشودة شفافة، ينعكس في صفائها غدر المرأة وشدة مكرها. . . ثم تتحضر الملكة فتشير إلى كاسندرا قائلة: (. . . هلمي فادخلي أنت أيضاً يا كاسندرا. . . أدخلي. . . ما دامت السموات قد ساقتك إلى هنا لنتقاسم أمواه هذا المطهر القرباني. . . هلمي. . . انزلي من هذه العربة المطهمة التي يبدو أنها نفخت أوداجك بريح الكبرياء!. . . . انزلي ولا يؤلمك ما أنت فيه من أسر وذلة ونفي. . . فما أنت بخير من ابن ألكمين العظيم الذي قضى ردحاً طويلاً في ربقة الأسار. . . عند ملك جبار. . . هنا. . . . في نفس هذا القصر! إنه لشرف أي شرف أن تخدمي في الـ (بيلوبيديه)، ما دمت قد استسلمت لنزوة أحلامك حتى فقت بها حدودك يا فتاة! انزلي. . . فآن لك أن تشمخي بأنفك، وتتيهي على أندادك، لأنك ستكونين جارية من جواري ملكة آرجوس!) رئيس المنشدين: (لقد قالت وقد سمعتِ! وكلامهما بين. . . أوه! مالك مكدودة هكذا؟. . . قد تفكرين في الطاعة. . . ولكن. . قد يتجلى اشمئزازك بعد حين!) كليتتمنسترا - (رضخت أو لم ترضخ. . . لابد من أن تصغي لي!) رئيس الخورس - (أطيعي يا فتاة. . . قد يكون هذا لصالحك. . . انزلي!) كليتتمنسترا - (إن النيران المتأججة تنتظر بفارغ الصبر أن تلتهم فرائس المذبحة، وقد نضب معين الرحمة، وغاض ماء الحنان، وليس هناك وقت نضحي به من أجل بكمك أيها الفتاة، فإذا لم تستطيعي التكلم بلساننا فلتؤد يدك ما تريدين أن تجيبي به. . . تكلمي!)

стр. 11258

ولكن كاسندرا ما تزداد إلا صمتاً، وما تزداد إلا سكوناً، فيقول رئيس الخورس: - (يبدو إنها في حاجة إلى ترجمان. . . . . .) وتتميز الملكة من الغيظ، فتحدج الفتاة بعينين تقدحان الشرر. . . وتنطلق داخل القصر. . . . - ١٩ - ويرثي الخورس للفتاة المنكودة، ويروعه هذا الأسى الذي يتشح به وجهها، وتلك الكآبة التي تجلل جبينها، فيعطف عليها، ويدعوها لتنزل من العربة. . . فأسمع إذن إلى هذا الحديث الشجي: - (انزلي. . . أصيخي للقضاء، وسلمي للقدر. . . انزلي!) - (آى. . . آى. . . أوه. . . أبوللو. . . أبوللو!) - (فيم ههتافك الباكي بأبوللو. . . .؟) - (آى. . . أبوللو. . . أبوللو. . . أبوللو. . . آى، آى، أوه أبوللو. . .؟) - (ما تنفكين تهتفين بالإله الذي أصم أذنيه عنك؟) - (آه يا أبوللو يا إلهي! أيها الباني العظيم والمخرب العظيم! بنيت طروادة. . . وحطمتني! وها هي يدك تمتد في غير رفق مرة أخرى فتعبث بي!) - (اسمعوا يا رفاق! إنها تتنبأ عما يخبئ لها القضاء. . . كأن فيها جذوة من السماء!) - (أبوللو. . . أبوللو. . . يا باني طروادة. . . يا هادم بنياني. . ماذا هنا؟ أي سماء؟ فيم جئت بي هنا؟) - (هذا قصر ألا تريديه إن لم تكوني تعرفينه بعد! - (آه!. . . حاشا! بل هو كهف رهيب رائع! ممقوت من السماء! ملطخ بدماء الإثم، مضرج بأرواح الشهداء تجثم الجريمة في كل ركن من أرجائه!) - (يا للآلهة! إنها تشم رائحة الدماء. . . وكأنها قريبة منها بل هي بين ناظريها لا شك!) - (أجل!. . . أجل. . هناك. هناك. هناك. وهاكم برهان قاطع. . . تشمموا معي. . ولكن. . . لا. . . إني أرى. . . إني أنظر. . . الأطفال الأطهار الذين ذبحوا. . . هاهم يتصايحون بقاتلهم وهاهي لحومهم. . . الشواء!. . . مسكين أبوهم لقد أكل. . .! لقد قرت

