Полный текст (65 431 стр.). Показаны 11341–11380 · переход к 11346.
стр. 11341
- (ماذا يفزعك يا فتاة!؟
- (ويلاه!
- (ماذا؟
- (تلك الغرف السود تضج بزفير الجريمة! القتلى يسبحون في لجة من الدم!)
- (إنها دماء القرابين فلا تفزعي ولا تراعي!
- (بيت كأنه قبر! لولا هذه الدماء. . .! ولولا ذاك الصلول)
- (تزودي من الصلول فقد ورمت أنوفكم من عطور الشام وطيوبه!)
- (لأدخل إذن. . . ولأرو بالدمع حظي العاثر، وحظ الملك التاعس. . . أجاممنون! سئمت تكاليف الحياة يا رفاق! لابد أن تقتل امرأة بامرأة، ورجل برجل. . . وتلك أخرى نبوءاتي. . . سيقتص لي،، ولكل مقتول بريء!. . .)
(وتنطلق داخل القصر)
- ٢٠ -
ويقف الخورس مشدوهين لما ألم بهذه الفتاة، ويتحدث بعضهم إلى بعض عما حشدت في حديثها من ألغاز، وبثت من طلاسم وأسرار. . . وتقطع حديثهم صرخة داوية داخل القصر!. . .
- (آه! أهكذا أذبح في قصري!؟)
وتزداد دهشة الخورس، وتزداد ثقتهم بنبوءات كاسندرا. . . فالصوت صوت أجاممنون لا غيره!. . . ويهمون أن يدخلوا. . . ولكنهم يتريثون. . . ويعود الملك إلى صراخه:
- (آه. آه! أهكذا وبهذه اليد أضرب حتى أموت!؟
ويعود الخورس إلى لغطهم فبعضهم يشير بالدخول ليكونوا شهداء مقتل الملك - ويتقاعس بعضهم كأن الأمر لا يهمه. . . . . . ثم يشير رئيسهم أن يتريثوا حتى تنكشف جلية الأمر. . .
وإنهم ليهمون أن يقتربوا من باب القصر حتى تنفضح الملكة بينما تلف جثمان القتيل في الوشى الذي أعد لاستقبال الملك الظافر. . . قاهر طروادة!
ولا تستحي أن تعترف بما اقترفت، بل تصرح أنها دبرت الأمر وأخذت له أهبته، وأنها
стр. 11342
فرحة به مسرورة له. . .
- (يا للجرأة أيتها الملكة الآثمة!. . .)
- (آثمة أو غير آثمة. . . تمدحون أو تقذعون. . . سواء لدي! إنها جثة ملككم أجاممنون، هذه الجثة المدرجة في لفائفها أمامكم. . . وأنا مزهوة بأن قتلته. . .!)
- (أيتها المرأة! أي سوء أختلط بدمك، وإثم خامر قلبك، فتقتلين رجلك وأمير المملكة. . . ابشري بلعنة الجماهير وغضب الآلهة!. . . اليوم يفلت من يديك زمام الأمور. . .)
- (لعنة الجماهير، وغضب المملكة. . . وزمام الأمور! مضحك! سرعان ما تحكمون على ما لا تعلمون! وأين كنتم يا سادة؟ وأين كانت جماهيركم وآلهتكم يوم ذبح أجاممنون الحش طفلته؟. . . أين كنتم يوم أهوى على عنقها بالسكين كما يهوى على رقبة شاه! إفجينا! ابنتي! قطعة قلبي وكبدي!؟ ذبحها أبوها الوحش! لماذا؟ لتهدأ العاصفة، وتسير السفين باسم الشر مجراها ومرساها!! ماذا تقولون إذن؟ وأين كنتم يا سادة؟ ولم يفلت من يديه زمام أموركم يومئذ؟ لم لم يقصّ عن عرشكم، وتنزل عليه لعناتكم، ويحل عليه غضب آلهتكم؟ آه! ولكنكم تخلطون المين بالحق. . . ودأبكم أن تسارعوا إلى الحكم دون روية ولا تبصرة!)
- (حماسة وقحة وتبجح أثيم! ويل لك حين تؤدين الدين من دمك، إذن تفيقي!)
- (أقسم بأيتيه وأيرينيس، آلهة القوة والمجد!)
- (تقسمين على فسقك وغرامك الدنيء الدنس؟. . .)
- (أجل! على غرامي وحبي. . . حبي لهذا البطل المظلوم إيجستوس الذي دبر لي كل شيء وأعانني على كل شيء. . . وشاركني في هذا الدم! أنا لأن ملككم قتل أبنتي، وذهب إلى طروادة ليغازل خريسيز ويرشف الرضاب الحلو من فم بريسيز، ثم يعود ظافراً وفي ركابه هذه القينة الفاجرة التي جلست بجانبه تسكره بخمر حديثها. . . . . . وهو، إيجستوس (لأن له أخوة ذبحوا وأكل أبوهم من لحومهم وشرائح من أكبادهم. . . ثم قتل بعد ذلك!. . . ومن قتله؟ أخوه؟. . . يا للهول!. . . هو الذي ذبح الأطفال الأبرياء! وأطعم أخاه لحومهم وقلوبهم. . .!)
- (المرأة! دائماً المرأة! يا أخت هيلين!! كم أرواح مطهرة فاضت لأن أختك أثمت،
стр. 11343
وتردت في حمأة الفسق! الفاجرة التي فرت مع عاشقها من خدر زوجها! ثم أنت؟ أنت أختها؟ ومن البذرة السيئة نبتت مثلها؟)
- (عليكم أنفسكم مالكم ولهيلين!
- (. . . آه أيها الغراب الناعب! رنقي على جثة زوجك، وانعقي. . . هات أغنيتك المنكرة، ورتلي أنشودة جريمتك في جناز رجلك!. . .)
- (حاشاي أن أكون صنعت ما صنعت وأنا بعد زوجته أو هو بعد رجلي! بل صنع هذا وليمة أتريوس! أتريوس أبو أجاممنون! الوحش الذي أطعم أخاه لحم أبنائه! هو الذي ترك لابنه الملك هذا الإرث العظيم. . . قتل. . . فليقتلْ! وليقتل من بعد أبناؤه. . . فيا للقصاص!؟)
- ٢١ -
وتستطيع الملكة بذلاقتها وقوة برهانها أن تخدع الخورس وأن تقنعهم - إلا قليلاً! فقد قتل الملك ابنته حين قيل له إن السماء تطلب دماً، وهذا منتهى الظلم، وقد قتل أبوه أبناء أخيه وأطعمه لحومهم. . . وهو بذلك ورث أبناءه العذاب. . . والقتل. . . والدم. . .!
وما يكاد الخورس تهدأ ثورتهم. . . حتى يحضر أيجستوس حبيب الملكة. . . وشريكها. . . ومدبر الأمر معها. . . والذي ذبحت اخوته وأطعمت لحومهم أباه المسكين!. . . يحضر والبشر يقطر في وجهه. . . وللنصر المؤزر سورة في قلبه. . . فما يكاد يذكر الماضي المؤلم الذي حل بلاؤه باخوته، وهذه الخاتمة التي حلت بابن أتريوس المسكين (أجاممنون) حتى يثور ثائر الخورس، ويهتف رئيسهم:
- (أكان هذا النذل يتقلب في أحضانك أيتها الملكة على فراش الملك؟. . . أكنتما في نشوة الفسق، وسكرة الغرام، ترسمان للملك هذه القتلة المدبرة،)
ويهم إيجستوس أن يفتك بالخورس وبرئيسهم قبلهم، لولا تدخل الملكة، وأنها ترجو أن تضع حداً للمجزرة!. . .
فيتوعدهم إيجستوس حين يصبح الأمر له، وحين يحمل رأسه المجرم عرش آرجوس. . . . . . ولكن. . . هيهات!
دريني خشبة
стр. 11344
البريد الأدبي
وفاة الأستاذ الشيخ محمد زيد بك
استأثرت رحمة الله بالأستاذ العلامة المغفور له الشيخ محمد زيد الابياني، فرزئت بفقده الشريعة الإسلامية التي كان علماً من أعلامها، ورزئ العلم الغزير، والإفتاء الصائب، والخلق الكريم، والتواضع الجم. كان الفقيد من أبناء مديرية الغربية، وتلقى دراسته بدار العلوم، وعين منذ تخرجه فيها لتدريس الشريعة الإسلامية بمدرسة الحقوق؛ ومازال زهاء أربعين عاماً يتبوأ منصة التدريس في هذا المعهد الجليل، متوفراً في نفس الوقت على دراسة الأصول والمسائل الشرعية حتى غدا بحق مرجعها الفذ وحجتها الثقة؛ وكانت الشريعة الإسلامية إلى هذا العهد تدرس بأساليب عتيقة مضنية، قلما تعاون على خلق العقلية الفقهية الصحيحة، فاستطاع الفقيد بذكائه ومثابرته وعقليته الفقهية المستنيرة أن يختط لتدريسها منهجاً بديعاً قريب المأخذ جم الفوائد؛ ووضع لهذه الغاية عدة مؤلفات قيمة، تشهد له بغزارة المادة وبراعة الاستقراء والعرض هي: شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية، وشرح المعاملات الشرعية، مباحث المرافعات الشرعية، مباحث الوقف. وما زالت هذه الآثار التي تضارع في وضوحها ودقتها وحسن تنظيمها أقوم الشروح القانونية الأوربية، مرجعاً نفيساً لطلاب الحقوق والأزهر، ونبراساً قيماً لرجال القضاء والمحامين
ولا نعرف أستاذاً من أساتذة الجيل المنصرم له ما للعلامة الراحل من فضل وأثر سابغين في بعث النهضة الفقهية الحديثة، وتكوين العقلية الشرعية المعاصرة، بل لا نعرف أستاذاً من أساتذة الجيل المنصرم تخرج على يده مثل تلك الجمهرة الحافلة الممتازة التي تخرجت على يد الشيخ زيد. وقلما تجد بين عظماء مصر وبين زعمائها وساستها ومفكريها وكتابها - وجلهم من خريجي الحقوق - من لم يدرس على يد الشيخ، وليس بين أعلام القضاء وأعلام المحاماة المعاصرين، بل ليس بين رجال القانون والقضاء المصريين جميعاً من لم يتلق عنه ويتخرج على يديه؛ فهؤلاء جميعاً أحداثاً وفتياناً، ونهلوا من غزير مورده، واستطاعوا جميعاً أن يقدروا مواهبه ورفيع خلاله
وكان الفقيد يتمتع فوق علمه الغزير، بأخلاق طاهرة وشمائل باهرة؛ فقد كان جم التواضع والأدب، كثير الحلم والرفق، سباقاً إلى الخير، يعامل طلابه معاملة الأب البار، ويتمتع
стр. 11345
بحبهم وتقديرهم جميعاً
طيّب الله ثراه، وشمله بواسع رحمته، وعوض عنه الأسرة القضائية خير عوض
(ع)
كتاب عن إبراهيم باشا
صدر أخيراً كتاب بالإنكليزية عن إبراهيم باشا المصري (ابن محمد علي) عنوانه (ترجمة جديدة لإبراهيم باشا بقلم الأستاذ ب. كرابتيس الأمريكي الذي ظل منذ أعوام طويلة قاضياً بالمحاكم المختلطة بمصر؛ والأستاذ كرابتيس يعنى أثناء إقامته الطويلة بمصر بالشؤون والمسائل المصرية الفقهية والتاريخية والاجتماعية ويكتب عنها في مختلف المجلات الأجنبية؛ وقد تزود في وضع مؤلفه الجديد عن إبراهيم باشا بطائفة من الوثائق والمراجع الرسمية وغير الرسمية التي يحتفظ بها سراي عابدين، واستطاع أن يجمع أشتاتاً قيمة أخرى من المعلومات والوقائع المجهولة عن تاريخ ذلك العهد وعن حياة القائد الكبير
وقد كانت حياة إبراهيم دائماً تعتبر في المرتبة الثانية إزاء حياة والد العظيم؛ ذلك أن شخصية محمد علي وجهوده السياسية والإصلاحية الجبارة كانت تلقي حجاباً على جهود ولده إبراهيم، ولم يكن إبراهيم في نظر التاريخ سوى ساعد والده الأيمن وقائد جيشه؛ ولم يكن له ضلع في السياسة أو الشؤون العامة، ولكن الأستاذ كرابتيس يحاول أن ينفي هذا التصوير؛ فقد كان إبراهيم في نظره سياسياً عظيماً كما كان قائداً عظيماً؛ وكان له في السياسة والشؤون العامة أثر فعال؛ بيد أنه لم يكن يتفق دائماً في الفكرة مع أبيه، فقد كان يرى مثلاً أن فوزه بتحطيم الوهابية في الحجاز خطوة أولى في سبيل تحقيق حلمه العظيم بإنشاء إمبراطورية عربية إسلامية، ولكن محمد علي كان دائماً يجانب هذه الفكرة مؤثراً مصانعة السلطان والتفاهم مع الدولة العلية
