← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

هذه الكتب نفسيات الحيوان والطير والحشرات وتحدث عن أخلاقها وطباعها وعاداتها وضمنها معلومات عجابا وملاحظات دقاقا تشهد بسعة ثقافة الجاحظ وبأنه أنفق عمرا طويلا في معاشرة الطير ومؤالفة الحيوان ومراقبة الحشرات، وانه هام من أجل ذلك في الغياض وتوغل في بطون الأودية وركب البحار وسكن الصحاري ونبض قلبه مع النبات واهتز لسحر الطبيعة: ففي كلامه عن الحيوان تحدث عن نبالة الكلب وذكر انه يتخير أنبل موضع في المجلس، وتحدث عن القط وذكر انه لئيم خؤون وشره شديد الشراهة. وفي الوقت نفسه يؤثر أولاده بالأكل على نفسه! وتكلم عن الديك وإيثاره الدجاج على نفسه في سن الشباب؛ فإذا هرم صار أنانيا لا يعرف إلا نفسه. وتكلم عن الفيل وجرأة قلبه وقوة عزمه بينما هو يفزع من القط فزعاً شديدا! وتكلم عن اليربوع وسعة حيلتها وانها علمت الفرس والروم الاحتيال واتخاذ المطامير على تدبير بيوتها. وأفاض في ذكر عداوة الحيوان بعضه لبعض، فالأسد عدو للكلب يشتهي لحمه والذئب يشتهي لحم الثعلب والثعلب يصيد القنفذ وهكذا. وفي الفصول التي عقدها عن الطير أفاض في ذكر الحمام والعصافير. فذكر أن العصافير لا تقيم في الدار إذا خرج أهلها منها وأنها شديدة العطف والبر بأولادها وتحتمل الأخطار في سبيل الذود عنها. وتحدث عن الحمام فذكر حبه للناس وأنس الناس به وأنه لا يهجر الدار إذا هجرها أهلوها وأنه لا يغير. . . وفي الفصول التي عقدها عن الحشرات تكلم عن النحل وكمال غريزته وعن خلق الخلية وما فيها من غرائب الحكم وعجائب التدبير وكيف يتضافر النحل في عمل الخلية. فمنه ما يقوم بجمع المادة من الشجر والزهر. ومنه ما يبني البيت ومنه ما يقوم لعمل الشمع. وتكلم عن العنكبوت وبداعة نسجه. وطريقته الحكيمة في صنع مصيدة من خيوطه لإيقاع الذباب وصيده. وتكلم عن عداوة القنفذ للحية والحية للعصافير والعصافير للجراد والجراد لفراخ الزنابير والزنابير للنحل والنحل للذباب والذباب للبعوض، وغير هذا من أجناس هذه المعلومات وأشباهها مما وعته صفحات كتب الحيوان. وقد ذكرنا وشلا منها، ولا ريب أن المشتغلين بعلم النفس يجدون في هذه الكتب معلومات قيمة مفيدة. وبالأخص المهتمون بعلم النفس التجريبي الحديث الذي تدور بحوثه على درس الحيوان والحشرات. فجدير بنا أن نهتم بهذه الكتب التي سبقنا الغربيون إلى تعرف خطرها وقدرها

стр. 1157

ونباهتها. الخلاصة ونخلص مما تقدم إلى أن الجاحظ كان رجلا مثقفا بكل معنى الكلمة، ولأقصى درجة من درجات الثقافة العالية، فقد وعى أدبه ثروة وجمالا وملاحة، وحوى علمه براعة الملاحظة وصدق التجربة، وتغلغلت نفسه في أعماق نفوس البشر ونفوس الحيوان. وسلك مذهب الحرية في الدين فأحب جمال الدين وشعر العقيدة. ولم يتحرج من اعتناق مذهب المعتزلة برغم مخالفته للرأي السائد. وقصارى القول أن الجاحظ أديب العلماء وعالم الأدباء غير مدافع؛ وفيلسوف عملي لا مذهبي وعالم يكثر الملاحظة والتفكير. وملاحظاته أغزر من تفكيره. فجدير بنا بعد هذا أن نتذوق ثقافته فنذوق روح الحياة وننشق عطر البحث ونستمتع بجمال الأسلوب ولذة المعرفة. ميت غمر. مصطفى عبد اللطيف المحامي

стр. 1158

من الشعر المرسل ذو الفأس للآنسة سهير القلماوي. ليسانسيه في الآداب جان فرانسوا ميلين رسام فرنسي عاش في النصف الاول من القرن التاسع عشر. وقضى أخريات حياته في الريف على مقربة من غابة فونتينبلو حيث رسم لوحاته الريفية المشهورة. أشهر هذه اللوحات لوحة (الانجلوس) وهي تمثل فلاحة وفلاحاً سمعا صوت جرس الكنيسة فهما يصليان خاشعين. ومن أشهر لوحاته (ذو الفأس)، وهي تصور فلاحاً متكئاً على فأسه وقد بلغ به التعب والبؤس أقصى درجات الألم. تلك الدرجة التي يشعر فيها الإنسان أنه فقد حواسه. جاء بعد الرسام ميلين الشاعر الأمريكي أدوين مركهام فنظم قصيدة أوحاها إليه هذا الفلاح المتكئ على فأسه. ولقد أذاعت هذه القصيدة صيت الشاعر حتى أصبح يعرف باسم مؤلف ذي الفأس. وهذه قصيدة أوحتها إلي قصيدة الشاعر مركهام والرسام ميلين. ولقد راعيت فيها خاصتين من خواص الشعر العربي: وهما الوزن وتمام المعنى في البيت الواحد وأهملت الخاصة الثالثة وهي القافية. واشعر تماما إن إهمال القافية لا يحس به ما دام المعنى كاملا في البيت الواحد فهل يشعر القارئ بمثل ما اشعر؟ ذو الفأس متكئاً على الفأس في انكسار … منحني الظهر من الهموم ينظر في الأرض بلا انتهاء … فليس إلا نحوها المصير قد أوهنت عظامه السنين … وغضنت جبينه العصور وقسوة المسعى وراء العيش … قد أفقدته جزءه الإنساني من أطفأ الشعلة من حياته؟ … من رده وثوره سواء؟ لا يعرف اليأس ولا الرجاء … لا يعرف الآمال والأحلاما ما المجد عنده وما الجمال؟ … ما الجاه؟ ما السمو؟ ما الخلود؟

стр. 1159

ما أبعد الهوة بين هذا … وبين حلم العالم المنشود! إذاك من قد أبدع الرحمن؟ … إذاك من قد كوّن العظيم؟ إذاك من قد خصه الجبار … بالعقل والعرفان والسلطان؟ يا سادة العبيد والأراضي … هذا الذي قد صنعت أيديكم! هذا الذي قدمتم لقاء ال … غفران والرحمة من باريكم! يا سادة العبيد والأراضي … كيف لقاء الرب يوم الدين؟ يوم مثوله أمام الله … بعد سكون الساع والسنين!

стр. 1160

في الأدب المصري القديم فنون الشعر الفرعوني (القصائد، القافية، الأوزان، البديع، الجناس) للأستاذ حسن صبحي. مؤلف قصص البردى يحفظ التاريخ للمصريين القدماء سبق الابتكار في كل ناحية من نواحي المدنية. فنراه يسجل لهم أولوية الصناعة كما ينعتهم بالزراع الاول، ثم يقص علينا من أنباء بعثاتهم التجارية إلى النوبة والى الشام والى العراق ما مكن لذوي المطامع منهم أن يستبسلوا في الإغارة على هذه البلاد بين حين وحين، وهم إذ ينتصرون يملكون الأرض ومن عليها فينشرون من أسباب المدنية بين أهل هذه البلاد ما بقي أثره إلى اليوم فيها سواء كان في أساليب الزراعة أو في طرائق الصناعة أو طرق التجارة، أو كان في اللغة والنحت والتصوير أو الموسيقى والرقص والشعر مما بقي أثره لهذا الوقت الحاضر في روح كل فن أو مهنة أو صناعة تمت للعصر القديم في أي من هذه الأقطار بصلة. وكما كان المصريون في كل فن الأول فقد كانوا أيضا الشعراء الاول في هذا العالم، رأوا وأحبوا ما يحيط بهم من جمال الطبيعة الهادئة ومناظرها المتكررة الساكنة، فنظموا الشعر وقصدوه في وصف النيل ومجراه وفي مطلع الشمس ومغربها وفي فضية القمر وشحوبه، وفي خضرة الحقل ووحشة القفار. ثم عاشوا بين أسباب المدنية التي أقاموها فوجد الحب والبغض والحسد والشكر وقامت الحروب وأقيمت الصلوات، وأحسوا كل هذه الصور في الحياة فقالوا الغزل والحمد وهجوا واستعدوا وأشادوا واستنهضوا، وكان لابد لقول هذه الصور المختلفة من الحياة من قوالب تصاغ فيها، فخلقت القوالب وكانت القصائد والقوافي والأوزان والسجع، وتطور افتنانهم ورقى فدخلته التباديل ولعب فيه الجناس اللفظي. أليست هذه كلها أحدث فنون الشعر المصري؟ القصائد المصرية مذ خلق المصريون القدماء لأنفسهم الكتابة الهيروغليفية وهم يكتبون الشعر في صورة غير صورة النثر. يكتبونه مقطوعات مشطرة ثلاثية أو رباعية الشطرات، متقاربة الطول

стр. 1161

مرتبطة المعنى، تستقل كل مقطوعة منها في مناسبة تميز المقطوعة من غيرها، حتى في أقدم صور الشعر، قبل أن يفطن المصريون إلى ضرورة فصل الشطرات عن بعضها بنقط حمراء في كتابته للدلالة على الوقف. وانك لتجد في القصيدة التالية ما يعطيك صورة حقيقية لأقدم أشكال الشعر المصري وهي منقولة عن الأصل الهيروغليفي: أنت تبحر في سفينك العطري الخشب يملأه الرجال من المقدمة إلى السكان فتصل إلى مضيفتك العامرة هذه التي ابتنيتها لنفسك يملأ فمك النبيذ والخمير والخبز واللحم والفطير وتذبح الثيران وتفتح الأدنان وتنشد الأغاني كلها أمامك يضمخك كبير معطريك بالدهون الزكية ويحمل إليك الأكاليل سقاتك ويقدم إليك الطيور ناظر فلاحيك كما يقدم إليك السمك صيادك القوافي وليس التشطير والمقطوعات وحدها هي ما تدل على شعرية النظم المصري وتميزه من النثر، لكن القوافي أيضا تدل عليه وتميزه. ولو أنها من نوع غير الذي نعرفه في شعرنا الحاضر في أية لغة من اللغات. فقد كانت قوافي الشعر المصري قوافي استفتاح يستهل بها الشاعر أبيات قصيدته ويكررها في مستهل كل مقطوعة كما ترى في القصيدة التالية المنقولة عن الهيروغليفية والمعروفة بقصيدة (جدل المتعب من حياته مع روحه): شوف كم هو بغيض اسمي شوف أكثر من رائحة الدود في أيام الحر حين تكون السماء ساخنة

