← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 11376–11415 · переход к 11381.

стр. 11376

إبليس يعلّم. . . للأستاذ مصطفى صادق الرافعي قال أحمد بن مسكين: ودار السبتُ الثالث وجلستُ مجلسي للناس وقد انتظمت حلفتهم؛ فقام رجل من عُرض المجلس فقال: أن الحسن بن شجاع البلخي تلميذ الإمام أحمد ابن حنبل كان منذ قريب يحدثنا بأحاديث عن الشيطان، حفظنا منها قوله ﷺ : أن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي أحدُكم بعيره في سفره. وكان الحسن يقول في تأويله: أن شيطان الكافر دَهينٌ سمينٌ كاسٍ، وشيطان المؤمن مهزول أشعثُ أغبرُ عار. فهل يأكل الشيطان ويدّهن ويلبس ليكون له أن يجوع مع المؤمن ويعرى ويتشعَّث ويغبر؟ قال أين مسكين: فقلت في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله! ما أرى السائل إلا شيطان هذا السائل؛ فإن إبليس إذا أراد أن يسخر من العالم ويُسمعه طنزَه وتهكمه حرَّك من يسأله عنه ما هو وكيف هو؛ كأنما يقول له تنبَّه ويحك على معناي فأنت تتكلم وأنا أعمل، وأنت صورة من الرد عليَّ، ولكني حقيقة من الرد عليك، وأنت في محاربتك لي بالوعظ إلا كالذي يريد أن يضرب عنق عدوه بمائة اسم وضعت للسيف. . قال: وكنت قد سمعت خبراً عجيباً عن أبي عامر قبيصة ابن عقبة الكوفي المحدِّث الحافظ الثقة أحد شيوخ أحمد ابن حنبل؛ وهو الرجل الصالح العابد الذي كان يقال له (راهب الكوفة) من زهده وعبادته واحتباس نفسه في داخله كأنما جسده جدار بين نفسه وبين الدنيا، فقلت والله لأغيظن الشيطان بهذا الخبر، فان أسماء الزهاد والعباد والصالحين هي في تاريخ الشياطين كأسماء المواقع التي تنهزم فيها الجيوش، وما الرجل العابد إلا صاحب الغمرات مع الشيطان، وكأنه يحتمل المكاره عن أمة كاملة بل عن البشرية كلها حيث كانت من الأرض؛ فالناس يحسبونه قد تخلى من الدنيا ويظنون الترك أيسر شيء، وما علموا أن الزهد لا يستقيم للزاهد حتى يجعل جسمه كأنه في نظام آخر غير نظام أعضائه ولا أشق من ذلك على النفس؛ ومعجزة الزاهد أنه مكلف أن يخرج للناس أقوى القوة من المعاني التي هي عند الناس أضعف الضعف؛ ولو أن ملكاً عظيماً تعب في جمع الدنيا وفتح الممالك حتى حيزَتْ له جوانب الأرض لكان عمله هذا هو الوجه الآخر لتعب الزاهد في مجاهدة هذه الدنيا وتركها

стр. 11377

قال أحمد بن مسكين: وقصصتُ عليهم القصة فقلت: كان أبو عامر قبيصة بن عُقبة كثير الفكر في الشيطان يود لو رآه وناقله الكلامَ، وكان يتدبر الأحاديث التي صح ورودُها فيه ويفسر معنى الشيطان بأنه الروحُ الحيُّ للخطأ على الأرض؛ والخطأ يكون صواباً محولاً عن طريقته وجهته، ولهذا كان إبليس في الأصل ملكاً من الملائكة وتحوَّل عن طبيعته حين خلق آدم ﵇، أي وجد في الكون روحُ الخطأ حين وجد فيه الروح الذي سيخطئ. فلما هبط آدم من الجنة وحرمها هو وزوجه وذريته كان إبليس لعنه الله هو معنى بقاء هذا الحرمان واستمراره على الدهر، فكأن هذه الآدمية أُخرجت من الجنة وأخرجت معها قوة لا تزال تصدها عنها ليضطربا في الكفاح ملياً من زمن هو عمر كل إنسان، وهذا هو العدل الإلهي، لم يعرف آدم حق الجنة فعوقب ألا يأخذها إلا بحقها، وأن يقاتل في سبيل الخير قوة الشر وبات أبو عامر ذات ليلة يفكر في هذا ونحوه بعد أن فرغ من صلاته وقراءته، ثم هوَّم فكان بين اليقظة والنوم، وذلك حين تكون العينُ نائمةً والعقل لا يزال منتَبهاً، فكأن العينَ متراجعةٌ تبصر من تحت أجفانها بصراً يشاركها فيه العقل. فرأى شيخُنا أبو عامر صورة إبليس جاءه في زيّ رجل زاهد حسن السَّمْت طيب الريح نظيف الهيئة، وكاد يشَبَّه عليه لولا أنه قد عرفه من عينيه فإن عيني الكاذب تصدقان عنه، وقد علم الله أن الكاذب آدميِّ قَفَر فجعل عينيه كالعلامات لمن خاض الفلاة وظهر الشيطان زاهداً عابداً تقياً كأنه دين صحيح خلق بَشَراً فصرخ فيه أبو عامر: عليك لعنة الله! أمعصية في ثوب الطاعة؟ قال إبليس: يا أبا عامر! لو لم تقل المعصية أنها طاعة لم يقارفها أحد. وهل خلقت الشهوات في نفس الإنسان وغريزته إلا لتقريب هذه المعاصي من النفس، وجعل كل منها طاعة لشيء ما؛ فتقع المعصية بأنها طاعة لا بأنها معصية. أولا ترى يا أبا عمر أن الحيلة محكمة في الداخل من الجسم أكثر مما هي محكمة في الخارج عنه، وأنه لولا أن هذا الباطن بهذا المعنى وهذا العمل لما كان لظاهر الوجود كله في الإنسان معنى ولا عمل؟ قال الشيخ: عليك لعنة الله! فما أرى الموت قد خلق إلا رداً عليك أنت ليتبين الناسُ انك الممتلئ الممتلئ ولكنك الفارغ الفارغ؛ بل كل شهواتك سخرية بك وردّ عليك، فلا طعم للذة