ويستعرض المؤلف حياة إبراهيم العسكرية، وحملاته وغزواته المختلفة بدقة وإفاضة، ويقول لنا إن أطماع محمد علي لبثت في سبيل التحقيق والنجاح ما بقيت محصورة في بلاد العرب، ولكنها مذ بدأت تتجه نحو الشمال، أخذ الحظ يجانبه والمصاعب تتفاقم في وجهه؛ وقد كان اشتراك مصر في حوادث اليونان ظرفاً مشئوماً جنت منه مصر شر
стр. 11346
العواقب. بيد أن محمد علي لم تفتر همته وأطماعه، حين حطم أسطوله في نافارين، فأنشأ دار صناعة جديدة بالإسكندرية؛ وكان ذلك الرجل بعيد النظر يعلق دائماً أهمية كبيرة على قوة مصر البحرية
ويقول لنا الأستاذ كرابتيس إن الزمن لم يفسح مجالاً لإبراهيم ليثبت عبقريته السياسية بصورة فعالة، ولكن الموت عاجله، ولما يمض على صدور الفرمان بتعيينه والياً لمصر سوى ستة أسابيع؛ وقد توفي في التاسعة والخمسين من عمره، بعد أن عانى تباريح الآلام والمرض ردحاً من الدهر
الحياة الأخرى
ما زالت مسائل الروح والحياة الأخرى تثير على كر العصور طلعة الإنسان وروعه؛ وقد اشتركت أديان الأرض جميعاً؛ والمدنيات في كل قطر وعصر، في التحدث عن الحياة الأخرى، ولكن التفكير الإنساني لم يهتد حتى اليوم إلى نتائج حاسمة في هذا الموضوع الخفي، ومازال في كل عصر يحوم حوله بمختلف الفروض والنظريات. وقد صدر أخيراً كتاب بالفرنسية في هذا الموضوع عنوانه: (الحياة بعد الموت في معتقدات الإنسانية) بقلم كاتب أمريكي هو جيمس تاير أديسون، وقد اتّبع المؤلف في كتابه الأسلوب العلمي، ولكنه يعرض لنا من جهة أخرى في عدة فصول وصور قوية بعض ما ينتاب الإنسانية من أسباب المخاوف والروع من جراء تصور الحياة الأخرى وما وراء الموت. وما زال الموت يروع الأحياء الذين يرون ملايين الموتى يذهبون تباعاً إلى عالم لا يعرف كنهه، ولكن الأحياء يخضعون حتماً إلى قدرهم. ويبسط لنا المؤلف مختلف المعتقدات والنظريات الإنسانية والعلمية في مسألة الحياة والموت، في كل عصر وكل قطر؛ وهذا القسم أمتع أقسام الكتاب، ويلاحظ أن التباين في المعتقدات الإنسانية على كر العصور وفي مختلف الأمم لم يمنع من وجود بعض التماثل بين معتقدات الإنسان الأول وبين معتقدات أرقى المجتمعات؛ والظاهر أن هذا التماثل إنما يرجع إلى أن غريزة الفضول والروع لا تختلف في جوهرها عند الإنسان الهمجي والإنسان المتمدن، فكما أن الجميع سواء أمام الحياة والموت، فكذلك يشعر الجميع بنفس الجزع والفضول والروع
ويحدثنا المؤلف أيضاً عن مختلف النظم والرسوم التي تتبع في مختلف الأديان والأمم
стр. 11347
للعمل على سلام الروح، وتزكية الراحلين عن هذا العالم إلى العالم الآخر
стр. 11348
النقد
(محمد)
كتاب الأستاذ توفيق الحكيم
للأستاذ محمد سعيد العريان
أيكون لي أن أكتب عن توفيق الحكيم في كتابه (محمد) بعد إذ كتب الزيات والرافعي، أم يكون من فضول القول أن يعرض مثلي لذاك وقد كتب الأستاذان الجليلان فأبلغا وبلغا ما لا مطمح لي وراءه. . .؟ ولكن كتابا يصنفه (توفيق الحكيم) عن (محمد) جدير بأن يثير الفضول، وأن يعذر من يقول فيطيل القول. . .
وما لتوفيق الحكيم ولمحمد؟
أما المؤلف فشابٌّ من شباب هذا الجيل درس دراسة أهله في هذه المدارس المدنية التي نقول لمن يدخلها (أنت لست من هذه الأمة التي نسلت من العرب، واهتدت بهدى الإسلام، ونمت من روح الشرق وسر روحانيته؛ فاذهب فالتمس أمة غير أمتك تفخر بمجدها وتباهي بماضيها. . .!)
وأما (محمد) فهو ذلك السر الأعلى الذي يستغلق على من لم يتصل بروحانية هذا الشرق، ويغمض على من لم يتعرف سر هذا الدين، ويستخفي على من لم ينشأ موصول النسب بتاريخ الأدب القديم. . . وأين توفيق الحكيم من ذاك. . .؟
على أم هذا البون البعيد بين توفيق الحكيم وتاريخ (محمد) هو الذي دعاه إلى أن يمد نظره إلى بعيد يتنور هذا السر من مطالعه، ويستشرف لهذا النور من مشارقه! فحياة محمد كانت إلى قريب وقفا على طائفة من أهل العلم، لا يتناولها إلا من أوتي كثيراً من الصبر على المعاناة في استخراجها، وكثيرا من القدرة على تنقيتها من فضول القول وحشو الرواة ولغو القُصّص، وقل من يملك القدرة والصبر على مثل ذاك؛ ثم جاءت طائفة من كرام العلماء. فجهدوا جهدهم في جلاء هذا التاريخ والكشف عنه، فكتب المرحوم الخضري بك، وكتب جاد المولى بك، وكتب الدكتور هيكل، وكتب رضا، فبلغوا مبلغهم في ذاك، واستطاع الناس أن يقرءوا (السيرة) كما ينبغي أن تُقرأ، وأن يعرفوا من تاريخ الرسول ما لم يكن يعرف إلا
стр. 11349
الخاصة من علماء هذا الدين.
ولكن أتُرى هؤلاء العلماء - على ما بلغوا من التوفيق فيما جاهدوا، وما أصابوا من الإجادة فيما عملوا - قد استطاعوا أن يحملوا واحداً لا يهتم بسيرة الرسول على أن يقرأ سيرة الرسول، أو ودعوا نفراً من شبابنا الذين لا يحسنون إلا اللهو والعبث إلى التماس الحد في حياة محمد وابتغاء المثل العليا في تاريخه. . .؟ لو أن واحداً من هؤلاء الشباب قرأ شيئاً من ذلك لأفاد وانبعثت نفسه، ولكن أين ما يحمله على أن يقرأ. . .؟ إن هذه الكتب على ما أجدت قد عجزت أو كادت عن اجتذاب هذا النوع من الشباب الذي لا يعرف شيئاً عن محمد ولا يهتم أن يعرف؛ ولكن لرجل الفن سبيلا غير ذلك، وقد عرف توفيق الحكيم سبيله
قصد المؤلف من كتابه إلى عرض حياة الرسول الكريم عرضاً يكشف عن دقائقها ويجلو صورها على أسلوب من الفن بعيد عن فلسفة العاِلم وتحقيق المؤرخ، على أن فيه من الفلسفة كما ترى الحادثة بصورتها في حياتنا العادية مرئية مسموعة، تفعل فعلها في النفس وتترك أثرها الفلسفي من غير تعليق ولا بيان؛ وللأستاذ توفيق في فنه باعٌ وذراع. . . فهو قد درس (القصة) دراسة العلم، وفقهها فقه الأدب، وعالجها علاج الفنان المبتكر، وانتج فيها إنتاجاً سيخلد به بين أدباء العربية؛ ولا أغلو إذا قلت إنني لم أقرأ حواراً تمثيلياً في العربية ويلذّني مثل حوار يصنعه توفيق الحكيم
بهذه المقدرة الفنية قرأ توفيق مكتب القدماء عن السيرة، وبحاسة الفنان تمثلت له (مناظرها) كما نقلها في كتابه. وهو ضرب من الرواية لا نستطيع أن نضع له اسماً من أسماء الرواية، فهو ليس قصة، وهو ليس رواية، وهو ليس ترجمة تاريخية، ولكنه منها جميعاً؛ وهو مناظر حواريّة، يباعد بينها الزمان والمكان، وتجمع بينها وحدة الموضوع والغرض؛ على انه ليس لمؤلفها شيء من لغة الحوار ولا أسلوب الكلام، فليس له منها أكثر مما للمصور يرسم لك جزءا من الزمان في ورقة، لا ينقل إليك الزمان الماضي ولكن ينقلك إليه، فإذا أنت ترى منه أكثر مما تريك الصورة، وتسمع منه ما لا يُسمعك الرسم الصامت
ولا شك أن المؤلف قد جهد جهداً غير يسير في إخراج كتابه على ما يشتهي، فهو نوع لم يسبق إليه، وباب اخترعه في فن الرواية ليس له حدود مرسومة تهديه السبيل؛ هذا إلى أن الموضوع دقيق، يقتضي الصبر والأناة وحسن الاحتيال؛ وما ظنك بالكاتب المسلم يؤلف
стр. 11350
شبه رواية عن محمد، يجري الكلام فيها على لسانه من غير أن يخترع أو يتزيَّد؛ ثم هو مع ذلك يحاول أن يرضي الفن ويلم بدينه في وقت معاً. . .؟ ولكن المؤلف بسبيل هذا الفن قد تصرف في موضعين: أما أولهما فانه كان يجد بعض ما وري عن النبي محكيا بلغة الخبر لا بلغة الحديث، واتجاهه في الموضوع أن يجعل القصة حواراً: كلاماً يجيب كلاما، وخبراً يرد خبرا، فلم يجد أمامه إلا أن يترجم الخبر إلى لغة الكلام لتستقيم له طريقة في الأداء. فمن ذلك مثل ما تقول كتب السيرة: (استأذن فلان على النبي، فأذن له.) يؤديه المؤلف حوارا كما يلي:
-: أيذَن لفلان يا رسول الله. . .
-: أذِنْت
وهذا وإن لم يكن قول النبي - لأن عبارته في الإذن لم تنقل إلينا في الحديث - جائرٌ فيما أراه، فهو باب من رواية الحديث بالمعنى، وقد أجازها رجاله. على أن هذا النوع في الكتاب قليل جداً لا يتجاوز بضع عبارات؛ ولعل أطول عبارة أجراها المؤلف على لسان النبي، هي ذلك الدعاء الذي ترجم له كتاب السيرة بقولهم: (كان النبي ﷺ يتحنّث في غار حراء. . .) فرأى المؤلف من تمام موضوعه أن يجعل على لسان النبي كلاماً يدعو به ربه في تحنُّثه (ص ٣١)، وأحسب أن المؤلف كان كثير الحرج في مثل ذاك، فإني لأحس في أكثر من موضع من الكتاب أر كلاما هناك كان ينبغي أن يقوله محمدٌ فلم يقله (المنظر الثالث ف١، النبي وورقة بن نوفل ص ٣٧)
أما الموضع الثاني الذي تصرف فيه المؤلف، ففي ترتيب مناظر الكتاب، فهو لم يلزم الترتيب الزمني الذي جرت عليه السيرة، فقدَّم وأخر، ومازج حوادث وحوادث؛ وليس في هذا - على إجماله - ما يعيب المؤلف، فهو لم يقصد إلى أن تكون للكتاب وحدة القصة، بحيث تبنى حادثة على حادثة، وتأتي مقدمة بنتيجة، بل جرى على أن يجعله مناظر يعطي كل منظر منها أو مناظر صورة خاصة لفكرة أو حادثة بعينها، ثم أن يكون للقارئ من مجموع هذه الصور في النهاية، صورة محدودة للنبي الكريم كما يجب أن يعرفها المسلم
الآن قد فرغت من عرض الكتاب كما أراد مؤلفه وكما دلني على نفسه، وإني لأشهد أن مؤلفه قد وفق توفيقا كبيراً فيما حاول، وبلغ بهذا الكتاب ما لا يبلغ غيره؛ وما أحسب أن لي
стр. 11351
في هذه الناحية أن أتكلم عن توفيق الحكيم في فنه، فمن للعربية في فن الرواية مثل توفيق؟ على أن هذا الكتاب باب جديد هو زادَه وأنشأه في فن القصة، فمن الفضول أن تقول له: أنت اخترعت وأنت لم تبلغ حد الكمال. . .!