стр. 1162

شوف كم هو بغيض اسمي شوف أكثر من صيد السمك في يوم الصيد حين تكون السماء ساخنة شوف كم هو بغيض اسمي شوف أكثر من رائحة الطير أكثر من مستنقع فيه إوز إلى آخر القصيدة الطويلة التي تبدأ دائما؛ (شوف كم هو بغيض اسمي)، وأنا إذ أعرب اللفظ المصري القديم إلى اللفظ الحديث الدارج (شوف) إنما أريد أن أعطي القارئ فكرة صحيحة عن معنى اللفظ الأصلي الذي يراد به أكثر من الرؤية بالعين، ومقصود به أن يلفت نظر القارئ أو السامع في تعجب لمبلغ التشبيه من نفسه ووقعه فيها. مما تحمله كلمة (شوف) الدارجة التي نستعملها في حديثنا الآن عندما نريد لفت النظر والحس إلى التعجب من أمر نهتم له. الأوزان الشعرية من النقائص الكبيرة في دراستنا لِلُغَةْ المصريين القدماء عدم معرفتنا معرفة أكيدة لنطق ألفاظها كما كانوا ينطقونها. وكل ما استطعنا أن نصل إليه في هذا النطق الذي احتفظت به اللغة القبطية لألفاظها وهي تأخذها من المصرية فتكتبها بحروف إغريقية وتخضعها حتما لاختلافات كثيرة متباينة يرجع بعضها لاختلاف نطق اللهجات المصرية بين صعيدي وبحيري وفيومي وأخميمي، والبعض لاختلاف نطق حروف الكتابة الإغريقية عن المصرية، والآخر لتدخل كثير من الكلمات الأجنبية في المصرية، وأخيرا لاضطرار الأقباط إلى نحت كثير من الألفاظ الجديدة مما يتفق مع تطور العمران وازدياد مقتضيات الحياة واتساع أسبابها. لهذا كله نعتمد في أوزان الشعر على ما لدينا من الشعر المصري المتأخر الذي كتب في عهد المسيحية وبقي لنا باللغة القبطية يعطينا صورة هي أقرب الصور إلى الأصل القديم من غيرها. والثابت الآن من قواعد النحو والصرف في اللغة المصرية القديمة التي أصبحت راجحة

стр. 1163

التفسير في العصر الحاضر إن كل كلمة ذات معنى في اللغة اسما كانت أو فعلا أو صفة لم تكن تحتوي إلا على حرف متحرك واحد شديد الحركة، وإذن فكل شطرة من شطرات الشعر المصري تحتوي على وقفتين أو ثلاث أو أربع هي مواقع الحروف المتحركة الشديدة الحركة بينها وهدات متفاوتة الطول والقصر تكون الميزان الشعري للشطر، وتكون بهذا الوصف ميزانا شعريا مطلقا لم تصل بعد إلى ربط صنوفه وتبويبها. واليك مقطوعة من الشعر المصري المتأخر بنصها القبطي مشار تحت مواضع الحركة الشديدة في شطراتها بخطوط قصيرة والى جانبها تعريبها ولم أجد خيراً منها مثلا لبيان أوزان الشعر المصري: النص المصري (بالقبطية) التعريب ارشان إرأومي بوك ابشمو رجل آخر يذهب للخارج تفر اورومي شاف اكتوف ابف أييدور سنة ثم يعود إلى بيته أ - أرخيليتس بوك اتانزيف لكن أرحيليتس ذهب للمدرسة اس أوميشي انهوا بينآ وأبف هو فكم هي الأيام حتى انظر إلى وجهه البديع والشعر المصري يفيض بالبيان والبديع، وهو في كل أطواره وعهوده يدل على أن الشاعر المصري لم يكن يكتفي بالسطر الواحد في المقطوعة ليدل على معنى يريد أن يصوره في صورة بارزة جميلة فاكسب بتلك الفصاحة لغته ثوبا أنيقا رقيقا. صوّر دقة إحساسه بما كان يبديه من العبارات المتشابهة المعنى المختلفة الألفاظ البديعة الاختيار، التي يقتضي تخيرها نعومة في الذوق وعلو لا يتفق لكل الناس. فهو يقول حين يتحدث عن (تحوت) (يستيقظ القاضي - يظهر تحوت) والقاضي هو تحوت إله الحكمة ثم يقول عن الملك. (وعندئذ تكلم أصحاب الملك وأجابوا أمام ربهم) وربهم هو الملك لكن لكل من الجملتين معناها الخاص على رغم تشابه الغرض. ثم انظر كيف يصف واقعة في موضع آخر: (أولئك الذين يدخلون إلى هذا القبر. . . أولئك الذين يرون ما فيه)

стр. 1164

هاتان الجملتان تبدوان للقارئ السطحي تكراراً، لكن القارئ الدقيق الإحساس يستطيع أن يتبين فيهما فرقا أراده الشاعر المصري القديم. هو يريد أن يأخذ يد الداخل إلى القبر فيضعها على ما في القبر من نقوش وتحف اكثر مما فيه من شيء آخر. أليس في هذا منتهى دقة الحس ونعومة التصوير؟ الجناس وكما يشتهر المصريون في الوقت الحاضر بحبهم الشديد للجناس اللفظي الذي تفيض به الأغاني والأشعار الدارجة فان أجدادهم المصريين القدماء هم أصل التراث الفني البديع الذي يلذ للقارئ أن يطالعه وينعم بفكاهاته. خذ مثلا الأغنية المصرية الدارجة: يا دي الجمال والدلال والحب ونهاره والشَّعر فوق الجبين كالليل ونهاره والدمع فاض م الجفون كالبحر وانهاره قلبي أسير في هواك ويحل انهاره؟ والكلمات الأخيرة في كل الأبيات متشابهة النطق لكنها تؤدي معاني مختلفة تمام الاختلاف. مثل هذا الجناس كثير في الشعر المصري وجميل لكنه مستحيل الترجمة لأن اللعب فيه يدور على الألفاظ في علاقاتها بالمعاني، فإذا ما تغير اللفظ بترجمته فقد الجناس بطبيعة الحال. ومع ذلك فسأحاول أن أنقل هنا بضعة شطرات من هذا الشعر الذي يحتوي الجناس وأنا أعربه عن المصرية بتصرف كبير لأوفق فيه ألفاظ الجناس وأقربها للفهم لا أكثر ولا أقل، هي قصيدة طويلة في وصف عربة الحرب قال فيها واصفها: (عرفت رأسها كل البلاد وخر لها القواد) ورأس العربة أي مقدمتها، وإذ دخلت في ركاب الملك كل البلاد فقد عرفتها، ولأنها مصنوعة على شكل رأس كبش رمزا لآمون إله هذا العصر فان القواد جميعهم خروا سجداً لهذا الرأس. ثم يقول: (مقابض عربتك عنات وعشتر) يريد بذلك من جهة مقابض العربة التي يمسكها الملك وهو يحارب فيها، من الجهة الأخرى

стр. 1165

أن القابضين على زمام العربة هما إلها الحرب في الغربة. ولا يستطيع القارئ مطلقا أن يتذوق جمال هذا الجناس إلا وهو يقرأ النص المصري القديم الذي يدل على مبلغ ما وصل إليه المصريون من الافتنان في الشعر والصنعة الشعرية ومبلغ حبهم للنكتة والتورية منذ أربعين قرنا مضت، ناطحتهم فيها شدائد توهن أصلب الأعواد ومع ذلك لم تذهب بروحهم الكبيرة ونفسهم المرحة مدى هذه القرون الطويلة.

стр. 1166

نهضة الشعر العربي وموسم الشعر رسالة من الدكتور أحمد زكي أبو شادي سيدي محرر (الرسالة): اسمح لي أن اشكر لكم عنايتكم بخدمة الشعر العربي. ولقد أتيح لي الاطلاع على فاتحة العدد الأخير من (الرسالة) إذ أشرتم إلى حالة الشعر العربي بعد شوقي وحافظ ثم تكلمتم عن فكرة موسم الشعر، وإني حباً في الإنصاف الأدبي وفي خدمة الحقيقة التاريخية أستأذنكم في التعليق على فاتحتكم بهذه السطور القليلة. لقد أصبتم في إشارتكم إلى ضياع شعر الناسبات بعد شوقي وحافظ. وأما الشعر الفني الأصيل المتسامي بالنفس الإنسانية فقد ازداد تألقه، وإن الشعب الذي تُصقَل عواطفه بمثل هذا الشعر والذي يتجه به إلى مثل أعلى لن يكون الخاسر بفقدان شعر الحماسة الجوفاء والوطنية العمياء وأمداح المواسم المعهودة. . . إن أحسن ما في شوقي وحافظ حي دائم تضاف إليه الآن جهود الشباب الشاعر المثقف المتوثب. وقد أصبتم بقولكم: (إن الزمن الذي يمحص الأشياء فينفي البهرج الزائف ويثبت الحق الصريح هو الذي يعرف مكان هذه الجهود من عالم الفناء أو من عالم الخلود). بدأ نشاط (جمعية أبولو) منذ تكوينها في حياة كل من شوقي وحافظ وبرنامجها هو لم يتبدل. وقد كان ولا يزال من المبادئ الأصلية للجمعية أن الشعر العربي لم يغنم فنياً من استخدامه في المناسبات السياسية وغيرها استخداماً لا ضوابط له. ويرجع للجمعية الفضل في وقف ابتذال الشعر في الصحف والقضاء على جعله مادة للتكسب الوضيع وفي الارتفاع بتعريف الشعر والتسامي بغاياته مع العمل على إبراز المجهول من الشعر العصري الجيد وإظهار الشعراء القادرين الخاملين وما هم بالقليلين. ستصلكم هذه الكلمة وعدد (ابولو) المخصص لذكرى المرحوم حافظ. ومن دراستكم له وللعدد الذي خصصناه من قبل لذكرى المرحوم شوقي ستقتنعون أننا لسنا من يجحد جمال القديم، فللفن جماله كيفما كانت صبغته ونزعته، وفي الوقت عينه لسنا من يتجاهل روح العصر والتطور الذي بلغته الفنون الجميلة جميعها اتجاهاً وتعبيراً ونحن جدّ حريصين على أن ينال الشعر العربي نصيبه من كل هذا واثقين من حيويتنا الشاعرة الفسيحة الأفق.