стр. 11259

لحومهم في بطنه!) - (أيتها الفتاة! لقد طبقت شهرتك الآفاق كنبية تكشف الغيب ما كان منه وما يكون! ولكنك هنا. . . ولا حاجة لهذا المكان الرهيب بأنبياء! - (آه!. . . وما ذاك أيضاً! ويلي! جريمة جديدة وحزن جديد، ثمرة مرة من ثمرات الطغيان! إنها تدبر الآن. . . تحت سقفك أيها القصر الهائل! طاعون! طاعون مهلك لا سبيل إلى الفرار منه! من عمل البغضاء العمياء للمحبة المبصرة! الغوث! ويلاه لا غوث!) - (لا أكاد أستبين هذه النبوءة! لقد كانت الأولى جلية واضحة! وكل مدينتنا ما تزال تتحدث حديث الوليمة المجرمة!) - (يا شقية! زوجك يا شقية! كيف تجسرين؟ ها هي! إنها تمد يدها الأثيمة! إن الضربة الهائلة تتلو الضربة الهائلة!. . .) - (ولم أفهم بعد! إن نبيتنا تلغز. . . إن نبوءاتها طِلِّسمات) - (يا للشبح! ويلاه! ما عساه أن يكون؟ شراك من الموت. . . . ومن الجحيم! بل هو شرك الغرفة السوداء. . . غرفة الشريك المجرم! هلمي يا غربان الويل. . . يا أبابيل الأثيم! هوى فوق هذا القصر. . . أو إن اسطعت فارجميها. . . . أرجميها. . . . .!) - (أية أبابيل تستنزلين رجومها على القصر؟ إن دعاءك يذهلني! عن قطرات الموت المسمومة تتسرب إلى شغاف قلبي؛ حينما تتسرب لمع الحياة من جراح القتلى. . . . .! أوه. . . . ما أسرع الحزن انحداراً في القلوب؟. .) - (ماذا أرى؟ آه. . . أسرعوا. . . أسرعوا فاحجزوا البقرة واحموا العجل! انظروا! انظروا؟ إنها تأخذ بتلابيبه. . . وتخوض في لبته بسلاحها. . . آه. . . . لقد سقط المسكين يتشحط في دمه الغزير. . .!) - (لقد كنت أفخر بما أقدر عليه من كشف للغيب، أحدس الآن أن هذا الهذيان لا يدل على خير!! يا للآلهة؟ أبداً لم يكن الترجيم جلياً بيّناً! وأبداً لم يضف الأنبياء إثارة حبور على هذا الكون! إن الأشجان بضاعتهم دائماً، وإن للغو من القول آلتهم إلى أذهان الناس، وهم لا يضربون إلا على أوتار الذعر ليصلوا إلى غور قلوبنا!) - (ويلي! يا لحظي العاثر! لقد أترعت الكأس بما رويت من قصتي السادرة! لم جئت بي

стр. 11260

إلى هذا القصر معك أيها التعِس؟ ألأموت معك! وماذا أيضاً؟ لأموت؟ لأموت؟) - (ما تزدادين إلا هذياناً وهذراً!؟ وما بك إلا مس؟ وأنا لا ندري: هل حملك إله إلى هذا القصر للتغني حظك العاثر، كما تفننت أختك البلبلة الحزينة من قبل. . .) - (يا ويح لي! ومن لي بنصيب مثل نصيبها! الحورية الجميلة التي منحتها الآلهة ريشاً وأجنحة؟ لقد سلمت وودعت وفازت بحياة طيبة. . . أما أنا. . . فقريباً أشق بنصل حاد فأكون شطرين!. . .) - (يا عجباً! أنى لك هذا؟. . . من بذر فيك هذه البذرة السوداء؟ أنى لك تلك الأغنية الكئيبة، وهذا اللحن الحزين؟ من أين تتنزل عليك موسيقاك الباكية؟ من أوحى إليك بهذا الوسواس الخبيث؟. . .) (البقية في العدد القادم) دريني خشبة

стр. 11261

القفاز بقلم حسين شوقي (س) عنده الصفات التي تكفل عادة للمرء النجاح في ميدان الحياة: الذكاء والشباب وحسن المنظر. . ولكنه خجول لسوء الحظ إلى حد بعيد، وقد أفسد عليه خجله أموراً كثيرة وعاق مستقبله، إذ أن س لا يعمل غير عمل متواضع، في محل تجاري متواضع. . ماذا يفعل (س) في خجله؟ ماذا؟ لماذا عالج هؤلاء الإغريق الحكماء الفهاهة بوضع قطع من الحجر في الفم ولم يفكروا في معالجة الخجل؟. . وإذا كان خجل (س) عاق مستقبله المادي، فإنه كان اشد عليه ضرراً في ميدان العاطفة. . إذ انه برغم كونه في ريعان الصبا لم يعرف الحب بعد. . أو على الأصح لم يتصل بفتاة ما. . مع انه تواقاً بشدة إلى الحب. . كم خفق قلبه في (السينما) عندما يتلاقى المحبان على الشاشة بعد فراق طويل!. وكان إذا عاد إلى منزله بعد مشاهدة مثل هذه المناظر الغرامية، يرتمي إلى المخدة ليدفن فيها حزنه وألمه، ويأخذ في البكاء الشديد. . لم يجد (س) في حياته الجرأة لمغازلة الفتيات، حقيقة إن بعضهن غازلنه، ولكن س لم يكترث لهن، لأنهن كن يتفاوتن في الدمامة، و (س) لا ينظر إلا إلى الجمال، لان الحب في نظره أمر سماوي مقدس. . وكثيراً ما كان يذهب إلى المتنزه العمومي، حيث كان يأمل التعرف بسهولة إلى حبيبة القلب المرتقبة. . فهناك ربما تنسى فتاة منديلها، (أو حقيبة يدها) على أحد المقاعد، فيلتقطه ويقدمه لها، فتتم بهذه السهولة المعرفة بينهما. . يا للعجب! هاهي أمنية (س) تتحقق، لان المقادير التي تضن علينا بكسب سباق (الدربي)، لاتضنّ علينا بتحقيق أمانينا المتواضعة. . إليك كيف تحققت أمنية (س): شاهد (س) ذات يوم سيدة رائعة الجمال (كما تخيلها في أحلامه) تجلس في المتنزه على أحد المقاعد وهي تقرأ كتاباً في يدها باهتمام شديد، فجلس (س) حيالها على مقعد يترقّب فرصة التعرف إليها. . ثم لم يمض زمن طويل على هذا، حتى نهضت السيدة من مكانها ونسيت حقيبة يدها على المقعد (كما تمنى س) فنهض من فوره ليلتقط الحقيبة ويقدمها إليها، ولكن قدوم شرطي في هذه الأثناء أفسد عليه الأمر إذ خشي س إن يحسبه الشرطي

