← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 11271–11310 · переход к 11276.

стр. 11271

منسوجات مصر. ومع كل فلم يطبع النسيج بطابع إسلامي إلا ابتداء من العصر الفاطمي. ثم تكلم المؤلف عن الحفر على الخشب، وأبواب استعماله في مختلف أنواع المباني والزخرف. ويمكن اعتبار أن هذا الفن الفتي بقي حافظاً للتقاليد القبطية زمنا طويلاً، بدليل ما كان بقصر ابن طولون؛ وأبان المؤلف ذلك كما أبان النزعة إلى الكتابة على الخشب في عهد ابن طولون. ثم عالج في اقتضاب تطور الخط العربي، ورأى إن المناسبة حسنة لذلك. وانتهى من ذلك إلى الكلام عن الخزف، ولو أن دراسة الخزف الإسلامي لا زالت صعبة المنال، ولكن مما لا جدال فيه أن الخزف الإسلامي يمتاز بالجودة عن الخزف المصري في العهد القبطي فكان الخزف في العهد الطولوني يصنع من طينة رقيقة. ويمتاز بزخارف ذات بريق معدني، ذي لون أصفر أو زيتوني على أرض بيضاء أو بيضاء مشوبة بالصفرة. وهذه المميزات نفسها نجدها في الخزف الذي عثر عليه في سامرّا ثم ختم أبحاثه ببحث عن التصوير طريف. وفيه ذكر إن التصوير الذي ينسب إلى مدرسة بغداد كانت تعد سورية أو العراق أو إيران مصدره، وإن فن التصوير لم يزدهر إلا في تلك الأقاليم متأثراً بالتعاليم الفنية التي أخذها العرب عن المانويين واليعاقبة والصينيين. وظلوا لا يفكرون في مصر كمهد لمدرسة من مدارس التصوير الإسلامي حتى كان الاكتشاف المشهور في الفيوم، ذلك الاكتشاف الذي أثبت وجود صور مصغرة إسلامية ترجع إلى القرن التاسع والعاشر والحادي عشر. ولم يترك المؤلف هذا الفصل دون أن يعالج ما يسمونه تحريم التصوير في الإسلام، وقد أجمل القول بأن نظرة في الكتاب الكريم، وفي كتب التفسير، وفي أسباب النزول كافية لأن تثبت إن هذا الزعم باطل لا أساس له وإن كان مكروهاً وعقد المؤلف للكتاب خاتمة ألم فيها بالصناعات التي عرفتها مصر في فجر الفنون الإسلامية، وذكر في لمحات سريعة تطورها حتى نهاية العصر الطولوني، وأشار إلى أن رجال الفنون والصناعات في القرنين الأول والثاني بعد الهجرة، كانوا من المصريين سواء في ذلك من أعتنق منهم الإسلام ومن ثبت على المسيحية ولا شك في أن الدكتور زكي محمد حسن قد أحسن دراسة موضوعه وسار ببحثه سيراً هادئاً؛ وكان قديراً في مناقشة حجج علماء الفنون الإسلامية، وفي تدعيم آرائه بالبينة،

стр. 11272

وليس ذلك بالأمر الصعب على مثله، وقد راجع عشرات الكتب، ومحص عديد التحف قبل أن يستقر على رأي يبديه في جملة متواضعة، وفي أسلوب سهل رصين، وكان موفقاً في تنسيق بحثه تنسيقاً محكماً حتى كاد يبدو تحفة في ذاته، وساعده جمال الطبع والورق والتجليد على زيادة بهائه ورونقه، وقد يهم القارئ أن يعرف إن المؤلف لم يترك كتاباً قرأه في ذلك البحث إلا وذكره ضمن مراجعه، كما ذيل الكتاب بتراحم أهم الأسماء الواردة في الكتاب وكذلك ذيله بلوحات فوتوغرافية غاية في الإتقان لإيضاح ما تكلم عنه ولسنا وحدنا الذين نثني على حضرة الدكتور زكي محمد حسن وعلى عمله وجهده هذا، ولا عيب عليه سوى أن يتركك بعد قراءة هذا الكتاب، أو قل دراسته، تتلهف لقراءة المطولات من كتبه.

стр. 11273

العدد ١٣٨ - بتاريخ: ٢٤ - ٠٢ - ١٩٣٦

стр. 11274

مصر في المعرض! - ١ - أليس من حسن توفيق الله أن يجلس المفاوض المصري في قصر الزعفران، ومن ورائه مصر العالمة العاملة محشودة كلها بسودانها وصعيدها وريفها في المعرض! تشدد قوته بروح النهضة، وتؤيد حجته بدليل الحس، وتسند هيبته بروعة الواقع؟ أليس من الجميل عون الله أن يتألف من ذات مصر ومعناها على النحو الذي تراه في المعرض قياس عجيب الإنتاج، وقصيد قدسي الإلهام، وخطاب سحري البيان، ودفاع قوي الأثر، في الوقت الذي بسَّ فيه اللورد لويد عقاربه هنا وهناك، يلسعون بالتمائم، ويدبون بالأراجيف، ويُقَسِّمون رأيهم في الأمر على أن مصر بطبيعة ضعفها متخلفة لا تلحق وتابعة لا تستقل؟! تعالوا يا طلائع الاستعمار، وصنائع الامتيازات، وثعالب الكرامة! هذه هي مصر الحقيقية قد عرضت عقلها ويدها في ستين فدانا من الأرض لتيسِّر لكم وسيلة الحكم، وتقصر عليكم مدى النظر؛ فلطالما خدعكم عن حقيقتها مغرورٌ يريد الحكم، أو منهوم يرغب المال، أو محروم يطلب الوظيفة. زوروا المعرض الزراعي الصناعي تجدوا مصر التي لا تقرئونها في صحيفة، ولا تسمعونها في خطبة، ولا تبصرونها في مظاهرة، ولا تقابلونها في ملهى، ولا تحادثونها في حزب! هي تجري مع الزمن في سكون، وتعمل مع الطبيعة في صمت، وتتشقق عن ثمار النبو غ كما تتشقق الأكمام عن أريج العطر في هدوء الغسق! زوروا أيها المفاوضون عن الحليفة المتجنِّية معرض الجزيرة قبل أن تدخلوا سراي العباسية، تلمسوا في كل ناحية من نواحي النشاط الصناعي ألف دليل ودليلا على نضوجنا المدني؛ لأن الإنتاج الزراعي إذا رجع إلى عمل الله وفطرته، فأن الإنتاج الصناعي مرجعه إلى فكرة الإنسان وقدرته؛ وقد عَدَوْنا ذلك الطَّور منذ سنين، وأصبحنا نُصَرِّف عمل الطبيعة، ونستخدم ثروة الأرض، ونساهم بحذق في ترفيه الإنسان بين الهرم والنيل شاهدي القرون وعَيْني الأسلاف، احتشدت مصر الحديثة حكومةً وأمة، تقدم إلى أمْسها الحساب الذي يبرى الذمة، وإلى يومها الذي يجدد الطريق، وإلى غدها

стр. 11275

الأمل الذي يحدد الغاية! الزارع والصانع والتاجر والعالم والأديب والموظف قد اثبتوا بهذا العرض الموفق في إخلاص غير غالٍ ولا مفتعل، أن مصر التي تسير في مؤخرة الدول بسياسة الكلام، تجرى في مقدمة الشعوب بسياسة العمل! ودلالة ذلك أن بين الأمة وقادتها حجاباً من الجهل والعزلة لا ينفذ منه الشعاع، ولا تنعكس عليه الروح، ولا ترتسم فيه مقاييس التقدم! على أن أكثرنا لا يزيد علمه بهذا البلد المظلوم على علم هؤلاء القادة؛ فقد كنا نرى في المعروضات الأهلية والحكومية نفائس الصناعة ودقائق الفن، من ضروب اللباس والأثاث والآنية والزينة، فيداخلنا الشك في أنها مصرية؟ ولكنا نرى بجانبها الآلة تدور، والصانع يعمل، والمنتوج يخرج كالمعروض في دقته وأناقته، فيستولي على المرء شعور قوى غريب، فيه الخجل من سوء الظن، وفيه اللذة من دهشة المفاجأة، وفيه الاقتناع بصحة النهضة، وفيه الاطمئنان على سلامة الوطن. هذا الإنتاج الفاخر هو الذي يقدمه إليك التاجر الأوربي في بيوت البيع الكبيرة بلسانه المعسول وغلافه المقبول وكلمته الواحدة وسِمَته المزورة، فتشتريه بالثمن الغالي على أنه وارد من البحر، قد تجشم اكلاف النقل، وتكلف رسوم الجمرك وتكبد أضرار الخسارة، وهو مصري اشتراه الأوربي بالغبن وباعه بالخديعة، وحرم الصانع المصري المسكين أجر العمل بسرقته القِيمة، ومجد الصنعة بسرقته النسبة. وعلة ذلك كله أن المنتج المصري قد جعل الكذب جزءاً من رأس المال، وأن المستهلك المصري قد جعل المساومة شطراً من الثمن، فكان لابد من هذا الوسيط الأجنبي بينهما ليستر بخداعه كذب المنتج، ويبطل بمهارته مساومة المستهلك! معرض هذا العام قطعة من الفن العجيب عملت فيها يَدٌ صَاعٌ وفكرةٌ فنَّانة؛ فالوزارات والمصالح تتقدمها وزارة المعارف ووزارة الزراعة من جهة، والشركات والجمعيات تتزعمهما شركات بنك مصر والجمعية الزراعية من جهة أخرى، تضافرت كفاياتها وتسايرت رغباتها على تمثيل النشاط المصري هذا التمثيل الناطق الصادق المعبر، فلا تجد عملاً من أعمال اليد، ولا أثراً من آثار الذهن، إلا منظوماً بفن، ومعروضاً بذوق، ومشروحاً بخبرة، حتى أخلاق الموظفين والمنظمين والعارضين والمتفرجين - إذا استثنيت

стр. 11276

جزءاً من إدارة المعرض - تجري على هذا النسق البديع من الجمال والنظام والدقة! وسنقف بعد هذه النظرة الخاطفة والكلمة العجلى على كل قسم من أقسام المعرض فنستنبئه عن أمره، ونستكشفه عن سره، ثم نطالعك بما نلاحظ من أسبوع لأسبوع. . . احمد حسن الزيات

стр. 11277

٢ - الزاهدان للأستاذ مصطفى صادق الرافعي قال أحمد بن مسكين: وانتشر حديث السمكة في أهل (بلخ)، واستفاض بينهم، وكنت قصصتُه عليهم يوم السبت. فلما دار السبت من أسبوعه لقيني شيخهم حاتم أبن يوسف (لقمان الأمة) ومعه صاحبه أبو تراب، فقال: يا أحمد! لكأنك في هذه المدينة قمرٌ طلع بليلٍ فلا يعظ الناس في يوم السبت غيرك؛ ومن سمع فكأنه عاين، وليس على ألسنة أهل بلخ منذ تحدثتَ إلا بِشْرٌ وأبن حنبل، ولا على بال أحد منهم إلا موعظتك وحديثك. والكلام عن الصالحين في مثل ما وصفت وحكيت قُربٌ من حقائقهم، وسموٌّ إلى معانيهم؛ وليس في القول بابٌ له موقع كموقع القصة عن هؤلاء الذين يخلقهم الله في البشرية خلقَ النور، يضيء ما حوله من حيث يُرى، ويعمل في ما حوله من حيث لا يُرى، وفي ظاهره الجمال والمنفعة، وفي باطنه القوة والحياة. ولست أقول لك أذهب فحدِّث الناس، ولكني أقول أذهب فأعط الناس عقلا من الحديث قال أبن مسكين: فلما صلينا العصر قدمني أبو تراب فجلست في مجلسي ذاك، وهتف بي الناس يريدون الحديث عن بِشر الحافي وما سقط لي من أخباره على الطريقة التي حدثتهم بها من قبل، فابتدئت بذكر موته ﵀ وأن يومه كأنما اجتمع له أهل خمسٍ وسبعين سنة، إذ خرجت جنازته بعد صلاة الصبح فلم يحصل في قبره إلا في الليل مما احتشد في طريقه من خلق، حتى لكأن في نعشه سرا من أسرار الجنة في هذا، فخرجوا ينظرون إليه، وكانوا يصيحون في جنازته: هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة ثم قلت: حدثني حسين المغازلي أن بشراً ﵀ كان لا يأكل إلا الخبز تورعاً عن الشبهات واكتفاء لضرورة الحياة بالأقل الأيسر، وكان يقول في ذلك: يدٌ أقصر من يد، ولقمة اصغر من لقمة. وسئل مرة: بأيّ شيء تأكل الخبز؟ فقال: أذكر العافيةَ فاجعلها إداماً. وقد أعانه على ذلك أنه لم يتزوج، وكان يرى هذا نقصاً في نفسه حتى فضَّل الإمام احمد بن حنبل بأشياء منها أن له أهلا؛ غير أنه قيل له ذات يوم: لو تزوجت تمَّ نُسْكك؛ فقال: أخاف أن تقوم الزوجة بحقي ولا أقوم بحقها، فكانت هذه النية في نفسه افضل من زواجه وكان مع هذا لا يؤاكل أحدا ولا يسعى إلى لقاء أحد حتى أنه لما رغب في مؤاخاة الزاهد