стр. 1167

إن الروح العالمية التي دعتنا إلى اختيار اسم (أبولو) لجمعيتنا ولمجلتنا هي نفس الروح التي نصت في دستور جمعيتنا على إقامة مهرجان سنوي وعلى تمثيل العالم العربي. ففكرة إقامة موسم سنوي للشعر هي فكرة أصلية لجمعيتنا وغير صحيح نسبتها إلى أي هيئة أو فرد آخر، ولم يدر بخلد صديقنا الهراوي سوى استغلال الموسم النبوي للشعر الديني، ويرجع لأعضاء جمعيتنا الذين لبُّوا الدعوة إلى اجتماعه الأول الفضل في التخلي عن هذه الفكرة والدعوة إلى إقامة موسم سنوي للشعر الخالص، وكل هذا ثابت لا شك فيه. لم تغضب جمعية (أبولو) إلا عندما رأت استغلال مبادئها وبرنامجها بأسماء أخرى، واقتران ذلك بدعايات ضدها، فان صديقنا الهراوي وصحبه من المحافظين ما كتموا يوماً خصومتهم لجمعية أبولو فقد كانوا وما يزالون وسيبقون دائماً خصوماً لها، لأن الجمعية ذات روح تعاونية قوية وتأبى إباءً فكرة الإمارات والوزارات الشعرية وعبادة الأفراد وتعمل بالروح التي أطراها شوقي في قوله: لعلّ مواهباً خفيت وضاعت … تُذاع على يديك وتُسْتَغَلُ بينما أصدقاؤنا الأعزاء يحلمون دائماً بالمجد الشخصي على غير ابتكار رائع يؤهلهم إلى شئ من هذا الحلم. كذلك يرجع إلى (جمعية أبولو) الفضل في تقدير رعاية وزارة المعارف وفي ضم الصفوف وترك الحزبية والمعاونة على تكوين (جماعة موسم الشعر) التي نالت (جمعية أبولو) أغلبية الكراسي في إدارتها وبعد الاعتراف بمنزلة وجهود (جمعية أبولو) ودعوتها إلى مناصرة موسم الشعر بكل قواها لم يبق هناك خلاف في هذه المسألة وإن بقيت الذكرى واليقين بأن هذا لن يكون آخر خلاف بيننا وبين إخواننا المحافظين، وأنهم لن يتورعوا عن استغلال آراء الجمعية في أي وقت مع الطعن فيها. وتفضلوا بقبول إعجابي وولائي.

стр. 1168

تجديد التقليد (بهذا العنوان نشرت مجلة المغرب التي تصدر بالرباط هذا المقال فأحببنا أن يطلع أدباؤنا عليه) في مصر اليوم جماعة من حاملي الأقلام بلغ بها حب التجديد إلى حد أنها رأت التقليد الذي يرسف في أغلاله كتاب العربية وشعرائها قد بلي وقدم، وأنه في حاجة ماسة إلى التجديد فراحت تسود أوراق الصحف والمجلات بالنهي عن تقليد العرب وأسلوب العرب، وتفكير العرب، وكل ما هو من العرب. . . لا لتضع في محله شيئاً جديداً مبتكراً، ولكن لتحاكي الغرب وأسلوب الغرب وتفكير الغرب! وكل ما جاء عن الغرب وإن لم تشعر بذلك، أليس هذا تجديدا. . . للتقليد؟ أو ليست هي جماعة المجددين؟ وعدم فهمكم لها جعلكم ترمونها بعدم القدرة على التفكير بالعربية وأساليبها الضادية؛ وكيف تكون غير قادرة على هذا وهي التي تعلمت في أوروبا وقضت شهوراً وأعواماً في (حي مونبارناس) والحي (اللاتيني). . . وهلم جرا. لا ليس هذا (عجزاً يتظاهر بالقدرة وجهلا يتستر بالتحذلق) كما زعم الزيات بل سيل التجديد طغى حتى على التقليد وأراد تجديده. أتدري ماذا تنكر هذه الجماعة على العربية؟ تنكر عليها أنها خالية من القصة والرواية ومن (التراجديا والكومديا والميتولوجيا) وأن أدبها ليس منقسما مثل الأدب الغربي إلى (كلاسيكي ورومانتيكي) وأن شعرها ليس منقسما إلى (أبيك وليريك) وأن جن شعرائها لم يتأله ولم يتخذ (أبولو): ذلك الاسم العالمي اسما له، وأن التاريخ العربي الإسلامي ليس منقسما كالتاريخ الغربي إلى: (العاديات والقرون الوسطى وعصر النهضة والعصر الحديث والعصر الحاضر) وصفوة القول أن ذنب العربية هو عدم مجيئها على النمط الغربي، وقد تكون جديرة بأن تقلدها جماعة المجددين المصريين لو أنها احتوت على مثل تلك الأقسام، وأخشى مع هذا أن لو كان مثل ذلك للعربية دون الغرب لألفته قديما بالياً ويكون مع ذلك الحق معها؛ لأنها ليست جماعة المبتكرين بل جماعة المجددين، وكل ما يهمها هو التجديد لا الابتكار. ولو كان يهمها هذا لأخرجت لنا عوض هذا التقليد المشوه والصخب الفارغ والكلام الأجوف إنتاجا فكريا صحيحاً، ولست أنكر أنها جاءتنا (بمعجزات) فنية جديدة كل ما فيها غربي إلا بعض ألفاظ وحروف عربية.

стр. 1169

وهنا ضرب الكاتب المثل برسالة الأستاذ توفيق الحكيم إلى الدكتور طه حسين، ثم لخص بعض رأي الأستاذ وعقب عليه بقوله: هذا رأي الكاتب، أما رأيي أنا فهو أن مصر القديمة لولا تلقحها بعناصر أجنبية لما كان لها أدب وفكر؛ والتاريخ بالباب وهو أصدق مرشد وأعظم برهان، فلولا الإغريق لما كانت مدرسة الإسكندرية الفلسفية، ولولا العرب لما كان لمصر أدب أو فكر حديث يذكر ولا ذكرت مصر في تاريخ العالم إلا بفنها وهندستها الدينية؛ والحقيقة أن تلك الجماعة إنما تريد إبدال المقلد: إبدال العرب بالغرب؛ وقد بلغ تطرف صاحب مقال (الرسالة) إلى حد أنه رمى الكاتب الوحيد الذي ابتكر جديداً في العربية ولم يحاك أحداً بالتقليد. وكتاب المويلحي (حديث عيسى بن هشام) لا يزال قريب العهد، وما يعنيني الأسلوب إذا كان الكتاب غربيا مبتكراً؟ ولم تنتج مصر بعده جديداً سوى (الأيام) لطه حسين. ومنذ سنوات كانت جماعة المجددين المصريين تبرق وترعد بمحاسن المدنية الغربية وأفضليتها وسوء الحضارة الشرقية. ولما أراد الله رفع الستار عن مساوئ الأولى وظهر إفلاسها بعد الحرب فبرز كتاب أوروبيون عظام للتنديد بها وتفضيل الحضارة الشرقية في عدة نواح وخصوصا الروحية منها، أخذت هذه الجماعة نفسها تمجدها تقليداً لهؤلاء لا عن عقيدة، وهذا حد التقليد! إني لا أنكر على هؤلاء الكتاب حملتهم على التقليد وإنما أنكر عليهم أولا سعيهم في إبدال المقلد بدون كبير فائدة. وثانيا أنهم بدلا من أن يشتغلوا في ابتكار جديد والعمل على الإنتاج الصحيح يضيعون وقتهم في الصخب. أما خلق أدب مصري قومي فهو (مودة) بالية قديمة بالنسبة لمن يتخذ لقب مجدد؛ على أن الأدب الجميل جميل في كل محل وتحت كل شمس وقمر و (ألف ليلة وليلة) حجة لذلك. وأما أن يكون عدم وجود الرواية والقصة سبب فقر أدبنا العربي فهذا غلط، فلربما جاء فكر عربي عند نضوجه بشيء أفضل من القصة والرواية، شيء يلائم طباعنا وأدبنا؛ وإن كان لا بد منهما فسيجيئان في وقتهما حسبما تنضج وتختمر الفكرة في عقول أبناء العربية، ولا يكفي قولنا لهما كونا فيكونان لأن النبوغ يتدفق من تلقاء نفسه ولا يستخرج، وكذلك تقسيم الأدب العربي على النمط الغربي؛ وله تقسيمه الذي لا يحتاج إلا إلى إصلاح وضبط. ويكفي مثلاً لفساد تطبيق أقسام التاريخ الأوربي على التاريخ العربي الإسلامي، أني كنت أقرأ كتابا عن تاريخ الإسلام والعرب

стр. 1170

لكاتب مجدد جرى فيه على الأسلوب الغربي في التقسيم، جاء فيه: (. . . وقد كان آباؤنا يتخبطون في بحر الجهل والتعصب طيلة القرون الوسطى. . .) والكل يعلم أن القرون الوسطى في التاريخ العربي هي أزهى المدنية الإسلامية العربية. وأرجو لمصر أن تخرج من هذا المخاض بخير وعافية بفضل ما بقي صالحا سالما من أبنائها الكرام، وأن يسفر هذا المخاض عن إنتاج صحيح مبتكر؛ وألا تكتفي جماعة المجددين بإبدال المقلد فحسب. محمد حصاّر

стр. 1171

العبقرية علم وأدب وفن للأستاذ الحوماني أمامك ما تحسبه في الطبيعة كائنا ومكيناً من عظمة وقفت عقولنا دون حدها أو تصورها، فكنا أمامها ولا نزال حائرين لا إلى الرشد كل الرشد فنتبين مصدرها، ولا إلى الجهل كل الجهل فنصدف عنها بطبعنا. لأن الحي لا يستطيع أن يفكر فيما وراء حياته. فهو يريد أن يقيس ما خفي عنه على ما بدا له، ولعل ما يبدو له هو خلاف الحقيقة التي ينشدها من وراء ما يحس إذ يمكن أن يكون ما يتراءى له اليوم حقيقة ينكشف عنه الغد خيالا، نتيجة كذب في حس أو خطأ في فكر. وربما كان ما يأتيه العقل في يقظته وهو قيد الحواس حلماً يبدو له بعد تحرره من رق هذه الحياة الدنيا، فتكون نسبة ما نأتيه اليوم إلى ما ندركه بعد الموت كنسبة ما نأتيه في الحلم إلى ما ندركه في اليقظة. فإذا ثبت لدينا أن في الأثر لا محالة جزءاً من روح المؤثر ثبت بداهة إن هذه النفس جزءا من القوة المسيطرة على الكون أو القائمة به ضرورة، إنها (أي النفس) إحدى جزئياته الداخلة في مفهوم كلياته. فالإرادة كما يبدو لنا هي أول خصائص النفس وقد كانت الكنز الأولى في خزانتها ولكن هل هي الجزء الذي ينم على الفكرة التي ابتدعتها في الكون؟ قد تكون كذلك إذا ثبت لنا أنها هي جماع ما في النفس من جمال، ولكن أنّى لها أن تكون كذلك وليست هي المثل الأعلى في الإنسان بله الحيوان بداهة أن مناطها في النفس حب البقاء والسيادة والاستمتاع؟ فالمرء يريد بطبعه ألا يتناول من الخارج إلا ما يتصل ببقائه وسيطرته واستمتاعه. فإذا كان ذلك مناطها ورأينا أن الصلاح كثيرا ما يكون في كتبتها وصدها عما تأتيه، علمنا إذ ذاك أن المثل الأعلى في النفس الذي يشير إلى حكمة الصانع الاول هو غير الإرادة. ثم إذا استعرضنا ما تأتيه هذه الإرادة من عمل بعد تنفيذه أو في طريق هذا التنفيذ، نحس بشيء يشعرنا بصحة هذا العمل أو فساده. فما هو أذن ذلك الشيء الذي نشعر به في أنفسنا غير الإرادة؟