стр. 11262

لصاً. . وكان من حظ الشرطي تقديم الحقيبة لها، وقد شكرته السيدة بابتسامة ساحرة وانصرفت. . مسكين (س)، كم كان مغتماً لخروجه من المتنزه في ذلك اليوم!. . ولكنه لم ييأس، فعاد في اليوم التالي إلى الحديقة في المكان نفسه، عساه يجدها هناك مرة أخرى، فإذا بالسيدة الحسناء جالسة على المقعد نفسه تقرأ!. . وكان من حسن حظه إن السيدة نسيت في هذه المرة أيضاً حقيبتها على المقعد، لدى انصرافها، فالتقطها وهرع فقدمها إليها، قائلا في تردد شديد: - إنها المرة الثانية التي تنسين فيها حقيبتك يا سيدتي! - هذا حقيقي! ولكن كيف عرفت ذلك؟ - كنت هنا بالأمس عندما فقدتها، لقد هممتُ وقتئذ بالتقاطها وإعادتها إليك، ولكن قدوم الشرطي أفسد عليّ الأمر فقد خشيت أن يظنني سارقاً. . فضحكت السيدة عندئذ ضحكة عالية لسذاجة الشاب وبساطته. . ثم أذنت له في مرافقتها في السير، كما تولت إدارة الحديث بعدما رأته على هذه الحال من الخجل: - إني لا بد أن أنسى شيئاً عندما أقرأ كتاباً. . - إن ما تقرئينه لا بد أن يكون ممتعاً جداً حتى ينسيك حقيبتك يومين متواليين. . - هي رواية بوليسية. . إني شديدة التعلق بالروايات البوليسية لأن حبك الدسائس يتطلب ذكاء نادراً. . كم أسف (س) عندئذ لعدم قراءته قصصاً بوليسية، ولقد بدا عليه الآسف واضحاً. . قالت - ربما كان المشي يتعبك؟ - أبداً! يا لسذاجتها! إن (س) ليصعد معها جبال الهملايا عن طيب خاطر! - إني مضطرة إلى المشي كل يوم. . لمعالجة الأملاح. . . تذكر (س) عندئذ اسم دواء للأملاح كان أوصى به طبيب لأخته فصاح قائلا: - هناك دواء نافع للأملاح أسمه. . . . ولكنها قاطعته في سحرية:

стр. 11263

- دواء؟ صدقني ليس هناك ما هو خير من المشي. . . وبعد أن تنزها نصف ساعة وصلا إلى باب الخروج فاستأذنت وانصرفت بعد أن وعدته بالحضور إلى الحديقة في اليوم التالي للتريض. . . كم كان سعيداً في ذلك اليوم! هاهي ذي أحلامه تتحقق! إن جمال هذه السيدة هو أسمى ما يطمح إليه! أما هي، فقد شعرت من فورها (باستلطاف) نحو هذا الشاب الساذج الخجول، لأنها لم تشاهد حولها في وسطها الراقي (إذ كانت من طبقة الأشراف) غير رجال أشبه بالطيور الجارحة. . وفي اليوم التالي بكر في الذهاب إلى الحديقة، حيث التقى بسيدة أحلامه، وقد تروضا هذه المرة ساعة بدل من نصف ساعة. . . ثم تقابلا في الأيام التالية. . . وكانت هذه السيدة الحسناء تلبس دائماً قفازاً أسود طويلاً، ودّ (س). لو نزعته حتى يستطيع أن يطبع قبلة على يديها المحبوبتين. . . وكان كلما طلب منها ذلك رفضت في لطف. . وقد ألح يوما عليها فقالت: - سوف تندم يا عزيزي لو نزعت قفازي. . . - هل تعنين إن يدك غير جميلة؟ - أجل إن يدي اليمنى بها ست أصابع. . . - إذن الثم اليد اليسرى - اليد اليسرى ينقصها إصبع. . . - فليكن ذلك - أقول لك إنك سوف تندم ولكنه ألح إلحاحاً شديداً اضطرت السيدة إزاءه أن تخلع القفاز، ولكنه بدلاً من أن يلثم يدها التي نزعت عنها القفاز، صرخ صرخة مؤلمة ثم سقط مغشياً عليه إذ لمح في يدها خاتم الخطوبة. . . حسين شوقي