стр. 11278

العظيم معروف الكرخي أرسل إليه الأسود بن سالم وكان صديقا لهما، فقال لمعروف: أن بشر بن حارث يريد مؤاخاتك وهو يستحي أن يشافهك بذلك، وقد أرسلني إليك يسألك أن تعقد له فيما بينه وبينك أخوة يحتسبها ويعتد بها، إلا أنه يشترط فيها شروطاً: أولها أنه لا يحب أن يشتهر ذلك، وثانيها ألا يكون بينك وبينه مزاورة ولا ملاقاة؛ فقال معروف: أما أنا فإذا أحببتُ أحداً لم احب أن أفارقه ليلا ولا نهارا أزوره في كل وقت، وأوثره على نفسي في كل حال؛ وأنا اعقد لبشر أخوةً بيني وبينه ولكني أزوره متى أحببت، آمره بلقائي في مواضع نلتقي فيها إذا هو كره زيارتي قال حسين المغازلي: وكان هذا كله من أمر بشر معروفاً في بغداد لا يجهله أحد من أهلها إذ لم يكن لبغداد إماما غيره وغير ابن حنبل؛ فما كان اكثر عجبي حين كنت عنده يوماً وقد زاره فتح الموصلي، فقام فجاء بدراهم ملء كفه ودفعها إلي وقال: اشتر لنا أطيب ما تجد من الطعام، وأطيب ما تجد من الحلوى، وأطيب ما تجد من الطيب؛ وما قال لي مثل ذلك قط، وهو الذي رأى الفاكهة يوماً فقال: ترك هذه عبادة! وهو القائل لأبى نصر الصياد: لو أطعمنا أنفسنا هذا ما خرجت السمكة فذهبت فاشتريت وانتقيت وتخيَّرت، ثم وضعت الطعام بين أيديهما فرأيته يأكل معه وما رأيته أكل مع غيره، ورايته منبسطاً إليه ومالي عهد كان بانبساطه إلى أحد. وقد كنت أخبرته في ذلك النهار بخبر احمد بن حنبل عَلمتُه من إدريس الحداد؛ فانه لما زالت المحنة بعد أن ضُرب بين يدي المعتصم وصُرف إلى بيته، حمل إليه مال كثير من سروات بغداد وأهل الخير فيها، فردَّ جميع ذلك ولم يقبل منه قليلاً ولا كثيراً، وهو محتاج إلى أيسره، وإلى الأقل من أيسره، وإلى الشيء من أمله، فجعل عمَّه اسحق يحسب ما ورد في ذلك اليوم فكان خمسين ألف دينار، فقال له الإمام: يا عم أراك مشغولاً بحساب ما لا يفيدك. قال: قد رددت اليوم كذا وكذا ألفاً وأنت محتاج إلى حبة من دانق. فقال الإمام: يا عم لو طلبناه لم يأتنا، وإنما أتانا لما تركناه قال المغازلي: فنمت تلك الليلة وأنا أفكر في صنع الشيخ وقد تعلق خاطري به كيف انقلبت الحال معه، وأي شيء هذه الحال، وجعلت أكدُّ ذهني لأعرف الحقيقة العقلية التي سلَّطت عليه هذه الضرورة فتسلط النعيم على نفسه، وأنا اعلم أن للقوم علوماً روحانية ليست في

стр. 11279

الكتب، فمنها ما لا يتعلمونه إلا من الفقر، ومنها ما لا يتعلمونه ألا من البلاء، ومنها ومنها، ولكن ليس منها ما يتعلمونه من اللذات والشهوات؛ وذهب قلبي إلى أوهام كثيرة ليست في جميعها طائل ولا بها معرفة حتى غلبتني عيناي وأنا من وهج الفكر نائم كالمريض وقد ثقل رأسي واختلط فيه ما يُعقل بما لا يُعقل فرأيت أول ما رأيت ملكاً جباراً يحكم مدينة عظيمة وقد أطلق المنادي في جمع كل أطفال مدينته فجيء بهم من كل دار، ثم رأيته قد جلس على سريره وفي يده مقراض عظيم قد اتخذه على هيئة نصلين عريضين لو وضعت بينهما رقبة لفصلاها عن جسمها؛ فكان هذا الجبار يتناول الطفل من أولئك فيضع إصبع إحدى قدميه في شقي المقراض فيقرضها فإذا هي تتناثر أسرع مما يقرض المقَص الخيط، ثم يرمى بالطفل مغشياً عليه ويتناول غيره فيبتر أصابعه والأطفال يصرخون؛ وأنا أرى كل ذلك ولا أملك إلا غيظي على هذا الجبار من حيث لا أستطيع أن أمضِيَ فيه هذا الغيظ فاقرض عنقه بمقراضه ثم رايته يأخذ طفلاً صغيراً، فلما جاءت قدم الطفل بين شقي المقراض صاح: يا رب، يا رب! فإذا المقراض يلتوي فلا يصنع شيئاً وكأن فيه حجراً صلداً لا قدماً رَخْصَة. فتميز الجبار من الغيظ وقال مَن هذا الطفل؟ فسمعت هاتفاً يهتف: هذا بشر الحافي! لا يبلغ تاج ملك في الأرض أن يكون لقدمه الحافية نعلاً عند الله! وكان إلى يميني رجل يتضوأ وجهه صلاحاً وتقوى، فقلت له: من هذا الطاغية؟ ولم اتخذ المقراض لأقدام الأطفال خاصة؟ فقال: يا حسين أن هذا الجبار هو ذل العيش، وهذا وسمُه لأهل الحياة على الأرض يحقق به في الإنسان معنى البهيمة أول ما يدب على الأرض حتى كأنه ذو حافر لا ذو قدم قلت: فما بال هذا الطفل لم يعمل فيه المقراض؟ قال: أن لله عباداً استخصهم لنفسه، أول علامته فيهم أن الذل تحت أقدامهم، وهم يجيئون في هذه الحياة لإثبات القدرة الإنسانية على حكم طبيعة الشهوات التي هي نفسها طبيعة الذل؛ فإذا اطرح أحدهم الشهوات وزهد فيها، واستقام على ذلك في عقد نية وقوة إرادة، فليس ذلك بالزاهد كما يصفه الناس، ولكنه رجل قوي اختارته القدرة ليحمل أسلحة النفس في معاركها الطاحنة، كما يحمل البطل الأروع أسلحة الجسم في معاركه الدامية. هذا يُتعلم

стр. 11280

منه فن وذاك يُتعلم منه فن أخر، وكلاهما يرمى به على الموت لإيجاد النوع المستعز من الحياة، فأول فضائله الشعورُ بالقوة، وآخر فضائله إيجاد القوة قال المغازلي: وضرب النوم على رأسي ضربة أخرى فإذا أنا في أرض خبيثة داخنةٍ قد ارتفع لها دخان كثيف أسود يتضرب بعضه في بعض، وجعلت أرى شعلاً حمراً تذهب وتجيء كأنها أجسام حية، فوقع في وهمي أن هؤلاء هم الشياطين: إبليس وجنوده وسمعت صارخاً يقول: يا بشرى! فلتبك السماءُ على الأرض، لقد أكل بشر الحافي من أطيب الطعام وأطيب الحلوى بعد أن استوى عند حجرها ومدرُها، وذهبُها وفضتها! فعارضه صائح أسمع صوته ولا أرى شخصه: ويلك يا زَلَنْبور! أن هذا شر علينا من عامة نُسكه وعبادته. فهذا ويحك هو الزهدُ الأعلى الذي كان لا يطيقه بشر؛ أنه إعنات سلَّطه على نفسه، فإني دفعت هذا (المغازليّ) الأعمى القلب ليزين له ما فعل احمد بن حنبل من رده خمسين ألف دينار على حاجته، زهداً وورعاً وقوة عزم ونفاذَ إرادة؛ وقلت عسى أن تتحرك في نفسه شهوة الزهد فيحسد أو يغار، أو تعجبه نفسه فيكون لي من ذلك لمَّةٌ بقلبه فأوسوس له فأنا نأتي هؤلاء من أبواب الثواب كما نأتي غيرهم من أبواب المعاصي، ونتورَّع مع أهل الورع كما نتسخَّف مع أهل السخف، ولكن الرجل وفيه حقيقة الزاهد، فقد أعطى القوة على جعل شهوته في اللذة قتل اللذة، وإذا جعلتها في الكآبة قتل الكآبة، وليس الزاهد العابد هو الذي يتقشف ويتعفف، ويتخفف ويتلفف، فإن كثيراً ما تكون هذه هي أوصاف الذل والحمق ويكون لها عمل العبادة وفيها إثم المعصية، ولكن الزاهد حقَّ الزاهد من أدار في الأشياء عيناً قد تعلمت النظر بحقه والإغضاء بحقه؛ فهذا لا يخطئ معنى الشر أن لبَّسناه عليه في صورة الخير، ولا معنى الخير أن زوَّرناه في صورة الشر، وبذلك يضع نفسه في حيث شاء من المنزلة، لا في حيث شاءت الدنيا أن تضعه من منازلها الدنيئة وما أكل بشر من هذه الطيبات إلا ليبادر بها وسوستي ويردَّني عن نفسه وعن اللَّمة بقلبه، فلو أنه أعجبه زهد ابن حنبل ونظر من ذلك إلى زهد نفسه لحبط أجره. فبهذه الطيبات عالج نفسه علاج مريض، وقد غير على جوفه طعاماً بطعام، كما يبدِّل على جلده ثوباً بثوب، ولا شهوة للجلد في أحدهما قال المغازلي: وثقل النوم على ثَقلةً أخرى فرأيتني في واد عظيم في وسطه مثل الطود من