стр. 1172

هل هو ذاتها، فيصبح كون الشيء ضداً لنفسه أم غيرها فيثبت لدينا أن الحي مركب من إرادة تفعل، ونفس تفعل، وتنفعل وشيء آخر يشرف عليهما فيكوّن من الفعل والانفعال مثلا أعلى هو ذلك الجزء المنبعث من الحكمة المبدعة الأولى؟ ثم على فرض وجود هذا الثالث، فهل وجد مع النفس كالإرادة ثم نمّاه فعل الإرادة في الخارج إلى حد أصبح معه ذا سلطة عليها في كثير من الأحيان؟ أم هل تكون في النفس من تصادم الإرادات ضرورة بقاء المجموع ليضمن بقاء الفرد فيكون وجوده متأخرا؟ وهذا إنما يتضح في إجماع العقول الناضجة مثلا على استحسان أمر له علاقة في بقاء المجموع واستقباح أمر آخر يتعلق بفساد المجتمع فيربِّي هذا الإجماع المستمر في النفوس ملكة كبت الإرادات والمحاكمة بينها فتكون هذه الملكة أم هذا الموجود الثالث الذي نسميه فكراً تارة ومعقولا تارة أخرى، إن صح تعاقب هذين اللفظين على معنى واحد كما سيمر بك. وعلى كلا الأمرين فأنا نشعر أن في ذواتنا نفوسا تتدافع وتتصادم في الحياة فتحرك هذه القوالب بأمر من الإرادة أو تتحرك هي بإرادة أخرى تتصادم وإرادتها، ذاتية كانت أو عرضية. ثم نشعر إن ضمن هذه النفوس إرادات تسيِّرها إلى ما خلقت له طبعا، فهي تريدك على الطعام والشراب والمتعة ضرورة أن هذه من مقومات حياتك. ونشعر بعد ذلك أن هنالك ما يستعرض هذه الأوامر الإرادية ثم يعرضها على الحياة فيصل بها إما إلى صلاح فيستمر معها وأما إلى فساد فيصدها. ذلك هو الفكر قبل الحكم وهو يستعرض ويقيس، وهو نفسه العقل والهوى بعد الحكم متسلطاً على الإرادة أو خاضعاً لها. ومن الصعب جدا تحديد أي الثلاثة في طريق تحديد الآخر منها لشدة تمازجها والصلات المتأصلة بينها. وربما كان أصدق تأويل لها هو أن النفس إنما هي الوسيلة الأولى لتنفيذ أوامر الإرادة والأعضاء هي الوسيلة الثانية. على أن العقل هو الحاكم الأعلى المشرف على المجموع، ينتهي الحكم عنده سلبا أو إيجابا. فالإرادة في الطبع تأمر والعقل يوقع والنفس تنفذ مباشرة، في الداخل أو بواسطة الأعضاء في الخارج. والنفس تنفرد دونهما في النوم والجنون

стр. 1173

والإغماء ونحوها، إذا صح أن لا إرادة للمجنون بناء على إن الإرادة مناط أمر النفس بما يعوزها طبعا لا اجتماعا، والمجنون قد يفعل ما يضره في الطبع بله الاجتماع. فالإرادة لا تحمل الحي إنساناً كان أو حيواناً على أن يلقي بنفسه من شاهق كما يفعله المجنون أحيانا، من اجل ذلك تتحقق فيه النفس دون الإرادة والعقل. وهكذا هي في النائم دونهما إذا صح أن العقل الباطن الذي هو زعيم الأحلام ليس إلا خيال العقل الظاهر الذي هو زعيم اليقظة وحقائقها كما اعتقد، لا أنه حقيقة مستقلة تتكون من تجاريب العقل الظاهر التي أخفق معها في حاضره أو ماضيه. ولكن العقل اليقظ المتخيل الذي ينتزع من الحقائق خيالا غريبا ينطبع خياله هذا في مرآة النفس فيفعل فعله منتزعا من أخيلة الحقائق في اليقظة أخيلة غريبة في النوم: وإذا لم يكن العقل الباطن هو نفس العقل الظاهر يبدو ضعيفا لضعف مركزه العصبي المتأثر بالنوم إلى حد يختل معه نظامه، فيكون تناهي العقل بالحدة إلى درجة التخيل المبتدع. وتناهيه بالضعف إلى درجة خرافات الأحلام. وكلاهما ينتزع من بين حقيقتين أو حقائق خيالا مزعجا في الحلم أو رائعا في اليقظة، وكما يصيب في يقظته المغيبات أحيانا كذلك هو في حلمه. . . إذا لم يكن كذلك فهو خياله المنطبع على مرآة النفس يتضاءل لبعده عن الحقيقة فيظهر مبتراً منقطعا. وأما الإرادة والعقل فملزومان للنفس لا انفراد لهما دونها، فحيثما وجدت الإرادة والعقل كانت النفس ولا عكس. ماذا وراء النفس بعد الإرادة؟؟ يقولون أن هنالك عقلا وفكراً وخاطراً وضميراً، ان هنالك ذهنا وفطنة وذاكرة وذكاء، إن هنالك شعورا وعاطفة وخيالا. وليست العبرة في تعداد هذه الخصائص في الإنسان ولا في نسبتها إليه وإنما العبرة في تحديد كل منها وبيان ما يميزها من غيرها من الخلال ولغموض هذه الفروق نرى الكثيرين يخلطون في الكلام عليها، من أجل ذلك يجمل بنا قبل تحديدها إن نتمثل فيما يعرضها واضحة الحدود. لنفرض أن لك صديقا حميما قد كثر غشيانك إياه في منزله الذي يضمه وأجمل فتاة قد اقترن بها، وفي كل زيارة ينمو في جسمك حب هذه الفتاة، لما ترسل إليك من نظراتها الساحرة ويملأ نفسك من ورائها جمال نفس يفيض على فمها رقة وابتساما، والى جانب هذا

стр. 1174

الحب تنمو في نفسك صداقة الزوج لما يغمرك به من فضل وإحسان إلى رقة طبع ودماثة خلق وليس ما تربي في نفسك من ولاء أخيك وحب فتاته بأقل مما يحمل الزوج لك من ولاء. وتشعر به الزوجة نحوك من غرام. تبادلتما هذا الحب وبدا لك جليا واضحا هيامها بك وشوقها لك من عينيها الشاخصتين إليك ونظرها المسبغ عليك، ثم بدا لك أن تزور صديقك في وقت كنت مضطراً معه إلى أن تراه، وكان هو مضطراً فيه إلى ان يغادر مكانه، فكنت والزوجة خليين في منزل واحد وعلى مقعد واحد يناجي كل منكما الآخر بما يجول في نفسه، فيبدو جليا على عينه رقة وفي حديثه تقطعا وفي حركاته اضطرابا. ثم امتد الأمر بكا إلى أن هم كلاكما بصاحبه فكانت هي أشد ثورة منك، فأول ما تتحرك فيك الإرادة والرغبة؛ ولكنك قبل أن تنفذها أو تباشر بتنفيذها تلحظ ما يحف بهذا العمل الذي أقدمت عليه بدافع قوة الإرادة الحيوية، تلحظ ما يحف بهذا العمل (وهو إشباع نفسك من جمالها) من أمور خارجية منها ما يدفعك إليه ومنها ما يردعك عنه. فمن الاول التمتع بالجمال الماثل أمامك والذي هو في متناول يدك، ثم أمان العاقبة وشيوع الأمر المفضي بك إلى العار ثم إشباع نفسها من جمالك لتأمن مكرها فيما إذا هي أخفقت منك. ومن الثاني خيانة صديقك البار بك والتعدي على جمال ليس لك فيه حق، وتشويه هذا الجمال بما تخفيه من دخيل داء. لابد من ملاحظتك هذه الأمور واستعراضها جملة أو متفرقة في زمن واحد أو أزمنة مختلفة تتخللها فترات قصيرة. فأي العوامل كان أقوى أثرا في نفسك لقوته في الخارج كانت له السيطرة عليك داخليا فكان قائدا لك. فأما أن يكون الاول فيجذبك إليها وتلبث زمنا ما تعبث بجمالها والشهوات تقيمك وتقعدك بين يديها. وأما أن يكون الثاني فيصدك عنها وتخرج ناصع الجبين مطمئنا إلى راحة الوجدان. تجري هذه المحاكمة بناءاً على سلامته بذلك واستقامة نظام الحياة فيك وإلا فلضعف الأعصاب. وهي بعض مراكز هذه الخصائص تأثير قوي في صرف الإرادة وتعضيدها.