стр. 11264

البريد الأدبي كتاب لزعيم الاشتراكية الفرنسية منذ بضعة اشهر توفي الفريد دريفوس الضابط اليهودي الفرنسي وبطل القضية الشهيرة التي هزت فرنسا منذ ثلاثين عاماً وكادت تدفعها إلى غمر الحرب الأهلية؛ وقد صدرت عن هذه المأساة القضائية الشهيرة أثناء وقوعها وبعد عشرات من الكتب بمختلف اللغات، وصدرت بمناسبة وفاة بطلها عدة كتب ورسائل جديدة؛ ومن ذلك كتاب صدر أخيراً بقلم الزعيم الاشتراكي الفرنسي ليون بلوم وعنوانه (ذكريات عن القضية) ' أعني قضية دريفوس؛ ومسيو بلوم رئيس الحزب الاشتراكي الفرنسي، وله ولحزبه مكانة قوية في الحياة السياسية والبرلمانية الفرنسية؛ وقد كان لموقفه أثر فعال في التطورات السياسية الأخيرة وفي سقوط وزارة مسيو لافال، ومسيو بلوم فضلاً عن كونه سياسياً وخطيباً كبيراً؛ كاتب كبير أيضاً، وهو يتولى تحرير المقالات السياسية في جريدة (بوبولير) الاشتراكية، وله فيها جولات رنانة، وقد كان مسيو بلوم وقت وقوع مأساة دريفوس فتى في عنفوانه ولكنه كان قد شق طريقه السياسي، وخاض غمار الحوادث السياسية والحزبية التي أثارتها القضية الشهيرة؛ ونحن نعرف الآثار السياسية والاجتماعية والعقلية العميقة التي أحدثها النضال ببين أنصار دريفوس وبين خصومه، وكيف انشطرت الحياة العقلية الفرنسية يومئذ إلى شطرين: أحدهما يتجه إلى تأييد ما يسميه (الحقيقة والعدالة) بتأييد دريفوس، والآخر يتجه إلى تأييد النزعات القومية والعسكرية المغرقة التي أثارت هذه المأساة الشهيرة، ويصور مسيو بلوم في كتابه هذه الحوادث والتطورات تصويراً قوياً، ويشرح لنا البواعث النفسية والعقلية التي كانت تدفع أنصار دريفوس إلى العمل لنصرته وتبرئته، فهؤلاء كما يقول مسيو بلوم كانت تربطهم عواطف قوية هي الثقة في (قوة الحقيقة)، وتدفعهم حماسة مضطرمة إلى ما فوق أنفسهم، ويرى مسيو بلوم شبهاً قوياً بين حادث انهيار شركة بناما ومأساة دريفوس وهي أعظم حوادث هذا العصر، وبين نكبة استافسكي الأخيرة وما تلاها من الحوادث الدموية في فبراير سنة ١٩٣٤؛ فقد كان من ورائها العسكريون والوطنيون دائماً يثأرون لهزيمتهم في انتخابات سنة ١٩٣٢؛ وقد كانت دسائس العسكريين والوطنيين مثار قضية دريفوس، والخلاصة أن مسيو بلوم يقدم إلينا في أثواب اشتراكية واضحة، فإنه

стр. 11265

مع ذلك يسبغ عليها بقلمه وبيانه كثيراً من الأناقة والطرافة. وكتابه جدير باهتمام أولئك الذين تذكي خيالهم وتشجيعهم حوادث المأساة الشهيرة. وفاة مؤرخ وصحفي كبير نعت إلينا الأنباء الأخيرة مؤرخاً وصحفياً فرنسياً كبيراً هو فرنسوا جاك بانفيل؛ توفي في نحو الخمسين من عمره، وفي ذروة حياته الأدبية وكان بانفيل كاتباً وصحفياً كبيراً، يحرر القسم السياسي في جريدة (لاكسيون فرانسيز) لسان الحركة الملوكية بفرنسا وكانت مقالاته وبحوثه يطبعها دائماً نفس الطابع الذي عرفت به هذه الجريدة المجاهدة والذي يسبغه عليها كتاب عظام ملكيون مثل شارل موراس وبانفيل. بيد أن بانفيل كان يحرر في صحف أخرى مثل (بتى بريزيان) و (لاليبرتيه) ليس لها مثل هذا الطابع. ومع إن بانفيل كان صحفياً بارزاً يدفعه الغمار الصحفي دائماً إلى المعترك، فإنه لم ينس نزعته الحقيقية، وهي نزعة المؤرخ الذي ينظر إلى الحوادث بروح علمي مستقل؛ وقد ترك لنا عدة كتب تاريخية تشهد ببراعته النقدية وحسن تقديره للحوادث والأشخاص منها تاريخ لفرنسا، وتاريخ للجمهورية الثالثة، ومنها تاريخ لألمانيا المعاصرة حتى قيام هتلر، وتاريخ للطغاة المعاصرين مثل ستالين وموسوليني وغيرها؛ وتمتاز كتبه وبحوثه بقوة التصوير، وسلامة العرض، والبحث العميق. علم المثلثات والعرب تعليق على مقال في مجلة نايتشر في الشهر الماضي ظهر في مجلة نايتشر الإنكليزية مقال من قلم أدجر سمث تناول فيه البحث عن نوابغ العلماء والأدباء الذين ولدوا في الأعوام ١٥٣٦، ١٦٣٦، ١٧٣٧، ١٨٣٦ بمناسبة حلول العام الميلادي الجديد ١٩٣٦، وقد جاء في هذا المقال أن ريجيو مونتانوس كان من أعظم رياضي زمانه، ومن رجالات العلم البارزين في عصره، وإنه كان أيضاً موضع إعجاب وتقدير من ذوي السلطات الزمنية والروحية، وإليه يرجع الفضل في نقل بعض علوم اليونان والمسلمين إلى الغرب، وفي تعريف الأوربيين إليها - كل هذا صحيح لا سبيل إلى نكرانه ولا يختلف فيه باحثان. . . ولكن هناك شيئاً واحداً أحببت التعليق عليه

