شديداً، فقلت: أفلا ترى صنيعهم بنا، أفتحب أن ندعهم حتى يأخذونا، قال إنهم يرحبون بنا، ويسلمون علينا لا يريدون حرباً ولا قتالاً
فصدقته وأغمدت الخنجر، وظن القوم أنه المزاح، فعادوا إلى حركاتهم وضجتهم، يدورون حولنا بقباقيبهم العالية، ويجيئون ويذهبون، وأنا لا أدري ما هم صانعون، حتى قادونا إلى دكة من هذه الدكك، وجاؤا ينزعون عنا ثيابنا، فتحققت أنها المكيدة وأنهم سيسلبونني خنجري حتى يهون عليهم، فقد عجزوا أن ينالوني وبيدي الخنجر فأبيت وهممت بالخروج. فجعل صاحبي يكلمني ويحلف لي، حتى أجبت واستسلمت، والموت أهون علي من أن أنزل عن سلاحي، وأمنحهم سلبي حتى يسلبوني، ولكنها المدينة دار المذلة والمهانة، وليست بالصحراء، ولو أني لقيتهم في الصحراء لجعلتهم طعمة للوحش والطير. . . حتى إذا تمّ أمر الله ولم يبق إلا الإزار، أرادوا نزعه عني، فقلت: أما من مسلم في هذا البلد؟ أما من عربيّ؟ أتكشف العورات فلا يغير أحد، ولا يغضب إنسان؟
فهدأني صاحبي، وقال: أفتغتسل وأنت متزر؟
قلت: لعن الله نظافة الجسم إذا كانت لا تأتي إلا مع نجاسة النفس، ويحك أتراني أضيع ديني وشرفي وأنكشف بعد هذه الشيبة، وتذهب عني في العرب، فتكون فضيحة الدنيا والآخرة؟
قال: ومن أنبأك أنك ستنكشف؟ هلا انتظرت؟
ودعا غلاما من أغلمة الحمام فقام دوني يسترني، ستره الله، حتى خلعت إزاري واتّزرت بإزار أبيض أعطونيه. . . وكان صاحبي قد تعرّى كما تعريت فأخذ بيدي فأدخلني إلى باطن الحمام فإذا غرف وسطها غرف، وساحات تفضي إلى ساحات، ومداخل ومخارج ملتوية معوجة يضل فيها الخرّيت، وهي مظلمة كالقبر، قد انعقدت فوقه قباب فيها قوارير من زجاج، تضيء كأنها النجوم في الليلة الداجية، وفي باطن الحمام أناس جالسون إلى أجران ضخمة من الصخر، عرى لا يسترهم شيء، فعلمت أنهم من الجن. وتعوذت بالله من الشيطان الرجيم، وجعلت ألتمس آية الكرسي فلا أجدها، فأيقنت لما نسيتها أن جنياً منهم لابد راكبني، وجعلت أبكي على هذه الشيبة أن تكون سخرية صبيان المدن. . . وإني لكذلك إذا بالخبيث يعود إلى يريد أن ينزع عني هذا الأزرار الذي كسانيه. . . فقلت: ويل
стр. 11307
أمهاتكم! ما ألأمكم! أتأخذون ثيابي وسلاحي، ثم تضنون عليّ بثوب يسترني؟ الرحمة يا مسلمون، الشفقة يا مؤمنون! أأفتضح في الأنس والجن؟
ووثب الجن عليّ وحدقوا بي وهم عرى، فَقفَّ والله شعر بدني، وامتلأت فزعاً؛ فقال صاحبي وهو يضحك: أعطهم الإزار لقد أضحكت الناس علينا
قلت: ويحك، وهل أبقى عريان؟ قال: لا، سنعطيك غيره. أن هذا جديد يفسده الماء
فاستخذيت وأطعت، وما خوفي إلا من هؤلاء الجن أن ينفخ على أحدهم فيحرقني، أو يدفعني دفعة فيلقيني وراء جبل قاف!
ودخلت إلى مقصورة من هذه المقاصير، فجلست إلى الجرن حزيناً كئيباً لا أعلم ماذا يجري علي، فبينما أنا على تلك الحال - وإذا بجني عار كأنه قفص عظام، له لحية كشوك السعدان - وودت أنها عشاء لجملي. . . وقد تأبط ليفاً غليظاً - يا شر ما تأبط! - وحمل ماعوناً كبيراً يفور فوراناً فتشهدت واستغفرت وعلمت أنه السم، وأنه سيتناثر منه لحمي - وقصد الجنيّ إليّ - فجعلت أفر منه، أتوثب من جانب إلى جانب، كأنني دجاجة تفر من سكين الجزار وهو يلحق بي ضاحكاً، ويعجب من قبلي ويظن أني ألاعبه وأداعبه، وصاحبي يقسم لي أنه الصابون.
- قلت: وما الصابون لا أم لك - أمصابون أنتم في عقولكم؟ هذا هو السم، لقد عرفته. . .
- قال: لا وأبيك أنه الصابون، ولا ينظف شيء مثله.
- قلت: ألا شيء من سدر؟ ألا قليل من أشنان؟
- قال: والله ما أغشك فجرب، ونطق الجني فإذا هو والله كلام الناس، وإذا هو أدمي من أمثالنا، فاطمأنت وجلست بين يديه، وأقبل على يدلكني دلكاً شديداً، وأنا أنظر هل تساقط لحمي، هل تناثر جلدي، فلا أجد إلا خيراً فضننت أنه قد أحسن إلي، وهممت بشكره، لولا أن ظهر أنه شيخ سوء من القوم الذين أهلك الله، فقد كان يتغافلني ويمد يده تحت الإزار، فيمس فخذي وساقي، فقلت: لو نجا منه أحد، لأنجتني هذه الشيبة، وجعلت أهم بهشم أنفه، وهشم أسنانه ثم أدعه، حتى انتهى وصبَّ على الماء سخنا، فشعرت والله كأنما نشطت من عقال، وأحسست بالزهو والخفة، فصحت فأنكرت صوتي، فقلت: ماهذا؟ أينطق على لساني مغن من الجن؟ وأعدت الصيحة فازددت لصوتي إنكاراً، فاستخفني الطرب وجعلت
стр. 11308
أغنى وأحدو، فقال لي صاحبي: هل أستطبت صوتك؟
قلت: أي والله، قال: أفلا أدلك على باب القاضي؟
قلت: فض الله فاك. مالي وللقاضي؟ هل أحدثت حدثاً؟ هل آويت محدثاً؟ هل. .
قال: ألا تعرف قصة جحا؟
قلت: لا والله! فمن جحا؟ وما هي قصته؟
قال: كان جحا عالماً تحريراً، إلا أن فيه لوثة، وكان خفيف الروح، فدخل الحمام مرة فغنى فأعجبه صوته، فخرج من فوره إلى القاضي فسأله أن ينصبه مؤذناً، وزعم أن له صوتاً جميلاً، لا يدخل أذن رجل إلا حمله حملاً فوضعه في المسجد
فقال له القاضي: فقم على المنارة فأذن نسمع، فقام فأذن، فلم يبق في المسجد أحد إلا خرج هارباً يتعوذ. . .
فقال له القاضي: أي صوت هذا؟ هذا الذي ذكره الله في الكتاب
قال اصلح الله القاضي، ما يمنعك أن تبني لي فوق المئذنة حماماً؟
ولمح (صلبي) أعرابياً من أهل نجد يمر في الطريق، فقال لي: أنتظر! وخرج يعدو وراءه. . .
. . . . ثم لم يعد!
على الطنطاوي
стр. 11309
وقائع كأنها القصص
السر
بقلم محمد مصطفى حمام
دخلت على الباشا والمجلس حافل والسرور شامل، فلقيني بما عود زائريه من بشاشة وترحيب، وأقبل بعدى آخرون يخلفون أعماراً وألواناً، فمنهم الشيخ العتيق المحطم والفتى الأنيق المهندم، ومنهم الحضري الناعم والفلاح الخشن، فتقبل الجميع بقبول حسن، وأفاض عليهم من عطفه مثل ما أفاض عليهم من عطفه مثل ما أفاض عليّ
وجاء الخادم يبشر بزائر جديد شعرت عند سماع اسمه بكثير من السرور، فهو اسم أحد السراة الظرفاء الذين سمعت عنهم دون أن ألقاهم، وما كان أشوقني إلى هذا اللقاء!
ولم ينتظر الزائر آذن الباشا بالدخول، بل اقبل في أثر الخادم، وإذا نحن نستقبل رجلاً سمهري القامة، بهي الطلعة، وافر الحظ من المهابة والروعة، ولقد أهتز له المجلس تعظيماً وإكباراً، إلا الباشا فلم يعبأ بمقدمه، ولم ينشط لاستقباله، بل صافحه وهو لاصق بكرسيه، ثم أشاح وجهه عنه، وأقبل بالحديث على سواء
وأخذتني من هذا اللقاء السيئ دهشة وعجب، وجعلت التمس للأمر كثيراً من العلل
قلت لنفسي: قد يكون القادم من الأنسباء أو ذوي القربى، فلا حاجة بصاحب الدار إلى المبالغة في تكريمه، أو لعل اقتحامه المجلس دون انتظار الإذن هو الذي أغضب الباشا عليه
ورأيت جو المجلس قد أظلم بعد استقرار الضيف الجديد في مكانه، وبد على الباشا ضيق وضجر، وحاول الرجل أن يظفر من صاحب البيت بلفتة إليه، أو إقبال عليه، فلم ينل إلا جفاء وإعراضا
ثم انحنى على الباشا يحاول أن يسر إليه حديثاً، فنهره كما ينهر السائل، وصاح به وشرر الغضب يتطاير من عينيه:
لقد أنقطع ما كان بيني وبينك، فلا تعكر صفاء مجلسي بقدومك، ولا تحاول استرداد مودتي فذلك ما لن يكون
وانصرف الزائر خاسئ البصر، لا يكاد يرى مما حوله شيئا، وودعناه راثين لحاله! وأخذ
стр. 11310
المجلس يتبدد، حتى لم يبق إلا أنا وصاحب الدار، فلما هممت بالانصراف استبقاني
قال الباشا: لعلك أسأت الظن بأدبي؟
قلت: معاذ الله
قال: أضنك في دهشة من سوء لقائي لضيفي، وربما أهمك أن تعرف السر
قلت: لا أرى في معرفته باساً
قال: لا يزال الصديق محباً إلى قلبك، رفيع القدر في عينك، حتى تكشف لك الأيام منه عن عورة لا تستطيع الإغضاء عنها، فمالك يومئذ من ذنب إذا سقط عندك مقداره، وتمكن من نفسك احتقاره
هذا رجل صاحبني خمسة أعوام كاملة، ملأ في خلالها جوانب قلبي، واستأثر دون الأصدقاء بحبي، وجمعت بيننا مجالس بعضها لله وبعضها للشيطان، وفي أمثال هذه المجالس أسخو بالمال وأكون المتلاف المبذال
وكان هذا الرجل زميلي في كل هذه المجالس، ودليلي إليها في أكثر الأحيان
وقادني إلى بيت في حي من اجمل أحياء المدينة. نادمنا فيه نسوة ثلاثاً كأنهن الحور العين، فقطفنا منهن ورد الخدود، وداعبنا غصون القدود، وصار هذا البيت معهد غرامنا نسعى إليه بين الحين والحين، ولكن في جنح الليل، وفي غفلة من الجيران
وما هي إلا اشهر معدودات، حتى علمت علم اليقين إن هذا البيت الذي نعبث بنسائه ونلهو، هو بيت صاحبي دون سواه! وان نديماتنا هن امرأته وقريبتاه! هن اللائى نغازلهن ونقبلهن! وهن اللائى ينلن مني أجر العبث بهن، أدفعه سخياً كريماً، ويتقبلنه راضيات فرحات!