стр. 11378

من لذاتك إلا وهي تموت، وإنما تمام وجودها ساعة تنقضي؛ ومتى قالت اللذة قد انتهيت، فقد وصفت نفسها أبلغ الوصف قال إبليس: يا أبا عامر ولكن اللذة لا تموت حتى تلد ما يبقيها حية، فهي تلد الحنينَ إليها وهو لا يسكن حتى يعود لذة تنقضي وتلد قال الشيخ: معاني التراب، معاني التراب؛ كل نبتة فيها بذرتها. ولكن عليك لعنة الله لماذا جئتني في هذه الصورة؟ قال إبليس: لأني لا ألبس إلا محبةَ القلب الآدمي، ولولا ذلك لطردتني القلوب كلها وبطل عملي فيها؛ وهل عملي إلا التلبيس والتزوير؟ أفتدري يا أبا عامر إني لا أعتري الحيوان قط؟ قال الشيخ: لأن الحيوان لا ينظر إلى الشيء إلا نظرة واحدة هي نظره وفهمه معاً، فلا محل للتزوير مع هذه النظرة الواحدة؛ وصدق الله العظيم: (هل أُنَبِّئكم على من تَنَزَّل الشياطين؟ تَنَزَّلُ على كل أفّاكٍ أثيم) فأنت أيها الشيطان التزوير، والتزوير موضعه الكذب. فمن لم يكذب في الفكر ولا في النظر ولا في الفهم ولا في الرجاء فليس لك عنده عمل قال إبليس: يا أبا عامر! وهل ترى رحمك الله أعجب وأغرب وأدعى إلى الهزء والسخرية من أن أعظم العقلاء الزهاد والعبّاد هو في جملة معانيه حيوان ليس له إلا نظرة واحدة في كل شيء؟ قال الشيخ: عليك وعليك؛ إن الحيوان شيء واحد فهو طبيعة مسخَّرة بنظامها، ولكن الإنسان أشياء متناقضة بطبيعتها، فألوهيته أن يُقرّ النظام بين هذه المتناقضات كأنما امتُحن فأعطى من جسمه كوناً فيه عناصر الاضطراب وحوله عناصر الاضطراب ثم قيل له دبِّره فضحك إبليس. قال الشيخ: مم ضحكت لعنك الله؟ قال: ضحكت ممن أنك أعلمتني حقيقة الإبليسية، فالزهاد هم الصالحون لأن يكونوا أعظم الأبالسة قال الشيخ: عليك لعنة الله فما هي تلك الحقيقة التي زعمت؟ قال إبليس: والله يا أبا عامر ما غلا إنسان في زعم التقوى والفضيلة إلا كانت هذه هي الإبليسية؛ وسأعلمك يا أبا عامر حقيقة الزهد والعبادة. فلا تقل أنها ألوهية تقر النظام بين متناقضات الإنسان ومتناقضات الطبيعة