стр. 11266

وهو القول: (بأن ريجيو مونتانوس ألف في الرياضيات وأن كتاب المثلثات هو أول ثمرة من ثمار ريجيو مونتانوس، ومجهوداته في المثلثات على نوعيها المستوية الكروية، كما أنه أول كتاب بحث فيها بصورة منظمة علمية. . .) اختلف العلماء في محتويات كتاب الذي وضعه ريجيو مونتانوس، وفي نسبتها إليه، فبعضهم يدعى أن كل محتويات الكتاب هي من وضع ريجيو مونتانوس وأنه لم يستعن في ذلك بأحد، وبعضهم يقول بخلاف ذلك، وبقي هذا الاختلاف زمنا طويلاً إلى أن ثبت حديثاً أن ريجيو مونتانوس أعتمد في بحوثه في هذا الكتاب على مؤلفات العرب والمسلمين. ولا عجب في هذا فإليهم يرجع الفضل الأكبر في وضع كثير من نظريات علم المثلثات وموضوعاته، وإليهم لا إلى غيرهم يرجع الفضل أيضاً في تقدمه ورقيه، ولولاهم لما وصل الغربيون فيه إلى ما وصلوا إليه وينقسم كتاب ريجيو مونتانوس إلى خمسة فصول كبيرة منها ما يبحث في المثلثات المستوية، ومنها ما يبحث في المثلثات الكروية، وقد ثبت لدى الباحثين أن الأصول التي اتبعها ريجيو في الفصل الخامس هي بعينها الأصول التي اتبعها العرب في الموضوع نفسه في القرن الرابع للهجرة - هذا ما توصل إليه العالم المحقق التركي صالح زكي بعد دراسة مؤلفات ريجيو مونتانوس وأبي الوفاء اليوزجاني، ومما يزيد المرء اعتقاداً بهذا كله اعتراف كاجوري بأن هناك أموراً كثيرة وبحوثاً عديدة في علم المثلثات كانت منسوبة إلى ريجيو مونتانوس ثم ثبت حديثاً أنها من وضع المسلمين والعرب، ويوجد غير كاجوري أمثال سمث وسارطون وسيديو وغيرهم من اعترف بأن بعضاً من النظريات والبحوث نسبت في أول الأمر إلى ريجيو مونتانوس وغيره ثم ظهر بعد الاستقصاء خلاف ذلك. نابلس قدري حافظ طوقان كتاب جديد لبول موران بول موران من أعظم كتاب فرنسا المعاصرين، وهو بلا ريب أحدثهم نزعة، وأوفرهم طرافة؛ وربما كان ذلك يرجع إلى تكوينه وظروف حياته؛ فقد درس في باريس،

стр. 11267

وأكسفورد، وأدنبورج، ودرس الأدب والقانون، وهيأت له حياته كموظف في السلك السياسي فرصة واسعة للسياحة والدرس؛ واتخذت أشعاره وقصصه الأولى أحدث طابع؛ وظهرت كتبه الأولى ومنها مجموعة القصص المسماة (مفتوح بالليل) و (مغلق بالليل) فكانت تحفا بديعة جديدة في الأدب الفرنسي؛ وأشد ما تبدو قوة بول موران وطرافته في تصوير حياة المدينة، وقد اشتهر بكتابيه عن لندن ونيويورك حيث يصور فيهما الحياة الظاهرة والخفية في تينك العاصمتين الكبيرتين أقوى تصوير وأبدعه؛ وبول موران سائح لا تخمد له رغبة أو هوى، يضرب في أنحاء العواصم الكبرى وينفذ إلى أعماقها وخفاياها، وقد أصدر أخيراً كتاباً عن عاصمة جديدة هي (بوخارست) وذلك بعد أن أقام في رومانيا ردحاً من الزمن؛ وعنوان الكتاب الجديد لا يثير لأول وهلة اهتماماً كبيراً لأن بوخارست ليست من العواصم الكبرى ذات الشهرة الرنانة، ولكن بول موران يسبغ عليها بكتابه سحراً وروعة؛ وهو يرى أن يثير بهذه المناسبة ذكرى بيزنطية وذكرى روسيا القيصرية؛ بيد أنه يتناول المدينة الحديثة وحياتها. ويرى فيها مفترق المدنية الأوربية، وبدء انسيابها إلى الحياة الآسيوية؛ ويصف المجتمع الروماني وخلاله، وميله إلى الطرب والاستهتار، وما يمتاز به من الدعابة والنكتة؛ ثم يصف مجتمع الريف في صور ساحرة، ويرى في خلاله وعاداته طرافة ليست لمجتمع المدينة؛ ويخصص موران فصولاً ونبذاً عديدة لحياة (النور) الذين يكثرون في رومانيا وخلالهم وفنونهم، ويقدم إلينا عن مختلف طبقات الشعب الروماني كثيراً من المعلومات والحقائق المفيدة الطريفة معاً وبول موران لا يجاوز اليوم الثامنة والأربعين من عمره، ومع ذلك فهو يتبوأ منذ أعوام طويلة المقام الأول في ثبت الكتاب المحدثين ذكرى مخترع القاطرة احتفل أخيراً في إنكلترا بالذكرى المئوية الثانية لمولد جيمس وات مخترع القاطرة البخارية، واتخذ الاحتفال صيغة رسمية، فأقيمت صلاة على روحه في (وستمنسترابي)، ورفع الستار عن لوحة تذكارية أقيمت في بلدته (جرنيوك) من أعمال اسكتلندة، ونثرت زهور كثيرة على أثره التذكاري ببلدة برمنجهام أعظم مصنع لصناعة القاطرات في إنكلترا؛ وأقيم في لندن معرض علمي عرضت فيه نماذج من الآلات والقاطرات البخارية