ولكن طابع توفيق الحكيم وشخصيته الفنية لم يكونا ظاهرين مميزين في أسلوب الحوار وفي تساوق القصة ظهورهما وتميزهما في سائر ما ألَّف. وسر ذلك واضح، فهو هنا لم يضع الكلام، ولم يخترع الحادثة، بل نقل وصنف، وداخل ومازج، وإنما تجد طابعه وشخصيته حيث يجد لنفسه الحرية فيما يقول أو فيما يضع: (اقرأ الحوار بين إبليس والحية ص ١٥٣ - ١٥٧، وموت أبي طالب، وغزوة بدر، وحديث الإفك، وعائشة الغيور) فانك واجد فيها وفي كثير غيرها روحاً وحياة وفناً، فكأنك معها ترى وتسمع وتحس
وأكثر الكتاب من لغة الرواة، لاءم بينها المؤلف ما استطاع ليربطها على أسلوب من البيان منسجم، فأيّ جهد حمل من ذاك؟. . . ولكن عبارات وكلمات نقلت على غير وجهها مما أخطأ الأقدمون على نسخه، وعبارات وكلمات جاءت متداخلة من وضع المؤلف، فأخلَّت بنظم الكلام في غير موضع، ونبا بها مكانها من ذلك البيان العربي المشرق. على أن ذلك لا يعدو بضع عشرة كلمة في الكتاب كله، فما نراها إلى جانبه بشيء ذي بال
وقد كان جهد المؤلف كبيراً في ربط الروايات المختلفة والتوفيق بينها، ليخلص منها إلى الرأي الذي يرى؛ وكان إلى ذلك حريصا على أن تكون (المناظر) قليلة بقدر ما يتأتى له، فجاء من ذلك أن يجعل الحوار في منظر واحد لأكثر من موضوع، وأذ كان الحديث كله بين المتحاورين من الآثار المروية - لم يغير ذلك شيئاً من نص الكلام كما نقله السلف، ولكنه غير جوه فتغير من ذلك مدلوله؛ فمن ذلك حديث النبي عن زوجاته في الجنة، إلى خديجة وهي تُحتضر، (وفاة خديجة ص ١٠٠)؛ ومنه حديث (حُبِّبَ إليّ الطيب والنساء) روايتُه على مسمع عائشة في غيرتها المشبوبة وقد جاءها النبي يهمّ أن يتزوج جويرية بنت الحارث. . .!
وجاء في خبر عثمان بن مظعون أن ملاحاةً كانت بينه وبين لبيد بن ربيعة قبل هجرته إلى الحبشة، وأحسب ذلك كان بين الهجرتين؛ فقد كان عثمان على رأس الفوج الأول إلى الحبشة، ثم عاد فاستجار الوليد بن المغيرة حيناً، ثم خلع جوارَه وكان بينه وبين لبيد
стр. 11352
الشاعر ما كان بعد خلْعه جوار الوليد، ثم هاجر ثانية إلى الحبشة (ص١٠٥)
ونقل الكتاب في حديث الإفك (ص٣٧٦ - ٣٧٧) أن أمَّ مِسْطح قالت: تَعس مسطح. إذ وجدت ما وجدت في وجه عائشة من إعياء المرض؛ والذي أذكره أن أم مسطح قالت ذلك لغير هذا السبب، ولا أرى داعية للعدول عن المأثور في الرواية
أما بعد، فما حاولت بما أسلفت أن أنقد، ولو أنني حاولت لما وجدت؛ وإنما أذكر هذه الهنات كشهادة على براءة الكتاب وكماله؛ وحسب توفيق الحكيم أن يخرج كتاباً عن محمد على نهج جديد في الفن، ثم لا يجد الناقد فيه غير ما قدمت، وإنه لتوفيق من الله أن يتهيأ لحياة محمد أديب كبير مثل توفيق يربط أسمى ما في الفن بأقدس ما في تاريخ الإسلام. وما احسبنا - وهذا الكتاب بين أيدينا - سنشكو القطيعة بعد اليوم بين شبابنا الذين يعشقون الجديد ويقدرون الفن، وبين سيرة النبي الكريم، وإني قد فرغت من قراءة هذا الكتاب منذ قليل لأشعر بالحنين إلى الساعات السعيدة التي قضيتها منه كأني أعيش عصر النبوة، ومارى هذه الحنين سينقضي حتى أعود إلى الكتاب فأقراه مر ومرة ومرات حتى أروي ما بنفسي من ظمأ إلى هذا الكوثر العذب، وهيهات أن أشعر بعد بأني شربت حتى رويت. . .
(شبرا)
محمد سعيد العريان
стр. 11353
العدد ١٣٩ - بتاريخ: ٠٢ - ٠٣ - ١٩٣٦
стр. 11354
شباب العراق في مصر
قل لأولئك الذين زعموا أن مصر نَبَتْ على العروبة فقطعت الأسباب الموصولة، وأيبست الأرحام المبلولة: تعالوا فانظروا كيف بَثَّتْ بالعراق بشاشة الألفة، ورفَّت لبنيه رفيف القرابة، وأشبلت عليهم أشبال الأمومة! تعالوا فأسالوا شباب الفراتين: هل كانوا على ضفاف النيل في ارض غير أرضهم، وقوم غير قومهم، وبيئة غير بيئتهم؟ لقد كان إقبالهم على محطة لقاهرة كإقبال الربيع، واستقبالهم فيها كاستقبال العافية! نزلوا من القطار على أكتاف البهاليل من شباب النيل، وحلوا في قلوب الميامين من رجال الوادي، وهتفت الجموع الحاشدة بأسمى فؤاد وغازي، وجرت الألسن الخاطبة بلفظي القرابة والوحدة، وتلاقت العواطف الظامئة على وِرْدي الإخاء والمودة. ودخل الطلاب العراقيون في غمار الألوف المتهللة، فتجاذبت الدماء، وتمازجت القلوب، وتعاطفت الذكريات، وتجاوبت الأماني، وترجمت اللغة! ثم كانوا طوال الأسبوع المنصرم غبطة القاهرة وبهجة الأندية وحديث الصحف، يظلون من مطلع النهار إلى مقطع الليل غرقى في احتفاء المدينة بين ترحيب يومض في العيون، وتسليم يفتَرُّ في الشفاه، وإعجاب يدوِّي في الأكف، وكرم يفيض على الموائد، ثم لا يسعفون كل مَشُوق لسعة الحركة ولا يجيبون كل داع لضيق المدة
والحق أن الشباب العراقيين كانوا كما قال الدكتور محجوب: طاقة من شتيت الزهر النضير قدمتها بغداد إلى القاهرة في العيد! مثلوا العراق في الرجولة والعزة، ومثَّله الأستاذ منير القاضي في الوقار والنبل، فكانوا بهذا المظهر الجميل دليل اليقين لمن يطيع في أمتهم الشك، وشاهد الاطمئنان لمن يعقد على نهضتهم الأمل!
كان مبعث الجفاء بين أقطار العرب انقطاع الأسباب وبُعدِ الشقة؛ ثم غشيت كل سماء من سمواتها الزُّهر غمةٌ من أطماع الغرب، حجبت عن العيون الضياء، وعن النفوس الصفاء، وعن العقول المعرفة، فذهب القوم أشتاتاً يتلمس كل امرئ في الظلام طريقه! حتى إذا استيقظ في الوجدان شعور العروبة، وعاد فأشرق في الأذهان نور الدين، أبصرنا فإذا بيننا من بغى الإنسان حواجز تتقاصر عندها الخطى، وتتناكر دونها المعارف!
أزيلوا قائم الحدود، وجدوا دارس الطريق، تتلاق الوجوه وتتعارف الاخوة؛ واعملوا ما يعمل في العراق رسول الوحدة ياسين، وفي مصر أمثال الوزير محمد علي، والزعيم
стр. 11355
طلعت حرب، تجدوا الاتحاد العربي جارفاً كدعوة محمد، سريعاً كفتوح أمية، خصيباً كحضارة العباس!
هذه هي مصر الصحيحة يا شباب الرافدين! لا يزال دينها دينكم، ولغتها لغتكم، وهواها هواكم! أنها لم تركم ولم تروها لأنها في جوف الحوت! وهأنتم أولاء تسمعون حشرجتها الأليمة في حلقه، وستجيش بين معدته وأضراسه جَيَشان السم الزعاف حتى يلفظها حيةً سليمة كيونس! حينئذ تتجه (ابنة الشمس) إلى مطلع الشمس! وهناك يكون مجد العرب اليوم كما كان هناك مجدهم بالأمس! وليس الشرق موطن الديانات والمدينات بضيق ولا جديب
إن الأرض لتُزَلزَل في كل مكان بالدخيل يا بَنِي (الهلال الخصيب)! وإن تاريخ الجدود لينبجس فواراً حاراً من صحون المساجد الجامعة! هل تذكرون ثورة بغداد في جامع الحيدرخانة؟ هل رأيتم غضبة دمشق في الجامع الأقصى؟ هل علمتم وثبة القاهرة من الجامع الأزهر؟ إن لذلك معنى عجيباً لا يندُّ عن خاطر ولا يلتوي على ذهن، ذلك أن المنارة التي يذكر عليها اسم الله، وأن المحراب الذي يقوم فيه الدين، لا يزال هو الركن الذي يأوي إليه الحق، وإن الإسلام الذي ألف شتيت البدو في الأول، هو النظام الذي يجمع شمل العرب في الآخر!
لقد كانت زيارة الطلاب العراقيين فرصة ميمونة لتوثيق الصلات التاريخية المقدسة، صافحونا بالأيدي، وخاطبونا بالألسن، وسمعونا بالآذان، فانمحت الفوارق العارضة، وانجابت الحجب الكثيفة، واستبان أن الخيال جانٍ على الحقيقة، وإن السماع كاذب على العِيان، وإن الوحدة المستحيلة أمر من الواقع!
نعى البرق شاعر العراق الزهاوي والمصريون والعراقيون في حفلة اتحاد الجامعة، فكان وقع المصاب في نفوس الفريقين واحداً لا يختلف؛ وقام كبير الأدباء فأبن كبير الشعراء بكلمة تلقاها الأخوان بعاطفة واحدة وشعور مشترك، لأن الزهاوي كان يهزج بأغاريد الفجر على ضفاف دجلة، فتردد أصداؤها الموقظة في ربوات بَرَدى وخمائل النيل وسواحل المغرب! وأدب الزهاوي وأمثاله هو الذي وصل القلوب العربية في مجاهل القرون السود بخيوط إلهية غير منظورة، ولولاها لم تكن هذه الزورة! وبهذه الزورة وأمثالها نتعارف
стр. 11356
ونتآلف ونتحد! فتعالوا يا أخلاق المجد الفقيد وأسلاف المجد الوليد نتعاون على دفع الأذى عن العزة المهانة! تعالوا نقرَّ في سمع الزمان أن أمة الرسالة تريد أن تؤدي الأمانة! ولكن قبل ذلك كله: تعالوا نجدد دارس العهد بيننا=كلأنا على هذا الجفاء ملوم
أحمد حسن الزيات
стр. 11357
أغنية
للأستاذ أحمد أمين
تعجبني أحياناً بعض الأغاني الشعبية، إذ أراها تمثل روح الشعب وآماله وآلامه - وأراها أصدق في وصف الحياة المتنوعة مما يفعل أدباء اليوم، فكل أغانيهم لا تمثل إلا عاطفة الحب البائس، وما يتبعه من ألم ممض، ولوعة مضنية؛ أما الأغاني الشعبية ففيها الحب البائس، والحب الباسم، وفيها التغني بالبطولة، والشكوى من الظلم
أحياناً فيها فلسفة اجتماعية كالأغنية التي سأعرضها اليوم؛ ومرماها تصوير الهيئة الاجتماعية في صورة الجسم الواحد تتعاون أعضاؤها لتحقيق المصلحة العامة - وهو معنى عرض له الفلاسفة والأدباء في الأمم المختلفة قديماً وحديثاً - فمثّله اليونان مرة بإضراب أعضاء الجسم. قال القلب: لماذا أوزع الدم على سائر الأعضاء ولا ينالني أنا منه إلا قطرات؟ فلأضربَ. وقالت المعدة: ولماذا أهضم أنا أيضاً الأكل كله وليس يصيبني منه إلا قليل، أفما كان الأولى ألا أهضم إلا ما ينالني؟ فلأضرب. وقالت الأسنان: ومالي أنا كالطاحون تطحن دائماً ولا ينالني من الغذاء إلا قدر السمسمة؟ فلأضرب. وقالت الرجل: وأنا دائبة السعي يميناً وشمالاً وليلاً ونهاراً في جمع العيش وتحصيل القوت، ثم حظي من كل هذا فتات الموائد؟ فلأضرب. وقال كل عضو هذا القول أو شبهه، فأضربت الأعضاء جميعاً، فلا الرجل تسعى، ولا اليد تحمل الغذاء إلى الفم، ولا الأسنان تمضغ، ولا المعدة تهضم، ولا القلب يوزع
ثم بعد قليل شعرت المعدة بالجوع ولم تستطع الرجل المشي ولا اليد، أدركت كلها أنها سائرة إلى الفناء السريع، فاجتمعت على عجل وقررت فض الإضراب إذ رأت أن كل عضو يعمل لنفسه ولغيره، وان غيره يعمل لنفسه ولغيره، فالغرم بالغنم والربح على قدر الخسارة
ولحظ هذا المعنى شعراء العرب فقال أبو العلاء المعري فيه:
المرء كالنار تبدو عند مسقطها … صغيرة ثم تخبو حين تحتدم
والناس للناس من بدو وحاضرة … بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
وكل عضو لأمرٍ ما يُمارسُه=لا مَشيَ للكف بل تمشي بك القَدَم
стр. 11358
أما هذه الأغنية التي أشرت إليها فتمثل هذا المعنى من ناحية أخرى ظريفة، وهي ارتباط الصناع وأرباب الأموال برباط وثيق، لا يمكن أن يستغني أحد عن أحد. وهاهي بعد حذف ديباجتها:
(وحصاني في الخزانة، والخزانة (عاوزة) سلم، والسلم عند النجار، والنجار عاوز مسمار، والمسمار عند الحداد، والحداد عوز بيضة، والبيضة في بطن الفرخة، والفرخة عاوزه قمحة، والقمحة عند القماح، والقماح عاوز فلوس، والفلوس عند الصريف، والصريف عاوز عصافير، والعصافير في الجنة، والجنة عاوزه حِنّا) الخ. . .