стр. 11281

الحجارة وقد ركم بعضها على بعض. ورأيتني مع بشر أقصُّ عليه خبر احمد بن حنبل؛ فقال أنظر ويحك؛ أن الناس يسمونها خمسين ألف دينار وهي هنا في وادي الحقائق خمسون ألف حجر لو أصابت احمد لقتلته ولكانت قبره آخرَ الدهر إن المال يا بني هو ما يعمله المال لا جوهره من الذهب والفضة، فإذا كنت بمفازة ليس فيها من يبيعك شيئاً بذهبك فالتراب والذهب هناك سواء. والفضائل هي ذهب الآخرة؛ فهنا تجدد بالمال دنياك التي لا تبقى اكثر من بقائك، وهناك تجدد بالفضائل نفسك التي تخلد بخلودها ومعنى الغنى معنى ملتبسٌ على العقول الآدمية لاجتماع الشهوات فيه، فحين يرد احمد بن حنبل خمسين ألفاً، يكون هذا المعنى قد صحح نفسه في هذا العمل وجهاً من التصحيح قال حسين المغازلي: وغطَّني النوم في أعماقه غطَّةً أخرى فإذا أنا في المسجد في درس الأمام احمد وهو يحدث بحديث النبي صلى عليه وسلم: إذا عظَّمت أمتي الدينار والدرهم نزع منها هيبةُ الإسلام؛ وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حُرموا بركة الوحي. وهم أن يتكلم في تفسيره ولكنه رآني فمسك عنه وأقبل عليّ فقال: يا حسين! إذا اجتزأ شيخك بالرغيف فهذا عنده هو قدر الضرورة، فان أكل الطيبات فقد عرضت حالٌ جعلت هذه الطيبات عنده هي قدر الضرورة. وفي هذه النفوس السماوية لا يكون الجزء الأرضيُّ إلا محدوداً، فلا يكون محصوله إلا ما ترى من قدر الضرورة ولما صغُر الجزء الأرضي في نفوس المسلمين الأولين ملكوا الأرض كلها بقوة الجزء السماوي فيها، إذ كانت إرادتهم فوق الأطماع والشهوات، وكانت بذلك لا تذل ولا تضعف ولا تنكسر؛ فالآدمية كلها تنتهي إلى بعض صورهم هؤلاء الذين محلُّهم في أعلاها يا حسين! ألا وإن ردَّ خمسين ألف دينار هو كذلك قدرُ الضرورة قال حسين: وذهبت أعترض على الإمام بما كان في نفسي من أن هذا المال وان لم يكن من كَسْبه، فقد كان يتحول في يده عملا من أعمال الخير؛ أنسيتُ أن هذه الصدقات هي أوساخ الناس وأقذار نفوسهم، فلم أكد أفتح فمي حتى رأيت الكلام يتحول طيناً في فمي ليذكرني بهذا المعنى؛ وكدت أختنق فانتفضت أتنفَّس فطار النوم والحلم طنطا

стр. 11282

مصطفى صادق الرافعي

стр. 11283

اثر الحضارة الإسلامية في الإحياء الأوربي للأستاذ محمد عبد الله عنان عصر الإحياء أو إحياء العلوم من أعظم عصور التاريخ الأوربي؛ وهو بلا ريب مطلع النور والعظمة في حياة أوربا الحديثة وفي تكوينها السياسي والفكري الاجتماعي؛ وفي معترك الإحياء الساطع تذوب ظلمات العصور الوسطى التي خيمت على أوربا منذ سقوط الدولة الرومانية، ويفتر ليلها الطويل عن حياة جديدة تسرى إلى جنبات القارة القديمة، فتلقي من حولها غمر الماضي بقوة، وتستقبل عصوراً جديدة من القوة والعظمة والسيادة في جميع مناحي الحياة وإنا لنشعر ونحن نستعرض تاريخ الإحياء أننا لا نتلو تاريخ أمم أو شعوب معينة، وإنما نتلو صفحة من أنبل صفحات الإنسانية تبهرنا بما حوت من المظاهر والمعاني السامية للعبقرية البشرية. ولقد كان تراث الإحياء وما يزال تراث الإنسانية كلها، ذلك أن ثمرات التفكير البشري هي ملك الإنسانية في كل زمان ومكان؛ ولم يكن تاريخ الإحياء مدى قرن ونصف في معظم الدول الأوربية سوى تاريخ العلوم والفنون والآداب التي تفتحت في ذلك العصر كما تتفتح الأزهار، والتي بثها إلى ظلمات العصور الوسطى أرواح وأذهان وعقول ارتفعت فوق العصور والمجتمعات التي ازدهرت بها، وسمت بمبادئها ومثلها كما سمت بعبقريتها ولقد كتب تاريخ الإحياء مدى القرون وما زال يكتب في كل عصر؛ ولكنه يتخذ دائماً طابعه القومي أو المحلي، وقلما يكتب من الناحية الإنسانية المحضة؛ وانك لتشعر حتى فيما يكتب من الناحية الإنسانية أن العوامل القومية والمحلية تتبوأ دائما مكانتها وتغشى فيه كل نزعة أخرى؛ وكثيراً ما تساءلت وأنا استعرض هذه الصفحة الباهرة من تاريخ الإنسانية، كيف يغفل مؤرخو الغرب حين يكتبون تاريخ الإحياء عن استعراض صفحة أخرى من تاريخ الإنسانية لا تقل عن صفحة الإحياء قوة وجمالا وروعة هي الحضارة العربية الإسلامية، وما كان لها من اثر بارز في بعث عصر الإحياء الأوربي؟ والحقيقة أن هذه الناحية من تاريخ عصر الإحياء كثيرا ما تغمط حقها وتنكر علائقها وآثارها في بعثه وتكوينه. بيد أنها تستحق منا نحن الذين يفهمونها ويقدرونها عناية خاصة؛

стр. 11284

وليس يكفي أن نكتب تاريخ الحضارة الإسلامية، بل يجب نعالج آثارها في تكوين مختلف المدنيات والحركات العقلية الأخرى؛ ولقد كان الإحياء الأوربي حركة عقلية عظيمة ومطلع حضارة جديدة رائعة، وكان لحضارة الغرب الإسلامي أثرها في بعث هذه الحركة، فمن واجبنا أن نستقصي هذا الأثر وأن نعرضه إلى جانب ما يعرض لنا من تطور حركة الإحياء الأوربي ومن الصعب أن نحاول استعراض هذا الأثر في مقال أو فصل، ولكنا نحاول فقط أن نلم ببعض أطرافه العامة؛ وأخص ما يبدو هذا الأثر في النواحي الفكرية والاجتماعية من عصر الإحياء؛ ونلاحظ أن طوالع الإحياء ظهرت بادئ بدء في إيطاليا وبدت في الشعر بوجه خاص، وحمل لواءها الأول شعراء عظام مثل دانتي وبترارك، حاولوا أن يعيدوا مجد الشعر الروماني القديم؛ ولم تكن هذه النهضة الشعرية الرائعة رغم اتجاهها إلى مثل فرجيل عميد الشعر الروماني خالية من تأثير المثل الشعرية في غرب أوربا. ذلك أن النهضة الشعرية التي ازدهرت قبل ذلك بنحو قرن في بروفانس (جنوب فرنسا) والتي كانت حركة (التروبادور) الأدبية في الشعر والقصص من أقوى مظاهرها، كانت قد أحدثت آثارها في الحركة الأدبية في شمال إيطاليا حيث بزغ فجر الإحياء؛ ولم يكن شعر دانتي بعيداً عن التأثر بعوامل الشعر البروفنسي ووحيه، بل لم يكن أسلوب دانتي نفسه بعيداً عن التأثر بالأساليب البروفنسية، ويرى علماء اللغة فوق ذلك أن اللغة الإيطالية الحديثة والتي وضعت أسسها في عصر الإحياء قد تأثرت في تكوينها إلى حد كبير بالروح والتراكيب البروفنسية القديمة؛ ويشيد دانتي نفسه في بعض قصائده الكبرى بعبقرية زعماء الشعر البروفنسي ومثلهم الشعرية، ويرى في تيبول ملك نافار مثلاً أعلى للشاعر؛ فهذه الظواهر والعوامل كلها تدلل على آثار النهضة الشعرية الغربية في شعر الإحياء هذا ومن جهة أخرى فقد كان الشعر البروفنسي ذاته عرضة لمؤثرات قوية، من الجنوب فيما وراء البرنيه. وكانت الحضارة الإسلامية في الأندلس تنفث آثارها منذ القرن التاسع في شمال أسبانيا وفي غاليس (جنوب فرنسا)، وكان أثرها بالأخص قوياً واضحاً في بروفانس التي كانت مركز الحركة الأدبية في الجنوب منذ القرن العاشر؛ وكانت بروفانس ذاتها مدى حين مستقراً لبعض المستعمرات العربية الغازية التي حملت إلى تلك الأنحاء

стр. 11285

كثيراً من التقاليد والمؤثرات الإسلامية، ولاسيما في شعر الفروسية، بل لقد سرت هذه التقاليد والمؤثرات إلى الحركات الفكرية والأدبية في أنكربرديه (لومباردي)؛ فليس غريباً أن نستخلص من تفاعل هذه المؤثرات والعوامل كلها أن شعر الإحياء لم يكن بدايته بعيداً عن التأثر بمؤثرات الحضارة الإسلامية ومؤثرات الشعر الأندلسي عن طريق الشعر البروفنسي ومما يبعث حقاً إلى الدهشة أن نجد شبهاً عجيباً في الموضوع والخيال والتصوير بين (جحيم دانتي) وهي أعظم وأروع آثاره وبين أثر عربي أقدم هو رسالة الغفران للشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري، مما قد يحمل البعض على الظن بأن دانتي قد وقف بطريقة من الطرق على موضوع رسالة الغفران، وقد كتبت قبل عصره بأكثر من قرنين، ومع أن هذا الرأي لم يؤيد بصفة علمية واضحة، إلا أنه مما يلاحظ في تأييده أن كثيراً من علوم العرب آثارهم العلمية والعربية كانت معروفة في شمال إيطاليا عن طريق البندقية منذ القرن العاشر الميلادي هذا ونستطيع من الناحية العلمية العامة أن نقول أيضاً أن بعث الإحياء الأوربي لم يكن بعيداً عن التأثر بمؤثرات العلوم الإسلامية؛ فنحن نعرف أن الأندلس كانت منذ القرن التاسع الميلادي نبراس الغرب كله في العلوم، ونعرف أن مدارس قرطبة واشبيلية وغرناطة كانت فيما بعد كعبة الطلاب من سائر أنحاء أوربا، وأن النهضة العلمية في أوربا بدأت قبل عصر الإحياء على يد جماعة من الرهبان النصارى الذين تلقوا العلوم في مدارس الأندلس مثل جربرت الراهب الفرنسي الذي ارتقى عرش البابوية فيما بعد باسم سلفستر الثاني (سنة ٩٩٩ م) وآبيار وهو أيضاً راهب فرنسي تفقه في الفلسفة والعلوم المعاصرة وطار صيته في أوائل القرن الثاني عشر؛ وكان اعظم ما يتلقى الرهبان العلماء - وهم يومئذ دعاة العلم في الغرب الأوربي - الفلسفة اليونانية عن طريق العلماء والفلاسفة المسلمين، ولاسيما ابن رشد الأندلسي الذي كان أول من عرف العالم الغربي بالفلسفة الأرسطوطالية، وقد ترجمت شروحه المستمدة من الفلسفة الأرسطوطالية في المنطق وما وراء الطبيعة اللاتينية منذ القرن الثاني عشر، وكانت أساسا لكثير من المباحث الفلسفية التي ازدهرت أيام الإحياء الأوروبي في شمال إيطاليا، بل يرى مؤرخو الفلسفة أن