стр. 11268

منذ اختراعها إلى اليوم؛ وقد خصص المعهد الميكانيكي الإنكليزي بهذه المناسبة جائزة تعطى لمن يقوم بأفضل اختراع في ميدان الهندسة الميكانيكية، سواء في إنكلترا أو في غيرها من البلاد وقصة وات شهيرة في تاريخ الاختراع، فقد ولد في سنة ١٧٣٦ وكان طفلاً سقيماً فلم يتلق تربيته قبل الثالثة عشرة؛ ودرس الهندسة العملية، واشترك في أعمال وتجارب هندسية خطيرة؛ وفي سنة ١٧٦٤ توصل إلى الوقوف على سر البخار كقوة محركة، وذلك أثناء إصلاحه آلة بخارية وضع تصميمها جون نيوكمن؛ وفي العام التالي استطاع أن يصنع جهازاً لحفظ قوة البخار، ثم وضع تصميماً لآلة بخارية جديدة صنعت في معامل سوهو بالقرب من برمنجهام، وكان هذا مولد القاطرة الحديثة.

стр. 11269

الكتب الفن الإسلامي في مصر للدكتور زكي محمد حسن المساعد العلمي بدار الآثار العربية هذا الكتاب الثمين ليس سوى الجزء الأول من ثلاثة أجزاء وعد المؤلف بإصدارها. إذ رأى أن لتاريخ الفن الإسلامي في مصر حلقات ثلاثا: تبدأ الأولى بالفتح العربي وتنتهي بسقوط الدولة الطولونية، وتشمل الثانية عصر الفاطميين، وتحتوي الثالثة على عصر المماليك. وخص هذا الجزء بالحلقة الأولى وكشف في مستهله عن سر النزعات في هذا الفن بإيراده مقدمة تاريخية سياسية تفصح للقارئ عن أثر كل تطور خاص بسياسة الدولة المصرية في الفن الإسلامي وطبيعي أن يعني المؤلف الفاضل بناحية البحث في تاريخ فن العمارة وزخرفة البناء الإسلامية عناية خاصة. وليس ذلك لمجرد مطابقة هذه الناحية من الفن لطابع العرب الديني، بل ولأنه أيضاً استرعى أنظارهم وهم البدو ومساكنهم الشعر، ولاءم مزاجهم الرياضي الفني، واتفق وغرضهم من التعمير - على حد ما نعتقد ولم يستكمل الفن الإسلامي في مصر وضوحه إلا في عصر الطولونيين. وكان فناً مستقلاً عن الفن الذي ازدهر في سامرّا مدينة المعتصم واستعرض المؤلف تاريخ تلك المدينة منذ نشأتها، ثم واصل عرض آراء العلماء في شان فنها، وأخذ يوازن بين الخطأ في تلك الآراء والصحيح منها ومن أهم النظريات التي أثبتها اعتبار زخارف سامرّا غير متأثرة بأساليب الفن السيتي إلى حد كبير، كذلك اعتبار أن الجند الترك لم يكن لهم من الناحية الفنية شيء يذكر في عهد الخلفاء العباسيين، وان الفرس بماضيهم الفني المجيد أكثر استعداداً من الترك للتأثير في الفنون الإسلامية، ولو أن ذلك الرأي قال به غيره، إلا أنه عززه بأدلة مما عثر عليه من صور في سامرّا، ولم يفت المؤلف ذكر توافد مهرة الصناع العراقيين والفارسيين والإغريق وغيرهم على سامرّا، فأصبح الفن هناك خليطاً وتكلم المؤلف في الفصل الثاني من الكتاب عن العمارة الدينية، ولا شك أن العمارة بلغ بها المسلمون شأواً بعيداً، إذ هي عندهم أجلّ الفنون، فابتدعوا فيها وأبدعوا؛ ويعد جامع احمد

стр. 11270

بن طولون أهم الآثار العربية في مصر وأقدم شاهد على المدنية الإسلامية فيها. ودحض المؤلف فكرة أن هذا الجامع كان من مساجد المعسكرات. وهي فكرة رائجة بين عدد من علماء الفرنجة ثم جاء في الفصل الثالث على ذكر العمارة الحربية والمدنية التي لم يبق منها لعهد الأسرة الطولونية سوى قاطر بن طولون. إلا أن مؤرخي العرب ومؤلفي الخطط أفاضوا في وصف مدينة القطائع والبيمارستان وكذا القناطر. وذكر المؤلف بعض تفاصيل شائقة عن تأسيس مدينة القطائع وعن قصر ابن طولون بها الذي حاكى به قصور الخلفاء في سامرّا. وجاء بوصف ممتع للقصر وما حوى وما أضافه ابنه خمارويه عليه من أبنيه وحدائق. وكان لتنقيب دار الآثار العربية وعثورها في صيف سنة ١٩٣٢ على أطلال منزل طولوني بالتلال المجاورة لأبي السعود الفضل في الاستدلال على بعض قواعد وأصول العمارة المدنية الخاصة بالعصر الطولوني. وذكر المؤلف أن قناطر ابن طولون شيدت في الجهة الجنوبية الشرقية من مدينة القطائع. ولازالت بعض عقود القناطر قائمة حتى اليوم ومنها يستدل على متانتها وبديع الصناعة فيها: والمعروف أن المهندس النصراني الذي تولى لابن طولون بناء هذه العيون هو نفس المهندس الذي شيد له فيما بعد المسجد الجامع أما زخرفة المباني للعهد الطولوني التي وردت في الفصل الرابع من الكتاب، فهي اكثر الفنون التي تأثرت بالصناعة العراقية والفن الذي ازدهر في سامرّا. وعالج فيها المؤلف مشكلة اختلف فيها العلماء وهي هل كان موطن هذه الزخارف ومكان نشأتها البلاد المصرية، أم أن الزخارف الطولونية مأخوذة عن الزخارف العراقية في سامرّا؟ ورأى المؤلف في الجمع بين الرأيين حلا لمشكلة: وقد حلل الدكتور محمد حسن الزخارف إجمالاً تحليلاً دقيقاً، لا نستطيع إلا أن نحيل القارئ إلى ما كتبه عنها ثم انتقل في كتابه إلى الفنون القديمة، ومهد لها بكلمة جامعة قيمة. وأتى في الفصل الأول على تاريخ صناعة النسج في مصر وتطورها، فاستغنى شيئاً فشيئاً عن الرسوم الآدمية والحيوانية التي كانت في الفن القبطي، وقوى الميل إلى الزخارف الهندسية، كما لعبت الكتابة دوراً هاماً في هذه الصناعة. وكانت صناعة الحرير والقطن والكتان من الجودة بدرجة إن المباراة بين الكنائس والمساجد والأسواق الخارجية كانت تتزاحم للحصول على