стр. 1175

بلاط الشهداء بعد ألف ومائتي عام للأستاذ محمد عبد الله عنان ٣ وأخفق مشروع الخلافة في فتح الغرب من تلك الناحية ولقي الإسلام هزيمته الحاسمة في المشرق أمام سور بيزطية وقامت الدولة الشرقية في وجه الإسلام حصنا منيعا يحمي النصرانية من غزوه وسلطانه. ولكن جيوش الإسلام جازت إلى الغرب من طريق إسبانيا وأشرفت من هضاب البرنية على باقي أمم أوروبا النصرانية ولولا تردد الخلافة وخلاف الزعماء لاستطاع موسى ابن نصير أن ينفذ مشروعه في اختراق أوربا من المشرق إلى المغرب والوصول إلى دار الخلافة بطريق قسطنطينية ولكان من المرجح أن تلقى النصرانية ضربتها القاضية يومئذ وأن يسود السلام أمم الشمال كما ساد أمم الجنوب ولكن الفكرة قبرت في مهدها لتوجس الخلافة وترددها. على أن الفتوح التي قام بها ولاة الأندلس بعد ذلك في جنوب فرنسا كانت طورا آخر من أطوار ذلك الصراع بين الإسلام والنصرانية، فقد كانت مملكة الفرنج أعظم ممالك الغرب والشمال يومئذ، وكانت تقوم في الغرب بحماية النصرانية على نحو ما كانت الدولة الرومانية في الشرق بل كانت مهمتها في هذه الحماية أشق وأصعب، إذ بينما كان الإسلام يهدد النصرانية من الجنوب كانت القبائل الوثنية الجرمانية تهددها من الشمال والشرق؛ وكانت الغزوات الإسلامية تقف في المبدأ عند سبتمانيا ومدنها؛ ولكنها امتدت منذ ولاية السمح إلى اكوتين وضفاف الجارون، ثم امتدت إلى شمال الرون وولاية بورجونيا وشملت نصف فرنسا الجنوبي كله، وبهذا بدا الخطر الإسلامي على مصير الفرنج والنصرانية قويا ساطعا؛ وبدت طوالع ذلك الصراع الحاسم الذي يجب أن يتأهب لخوضه الفرنج والنصرانية كلها. كانت المعركة في سهول فرنسا أذن بين الإسلام والنصرانية. بيد أنها كانت من الجانب الآخر بين غزاة الدولة الرومانية والمتنافسين في اجتثاء تراثها؛. كانت بين العرب الذين اجتاحوا أملاك الدولة الرومانية في المشرق والجنوب؛ وبين الفرنج الذين حلوا في ألمانيا وغاليس. والفرنج هم شعبة من أولئك البربر الذين غزوا رومة وتقاسموا تراثها من

стр. 1176

(واندال وقوط والان وشوابيين). فكان ذلك اللقاء بين العرب والفرنج في سهول فرنسا اكثر من نزاع محلي على غزو مدينة أو ولاية بعينها: كان هذا النزاع في الواقع أبعد ما يكون مدى وأثراً. إذ كان محوره تراث الدولة الرومانية العريض الشاسع؛ الذي فاز العرب منه بأكبر غنم ثم أرادوا أن ينتزعوا ما بقي منه بأيدي منافسيهم غزاة الدولة الرومانية من الشمال. وكانت هذه السهول الشمالية التي قدر لها أن تشهد موقعة الفصل بين غزاة الدولة الرومانية تضم مجتمعا متنافرا لم تستقر بعد قواعده ونظمه على أسس متينة. ذلك أن القبائل الجرمانية التي عبرت الرين وقضت على سلطان روما في الأراضي المفتوحة كانت مزيجا مضطربا من الغزاة الظمأى إلى تراث روما من الثروة والنعماء. وكان القوط قد احتاجوا شمال إيطاليا منذ القرن الخامس وحلوا في جنوب غاليس وإسبانيا؛ ولكن هذه الممالك البربرية لم تكن تحمل عناصر البقاء والاستقرار فلم يمض زهاء قرن آخر حتى غزا الفرنج فرنسا وانتزعوا نصفها الشمالي من يد حاكمه الروماني المستقل بأمره وانتزعوا نصفها الجنوبي من القوط وحلت في غاليس سلطة جديدة ومجتمع جديد. وكان الغزاة في كل مرة يقيمون ملكهم على القوة وحدها ويقتسمون السلطة في نوع من الاقطاع، فلا يمضي وقت طويل حتى تقوم في القطر المفتوح عدة إمارات محلية. ولم يعن الغزاة بإقامة مجتمع متماسك ذي نظم سياسية واجتماعية ثابتة ولم يعنوا بالأخص أن يندمجوا برعاياهم الجدد، فكان سكان البلاد المفتوحة من الرومان والغليين الذين لبثوا قرونا يخضعون لسلطان رومة ما تزال تسود فيهم لغة رومة وحضارتها. ولكن القبائل الجرمانية الغازية كانت تستأثر بالحكم والرياسة وتكون وحدها مجتمعا منعزلا لبثت تسوده الخشونة والبداوة أحقابا قبل أن يتأثر بمدنية رومة وتراثها الفكري والاجتماعي. وكان اعتناق الفرنج للنصرانية منذ عصر كلوفيس أكبر عامل في تطور هذه القبائل وتهذيب عقليتها الوثنية وتقاليدها الوحشية. ثم كان استقرارها بعد حين في الأرض المفتوحة؛ وتوطد سلطانها وتمتعها بالنعماء والثراء بعد طول المغامرة والتجول وشظف العيش وحرصها على حياة الدعة والرخاء، عوامل قوية في انحلال عصبيتها الحيوية وفتور شغفها بالغزو واذكاء رغبتها في الاستعمار والبقاء. وهكذا كانت القبائل الجرمانية التي عبرت الرين تحت لواء

стр. 1177

الفرنج واستقرت في غالا قد تطورت في أوائل القرن الثامن إلى مجتمع مستقر متماسك نوعا. ولم تكن غاليس قد استحالت عندئذ إلى فرنسا ولكن جذور فرنسا المستقبلة كانت قد وضعت وهيأت الأسباب والعوامل لنشوء الامة الفرنسية. بيد أن هذا المجتمع رغم تمتعه بنوع من الاستقرار والتماسك كان وقت أن نفذ العرب الى فرنسا فريسة الانحلال والتفكك، وكان الخلاف يمزقه كما بينا وكانت اكوتين وباقي فرنسا الجنوبية في يد جماعة من الأمراء والزعماء المحليين الذين انتهزوا ضعف السلطة المركزية فاستقلوا بما في أيديهم من الأقاليم والمدن. ثم كانت القبائل الجرمانية الوثنية فيما وراء الرين من جهة أخرى تحاول اقتحام النهر من آن لآخر وتهدد بالقضاء على مملكة الفرنج. فكان الفرنج يشغلون برد هذه المحاولات ويقتحمون النهر بين أونة وأخرى لدرء هذا الخطر ولإرغام القبائل الوثنية على اعتناق النصرانية. فكانت المسألة الدينية أيضا عاملا قويا في هذا النضال الذي يضطرم بين قبائل وعشائر تجمعها صلة الجنس والنسب. ولم ينقذ مملكة الفرنج من ذلك الخطر سوى خلاف القبائل الوثنية وتنافسها وتفرق كلمتها. هكذا كانت مملكة الفرنج والمجتمع الفرنجي في أوائل القرن الثامن أعني حينما نفذ تيار الفتح الإسلامي من أسبانيا الى جنوب فرنسا. وكان قد قضى منذ وفاة النبي العربي الى عهد هذا اللقاء الحاسم بين الإسلام والنصرانية (سنة ٧٣٢م) مائة عام فقط، ولكن العرب كانوا خلال القرن قد افتتحوا جميع الأمم الواقعة بين السند شرقا والمحيط غربا واكتسحوا العالم القديم في وابل مدهش من الظفر الباهر، واستولوا على جميع أقطار الدولة الرومانية الجنوبية من الشام الى أقاصي المغرب وأسبانيا، وعبروا البرنيه الى أواسط فرنسا. هذا بينما أنفقت القبائل الجرمانية الشمالية أكثر من ثلاثة قرون في افتتاح أقطار الدولة الشمالية ومحاولة الاستقرار فيها.

стр. 1178

في الأدب العربي من طرائف الشعر مداعبات شوقية لم تنشر ظفرنا بثلاث قصائد من الشعر الفكه لشاعر الخلود شوقي بك نظمها ولم يتمها (في الدكتور محجوب ثابت ومكسويني). ومكسويني هذا كان حصانا بائسا يجر مركبة الدكتور ولا يزور الإسطبل إلا لماما، فألح عليه اللغب والسغب حتى لصب جلده ووهن جلده فمات، وكان في حياته وموته موضوعا طريفا لكثير من الشوقيات الغر؛ نشر بعضها ولا يزال البعض الآخر مطويا. وسنكتفي اليوم بهذه القصيدة التي قالها الشاعر على لسان خلفه بعد موته. وكان الدكتور محجوب يومئذ معتقلا في قصر النيل عقب الثورة مدة الخلاف بين الزعيمين سعد وعدلي. سيوفُ أبيه من خمسين عاما … لواصق بالجدار بغير سلِّ علاها العنكبوت فكان غمدا … على غمد قديم العهد خلّ ولى كالخيل اصطبل ولكن … أفارقه وأترك فيه طلى سلوا (بار اللواء) و (صُلْتَ) عني … ومصطبة السرى الشيخ الأجل من المَرشال أطلب رد روحي … وعودة فارسي وفكاك خلي وأنذر أن تفضل صوم عام … ومثلي من يصوم ومن يصلي والا مُتّ دون الحق جوعاً … كذلك مكسويني مات قبلي ويا كمبوت فيمَ كسرت قلبي … وأمسِ الحادثاتُ كسرن رجلي وما الدكتور مجنون بسعد … ولا هو بالمحلل شتم عدلي ولكن قبلة الدكتور مصرٌ … وسودان يراه لها كظل بقصر النيل بات وكل سجن … وان كان الخورنقَ لا يُسلي أقضي الليل حول السجن شوقاً … للحيته أناجيها: أطِلِّي تشير من النوافذ لي وتومي … كغانية هنالك ذات دلِّ ولولا الديدبان دنوت منها … وكنت أنا الممشط والمفلي

стр. 1179

نجوى لشاعر الشباب السوري أنور العطار أقول لنفسي في هذه الساعة وفي هذا المكان: كنت ذات يوم محبوبا. ولقد أحببتها ولقد كانت جميلة. ثم خبأت هذا الكنز في نفسي الخالدة. ورفعته الى الله!. . . (الفريد دي موسيه) إليكِ أبعثُ أحلاماً مُروعةً … منزوعةً من فؤادٍ جِدّ محروبِ ما تستنيمُ الى صمتٍ فيغمرُها … لكنها أُختُ تسهيدٍ وتعذيبِ تظلُ تُقلِقٌ هذا القلبَ صارخةً … حتى تلِمُّ بطيفٍ منك محبوبِ كباغمٍ موجعٍ أفضى الهزالُ بهِ … الى مرامٍ عسير الدركِ محجوبِ إن عللوُهُ بما ينسيه مطلبهُ … أوحى الخيال إليه ألف مطلوبِ يصوِّرُ الدمعُ ما يعيا اللسانُ به … ومدْمعُ الطفلِ موشيُّ الأساليبِ لهفي عليه تُمنيه الرؤى عبثاً … كأنه لُعبة بين الألاعيبِ أقصيتني عنك لا عهدٌ ولا أملٌ … سوى عذاب على الأيام مصحوبِ وعشتُ بعدكِ مخطوفَ الفؤادِ هوى … مغرَّباً في دياري أيَّ تغريبِ خيبتني فطويت العمر مكتئباً … ما كان أوجعَ حرماني وتخييبي خلفت نفسي آمالا مصرعةً … ما في قرارتها غيرُ الأكاذيب ترى السماوات تابوتاً قد انسدلت … على جوانبه سودُ الجلابيب من الهوى أن يعود العمر طافحةً … أيامهُ بصبّي كالحلمِ موهوبِ يبني منَ الشفقِ الرفاف زورقُه … ويستحيل الى أُنسِ وتحبيبِ هذي الأماني أضنتني مآربها … يا ويحها كم أداريها وتلهو بي! منحتها خافقا نهلانَ من أملٍ … يهزُّ بالشدو أرواحَ المطاريب فما جزتني على ودي بعارفةٍ … تبقى ضماداً لجرحٍ غير مرؤوبِ الكون بعدك أنقاضٌ مبعثرةٌ … كمعبدٍ من عراكِ الدهر مخروبِ ترى به مقلتي المسلوبُ رونقها … دار الحريب ومأوى كلِّ منكوب مشت عليه الليالي وهي هازئةٌ … نكراء تقرع مشعوباً بمشعوبِ