أغنية لطيفة حقاً، لا يزال أطفالنا إلى الآن يتغنون بها بتوقيعهم الظريف، وصوتهم الشجي، وهم إذ ينشدونها لم يدروا أنهم يتغنون بفلسفة عالية، وفكرة سامية
قد يلاحظ علنها أن الربط في بعضها محكم كحاجة السلم إلى النجار والنجار إلى المسمار، وبعضها غير محكم كحاجة الحداد إلى البيضة، وحاجة الصريف إلى العصافير، ولكن أظن أن تحكيم المنطق الدقيق الحاد في الأدب كالشعر والأغاني وسائر الفنون مجاوزة للحد، فالأغنية ظريفة لطيفة رغم المنطق
ومن أسباب جمالها هذا النوع البديع الذي يصح أن أسميه (جمال الدوران) أو جمال التسلسل مثل قولهم (لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل)
وقولهم: (الحجر يكسر الزجاج، والحديد يكسر الحجر، والنار تذيب الحديد، والماء يطفئ النار، والريح تلعب بالماء، والإنسان يتقى الريح، والخوف يغلب الإنسان، والخمر تزيل الخوف، والنوم يغلب الخمر، والموت يغلب النوم)
ومثل قوله: (العالم يعرف الجاهل لأنه كان جاهلاً، والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالماً) الخ
وبعد فما تاريخ هذه الأغنية ومن واضعها؟ لابد أن يكون فيلسوفاً أو حكيماً بعيد النظر. ومما يؤسف له أن هذه الأغاني والأزجال والمواويل لم يعن عناية الأدب الأرستقراطي، فبينا يعني العلماء والأدباء بنسبة بيت الشعر إلى قائله، والقصيدة إلى منشئها، ويحتدم بينهم القتال على ذلك، إذا بنا لا نجد هذه العناية ولا بعضها في الأغاني والأزجال الشعبية، وهذا
стр. 11359
نوع مما أصاب الأدب الشعبي من الظلم. وكم أصابه من أنواع! وها هي الأغاني التي تخترع في عصرنا نجدها على الأفواه ونستعذبها، وتهش لها نفوسنا، ولا نكلف أنفسنا مئونة البحث عن منشئها
ولكن من حسن حظ هذه الأغنية، أو من حسن حظنا نحن، أننا نجد ظلاً لتاريخها، فقد ذكرها الجبرتي في تاريخه في حوادث سنة ١١٤٣ هجرية، فيكون عمرها أكثر من قرنين وظلت الأجيال تتعاقبها إلى يومنا
ويظهر من كلام الجبرتي أن واضعها عالم كبير جليل من أكابر علماء الأزهر في القرن الثاني عشر، هو الشيخ الحفناوي أو الحفني؛ كان سيد الأزهر في أيامه، له حلقات الدروس الحافلة بنوابغ الطلبة، يقرأ فيها أعوص الكتب وأصعبها، كجمع الجوامع والأشموني وحاشية السعد؛ وله التآليف الكثيرة في البلاغة والميراث والجبر والمقابلة، كما كان بيته ساحة كرم يغشاه أعيان مصر وعلماؤه وأدباؤها، ويلجأ إليه الفقراء وذوو الحاجات؛ وكان راتب بيته من الخبز كل يوم نحو الإردب، وطاحون بيته دائرة ليل نهار، ويجتمع على مائدته الأربعون والخمسون والستون، إلى هيبة ووقار، حتى يهاب العلماء سؤاله لجلاله
وهو مع هذا كله ظريف أديب، سمع تلميذاً له يوماً يقول:
قالوا تحب المدمس؟ قلت بالزيت حار … والعيش الأبيض تحبه؟ قلت والكشكار
فضحك الشيخ وقال أنا لا أحبه بالزيت الحار، وإنما أحبه بالسمن، ثم قال:
قالوا تحب المدمس؟ قلت بالمسلي … والبيض مشوي تحبه؟ قلت والمقلي
وله المواويل الظريفة كقوله:
بحياة يا ليل قوامك وصوم الحَرْ … تحجز لنا الفجر دا فوت الرفاقه حَرّ
لما يجي الفجر يصبح ركبهم منجرّ … أزدادِ لَوَعه ولا عمري بقيت انْسَرْ
إلى غير ذلك. فيحدث تلميذه أن الشيخ الحفني قال له يوماً (أحدتك حدوته، بالزيت ملتوته، حلفت ما آكلها، حتى يجي التاجر، والتاجر فوق السطوح، والسطوح عاوز سلم الخ) فحكاية التلميذ ولم يكن سمعها من قبل وروايته لها عن شيخه ترجح الظن أنها من عمل الشيخ الحفني
وقد زاد الشيخ على ذلك فشرح الأغنية على طريقة الصوفية ففسر التاجر بالمرشد الكامل
стр. 11360
والمربي الواصل، والتاجر فوق السطوح في مستوى عال، والسطوح لا يمكن صعوده إلا بمعراج الخ وقد كان للشيخ جانب آخر صوفي عظيم
فالأشموني وجمع الجوامع، والحواشي والتقارير، كلها لم تمنع الشيخ العالم الأزهري الجليل من أن يكون أديباً وزجالاً ظريفاً يضع الأغاني والمواويل يتغنى بها الشعب. وهذا يذكرني بما سمعت عن فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الرحمن قراعه المفتي الأسبق - مد الله في عمره - من أنه واضع الدور المشهور: (الله يصون دولة حسنك)
فمن لنا بعلماء الأزهر بين اليوم يشرفون على الأدب كما يشرفون على الدين، ويتعرفون حياة الناس الاجتماعية، ومناحيهم الأديبة، ويضعون الأناشيد الظريفة، والأغاني اللطيفة، ويكونون عنوان الدين وعنوان الظرف، يبتغون فيما آتاهم الله الدار الآخرة، ولا ينسون نصيبهم من الدنيا
أحمد أمين
стр. 11361
مواكب سلاطين مصر
للأستاذ محمد فريد أبو حديد
أن أفئدتنا المتعلقة بمصرنا العزيزة تتوق إلى كل ما يرتبط بهذا الوطن المجيد، فكما أن نسميها حبيب وحرها حبيب؛ وكما أن سماءها تأخذ بالألباب في صفائها، وتنعش فيها الأمل بسحابها ومطرها؛ وكما أن حاضرها نزهة الأعين وبهجة الأنفس، كذلك تجد النفس في ماضيها مسارح محبوبة للخيال والفكر. فلنعد إلى عصر من تلك العصور الماضية المجيدة، ولنتجرد من عصرنا الحاضر إلى حين لنفرغ إلى استجلاء بعض لذات تلك الأيام الغابرة، ولنشارك بالفكر مواطنينا الأعزاء الذين ملئوا أيامهم جلالاً وبهجة
لنعد إلى القرن الثالث عشر، ولنتخط إليه ستمائة عام على أجنحة الخيال، ولنقف حول ركاب ملوكنا الأمجاد الذين كانوا زينة العصر وحماة الديار عند ذلك، ولنشارك مواطنينا من الأجداد الذين كانوا يصطفون على جوانب الطرق وقلوبهم خفاقة ونفوسهم مملوءة بالإجلال الممزوج بالحب والعطف لهؤلاء الحماة، وللنظر إلى السلطان العظيم وقد أقبل في موكبه والناس يضجون بالدعاء له فيتلقونه بأحسن الاستقبال. حتى إذا ما صار منهم على كثب رفعوا الأكف وقرءوا الفاتحة ودعوا له بالنصر والقوة على حماية البلاد، ولنشارك مواطنينا في ذلك فلقد كان أولئك السلاطين تفيض قلوبهم بخير ما تفيض به قلوب الملوك من حب لخير الرعية وتفان في سبيل مصلحتها العامة.