стр. 11271

منسوجات مصر. ومع كل فلم يطبع النسيج بطابع إسلامي إلا ابتداء من العصر الفاطمي. ثم تكلم المؤلف عن الحفر على الخشب، وأبواب استعماله في مختلف أنواع المباني والزخرف. ويمكن اعتبار أن هذا الفن الفتي بقي حافظاً للتقاليد القبطية زمنا طويلاً، بدليل ما كان بقصر ابن طولون؛ وأبان المؤلف ذلك كما أبان النزعة إلى الكتابة على الخشب في عهد ابن طولون. ثم عالج في اقتضاب تطور الخط العربي، ورأى إن المناسبة حسنة لذلك. وانتهى من ذلك إلى الكلام عن الخزف، ولو أن دراسة الخزف الإسلامي لا زالت صعبة المنال، ولكن مما لا جدال فيه أن الخزف الإسلامي يمتاز بالجودة عن الخزف المصري في العهد القبطي فكان الخزف في العهد الطولوني يصنع من طينة رقيقة. ويمتاز بزخارف ذات بريق معدني، ذي لون أصفر أو زيتوني على أرض بيضاء أو بيضاء مشوبة بالصفرة. وهذه المميزات نفسها نجدها في الخزف الذي عثر عليه في سامرّا ثم ختم أبحاثه ببحث عن التصوير طريف. وفيه ذكر إن التصوير الذي ينسب إلى مدرسة بغداد كانت تعد سورية أو العراق أو إيران مصدره، وإن فن التصوير لم يزدهر إلا في تلك الأقاليم متأثراً بالتعاليم الفنية التي أخذها العرب عن المانويين واليعاقبة والصينيين. وظلوا لا يفكرون في مصر كمهد لمدرسة من مدارس التصوير الإسلامي حتى كان الاكتشاف المشهور في الفيوم، ذلك الاكتشاف الذي أثبت وجود صور مصغرة إسلامية ترجع إلى القرن التاسع والعاشر والحادي عشر. ولم يترك المؤلف هذا الفصل دون أن يعالج ما يسمونه تحريم التصوير في الإسلام، وقد أجمل القول بأن نظرة في الكتاب الكريم، وفي كتب التفسير، وفي أسباب النزول كافية لأن تثبت إن هذا الزعم باطل لا أساس له وإن كان مكروهاً وعقد المؤلف للكتاب خاتمة ألم فيها بالصناعات التي عرفتها مصر في فجر الفنون الإسلامية، وذكر في لمحات سريعة تطورها حتى نهاية العصر الطولوني، وأشار إلى أن رجال الفنون والصناعات في القرنين الأول والثاني بعد الهجرة، كانوا من المصريين سواء في ذلك من أعتنق منهم الإسلام ومن ثبت على المسيحية ولا شك في أن الدكتور زكي محمد حسن قد أحسن دراسة موضوعه وسار ببحثه سيراً هادئاً؛ وكان قديراً في مناقشة حجج علماء الفنون الإسلامية، وفي تدعيم آرائه بالبينة،

стр. 11272

وليس ذلك بالأمر الصعب على مثله، وقد راجع عشرات الكتب، ومحص عديد التحف قبل أن يستقر على رأي يبديه في جملة متواضعة، وفي أسلوب سهل رصين، وكان موفقاً في تنسيق بحثه تنسيقاً محكماً حتى كاد يبدو تحفة في ذاته، وساعده جمال الطبع والورق والتجليد على زيادة بهائه ورونقه، وقد يهم القارئ أن يعرف إن المؤلف لم يترك كتاباً قرأه في ذلك البحث إلا وذكره ضمن مراجعه، كما ذيل الكتاب بتراحم أهم الأسماء الواردة في الكتاب وكذلك ذيله بلوحات فوتوغرافية غاية في الإتقان لإيضاح ما تكلم عنه ولسنا وحدنا الذين نثني على حضرة الدكتور زكي محمد حسن وعلى عمله وجهده هذا، ولا عيب عليه سوى أن يتركك بعد قراءة هذا الكتاب، أو قل دراسته، تتلهف لقراءة المطولات من كتبه.