ولقد أخذني من هذه الحقيقة المؤلمة هول وفزع، فقد تكشف لي صديقي عن نفس خبيثة وعرض ممزق!
قلت: فهلا كاشفته بما علمت من دخيلته؟
قال: لقد كان عذره اقبح من ذنبه، فقد أفهمني أنه وقد عرف فيّ البعد عن الجريمة المنكرة، وجرب عليّ القناعة بالقبلة والمنادمة، وشهد سخائي في البذل، رأى أن يؤثر نفسه ونساء بيته بمالي، فهو وهن أحق بذلك المال الذاهب هباء، والملقى إلى أناس آخرين، ولم يجد في
стр. 11311
الأمر ثلماً للعرض ولا نقصاً من الشرف، وما دام الغزل لا يصل إلى نهايته الأثيمة!
وتراءت في عيني صورة الرجل حين رأيته لأول مرة، وقارنت بين جمال المنظر وسوء المخبر، فذكرت قول الشاعر:
وهل ينفع الفتيان حسن وجوههم … إذا كانت الأعراض غير حسان!
محمد مصطفى حمام
стр. 11312
نظرية النسبية الخصوصية
البحث الثالث
مبادئ الميكانيكا الحديثة
للدكتور إسماعيل احمد ادهم
عضو أكاديمية العلوم الروسية
- ١ -
لقد قررت سنّة لورانتز في التقلص أن سرعة النور أقصى سرعة يمكن أن توجد في الكون، وهذه السنّة نتيجة لكون سرعة الجسم كلما أخذت في الزيادة أخذت كتلتها تتقلص من اتجاه حركتها بنسبة رياضية ثابتة، حتى إذا ما قاربت سرعتها سرعة النور بلغ التقلص حداً لا متناهياً، لا يمكن أن يتقلص الجسم المتحرك بعده. فلو فرضنا جسماً يتحرك بسرعة معينة ولتكن (س)، فهذا الجسم حسب قانون التقلص يتقلص بمقدار ثابت مثل (ث) ومقدار هذا التقلص:
١
ث=ــــــــــ
١ - ن٢س٢
لا يمكن أن تتجاوز السرعة (س) فأي وقت سرعة النور (ن) لأن هذا القانون يتلاشى إلى حيث لا يكون له معنى
لنفرض كتلة مادية مثل (ك) مقدار الطاقة الحركة التي بها (ط ح)، وهذه الكتلة تتحرك بسرعة مثل (س)، فهذه الكتلة تقرر قواعد الميكانيكا الكلاسيكية أن طاقتها الحركية:
(ط ح) =٢١ك س٢
غير أن مبادئ النسبية استناداً على قوانين المجال الالكترومغناطيسي، ونظرية (ماكسويل - لورانتز) تقرر أن
ك ن٢
стр. 11313
ط ح=
стр. 11314
٣٠٠. ٠٠٠ ١٣. ٠٠٠
١ + ــــــــــــ
٣٠٠. ٠٠٠ ٢
وهذه النتيجة توضح لنا تماماً أن سرعة النور سرعة مطلقة لا تتغير
- ٣ -
إن علم الحركات يرى في الزمان حداً رابعاً للمادة، ولكنه لا يخرج عن كونه ملاحظة رياضية، حيث أن الزمان مطلق ومستقل عن المكان، وقد كان أستاذنا هنري بوانكاريه الشهير يفرض أن الزمان بعد رابع موهوم للمادة ويستند في إثبات ذلك على الرياضيات الثابتة إلا ألبرت اينشتين ومينقوفسكي تمكنا من إثبات أن الزمان له شأن طبيعي كحد رابع للحوادث
إذا فرضنا وقوع حادثتين غير معينتين وكان الخط الواصل بين الحادثتين (خ) مثلاً. فانتقالنا من نظام إلى آخر لا شك سيؤثر في الخط الواصل بين الحادثتين وسيتأثر الخط بانتقالنا ويتغير (راجع مقال وحدة القوانين الطبيعية)
وإذا كان الزمان الفاصل بين أوان وقوع الحادثتين (ت) مثلا ورمزنا لسرعة الضوء بالرمز (ن) كان معنا المعادلة
ف٢= (ن٢ت٢) - خ٢ (معادلة ١)، وهذه المعادلة ثابتة لا تتغير حيث فيها (ف) رمز لفاصلة الزمان المطلقة، والحادثات
ك، ى، ن، ت؛ ك١، ى١، ن١، ت١ لو طبقت على قانون التحويل الذي وضعه لورانتز كانت النسبة بين مجموع حوادث الكونين ثابتة حيث أن:
ف٢=ن٢ (ت١ - ت) ٢ - (ك١ - ك) ٢ + (ى١ - ى) ٢= (ن١ - ن) ٢ (معادلة ٢) فإذن ليس الزمان بذلك الموجود المستقل عن المكان بل أنه مندمج فيه، وليس الزمان والمكان بمطلقين بل هما نسبيين إلا أنهما يندمجان في الفاصلة الثابتة الرياضية (ف)
ليس للزمان ولا للمكان شأن طبيعي وإنما اندماجهما يولد معنا حقيقة واحدة. فالمكان امتداد للزمان، أعني أن فواصل حوادث العالم تندمج في (ف) ٢ الثابتة الرياضية وتكوّن وحدة هوكون (الزمان - المكان)
стр. 11315
هذا الكون لا يتبع نسب وقياسات الحوادث، بل هو مطلق فلكل حادثة أو مجموعة من الحادثات مكانها وزمانها الخاص بها. أما كون (الزمان - المكان) فهو ذو حقيقة مطلقة غير تابعة لقواعد القياس. والمكان في حد ذاته ليس إلا مجموعة فواصل الحوادث، فواصلها الفراغية المتساوية أعني أنه قطاع للعالم في زمان خاص، أو بلغة أبسط هو العلاقة الانتشارية بين الحادثات واندماج المكان بالزمان في الثابتة الرياضية (ف)، توجد علاقة ثابتة بين الحوادث هي الفرق بين مربع الفاصلة الفراغية وحاصل ضرب سرعة النور بمربع الفاصلة الزمانية. هذه العلاقة تؤلف بين الحادثات وحدة ممتازة تحيل الكون عالماً مطلقاً هي منه الصفة المطلقة الوحيدة
- ٤ -
لنفرض نظاما ماديا مثل (ظ) يتحرك حركة نسبيةند نظام مثل (ظ١) ولنفرض أن (خ) خط ثابت بالنسبة للنظام الثاني متحرك بالنسبة للأول بسرعة محدودة لترمز لها بالرمز (س) فطول هذا الخط بالنسبة لمشاهد في النظام الأول غيره بالنسبة لمشاهد في النظام الثاني
ولنفرض أن (خ) يمتد من النقطة (م) إلى النقطة (م١) فستبدو كل نقطة حادثة مستقلة عن الأخرى لكل من المشاهدين. وسيرى المشاهد الذي في النظام (ظ١) الحادثين متواقتين. أما المشاهد الذي في النظام (ظ) فان (خ) ستبدو له أطول مما تبدو للمشاهد الذي بالنظام (ظ١) كما وأن كل نقطة من نقطتي الابتداء والانتهاء ستبدوان له حادثتين مستقلتين عن بعض غير متواقتين
ولنفرض أن المحورين (ك م؛ ك١م١) منطبقين على بعضهما كل الانطباق وأنهما موازيين استقامة السرعة (س) للخط (خ) في كل من الكونين (ظ) و (ظ١) فإذا كانت المحاور
م ك، م ي، م ن. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (١)
موازية للمحاور
م١ك١، م١ ى١، م١ن١. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٢)
في كل من النظامين (ظ) و (ظ١) كان:
ك١=ث (ك - س ت) معادلة رقم (١)
стр. 11316
ولابد من أن يكون:
ك١=ث كمعادلة رقم (٢)
ليتحقق معنا تعادل المركز (م) مع الزمان (ث) ومن انطباق المركز على الزمان نستنتج أن
ك١
ك=ـــــ معادلة رقم (٣)
ث
وهناتؤدي إلى أن
اس٢
ــ=ـــ
ثن٢
حيث أن ارمز لمعادلة التقلص
ولما كان المقدار العالي أصغر من (ا) كان ك١ك١
إن الخط (خ) بالنسبة للمشاهد الذي بالنظام (ظ١) أطول مما هو بالنسبة للنظام الأول. ومسألة تقلص الأطوال شيئاً فشيئاً كما تقرره ميكانيكية لورانتز ليست راجعة لتقلص الأجسام في اتجاه حركتها وإنما هي نتيجة لنسبية الأطوال. وليس هذا التقلص حقيقيا بل هو ظاهري حيث أن الواجب لا يمكنه ترتيب حدوث الحادثات كما تقع وإنما يرتبها حسب ما تتراءى له. وتقسيم الزمان والمكان تقسيماً مطابقا لموضوعها في صورة مستقلة عن بعضها لا يمكن إجراؤها في أي حال حيث أن سرعة اندفاع الجسم إذا بلغت سرعة انتشار النور أو ما قاربها بلغ التقلص أقصاه ولم يصبح للجسم عمق لدى النظر، لان الأجسام عندما تبلغ من السرعة هذا الحد تلوح كصفائح رقيقة
وحاصل القول أن الأطوال تابعة لحالات المشاهدين الطبيعية من الحركة والسكون
- ٥ -
لنفرض ساعة في النظام (ظ). فهذه الساعة سيبدو إشعارها للزمان متأخراً بالنسبة لساعة النظام (ظ) فهذا التقلص في الزمان نتيجة العلاقة بين (ت، ت١) حيث أن:
خ ت=ث خ ت١ معادلة (١)
стр. 11317
ولما كان تقلص الأطوال نتيجة للقانون:
خ ك=ثخ ك١ معادلة (٢)
فقليل من البحث والاستفاضة في الدرس يكشف عن تساوي كل من
خ ك خ ت=خ ك١ خ ت١
حيث أن
خ ك، خ ى، خ ن، خ ت=خ ك١، خ ى١، خ ن١، خ ت١معادلة رقم (٤)
ونخرج من هذا التساوي بحجم الجسم في عالم ذي أبعاد أربعة أو طوله في ذلك العالم
(للبحث بقية)
إسماعيل احمد ادهم
стр. 11318
رسائل حاج
٤ - من ربوع الغرب إلى بلاد العرب
للمستشرق المجري الدكتور عبد الكريم جرمانوس
أستاذ التاريخ بجامعة بودابست
تتمة
وقف جلالة الملك ابن السعود فوق ذروة (جبل الرحمة) كرمز خالد لعبقرية الأمة العربية، يذرع الفضاء بعين نسر جبار، ويشرف على راحة الحجاج الضاربين بين خيامهم في السهول المجاورة. لكم كان منظره فاتناً خلاباً، والشمس تكنفه وتشرق عليه، بينما يلتف حوله الحرس الوهابي بملابسهم المزركشة وخناجرهم التي تلمع مقابضها في وهج الظهيرة.