كان أحد هؤلاء السلاطين الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، وكان يلقب بالعلائي البندقداري نسبة إلى الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري أحد أمراء الملك الصالح نجم الدين أيوب، وهو الذي اشتراه عندما كان مملوكاً صغيراً ثم آل ملكه إلى السلطان الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب، ولهذا يلقبه التاريخ أيضاً بالصالحي النجمي. وقد تعلم وترقى في الوظائف على النظام البديع الذي كان يسير عليه أمراء ذلك العصر في تعليم مماليكهم وترقيتهم حتى صار أميراً قائداً، وذلك لما أظهره من الشجاعة في الحرب ولا سيما في موقعة المنصورة في أيام الملك المعظم توران شاه ابن الملك الصالح أيوب، وهي الموقعة التي هزم فيها الفرنج وأخذ ملكهم لويس التاسع أسيراً، وما زال حتى صار (أتابكاً) للعساكر أي قائداً عاماً لهم
стр. 11362
ثم استولى على الملك، فكان الثالث من سلاطين الأتراك الذين جرى العرف بتسميتهم سلاطين المماليك
وكانت مصر في أيامهم تحيط بها عنون الأعداء من كل الجهات، فبينا كان أهل أوربا يدبرون الخطط ويجندون الجيوش الجرارة لغزوها، كان أحفاد جنكيز خان ملوك التتار العظام يدفقون جموعهم نحو الشام بعد أن اجتاحوا بلاد العراق وخربوها وأسالوا فيها الدماء أنهارا، فكان العصر عصر حرب ودفاع، وكانت الروح الغالبة روح الحرب والدفاع، وكان واجب الأمة الحرب والدفاع، وكان بيبرس من خير من مثل تلك الروح واستعد بكل قوة للحرب والدفاع، فكانت كل مظاهره مصبوغة بصبغة النضال والكفاح. كان الخليفة العباسي قد جاء إلى مصر مطروداً مشرداً بعد أن نكب التتار بلاد العراق، جاء إلى مصر يطلب فيها الأمن ويلتمس الحماية من سلطانها الأعظم بيبرس، وأحب أن يكافئ ذلك السلطان على حمايته ومساعدته مقدماً، فقلده السلطنة المصرية بصفته الحاكم الشرعي للدولة الإسلامية، وبذلك عمل على تثبيت مركزه وجعله حاكماً شرعياً إلى جانب كونه حاكماً بالسيف. فأمر السلطان فضربت لهذه المناسبة خيمة كبيرة في المطرية، وجلس السلطان على كرسي عظيم في صدرها، وكان طويل القامة مليح الشكل أبيض الوجه مستدير اللحية، وقد اختلط سوادها بالبياض يكاد يغلب عليه. وقد اصطف الأمراء حوله بحسب مراتبهم، لا يلتفت أحد منهم إلى يمين ولا إلى يسار، ولا يكلم أحد من إلى جواره ولا يشير إليه، فلقد كان هذا خروجاً على الآداب المقررة في المجلس السلطاني، ولم تكن ملابس هؤلاء الأمراء قد بلغت بعد ما بلغته من الزينة والزركشة في أيام السلاطين الذين أتوا فيما بعد كالسلطان قلاوون وابنه الملك الناصر محمد، وذلك لأن بيبرس كان لا يجد من فراغه متسعاً للتفكير في غير عدة الجهاد والنضال. فلم تكن ملابس هؤلاء الأمراء غير أقبية (أو جيب) بيضاء واسعة ضيقة الاكمام، ومناطق ساذجة لا ذهب فيها ولا جواهر، بل كانت من القطن المصبوغ، وكانت أخفافهم من جلد بلغاري أسود، فوق تلك الأخفاف خف ثان اسمه السقمان، وكان فوق الأقبية أو الجيب كمران فيهما حلق وأبزيم ومعلق فيهما صوالق (أو جيوب) جلد كبار يسع الواحد منها أكثر من نصف ويبة من القمح، ويغرز فيه منديل طوله ثلاثة أذرع، وكانت شعورهم مضفورة، وضفائرهم مدلاة في كيس حرير أحمر
стр. 11363
أو أصفر، وفوق رؤوسهم قلانس صفراء مضربة تضريباً عريضاً
وجلس عن يمين السلطان الخليفة والقضاة من المذاهب الأربعة، فان بيبرس جعل لكل مذهب قاضياً كبيراً بعد أن كانت ولاية القضاة لقاضٍ واحد من علماء المذهب الشافعي. ثم جلس عن يمين القضاة واحد بعض موظفي الدولة مثل وكيل بيت المال أو (وزير المالية كما نسميه الآن)، ثم ناظر الحسبة أو (هو محافظ القاهرة)، وكلاهما من القضاة وأرباب القلم. وجلس عن يساره الوزير ثم كاتب السر أو (الأمين الأول)، وجلس أمامه ناظر الجيش وجماعة من الكتاب الكبار أو كما كانوا يسمونهم الموقنين
ووقف من وراء السلطان صفان فعن يمينه ويساره من الأمراء الكبار وهم رؤساء الأمراء والقواد في الجيوش، وجلس إلى اليمين واليسار على بعد نحو ثمانية أمتار من السلطان ذوو السن من الأمراء القواد وهم أمراء المشورة في الدولة. وجلس بعد ذلك من هم أدنى منهم مرتبة من أكابر الأمراء، والقواد بحسب درجاتهم، فكان أقربهم من السلطان أمراء المئين وهم مقدمو الألوف، وكان كل منهم أميراً على مائة فارس، وقد يزيد عدد فوارسهم عشرة أو عشرين فوق المائة؛ وكان يليهم أمراء الطبلخاناه، وكان كل منهم أميراً على أربعين فارساً، وقد يزيد عدد فرسانهم إلى السبعين؛ وكان بعد هؤلاء جميعاً أمراء العشرات ولكل منهم الإمارة على عشرة فرسان، وقد يزيد عدد فرسانهم إلى العشرين
ونصب منبر وصعد عليه كاتب السر الشريف، فقرأ على الأمراء في ذلك الحشد الحافل كتاب الخليفة العباسي أحمد المستنصر بالله الذي لجأ إلى مصر وأحسن السلطان استقباله، وفيه ثناء طيب من الخليفة على السلطان العظيم فأصبح بذلك ملكاً على البلاد بحق الاستيلاء والسيف، وبحق تقليد خليفة المسلمين الذي كان العالم الإسلامي يرى فيه رمز الحق الشرعي للحكم.
ثم حملت إلى السلطان خلعة الخليفة، فلبسها وهي جبة سوداء، وعمامة بنفسجية، وطوق من ذهب، وقلد بسف عربي. فلما انتهى الاحتفال ركب السلطان بالخلعة والطوق والأمراء حوله وأمامه حسب ترتيبهم، وحمل الصاحب بهاء الدين محمد بن علي ابن حنا تقليد الخليفة، على رأسه وسار قدام السلطان. ثم سار الموكب حتى دخل القاهرة من باب النصر ومر في الشارع الأكبر من المدينة، والسلطان في خلعته الجديدة راكب على فرس عربي
стр. 11364
عليه كسوة بديعة من الحرير الأصفر، وقد ركب إلى جواره أحد أمراء المئين راكباً على فرس يحمل المظلة وهي حبرة من الأطلس الأصفر المزركش بالذهب، من أعلاها قبة من الحرير نفسه، وفوقها طائر من الفضة المذهبة
وتلقت الجموع الزاخرة من أهل القاهرة ذلك الموكب بالتهليل والطرب؛ وكان السلطان كلما مر بجماعة ضجوا بالدعاء له بالنصر والفتح وقرءوا الفاتحة تبركاً وتيمناً؛ ومازال ذلك الموكب حتى بلغ القلعة فلم يبق ركن من أركان القاهرة لم يهتز لرؤيته والاشتراك في الحفاوة به
والآن فلنخرج مرة أخرى لنشارك أجدادنا أهل القاهرة في التمتع برؤية موكب آخر سائرين في ركاب السلطان إلى ميدان بجوار القاهرة كان ملوك مصر إذ ذاك يقصدونه للرياضة والتنزه ويلعبون فيه لعبتهم المشهورة وهي (الكرة)؛ وكانوا يخرجون لذلك إلى أحد ميدانين: الأول الميدان الناصري الكبير، والثاني ميدان سرياقوس. وكان الخروج إلى كل من هذين الميدانين في أوقات معينة من السنة، فالركوب إلى الميدان الكبير الناصري كان يقع في شهري سبتمبر وأكتوبر؛ وذلك الميدان على ضفة النيل في جهة بستان الخشاب فيما بين القاهرة ومصر القديمة. وكان الخروج إليه في كل يوم سبت من الشهرين المذكورين. وقد كان بودي لو استطعت في هذه الكلمة أن أصف مواكب خروج السلاطين إلى كل من هذين الميدانين، ولكنني أكتفي بوصف موكب واحد وهو موكب الخروج إلى الميدان الكبير الناصري
خرج السلطان الملك الناصر صباح أول يوم السبت بعد وفاء النيل بادئاً موسم لعب الكرة والصولجان في ذلك الميدان الفسيح؛ وكان خروجه في الصباح، ولكن الشمس كانت قد بسطت سلطانها على الأحياء فبدأ حرها يشتد وتكاثر الناس وازدحموا على الطريق ليروا السلطان وهو يخرج سائراً نحو الغرب إلى قناطر السباع القائمة فوق الخليج، وذلك في موضع ميدان السيدة زينب الآن، ومن هناك سار نحو النيل إلى الميدان. وكان في أول الموكب فارسان يلبسان ثياباً من الحرير الأصفر وعلى رأس كل منهما كوفية من الذهب على هيئة طاسات الحرب، وكانا يركبان فرسين أبيضين بحلية بديعة من الذهب، وكان على كل من الفرسين كساء من الحرير الأصفر المزركش بالذهب يغطي من تحت أذنيه
стр. 11365
إلى موضع السرج. فلما مر هذان الفارسان أقبل في أثرهما السلطان هو راكب على فرس عربي أصيل هيئته وكسوته مثل هيئة فرسي الفارسين المتقدمي الذكر لا فرق بينه وبينهما، حتى كان الناظر إلى الفرسين المتقدمين يظنهما قد أعدا لركوب السلطان نفسه؛ وكان أمام فرس السلطان غاشية السرج يحمله بعض أمراء المماليك الخواص، وهذه الغاشية عبارة عن جلد مزركش بالذهب ليُغطي به سرج السلطان إذا نزل، وكان حامل تلك الغاشية يحركها زهواً وافتخاراً ذات اليمين وذات الشمال، والى جانب حامل هذه الغاشية فارس أخر يضرب على شُبابة، وهي آلة موسيقية لا يقصد بنغمها الإطراب، بل يقصد بها إيقاع المهابة في النفوس
وكان فوق رأس السلطان العصائب السلطانية، وهي من الحرير الأصفر المزركش بالذهب منقوشة باسمه وألقابه. وكانت العادة أن تحمل هذه العصائب فوق رأس السلطان عند الركوب إلى هذا الميدان خاصة وفي يوم العيد، وعندما يدخل إلى القاهرة عائداً من السفر أو إلى مدينة من مدن الشام
ولم يكن في هذا اليوم يستظل بالمظلة، فإن رفعها كان خاصاً بأيام العيد أو عند دخول المدينة أو في المواكب التقليدية الكبرى
وجاء خلف السلطان جماعة الأمراء أولهم المشاة يحفون به على هيئة دائرة، وهم الطبردارية الذين يحملون الأطبار المشهورة ولعلها السيف المعوجة التي يسميها الفرنج (السابر)، وكانوا في العادة من كبار الأكراد، ويليهم بعد ذلك الأمراء الفرسان يسيرون بحسب مراتبهم: فنائب السلطنة، ثم الوزير وأرباب الوظائف الكبرى، ثم المئين مقدموا الألوف، ثم الطبلخانات، ثم أمراء العشرات، ثم المماليك
فإذا ما انتهى الركب إلى الميدان واستقر مجلس السلطان هنيهة في ظلال الأشجار الوارفة التي حول الميدان أمر ببدء اللعب واشترك هو مع الأمراء الكبار فلعبوا الكرة بالصوالج وهم ركوب على الخيل، وانتهزوا فرصة اللعب فاظهروا من المهارة في ركوب الخيل والتحرك فوقها أثناء جريها ما يدهش الألباب
فإذا انتهى اللعب في ذلك اليوم دعا السلطان الاثنين اللذين برزوا في اللعب من الأمراء وانعم عليهما بحوائص الذهب وهي مناطق ثمينة من الذهب يبلغ ثمن الواحدة أحياناً مائتي
стр. 11366
دينار أو يزيد؛ وكان هذا التقليد مخصوصاً لكبار الأمراء المقدمين، فكان السلطان بذلك ينعم بالحوائص على كل الأمراء المقدمين تدريجاً حتى يتم إنعامه على الجميع مرة في مدى ثلاث سنوات أو أربع
وبعد أن ينتهي من الإنعام بالحوائص يدعو المبرزين من كل طبقات الأمراء ويهدي إليهم الخيول الجياد، فكان يعطي الأمراء الكبار من أمراء المئين والطبلخانات خيولاً مسرجة ملجمة، ثم يختار بعض أمراء العشرات فيجعل لهم حظاً من ذلك الإنعام أيضاً، ويزيد عطاؤه للمقربين من كبار أمراء حرسه الخاص فيجود عليهم بالجياد عشرات لا آحادا
فلقد كان خروج السلطان إلى ذلك الميدان أحد موسمين للإنعام بالخيول على الأمراء، وكان الموسم الآخر عند خروجه إلى مرابط خيله في الربيع
وبعد، أفلم تكن تلك التقاليد المقررة جديرة بأن نذكرها ونحتفظ بذكراها ليكون جيلنا الحاضر مرتبطاً بالأجيال الماضية ارتباط البناء بالأساس؟
محمد فريد أبو حديد
стр. 11367
الجوع الروحاني
لأستاذ جليل ينم عليه أسلوبه
أتحفنا الأستاذ المازني منذ أيام بمقال ممتع (في الحب)، ثم أعقبه بمقال آخر تحدث فيه عن (الحب الأفلاطوني) و (الوفاء في الحب)
فقال عن الحب أنه (ضرب من الجوع، أو هو إذا شئت نوع من التنبيه تلجأ إليه الطبيعة لتغرينا بما يكفل المحافظة على النوع)
وقال عن الحب الأفلاطوني والوفاء: انهما لا يوجدان مع الصحة والسلامة، وإذا كان من الممكن أن يشبع الجائع بالنظر إلى الطعام في أطباقه على السفرة، فانه يكون من الممكن أيضاً إرضاء عاطفة الحب عند الرجل السليم المعافى بالنظر إلى المرأة والاستماع إلى حديثها، والتمتع بابتسامتها، ورشاقة وقفتها، وحسن جلستها؛ والذي يقنع من المرأة بذلك يكون أحوج إلى الطبيب المداوي منه إلى المرأة)
وقال الأستاذ عن الوفاء: (أما الوفاء فأكرم به وأنعم! ولكن أين في دنيانا من يصبر على طعام واحد وفي وسعه ألا يفعل؟ وإني أسأل القارئ وأعفيه من الجواب العلني: أي رجل لم ينقض عهداً بالوفاء؟. . . والمرأة كالرجل، وشأنها كشأنه، وكذاب من يقول - وكذابة من تدعي - غير ذلك، ولست أدعو إلى شيء. وحاشى أن أفعل، ولكني أصف واقعاً وأقر حقاً لا يكابر فيه إلا منافق يريد أن ينتحل فضلاً على حسابي وحساب الحقيقة)
وأورد الأستاذ في هذا المعنى بيتين من الشعر قالهما قبل أن يهجر القريض - مأسوفاً عليه من مقدري فضله:
يا عقيدي طامن الله حشاك … لن تراني شاكياً وهي حبالك
أين من (طينتنا) أين الفكاك … أنت إنسان على فرط جمالك
وإني مع فرط احترامي لآراء الأستاذ وإعجابي بها دائماً، بل وعلى الرغم من إعجابي بأفكاره هذه التي عرضها في مقالة الأخير، أقول إني أحسست بأني شخصياً قد سُببت. وكلما مر نظري على قوله: (كذاب من يقول، وكذابة من تدعي انتفضت وأحسست بالدم يصعد إلى رأسي شأن من يكون مقبلاً على شجار والعياذ بالله! وكلما أعدت البصر في قوله أنه (يقر حقاً لا يكابر فيه إلا منافق يريد أن يفعل كذا وينتحل كذا)، أحسست كأنما
стр. 11368
تتحشرج في حلقي عبارة: (اختش يا رجل) أو: (أحفظ مقامك يا أخينا أنت وإلا. . . .) أو غير ذلك من العبارات التي تسبق التماسك عادة بين الغريمين!