стр. 11286

الفلسفة الجدلية الأوربية استمدت من العرب والفلسفة العربية أكثر مما استمدت من قسطنطينية التي كانت مستودعاً لتراث المدنية اليونانية؛ وليس من ريب في أن جهود العرب في ميدان الكيمياء والطب كانت أكبر مستقي للغرب في هذا الميدان؛ فقد كانت الكيمياء العلمية علماً عربياً محضاً، وقد بلغت ذروة ازدهارها في العصور الوسطى في معامل قرطبة واشبيلية وغرناطة، وكان أطباء الأندلس أساتذة الطب في أوربا كلها، وإليهم كان يهرع الطلاب من سائر الأمم الشمالية؛ وكانت مدرسة سالرنو الطبية في جنوب إيطاليا تقوم على تراث الحضارة الإسلامية التي سادت صقلية وجنوب إيطاليا زهاء قرنين؛ وكانت آثار الطب العربي تبدو في هذا الميدان بصورة قوية بارزة؛ ويمكن أن يقال مثل ذلك على بعض العلوم الأخرى مثل الفلك والرياضيات، وقد بلغت أيضاً في الأندلس شأواً عظيماً والخلاصة أن آثار الحضارة والعلوم الإسلامية في بناء النهضة العلمية الأوربية واضحة لا يمكن إنكارها؛ وإذا استثنينا ميدان الفنون في نهضة الإحياء، فأنه يصعب علينا أن نتصور ناحية من نواحي هذه النهضة الفكرية الرائعة؛ سواء في العلوم أو الآداب تبعد كل البعد عن التأثر بعبقرية التفكير الإسلامي، سواء مباشرة أو بواسطة عوامل أخرى. بيد أنه مما يؤسف له أن هذه الناحية لا تلقى في المباحث الغربية ما يجدر بها من الشرح والتقدير؛ ويلاحظ أن مؤرخ الإحياء الأوربي يكاد يغفلها بصفة مطلقة، هذا في حين أن مؤرخ العصور الوسطى لا يستطيع أن يغفلها ولكن معظم مفكري الغرب ومؤرخيه ما زالوا ينظرون إلى تاريخ العرب والإسلام والحضارة الإسلامية ومؤثراتها نظرة خاصة قلما تنجو من مؤثرات الدين والقومية، بل لقد درج فريق منهم على اعتبار العرب ضمن القبائل والأجناس البربرية التي حطمت صرح الدولة الرومانية، واعتبار الغزوات الإسلامية لجنوب أوربا كوارث دينية وقومية؛ وما زالت المباحث التاريخية تبالغ في تقدير مؤثرات الحضارة الرومانية في أمم العصور الوسطى وتعتبرها دائما عاملاً حاسماً في كل تطور فكري أو اجتماعي، هذا بينما نراها تغفل تقدير الحضارة الإسلامية ومؤثراتها؛ ويلوح لنا أن الوقت قد حان لنعمل من جانبنا على تصحيح هذا الموقف، ورفع هذا الإجحاف الذي يلحق بتراث المدنية الإسلامية في

стр. 11287

أوربا، والتنويه بما لهذا التراث من الآثار الحاسمة في المدنية الأوربية بوجه عام، وبما له من آثار خاصة في معظم الحركات الفكرية التي قامت في أوربا خلال العصور الوسطى بيد أنه من الإنصاف أيضاً أن نقول أننا نلمح في بعض المباحث الغربية المستنيرة، أثر هذا التطور في فهم المهام الإنسانية التي أدتها الفتوحات الإسلامية في العصور الوسطى، وفي تقدير التراث العظيم الذي خلفته الحضارة الإسلامية، وما كان لها من آثار خطيرة حاسمة في تطور الحركات العقلية والاجتماعية في تلك العصور؛ ومن الحق أن نقول أن بحوث أولئك العلماء المستنيرين قد رفعت كثيراً من الحيف والإجحاف والريب التي لحقت ذكريات العرب والإسلام في أوربا من جراء الصور والروايات الخاطئة المغرضة التي مازالت تقدم منذ أحقاب عن العرب والإسلام إلى المجتمع الأوربي الحديث محمد عبد الله عنان

стр. 11288

الفردوس الإسلامي المفقود تحت قناطر جامع قرطبة للشاعر الألماني هنري هين (مهداة إلى الأستاذ الزيات) ترجمة الأستاذ معروف الارناءوط محرر فتى العرب ومؤلف سيد قريش (. . . . . أيتها القبة الرفيعة من المنار، لقد ظللت في الماضي بيت الله. . .) (هنري هين) أرأيت سيدي السائح إلى مسجد قرطبة الجامع! أرأيت إلى تلك العُمُدِ المرمرية وقد نهضت على قباب فيحاء واسعة الأرجاء؟ أرأيت إلى مفاتن الفن العربي وقد راحت تطفو على القباب والحنايا والقناطر؟ أرأيت إلى سُوَرٍ من القرآن كيف أذابها الذكاء في شتى الألوان؟ في سبيل الله، وفي سبيل مجده الذي لا يبلى قام هذا الصرح المُشمَخر ثم تنَكَّر الزمن وجَهُمت نواحيه، فتنكرت الأشياء وجَهُمت المشاهد، وأرعد في الأفق الذي تسرب إليه صوت المؤذن حلواً صافياً، صوت النواقيس، وقام الرهبان يدعون في أغانيهم الشجية الكئيبة إلى المسيح في محراب كان بالأمس مزهواً بالمؤمنين، وامتلأت السُّوح بالدُّمى والتماثيل، وتقاصرت ظلال الشمس أمام أنوار شاحبة تريقها الشموع والمصابيح! وقف (المنصور بن أبي عبد الله) في مسجد قرطبة تحت القبة المرمرية وهو يحدِّق إلى العُمُد والحنايا هادئا ناعم الجأش، ثم مضى يتخافت بصوته: (أيتها القبة الرفيعة المنار، لقد ظللت في الماضي بيت الله، ثم عدت إليك فرايتك تظللين بيتاً غريباً، ثم أصغيت إليك، فإذا بك ترددين صلاة ما كانت لبناتك الأولين! لقد هَدْهَد الزمن حماستك، وأطفأ كبرياءك، فجمدت على خطبك الكريه، وصبرت لبؤسك

стр. 11289

الأليم، ولكن نفسي وقد صاغها الله من معدنٍ ضعيف مازالت - وا رحمتاه لها - ملتاعةً أسوانة حتى أعجزها اليأس عن الصبر فما عادت تطيق شجنها المجاهد!) وانثنى الفتى العربي إلى الماء المقدس يمسح به رأسه ويغسل جبينه، ثم جفا المسجد وراح إلى فرسه فنهض على ذؤابته فانطلق به يعدو في الطريق، واخذ الهواء المستفيض في الأفق يعبث بغدائره المرسلة ويلاعب ريش قبعته المطرزة! اشرف الفارس العربي على طريق القلعة حيث تجرى أمواه الوادي الكبير متطامنةً هادئة، فبدت له الخضرة والرياحين والأعناب وشجر اللوز الباسق المتهدل وأزهار البرتقال الكاسية الضافية فلذّ الغناء فغنى، وراحت نغماته العذاب تختلط بأغاني الطيور! وإنه لكذلك إذا قصر القلعة يلوح له عن بعد فطفر إليه مستروحاً إلى غناء رقيق يستفيض من حواشيه! في هذا القصر عزلات هانئة أوت إليها (كلارا الفاريس) وهي فتاة طفّارة وثّابة فارق أبوها مغناه إلى أرض (النافار) فاستغدى الغرق في المرح والأهواء خلال غيبته عن القصر! وقف المنصور بن أبي عبد الله في ناحية دانية من القصر وطفق يُصغي إلى عزيف لذٍّ هادئ، وقد بهرته الأنوار وأشجته الأعراف، فتمايد من الطرب، فنحى ناحية القصر يريد التوغل في جنته بين ورده وأقحوانه! وكان القصر يعج بالحسان والفرسان، فزرف المنصور إليه فإذا هو بين الراقصين والراقصات والمغنين والمغنيات، ثم عاد ينظر إلى نفسه فإذا هو أملح فرسان هذه الليلة الساهرة شباباً وأعذبهم حديثاً، بل لقد كان أمضاهم في الإغراء والاستهواء؛ ولما استوثق من فتون عينيه، مضى إلى هذه الأسراب الناعمة الطفَّارة، يحدث غانية عن حب أجَنَّهُ في قلبه وحرص ألا يذيعه إلا على مسمع منها، حتى إذا أمله العبث والمجون، طفر إلى غانية أخرى فاحتبسها بين ذراعين محمومتين مشبوبتين، ثم شعر بالملل فارتد عنها إلى ثالثة يعانقها ويخاصرها تحت قباب من المرمر، ثم جفاها إلى أختها ملولا من هوى شديد التقلب! وكان يمضى إلى حسناء من حسان القصر فيسألها أن كانت عنه راضية وبه ناعمة، ثم يومض بيديه إلى صليب من الذهب يَخطِف بريقه على صدره، ويقسم للكاعب اللّعوب أن

стр. 11290

مكانها من صدره مكان هذا الصليب! وإنه لنصرانيته على وفاء غريب! سكن القصر، فسكنت فيه اللذات والأهواء، وانطفأت تحت قبابه الأنوار والأضواء، وأنقلب الفرسان إلى مضاجعهم صرعى هوى وصهباء، وخلا القصر إلا من ربته الحسناء، وفارسها العربي ذي البهاء، وإلا من شمع ضعيفة السنا والسّناء! جلست الحسناء الأسبانية إلى فراش ناعم وثير، والفتى العربي جاثم على ركبتي الحبيبة، صريع سهد وأرق، يُريدُ عينيه على إغفاءة لذيذة فتملس هذه الإغفاءة من عينيه الضحوكين! وإنه لسادرٌ في حمى شديدة من أرق شديد، إذا تلك الحسناء اللعوب تريق على غدائره ماء الورد من قوارير حفّت بالعجب، وازينت بالذهب، وهي بعد منزوفة سكرى من الحبّ والطرب، لقد كانت تفعل ذلك سادرة حيرى، والفتى العربي غريق هواجس وأحلام، وشهيد ذكريات وأوهام، وكان صدره يلوح محتدماً مشبوباً تمزقه الزفرات، وتقطعه الآهات! ثم ابتعث الحب في قلبه سكراً فسلبها صحواً، فأقبلت إلى فتاها تسعى، وراحت تَلثمُ شفتيه وقد عادتا كاللّظى، وهو في سبحه غريق حب وهوى وحدَّقت إليه مبهولةً واجمة، فرأت على جبينه وقد عاد مسفوعاً مقروراً غمامةً بلون الدجى! فشجيت حتى لقد هدَّها الشجى، وبكت وأنصبّ دمعها على جفنيه فاستفاق راعشاً من هذا الندى! لقد هزَّته وهو يحلم! بلى لقد كان يحلم! وقد رأى في حلمه القصير كأنه لا يزال في مسجد قرطبة الجامع، وخيل إليه أنه لا يبرح يطوف بالماء المقدَّس يغسل به جبينه كأنه عريقٌ في النصرانية أشجاه هذا الذي تمثل ورأى، وشعر بأن جوانب المعبد تميد ميداً، وإن ألوف الأصوات أخذت تطفو على نفسه فلا يستطيع لها رداً! ثم خيل إليه أنه يسمع قعقعة العمُد، وصليل القباب وهي تنهار، كأن مسجد قرطبة الجامع قد عاف عيشه الخابي، فتداعى مغيظاً مُحنقاً وتمثّل الناس والرهبان وآلهة النصرانية وقد طوتهم الأنقاض، فاستفاق راعشاً، وأنطلق يعدو في القفر البعيد النواحي شاجناً ناشجاً، وقد خلف حبه في القصر يائساً معروف الارناءوط

стр. 11291

قصة المكروب كيف كشفه رجاله ترجمة الدكتور احمد زكي وكيل كلية العلوم بستور والكلب المسعور وصل الفائت لم يستطع بستور رؤية مكروب داء الكلب لصغره ومع هذا رباه في مخ الأرانب فتربى، وذلك لان حقن لعاب كلب مسعور في أرنب، ثم أخذ نخاع هذا الأرنب فحقنه في مخ كلب فمات. فعلم بذلك أن مخ الأرنب ونخاعه غذاء طيب يتربى المكروب عليه. واتجه مع أعوانه الشباب إلى تأنيس المكروب ليصنعوا منه لقاحا ففشلوا، ويئس الأعوان الشباب، أما بستور الشيخ العاجز فلم تضعف عزيمته ولا قل رجاؤه قال الشابان: (انه يا أستاذنا لا فائدة من كل هذا)، وأشاحا بأيديهما في تخاذل إلى الأقفاص بحيواناتها الشلاء وإلى ركام الأنابيب والقوارير فصوب الشيخ عينه فيهما تصويباً شديداً، وعلته جَهمة خالا معها أن شعره الأشيب المخِفّ تصلب واستقام، وصاح فيهما: (أعيدا هذه التجربة نفسها مرة اخرى، ولو أنها خابت آخر مرة. قد تتراءى لكما الحماقة في الذي اقول، ولكن الشيء المهم الآن أن تظلا غامرين أيديكما في الموضوع الذي أنتما فيه فلا تغسلاها منه فتنفضا عنه). هكذا ظل ينخّسهما حتى يعيدا مرة بعد أخرى تجارب لا أمل فيها ولا رجاء. فهذا كان دأبه دائما؛ تُعْوِزه الحجة، ويصرخ المنطق والحقائق غاضبة في وجهه، ومع هذا يتشبث بالتجربة العقيمة، ويتغافل جنوناً عن وحي الرأي العادي السليم، ولكنه تشبثٌ وتغافلٌ يُفضيان أحيانا من طريق الخيبة إلى النجاح المأمول لكأني بك تسألني لم كان عقيما محاولة تأنيس مكروب الكلب هذا؟ ولم وجبت إضاعة الرجاء في ترويضه؟ أوْجَبَ ذلك يا سيدي أن تاريخ الإنسان كله لم يذكر حالة واحدة