وقبيل الغسق تحرك الركاب الملكي شطر (المزدلفة) فظهر في الجو غبار كثيف امتزج بصيحات الوهابيين الذين كانوا يهتفون (نحن أنصار التوحيد، اخوة من أطاع الله) وليس لأي كاتب مهما بلغت عبقريته أن يصف هذا المنظر وصفاً شافياً، ومن لي بالفصاحة والبيان لأصوره على حقيقته؟
وعند وصولنا إلى (منى) بلغ مسامعنا نبأ محاولة اغتيال الملك، فان ابن السعود ما كاد ينتهي من طوافه للمرة الثالثة حتى داهمه أربعة من اليمنيين وهم يصيحون بأعلى أصواتهم: الله اكبر! الله اكبر! محاولين أن يطعنوه بخناجرهم. فان لليمنيين مهارة وحذقاً خاصاً في استعمال الخناجر، لكنهم لم يصيبوا سوى ولي العهد وهو يهم بإنقاذ أبيه. ثم حمل الجنود على الجناة وحاولوا أن ينزعوا سلاحهم. ولما لم يفلحوا اضطروا إلى رميهم بالرصاص، وأريقت دماؤهم فوق ثرى هذه الأرض المقدسة. وكان الملك الذي طالما خاض غمار حروب ومعارك حتى لم يخل جسمه من شبر واحد من آثار الجروح، هادئا ساكنا فلم تبدُ على وجهه إمارات الجزع، بل قصد لساعته بئر زمزم فتوضأ، ثم عاد إلى إتمام طوافه بالكعبة
وكان للحادث أثره المؤلم في نفوس الحجاج، فاستنكروا بشاعة الاغتيال، وتوغل بعض
стр. 11319
القتلة في الصفوف فخشي أن يحدث فرارهم رعباً في القلوب. ولقد أحسن الملك صنعاً بعودته السريعة إلى منى ليزيل ما علق بنفوس الحجاج من الرعب، فانه ما كاد يستقر في سرادقه حتى هرعت إليه جموع الحجاج ووفود البلاد لتقدم تهنئتها بنجاته من يد الآثمين. هنا سنحت الفرصة لان أقف وجها لوجه مع العاهل العربي الذي يحكم بلاده بالعدل والشريعة، ويسودها العطف والمحبة؛ فقد كان ابن السعود يجلس في سرادقه تحيط به ثلة من الحرس النجدي، وهم من صفوة الرجال الأشداء، وكانت ملابسهم المزركشة تخطف بسناها الأبصار، يتوج رؤوسهم العقال البدوي، وتتدلى من تحته ضفائر الشعر الكثيف الأسود حتى تصل إلى صدورهم، بينما أقداح القهوة العربية وأكواب الليمون المثلج تطوف على الوفود بين حين وأخر. وعندما غشيت مجلس الملك كان الخطيب الماثل بين يديه قد انتهى من خطابته، فلما التقى طرف الملك بطرفي أومأ إلى أن أتقدم، فجمعت شجاعتي وأنا في نشوة روحية عميقة، ورفعت يدي إلى رأسي إجلالاً واحتراماً ثم تقدمت. . .
لقد قابلت في شبابي وأنا في استامبول، السلطان عبد الحميد، ورافقت السلطان محي الدين في إحدى سياحاته، وزرت السلطان رشادا، وتحدثت إلى كثير من الرؤوس المتوجة في أوربا، لكنني لم أشعر مطلقاً أني وقفت وجهاً لوجه أمام التاريخ ألا في تلك المقابلة، لاسيما عندما رفعت عيني إلى وجه ابن السعود، ولمحت في ثناياه دلائل الحزم والقوة والشفقة والحنان والمهابة والجلال. ولقد لاحظت أن بطرف عينه اليمنى حولاً، بينما العين الأخرى قوية سليمة، والمعروف عن الملك أنه شجاع مقدام، تضرب القبائل بشجاعته المثل، فعندما كان في الحادية عشرة من عمره، قاتل في إحدى المعارك خصما له فقضى عليه بضربة من حسامه: وهو رجل شديد الإيمان بالله، ولقد كان إيمانه من أقوى الأسباب في تأسيسه المملكة السعودية وإحياء مجد الجزيرة العربية
وما كدت أقف أمام الملك حتى خاطبته بصوت جهوري فيه كل معاني الإخلاص: السلام على أمير المؤمنين، أنني أحمد الله على نجاتك من يد ذلك القاتل الأثيم عدو الدين
ومدَّ إليّ ابن سعود يده وصافحتها ثم طلب إلى أن أزوره في قصره؛ وبعد أن شهدت حفلة الاستعراض العسكرية التي أقيمت (بوادي الشهداء) ورأيت ضروباً من الفروسية العربية، تلك الفروسية التي خلقت من الحب أدباً عالياً ومن المرأة صنماً معبوداً توجهت إلى القصر
стр. 11320
الملكي بناحية (المعلى) بالضواحي، وهو قصر عظيم شامخ البنيان، يشبه الحصون العسكرية، ويشتمل على عدد كبير من الغرف المتسعة الأرجاء والردهات والأبهاء ذات العمد
وجلست بقاعة الاستقبال، في انتظار التشرف بالمقابلة، فسرني أن التقيت بكثير من أعيان العرب، الذين يأتون للمثول بين يدي الملك بملابسهم الفخمة، فيحادثهم كإنسان يستشير اخوته، ويرسم معهم كل ما يتعلق بسياسة الدولة وتدبير وسائل الرفاهية والراحة للحجاج. ولقد راعتني البساطة التي ألفيتها متمثلة في الملك والشعب معا، فالرسميات المعقدة التي تتبع في بلاط ملوك أوربا لا وجود لها في هذا البلاط العميق الديموقراطية. والواقع أن ابن السعود هو عاهل الجزيرة العربية بلا منازع، ولم يؤل الملك إليه عن طريق الوراثة، بل آل إليه عن جدارة واستحقاق
وطفقت أستوعب الدقائق إلى أن يحل دوري فأتشرف بالمثول بين يدي الملك؛ وكنت من خلال فترة الانتظار جالساً في مكتب سعادة فؤاد بك حمزة وزير الخارجية، الذي ذكر لي أني أول حاج قدم إلى مكة من بلاد المجر؛ وما كاد يحل دوري حتى تقدمني فؤاد بك حمزة وغشينا مجلس الملك، وبعد أن صافحته أومأ إلى أن أجلس بجواره، وقدمت إلينا القهوة، فرأيته يرشفها بشغف ولذة. ثم بدأ الملك يتحدث إلي فقال: (لقد قدمت من نجد إلى بلاد الحجاز وجبت البلاد من الشرق إلى الغرب لزيارة بيت الله وتفقد حالة الحجاج. وغاية ما أرمى إليه أن أؤلف بين قلوب رجالي متوسلاً إلى الله أن يلهمني وإياهم الصواب في أعمالنا. لقد عنيت عناية خاصة بإقامة الشرائع المحمدية ونشرت الأمن والسلام في أنحاء الجزيرة العربية، وفي وسعك الآن أن تتجول في أقصى بقعة من بقاع الجزيرة دون خوف ولا وجل. وسترى عما قريب أنني سأعيد إلى هذه البلاد عظمتها القديمة حتى تصبح موئل الإسلام كما كانت أيام سيد المرسلين)
إن هذا العاهل العربي العظيم يلمس تماماً مواطن الضعف في كل ركن من أركان بلاده ويعمل على إصلاحه وتقويمه ما استطاع إليه سبيلا؛ فالسلام مع الرقى والتقدم هما الأمران اللذان يعني بهما عنايته بطعامه وشرابه، وإقامة حدود الله مع المحافظة على استقلال الجزيرة هما الغايتان اللتان يسترشد بهما في تأدية واجبه، وهو لعمري الطريق السوي
стр. 11321
الذي يجب أن يسير فيه. وملك هذه صفاته وأعماله جدير حقا بأن يخلد التاريخ ذكره في ثبت الوجود
وبعد أن انتهيت من زيارتي استأذنته في الانصراف فقام من مجلسه منتصباً وبسط إلي إحدى يديه الغليظتين وظل قابضاً على يدي برهة وهو يرمقني بعينه المتسعة، وكانت ملامحه تدعو إلى الهيبة والاحترام إلى حد ألفيت نفسي عاجزاً عن أن أرفع إليه بصري، ثم ما لبثت أن هويت بفمي على راحته ألثمها في إكبار وإجلال
ولما أزفت ساعة الرحيل ودعت أصدقائي من سادة العرب وكبار العلماء كالأستاذ محمد شطا شيخ قضاة مكة، ورئيس الشرطة، وبعض الأطباء النابهين، ووصلت إلى جدة حيث قضيت أياماً في ضيافة الشيخ محمد علي وهو رجل علامة يحذق لغات شتى، وقد تجول في أنحاء أوربا، ويعرف الشيء الكثير من عادات الشرق والغرب
أقلعت الباخرة فوقفت في مقدمها واجماً ساكناً تتناهبني شتى العواطف، وأنا أودع هذه الأراضي المقدسة التي ربما أراها للمرة الأخيرة. وكلما بعدت بنا الباخرة اغرورقت عيناي بالدموع، فقد خلفت في تلك الديار صداقة جديدة تكاد لعذوبتها تشبه الحب، وذكرى عزيزة هي ثمرة عقيدتي في الإسلام واليوم الآخر. فما اعظم الفرق بين مدنية أصدقائي العرب، إخواني في الله، الذين تشبع في قلوبهم فكرة الاتصال بالواحد القهار فيصدفون عن الماديات، وبين مدنية المغرورين الذين يتهالكون فرقاً وراء قضبان المادة وينقعون غلتهم في شهوة المال!