стр. 11379

قال الشيخ: وتسخر مني لعنك الله؟ فمتى كنت تعلم الحقيقة والفضيلة؟ قال إبليس: أولم أكن شيخ الملائكة؟ فمن أجدر من شيخ الملائكة أن يكون عالمها ومعلِّمها؟ قال: عليك لعنة الله فما هي حقيقة الزهد والعبادة؟ قال إبليس: حقيقتها يا أبا عامر هي التي أعجزتني في نبيكم قال الشيخ: ﷺ فما هي؟ قال إبليس: هي ثلاث بها نظام النفس ونظام العالم ونظام اللذات والشهوات: أن تكون لك تقوى، ثم يكون لك فكر من هذه التقوى، ثم يكون لك نظر إلى العالم من هذا الفكر. ما اجتمعت هذه الثلاث في إنسان إلا قهر الدنيا وقهر إبليس فان كانت التقوى وحدها كتقوى أكثر الزهاد والرهبان، فما أيسر أن أجعل النظر منها نظر الغفلة والجبن والبلادة والفضائل الكاذب؛ وإن كان الفكر وحده كفكر العلماء والشعراء فما أهون أن أجعل النظر به نظر الزيغ والإلحاد والبهيمية والرذائل الصريحة قال الشيخ: صدق الله العظيم: (إن الذين اتقوا ربهم إذا مسهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مُبصرون) قال إبليس: يا أبا عامر! ما يضرني والله أن أفسّر لك فإن قارورة من الصَّبغ لا تصبغ البحر، وأنا أعد الزهاد والعلماء المصلحين فأضع في الناس بجانب كل واحد منهم مائة ألف امرأة مفتونة ومائة ألف رجل فاسق ومائة ألف مخلوق ظالم، فلو أنك صبغت البحر بملء قارورة حمراء لما صبغت البحر الإنسانيَّ بالزاهد والمصلح ما دام المصلح شيئاً غير السيف، وما دام الزاهد شيئاً غير الحاكم قال الشيخ: لعنك الله من شيطان عارم، فإذا وضعت المصلح بين مائة ألف فاسد فهل هذه الطريقة شيطانية لإفساده؟ قال إبليس: ومائة ألف امرأة فتانة مفتونة يا أبا عامر كل واحدة تحسب جسمها. . . فصرخ الشيخ: أغرب عني عليك لعنة الله! قال إبليس: ولكن الآية يا أبا عامر. لقد لقيتُ المسيح وجرّبته وهو كان تفسيرها قال الشيخ: ﵇! وعليك أنت لعنة الله! فكيف قال؟ وكيف صنع؟ قال إبليس: ألقيتُ به جائعاً في الصحراء لا يجد ما يطعمه ولا يظن أنه يجد ولا يرجو أن

стр. 11380

يظن؛ ثم قلت له: إن كنت روح الله وكلمته كما تزعم فمر هذا الحجر ينقلب خبزاً. فكان تقياً فتذكر فإذا هو مبصر، فقال: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. فمثل هذا لو مات جوعاً لم يتحوَّل، لأن الموت إتمامُ حقيقته السامية فوق هذه الدنيا، ولو ملئت له الدنيا خبزاً وهو جائع لم يتحول، لأن له بصراً من فوق الخبز إلى حقيقته السماوية؛ فليس بالخبز وحده يحيا بل بمعانٍ أخرى هي إشباع حقيقته السماوية التي لا شهوة لها ثم ارتقيت به إلى ذروة جبل وأريته ممالك الخافقين كشفتها كلَّها لعينيه وقلت له: هذا كله لك إذا أنت سجدت لي. فكان متقياً فتذكر فإذا هو مبصر: أبصر حقيقة الخيال الذي جسَّمته له وعلم أن الشيطان يعطي مثل معاني هذه الممالك في جرعة خمر، كما يعطيها في ساعة لذة، كما يعطيها في شفاء غيظ بالقتل والأذى، ثم لا يبقى من كل ذلك باقٍ غير الإثم، ولا يصح منه صحيح إلا الحرام. ومن ملك الدنيا نفسها لم يبق لها إذا بقيت له، فهي خيال في جرعة الحياة كما هي خيال في جرعة الخمر يا أبا عامر؛ أن هذا النظر الذي وراءه التذكر الذي وراءه التقوى التي وراءها الله، هذا وحده هو القوة التي تتناول شهوات الدنيا فتصفّيها أربع مرات حتى تعود بها إلى حقائقها الترابية الصغيرة التي آخرها القبر وآخر وجودها التلاشي فالبصر الكاشف الذي يجرد الأشياء من سحرها الوهمي، هذا هو كل السر قال الشيخ: لعنك الله فكيف مع هذا تفتن المؤمن؟ قال إبليس: يا أبا عامر هذا سؤال شيطاني. . . تريد ويحك أن تحتال على الشيطان؟ ولكن ما يضرني أن أفسرها لك. ليس الإيمان هو الاعتقاد ولا العمل، ولو كان من هذين لما شقَّ على أحد ولصلحت الدنيا وأهلها. إنما الإيمان وضعُ يقين خفيّ يكون مع الغريزة في مقرها، ويصلح أن يكون في مقرها لتصدر عنه أعمال الغريزة. وهذا اليقين لا يصلح كذلك إلا إذا كان يقيناً ثابتاً بما هو أكبر من الدنيا فيرجع إليه الإنسان فيتذكر فيُبصر. هناك ميراث من الآخرة للمؤمن، فاليقين بهذا الميراث هو سر الإيمان والعمل الشيطاني لا يكون إلا في إفساد هذا اليقين ومعارضة الخيال العظيم الذي فيه بالحقائق الصغيرة التي تظهر للمغفل عظيمة كما تشب نار أكبر من قرص الشمس ثم يقال للأبله انظر بعينيك فيصدق أنها أكبر من الشمس