стр. 11292

أصيب فيها إنسان أو حيوان بهذا الداء ثم اشتَفى. أن هي إلا أعراضه تظهر على المريض، وتبلغ جرثومة الداء إلى نخاعه ومخه، حتى يضيع فيه الرجاء. وأي جرثومة فتّاكة قتّالة! وهذه الجرثومة يا سيدي هي التي حملها بستور وأصحابه عارية على أطراف مشارطهم تكاد تهمّ أن تسقط البلاء عليهم. هذه الجرثومة هي التي مصها بستور وأعوانه في أنابيب الزجاج حتى بلغت إلى شفاههم إلا بوصة واحدة، وإلا قطعة من القطن فصلت بينها وبين أفواههم وفي ظلمة اليأس الذي هم فيه أشرقت بارقة من الأمل؛ وفي صموت الكآبة التي هم فيها سمعوا نغمة موسيقية حلوة بعثت فيهم الرجاء. ذلك أنهم ذات يوم وجدوا كلباً من الكلاب حُقنت بالمادة الوبيئة شُفي بأعجوبة بعد أن ظهرت عليه أعراض الداء من ارتعاد وعواء، وبعد أسابيع قاموا في لهفة إلى هذا الكلب، وهو أول مشتفِ من هذا الداء، فحقنوا الوباء في مخه حقناً، ولكن ما أسرع ما أندمل جرح رأسه! وتربص بستور به الموت، ولكن الموت لم يأته، وظل أشهراً يلعب ناشطا في قفصه وقد تمت حصانته كل التمام قال بستور لرجاله: (الآن أنفتح لنا ما استغلق، وعلمنا أن لنا أملاً في النجاح. . . أن الحيوان إذا جاءه داء الكلب ثم أشتفى منه فلن يعود إليه هذا الداء من بعد ذلك. . . فلم يبق علينا إلا أن نجد طريقة لإضعاف الجرثومة وتأنيسها). فأمّن رجاله على ما يقول وفي قلوبهم أن لا سبيل إلى تأنيس هذه الجرثومة أبداً وأخذ بستور في اختراع تجارب مما لا يستطيعها الجن بَلهَ البشر، وانتثرت على مكتبه تخطيطات عدّة منها كأنها الخط الهيروغليفي، وكانت تجتمع عنده في صباح اليوم نتائج تجارب الأمس فيدعو إليه في الساعة الحادية عشرة صباحا عَوْنيه رو وشمبرلاند، فيقرأ عليهما خطة جامحة أخرى يختطّها ليصل بها تحسساً في الظلام إلى هذه الجرثومة التي لا تُرى ولا تُنال رجاء أن يُضْعفها - خطة تأخذ بإصبعه إلى باطن الأرض فتحط به على رأس الجرثومة حطاً كان يقول لهما بستور: (جرّبا هذه التجربة اليوم) فيقولان له في اعتراض: (ولكن هذا غير ممكن عملاً) فيقول بستور: (ومع ذلك أجْرياها، أجرياها بالطريقة التي تتراءى لكما بشريطة أن

стр. 11293

تُحسناها) كان مثل بستور في ذلك مثل بتهوفن يُضمن سِنْفُونياته الموسيقية دورا لا يلعبه إلا البوق وهو ليس عنده، ولكنه لا يلبث بعد خلق الدور أن يخلق بوّاقاً. كذلك كان بستور في تلك الأيام يفتن في التجارب افتناناً، ثم بعد ذلك يجد من ذكاء عونيه وحرصهما ضميناً لإنجاحها وأخيراً اهتدوا إلى طريقة لتأنيس جرثومة الكلب، وذلك بأن استخرجوا قطعة من نخاع أرنب مات من الداء، ثم علقوها مدة أربعة عشر يوماً في قارورة لا تدخلها جراثيم الهواء، فلما جفّت وانضمرت حقنوها في أمخاخ كلاب سليمة فإذا هذه الكلاب لا تموت! قال بستور: (مات الجرثوم! أو خير من ذلك أُضعف إضعافاً كبيراً)، وتلك النتيجة الأخيرة نطّ إليها بستور نطاً بلا سبب مقبول ولا مبرر معقول. قال: (والآن فلنجفف قطعاً أخرى من النخاع الوبيء اثني عشر يوماً، ثم أخرى عشرة أيام، فأخرى ثمانية ثم ستة، ثم نرى أنستطيع بهذه القطع أن نعطي كلابنا قليل من الداء. . . إذن والله لتحصنت منه وأخذوا جميعاً في سبيل هذه التجربة الخالية، ومضت أربعة عشر يوما ذرع فيها بستور أرض المعمل رائحاً غادياً بين القوارير والمجاهر والأقفاص المنثورة فيه، وعبس وتسخط، وخط في كراسته الشهيرة ما شاء له الخاطر أن يخط؛ وفي اليوم الأول حقنت كلاب بالنخاع الوبيء الذي جفف أربعة عشر يوماً، وفي اليوم الثاني حقنت بالنخاع الأقوى وباء، ذلك الذي جُفف في القارورة ثلاثة عشر يوماً، وهكذا إلى اليوم الرابع عشر وفيه حقنت الكلاب بالنخاع الذي جفف يوماً واحداً، وبه وباء لا شك يقتل الكلاب لو أنها فوجئت به أول مرة وظلوا جميعا ينتظرون هذه الكلاب أياماً شابت فيها رؤوسهم، ولكن شيء من داء الكلب لم يظهر عليها أبداً. فانبسطت أسارير هذه الأغوار الثلاثة التي قامت تحارب الموت فتكشر له كما كشر. حقنوا في الكلاب أربعة عشر حقنة وبيئية فلم يصبها من الضرر قليل أو كثير. ولكن هل هي حقاً تحصنت من الداء؟ وخشي بستور أن لا تكون، فأجفل من ذكرى ضياع كل هذه الأعوام في عمل غير نافع. لكأني بك تسمعه يقول لنفسه: (أنا اليوم شيخ عاجز، والأيام تجيء فلا تزيدني إلا عجزاً. . .)، وكان لابد من إجراء التجربة الفاصلة الأخيرة. وكان لابد لبستور أن يتجلّد على

стр. 11294

إجرائها مهما كانت عاقبتها. كان لابد له أن يعلم أتحتمل هذه الكلاب بعد كل الذي جرى لها حقنة قوية غير مضعفة من التي تحقن في الكلاب المائة السليمة فتقتل منها المائة وذات يوم ثقب رو في رأس كلبين من هذه الكلاب ثقبا حقن فيه وباء قوياً لم يُضعف. وفعل مثل ذلك في كلبين سليمين لم يحقنا بحقنة أبداً وبعد شهر أيقن بستور وأصحابه أن النصر أتاهم أخيراً بعد عمل ثلاث سنين. فالكلبان اللذان كانا حقنا أربع عشرة مرة ظلا يجريان في قفصيهما ويلعبان ولم يتوعكا أصلاً، أما الكلبان الآخران اللذان لم يتحصنا فنبحا آخر نباح وماتا من الداء إن بستور له شخصيتان، فهو مخلص الأرواح وبحّاثة في آن، وهما شخصيتان دائماً متنازعتان، ودائما تجور أولاهما على أخراهما. لذلك ما كاد يطمئن إلى النتيجة الطيبة التي خرج عليها من هذه الكلاب، حتى دارت رأسه بالخطط الكثيرة يرسمها ليمحو بها داء الكلب من على ظهر هذه البسيطة. فكانت له في ذلك مئات المشروعات كلها سخيفة، دار منها في عالم أدكن من الخيال، وسلك فيها من الفكر سُبُلاً كثر ضبابها واشتد، فلم يستطيع رو وشمبرلاند أن يخترقاه فضلا فيه وضلت فيه زوجه كذلك. وكان ذلك عام ١٨٨٤، وفي هذا العام نسي بستور مما هو فيه عيد زواجه، فأساء هذا النسيان إلى زوجه، وهي التي عانت في حياتها ما عانت، فكتبت إلى أبنها تشكو: (إن أباك غارق في أفكاره؛ وهو قليل الكلام، قليل النوم، وهو يستيقظ مع الفجر؛ واختصاراً هو يجري في هذا اليوم على نفس الأسلوب الذي جرى عليه منذ التقت حياتانا من خمس وثلاثين سنة كاملة) ومن تلك الخطط الجامحة أنه رأى أن يحقن هذا المكروب المضعف في كل كلاب فرنسا في دفعة نابليونية واحدة. قال للبيطار الشهير نوكار (يجب أن نذكر أن الإنسان لا يصاب بداء الكلب أبداً إلا إذا هو عضه كلب مكلوب فإذا نحن محونا هذا الداء من الكلاب محوا كاملا. . .) فضحك نوكار من قوله وهزّ رأسه إنكارا، ثم قال له: (إن في باريس وحدها مائة ألف من كلاب وجِراء. وفي فرنسا مليونان ونصف مليون منها، فإذا أنت أردت أن تحقنها دفعة واحدة، وأن تحقن كلا منها أربع عشرة حقنة في أربعة عشر يوما، فمن أين لك بالرجال؟ ومن أين لك بالزمان؟ ومن أين لك يا عزيزي الأفخم بهذا العدد من الأرانب؟ بل من أين تأتي بأنخعة وبيئة تصنع منها ألف لقاح فحسب؟

стр. 11295

وأخيراً طلعت على بستور فكرة بسيطة أخرجته من ورطته. قال لنفسه: (ليست الكلاب هي التي نعطيها الألقحة، بل الرجال التي عضتها الكلاب. ألا ما أحصر! ألا ما أيسر! يعض الكلب المسعور رجلا فلا يختمر الداء فيه ولا تظهر أعراضه عليه إلا بعد أسابيع. . . إن الجرثومة إذن تستغرق كل هذه الأسابيع لتصل من مكان العضة إلى مخ الرجل. . . إذن نحن نستطيع في هذه الفترة أن نحقن في الرجل حقناتنا الأربع عشرة وبذلك نحميه من المرض قبل اختماره.) وما أسرع ما دعا إليه رو وشمبرلاند وقاموا بتجربة هذا الرأي في الكلاب أولا فوضعوا كلابا مريضة في أقفاص واحدة مع أخرى سليمة فعضتها. كذلك جاء رو بكلاب أخرى سليمة وحقنها بحقنة فاتكة من نخاع أرنب وبئ، ثم جاءوا بجميع هذه الكلاب، المعضوضة والمحقونة بالوباء، تلك الكلاب التي لاشك هي لاقيةٌ حتفها إذا تُركت لشأنها، فحقنوها جميعا بالأحقنة المحصنة الضعيفة فالأقل ضعفاً حتى استتمت أربع عشرة لكل منها، فما الذي كان؟ كان الفوز كل الفوز، فكل مخلوق من تلك الخلائق صد عن نفسه في استكمال وخفاء هجمة هذا الوباء. وبستور الذي عانى من ألقحة الجمرة الذي عانى، صاح يدعو إلى تأليف لجنة من خير رجال الطب في فرنسا تقوم بامتحان تجاربه والحكم لها أو عليها. وجاء حكم اللجنة فإذا به يقول: (إن الكلب إذا حُصِّن بأنخعة الأرانب الوبيئة التي ماتت من هذا الداء، بأن يُحقن بالتدرج بضعيف الوباء فالأقل منه ضعفاً، فهذا الكلب لا يأتيه الكَلَب أبداً) فتساقطت الرسائل على بستور من كل صوب، رسائل هالعة من كتب وتلغرافات جاءت تنصب عليه أنصباباً من أطباء مداوين، ومن آباء جازعين، وأمهات راجفات يطلبن الغياث لأطفال لهن عضتها كلاب مسعورة. حتى إمبراطور البرازيل العظيم تنازل من عليائه فكتب إلى بستور سائلاً راجياً ولن أحدثك كثيراً عن هم بستور في تلك الأيام، ذكر ما كان قاساه من لقاح الجمرة وشتان ما بين الجمرة والكلَب. ففي الجمرة إذا ازدادت قوة اللقاح عن القدر المقدور ماتت شياه من جراء ذلك. أما هنا في الكلَب فخطأ في التقدير يفضي إلى ضياع أرواح البرايا من رجال وأطفال. . . لم يقع أحد من صيادي المكروبات في حيرة مثل هذه، ولم تقع عليه مسئولية