стр. 1180

لا دُمْيتي بت أرعاها وأعبدُها … كناسكٍ ذاب في جوفِ المحاريب ولا دُعائي أدَّت بي معارجُهُ … الى مطافٍ شهي الحُلمِ مرغوب وأين لا أين مني همس فاتنة … أفنيتُ في حسنها حبّي وتشبيبي غابت فولت عن الدنيا بشاشتها … فلست ألمحُ فيها غير تقطيب وقد بدا العيش خلواً من مفارحه … مجللًا بشجاً كالليلِ غِربيبِ والحقل بعدك تؤذيني زيارتُه … فانثني عنه والترداد يغري بي لا أستطيع أُجيل الطرفَ مفتقداً … آثار حُبٍّ كدمع الفجرِ منهوبِ مافي خمائله حسنٌ ولا القٌ … ولا أزاهره تخضلُّ بالطيب إذا خيالكِ لم يبهجه مؤتلقاً … فالحقل في ماحلٍ كالقفر مجدوب غشيته وفؤادي ما يُفيق جوى … ما كان أجدرني عنه بتنكيب! هنا تذوقتُ سِرّ الحب مغتبطاً … من غير ما مأثمٍ فيه وتتريب هنا من الحب سِفرٌ رائع عجب … قد ضم أقدس تذكاري وتجريبي هنا شبابي مد الله سرحته … رَبا وما فيه من وزر ولا حُوب هنا الهوى كان طفلا في محفته … وكان أمتعَ مولودٍ ومربوب لما حبا هلل الوادي له فرحاً … وقد تقلب فيه أي تقليب فرشتُ بالزهر المنضور ملعَبه … فرفّ يزهو بتنضيدٍ وترتيب وحينما سَعِدَ الوادي بمطلعِه … رمى به الموت في هُلكٍ وتتبيب وراعني أن أرى الأطيار ساكتةً … خرساء من غير ترنيم وتطريب لا النهر يُوحي إليها ناغماً هزِجاً … سكرانَ يركض في اثناء مَلحوب ولا النسائم تذكي في جوانحها … أشعار قلب من الأوجاع مكروب تكاد إن أخذت عيني خيالتها … تردها بين تصديق وتكذيب لم يبق من أُنسها الحالي سوى أثر … من إِسمك العذب فوق الجذْع مكتوب خَشعتُ بالقرب منه ذاهلا حسراً … كهيكل في شعاب الأرض منصوبِ قدسته فمشى ثَغرِي يقبله … ومدمعي بين محبوس ومسكوب تقتات نفسي بالذكرى ويؤنسها … خيالكِ الحلوِ في صَحوي وتغييبي

стр. 1181

وقد أراك فينسى القلب لاعِجَه … ولا يطيف بيأسٍ منكِ محلوب تبارك الحلم الرّفَّاف كم غلبتْ … غيابة منه حزناً غير مغلوب حججت بيتكِ في وهمي فما سَعِدتْ … روحي بود نقي النبْع مصبوب كأنما نسي الحسن الذي طَفَحَتْ … منه السماوات إدلاجي وتأويبي فتّشت في ساحة عن ظل موحية … غيداَء غطت على سحر الرعابيب ناديتها باسمِها فارتَعت مرتجفاً … من موحش دائب الإنصات مَرهوبِ فما رأيت لها ظلا ولا أثراً … وملت الدَّار من بحثي وتنقيبي خَلتْ مقاعد كانت أمسِ مونقةً … فغامت اليومَ من نَسجِ العناكيبِ أحسُّ منه صدى صوت أقدسه … أسرى الى الخلدِ من وخد وتقريب كأن بالأذنِ من نجواه وشوشةً … تبكي على أمل في الغيب مغصوبِ مشى مع النور لا تثنى عزيمته … عجْلان يدفع ألهُوباً بألهوبِ يلوح في الفلك الفضي متشحاً … بلامع من شعاعِ الخلدِ مصبوبِ ما زال يطوي الفضاء الرحب مختفياً … كتائه في فجاج الغيبِ مَحزوبِ حتى ترامى على عرش الالهِ أسىً … وذاب في لاهب بالحب مشبوبِ

стр. 1182

مجمرة الأفق // لله عند المغيب موقفنا … وللهوى عندنا تباريحُ نرتقب الليل فوق رابية … يعبق منها العَرار والشِّيح والشمس في أفقها معلقة … من حولها للسحاب توشيح كأنها والسحاب مجمرة … أطار عنها رمادها الريح ليلاي ماج الغدير وارتجحت … للّيل في حضنه مصابيح دونك روضا كأن أغصنه … صدر لضم العشاق مفتوح هُزي أراجيحه، فهل خلقت … إلا لأحلامنا الأراجيح؟ لا شمس غابت، ولا ظلام دهى … ولا غصونٌ هفت ولا ريح لكنه حبنا فما اختلجت … في الروض لولا غرامنا روح شفيق معلوف

стр. 1183

شاعرة غادة جرت ذيول الأدب … وتغنت بقريض العرب يأسنُ الشعر فان مر على … ثغرها عاد بنشر طيب تنطق الألفاظ معذوذبة … بفم حلو اللمى معذوذب درر خارجة من درر … تلك لم تثقب وذي لم تثقب شد ما يأسر لبي قلم … مرهف في أنمل مختضب يا رعى الله قواما لينا … ينحني كالقوس خلف المكتب ويمينا بضة ناعمة … خلقت للجد لا للعب طبع النقس عليها شامة … كالتي في خدها الملتهب أن في قرطاسها مرقمها … كأنين العاشق المكتئب وحنا بين يديها رأسه … كانحناء الساجد المقترب غادة مرآتها ان نظرت … صفحة من صفحات الكتب يا إله الشعر باركها إذا … سبحت في موجه المصطخب احفظ الهيفاء من تياره … ليس بحر الشعر سهل المركب يا فتاة الخدر عوذتك من … سهر الليل ونجوى الشهب وشرود الفكر في جنح الدجى … وهروب اللفظ عند الطلب أتركي جفنك ينفث سحره … في خيالي وقفي عن كثب لا تقولي الشعر بل أوحي به … أنت خصب للخيال المجدب إنما الشعر محيط فاسلمي … ودعي أمواجه تقذف بي إنه عبء على حامله … ما لهذا العبء إلا منكبي محمود غنيم

стр. 1184

يا ليتني! عينيَّ هل من صوب دمع مسعد؟ … نفدت دموعي والأسى لم ينفد روح فقدت حنانها البر الذي … لا يُستظل بمثله إن يفقد ما زلت في حزن عليها مرمض … وتحير في إثرها وتلدد جاءت وراحت أشهر لم تنصرف … عن ودها روحي وقد صفرت يدي وتجيء أعوام وتذهب أشهر … لا يرتوي من وجهها الطرف الصدي يا ليتني قد كنت حاضر يومها … وسعدت قبل رحيلها بتزود وشهدت أنتها بليِّن مهدها … ورأيت سكتتها بجافي المرقد لما نضت أوصاب داء مسقم … من بعد طول تصبر وتجلد ورمت قيود معيشة ما عاشها … في الناس غير مثقَّل ومقيد لولا حذاري أن يفجعها الأسى … ويؤودها صرف الحمام المعتدي ويزيدها شجنا على أشجانها … لوددت لو عاشت وكنت أنا الردي ونعمت في لحدي بهاطل دمعها … ينهلُّ لي وبشوقها المتجدد وحنانها الصافي يظل مزاوراً … قبري يروح مع الزمان ويغتدي وأقر جسمي في التراب موسداً … ذاك الفؤاد يعودني في العوَّد قد كان ذلك راحتي لا ما أرى … من حيرة تضني وعيش مكمد فخري ابو السعود

стр. 1185

في الأدب الشرقي من الأدب التركي الحديث عبد الحق حامد للدكتور عبد الوهاب عزام شاعر الترك الأكبر، حمل لواء الشعر أكثر من خمسين عاما غير منازع، ولا يزال على المرض والشيخوخة مطمح الأبصار، وقبلة الأفكار. ولد سنة ١٢٦٧ هـ فهو الآن في الخامسة والثمانين من عمره المبارك، وما فتئ مذ بلغ العقد الثالث فياضا بالشعر والنثر يسلك فيهما المسالك المختلفة موفيا على الغاية، بالغا من الجمال والجلال النهاية، حتى كتب أكثر من ثلاثين كتابا، ثروة يفخر بها الأدب التركي بل يتحلى بها الأدب الإنساني. وليس يتسع المقام هنا للإبانة عن شعره ونثره، أو الإفاضة في وصفه والكشف عن نواحي النبوغ والإعجاز في طبعه، ولكني أعرض لكتاب واحد من كتبه: في سنة ١٣٠٢ كان الشاعر في الهند فمرضت زوجه، فسافر بها راجعا دياره فماتت في الطريق ودفنها في بيروت. وكانت في سن الخامسة والعشرين، وشاعرنا يومئذ ابن خمس وثلاثين. كانت وفاة فاطمة قيامة في نفس عبد الحق وفي الأدب التركي. كتب في البكاء عليها زهاء ألف وخمسمائة بيت في كتابين أكبرهما وأولهما سماه (مقبر) وهو صرخة ما تزال مدوِّية في الأدب التركي منذ خمسين عاما. ولن يمحى صداها في الحياة ما بقي في الإنسان قلب وما بقي للشعر التركي قارئ والثاني سماه (أولو) أي الميت. يقول جناب شهاب الدين وهو من أعاظم أدباء العصر: إن (المقبر) ومقدمته فتحا عصراً جديداً في أدبنا المنظوم والمنثور. ولم تؤثر وفاة فاطمة في حياة الشاعر وحده بل في آداب الأمة كلها. . . ولا ريب أنه قد ولد من القبر الذي في بيروت شاعر جديد أعظم من شاعرنا الأول. إن (المقبر) أعظم وأجمل تمثال في آدابنا، ولست أرتاب في أن هذه البديعة التي كتبت على حافة البقاء قد قدر لها الخلود. (المقبر) ثورة هائلة بعث فيها الشاعر أناته وعبراته وصيحاته وكل ما في قلبه وعقله.