стр. 11381

ومتى صغر هذا اليقين وكانت الحقائق الدنيوية أكبر منه في النفس، فأيسر أسباب الحياة حينئذ يفسد المعتقد ويسقط الفضيلة، وبدرهم واحد يوجد اللص حينئذ أما إذا ثبت اليقين فالشيطان مع الإنسان يصغر ثم يصغر، ويعجز ثم يعجز، حتى ليرجع مثل الدرهم إذا طمع الطامع أن يجعل الرجل الغني الكثير المال لصاً من اللصوص بهذا الدرهم قال الشيخ: لعنك الله! فإن لم تستطع إفساد هذا اليقين فكيف تصنع في فتنة المؤمن؟ قال إبليس: يا أبا عمر أن لم استطع إفساد اليقين زدته يقينا فيفسد، واستحسان الرجل لأعماله السامية قد يكون هو أول أعماله السافلة. وبأي عجيب يكون الشيطان شيطاناً إلا بمثل هذا؟ قال أحمد بن مسكين: وغضب الشيخ فمد يده فاخذ فيها عنق إبليس وقد رآه دقيقاً، ثم عصره عصراً شديداً يريد خنقه فقهقه الشيطان ساخراً منه. وينتبه الشيخ فإذا هو يشد بيده اليمنى على يده اليسرى. . . . . . (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 11382

الضمير للدكتور إبراهيم بيومي مدكور مدرس الفلسفة بكلية الآداب غامض في لفظه غموضه في معناه، ومستتر رغم ما يبرز من آثار؛ هو أقرب الأشياء منا والزمها لنا، بل يكاد كل شيء فينا: (والمرء بأصغريه قلبه ولسانه) بيد أنا إن حاولنا توضيحه توارى بالحجاب وأمعن في الاستتار والخفاء. نؤمن بوجوده دون أن نراه أو نفهم في وضوح حقيقته؛ وكيف ننكره وفي إنكاره إنكار لأنفسنا وهدم الدعامة الأولى من دعائم شخصيتنا؟ يأمر فيطاع، وينهى فيستمع له، ويسر ويحزن، ويخالط عواطفنا وأحوالنا النفسية على اختلافها؛ يعقد محكمته في أسرع من لمح البصر، ويصدر أحكاماً غير قابلة للنقض والإبرام. لذلك اتجه إليه الواعظ في وعظه؛ وناداه رجل الدين في نصحه، وجعله الأخلاقي أساساً لدرسه، وتولاه عالم النفس بالبحث والتحليل يغلب على الظن أن العرب لم يستعملوا كلمة (ضمير) بمعناها الخلقي والنفسي الذي اصطلحنا عليه الآن؛ فانهم أطلقوها على القلب والباطن والسريرة فحسب. وهذا المعنى، وإن كان يقرب من العرف الحاضر، متميز منه تمام التميز. وفلاسفة الإسلام ومتصوفوه، برغم تحليلهم الدقيق لبعض العواطف النفسية كالعشق والشوق والندم والتوبة لم تجر كلمة (ضمير) على لسانهم إلا في دوائر تختلف كثيراً عما نحن فيه، ويظهر أن العرب قد استعاضوا عن هذه الكلمة بلفظ (زاجر) التي تؤدي معناها بعض الأداء: (من لم يكن له من نفسه زاجر، لا تنفعه الزواجر) فكلمة (ضمير) بمدلولها الفلسفي وضع حديث واستعمال يرجع به العهد فيما نعتقد، إلى أخريات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حين بدئ في ترجمة كلمة الأجنبية؛ وهذه الترجمة - وإن تكن صادقة في جملتها - مثار غموض واشتباه؛ لأنها تعبر عن الضمير الخلقي والنفسي بلفظ واحد. إلا أن اللغة الفرنسية وقعت في هذا الغموض من قبل واستعملت لفظاً مشتركاً للدلالة على الضمير من حيث مظاهره الخلقية وأحواله النفسية. وقد تنبه الألمان والإنجليز إلى هذا فخصوا الضمير النفسي بلفظ يميزه من الضمير الخلقي، وأصبح لعالم النفس كلمة يدل بها على الضمير غير تلك التي يستعملها الأخلاقي وما أجدر كل اصطلاح بأن يوضع له لفظ خاص يناسبه؛ غير أنه لا يفوتنا أن نلاحظ أن هذه التفرقة اللفظية إنما يراد بها فقط فصل العلوم بعضها