стр. 11296

كتلك. . قال بستور لنفسه: (لم يمت كلب من كلابي بسبب لقاحي أبداً. والذي عُضَّ منها فحقن بهذا اللقاح احتمى من الداء احتماء كاملاً. فلا شك أن الذي حدث في الكلاب يحدث في الإنسان. . . ولكن. . .) ومرة أخرى عاود الأرق هذا البحّاثة المسكين من أجل أنه كشف كشفاً بلغ من الإبداع مبلغاً بعيداً. فكان يرقد على ظهره في سريره وينظر في كتل الظلام التي فوقه فيرى فيها خيالات من أطفال تصرخ في طلب الماء لحلوق جافة مخنقة بالداء، أول شيء تأباه وتخافه هو هذا الماء، ويخال أنه هو الذي جاءها بداء الكلَب بسبب خطأ في لقاحه فيُجفل من تلك الخيالات إجفالاً ومرت به ساعة عاوده فيها حب المباغتات على نحو ما يجري على المسارح من المفاجآت، أراد أن يكون بطل الدرامة، فكتب إلى صديقه القديم فرسيل يقول: (أميل كثيراً إلى أن أبدأ بنفسي فاحقنها بهذا المكروب القاتل ثم أدفع فعله بلقاحي، فقد والله بدأت أحس في قلبي الثقة بنتائجه) ولكن رحمة الله به ساقت إليه أخيراً من حل في التجربة محله فوقته شر ما أعتزم عليه في أمر نفسه: جاءته امرأة من الألزاس تسعى إليه دامعة العين، ودخلت معمله تجر وراءها ولداً لها اسمه يوسف في التاسعة من عمره جرحه كلب مسعور في أمسه الأول أربعة عشر جرحاً، وكان ينشج بالبكاء، وقد ملأه الرعب وارتعدت فرائصه فلم يكد يستطيع سيراً صاحت ألام راجية: (سيدي بستور، أنقذ ولدي!) فسألها بستور أن تعود إليه في مساء اليوم، وقام هو لزيارة طبيبين يدعى أحدهما يليبان ويدعى الآخر جرانشيه وكانا من أحبابه ونُصرائه، وكانا في معمله فرأيا فيه كيف استطاع أن يخلص الكلاب من بلواها بعد أن عضتها كلاب مسعورة عضاً شديداً، وفي المساء ذهبا معه إلى الطفل فلما رأى يليبان جروحه عابسة متقيحة ألح على بستور أن يقوم بتلقيحه تواً. قال: (قم يا رجل وابدأ علاجك، فانك أن لم تفعل مات هذا الغلام لا محالة) وفي هذه الليلة، الليلة السادسة من يوليو عام ١٨٨٥، حقنت أول حقنة من لقاح الكلَب في أدمي، وقضى الطفل أربعة عشر يوما أخذ فيها أربع عشرة حقنة من إبرة تحت الجلد فلم يصبه سوء، ثم عاد إلى الألزاس فلم يأته بعد ذلك عرض من أعراض هذا الداء المخوف

стр. 11297

أبداً في العدد القادم آخر مقال عن بستور احمد زكي

стр. 11298

أندلسيات: ابن بسام صاحب الذخيرة والشاعر أبو مروان الطُّبني للأستاذ عبد الرحمن البرقوقي ومادمنا قد ترجمنا للفتح بن خاقان صاحب مطمح الأنفس وقلائد العقيان، وقد بان لك من هذه الترجمة أن ابن بسام كان معاصراً للفتح، وأنهما يتشابهان من وجوه شتى أن لم يكن منها إلا أنهما كليهما تصديا للكلام على أدباء عصرهما وشعرائه لكفى؛ نقول مادام الأمر كذلك كان جميلاً بنا أن نردف ترجمة الفتح بترجمة ضريبه ابن بسام. . . . وسيمر بك قربا ما نتعرف به سبب ذكرنا الشاعر أبا مروان الطُّبْني مع ابن بسام في ترجمة واحدة. . . (ثم وإما بعد) فإنا إلى هذه اللحظة التي تترجم فيها لابن بسام لم نعثر على ترجمة قد عقدها له وأفردها للقول عليه، وإن كان مؤرخو الأندلس وغير الأندلس كثيراً ما ينقلون عن هذا الأديب كعمدة لهم، وثبت فيما يعالجون من تاريخ أدباء الأندلس، حتى أن المقري ذكره في نحو من أربعين موضعاً من نفح الطيب ولم يفرد له على ذلك ترجمة، وكذلك كثيراً ما ينقل عنه ابن خلكان وغير ابن خلكان. . . . ومن غريب الأمر في هذا الباب، ومن سوء حظ هذا الأديب، بل من تخبط الناس في أمره، أنك ترى النسخ المخطوطة للذخيرة في دار الكتب سواء أكانت المكتوبة بخط مغربي أم المنقولة عنها بخط مصري قد غُمَّ على نساخها وشبه لهم، واختلط الليل بالنهار، فظنوا أن صاحب الذخيرة هو ابن بسام المعروف بالبَسَّامي الشاعر الهجاء البغدادي المتوفى سنة ثلاث وثلثمائة، ونقلوا ترجمة هذا الشاعر من ابن خلكان كما هي وألصقوها بصاحب الذخيرة، وصدق فيهم بهذا التخبط الغريب قول عمر ابن أبي ربيعة: أيها المنكح الثريا سهيلاً … عْمرَكَ الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت … وسهيل إذا استقال يمان واقْعَدُ من هذا في باب التخبط والتخليط أن خطبة الذخيرة الحقيقية كما سيمر بك. . وقد مر

стр. 11299

على واضعي فهرس دار الكتب هذا التخليط فلم يتفطنوا إليه، وظنوه صحيحاً، وقالوا إن الذخيرة هي لابن بسام المعروف بالبسامي الشاعر الخ الخ ونقلوا نتفاً من هذه الخطبة المفتلة، وإن كان لهم في هذا الصنيع كل المعذرة. . . (وبعد) فأنا على هذا كله سنقدم إليك صورة وان مُصغَّرة لهذا الأديب الأندلسي العظيم لقد التقطنا أجزاءها من ههنا وههنا أزلفنا في ترجمة الفتح أن أبا الحسن علي ابن بسام صاحب الذخيرة كان في زمن الملثمين - يوسف بن تاشفين وأولاده - ونزيد هنا أن حياته امتدت إلى أيام أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي رأس دولة الموحدين الذين أدبل لهم من الملثمين وآضوا بذلك ملوك المغرب والأندلس، إذ جاء في نفخ الطيب ما نصه: (وتأخرت وفاته - أي وفاة ابن بسام - إلى سنة ٥٢٤) ويبدو من هذا أن ابن بسام عاش بعد الفتح بن خاقان نحواً من سبعة عشر عاماً. . . ولد ابن بسام في شنترين وهي بلدة من الُكوَر الغربية البحرية من أعمال بطليوس، ومن ثم يقال له الشَنْتريني، ومن مؤرخي الأندلس من يقول الشَّنْتمَري نسبة إلى بلدة بالأندلس في الشمال الشرقي لقرطبة يقال لها شنْت مَريّه (أي مريم المقدسة)، وفي هذه البلدة يقول الأديب النحوي أبو محمد بن السيد البطليوسي: تنكرت الدنيا لنا من بُعدكم … وحفَّت بنا من معضل الخطب ألوان أناخت بنا في أرض َشنْتَ مرِيَّة … هواجس ظن خان والظٌّن خَوّان رحلنا سَوامَ الحمد عنها لغيرها … فلا ماءها صدَّا ولا النبتُ سعدان ولم يحدثنا المؤرخون عن مولده ونشأته، ولا عن مشيخته وكيف تعلم، فلا علينا إذا نحن تخطينا هذا واكتفينا بالكلام عليه من ناحية منزلته الأدبية وإيراد شيء من منظومه ومنثوره والقول على أثره الخالد كتاب الذخيرة. . . كان أبو الحسن علي بن بسام صاحب الذخيرة أديباً كاتباً شاعراً، وكان المنثور أغلب عليه من المنظوم، مثله في ذلك مثل الفتح، فكان منثوره فائقاً بارعاً جميلاً وأن كان يغلب عليه السجع كسائر معاصريه، أما شعره فقد كان دون نثره. ومما عثرنا عليه من شعره أبيات أوردها العالم الأديب أبو الوليد إسماعيل بن محمد الشقندي الأندلسي المتوفي سنة ٦٢٩ في رسالته البديعة التي يفضل فيها الأندلس وأهل الأندلس على بر العُدوه - مراكش - وأهل

стр. 11300

بر العدوه، قال الشقندي: وهل منكم من يقول منادياً لنديمه، وقد باكر روضا بمحبوب وكأس، فألفاه قد غطى محاسنه ضباب فخاف أن يكسل نديمه عن الوصول إذا رأى ذلك وهو أبو الحسن بن بسام: ألا بادر فلا ثان سوى ما … عهدت الكأس والبدر والتمام ولا تكسل برؤيته ضبابا … تغص به الحديقة والمدام فان الروض ملتثم إلى أن … توافيه فينحط اللثام وجاء في نفح الطيب ما نصه: (وقال أبو الحسن علي بن بسام صاحب الذخيرة، وشهرته تُغني عن ذكره، ونظمه دون نثره يخاطب أبا بكر بن عبد العزيز أبا بكر المجتَبىَ للأدب … رفيع العماد قريع الحسب أيلحن فيك الزمان الخؤون … وُيعرب عنك لسان العرب وان لم يكن أفقنا واحدا … فينظمنا شمل الأدب أَصَدَّقْتَ أن منظومه دون منثوره! أذن لا تتوقع من ابن بسام الأديب الكاتب شعراً من النسق الأعلى، وهكذا شأن أكثر الكتاب كما نبهنا في كلامنا عن الفتح بن خاقان؛ وكذلك ترى أكثر الشعراء الفحول لا يجيدون المنثور وأظنك لا تجهل ما أورده العلامة ابن خلدون في مقدمته شرحاً لهذه الظاهرة: ويبدو لنا أن لابن بسام شعراً كثيراً في أكثر أبواب الشعر لم يتيسر لنا الوقوف عليه، يدل على ذلك تلك الأبيات التي يقولها الشاعر الوشاح الأندلسي أبو بكر بن عبادة القزَّاز في ابن بسام وهي: يا منيفا على السماكين سامى … حزت خصل السباق عن بسام أن تحك مدحة فأنت زهير … أو تشيب فعروة بن حزان أو تباكر صيد المها فابن حجر … أو تبكي الديار فابن خذام أو نذم الزمان وهو حقيق … فأبو الطيب البعيد المرامي وعلى هذا فلنضرب عن ابن بسام الشاعر، ولنعرض لابن بسام الكاتب ولأثره الفذ الخالد كتاب الذخيرة. . . نقول أن ابن بسام يمتاز من الفتح بأشياء: أهمها أنك لا ترى في أسلوبه ذلك التقعّر وتلك الطنطنة التي تراها في أسلوب الفتح، وإنما ترى أسلوبا هادئ متزنا رصينا جميلا،:. وانك