стр. 1186

ينظر الى القبر باكيا فيطير به الفكر في أرجاء العالم، ويصعد به الى الله ثم يطوي فكره شيئا فشيئا ويهبط به الى القبر ليطير عنه الى السماوات كرة أخرى. وهو في ثورته واستسلامه يذكر القارئ بقصيدة فكتور هوجو. التي رثى بها ابنته. ثارت ثائرة بعض النقاد على حامد (ومقبره) حينما نشره إذ رأوا فيه لغة غير مفهومة، فكان في جلال الحزن وشدة الألم أسمى من أن يبالي المدح أو الذم. وما كتب الشاعر كتابه ليكون بديعة أدبية. بل أراد، كما يقول: أن يبني بالشعر قبر الحبيبة، لا يكترث بالناس حين يبنيه؛ ولا يبالي بما يقولون فيه. وقبل أن أعرض على القارئ نموذجا من (المقبر) أترجم مقدمته المنثورة التي يراها بعض الأدباء عهدا جديدا في النثر، كما يعدون الكتاب عصراً جديداً في الشعر. قال: (المقبر): وهو آخر ما كتبت، كتب لتخليد وجود أصابه الفناء. وأنا أعلم أنه ليس في (المقبر) أثر من المعاني الشعرية التي تنطوي عليها المقابر. وإنما (المقبر) صيحة حسرة منبعثة من العدم، فلن يظفر قارئه بشيء، ولكنه عندي شيء. أجل أن الفكر حين يجوس خلال الكتاب ليطوِّف في مقبرة ثم يخرج منه كما يخرج من المقابر؛ لا يفقه شيئا. . . قراءة فاتحة هذا الكتاب كاستيعابه كله، والإحاطة بما فيه كالتفكير في اسمه. لقد كتب هذا الكتاب في مقبرة، فهو وحي من الألم لمن يعرفون الكاتب السيئ الحظ، ووحي من الكلال لمن لا يعرفونه. من يسألني: لماذا تنشر على الناس آلامك في هذه الصورة وكان يسعك أن تكتمها في قلبك، أو تكتبها ولا تنشرها؟ فذلك جوابي له: لا يبقى من هذه الأجساد المتهافتة في وادي الصمت إلا أحفان من التراب، وكذلك لا يبقى في القلب من أحب الذكريات إلا خيال دارس، ولست أقنع بهذا الخيال. وأما نظم الكتاب وحفظه بين أوراقي فمصيره أن يبلى كما تبلى الأعضاء الميتة والأفكار اليائسة ولست أرضى بهذا البلى. هل يضمن نشر الكتاب خلودها كما رجوت؟ لا، ولكن مهما يكن من شيء فـ (المقبر) أطول مني عمراً. ومن أجل ذلك نشرته، إنه قبر مبني من الصيحات التي في قلبي؛ أود أن تكون كلماته كالكلمات التي نقشت على الأحجار. هيهات. . .! كل صيحة في هذا (المقبر)

стр. 1187

قبر منفصل ولكن فيها كلها دفيناً واحداً، هو الإنسانية التي تجلت لي في الوجه الذي أحببته. كتبت هذا الكتاب لأقرأه وحدي، فقليل من يشاركني إحساسي. بل لا أود أن يشاركني أحد في هذا الإحساس خشية أن لا تكون هذه المشاركة إلا بالتجريب. أريد أن أبكي وحدي على المسكينة التي بكيتها، وهذه الوحدة عندي سلوان لأنها أكبر العذاب. ألا يرى القارئ أن هذه المقدمة كذلك تشبه كتابا كتب لي وحدي. وبعد، فليست العبارة المكررة في (المقبر) إلا كلمة واحدة، وليست هذه الكلمة إلا قبرا: كما تنتهي الأصوات كلها الى النفس الأخير. لا أرتاب أن (المقبر) كآثاري الأخرى سيفنى، بل أعرف أن الأبدية كلها لا تفي بحفظ آلامي على حالها، وسيصعد الكتاب الى حضرة الخالق ودماء هذا الجرح سيالة من قلبه. من القلوب مالا يجتمع فيه السرور والآلام، ومن القلوب مالا يزول حزنه بما يصيب في الدنيا من سعادة وجد، ولكن هذا الحزن لا يحول دون السرور، وفي بعض القلوب يخيم السرور والحزن معا، ومن أجل ذلك تلوح السلوة في الحزن أحيانا، ويبين الألم في الابتسام. ومن القلوب ما يزيد الفرح أحزانها. ومن هذه الآلام آلامي. أود أن أطرب ليزيد حزني، ولست بمستطيع أن أفهم الناس ذلك، فلغة هذا الإحساس تكبر على الأفهام. فلأصمت! إن القارئ الذي يريد أن يعد (المقبر) شعراً لأنه من آثاري لن يجد فيه من شاعريتي أثراً. ولكنه إذا فكر يسمع صرخات يستطيع أن يحسبها شعراً، وما هذه الصرخات إلا عجز البشر. أعظم الشعر وأجمله وأصدقه أن يعيا الإنسان بالبيان فيصمت حين تنوء به إحدى الحقائق الهائلة. ولكن (المقبر) يخطب ولا يصمت. يعجز الإنسان أحيانا أن يعرف خيالا لا خطر له لما يبهره من جماله، ويقصر أحيانا عن إدراك الفكر الطائر عن عقله لما يفوته من علائه. ويعيا أحيانا بفهم الإحساس المولود من قلبه لما يهوله من عمقه. وفي هذا العجز يرسل صيحاته، أو يشدو بما لا يفهم من كلماته. أو يصمت فلا يترجم عن حسراته، فيأخذ قلبه فيطؤه بقدمه فيحطمه. وهذا كله شعر. (المقبر) يتضمن إحساسا ولده قلبي. ولكنه في بعض نواحيه غريب كل الغرابة عما يروي

стр. 1188

من شاعريتي. يجد القارئ فيه لغتين لا تشبه إحداهما الأخرى، حتى يحسب أنه قد تعاقب على (المقبر) كاتبان. بل يبعد بعضه مني حتى أعيا أنا بفهمه. فأما حديثي فيه عن الماضي (وهو أكثر مواضعه خرابا على أنه أحبها إليّ) فيبكي من يعدونني شاعرا، ويزيد صدق من لا يعدونني من الشعراء. وبعض مواضعه ليس من شعري، بل هو أشبه بقبر فتاة في ميعة الصبا. أول هذين من النقائص الأدبية، والثاني من النقائص الإنسانية. وما يرجع الى تصوير الفضائل ناقص أي نقصان. وبعض نواحيه لا يستطيع أن يمكث في الأرض لأنه صيحات. (المقبر) في جملته يراه كثير من الناس أثرا باردا، ولكنها البرودة التي تحرق قلبي. لابد لعالم الأدب من آخرة، والمقبر من هذه الآخرة علامة، (المقبر) قبر حياتنا الأدبية، والمقبر زوالي. (المقبر) يبين عن فكر واحد بأساليب شتى، ألفاظه عند الخاصة لا شيء، ولكن هيكله قبر ميت عزيز فهو عندي شيء. (المقبر) خفيف في جانب ثقل المصيبة التي أصابتني، فارغ في جانب عمقها، عدم في جانب شعرها، ولكنه بالقياس اليّ شيء. ينبغي أن يكون (المقبر) ضريحاً لا قبرا، معبداً لا ضريحا، كوكبا لا معبدا، فضاء لا ينتهي لا كوكبا. ولكنه وا أسفاه، لم يبلغ أن يكون قبرا. (المقبر) ينبغي أن يكون منبرا ينزل إليه نور إلهي، ولا يستطيع أن يصعد إليه الفكر الإنساني، يجب أن يكون (المقبر) محشرا. هيهات! لا أقول يجب ألا أظهر فكري بل يجب أن يكون مما لا يمكن ظهوره. (المقبر) يئن أبدا. وان دل هذا الأنين الأبدي على العمق فوا حسرتاه أنه لا يعدو أن يكون قبرا. إن معنى هذا (المقبر) ظواهر المقابر. ذكرت النقائص الأدبية والنقائص الإنسانية. نعم ماذا عسى أن افعل؟ ماذا أفعل لتصحيح الخطأ وأكبر الخطأ صادر من المصحح. إن الأبيات يجب أن تصنع للوقائع الجليلة، والأفكار الجميلة، كما تبنى الهياكل للأسماء الكبيرة، وبأسماء الوجوه الجميلة. والقبر هيكل بناه الله فكيف نستطيع نحن أن نصور ونجسِّم؟

стр. 1189

أي شاعر جسَّد امرأة جميلة فصورها للذين لم يروها؟ أي قلم حكى المحاسن الطبيعية على وجهها؟ إن الذي يلهمنا أحسن ما نشعر ونكتب هو الطبيعة، وهذا الشعر يشبه الصورة التي تتراءى في الماء لا بد لها من مصدر خارجه. بعض أكابر الأدباء يدعون أن مزايا الشاعر تتولد من نفسه وليس هذا رأيي. إن محاسني (إن كانت) هي للجبال والمروج والوجوه الجميلة والأزهار. وأما سيئاتي فهي لي. أقول قبل أن أختم: ان المصيبة التي اخبرني بها (المقبر) قلبت شعري كما قلبت كل شيء في. فهل صعدت صدمة هذا الانقلاب بفكري أو هبطت به؟ يعرف ذلك إخواني. انظروا كيف عجزت عن كتابة كلمات حتى في المقدمة؟ الانقلاب الذي ذكرت هو قيامي في نقطة أو في فضاء غير محدود حيث تصطدم السماء والقبر. بقى قلبي طويلا بين هاتين القوتين الهائلتين، كلما اقتربتا شعرت بالعزاء وكلما ابتعدتا غمرني اليأس. ثم اتحدتا فتحطمت فظهر (المقبر). فهل هذا شعر؟ محال. كان يجب أن يتحد القبر والسماء أو بعبارة أصدق أن يبقيا مفترقين، وكان يجب أن أنوح في الافتراق والاستغراق فيكون هذا شعرا. أنا لا استحسن معظم ما كتبت قبل (المقبر) وبعضه يعجبني قليلا، وأما المقبر فلا يعجبني قط، ولكني أحبه كل الحب. لا يعجبني لأن صلة هذا الكتاب بالأدب واهية، وأحبه لأنه (هي). لعل (المقبر) يشبه الشعر عند من يرون الخليقة كلها شعراً، وهو عندي يذكرني بشاعرة، شاعرة كانت شعر القدرة الصانعة كل ما في (القبر) على نقصه وحشوه. روحانية متوفاة، ومعنوية روح. (المقبر) حالها وصورتها وخيالها وهيكلها وقبرها وحياتها التي ذهب الدهر بمحاسنها. ثم أكرر فأقول: (المقبر) (هي) ومن أجل ذلك أحببته. ولكن (المقبر) في نظر الأدب طفل دميم: طاهر، ولكنه ليس جميلا، وفيلسوف حقير: حكمة ولكنها ذات ريب، وحسن معيب: صيحة ولكن ذات صناعة، وقير مشيد: ليس حزينا ولكنه

стр. 1190

قبر: مغرب ولكنه متلألئ، جمال ولكن بغير حب، شعر ولكنه ذو قافية، لأجل هذا لا أحبه. الفكر نهايته الموت، والشعر نهايته الألفاظ والقوافي، فماذا أصنع؟ إن لم يكن (للمقبر) بد من فكر شرعي فهذا الكتاب قبر متوفاة، أسأل زائريه الفاتحة. وفي العدد الآتي نعرض على القارئ مثالا من شعر (المقبر) ان شاء الله.