عبد الكريم جرمانوس
стр. 11322
مديرية أسوان
والحد الفاصل بين مصر والسودان
بقلم رشوان أحمد صادق
في الجغرافيا
أتحدث اليوم عن علاقة مصر بالأقاليم الجنوبية واهتمام المصريين بالحدود المصرية الجنوبية منذ بدء التاريخ إلى اليوم فأقول:
أول من أهتم بالجهات التي تتاخم حدود مصر الجنوبية هو الملك بيبي الأول ثاني ملوك الأسرة السادسة فأرسل القائد أونا إلى كروسكو ليجمع بعض أنواع الأخشاب فساعده قبائل تلك الجهات على أداء مهمته واعترفوا بسيطرة الملك بيبي عليهم. ثم أرسل الملك متوسوفيس (وهو الملك الثاني عشر من الملوك الأسرة السادسة) القائد هرخف لغزو بلاد بنت فعاد يحمل البخور والآبنوس والعاج والجلود حملها على ثلثمائة حمار وحمل معه قزماً من الدنقس أتى به من (بر الأظلال). فلما وصل مصر كان الملك متوسوفيس قد مات وخلفه أخوه الملك بيبي الثاني فسر بخبر القزم فكتب إلى هرخفف يأمر بإحضاره إلى منف، وهذا نص الكتاب: (واصحب معك في السفينة بعض الخفراء لحراسته كي لا يقع في الماء أو يفلت في الليل، لأني أسر برؤية القزم أكثر من جميع ما أحضرت من بلاد بنت)، فحفر هرخفف هذا الخطاب مع خبر غزوته على واجهة قبره في جزيرة الفنتين
وفي عهد الأسرة الثانية عشرة أرسل (اوسرتسن) الأول ثاني ملوك هذه الأسرة القائد هونو إلى بلاد بنت بطريق قفط والقصير لجباية الجزية من أمراء تلك البلاد، فأدى مهمته ثم عاد. وقد جرد هذا الملك حملة بطريق النيل فامتدت حدود مصر الجنوبية حتى الشلال الثاني، وقد عثروا على حجر في هيكل جهة حلفا (نقل الآن إلى فلورنسا) وعليه صورة هذا الملك وبجانبه المشايخ الثمانية لرؤساء القبائل التي تغلب عليها؛ وفي عهد (اوسرتسن) الثالث خامس ملوك هذه الأسرة امتدت حدود مصر إلى شلال سمنه جنوباً، وتوجد آثار هيكل من بقايا أعمال ذلك العصر، كما وجد حجران جعلا الحد الجنوبي للبلاد المصرية مكتوباً على أحدهما ما معناه: (هذا حد مصر الجنوبي الذي عين في السنة الثامنة من حكم
стр. 11323
الملك أوسرتسن الثالث الخالد الذكر، فلا يجوز لأحد من السود أن يتعداه إلا في سفن تحمل البقر والماعز والحمير)، ووجد على الحجر الثاني ما معناه: أن الملك شيد هذا الحجر في السنة السادسة عشرة من حكمه وجعله حداً فاصلاً بين مصر وأثيوبيا، وله تمثال في تلك الجهة، وتوجد قلعة من آثاره في معتوق. وفي جزيرة ارقو توجد تماثيل وأطلال من آثار الأسرة الثالثة عشرة
وفي عهد الأسرة الخامسة عشرة التي أسسها العمالقة كانت مصر في حالة اضطراب، وهاجر كثير من المصريين إلى أثيوبيا وكونوا معاقل أهمها معقل ارقو، وحملوا معهم كثيراً من طرق الصناعة والفنون المصرية وأصبحوا دولة منظمة في عهد الأسرة الثامنة عشرة، ولم يتم الملك لأحمس الأول أول ملوك الأسرة الثامنة عشرة إلا بمساعدة ملك أثيوبيا الذي زوجه من ابنته وساعده على طرد الهكسوس من مصر؛ ويظهر أن عاصمة بلاد الأثيوبيين هي مدينة نبته عند جبل البرقل بالقرب من مروى ويعرف بالهيروغليفية باسم الجبل المقدس، ودامت العلاقات الحسنة بين مصر وأثيوبيا إلى عهد تحتمس الأول ثالث ملوك الأسرة الثامنة عشرة إذ غزا الأثيوبيين وانتصر عليهم
وفي عهد الأسرة التاسعة عشرة غزا رمسيس الثاني بلاد أثيوبيا وأقام هيكلاً في كلايشه تذكاراً لانتصاراته ويعرف الآن عند سكان كلايشه باسم بيت الولي. ورسم على الهيكل صورة رمسيس الثاني وهو يحارب في عربة، وعدة صور يتضح منه هزيمة الأعداء وتقديمهم القرابين له مثل الخواتم وأكياس الذهب وجلد الفهد وسن الفيل وبيض النعام. وجدد استخراج الذهب والزمرد من وادي العلاقي المعروفة قديماً باسم اكيتا وعلى هذا الطريق قلعة يظن أنها من أعمال رمسيس الثاني
ودامت سلطة مصر على أثيوبيا حتى الأسرة العشرين
بعد ذلك أنفصل أثيوبيا عن مصر، وذلك أن (سمنتوميامون) أحد ملوك الأسرة الحادية والعشرين نفى بعض الكهنة المصريين إلى أثيوبيا فخرجوا عن طاعته واستقلوا تحت إمرة أحدهم وبذلك رجعت حدود مصر إلى ما كانت عليه قبل الغزو
وفي آخر حكم الأسرة الثانية والعشرين هاجم الأثيوبيون مصر وأخذت حدود مصر الجنوبية تتراجع شمالاً حتى استولى الأثيوبيون أيام الأسرة الثالثة والعشرين على صعيد
стр. 11324
مصر. على أن بمنخي ملك أثيوبيا بعد أن استولى إلى مصر فوجئ بخروج البلاد عليه وتقاسمها الأعيان لمدة خمسة عشر عاماً إلى أن قام أحدهم ويدعى (ابسمانيك) واستعان بجنود يونانية واستولى على جميع الأراضي المصرية وطرد الأثيوبيين وأعاد الحدود المصرية إلى أسوان. ولقد ذكر (هيرودوت) خبر فرار بعض الجنود المصرية في عهد ابسمانيك مؤسس الأسرة السادسة والعشرين فقال انهم ذهبوا إلى أثيوبيا واستوطنوا هناك وأطلق عليهم اسم (الأوتومولي) وعرفوا بهذا الاسم حتى القرن الأول للميلاد
وفي عهد البطالسة زحف ثامن ملوك هذه الأسرة على مملكة مروى وفتحها ثم سار جنوبا ففتح مدينة أكسوم، ودون خبر فتوحاته باللغة اليونانية على حجر من الرخام في ميناء (أدولس) المعروفة الآن بميناء (زولا) على عشرين ميلاً جنوبي (مصوع وهي ميناء أكسوم) ومع ذلك فقد عادت الحدود مرة أخرى إلى المحرقة في عهد سلفه
وبعد وفاة كليوباترا آل حكم مصر إلى الرومان. وأول من تولى مصر من الرومان هو كرنيوليوس جالسن وقد ظهر من بعض النقوش على بعض الآثار أن الملك (نويا كوتاس خوانوس)، ويظن أنه ملك نوبه، أرسل رسلاً في أيام هذا الحاكم إلى فيلة ودخل في حامية الرومان. وحاولت أثيوبيا غزو مصر في عهد ملكتها (كنداكه) حينما كان الرومان مشتغلين بغزو بلاد العرب ولكنها لم تفلح. وفي عهد (نيرون) أرسل حملة للكشف عن منابع النيل فوصلت إلى إقليم كثير المستنقعات ربما كان إقليم السدود الحالي، وكانت المحرقة آخر حدود مصر أيام الرومان كما كانت أيام اليونان، فرأى الإمبراطور (دبوقلشيان) أن خراج البلاد التي بين المحرقة وأسوان لا يفي بنفقات الجند اللازمة لجمعه فلا فائدة من الاحتفاظ بهذه البلاد فاقطعها للنوبة وأعاد الحدود المصرية إلى أسوان وقوى حامية الفنتين
وفي عهد الحكم العربي غزا المسلمون النوبة. قال ابن الأثير (فغزا المسلمون النوبة فرجعوا بالجراحات وذهاب الحدق لجودة رميهم فسموهم رماة الحدق) وفي سنة ٢١ هـ بث عمرو بن العاص عبد الله بن سعد بن أبي سرح في عشرين ألفاً إلى النوبة فمكث بها مدة ثم صالحهم وقرر عليهم الجزية ثم، استدعاه عمرو إلى مصر ثانية؛ وبعد موت عمر بن الخطاب رضى الله عنه تولى عثمان بن عفان فعزل عمرو بن العاص وولى عبد الله مكانه، وكان أهل النوبة نقضوا الصلح ووصلوا إلى الصعيد فردهم وغزاهم مرة ثانية
стр. 11325
وصالحهم على أن يدفعوا ٣٦٠ رأساً من الرقيق سنوياً على إن يرسل عبد الله إليهم بعض الحبوب. ويقول المسعودي (ولمن بأسوان من المسلمين ضياع كثيرة داخلة بأرض النوبة يؤدون خراجها إلى ملك النوبة وابتيعت هذه الضياع من النوبة في صدد الأمان في دولة بني أمية وبني العباس، وقد كان ملك النوبة استعدى المأمون حين دخل مصر على هؤلاء القوم بوفد أوفدهم إلى الفسطاط ذكروا عنه إن أناساً من أهل مملكته وعبيده باعوا ضياعاً من ضياعهم ممن جاورهم من أهل أسوان وإنها ضياعه والقوم عبيد لا أملاك لهم وإنما تملكهم على هذه الضياع تملك العبيد العاملين فيها. فرد المأمون أمرهم إلى الحاكم بمدينة أسوان ومن بها من أهل العلم والشيوخ
وعلم من أبتاع هذه الضياع من أهل أسوان أنها ستنزع من أيديهم، فاحتالوا على ملك النوبة بأن تقدموا إلى من ابتيعت منهم من أهل النوبة أنهم إذا حضروا حضرة الحاكم لا يقروا لملوكهم بالعبودية، وأن يقولوا سبيلنا معاشر المسلمين سبيلكم مع ملككم، يجب علينا طاعته وترك مخالفته، فان كنتم أنتم عبيداً لملوككم وأموالكم له فنحن كذلك. ولما جمع الحاكم بينهم وبين صاحب الملك أتوا بهذا الكلام للحاكم ونحوه مما وقفوا عليه من هذا المعنى، فمضى البيع لعدم إقرارهم بالرق لملكهم إلى هذا الوقت، وتوارث الناس تلك الضياع بأرض النوبة من بلاد مريس المجاورة لأسوان. وصار النوبة أهل مملكة هذا الملك نوعين: نوعاً من وصفنا أحراراً غير عبيد، والنوع الأخر من أهل مملكته عبيد هم من سكن النوبة في غير بلاد مريس). من ذلك يتبين أن الحدود الجنوبية لمصر لم تكن محددة تماماً أيام العرب، إذ أن بعض المصريين كان يملك أراضي داخل حدود النوبة. ويقول المقريزي انه في سنة ٨٧٠ م وذهب أبو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحميد العمري إلى محاربة النوبة ورجع غانماً. ويفهم من كلام المقريزي أنه في سنة ٩٥٦ م أغار ملك النوبة على أسوان وقتل جمعا من المسلمين فخرج إليه محمد بن عبد الله الخازن على عسكر مصر من قبل (أنوجور بن الإخشيد) سنة ٩٥٧ م براً وبحراً وأسروا بعض النوبيين الذين ضربت أعناقهم بعد ما أوقع بملك النوبة، وسار الخازن حتى فتح مدينة أبريم، وقدم إلى مصر سنة ٣٤٥ هـ بمائة وخمسين أسيرا. وقال أبن الأثير (في سنة ١١٧٣ م سار شمس الدولة توران شاه بن أيوب أخو صلاح الدين الأكبر من مصر إلى