стр. 11383

عن بعض وقصر كل فن على مصطلحات معينة.، وإلا فالواقع يشهد أن الضمير الخلقي هو الضمير النفسي ملحوظاً فيه معنى الخير والشر. فليس في الإنسان ضميران يفصل أحدهما في الأحكام الخلقية ويتولى الآخر الأحوال النفسية. لكل منا ضمير واحد قد تتنوع أسماؤه بتنوع مظاهره ووظائفه لم يعن الإغريق بموضوع الضمير ولم يدرسوه الدراسة اللائقة به لا من الناحية الأخلاقية ولا من الناحية النفسية، ذلك لأن الأخلاق كانت تعتمد عند فلاسفتهم الأُوَل على أساس اجتماعي. فأفلاطون كان يتعزى عن شقاء الأفراد بما كان يرجو من سعادة الجمعية؛ وارسطو لا يكاد يفصل الحياة الخلقية من الحياة السياسية. نعم أن الأبيقوريين والرواقيين قد نحوا بالأخلاق منحى فرديا، وحاولوا أن يؤسسوا سعادة الفرد على الفرد نفسه؛ ولكنهم ذوو نزعة مادية تتنافى مع التحليل الروحي للضمير. ومن الناحية السيكولوجية نلاحظ أنه فات الإغريق، بل القدامى عامة أن يتميزوا وحجة الظواهر النفسية، التي هي أثر من آثار الضمير. وإن من جهل هذه الوحدة أو قال بنظريات تناقضها لا يستطيع أن يفهم الضمير على وجهه الصحيح. وفوق هذا فانهم كانوا يخلطون بين الضمير وبعض الأحوال النفسية؛ فأفلاطون مثلاً لا يفرق بينه وبين المعرفة، وأصحاب الرواق يطلقونه على معرفة الحق والباطل. وقد بقي أمر الضمير مهملاً إلى أن جاء صوفية القرون الوسطى من مسيحيين ومسلمين فأعاروه جانباً من العناية والدرس. والتصوف، وهو علم القلوب، لا يمكنه أن يغفل مشكلة الضمير وينسى ركناً تقوم عليه المناجاة الروحية. لذلك نسمع رجلاً كأبيلارد بين المسيحيين يحدثنا عن الضمير وأثره في الأعمال الخلقية؛ كما نرى الغزالي مثلاً بين المسلمين يشرح مراقبة النفس وقوة المحاسبة التي يمكن أن تنطبق على الضمير بمعناه الحديث. غير أن هذه المحاولات في جملتها محدودة وجزئية. وإلى رجال العصور الحديثة يرجع الفضل في شرح موضوع الضمير ومنحنه ما يتطلب من عناية ومجهود. وتكاد تكون المدرسة الأيقوسية أول من تنبه إلى هذا الجانب الهام من النفس والى أثره في الأخلاق. ثم تبعتها مدارس أخرى اعتنقت رأيها أو ردت عليها، إلى أن جاء وليم جيمس وبرجسون فدرسا الضمير دراسة نفسية قضت على كثير من النظريات القديمة، وغيرت مجرى التفكير في علم النفس إلى حد كبير. ولم يفت الاجتماعيين المعاصرين أن يعرضوا

стр. 11384

لمشكلة الضمير ويوضوحوها على ضوء البينة والظروف الاجتماعية. وهذه الدراسات مجتمعة ترمي إلى تحديد ماهية الضمير وحقيقته، وبيان أصله وطبيعته، وتوضيح قيمته ووظيفته، ثم إلى إثبات تنوعه بتنوع الأفراد والجماعات، وتطوره تبعاً لاختلاف العصور والأجيال في قرارة نفوسنا وحيث تتكون أفكارنا وتعد أحكامنا، هناك رقيب ملازم يشهدها ويقفنا عليها أولاً فأولاً؛ هذا الرقيب هو ضميرنا والشعور الروحي الذي نحس به على أثر أية حركة من حركاتنا النفسية، والإلهام المستمر الذي ينقل إلينا كل ما يجول بالخاطر. فالمرء حين يفكر يشعر في الوقت نفسه بما يصنع، ويدرك أن تفكيره من عمله وقطعة منه. وكذلك شأنه حين يفارق أو يوازن أو يتذكر معلومات قديمة أو يقضي في أمر بقضاء ما، أو يسر أو يحزن، أو يحب أو يبغض. وشعور الإنسان بتفكيره وإدراكه لخفايا قلبه ليس إلا معرفته لنفسه ووقوف روحه على ما تعمل. وعلى هذا فالضمير جزء لا ينفصل من الظواهر النفسية وأساس لكل أعمالنا الباطنية. هو الشخصية في صورتها البسيطة المجردة ومبعث النور الأول في الحياة العقلية. وخطأ أن نعده قوة مستقلة ومتميزة من الأحوال النفسية كالعين تتميز من الشيء المرئي. فقد انقضى الزمن الذي كان يقال فيه بتقسيم النفس إلى قوى منفصلة تقوم كل واحدة منها بقمل خاص. ولسنا في حاجة لأن نقرر هنا أن في الانفعالات مثلاً قدراً من التفكير لا يصح إنكاره، كما أن الجانب الفكري للإنسان في أرقى صوره مشوب ببعض العواطف والميول. على أن القول بالقوى أن صح بالنسبة لبعض مظاهر النفس، فواضح عدم انطباقه على الضمير الذي هو الشكل العام ونقطة الاشتراك والصورة الرئيسية لكل الأعمال العقلية. والمدرسة الأيقوسية وإن كانت من أول من عني بموضوع الضمير بين المحدثين أساءت من ناحية أنها عدته قوة قائمة بذاتها وشبهته بأحد النظارة يشهد رواية الحياة النفسية دون أن يقاسم فيها بنصيب وإذا كان الضمير شعور النفس بما تعمل، فسهل أن نتميز في هذا الشعور درجات بعضها أوضح من بعض. ففي اللحظات التي بين اليقظة والنوم نشعر بما يجري في نفوسنا شعوراً مبهماً غير محدود؛ والأحلام والرؤى تتصل من غير شك بالضمير في أغمض صوره، أو إن شئت فسمها مرحلة العقل الباطن، فإن جاوزنا هذه المرحلة وجدنا أحوالاً نفسية واضحة