стр. 11273

العدد ١٣٨ - بتاريخ: ٢٤ - ٠٢ - ١٩٣٦

стр. 11274

مصر في المعرض! - ١ - أليس من حسن توفيق الله أن يجلس المفاوض المصري في قصر الزعفران، ومن ورائه مصر العالمة العاملة محشودة كلها بسودانها وصعيدها وريفها في المعرض! تشدد قوته بروح النهضة، وتؤيد حجته بدليل الحس، وتسند هيبته بروعة الواقع؟ أليس من الجميل عون الله أن يتألف من ذات مصر ومعناها على النحو الذي تراه في المعرض قياس عجيب الإنتاج، وقصيد قدسي الإلهام، وخطاب سحري البيان، ودفاع قوي الأثر، في الوقت الذي بسَّ فيه اللورد لويد عقاربه هنا وهناك، يلسعون بالتمائم، ويدبون بالأراجيف، ويُقَسِّمون رأيهم في الأمر على أن مصر بطبيعة ضعفها متخلفة لا تلحق وتابعة لا تستقل؟! تعالوا يا طلائع الاستعمار، وصنائع الامتيازات، وثعالب الكرامة! هذه هي مصر الحقيقية قد عرضت عقلها ويدها في ستين فدانا من الأرض لتيسِّر لكم وسيلة الحكم، وتقصر عليكم مدى النظر؛ فلطالما خدعكم عن حقيقتها مغرورٌ يريد الحكم، أو منهوم يرغب المال، أو محروم يطلب الوظيفة. زوروا المعرض الزراعي الصناعي تجدوا مصر التي لا تقرئونها في صحيفة، ولا تسمعونها في خطبة، ولا تبصرونها في مظاهرة، ولا تقابلونها في ملهى، ولا تحادثونها في حزب! هي تجري مع الزمن في سكون، وتعمل مع الطبيعة في صمت، وتتشقق عن ثمار النبو غ كما تتشقق الأكمام عن أريج العطر في هدوء الغسق! زوروا أيها المفاوضون عن الحليفة المتجنِّية معرض الجزيرة قبل أن تدخلوا سراي العباسية، تلمسوا في كل ناحية من نواحي النشاط الصناعي ألف دليل ودليلا على نضوجنا المدني؛ لأن الإنتاج الزراعي إذا رجع إلى عمل الله وفطرته، فأن الإنتاج الصناعي مرجعه إلى فكرة الإنسان وقدرته؛ وقد عَدَوْنا ذلك الطَّور منذ سنين، وأصبحنا نُصَرِّف عمل الطبيعة، ونستخدم ثروة الأرض، ونساهم بحذق في ترفيه الإنسان بين الهرم والنيل شاهدي القرون وعَيْني الأسلاف، احتشدت مصر الحديثة حكومةً وأمة، تقدم إلى أمْسها الحساب الذي يبرى الذمة، وإلى يومها الذي يجدد الطريق، وإلى غدها

стр. 11275

الأمل الذي يحدد الغاية! الزارع والصانع والتاجر والعالم والأديب والموظف قد اثبتوا بهذا العرض الموفق في إخلاص غير غالٍ ولا مفتعل، أن مصر التي تسير في مؤخرة الدول بسياسة الكلام، تجرى في مقدمة الشعوب بسياسة العمل! ودلالة ذلك أن بين الأمة وقادتها حجاباً من الجهل والعزلة لا ينفذ منه الشعاع، ولا تنعكس عليه الروح، ولا ترتسم فيه مقاييس التقدم! على أن أكثرنا لا يزيد علمه بهذا البلد المظلوم على علم هؤلاء القادة؛ فقد كنا نرى في المعروضات الأهلية والحكومية نفائس الصناعة ودقائق الفن، من ضروب اللباس والأثاث والآنية والزينة، فيداخلنا الشك في أنها مصرية؟ ولكنا نرى بجانبها الآلة تدور، والصانع يعمل، والمنتوج يخرج كالمعروض في دقته وأناقته، فيستولي على المرء شعور قوى غريب، فيه الخجل من سوء الظن، وفيه اللذة من دهشة المفاجأة، وفيه الاقتناع بصحة النهضة، وفيه الاطمئنان على سلامة الوطن. هذا الإنتاج الفاخر هو الذي يقدمه إليك التاجر الأوربي في بيوت البيع الكبيرة بلسانه المعسول وغلافه المقبول وكلمته الواحدة وسِمَته المزورة، فتشتريه بالثمن الغالي على أنه وارد من البحر، قد تجشم اكلاف النقل، وتكلف رسوم الجمرك وتكبد أضرار الخسارة، وهو مصري اشتراه الأوربي بالغبن وباعه بالخديعة، وحرم الصانع المصري المسكين أجر العمل بسرقته القِيمة، ومجد الصنعة بسرقته النسبة. وعلة ذلك كله أن المنتج المصري قد جعل الكذب جزءاً من رأس المال، وأن المستهلك المصري قد جعل المساومة شطراً من الثمن، فكان لابد من هذا الوسيط الأجنبي بينهما ليستر بخداعه كذب المنتج، ويبطل بمهارته مساومة المستهلك! معرض هذا العام قطعة من الفن العجيب عملت فيها يَدٌ صَاعٌ وفكرةٌ فنَّانة؛ فالوزارات والمصالح تتقدمها وزارة المعارف ووزارة الزراعة من جهة، والشركات والجمعيات تتزعمهما شركات بنك مصر والجمعية الزراعية من جهة أخرى، تضافرت كفاياتها وتسايرت رغباتها على تمثيل النشاط المصري هذا التمثيل الناطق الصادق المعبر، فلا تجد عملاً من أعمال اليد، ولا أثراً من آثار الذهن، إلا منظوماً بفن، ومعروضاً بذوق، ومشروحاً بخبرة، حتى أخلاق الموظفين والمنظمين والعارضين والمتفرجين - إذا استثنيت
следующие страницы →