стр. 11326
النوبة فوصل إلى أول بلدهم. وكان سبب ذلك أن صلاح الدين وأهله كانوا يعلمون أن نور الدين كان على عزم الدخول إلى مصر، فاستقر الرأي بينهم أنهم يتملكون إما بلاد النوبة أو بلاد اليمن حتى إذا وصل إليهم نور الدين لقوه وصدوه عن البلاد، فإن قووا على منعه أقاموا بمصر وإن عجزوا عن منعه ركبوا البحر ولحقوا بالبلاد التي افتتحوها. فجهز شمس الدين وسار إلى أسوان ومنها إلى بلاد النوبة، فنازل قلعة اسمها أبريم فسلمت، فأقام بها ولم ير للبلاد دخلا يرغب فيه، فتركها وعاد إلى مصر بما غنم من العبيد والجواري). وقال المقريزي عن توران شاه هذا ما يأتي: (وأعطاه صلاح قوص وأسوان وعيذاب، وجعلها له إقطاعا، فكانت عيرتها في تلك السنة مائتي ألف وستة وستين ألف دينار، ثم خرج لغزو النوبة سنة ١١٧٤ م وفتح قلعة ابريم). واستمر غزو المماليك لبلاد النوبة مثل الظاهر بيبرس وقلاوون وغيرهم. ويقول ابن خلدون إن قلاوون عندما غزا النوبة أرسل السفن بالبحر. ويقول ابن خلدون (ثم انتشر أحياء العرب من جهينة في بلاد النوبة واستوطنوها وملكوها أيام الناصر بن قلاوون وملئوها عيثاً وفساداً، وذهب ملوك النوبة إلى مدافعتهم فعجزوا، ثم صاروا إلى مصانعتهم بالصهر فافترق ملكهم وصار لبعض أبناء جهينة من أمهاتهم، لان أمهاتهم من بنات ملوك النوبة على عادة الأعاجم في تمليك الأخت وابن الأخت فتمزق ملكهم واستولى أعراب جهينة على بلادهم، وليس في طريقة استيلائهم شيء من السياسة الملوكية للأمة التي تمنع من انقياد بعضهم إلى بعض فصاروا شيعا لهذا العهد). إلى أواخر القرن الثامن الهجري. وبقوا كذلك شيعاً على كل شيعة منهم رئيس أو ملك إلى أن قام الفنج في سناد سنة ١٥٠٥ م إلى الشلال الثالث ثم كان الفتح العثماني لمصر بيد السلطان سليم سنة ١٥٢٠ فأرسل جيشاً إلى النوبة فملكوها من أسوان إلى الشلال الثالث وعرفوا (بالغز) وعرف حكامهم (بالكشاف) وهكذا انقسمت بلاد النوبة بين ملوك الفنج والكشاف إلى أن كان الفتح المصري للسودان سنة ١٨٢٠م أي سنة ١٢٣٦ هـ فخضعت لمصر
وفي عهد محمد علي امتدت حدود مصر جنوباً بعد فتحه للسودان وكانت تدخل أسوان في مديرية أسنا، ثم أحدث تعديلاً بأن ضم مديرية أسنا إلى مديرية قنا وصارتا واحدة، ثم انفصلتا بعد ذلك وامتدت الحدود المصرية إلى أعالي النيل أيام خلف محمد علي خصوصاً
стр. 11327
في عهد إسماعيل. واستمرت مديرية أسنا حتى سنة ١٨٨٧ وكان مركزها أسنا. ولما ازدادت الثورة المهدية في السودان وكادت تمتد إلى الحدود رأت الحكومة تحصين الحدود المصرية بقوة عسكرية وجعلت البلاد هناك تحت الأحكام العسكرية فصدر قرار مجلس الوزراء في ٢٦ أبريل سنة ١٨٨٨ بقسم مديرية أسنا إلى قسمين: الأول يشمل الجهات التي بين وادي حلفا وجبل السلسلة تتكون منه مديرية الحدود ومركزها أسوان. وأما الأقاليم شمالي جبل السلسلة فتضم إلى مديرية قنا وعلى ذلك ألغيت مديرية أسنا وتكونت مديرية الحدود من مراكز ادفو وأسوان وكرسكو (الآن الدر وحلفا) وضمت بقية البلاد إلى قنا واستمرت مديرية أسوان باسم مديرية الحدود إلى أوائل سنة ١٨٩٩ حينما تحددت الحدود بين مصر والسودان، وذلك أنه لما أعيد إخضاع السودان عمل اتفاق بين مصر وبريطانيا في ١٩ يناير ١٨٩٩ بأن يصبح السودان حكومة مصرية إنجليزية واصبح خط العرض ٢٢ شمالاً هو الحد الفاصل بين مصر والسودان وبناء على ذلك دخلت عشرة بلاد من قرى مصر العليا في حكومة السودان وهي: سرة شرق. فرس. جزيرة فرس. دبيرة. شرة عزب. اشكيت. ارقين. ادغيم. عنقش. دبروسة (وتعرف ألان بالتوفيقية) وبعد هذا التغيير أطلق على مديرية الحدود اسم مديرية أسوان ابتداء من سنة ١٨٩٩.
رشوان احمد صادق
تَعصِفُ الصَّرصُر العتيَّةُ بالغَا … ب فَيهوِى الدَّوحُ الأغَنُّ الشجَّيرُ
وَتضيعُ الألحان في هبَّة الَوي … لِ وَيرغو الأذى وَتَطغَى الشرورُ
ليسَ َيقرِى الأسماع إلا عويل … وصراخٌ وأنة وَزفيرُ
تَمَّحى فرحةُ الطبيعةِ في الأر … ضِ وَيُطوَى حُلْمُ الحياة النظيرُ
وَتُعَفى أرائَكُ الحبَّ وَالِعط … رِ وَيَبلى الروْضُ الندِىُّ الخضيرُ
تطفحُ السُحبُ في عَناَنِ السموا … تِ وَيخبو منها السراجُ المنيرُ
وَيَعجُّ الفضاء بالزبَّد المن … دوفِ والأُفقُ كالخِظمَّ يفورُ
وَتغيبُ الأنوارُ إلاَّ شُعاعاً … يختفي تارةً وأُخرى يَنُور
تَتعزَّى بهِ النفوسُ الوجيعا … تُ وَيحيا بدِفئهِ المقرورُ
أيَظلُّ الصَّرَّارُ يَرتَعُ في الحق … لِ وَينأى عن عُشِّه العصفورُ
تِلكَ أُحجَّيةُ الوجودِ تَناَهى ال … فهمُ عنْها وَاستغلقَ التفسيرُ
يا حبيبي أراكَ من حُجُب الغي … بِ فيزهُو الكونُ السليبُ الحسيرُ
وَيغوصُ الظلامُ في نهرِ الفج … رِ وَيبهى الصبحُ الأنيقُ الطَّريرُ
يُنشدُ السفحُ وَالتلالُ تُغني … حيثٌ لا مطربٌ وَلا مزمور
تُمرعُ الأرضُ بالنباتِ وَتهت … زُّ منَ الدفءِ وَالحياةِ الجذور
وَتذوبُ الأنداءُ في اكؤسِ الزه … رِ وَيُحيى الثرى وَالشرابُ الطهور
وَيطيبُ الهوى وَيحلو التَّساقي … وَمنَ الحبِ روضةٌ وَغدير
أيها الهاجري أطلت التنائِي … وَتعايا من صدِّكَ المهجور
سِهدَت مُقلتي وَناَجاك قلبي … وَهفا خاطري وَحن الضمير
عشتُ من طولِ حسرتي بالتمنَّي … وَقليلٌ من التمني الكثير
تتراءى لناظِري فأنادي … كَ كأني مُخَبّل ممرور
أنتَ ريحانتي وأنتَ أحادي … ثي وأنت المُنى وأنت السمير
يا نصيري إذا أظلَّني اله … مُّ ألوى بي الشقاءُ المرير
طُف بُروحي كما تطوفُ الشُّعاعا … تُ وَيسري ضياؤُّها وَينير
ودعِ الحبَ يزدهر في خيالي … وَتهدهد به العصورَ العصور
стр. 11330
غفَلت عنَى المنونُ فغني … تُ وَلحنُ الحياةِ قصير
أتعامى عن الفناءِ وَحولي … محنٌ ليس تنقضي وَثُبور
ألمي صارخٌ وَجرحي ضرىٌ … وَالهوى يائسٌ وَجَدِّمي عثورُ
وَبنَفسي قيثارةٌ تتشكى … وأنا الدمعُ وَالأسى وَالشعور
أتسلَّى عن الضَّنى بلُحون … هي روحُ الحياةِ وَالإكسير
الشَّجا المُّر في حِماها شفاءٌ … وَالدجى الشاملُ المروَّعُ نور
خاطِري من نشيِدها مستثارٌ … وَفمي من سُلافِها مخمور
عالَمي مهبطُ الرُّؤى وَمِهادي … ذهبُ خالصُ وَتبرٌ نثير
وَفضائي مُوشُّحٌ بالغوادي … وَهِضابي ندًى وَجوِّي مَطير
وَسمواتَي الفسيحاتُ تابو … تٌ عليهِ من الغيوم سُتُور
أُفُقٌ شاحبٌ تَدثَّر بالُّسحبِ وأغيا في الضبابُ الغمير
لا السَّنا ضاحكٌ بابهَائه السح … م وَلا النور في مَداَه يمور
فمن الحزنِ وَالجهامةِ قبرٌ … وَمن الهمِ وَالكابةِ سور
وَتعرى المساءُ من القِ السح … رِ فلا روعةٌ وَلا تَصوير
التعاشِيبُ أَعُينٌ جامداتٌ … هي من طولِ ما ُتحدِّقُ صور
أطفأ العاصفُ الُملحُ سَناَهَا … وَغَزَاهَا الصقيعُ وَالزمهرير
هاهنَا للجمالِ عرسٌ تَقَضَّى … مِلءُ أعطافهِ شذاً وعبير
هاهنا كان للجداولِ الحا … ن لِطافٌ وَللنسيم سَرير
هاهنا حَنَّت العَشَّيات للضِّح … ك وَبشَّ الضُّحى وَهشَّ البكور
لا الروابي تفيضُ بالعبق الطُّه … ر وَلا يطربُ الحقولَ الخرير
هَدأَت من جَوى الغرام قلوبٌ … وَاستراحت من الهَديل ثغُور
وَحشة ما تكادُ تحمله النف … سُ وَشجوٌ تضيقُ عنه الصدور
أراد الُمَزَّوقُ الُحلمَ داجٍ … وَحِمَى الأنس مُجفلٌ مَذعُور
أَينَ وادٍ رفَّت عليه البشاشا … ت وَرَنت أَعشاشه وَالوكور
ماج فيه الهَوى فعاشت حوافي … هـ وَضجت من الحياةِ الصخور
стр. 11331
أَينَ لا أَينَ عالم مستطابٌ … عاث فيه ركبُ الفناءِ المغير
فأَّمحى كالظِّلالِ تنتهبُ الأر … ضَ وَيخفى انطواؤها المصير
أنور العطار
стр. 11332
بين ماض وحاضر
أنشودة
للأستاذ عبد الرحمن شكري
عهدي بالعيش على رَغَد … عذباً كالماء حساه صَدى
نغم والدهر يُوَقِّعُه … يسرى كالنشوة في الجسد
يا ليت الهر كمن يشدو … بأغانٍ أن يُطربْ َيزِد
إن قلتُ أعد نُعمًى عادت … كترنم ذي النغم الغرد
حسنات كنت بها ثملاً … ذهبت في الدهر فلم تَعُد
آمال كنت بها شغِفاً … نظر الولهان إلى الخُرُد
أحلام كنت بها جذلاً … قد شح النوم وَلم تجُد
وَشباب ذقت به خلداً … في طرفة عين من أبد
لو دام دوام الخلد لما … نقع الظمآن من الصَّفد
لو عاد بذلت له ذخري … من مُطرفي أوَ مُتلَّدي
بشعاع من أعيش مدى … دفءٌ للشمس على بُعُد
آب التذكارُ له شبحاً … أو قبراً شِيدَ لِمُفتَقَد
ما خلَّفَ لي دهرٌ ثقة … بمآل فيه أو أحد
يا نبع الماضي لو عاد ال … وُرَّادُ إليك على جَدد
لرجعت إليك رجوع صَدٍ … لم ينهل قبل وَلم يَرد
وَغدا ماذا يا دهر ترى … قد قُدِّر لي بضمير غد
عبد الرحمن شكري
стр. 11333
صورة. . .