стр. 11385

بعض الشيء إلا أنها سريعة وغير متمركزة، وما ألصق هذه الأحوال بالأعمال العادية والأمور المألوفة؛ فالضمير يدركها دون أن يقف أمامها طويلا. وبعد هاتين المرحلتين نصل إلى درجة فيها تفكير وروية وتذكر وانتباه وبحث ومجهود. وهنا تبدأ المعرفة الحق ويدرك الضمير عمله في وضوح. وعلماء نفس الطفل المعاصرون وعلى رأسهم كلاريد وبياجيه قد خصوا هذه المرحلة بقدر كبير من العناية، وبينوا كيف يخطو الناشئ نحو إدراك نفسه وتكوين معلوماته؛ ثم تجئ أخيراً مرحلة التفكير الإنساني في أسمى صوره، حيث تعرض المشاكل العلمية والفلسفية، ويجهد الإنسان نفسه في تفهمها وقلبها على وجوهها رجاء أن يصل إلى حل واضح مقنع، وما هذه المرحلة إلا امتداد لسابقتها وصورة مكبرة لها؛ والأبحاث العقلية في جملتها محك للضمير، ومبعث نضال نفسي مستمر يراد به الوصول إلى الأفكار الجلية النيرة يزداد فهمنا للضمير إذا بينا الخصائص التي تمتاز بها مظاهره؛ وقد عنى جيمس وبرجسون بشرح هذه الخصائص وتوضيحها التوضيح الكافي؛ وأول شيء يلحظه في الظواهر النفسية هو اختلاطها وتشعبها؛ فلا نكاد نجد أنفسنا أمام ظاهرة واحدة منعزلة، بل دائماً أمام مجموعات من أحوال نفسية مختلفة، أو كما يقول جيمس أمام حقول اكتسى بساطها بشتى الأزهار والألوان في ظاهرة نفسية واحدة، تلتقي احساسات متنوعة، وذكريات قديمة، وعادات ثابتة، وأفكار عديدة، وأحكام وتعليلات، وموازنات لا حصر لها؛ وهذه الأحوال النفسية كالأمواج الزاخرة تجري وتتغير من غير انقطاع؛ ومن هنا جاء تعبير جيمس المشهور: يثأر الفكر أو يثأر الضمير. فإحساسنا بشيء في حال اليقظة مختلف عنه في حال النوم؛ وإدراكنا لأمر ونحن متعبون يختلف عن إدراكنا له ونحن مستريحون؛ وشعور هذه اللحظة لا يتكرر مرة أخرى في نفس الظروف والمناسبات التي اقتضته، ولئن بدا تكراره لم يعْدُ ذلك المظهر العام؛ أما التفاصيل والجزيئات فمختلفة لا محالة، وكأن حركة التفكير كنهر جار تتابع موجاته إلى ما لا نهاية دون أن تعود موجة سيرتها الأولى؛ والفكرة الواحدة المستمرة التي تخطر ببالنا من حين لآخر دون تغيير أو تبديل أمر خيالي وبعيد عن الحقيقة. فنحن نحس الآن على صورة خاصة لن تستمر في اللحظة التالية، وما دمنا أحياء فنحن عرضة للتغيير، وما أصدق بسكال حين يقول:

стр. 11386

(الزمن يشفي الآلام والأحقاد لأنّا متغيرون ولا نحتفظ بشخصية واحدة، فلا المسيء ولا المُساء إليه يبقيان كما كانا) بيد أن القول بأن ظواهر النفس في حركة وتغير مستمر ليس معناه أن في تيار الضمير انقساماً أو انفصاماً أو تبايناً. فظواهر النفس في حركتها تدور حول نقطة واحدة وتتصل بأساس ثابت؛ وحياتنا الروحية في هذا الصباح ترتبط بحياتنا أمس دون أن يحدث النوم أي فراغ أو انقطاع في وحدتها. وعلى هذا فالحاضر من أحوالنا النفسية يحمل في طيّاته الماضي ويعد للمستقبل، وفي النفس حركة في انفصال وتغير في ارتباط. ومثل الحياة العقلية في هذا مثل قطعة موسيقية مكونة من نغمات مختلفة ومتميزة قد امتزجت واختلط بعضها ببعض فأنتجت لحناً منسقاً. وما ذاك إلا لأن أحوال النفس جميعاً متصلة بشخصية معينة، ومنجذبة نحو مركز واحد، ومنبعثة من شمس الضمير الوحيدة. وأوضح شيء في عمل النفس أنه يستلزم فاعلاً؛ ففكرة ما إما أن تنسب إليّ أو إليك أو إلى زيد من الناس. والفكرة التي لا أب لها لا أصل لها ولا وجود؛ على أنها إن وجدت فلا سبيل إلى تعرفها والتأكد منها، لأن ما نتبادله من أفكار إنما هو عمل أشخاص معينين محدودين. من خصائص مظاهر الضمير التي ألممنا بها سراعاً نتبين بطلان المذهب الذري الذي يزعم أن الحياة العقلية بأسرها ترجع إلى جملة أفكار بسيطة التقت وارتبطت ونتجت عنها أفكار أخرى مركبة؛ ومجموع هذه وتلك مسود بقانون تداعي المعاني. فالظواهر النفسية تتلخص في جملة وحدات وضع بعضها بجانب بعض، وفي مجرد انضمامها ما يكفي لتكوين حياة عقلية. تلك هي نظرية لوك ومن جاء بعده من رجال المدرسة الإنجليزية أمثال هيوم وميل وبين وسبنسر. ولا يبعد عن هذه النظرية كثيراً ما قال به كوندياك الفرنسي من أن الروح ليست لا مجموعة صور حسية توزعت إلى طوائف عدة فنشأت عنها القوى النفسية المختلفة. وكلتا النظريتين تهدم فكرة الضمير من أساسها، ولا ترى في النفس شيئاً سوى ما يمليه الحس. لذلك قام في وجهها الأيقوسيون من جانب، ومين دي بيران من جانب أخر، مثبتين أن في الروح حياة وقوة تجاوزت المدركات الحسية، ولولا هذه القوة وتلك الحياة ما نظمت آثار الحس، ولا نتجت عنا أفكار مستقيمة. هناك روح، هناك نفس، هناك شخصية، أو هناك ضمير، سمه ما شئت، والمهم أن الظواهر العقلية ليست مجرد

стр. 11387

أوضاع لصور حسية، أو لوحدات متحجرة لا حياة فيها، ولا تستطيع بالأولى أن تبعث الحياة في غيرها. وأعمال بينيه، ومدرسة فورتسورج الألمانية وجيمس وبرجسون في الخمسين سنة الأخيرة قائمة على شرح هذا الرأي ونصرته والآن وقد انضح الضمير في مظهره النفسي. يجدر بنا أن نفرق بينه وبين الضمير الخلقي، أو أن نحدد بعبارة أدق مهمته من الناحية الأخلاقية. في حين أن الضمير النفسي يقفنا على ما يجري في داخلنا، ويشاطر في الظواهر العقلية على اختلافها. يعني الضمير الخلقي بإصدار الأوامر الصالحة والحكم على الأعمال الإنسانية. فإذا ما تعلق بالمستقبل بدا أثره كصوت خفي يأمر وينهى، وإذا حكم على الماضي صحبت حكمه عواطف كثيرة من سرور أو ألم. (فصوت الضمير) هو ذلك النداء الخفي والوحي الشخصي الذي يدفعنا نحو غاية أو يصرفنا عنها. وهذا التعبير يظهر من أصل ديني صوفي؛ وقد جاء التحليل النفسي الحديث مزيداً له فإن المرء حين يقضي في أمر بقضاء ما يبدو كأنه تحت تأثير اتجاهات مختلفة، إن ساد أحدها ارتفع صوته وصدر أمره. وإذا كان صوت الضمير مبعث الأمر والنهي فوخزه مصدر الندم والألم. وكم اتجه أشخاص نحو جلائل الأعمال امتثالاً لأصوات ضمائرهم! وكم انصرف آخرون عن الشر لأنهم عانوا وخز الضمير وما جلبه عليهم من شقاء وبلاء (يتبع) إبراهيم مدكور