ذلك باني أنا أومن بالحب الأفلاطوني، وأومن بالوفاء؛ وإن كان الأستاذ قد قال في معرض الكفر بهذين المذهبين: (وأنا لا أدعو إلى شيء وحاشاي أن أفعل)؛ فهأنذا أقول باني أدعو إلى الإيمان بالحب الأفلاطوني وبالوفاء.، وقصاراي أن أفعل!
ولأبدأ أولاً بأن أقول مع الأستاذ أن الحب اشتهاء؛ فإلى هنا نحن متفقان. ولكن يبدو لي مع الأسف أن هذا هو كل ما بيننا من توافق، فانه يقول بعد ذلك رأسا إن الحب تنبيه للجسم ليعمل على حفظ النوع. بينما أنا أتابع الحديث بأن الجوع أنواع، وأن الأصل فيه جوع المعدة إلى الطعام، وأن لكل حاسة من حواس الجسم نوعا من الجوع تكابده وتعمل على إشباعه، وان الأذن مثلاً تجوع وغذاؤها الموسيقى؛ ويحس الجائع في هذه الحالة باشتهاء مُلِح إلى استماع الألحان. والعين كذلك تجوع ولكنها تجوع إلى الجمال، وقد يبلغ من جوعها أن تضطرب أعصاب صاحبها وتفسد عليه شؤونه إلى أن يمن الله عليه بصورة جميلة تقر لها عينه وتطمئن بها نفسه، مع أنه لا يبغي من هذه الصورة أكثر من أن يجلو بها عينيه. وأجهزة الجسم جميعها تجوع. ولعل الحب الذي كتب عنه الأستاذ هو جوع الجهاز التناسلي، وهو الجوع إلى المرأة وليس الجوع إلى الجمال، فأن جميع (الأعراض) البادي في ذلك المقال (تشخص) هذه الحالة
وإذا كنت موفقاً في التعبير فأني أعتقد أن هذا القول فيه ما يكفي لفتح الطريق أمام الحب الأفلاطوني الذي سد الأستاذ في وجهه الأبواب ووقف من دونها يقول: (أين الكذاب الذي يقول أن شيئاً يقوم وراء هذا الباب؟! وأنت أيها المكابر يا من تريد أن تنتحل فضلاً على حسابي وحساب الحقيقة: يا منافق. . يا بن الـ. . .) إلى أخر تلك الثورة التي لا سبيل لي مع الأسف إلى اتقاء أذاها غير أن أنشر هذه الكلمة بدون توقيع، وأترك الفضل بعد ذلك في انتحالها لمن شاء وأمري إلى الله!
أن الحب الأفلاطوني نوع من المغناطيسية الآدمية. وكل متعة المحب فيه أن يكون قريباً من حبيبه. لأن حبه هو حب الروح التي تعمل على حفظ (المزاج) لا حب اللحم والأجهزة السفلية التي تعمل على حفظ (النوع)
стр. 11369
ولعل من أبرع الأمثلة على هذه الحالة قول قيس في بعض أشعاره:
تعلقت ليلى وهي ذات تمائمي … ولم يبد للنظار من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا … صغيرين لم نكبر ولم تكبر البهم
فأنت ترى أن هذا الصبي المحب كان محباً قبل أن يتنبه فيه جهازه الجنسي، ولم يكن يصلح مطلقاً للمحافظة على النوع، بل أن ليلاه لم يكن قد تفتح في جسمها شيء من منبهات ذلك الجهاز. أفلست تسمعه إذ يقول: ولم يبد للنظار من ثديها حجم!
وأنا إذ أقول بوجود الحب الأفلاطوني لا أنكر حب (النوع) ولا أعيبه - وحاشاي أنا أيضاً أن أفعل - بل إني لأقول بإمكان اجتماعهما في نفس واحدة، ولكن الذي يعنيني هنا أن أثبت وجود هذا الحب الأفلاطوني الروحاني البريء الذي أحسه أحياناً، والذي يهمني جداً أن أطمئن غيري على وجوده ليتعلم كيف يحسه هو الآخر عند اللزوم. ذلك لأنه ضرورة من ضرورات الرجل المهذب الذي يريد أن يشعر أحياناً أنه ليس حيواناً دائماً، وأنه قد يسمو في بعض الأوقات فوق اعتبارات هذه المادة المظلمة التي هي جسمه وأجهزته الدنيا
يروى عن (المهدي) أنه لما هرب من المأمون ذهب إلى عمته فوكلت بخدمته جارية لها اسمها ملك، وكانت هذه غاية في الحسن فاحبها المهدي - أعني على طريقتي أنا لا على طريقة الأستاذ المازني - فكره أن يحدثها حديث (النوع)، وأنه قد حصل لجسمه تنبيه ليعمل على بقاء السلالة البشرية في دولة أمير المؤمنين، ولكنه تسامى بحبه إلى الغناء، فبينما هي قائمة على رأسه ذات يوم تَغَنى بهذين لبيتين:
يا غزالاً لي إليه … شافع من مقلتيه
أنا ضيف وجزاء الض … يف إحسان إليه
فلما انصرفت الجارية من عنده أخبرت سيدتها بما سمعت من مولاها، فوهبتها له؛ فلما رجعت الجارية إليه بعد ذلك أعاد غناءه، فاكبت الجارية عليه، فدفعها عن نفسه قائلاً: كُفي! ما أنا بخائن! فقالت له أن سيدتي وهبتني لك، فقبلها قائلاً: أما الآن فنعم!
هذه هي كلمتي عن الحب الأفلاطوني وعن الوفاء. وأرى أن القول بأن (طينة) الإنسان لا تتفق مع هذا الخلق العظيم كما يقرر الأستاذ في شعره إنما هو محاجَّة بالأساطير، وتدليل بشيء لم يقل أحد أن له قوة الدليل. ونظيره أن يتقدم الشاهد إلى المحكمة مثلا ليقول أنه
стр. 11370
سمع (بالإشاعة) أن فلاناً قتل فلاناً، فان كان مثل هذا الشاهد يجد المحكمة التي تقيم لشهادته وزناً، فسوف يجد حديث (طينتنا) من يستمع له!
وبعد. فما هي مهمة الكاتب الاجتماعي؟ أهي أن يقرر الأمر الواقع أمام الأشهاد الذين يشهدونه، فإذا فرغ من ذلك انصرف عنهم يقنع نفسه بأنه أدى رسالته؟ أم هي أن يتسامى بقرائه إلى المُثل العليا التي تملأ أحلامه وتتجسم في تفكيره حتى ليعتقد فعلاً بوجودها ولو لم تكن موجودة؛ فيبشر لها في كتاباته، ويصبح بذلك أهلاً لحمل هذا اللقب الكبير.
لقد قال فولتير: (إن الله لو لم يكن موجوداً لوجب على الناس أن يوجدوه)، والمعنى أن الناس لا تستقيم لهم حال إلا على أساس أن الله موجود، وانه من ورائهم محيط، يجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. وهذا ما يصح أن نقوله الآن عن الحب الأفلاطوني وعن الوفاء، فان شيئاً من هذا إن لم يكن موجوداً لوجب علينا أن نوجده
أن المغريات المادية أصبحت تحيط بالإنسان من كل جانب، وهي تعمل دائبة على أن تعلق بأقدامه وتهوي به في القرار. فما لم يكن له نصيب من تلك المثل العليا ليحتفظ له بمستواه الآدمي العالي ينحط إلى الدرك الأسفل الحيواني
فالأفلاطونية والحالة هذه مزاج لابد منه للمذهب المادي الذي يطغى الآن على المجتمع، ويكاد يوقعه في شر أعماله. فمن لهؤلاء الناس باليد التي تنتشلهم مما هم فيه إن لم يجدوها عند الأستاذ المازني - وأضرابه - وهم كما يحس الأستاذ نفسه قليلون؟
(أفلاطوني)
стр. 11371
حوادث الشرق الأقصى
الصراع بين اليابان وأوربا حول سيادة الصين وآسيا
بقلم باحث دبلوماسي كبير
يضطرم الشرق الأقصى كما تضطرم أوربا ويضرم شرق أفريقية بحوادث خطيرة سياسة وعسكرية؛ وتتخذ هذه الحوادث لأول وهلة صبغة محلية، وتبدو متفرقة لا تربطها رابطة عامة؛ ولكن هذه النظرة السطحية لا تعبر عن الحقيقة المستترة؛ ذلك أن هذه الحوادث الخطيرة التي تجوزها القارات الثلاث تربطها جميعاً عوامل وظروف مشتركة: فالحرب الإيطالية في شرق أفريقية هي نتيجة لتطورات السياسة الاستعمارية الأوربية، وتوغل اليابان في الأراضي الصينية هو نفثة من نفثات الصراع بين الجنس الأصفر والاستعمار الغربي، ونتيجة لتطورات السياسة الأوربية العامة، وانشغال أوربا بمعاركها السياسية الداخلية، بل إن هذه الحوادث التي تقع في أماكن وأقطار متباعدة تكون في الواقع وحدة متماسكة الاطراف، فهي جميعاً ثمرة تلك الثورة العميقة الجامعة التي تجيش بها السياسة الدولية منذ بضعة أعوام، والتي تسفر عن نتائجها الخطيرة تباعاً في سلسلة من الحوادث متصلة الحلقات برغم تباعدها وتباينها
وفي الشرق الأقصى في سهول الصين الشاسعة، تضطرم بين أوربا وآسيا معركة هائلة، ربما كانت حاسمة في مصاير الجنس الأصفر والاستعمار الأوربي؛ فاليابان التي هي اليوم زعيمة الجنس الأصفر بلا منازع، تتوغل في أقطار الصين الشاسعة تباعاً غير مكترثة بأية مقاومة محلية أو خارجية؛ وقد كانت الصين قبل الفورة اليابانية الأخيرة تعتبر دائماً ميداناً خصباً للاستعمار الغربي؛ ولا تزال الدول الأوربية الكبرى تبسط نفوذها الاقتصادي على مناطق غنية شاسعة في شرق الصين وجنوبها، وهذه الدول تنظر اليوم إلى مركزها في الصين بعين التوجس والجزع؛ بيد أن المعركة الكبرى تنشب في الحقيقة في شمال الصين الشرقي حيث تلتقي اليابان وروسيا وهما العدوتان الخالدتان اللتان يتمثل في صراعهما اليوم صراع الجنسين الأصفر والأبيض؛ وقد وقعت أخيراً في شمال الصين حوادث ومعارك خطيرة تؤذن بأن هذا الصراع يتخذ اليوم صورة حاسمة؛ فاليابان التي غزت منشوريا واحتلتها منذ سنة ١٩٣١، وأقامت فيها إمبراطورية صورية باسم منشوكيو،
стр. 11372
تتقدم اليوم في الصين صوب الجنوب وصوب الشرق. ونظرة سريعة إلى خريطة الصين ترينا إلى أي حد وصل التوغل الياباني في الصين الوسطى حتى شمل اليوم مقاطعات برمتها في شهيلي وشاهار، وتعدى السور الكبير إلى حدود بكين عاصمة الصين القديمة؛ وقد استطاعت اليابان أخيراً بحركة ضغط عسكرية وسياسية قامت بها أن ترغم الحكومة الوطنية الصينية (حكومة نانكين) على الموافقة على إقامة نظام سياسي وإداري خاص في بعض المناطق الوسطى بحيث تخرج عن نفوذ الحكومة الوطنية وتقع تحت نفوذ السلطات اليابانية؛ بيد أن اليابان لا تلقى أعظم مقاومة في هذه النقطة من الصين، بل يلوح لنا أن الصين ذاتها قد أخذت تذعن أخيراً للأمر الواقع، وترى التقدم الياباني أمراً لا مندوحة عنه ولا سبيل إلى رده؛ وترى الحكومة الوطنية وعلى رأسها الجنرال شانج كاي شك، أن تطور مصاير الصين على هذا النحو خير من بقائها فريسة لمشاريع الاستعمار الغربي؛ أولاً لأن الصين لا تستطيع مقاومة اليابان، وثانياً لأنها تنشد السلام الداخلي، وتطمح إلى إلغاء المعاهدات الأجنبية التي استطاعت الدول بمقتضاها أن تتوغل في شؤونها ومرافقها، وكذلك إلى استعادة سلطانها ونفوذها في منغوليا والتركستان الصينية، حيث يسود النفوذ الروسي، والتبت حيث يسود النفوذ البريطاني، ولا تستطيع الصين أن تطمح إلى تحقيق هذه الآمال ما لم تعتمد على معاونة حليف قوى كاليابان، هذا فضلاً عن أن هناك من الروابط الجنسية والاجتماعية بين اليابان والصين ما يخفف وقع النفوذ الياباني، ويحمل الشعب الصيني على تفضيله على أي نفوذ أجنبي آخر