(من صور دمشق في هذه الأيام)
بقلم السيد احمد عبيد
ما أروَعَ القَومَ إذ ضَنُّوا بِعزَّتِهِم … فسَالتِ الشامُ فِتياناً وَوِلدانا
تدفَّقوا كأَتيِّ السيلِ مُقتَحِماً … لظى جَحيمٍ تُذيقُ الموتَ ألوانا
فلا الأتيُّ بمُخْبٍ من توقدِها … وَلا الجحيمُ تَصُدُّ السيلَ إن دانى
إذا التَقَوا وَالعِدى في وَقْعةٍ فُهما ال … بُركانُ يقذِفُ (نيراناً) وَ (صوَّاناَ)
стр. 11334
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
٣١ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
تعليق المؤلف على فلسفة نيتشة
للأستاذ خليل الهنداوي
يتمتع نيتشه بما لا يتمتع به فيلسوف أخر، لان تفكيره قد تناول بالبحث أرباب الفلسفة وغير أربابها. وقد طغت (النيتشية) في الأعوام الأخيرة أي طغيان، فأما المعجبون به فهم يرون فيه المفكر الفرد الصارم العميق في جرمانيا الحديثة، له منزلة (دارون) في الأخلاق. وأما خصماؤه فهم لا يرون فيه إلا ولداً مريضاً، له خطره ومبدؤه الفاسد. وبينهما يقف الشعب حائراً، تراه من ناحية معجباً بآثار هذا الجبار ومظاهر تفكيره الغريب، ومحترساً من ناحية ثانية من مفكر ناقم على الأخلاق والتقاليد؛ والآن سنعمل على تبيان الأسس الرئيسية التي ترتكز عليها فلسفة نيتشه، والأهمية التي تنشأ عنها.
هدم النقاد فلسفة نيتشه من وجهين: في الوجهة الأولى أبدوا أخطاءها العملية. وفي الوجهة الثانية بينوا خطرها على الأخلاق
إن نيتشه في الطور الثاني من حياته لم يكن يكتسب شيئاً ولم يكن في استطاعته أن يكون عالماً؛ ولقد علمت رداءة صحته التي تحول بينه وبين مواصلة جهوده في البحث. فهو قد بدأ حياته العلمية بدراسة اللغات، ثم لم يلبث أن غادر هذا الميدان إلى غيره؛ وهو لم يكن في سائر العلوم إلا هاوياً، لا يسعى وراء ترقية هذا الفرع وذلك الفرع في العلوم، ولكنه يريد من وراء ذلك أن يبدع مسائل جديدة، أو يكسو المسائل القديمة ثياباً جديدة! فهو لا يؤثر في العلم نفسه ولكن في روح العالم. فان اشتقاقاته التي استنبطها في دراساته للغات القديمة لم تكن لتلائم الحقيقة، ولكن ذلك لم يكن ليحفل به، فهو يبغي أن يظهر طرق درس المسائل الاجتماعية بواسطة الدراسة اللغوية، فالقيمة الجوهرية لملحوظاته الخاصة هي شيء ثانوي عنده، سواء عنده حياتها ومماتها، فهو يكفيه فضلاً أن ينفخ في نفوس هؤلاء الدارسين روحاً جديدة ويفتح لهم آفاقاً جديدة.
ولذلك نراه في آخر أدواره جد قلق، يسعى بواسطة الدراسات اللغوية إلى أن يستكشف
стр. 11335
الحياة الاجتماعية، وحضارة ما قبل التاريخ مستعيناً بدرسه ومقارنته بين اللغات
وإذا شئنا أن نوضح بعض خطيئات نيتشه فلا ننس أن آثاره كلها (ذاتية) والحقيقة - غير الذاتية - يراها نيتشة ضرباً من ضروب العاطفة الدينية؛ وإننا لنطلب إلى العالم ألا يحترم إلا الحقيقة، وأن يكون في بحثه عنها خالياً من الأهواء متجرداً عن شخصيته - على قدر الإمكان - وإننا لنعلم أن التجرد عن الذاتية في البحث عن الحقيقة هو خديعة، ونعتقد أن ليس في مقدور أحد أن يتجرد عن شخصيته وينظر إلى الأشياء نظرة خالصة لا تجتلي إلا الأشياء؛ وبهذا ليست كل حقيقة ذاتية قبل كل شيء: وجوهر الموضوع - في البحث العلمي - لا يقف عند ما اغترفه الكاتب من حقيقة، ولكنه يقف على مقدار ما أودع في هذه الحقيقة من ذاته. ونحن على رغم هذا أرانا نؤمن بالحقيقة المجردة، الحقيقة البارزة بحقيقتها خارج إدراكنا وحواسنا، وأرانا نؤمن بالمؤلف ويزيد احترامنا له كلما دنت أفكاره مما ندعوه (الحقيقة المتجردة من الذاتية)
لنا الحرية في أن نزن آثار نيتشه بهذا الميزان، ولكن نيتشه كان قبل كل شيء يفتش عن نفسه ويسعى وراء معرة نفسه؛ ولقد كان اهتمامه ضعيفاً في الاطلاع على الأشياء بحقائقها، وإنما وقف اهتمامه كله وجهوده على ما يمثل شخصيته، فخلق من الأشياء خرافات كاذبة، وقد علم أنه بما وصف نفسه حين كتب عن (شوبنهاور وفاجنر) أنه حول الحقيقة إلى خرافات جذابة غريبة، ولأن تكون مظاهر لشخصية نيتشه أجمل وأحرى من أن تكون مظاهر تمثل حقيقة الوجود الخارجي، وبهذا يصبح عبثاً سعينا وراء الحقائق التي عالجها نيتشه والعمل على توفيق بينها وبين الواقع
وهنالك تأثير معاصريه فيه - سواء أحس هو هذا التأثير أم لم يحسه - وفكرته التي جاء بها - إذ جردت من أثوابه الخاصة - تبدو فكرة قديمة ليست بابنة ذاته. فكل الآراء التي عالجها، من قوله بالذاتية وعبادة النفس والثورة على قانون المساواة وعبادة الإنسانية قد سبقه إلى معالجتها أحد معاصريه كما سبق (فلويير) و (رنان) إلى الكتابة عن المذهب الأرستقراطي. وقد وجد نيتشه في الكاتب (أوجين دوهرنك) عضداً له في محاربة التشاؤم. واتحد مع (هارتمان) في النفور من الاجتماعيين والفوضويين، واتفق معه في القول باستحالة المساواة بين الناس، فقالا بفضيلة الحرب المدنية، واتفقا على جعل الشفقة مادة
стр. 11336
غير صالحة للفضيلة. وكذلك نرى مذهب الرجعة الدائمة يتجلى في كتاب (لبلانكى)! وفي كتاب الدكتور (لوبون: الرجل والمجتمعات). ولكنا - وإن قارنا بين نيتشه وبين هؤلاء المعاصرين - فان هنالك تبايناً شاسعاً مهما كانت الأفكار متقاربة متآلفة. وعلة هذا التباين شخصية نيتشه. ولقد نراه في بعض خطرات يتحامل على هؤلاء الأحلاف، فمقت من (رينان) روحه الكاهنة، ونعت (هارتمان) بالمشعوذ. وليس نفوره هذا وليد حقد أو حسد، وإنما هو وليد طبيعة تختلف جد الاختلاف عن طبائع خصومه. هذه الطبيعة التي تؤمن بأن الشخصية في الفيلسوف هي أكبر قيمة وأجل خطراً من آثار الفيلسوف
على أن هذا لا ينبغي أن يدفعنا إلى إنكار فضيلة كل حقيقة غير ذاتية إكراما لقوة الشخصية عند نيتشه، وإذ ذاك يعم الجور والخطأ في الحكم. وأنني لمعتقد بان المؤرخ والفيلسوف يستطيعان أن يجدا عند نيتشه حقائق جميلة بذاتها. وهنالك آراؤه في (فاجنير) يراها المؤرخ جديرة بالاعتبار لأنها تبدى قيمة الفنان العظيم. وهنالك آراء لنيتشه يجدر بها أن تكون محل مناقشة ومجادلة، على أنني أقول أن عبقرية نيتشه لا تستقر إلا في (الذاتية)
الآن أراني أستشهد بكلمة (لبراندس) قالها في موضع التحدث عن فيلسوفنا حينما قارن بينه وبين خصومه فلاسفة الإنجليز. (قال: وحين نقبل عليه. . . (نيتشه) بعد مغادرتنا لفلاسفة الإنجليز نرى عالماً جديداً حولنا. فالإنجليز هم عقول متشابهة في الصبر والجلد، غرضهم أن يتقنوا الشيء جزءاً جزءاً ثم يجمعوا هذه الأجزاء الصغيرة المتفرقة ليؤلفوا منها شريعة وقانوناً؛ يعملون غير متأثرين بذاتهم؛ وقيمة فلسفتهم تتوقف على ما يعملون لا على ما ترقى إليه ذاتهم؛ أما نيتشه فهو على نقيض هذا المذهب، هو مثل شوبنهاور متنبئ فنان، تستهويك شخصيته قبل أن تستهويك آثاره.) وإذ شئنا إبداء قيمة آثاره فليس لنا أن نتلوها تلاوة كتاب علمي لا تتوقف روعته على روح صاحبه. نتلوها لنرى الروعة فيما بث هذا الرجل من معارف قديمة بسطها وجديدة وضعها
يرى نيتشه في معرض كلامه عن شوبنهاور (أن مذهب المفكر لا شأن له، فكل فيلسوف ممكن انخداعه. أن ذلك الشيء الذي هو أجل من مذهبه - هو نفسه - في كل فيلسوف شيء لا تجده في فلسفته. علة كل الفلسفات والمذاهب هي الإنسان، الإنسان العظيم
стр. 11337
(التتمة في العدد القادم)
خليل هنداوي
القصص
مأساة من أسخيلوس
стр. 11338
٣ - أجاممنون
للأستاذ دريني خشبة
تتمة
- (باريس! لقد خربت زيجتك وبيتك. . . أجل. . . أنت وأختك. . . أوه يا نهر سكمندر المصطخب! لقد جرع أبي منك جرعة، وعلى ضفافك شببت وترعرعت، فيا لشقوتي! أما ألان. . . فإن نبوءاتي تتواثب على شطئان كوكيتوس واشيرون. . .)