стр. 1191

في الأدب الغربيّ الزهرية المصدوعة لسوللي برودوم ترجمة الأستاذ أبي قيس عز الدين علم الدين. عضو المجمع العلمي العربي سوللي برودوم شاعر فرنسي ولد بباريس سنة (١٨٣٩ - ١٩٠٨) وتثقف بها في شبابه بثقافة علمية متينة، اكتسب منها عنايته الشديدة بتدقيق العبارات وتوضيح الدلالات، وقد امتزج ذلك بما أوتيه من قوة الإحساس وسعة الاحلام، ولم يتخرج إلا من المدرسة البرناسية التي تعلم فيها كما قيل: (أن ينظم بصعوبة قصائده السهلة). وقد برع في التعبير عن أدق عواطف القلب البشري وأصدقها، براعته في قصائده الفلسفية المشتملة على أسمى المعاني وأنبلها. وأما قصيدته الموسومة بالزهرية المصدوعة فان لها شهرة ذائعة في الغرب، وهي من آيات سوللي والروائع الرمزية الخالدة، وقد عرف بها ناظمها لبعد شهرتها فقيل له: شاعر الزهرية المصدوعة وفيها أبدع الإبداع كله بتشبيه القلب الجريح الذي نضب دمه فذبلت زهرة محبته بالإناء الصديع الذي جف من الصدع ماؤه، فظمئت زهرة نبتته وذبلت أخيراً، والذي جرح القلب هو قسوة المحبوب وتماديه في هجرانه، تمادياً حرمه ندى عطفه وحنانه، قال: شهدت الإناء الذي في … هـ تقضي من الزهر سوسنة وادعة قد اصطدم اليوم (ويحاً له) … بمروحة صدمة صادعة لكنها لم تك غير لمس فلم تثر من ضجة أو حس ومع أنه كان صدعا لطيفا … وما ظنه أحد بالشديد فقد كان تأثيره، وهو سار، … ببلوره كل يوم يزيد وقد سرى به الصدع خفيا

стр. 1192

فامتد في الإناء تدريجيا وماء الإناء، وفيه الحياة … غدا يتقطر من صدعه فجفت عصارة أزهاره … وغاض الرحيق جنى طلعه لم ينتبه لذاك حي يعلم لا تلمسوه! إنه محطم ورب يد غضة قد تحب … أناملها وهي تبدو لطيفة تمس شغاف القلوب فتخ … دشه خدشة قد تخال خفيفة ينصدع القلب لها من نفسه ذابلة زهرته ليبسه وقلب يرى أبداً في العيو … ن صحيحاً وما هو قلب صحيح نما جرحه فبكى صامتاً … وبالجرح يشعر قلب الجريح وجرحه العميق هذا مؤلم لا تلمسوه! إنه محطم دمشق

стр. 1193

حديث الطبيعة لشاعر الطبيعة وردز ورث أهاب صديقي ذات صباح … لدن رونقُ العيش غضٌ نضِر هنالك عند البحيرة إذ … جلست أطيل لديها النظر: أراك قضيت سحابة يوم … ك منفرداً فوق ذاك الحجر ففيم اعتزالك يا صاح تمضي … حياتك بين الرُّؤى والذكَرْ؟ وكتبك أين؟ شعاع الحياة … يُبيِّن من أمرها كل سر إليها! وفز بتراث الجدود ال … لذي لآتي العصُر تقلب في أمك الأرض عيناً … كأن ولدتك لغير وطر كأنك أول من ولدته … ولم يحيى قبلك حي غَبَر فقلت: وهل أُذُنٌ تأتلي … عن السمع، أو مقلة عن بصر؟ سواء على الجسم إن رمت منه … الشعور وإن لم ترمه شَعَر. رأيت الطبيعة ذات قُوّى … تغلغل في مُهُجات البشر تغذي النفوس وهن سكون … ولم نشق فيها النهى والفكر أتحسبنا لن ننال الحقيقة … دون طلاب طويل عسر وهذي الطبيعة آثارها … شواهد ناطقة بالعبر؟ فأن ترني لحديث الطبيع … ة أنصت في صمتي المستمر فلا تسألني علام قضائي … حياتي بين الرؤى والذكر فخري أبو السعود

стр. 1194

محمد للشاعر الفيلسوف جيته بقلم الأستاذ الجليل معروف الأرناءوط أولع جيته شاعر ألمانيا الأكبر وأديب الإنسانية الأعظم في شبابه بأشعار الشرق وأقاصيصه، وبلغ من ولعه بمحاسن الشرق حداً جعله يتهافت على دراسة ماضي شعوبه، وفي سنة ١٧٧٢ قرأ جيته للمرة الأولى ترجمة القرآن للأستاذ ماغرلين فسحرته بلاغة سورة إبراهيم، كما استهوته طفولة محمد، هذه الطفولة البارعة التي أمضاها في بيت حليمة السعدية مرضع الرسول اليتيم، وكان جيته على نصرانيته يشعر بصفاء الإسلامية وطهارتها، فعكف على دراسة حياة محمد وخرج من هذه الدراسة التي وهب لها عواطفه واحساساته بروايته التمثيلية (محمد) وهي مأساة في ثلاثة فصول أودعها جيته أرق أشعاره وأعذبها، وكان أمتع فصول هذه الرواية التي لم تنقل لسوء الحظ الى اللغة العربية ذلك الفصل البارع الذي صور فيه شاعر ألمانيا الأكبر محمد معتزلاً قومه ليعيش في الريف، وفي هذا الفصل يتحدث الرسول الى الكواكب، ثم يفتح صدره لله فيغمره بنوره الخالد، ويخرج يتيم مكة بعد ذلك الى العالم نبياً ورسولاً. ومما هو جدير بالذكر أن رواية محمد لم تكد تظهر في ألمانيا حتى راح خصوم جيته يتهمونه بالكفر والخروج على النصرانية فنشر جيته على أثر ذلك رسالته المشهورة وعنوانها: لماذا آمنت بمحمد، وذكر فيها أنه أحب محمد كما أحب عيسى بن مريم، وانه يرى في الإسلام ديانة الخلق السامي الصحيح. وقد نقلنا بعض فقرات من هذه الرواية العظيمة ليقف القراء على رأي سيد أدباء العالم في سيد أنبياء العالم. الفصل الأول - المشهد الأول (محمد ينظر الى الكواكب. . .) أواه! لا أستطيع ان أفرق بينك يا أشعار السماء، الا ترين الى نفسي وقد برح بها شجن بليغ عنيف، لقد كان من أرضى أماني هذه النفس أن تهب احساساتها لكل كوكب؟ فما قدرت على ذلك؟ فأي هذه النجوم الفواتن يسلفني السمع ويسترق صلاتي؟ أي هذه النجوم

стр. 1195

ينظر الى طرفي الدامع الضارع؟ أي كوكب العشية الساجية الرخية الظل، أنك لتجوز نواحي الأفق، في حاشية من بروق فتانة، ثم تواريك هذه الغلائل الرقيقة فتنأى عني فأناديك، ألا عُد الى مسفرك وأنظر اليّ، فأنني أولعت بك أشد الولع، وهمت بفتونك وإشراقك. أثابك الله أيها القمر، أنك لأفضل من يرشد هذه الكواكب، ويقودها الى عوالم الضياء والبهاء، فأنر طريقي ولا تذرني هائماً في هذه الظلمات مع شعبي السادر الحائر! وأنت أيتها الشمس التي تخلع ظلها على الأشياء والناس، ظلليني بنورك البهي وقودي خطواتي، ولا يحجبك عني سحاب أو ضباب! أواه! أتتوارين عن عيني في الأسداف البعيدة أيتها الشمس، يا من غدا أمرها فتنة لجميع الناس. من يجذبني إليك أيها القدير العظيم، من يقربني منك يا من خلق الأرض والشمس والقمر والسماء وخلقني أنا في لحظات، من يقربني منك فأغسل قلبي بنورك الذي لا يغيب. المشهد الثاني (محمد، حليمة) (محمد): أي حليمة! لماذا جئت في هذه الساعة الهانئة الصافية؟ أكان وفودك عليّ لأثارة حياتي الراكدة الساجية؟ (حليمة): جنّب نفسك الخوف يا بني فأني ما زلت أبحث عنك منذ غارت الشمس واطفل النهار، ناشدتك الله الا تعرض شبابك الرقيق الناعم لأسواء الليل ومخاطره. (محمد): يفرق الرجل الرديء الخبيث من متوع النهار كما يفرق من سحر الليل، وذلك لأن الرذيلة تجلب التعاسة، أما أنا فلست ذلك الرجل الذي يعاف متوع النهار وبهاء الليل، فلقد غمر الله نفسي بضوئه، وخلق من حولي عالماً يزهر شبابي ويريق عليه سحره وفتونه. (حليمة): ولكني أخاف عليك وأنت في عزلتك في هذا الليل البهيم أن يدهمك اللصوص والسراق. (محمد): ألا ترين إليّ؟ أنني لم أكن وحدي في هذا الريف الضحيان فلقد أبى الله سيدي ومولاي وخالقي إلا أن يصاحبني في هذه الوحدة. (حليمة): أرايت الله يا بني؟
следующие страницы →