وإنما يضطرم الصراع الحقيقي في شمال الصين بين اليابان وروسيا. وقد كانت الحرب اليابانية الروسية في سنة ١٩٠٤ عنواناً للصراع بين الجنس الأصفر والجنس الأبيض، وكانت هزيمة روسيا في تلك الحرب فاتحة النصر الحقيقي للجنس الأصفر ومثاراً لمخاوف أوربا والاستعمار الغربي في آسيا؛ ذلك لأنه لأول مرة في التاريخ تنتصر دولة آسيوية لم تنفض عنها بعد غمر الماضي المظلم على دولة أوربية عظمى، وترغم أوربا على الاعتراف بتفوقها العسكري والسياسي؛ بيد أن روسيا استطاعت رغم هزيمتها أن تحتفظ بمعظم أملاكها ومناطق نفوذها في الصين؛ ومع أن اليابان خرجت من تلك الحرب بمغانم استعمارية كبيرة منها استيلاؤها على بورت أرثر، ونصف جزيرة سخالين، والسكة
стр. 11373
الحديدية الشرقية، وتوطد نفوذها في كوريا التي غدت فيما بعد مقاطعة يابانية، فإنها لم تفتأ منذ انتصارها تحاول توسيع نفوذها في تلك المنطقة على حساب النفوذ الروسي، وما زالت روسيا من جانبها تقاومها بكل الوسائل، وتعمل على وقف أطماعهما ومشاريعها؛ ولم يحد البلاشفة عن سياسة القياصرة في هذا الشأن، فقد عملت روسيا السوفيتية بكل ما وسعت على توطيد سياستها ونفوذها في الصين، ووقفت تناضل اليابان وجها لوجه، وكادت في الأعوام الأخيرة أن تشتبك معها غير مرة في حرب استعمارية، ومع أنها اضطرت أخيراً أن تبيع لليابان حقوقها في السكة الحديدية الشرقية تجنباً للاصطدامات الخطرة، فان النضال السياسي ما يزال بين الدولتين على أشده، وقد أسفر في الأسابيع الأخيرة عن عدة حوادث ومناوشات دموية دلت على تفاقم خطر الحرب في الشرق الأقصى
ويدور الصراع الآن بين اليابان وروسيا حول منغوليا التي تشغل مساحة شاسعة في شمال الصين والتي تجاور منشوكيو من الغرب؛ وتنقسم منغوليا سياسياً إلى قسمين أحدهما منغوليا الشمالية أو منغوليا الخارجية وهي تجاور سيبيريا وتقع تحت السيادة الروسية، وقد حولها البلاشفة منذ أعوام إلى جمهورية سوفيتية باسم (تشيتا)؛ ومنغوليا الجنوبية أو منغوليا الداخلية، وقد كانت من قبل وحدة سياسية مستقلة داخلياً تحت حماية الصين، ولكمن السياسة البلشفية استطاعت منذ سنة ١٩٢٤ أن تجذبها إلى حظيرتها وأن تجعل منها جمهورية مستقلة حليفة لموسكو؛ ومن جهة أخرى فان التركستان الصينية تقع تحت النفوذ السوفيتي، وقد وقعت فيها أخيراً حوادث وتطورات أدت إلى انفصالها عن الصين؛ وهكذا تسيطر روسيا على معظم أنحاء الصين الشمالية والغربية، بينما تسيطر اليابان على الأقاليم الشرقية الشمالية وبعض الأقاليم الوسطى؛ ويحتدم النضال بين الدولتين الاستعماريتين الكبيرتين حول السيادة والغلبة في تلك الإمبراطورية الصينية الشاسعة التي تنقسم اليوم إلى وحدات سياسية عديدة تمهد بتنافسها وخصامها المستمر إلى تسرب النفوذ الأجنبي وتوطيده
وتمثل اليابان هذا الصراع الهائل الجنس الأصفر والجامعة الآسيوية، وتستعد لخوضه بجميع قواها السياسية والعسكرية والاقتصادية؛ وتمثل الروسيا فيه مصالح الجنس الأبيض والاستعمار الغربي في آسيا؛ ومع أن روسيا السوفيتية لا تحظى بكثير من عطف الدول الغربية، فإنها تعتبر مع ذلك حاجزاً منيعاً في سبيل الزحف الياباني نحو الغرب، وتؤيدها
стр. 11374
الدول الاستعمارية الكبرى في هذا الصراع؛ ذلك أن تقدم اليابان نحو الغرب والجنوب يكون معناه انهيار صرح أوربا الاستعماري في الصين، ويكون نذيراً بتقويض السيادة البريطانية في الهند، والسيادة الفرنسية في الهند الصينية، والسيادة الهولندية في جاوه وسومطره؛ ونذيراً بتقويض سيادة السوفيت في منغوليا والتركستان؛ وتقويض صرح الاستعمار الغربي في هذه البلاد والأقاليم الشاسعة الغنية، معناه تقويض سيادة أوربا الاقتصادية في آسيا وضياع تلك الأسواق الرابحة التي غنمتها في ظل هذه السيادة التي تؤيدها جميع الوسائل والقوى الاستعمارية المادية والمعنوية
وليس من شك في أن اليابان تتقدم في هذا السبيل بخطى واسعة تزعج أوربا وتروعها؛ فالصناعة اليابانية التي تدعمها ظروف محلية مدهشة تتقدم في جميع الميادين بخطى هائلة، وقد غزت التجارة اليابانية الأسواق الآسيوية القديمة بسرعة مدهشة، وتخطى هذا الغزو إلى أوربا وأخذ يحدث الارتباك والذعر في أسواقها، وأخذت أوربا تفكر في مصايرها الاقتصادية التي تدعمها في آسيا وأفريقيا سيادة استعمارية تجوز اليوم في آسيا أمام الغزو الأصفر مأزقاً من أخطر المآزق، والواقع أن اليابان تخوض غمار النضال مع الغرب في ظروف حسنة جداً، فأوربا تشغل اليوم إلى أقصى حد بمشاكلها ومسائلها الخاصة؛ وبينما تشخص الأبصار نحو ألمانيا ونهوضها الحربي، وبينما تشتغل فرنسا بالتحوط لمقاومة ألمانيا وتوطيد تحالفها مع السوفييت، وتشتغل إيطاليا بحلمها الاستعماري، وتشتغل إنكلترا بمقاومة مشاريع إيطاليا الاستعمارية، إذا باليابان تحصر اهتمامها ومشاريعها في الصين، وتنذر أوربا وأمريكا في جرأة وصراحة أن ارفعوا أيديكم عن الصين، وتعلن عزمها على مقاومة أي تدخل أو محاولة استعمارية جديدة من جانب الدول في الصين، على نحو ما يقرره مبدأ مونرو الأمريكي بالنسبة لأمريكا؛ وقد كانت الدول الأوربية تعتمد من قبل على اضطرام المنافسة بين اليابان وأمريكا حول السيادة في المحيط الهادي، واشتغال اليابان بأمر هذه السيادة والتحوط لضمانها وتوطيدها، وكانت السياسة الأمريكية منذ أعوام تتجه فعلا إلى مناوأة اليابان والحد من أطماعها، ولكن أمريكا اليوم ترتد إلى سياستها القديمة، وتنظر إلى مشكلة الباسفيك بعين أخرى، وترى أن تقتصر على تأمين سلامتها البحرية في شرق المحيط، يدل على ذلك أنها تنازلت عن حمايتها على جزائر الفليبين التي كانت
стр. 11375
ترمى إلى اتخاذها من قبل قاعدة لمقاومة اليابان ومناوأتها؛ وإذاً ففي وسع اليابان اليوم أن تعمل حرة من هذه الناحية مطمئنة إلى موقف أمريكا وحيادها؛ وليس في وسع الدول الأوربية من جهة أخرى أن تقوم في الوقت الحاضر بأية حركة مشتركة لوقف الزحف الياباني نحو الغرب، ولا يقف في وجه اليابان اليوم سوى روسيا السوفيتية التي تشتبك معها كما بينا في عدة ميادين ومصالح خطيرة؛ وروسيا السوفيتية تعمل دائماً لمواجهة الخطر الياباني ورده، لأنه ينصب أولاً على سيادتها الاستعمارية الباذخة في آسيا، وهي من جهة أخرى تمثل قضية الغرب في هذا الصراع الجنسي والاقتصادي الخطير؛ ولكن روسيا تواجه في أوربا أيضاً خطراً أخر هو الخطر الألماني. وهو نفس الخطر الذي تواجهه فرنسا، ومن ثم تحالف الدولتين ضد الخطر المشترك؛ والسياسة البريطانية تشد أزر روسيا في هذا الصراع أيضاً، ولكنها تنظر من جهة أخرى بعين الارتياح إلى اشتغال روسيا بمقومة الخطر الياباني لأنه يحول أنظارها عن العمل لمناوأتها في الهند وأفغانستان
والخلاصة أن خطر الحرب يجثم في الشرق الأقصى، كما يجثم في أوربا، وتطورات الحوادث في الشرق والغرب تسير مرتبطة متفاعلة؛ وقد تضطرم شرارة الحرب الأولى في الشرق الأقصى، كما قد تضطرم في الغرب، ولكنها كفيلة بأن تفضي في أي الحالتين إلى إضرام نار الحرب العالمية الجديدة
(* * *)
стр. 11376
إبليس يعلّم. . .
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
قال أحمد بن مسكين: ودار السبتُ الثالث وجلستُ مجلسي للناس وقد انتظمت حلفتهم؛ فقام رجل من عُرض المجلس فقال: أن الحسن بن شجاع البلخي تلميذ الإمام أحمد ابن حنبل كان منذ قريب يحدثنا بأحاديث عن الشيطان، حفظنا منها قوله ﷺ : أن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي أحدُكم بعيره في سفره. وكان الحسن يقول في تأويله: أن شيطان الكافر دَهينٌ سمينٌ كاسٍ، وشيطان المؤمن مهزول أشعثُ أغبرُ عار. فهل يأكل الشيطان ويدّهن ويلبس ليكون له أن يجوع مع المؤمن ويعرى ويتشعَّث ويغبر؟
قال أين مسكين: فقلت في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله! ما أرى السائل إلا شيطان هذا السائل؛ فإن إبليس إذا أراد أن يسخر من العالم ويُسمعه طنزَه وتهكمه حرَّك من يسأله عنه ما هو وكيف هو؛ كأنما يقول له تنبَّه ويحك على معناي فأنت تتكلم وأنا أعمل، وأنت صورة من الرد عليَّ، ولكني حقيقة من الرد عليك، وأنت في محاربتك لي بالوعظ إلا كالذي يريد أن يضرب عنق عدوه بمائة اسم وضعت للسيف. .