- (أو ضحى بحق أربابك عليك أيتها الفتاة! إن آلامك تثب في صدري فتخز أشواكها حبة قلبي. . .)
- (طراودة!! أهكذا سقطت إلى الأبد!! أهكذا تندلع النيران في أبراجك الشواهق! أهكذا ينبطح أبي الملك الشيخ مضرجاً بدمه؟. . . ويلاه. . . بعد لحظات أغرق في لجة من دمي مثلك يا أبي. . .)
- (عود إلى النغمة الملغوزة السالفة!! ما أحسب إلا أن ألهاً قاسياً يدريك بعنف في هذه الحمأة المسنونة!!)
- (نغمة ملغوزة!! لا! لن ألغز يا رفاق! سأجد لكم السر الهائل الذي خبأته الجريمة السنين الطوال في هذا القصر! هنا! تآمر الآثمون في الظلام. . . وكان الظمأ إلى الدم يشد عزائمهم جميعاً! كانوا يدلفون إلى كهفهم فيتغنون آلامهم ويستنزلون اللعنة على. . . خصمهم. . . وهو منهم، وهم مع ذاك منه. . . أخوهم. . . وهم أخوته وأقاربه. . . قتلوه. . . قتلوه وهو مستسلم للكرى الهادئ. . . أليس كذلك يا سادة؟ أهذه ثرثرة، أم أنا أهذي؟. . .)
- (بل أنت قد صورت ما حدث منذ أعوام وأعوام كأنك ترين إليه الآن. . .)
- (هذا من فضل أبوللو عليّ! لقد أمدني بروح من عنده)
- (ولمه؟ هل شغفه حبك مرة؟)
- (. . .؟. . . . . .؟. . . لا أقدر أن أقول؟. . .)
- (ما كان ضرك لو تلطفت معه. . . . . .!)
- (إيه. . . كم كان رقيقاً حينما كان يصارع فؤادي؟)
стр. 11339
- (وهل في وسعك أن تضعي حداً لمغامراته؟)
- (لقد وعدته. . . ولكنه خان ميثاقي!. . . أواه! وا أسفاه! تعالي! لقد ثارت الزوبعة من جديد! لا أطيق أن أكتم الحقيقة! انظروا يا رفاق! أول الشجو! ما هذه السمادير التي تغشى سماءكم؟ يا لأفلاذ الأكباد! يا للصغار! إنهم يذبحون بنفس الأيدي التي كان أجدر لو ترفقت بهم وحنت عليهم!. . . يا للهول!. . . أبوهم يمد يده البريئة فيأكل شرائح مشوية من أكبادهم وضلوعهم!. . . إن لهذا قد دبر انتقام دموي هائل. . . وهاهو ذا الأسد! الأسد الجبان النذل، الذي تقلب في سرير صاحب الجلالة - بحر اللذة والدنس!. . . إذ صاحبه نازح يغزو!. . . لا ضير أن يكون أحد أسيراً مرة، ولكن هذا الفاتح العظيم! غازي طروادة! سيد الأسطول اللجب! إنه لا يدري السر الهائل الذي تقبره زوجته. . . السفاحة. . . التي تتحوى كالأفعى، وتهسهِس في الظلام المنتشر حول نفسها، وتوسوس إلى شركائها بأفسق الجرائم. . . لقد فاقت في الحب كل مثل فما أدرى بم أشبهها؟ آه! إنها أشنع من سكيلا (هذه الهولة الرائعة، ذات الرؤوس الستة التي تنفث السم، وتغتال رواد البحار!. . .) الآن! الآن ينفذ سهم القضاء عن قوس غدرها. . . والآن! ستعترفون أنني ما ألغزت، وما قلت غير الحق!. . .
- (الحق كل الحق يا فتاة. . . لقد رويت ما كان من وليمة ذيسيس، وما تم فيها من نهشه لحم أطفاله وهو لا يدري. . . يا للهول. . . ما نزال نقشعر كلما روعنا رجع تلك الذكريات. . .)
- (إذن سيموت مولاكم أجاممنون. . . وسترون بأعينكم!)
- (يا شقية! لا تهرفي بهذا الهراء!)
- (ولن أدعو أرباب الخلاص هذه المرة!)
- (وهل خلاص من الموت؟ ولكن عسى ألا يكون قريباً!)
- (أنتم ترجون، بينا غيركم يذبحون. . . أو يكادون!)
- (وأيما إنسان يا ترى يضطلع بهذا النكر؟)
- (أيما إنسان! إن السهم المراش يطوي ما بين المشرقين؟)
- (أجل، ونحن لا نستطيع أن نحدس من يجرؤ على هذه الفعلة!)
стр. 11340
- (أنا أقولها؛ وحسبي أنني استطعت أن أكلمكم بلسانكم الهيلاني كواحدة منكم!)
- (وهكذا استطاعت البيثونة من قبل. . .! وكان كلامها ملغوزا دائما كذلك!)
- (يا للشجي! يا للجمر المتقد! إنها تقدم! الغوث يا أبوللو! يالي من تاعسة! هذه اللبؤة الآدمية! إنها تضطجع مع الذئب بينا أسدها الهصور نازح عن الديار. . . وأنا! أنا التاعسة قد جئت لأضاعف أحقادها عليه؟ جئت لأجعل السكين مسنوناً أكثر! ها هي ذي تحدث ذئبها أني أنا أيضاً ينبغي أن أذبح جزاءً لي!. . . فيم إذن أبقي على مسوحي وعصاي! عصاي السحرية! لأمزق المسوح ولأحطم العصا! (وتمزق وتحطم) اذهبا إلى الفناء فأني لاحقة بكما! كونا قائديّ إليه! سأتبعكما، أتْعِسا حياةً ثانيةً غير حياتي!. . . انظروا انظروا! إن أبوللو ينزع عني المسوح بيديه! آه! أقبلت لترعاني في هذه الأجمة الوبيئة! لتسر قلبك بإهانتي ووخزاتي! بسخرية أهلي من قبل، ولعنات أعدائي ولعنات وطني اليوم! إنهم يزعمونني قديسة شحاذة! أو كاهنة أفاقية! يا للهول؟ ماذا خبأت لي أيها القدر؟ ويْ! الوَضم! السكين المشحوذ! الضربة اللازبة التي تتم بها التضحية!. . . يا سماء! إن الذي يأخذ بثأر الأبرياء ما يزال حياً!. . . ويحك يا قاتل أمه أين أنت؟ خذ بثأر أبيك أيها الجائل في الآفاق!. . . ويْ! فيما بكائي، وهاهو قاهر طروادة وقاتل بريام يلقى جزاءه وفاقاً! مرحباً يا موت! أنا لا أهاب الردى!
- ولكن!. . . الصلاة!. . . الصلاة يا أربابي! أضرع إليكم أن يكون جرحي بالغاً مميتاً فلا يعذبني طويلاً! لتتفق منه حياتي فلا يعترضها شيء. . .)
أيتها الفتاة التي تطعمها الهواجس، حسبك فقد بلغت المدى! وللآلهة أنت! كيف تتقدمين إلى حتفك بقدم ثابتة، ونفس رابطة، وأنت تعلمين الغيب كل شيء؟ لم لا تفرين؟)
- (وأين نفر من المنايا وقد جاء أجلنا؟)
- (كيف! إن لكل مهلة قيمتها!)
- (حم القضاء، قلت لكم يا رفاق! أية مهلة أذن؟ إن الهرب لا يجدي فتيلا!)
- (إيه! رب قتلة شريفة تختم حياة مليئة!)
- (ويلي عليك يا أبي. . . وعلى أبنائك التاعسين!)
(وتتقدم إلى باب القصر. . ثم تقف مذعورة)
стр. 11341
- (ماذا يفزعك يا فتاة!؟
- (ويلاه!
- (ماذا؟
- (تلك الغرف السود تضج بزفير الجريمة! القتلى يسبحون في لجة من الدم!)
- (إنها دماء القرابين فلا تفزعي ولا تراعي!
- (بيت كأنه قبر! لولا هذه الدماء. . .! ولولا ذاك الصلول)
- (تزودي من الصلول فقد ورمت أنوفكم من عطور الشام وطيوبه!)
- (لأدخل إذن. . . ولأرو بالدمع حظي العاثر، وحظ الملك التاعس. . . أجاممنون! سئمت تكاليف الحياة يا رفاق! لابد أن تقتل امرأة بامرأة، ورجل برجل. . . وتلك أخرى نبوءاتي. . . سيقتص لي،، ولكل مقتول بريء!. . .)
(وتنطلق داخل القصر)
- ٢٠ -
ويقف الخورس مشدوهين لما ألم بهذه الفتاة، ويتحدث بعضهم إلى بعض عما حشدت في حديثها من ألغاز، وبثت من طلاسم وأسرار. . . وتقطع حديثهم صرخة داوية داخل القصر!. . .
- (آه! أهكذا أذبح في قصري!؟)
وتزداد دهشة الخورس، وتزداد ثقتهم بنبوءات كاسندرا. . . فالصوت صوت أجاممنون لا غيره!. . . ويهمون أن يدخلوا. . . ولكنهم يتريثون. . . ويعود الملك إلى صراخه:
- (آه. آه! أهكذا وبهذه اليد أضرب حتى أموت!؟
ويعود الخورس إلى لغطهم فبعضهم يشير بالدخول ليكونوا شهداء مقتل الملك - ويتقاعس بعضهم كأن الأمر لا يهمه. . . . . . ثم يشير رئيسهم أن يتريثوا حتى تنكشف جلية الأمر. . .
وإنهم ليهمون أن يقتربوا من باب القصر حتى تنفضح الملكة بينما تلف جثمان القتيل في الوشى الذي أعد لاستقبال الملك الظافر. . . قاهر طروادة!
ولا تستحي أن تعترف بما اقترفت، بل تصرح أنها دبرت الأمر وأخذت له أهبته، وأنها
стр. 11342
فرحة به مسرورة له. . .
- (يا للجرأة أيتها الملكة الآثمة!. . .)