стр. 11301

ترى ابن بسام ناقداً بارعاً كثيراً ما يُعقب على ما يختار تعقيباً يدل على تمكنه ورسوخه في الأدب، ومن ثم كان أكثر من الفتح تقييداً، وعلماً مفيدا،. . وانك تراه أعفَّ لساناً، وأنزه بياناً من الفتح، فلا ترى منه ذلك الإقذاع الذي تراه من الفتح. واليك نموذجاً من تراجمه هو مصداق لما نقول، وهو ترجمته للشاعر الأندلسي أبى مروان بن زيادة الله الطُّبْني (يتبع) عبد الرحمن البرقوقي

стр. 11302

قصة واقعة: أعرابيّ في حمام. . . الأستاذ على الطنطاوي صحبنا في رحلتنا البرية إلى الحجاز، دليل شيخ من أعراب نجد، يقال له (صْلَبّي) ما رأيت أعرابياً مثله، قوة جنان، وفصاحة لسان؛ ولولا مكان النبرة البدوية من لسانه، لقلت قد أنصرف الساعة من سوق عكاظ لبيان لهجته، وقوة عارضته، وكثرة ما يدور على لسانه من الفصيح. . . وكان أبيّ النفس، أشم المعطس، عالي الهمة، كريم الطباع، ولكن فيه جفوة الأعرابي. . . رافقنا أياماً وليالي، فما شئنا خلة من الخير إلا وجدناها فيه: كان يواسينا إذا أُصبنا، ويؤثرنا إذا ضقنا، ويحمينا إذا هوجمنا، ويحرسنا إذا نمنا، ويقنع إذا قسمنا، ويشكر إذا أعطينا، ويصبر إذا منعنا، ويعذر إذا اعتذرنا، ويعفو إذا أسأنا ولين إذا اشتددنا، ولا يشتدّ إذا لنّا. . . على خفة روح، وسرعة جواب، ونكتة حاضرة، وشجاعة نادرة. . . قلنا له مرة: - إن (صْلبة) في عرب اليوم، (كباهلة) في عرب الأمس، قبيلة لئيمة خسيسة، يأنف الكرام من الانتساب إليها، وأنت فيما علمنا سيد كريم، من سادة كرام، وليس لك في هذه القبيلة نسب، فما بالك تدعى (صْلبي) ولا تغضب؟ - فقال: صدقتم والله، ما أنا من (صْلبة) ولا (صُلبة) مني، أني لكريم العمّ والخال، ولكن لهذا الاسم قصة وأنا قاصّها عليكم - قلنا له: هات - قال: كان أبواي مُثكلَين لا يعيش لهما ولد، فلما رزقا بي تاسع تسعة ماتوا جميعاً، وأعجزتهما الحيلة، احتسبا عند الله مصيبتهما بذل الاسم، وسمياني صْلبي - قلنا: أن سمياك صْلبي عشت؟ - قال: نعم! أن عزرائيل أكرم من أن يقبض روح صْلبي؟ وأرفع من أن يمسه بيد. . . - وسألناه مرة: هل أنت متزوج يا صْلبي؟ - قال لقد كنت متزوجاً بشر امرأة تزوجها رجل، فما زلت أحسن إليها وتسيء إلي حتى

стр. 11303

ضقت باحتمالها ذرعاً، فطلقتها ثلاثاً وثلاثين - قلنا: أنها تبين منك بثلاث، فلم الثلاثون؟ - قال: صدقة مني على الأزواج المساكين الذين لا يجدون ما يطلقون. . . وطال بنا الطريق إلى تبوك، وكاد ينفذ ما كان معنا من ماء، وخشي القوم الموت، فاقبلوا كلهم على صْلبي، يتذمرون من بُعد تبوك وطول الطريق، فتركهم حتى إذا أنفض كلّ جعبته قال لهم ضاحكاً: - معكم الحق، أنها بعيدة، ولكني اقسم لكم بالله أني لم أضعها هناك. . . وليس لي في بعدها يدان ولم يكن صْلبي يعرف المدن الكبيرة، ولم يفارق الصحراء قط إلا إلى حاضرته تبوك (وتبوك قرية فيها ستون بيتا. . .) فلما بلغنا - قافلين - مشارف الشام: أغريناه دخول الدينة، وجعلنا نصف له الشام: رياضها وأنهارها، وعظمها وعمرانها، فيأبى؛ وكنت صفيّه من القوم خليله ونجيّه، فجعلت أحاوله وأداوره وبذلت في ذلك الجهد، فلم أصنع معه شيئا، لما استقر في نفسه من كراهية المدن وسوء الظن بأهلها. . . فتركناه مرغمين، وودعناه آسفين! وعدت إلى دمشق، فانغمست في لجة الحياة، وغصت فيها إلى أذنيّ، ونسيت صْلبي وصحبته، وكدت أنسى الصحراء وأيامها؛ ومرت على ذلك شهوراً. . . وكان أمس فلمحت في (باب الجابية) وسط الزَّحم الهائل وجهاً أعرفه، فذهبت أنظر إليه، فإذا هو وجه صْلبي بعينه وأنفه. . . فأقبلت عليه مسروراً: - صْلبي. . . هذا أنت؟ - قال: لا صْلبي ولا ملبي. . . - قلت: لم ويحك؟ - قال أنا في طلبك منذ ثلاث، ثم لا تأتي إلي - فقلت له ضاحكا: وأيّ ثلاث، وأيّ أربع، وأيّ خمس؟ أتحسبها تبوك فيها ثلثمائة إنسان؟ إنها دمشق يا صْلبي فيها ثلثمائة ألف؟. . . - قال: صدقت والله!

стр. 11304

وأخذت بيده فاستخرجته من هذه الزحمة، وملت به إلى ندىّ (مقهى) قريب، فجلسنا فيه ودعوت له بالقهوة العربية والشاهي فسر وانطلق يحدثني، فقال: لما فارقتكم ورجعت أسير في هذه البادية وحيداً، شعرت بالوحشة وحننت إلى هذه الأيام التي قضيتها معكم، فاستعبرت وجعلت ألوم نفسي وأقول: يا نفس ما كان ضرك لو أجبت القوم ورددت الشام فرأيت ما لم تري؟ وانصرفت إلى أهلي فلبثت فيهم شهراً، ثم دعاني الأمير فارتحلت إليه، فإذا عنده رهط من أهل الحضر يريدون دليلاً، فسرت معهم أدلهم حتى بلغت بهم مشارف الشام، فدعوني وألحوا عليّ فاستجبت لهم فدخلوا بي دمشق. . . فلما بلغنا (الميدان) وصرنا بين البيوت، رأيت سيارة كسياراتكم تلك، ولكنها أكبر وأضخم، ولها نوافذ وفيها غرف، وقد خطوا لها خطين من حديد فهي تمشي عليهما، فقال صاحبي: هذا هو الترام، فتعال نركب فيه قلت: لا والله ما أحب أن أركبه فزينوه لي وحببوه إليّ، حتى استحييت منهم لطول ما يسألونني وآبى، فدخلت ويدي على خنجري أن رأيت من أحد ما أكره وجأته به، وعيني إلى النافذة أن رابني أمر قفزت إلى الطريق، وجلست حذراً، فما راعني إلا رجل بثياب عجيبة، قد شق إزاره شقاً منكراً، ثم خاطه حول فخذيه، وارتدى برداء ضيق، قد عمد إليه فصفف في صدره مرايا صغيرة من النحاس ما رأيت أعجب منها، فبدا كأنه قرد. . . ولم أدر ما هو، ثم رجع إليّ ما غرب من عقلي، فقلت رومي مجنون من هؤلاء الروم الذين يحكمون الشام، وخف إن أنا لنت له أن يسطو عليّ، فسللت خنجري لأغمده في صدره إذا هو انتهى إليّ، فقام إليّ صاحبي يقول: - مالك يا صْلبي، ماذا عراك؟ - قلت: ألا ترى الرومي المجنون؟ - قال: أي رومي يا صْلبي؟ وأي مجنون؟ - قلت: هذا؟ آما تراه؟ - قال: هذا جابي الترام - قلت: جبّك الله!! وسكت فقد أقبل هذا القرد على صاحبي، فمد إليه يداً كأنها حجر الرحى، فوضع فيها جُبنة

стр. 11305

قرشين، فأعطاه بهما فتاتة ورق فما رأيت ولله صفقة أخسر منها، وعجبت من صاحبي إذ يشترى بقرشين اثنين ورقة ما تصلح لشىء، ولكني جلست صامتاً، وما هي إلا هنيهة أخرى حتى أقبل علينا رجل كالأول، رومي خبيث، إلا أنه أجمل ثياباً وأحسن بزة، فأخذ هذه الأوراق فمزقها. . . فثأرت ثائرتي وقلت: هذا والله الذل، فقبح الله أعرابيا يقم على الضيم، ويرضى أن يسام الخسف. . . وقمت إليه فَلَبَّبتُه وقلت له: يا ابن الصانعة. . . أتعمد إلى شيء اشتريناه بأموالنا، ودفعنا فيه قروشنا فتمزقه، والله لأمزقن جلدة وجهك. . . . وحسبت صاحبي سيدركه من الغضب لكرامته، والدفاع عن حقه مثل ما أدركني، فإذا هو يضحك، وإذا الناس يضحكون لما يرون مني، لأن عمل هذا الرجل - فيما زعموا - تمزيق أوراق الناس التي اشتروها بأموالهم! ولما نزلنا من هذه الآفة، قال لي صاحبي: - هلم إلى الحمام؟ - فقلت: مالي وللحمام؟ - قال: تغتسل وتلقي عنك أدران السفر - قلت: أن كان هذا هو الحمام، فمالي بالحمام من حاجة، حسبي هذا النهر أغطس فيه فأغتسل - قال: هيهات. . . أن الحمام لا يعد له شيء، أو ما سمعت أن الحمام نعيم الدنيا؟ - قلت لا والله. ما سمعت: - قال: إذن تسمع وترى. وأخذني فأدخلني داراً قوراء في وسطها بركة يتدفق منها الماء فيذهب صعداً كأنه عمود من البلور، ثم ينثني وينكسر ويهبط وله بريق ولمعان: صنعة ما حسبت أن يكون مثلها إلا في الجنان. وعلى أطراف الدار دكك كثيرة مفروشة بالزرابي والأرائك والمتكئات كأنما هي خباء الأمير. فلم نكد نتوسطها حتى وثب إلينا أهلوها وثبة رجل واحد يصيحون علينا صياحاً غريباً، ويصرخون صراخ من به مسّ، فأدركت أنها مكيدة مدبرة، فانتضيت خنجري وصحت بهم: مكانكم، فوالله لا يدنو مني رجل إلا قططت رقبته. . . فأحجموا، وعجبوا ورعبوا، فقال صاحبي: أنه يمزح. ومال علي يعاتبني عتاباً