قال: وكنت قد سمعت خبراً عجيباً عن أبي عامر قبيصة ابن عقبة الكوفي المحدِّث الحافظ الثقة أحد شيوخ أحمد ابن حنبل؛ وهو الرجل الصالح العابد الذي كان يقال له (راهب الكوفة) من زهده وعبادته واحتباس نفسه في داخله كأنما جسده جدار بين نفسه وبين الدنيا، فقلت والله لأغيظن الشيطان بهذا الخبر، فان أسماء الزهاد والعباد والصالحين هي في تاريخ الشياطين كأسماء المواقع التي تنهزم فيها الجيوش، وما الرجل العابد إلا صاحب الغمرات مع الشيطان، وكأنه يحتمل المكاره عن أمة كاملة بل عن البشرية كلها حيث كانت من الأرض؛ فالناس يحسبونه قد تخلى من الدنيا ويظنون الترك أيسر شيء، وما علموا أن الزهد لا يستقيم للزاهد حتى يجعل جسمه كأنه في نظام آخر غير نظام أعضائه ولا أشق من ذلك على النفس؛ ومعجزة الزاهد أنه مكلف أن يخرج للناس أقوى القوة من المعاني التي هي عند الناس أضعف الضعف؛ ولو أن ملكاً عظيماً تعب في جمع الدنيا وفتح الممالك حتى حيزَتْ له جوانب الأرض لكان عمله هذا هو الوجه الآخر لتعب الزاهد في مجاهدة هذه الدنيا وتركها
стр. 11377
قال أحمد بن مسكين: وقصصتُ عليهم القصة فقلت: كان أبو عامر قبيصة بن عُقبة كثير الفكر في الشيطان يود لو رآه وناقله الكلامَ، وكان يتدبر الأحاديث التي صح ورودُها فيه ويفسر معنى الشيطان بأنه الروحُ الحيُّ للخطأ على الأرض؛ والخطأ يكون صواباً محولاً عن طريقته وجهته، ولهذا كان إبليس في الأصل ملكاً من الملائكة وتحوَّل عن طبيعته حين خلق آدم ﵇، أي وجد في الكون روحُ الخطأ حين وجد فيه الروح الذي سيخطئ. فلما هبط آدم من الجنة وحرمها هو وزوجه وذريته كان إبليس لعنه الله هو معنى بقاء هذا الحرمان واستمراره على الدهر، فكأن هذه الآدمية أُخرجت من الجنة وأخرجت معها قوة لا تزال تصدها عنها ليضطربا في الكفاح ملياً من زمن هو عمر كل إنسان، وهذا هو العدل الإلهي، لم يعرف آدم حق الجنة فعوقب ألا يأخذها إلا بحقها، وأن يقاتل في سبيل الخير قوة الشر
وبات أبو عامر ذات ليلة يفكر في هذا ونحوه بعد أن فرغ من صلاته وقراءته، ثم هوَّم فكان بين اليقظة والنوم، وذلك حين تكون العينُ نائمةً والعقل لا يزال منتَبهاً، فكأن العينَ متراجعةٌ تبصر من تحت أجفانها بصراً يشاركها فيه العقل. فرأى شيخُنا أبو عامر صورة إبليس جاءه في زيّ رجل زاهد حسن السَّمْت طيب الريح نظيف الهيئة، وكاد يشَبَّه عليه لولا أنه قد عرفه من عينيه فإن عيني الكاذب تصدقان عنه، وقد علم الله أن الكاذب آدميِّ قَفَر فجعل عينيه كالعلامات لمن خاض الفلاة
وظهر الشيطان زاهداً عابداً تقياً كأنه دين صحيح خلق بَشَراً فصرخ فيه أبو عامر: عليك لعنة الله! أمعصية في ثوب الطاعة؟
قال إبليس: يا أبا عامر! لو لم تقل المعصية أنها طاعة لم يقارفها أحد. وهل خلقت الشهوات في نفس الإنسان وغريزته إلا لتقريب هذه المعاصي من النفس، وجعل كل منها طاعة لشيء ما؛ فتقع المعصية بأنها طاعة لا بأنها معصية. أولا ترى يا أبا عمر أن الحيلة محكمة في الداخل من الجسم أكثر مما هي محكمة في الخارج عنه، وأنه لولا أن هذا الباطن بهذا المعنى وهذا العمل لما كان لظاهر الوجود كله في الإنسان معنى ولا عمل؟
قال الشيخ: عليك لعنة الله! فما أرى الموت قد خلق إلا رداً عليك أنت ليتبين الناسُ انك الممتلئ الممتلئ ولكنك الفارغ الفارغ؛ بل كل شهواتك سخرية بك وردّ عليك، فلا طعم للذة
стр. 11378
من لذاتك إلا وهي تموت، وإنما تمام وجودها ساعة تنقضي؛ ومتى قالت اللذة قد انتهيت، فقد وصفت نفسها أبلغ الوصف
قال إبليس: يا أبا عامر ولكن اللذة لا تموت حتى تلد ما يبقيها حية، فهي تلد الحنينَ إليها وهو لا يسكن حتى يعود لذة تنقضي وتلد
قال الشيخ: معاني التراب، معاني التراب؛ كل نبتة فيها بذرتها. ولكن عليك لعنة الله لماذا جئتني في هذه الصورة؟
قال إبليس: لأني لا ألبس إلا محبةَ القلب الآدمي، ولولا ذلك لطردتني القلوب كلها وبطل عملي فيها؛ وهل عملي إلا التلبيس والتزوير؟ أفتدري يا أبا عامر إني لا أعتري الحيوان قط؟ قال الشيخ: لأن الحيوان لا ينظر إلى الشيء إلا نظرة واحدة هي نظره وفهمه معاً، فلا محل للتزوير مع هذه النظرة الواحدة؛ وصدق الله العظيم: (هل أُنَبِّئكم على من تَنَزَّل الشياطين؟ تَنَزَّلُ على كل أفّاكٍ أثيم) فأنت أيها الشيطان التزوير، والتزوير موضعه الكذب. فمن لم يكذب في الفكر ولا في النظر ولا في الفهم ولا في الرجاء فليس لك عنده عمل
قال إبليس: يا أبا عامر! وهل ترى رحمك الله أعجب وأغرب وأدعى إلى الهزء والسخرية من أن أعظم العقلاء الزهاد والعبّاد هو في جملة معانيه حيوان ليس له إلا نظرة واحدة في كل شيء؟
قال الشيخ: عليك وعليك؛ إن الحيوان شيء واحد فهو طبيعة مسخَّرة بنظامها، ولكن الإنسان أشياء متناقضة بطبيعتها، فألوهيته أن يُقرّ النظام بين هذه المتناقضات كأنما امتُحن فأعطى من جسمه كوناً فيه عناصر الاضطراب وحوله عناصر الاضطراب ثم قيل له دبِّره
فضحك إبليس. قال الشيخ: مم ضحكت لعنك الله؟
قال: ضحكت ممن أنك أعلمتني حقيقة الإبليسية، فالزهاد هم الصالحون لأن يكونوا أعظم الأبالسة
قال الشيخ: عليك لعنة الله فما هي تلك الحقيقة التي زعمت؟
قال إبليس: والله يا أبا عامر ما غلا إنسان في زعم التقوى والفضيلة إلا كانت هذه هي الإبليسية؛ وسأعلمك يا أبا عامر حقيقة الزهد والعبادة. فلا تقل أنها ألوهية تقر النظام بين متناقضات الإنسان ومتناقضات الطبيعة
стр. 11379
قال الشيخ: وتسخر مني لعنك الله؟ فمتى كنت تعلم الحقيقة والفضيلة؟
قال إبليس: أولم أكن شيخ الملائكة؟ فمن أجدر من شيخ الملائكة أن يكون عالمها ومعلِّمها؟
قال: عليك لعنة الله فما هي حقيقة الزهد والعبادة؟
قال إبليس: حقيقتها يا أبا عامر هي التي أعجزتني في نبيكم
قال الشيخ: ﷺ فما هي؟
قال إبليس: هي ثلاث بها نظام النفس ونظام العالم ونظام اللذات والشهوات: أن تكون لك تقوى، ثم يكون لك فكر من هذه التقوى، ثم يكون لك نظر إلى العالم من هذا الفكر. ما اجتمعت هذه الثلاث في إنسان إلا قهر الدنيا وقهر إبليس
فان كانت التقوى وحدها كتقوى أكثر الزهاد والرهبان، فما أيسر أن أجعل النظر منها نظر الغفلة والجبن والبلادة والفضائل الكاذب؛ وإن كان الفكر وحده كفكر العلماء والشعراء فما أهون أن أجعل النظر به نظر الزيغ والإلحاد والبهيمية والرذائل الصريحة
قال الشيخ: صدق الله العظيم: (إن الذين اتقوا ربهم إذا مسهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مُبصرون)
قال إبليس: يا أبا عامر! ما يضرني والله أن أفسّر لك فإن قارورة من الصَّبغ لا تصبغ البحر، وأنا أعد الزهاد والعلماء المصلحين فأضع في الناس بجانب كل واحد منهم مائة ألف امرأة مفتونة ومائة ألف رجل فاسق ومائة ألف مخلوق ظالم، فلو أنك صبغت البحر بملء قارورة حمراء لما صبغت البحر الإنسانيَّ بالزاهد والمصلح ما دام المصلح شيئاً غير السيف، وما دام الزاهد شيئاً غير الحاكم
قال الشيخ: لعنك الله من شيطان عارم، فإذا وضعت المصلح بين مائة ألف فاسد فهل هذه الطريقة شيطانية لإفساده؟
قال إبليس: ومائة ألف امرأة فتانة مفتونة يا أبا عامر كل واحدة تحسب جسمها. . .
فصرخ الشيخ: أغرب عني عليك لعنة الله!
قال إبليس: ولكن الآية يا أبا عامر. لقد لقيتُ المسيح وجرّبته وهو كان تفسيرها
قال الشيخ: ﵇! وعليك أنت لعنة الله! فكيف قال؟ وكيف صنع؟
قال إبليس: ألقيتُ به جائعاً في الصحراء لا يجد ما يطعمه ولا يظن أنه يجد ولا يرجو أن
стр. 11380
يظن؛ ثم قلت له: إن كنت روح الله وكلمته كما تزعم فمر هذا الحجر ينقلب خبزاً. فكان تقياً فتذكر فإذا هو مبصر، فقال: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. فمثل هذا لو مات جوعاً لم يتحوَّل، لأن الموت إتمامُ حقيقته السامية فوق هذه الدنيا، ولو ملئت له الدنيا خبزاً وهو جائع لم يتحول، لأن له بصراً من فوق الخبز إلى حقيقته السماوية؛ فليس بالخبز وحده يحيا بل بمعانٍ أخرى هي إشباع حقيقته السماوية التي لا شهوة لها
ثم ارتقيت به إلى ذروة جبل وأريته ممالك الخافقين كشفتها كلَّها لعينيه وقلت له: هذا كله لك إذا أنت سجدت لي. فكان متقياً فتذكر فإذا هو مبصر: أبصر حقيقة الخيال الذي جسَّمته له وعلم أن الشيطان يعطي مثل معاني هذه الممالك في جرعة خمر، كما يعطيها في ساعة لذة، كما يعطيها في شفاء غيظ بالقتل والأذى، ثم لا يبقى من كل ذلك باقٍ غير الإثم، ولا يصح منه صحيح إلا الحرام. ومن ملك الدنيا نفسها لم يبق لها إذا بقيت له، فهي خيال في جرعة الحياة كما هي خيال في جرعة الخمر
يا أبا عامر؛ أن هذا النظر الذي وراءه التذكر الذي وراءه التقوى التي وراءها الله، هذا وحده هو القوة التي تتناول شهوات الدنيا فتصفّيها أربع مرات حتى تعود بها إلى حقائقها الترابية الصغيرة التي آخرها القبر وآخر وجودها التلاشي
فالبصر الكاشف الذي يجرد الأشياء من سحرها الوهمي، هذا هو كل السر
قال الشيخ: لعنك الله فكيف مع هذا تفتن المؤمن؟
قال إبليس: يا أبا عامر هذا سؤال شيطاني. . . تريد ويحك أن تحتال على الشيطان؟ ولكن ما يضرني أن أفسرها لك. ليس الإيمان هو الاعتقاد ولا العمل، ولو كان من هذين لما شقَّ على أحد ولصلحت الدنيا وأهلها. إنما الإيمان وضعُ يقين خفيّ يكون مع الغريزة في مقرها، ويصلح أن يكون في مقرها لتصدر عنه أعمال الغريزة. وهذا اليقين لا يصلح كذلك إلا إذا كان يقيناً ثابتاً بما هو أكبر من الدنيا فيرجع إليه الإنسان فيتذكر فيُبصر. هناك ميراث من الآخرة للمؤمن، فاليقين بهذا الميراث هو سر الإيمان
والعمل الشيطاني لا يكون إلا في إفساد هذا اليقين ومعارضة الخيال العظيم الذي فيه بالحقائق الصغيرة التي تظهر للمغفل عظيمة كما تشب نار أكبر من قرص الشمس ثم يقال للأبله انظر بعينيك فيصدق أنها أكبر من الشمس
следующие страницы →