- (آثمة أو غير آثمة. . . تمدحون أو تقذعون. . . سواء لدي! إنها جثة ملككم أجاممنون، هذه الجثة المدرجة في لفائفها أمامكم. . . وأنا مزهوة بأن قتلته. . .!)
- (أيتها المرأة! أي سوء أختلط بدمك، وإثم خامر قلبك، فتقتلين رجلك وأمير المملكة. . . ابشري بلعنة الجماهير وغضب الآلهة!. . . اليوم يفلت من يديك زمام الأمور. . .)
- (لعنة الجماهير، وغضب المملكة. . . وزمام الأمور! مضحك! سرعان ما تحكمون على ما لا تعلمون! وأين كنتم يا سادة؟ وأين كانت جماهيركم وآلهتكم يوم ذبح أجاممنون الحش طفلته؟. . . أين كنتم يوم أهوى على عنقها بالسكين كما يهوى على رقبة شاه! إفجينا! ابنتي! قطعة قلبي وكبدي!؟ ذبحها أبوها الوحش! لماذا؟ لتهدأ العاصفة، وتسير السفين باسم الشر مجراها ومرساها!! ماذا تقولون إذن؟ وأين كنتم يا سادة؟ ولم يفلت من يديه زمام أموركم يومئذ؟ لم لم يقصّ عن عرشكم، وتنزل عليه لعناتكم، ويحل عليه غضب آلهتكم؟ آه! ولكنكم تخلطون المين بالحق. . . ودأبكم أن تسارعوا إلى الحكم دون روية ولا تبصرة!)
- (حماسة وقحة وتبجح أثيم! ويل لك حين تؤدين الدين من دمك، إذن تفيقي!)
- (أقسم بأيتيه وأيرينيس، آلهة القوة والمجد!)
- (تقسمين على فسقك وغرامك الدنيء الدنس؟. . .)
- (أجل! على غرامي وحبي. . . حبي لهذا البطل المظلوم إيجستوس الذي دبر لي كل شيء وأعانني على كل شيء. . . وشاركني في هذا الدم! أنا لأن ملككم قتل أبنتي، وذهب إلى طروادة ليغازل خريسيز ويرشف الرضاب الحلو من فم بريسيز، ثم يعود ظافراً وفي ركابه هذه القينة الفاجرة التي جلست بجانبه تسكره بخمر حديثها. . . . . . وهو، إيجستوس (لأن له أخوة ذبحوا وأكل أبوهم من لحومهم وشرائح من أكبادهم. . . ثم قتل بعد ذلك!. . . ومن قتله؟ أخوه؟. . . يا للهول!. . . هو الذي ذبح الأطفال الأبرياء! وأطعم أخاه لحومهم وقلوبهم. . .!)
- (المرأة! دائماً المرأة! يا أخت هيلين!! كم أرواح مطهرة فاضت لأن أختك أثمت،
стр. 11343
وتردت في حمأة الفسق! الفاجرة التي فرت مع عاشقها من خدر زوجها! ثم أنت؟ أنت أختها؟ ومن البذرة السيئة نبتت مثلها؟)
- (عليكم أنفسكم مالكم ولهيلين!
- (. . . آه أيها الغراب الناعب! رنقي على جثة زوجك، وانعقي. . . هات أغنيتك المنكرة، ورتلي أنشودة جريمتك في جناز رجلك!. . .)
- (حاشاي أن أكون صنعت ما صنعت وأنا بعد زوجته أو هو بعد رجلي! بل صنع هذا وليمة أتريوس! أتريوس أبو أجاممنون! الوحش الذي أطعم أخاه لحم أبنائه! هو الذي ترك لابنه الملك هذا الإرث العظيم. . . قتل. . . فليقتلْ! وليقتل من بعد أبناؤه. . . فيا للقصاص!؟)
- ٢١ -
وتستطيع الملكة بذلاقتها وقوة برهانها أن تخدع الخورس وأن تقنعهم - إلا قليلاً! فقد قتل الملك ابنته حين قيل له إن السماء تطلب دماً، وهذا منتهى الظلم، وقد قتل أبوه أبناء أخيه وأطعمه لحومهم. . . وهو بذلك ورث أبناءه العذاب. . . والقتل. . . والدم. . .!
وما يكاد الخورس تهدأ ثورتهم. . . حتى يحضر أيجستوس حبيب الملكة. . . وشريكها. . . ومدبر الأمر معها. . . والذي ذبحت اخوته وأطعمت لحومهم أباه المسكين!. . . يحضر والبشر يقطر في وجهه. . . وللنصر المؤزر سورة في قلبه. . . فما يكاد يذكر الماضي المؤلم الذي حل بلاؤه باخوته، وهذه الخاتمة التي حلت بابن أتريوس المسكين (أجاممنون) حتى يثور ثائر الخورس، ويهتف رئيسهم:
- (أكان هذا النذل يتقلب في أحضانك أيتها الملكة على فراش الملك؟. . . أكنتما في نشوة الفسق، وسكرة الغرام، ترسمان للملك هذه القتلة المدبرة،)
ويهم إيجستوس أن يفتك بالخورس وبرئيسهم قبلهم، لولا تدخل الملكة، وأنها ترجو أن تضع حداً للمجزرة!. . .
فيتوعدهم إيجستوس حين يصبح الأمر له، وحين يحمل رأسه المجرم عرش آرجوس. . . . . . ولكن. . . هيهات!
دريني خشبة
стр. 11344
البريد الأدبي
وفاة الأستاذ الشيخ محمد زيد بك
استأثرت رحمة الله بالأستاذ العلامة المغفور له الشيخ محمد زيد الابياني، فرزئت بفقده الشريعة الإسلامية التي كان علماً من أعلامها، ورزئ العلم الغزير، والإفتاء الصائب، والخلق الكريم، والتواضع الجم. كان الفقيد من أبناء مديرية الغربية، وتلقى دراسته بدار العلوم، وعين منذ تخرجه فيها لتدريس الشريعة الإسلامية بمدرسة الحقوق؛ ومازال زهاء أربعين عاماً يتبوأ منصة التدريس في هذا المعهد الجليل، متوفراً في نفس الوقت على دراسة الأصول والمسائل الشرعية حتى غدا بحق مرجعها الفذ وحجتها الثقة؛ وكانت الشريعة الإسلامية إلى هذا العهد تدرس بأساليب عتيقة مضنية، قلما تعاون على خلق العقلية الفقهية الصحيحة، فاستطاع الفقيد بذكائه ومثابرته وعقليته الفقهية المستنيرة أن يختط لتدريسها منهجاً بديعاً قريب المأخذ جم الفوائد؛ ووضع لهذه الغاية عدة مؤلفات قيمة، تشهد له بغزارة المادة وبراعة الاستقراء والعرض هي: شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية، وشرح المعاملات الشرعية، مباحث المرافعات الشرعية، مباحث الوقف. وما زالت هذه الآثار التي تضارع في وضوحها ودقتها وحسن تنظيمها أقوم الشروح القانونية الأوربية، مرجعاً نفيساً لطلاب الحقوق والأزهر، ونبراساً قيماً لرجال القضاء والمحامين
ولا نعرف أستاذاً من أساتذة الجيل المنصرم له ما للعلامة الراحل من فضل وأثر سابغين في بعث النهضة الفقهية الحديثة، وتكوين العقلية الشرعية المعاصرة، بل لا نعرف أستاذاً من أساتذة الجيل المنصرم تخرج على يده مثل تلك الجمهرة الحافلة الممتازة التي تخرجت على يد الشيخ زيد. وقلما تجد بين عظماء مصر وبين زعمائها وساستها ومفكريها وكتابها - وجلهم من خريجي الحقوق - من لم يدرس على يد الشيخ، وليس بين أعلام القضاء وأعلام المحاماة المعاصرين، بل ليس بين رجال القانون والقضاء المصريين جميعاً من لم يتلق عنه ويتخرج على يديه؛ فهؤلاء جميعاً أحداثاً وفتياناً، ونهلوا من غزير مورده، واستطاعوا جميعاً أن يقدروا مواهبه ورفيع خلاله
وكان الفقيد يتمتع فوق علمه الغزير، بأخلاق طاهرة وشمائل باهرة؛ فقد كان جم التواضع والأدب، كثير الحلم والرفق، سباقاً إلى الخير، يعامل طلابه معاملة الأب البار، ويتمتع
стр. 11345
بحبهم وتقديرهم جميعاً
طيّب الله ثراه، وشمله بواسع رحمته، وعوض عنه الأسرة القضائية خير عوض
(ع)
كتاب عن إبراهيم باشا
صدر أخيراً كتاب بالإنكليزية عن إبراهيم باشا المصري (ابن محمد علي) عنوانه (ترجمة جديدة لإبراهيم باشا بقلم الأستاذ ب. كرابتيس الأمريكي الذي ظل منذ أعوام طويلة قاضياً بالمحاكم المختلطة بمصر؛ والأستاذ كرابتيس يعنى أثناء إقامته الطويلة بمصر بالشؤون والمسائل المصرية الفقهية والتاريخية والاجتماعية ويكتب عنها في مختلف المجلات الأجنبية؛ وقد تزود في وضع مؤلفه الجديد عن إبراهيم باشا بطائفة من الوثائق والمراجع الرسمية وغير الرسمية التي يحتفظ بها سراي عابدين، واستطاع أن يجمع أشتاتاً قيمة أخرى من المعلومات والوقائع المجهولة عن تاريخ ذلك العهد وعن حياة القائد الكبير
وقد كانت حياة إبراهيم دائماً تعتبر في المرتبة الثانية إزاء حياة والد العظيم؛ ذلك أن شخصية محمد علي وجهوده السياسية والإصلاحية الجبارة كانت تلقي حجاباً على جهود ولده إبراهيم، ولم يكن إبراهيم في نظر التاريخ سوى ساعد والده الأيمن وقائد جيشه؛ ولم يكن له ضلع في السياسة أو الشؤون العامة، ولكن الأستاذ كرابتيس يحاول أن ينفي هذا التصوير؛ فقد كان إبراهيم في نظره سياسياً عظيماً كما كان قائداً عظيماً؛ وكان له في السياسة والشؤون العامة أثر فعال؛ بيد أنه لم يكن يتفق دائماً في الفكرة مع أبيه، فقد كان يرى مثلاً أن فوزه بتحطيم الوهابية في الحجاز خطوة أولى في سبيل تحقيق حلمه العظيم بإنشاء إمبراطورية عربية إسلامية، ولكن محمد علي كان دائماً يجانب هذه الفكرة مؤثراً مصانعة السلطان والتفاهم مع الدولة العلية
ويستعرض المؤلف حياة إبراهيم العسكرية، وحملاته وغزواته المختلفة بدقة وإفاضة، ويقول لنا إن أطماع محمد علي لبثت في سبيل التحقيق والنجاح ما بقيت محصورة في بلاد العرب، ولكنها مذ بدأت تتجه نحو الشمال، أخذ الحظ يجانبه والمصاعب تتفاقم في وجهه؛ وقد كان اشتراك مصر في حوادث اليونان ظرفاً مشئوماً جنت منه مصر شر