стр. 11306

شديداً، فقلت: أفلا ترى صنيعهم بنا، أفتحب أن ندعهم حتى يأخذونا، قال إنهم يرحبون بنا، ويسلمون علينا لا يريدون حرباً ولا قتالاً فصدقته وأغمدت الخنجر، وظن القوم أنه المزاح، فعادوا إلى حركاتهم وضجتهم، يدورون حولنا بقباقيبهم العالية، ويجيئون ويذهبون، وأنا لا أدري ما هم صانعون، حتى قادونا إلى دكة من هذه الدكك، وجاؤا ينزعون عنا ثيابنا، فتحققت أنها المكيدة وأنهم سيسلبونني خنجري حتى يهون عليهم، فقد عجزوا أن ينالوني وبيدي الخنجر فأبيت وهممت بالخروج. فجعل صاحبي يكلمني ويحلف لي، حتى أجبت واستسلمت، والموت أهون علي من أن أنزل عن سلاحي، وأمنحهم سلبي حتى يسلبوني، ولكنها المدينة دار المذلة والمهانة، وليست بالصحراء، ولو أني لقيتهم في الصحراء لجعلتهم طعمة للوحش والطير. . . حتى إذا تمّ أمر الله ولم يبق إلا الإزار، أرادوا نزعه عني، فقلت: أما من مسلم في هذا البلد؟ أما من عربيّ؟ أتكشف العورات فلا يغير أحد، ولا يغضب إنسان؟ فهدأني صاحبي، وقال: أفتغتسل وأنت متزر؟ قلت: لعن الله نظافة الجسم إذا كانت لا تأتي إلا مع نجاسة النفس، ويحك أتراني أضيع ديني وشرفي وأنكشف بعد هذه الشيبة، وتذهب عني في العرب، فتكون فضيحة الدنيا والآخرة؟ قال: ومن أنبأك أنك ستنكشف؟ هلا انتظرت؟ ودعا غلاما من أغلمة الحمام فقام دوني يسترني، ستره الله، حتى خلعت إزاري واتّزرت بإزار أبيض أعطونيه. . . وكان صاحبي قد تعرّى كما تعريت فأخذ بيدي فأدخلني إلى باطن الحمام فإذا غرف وسطها غرف، وساحات تفضي إلى ساحات، ومداخل ومخارج ملتوية معوجة يضل فيها الخرّيت، وهي مظلمة كالقبر، قد انعقدت فوقه قباب فيها قوارير من زجاج، تضيء كأنها النجوم في الليلة الداجية، وفي باطن الحمام أناس جالسون إلى أجران ضخمة من الصخر، عرى لا يسترهم شيء، فعلمت أنهم من الجن. وتعوذت بالله من الشيطان الرجيم، وجعلت ألتمس آية الكرسي فلا أجدها، فأيقنت لما نسيتها أن جنياً منهم لابد راكبني، وجعلت أبكي على هذه الشيبة أن تكون سخرية صبيان المدن. . . وإني لكذلك إذا بالخبيث يعود إلى يريد أن ينزع عني هذا الأزرار الذي كسانيه. . . فقلت: ويل

стр. 11307

أمهاتكم! ما ألأمكم! أتأخذون ثيابي وسلاحي، ثم تضنون عليّ بثوب يسترني؟ الرحمة يا مسلمون، الشفقة يا مؤمنون! أأفتضح في الأنس والجن؟ ووثب الجن عليّ وحدقوا بي وهم عرى، فَقفَّ والله شعر بدني، وامتلأت فزعاً؛ فقال صاحبي وهو يضحك: أعطهم الإزار لقد أضحكت الناس علينا قلت: ويحك، وهل أبقى عريان؟ قال: لا، سنعطيك غيره. أن هذا جديد يفسده الماء فاستخذيت وأطعت، وما خوفي إلا من هؤلاء الجن أن ينفخ على أحدهم فيحرقني، أو يدفعني دفعة فيلقيني وراء جبل قاف! ودخلت إلى مقصورة من هذه المقاصير، فجلست إلى الجرن حزيناً كئيباً لا أعلم ماذا يجري علي، فبينما أنا على تلك الحال - وإذا بجني عار كأنه قفص عظام، له لحية كشوك السعدان - وودت أنها عشاء لجملي. . . وقد تأبط ليفاً غليظاً - يا شر ما تأبط! - وحمل ماعوناً كبيراً يفور فوراناً فتشهدت واستغفرت وعلمت أنه السم، وأنه سيتناثر منه لحمي - وقصد الجنيّ إليّ - فجعلت أفر منه، أتوثب من جانب إلى جانب، كأنني دجاجة تفر من سكين الجزار وهو يلحق بي ضاحكاً، ويعجب من قبلي ويظن أني ألاعبه وأداعبه، وصاحبي يقسم لي أنه الصابون. - قلت: وما الصابون لا أم لك - أمصابون أنتم في عقولكم؟ هذا هو السم، لقد عرفته. . . - قال: لا وأبيك أنه الصابون، ولا ينظف شيء مثله. - قلت: ألا شيء من سدر؟ ألا قليل من أشنان؟ - قال: والله ما أغشك فجرب، ونطق الجني فإذا هو والله كلام الناس، وإذا هو أدمي من أمثالنا، فاطمأنت وجلست بين يديه، وأقبل على يدلكني دلكاً شديداً، وأنا أنظر هل تساقط لحمي، هل تناثر جلدي، فلا أجد إلا خيراً فضننت أنه قد أحسن إلي، وهممت بشكره، لولا أن ظهر أنه شيخ سوء من القوم الذين أهلك الله، فقد كان يتغافلني ويمد يده تحت الإزار، فيمس فخذي وساقي، فقلت: لو نجا منه أحد، لأنجتني هذه الشيبة، وجعلت أهم بهشم أنفه، وهشم أسنانه ثم أدعه، حتى انتهى وصبَّ على الماء سخنا، فشعرت والله كأنما نشطت من عقال، وأحسست بالزهو والخفة، فصحت فأنكرت صوتي، فقلت: ماهذا؟ أينطق على لساني مغن من الجن؟ وأعدت الصيحة فازددت لصوتي إنكاراً، فاستخفني الطرب وجعلت

стр. 11308

أغنى وأحدو، فقال لي صاحبي: هل أستطبت صوتك؟ قلت: أي والله، قال: أفلا أدلك على باب القاضي؟ قلت: فض الله فاك. مالي وللقاضي؟ هل أحدثت حدثاً؟ هل آويت محدثاً؟ هل. . قال: ألا تعرف قصة جحا؟ قلت: لا والله! فمن جحا؟ وما هي قصته؟ قال: كان جحا عالماً تحريراً، إلا أن فيه لوثة، وكان خفيف الروح، فدخل الحمام مرة فغنى فأعجبه صوته، فخرج من فوره إلى القاضي فسأله أن ينصبه مؤذناً، وزعم أن له صوتاً جميلاً، لا يدخل أذن رجل إلا حمله حملاً فوضعه في المسجد فقال له القاضي: فقم على المنارة فأذن نسمع، فقام فأذن، فلم يبق في المسجد أحد إلا خرج هارباً يتعوذ. . . فقال له القاضي: أي صوت هذا؟ هذا الذي ذكره الله في الكتاب قال اصلح الله القاضي، ما يمنعك أن تبني لي فوق المئذنة حماماً؟ ولمح (صلبي) أعرابياً من أهل نجد يمر في الطريق، فقال لي: أنتظر! وخرج يعدو وراءه. . . . . . . ثم لم يعد! على الطنطاوي

стр. 11309

وقائع كأنها القصص السر بقلم محمد مصطفى حمام دخلت على الباشا والمجلس حافل والسرور شامل، فلقيني بما عود زائريه من بشاشة وترحيب، وأقبل بعدى آخرون يخلفون أعماراً وألواناً، فمنهم الشيخ العتيق المحطم والفتى الأنيق المهندم، ومنهم الحضري الناعم والفلاح الخشن، فتقبل الجميع بقبول حسن، وأفاض عليهم من عطفه مثل ما أفاض عليهم من عطفه مثل ما أفاض عليّ وجاء الخادم يبشر بزائر جديد شعرت عند سماع اسمه بكثير من السرور، فهو اسم أحد السراة الظرفاء الذين سمعت عنهم دون أن ألقاهم، وما كان أشوقني إلى هذا اللقاء! ولم ينتظر الزائر آذن الباشا بالدخول، بل اقبل في أثر الخادم، وإذا نحن نستقبل رجلاً سمهري القامة، بهي الطلعة، وافر الحظ من المهابة والروعة، ولقد أهتز له المجلس تعظيماً وإكباراً، إلا الباشا فلم يعبأ بمقدمه، ولم ينشط لاستقباله، بل صافحه وهو لاصق بكرسيه، ثم أشاح وجهه عنه، وأقبل بالحديث على سواء وأخذتني من هذا اللقاء السيئ دهشة وعجب، وجعلت التمس للأمر كثيراً من العلل قلت لنفسي: قد يكون القادم من الأنسباء أو ذوي القربى، فلا حاجة بصاحب الدار إلى المبالغة في تكريمه، أو لعل اقتحامه المجلس دون انتظار الإذن هو الذي أغضب الباشا عليه ورأيت جو المجلس قد أظلم بعد استقرار الضيف الجديد في مكانه، وبد على الباشا ضيق وضجر، وحاول الرجل أن يظفر من صاحب البيت بلفتة إليه، أو إقبال عليه، فلم ينل إلا جفاء وإعراضا ثم انحنى على الباشا يحاول أن يسر إليه حديثاً، فنهره كما ينهر السائل، وصاح به وشرر الغضب يتطاير من عينيه: لقد أنقطع ما كان بيني وبينك، فلا تعكر صفاء مجلسي بقدومك، ولا تحاول استرداد مودتي فذلك ما لن يكون وانصرف الزائر خاسئ البصر، لا يكاد يرى مما حوله شيئا، وودعناه راثين لحاله! وأخذ

стр. 11310

المجلس يتبدد، حتى لم يبق إلا أنا وصاحب الدار، فلما هممت بالانصراف استبقاني قال الباشا: لعلك أسأت الظن بأدبي؟ قلت: معاذ الله قال: أضنك في دهشة من سوء لقائي لضيفي، وربما أهمك أن تعرف السر قلت: لا أرى في معرفته باساً قال: لا يزال الصديق محباً إلى قلبك، رفيع القدر في عينك، حتى تكشف لك الأيام منه عن عورة لا تستطيع الإغضاء عنها، فمالك يومئذ من ذنب إذا سقط عندك مقداره، وتمكن من نفسك احتقاره هذا رجل صاحبني خمسة أعوام كاملة، ملأ في خلالها جوانب قلبي، واستأثر دون الأصدقاء بحبي، وجمعت بيننا مجالس بعضها لله وبعضها للشيطان، وفي أمثال هذه المجالس أسخو بالمال وأكون المتلاف المبذال وكان هذا الرجل زميلي في كل هذه المجالس، ودليلي إليها في أكثر الأحيان وقادني إلى بيت في حي من اجمل أحياء المدينة. نادمنا فيه نسوة ثلاثاً كأنهن الحور العين، فقطفنا منهن ورد الخدود، وداعبنا غصون القدود، وصار هذا البيت معهد غرامنا نسعى إليه بين الحين والحين، ولكن في جنح الليل، وفي غفلة من الجيران وما هي إلا اشهر معدودات، حتى علمت علم اليقين إن هذا البيت الذي نعبث بنسائه ونلهو، هو بيت صاحبي دون سواه! وان نديماتنا هن امرأته وقريبتاه! هن اللائى نغازلهن ونقبلهن! وهن اللائى ينلن مني أجر العبث بهن، أدفعه سخياً كريماً، ويتقبلنه راضيات فرحات! ولقد أخذني من هذه الحقيقة المؤلمة هول وفزع، فقد تكشف لي صديقي عن نفس خبيثة وعرض ممزق! قلت: فهلا كاشفته بما علمت من دخيلته؟ قال: لقد كان عذره اقبح من ذنبه، فقد أفهمني أنه وقد عرف فيّ البعد عن الجريمة المنكرة، وجرب عليّ القناعة بالقبلة والمنادمة، وشهد سخائي في البذل، رأى أن يؤثر نفسه ونساء بيته بمالي، فهو وهن أحق بذلك المال الذاهب هباء، والملقى إلى أناس آخرين، ولم يجد في
следующие страницы →