стр. 11388

تلخيص كتاب: الحاكمون بأمرهم تأليف جاك بانفيل بمناسبة وفاته في ١٠ فبراير سنة ١٩٣٦ للأستاذ عبد الحليم الجندي المحامي (أيها العظماء! هل تريدون المجد؟ موتوا) فكتور هيجو وهذا أيضاً رزء فادح نزل بفرنسا، إذ لم يكد جاك بانفيل يتبوأ مقعده بين الخالدين في كرسي الرئيس بوانكاريه في مارس الماضي حتى اختطفته يد المنون من مجلسه الرفيع؛ وهكذا فقدت فرنسا والمجمع في ثلاثة أعوام متعاقبة ثلاث كفايات متقاربة. فذهب بوانكاريه (الذي لا يرتشى ' ثم ذهب (لويس بارتو) صاحب (ميرابو) وصاحب (دانتون) وأخيراً مات بانفيل كان الثلاثة دعاة كبار لمجد فرنسا؛ ولكم شنوا الغارة على موجة الاشتراكية التي انداحت على أرض فرنسا فردتها خطوات واسعة إلى الوراء كان بوانكاريه في الحرب وفي السلم، وفي قصر الأليزيه أو في (الكي دورسيه) أو في (المحكمة) فرنسيا وفرنسيا فقط؛ وهكذا كان الشهيد (بارتو) حتى في (مصرعه) أما بانفيل فقد كان قلمه قوة فوق القوى. . . ولما استقبله (دوناي) عميد الأكاديمية في ٧ نوفمبر الماضي قال له: (إن المجمع يخلي بينك وبين مقعد الرئيس بوانكاريه، فلقد استطعت أن تقول للملأ الأعلى وللعالم أجمع ما كان يمنعه مركزه السياسي من أن يقول) مات رجل كان فرنسياً من قمة رأسه إلى أخمص القدم. . مات رجل كم حمل على إنجيل (سنت هيلين) ذلك الإنجيل الذي دعا فيه بونابرت إلى خلق الدول التي زلزلت من بعد إقدام فرنسا في الوجود. . مات أكبر أعداء ألمانيا في كتابه عن (نابليون) وفي كتابه (تاريخ ثلاثة أجيال)، وفي كتابه (تاريخ فرنسا)، وفي

стр. 11389

(الجمهورية الثالثة)، وفي (تاريخ أمتين)، وفي حملاته الكبرى مع شارل موراس وليون دوديه أبطال الحكم الملكي كانت توضع (مقايسة) جديدة لإنشاء جيل جديد كنت اقرأ له منذ أيام آخر كتاب أخرجه للناس وكان يقعدني العمل أو الكسل عن أن أنقل عنه كلمة للأدباء قراء (الرسالة)، فلما مات وضجت لموته فرنسا، ووقعت معارك (الاكسيون فرانسيز)، وكان الاعتداء على زعيم الاشتراكيين (ليون بلوم) كان علينا أن نلخص كتابه للناس وضع الناشر على الكتاب عبارة تنبئ عن غاية الكتاب قال: (لا تحكموا عليهم قبل أن تعرفوهم) وقدم المؤلف له بقوله (. . . الدكتاتورية ككثير من الأشياء قد تكون أسوأ نظم الحكم وربما كانت خير نظام؛ ولئن كانت خيراً أو شراً فان الظروف تلجئ إليها أحياناً فيخضع الناس لها دون أن يكون لهم حق الخيار. . . فعلى الشعوب ألا تضع نفسها في مثل هذه الظروف. .) ويناقش المؤلف ما يظنه البعض من أن الدكتاتورية اختراع ابتدعه العصر الحديث، فما هي إلا سيرة معادة من سير العصور الغابرة؛ ثم يعبث عبثاً مريراً بأحد الساسة الذي أطلق على أول دكتاتور معاصر لقب (قيصر الكرنفل) فلربما كانت الدكتاتورية سداً يقام أمام طوفان الشيوعية الحمراء أو الديمقراطية الرعناء؛ ولطالما كانت نداءاً حاراً للمساواة بين الناس، أو لتهذيب شِرة رأس المال؛ وكثيراً ما كانت لإقرار نظام النقد إذا شالت به كفة الميزان يهبط بانفيل ببحوثه إلى أعمق أغوار التاريخ قبل الميلاد فيفتتح الكلام ببحث عن (طغاة الإغريق وأولهم أول مشترع عرفه التاريخ (صولون) ثم (بركليس) ثم يسرع المؤلف بنا إلى روما وأبطالها الأربعة (ماريوس) و (سيلا) و (بومب) و (يوليوس قيصر)، وفي عجالته عنهم يضرب الأمثال ويذكر العبر. فهذا (ماريوس) يجشم جيشه مخاطر الحرب في (توسيديا بأفريقيا) ليثبت أقدامه في روما تماماً، مثلما يغامر (موسوليني) في الحبشة ليقوي أسبابه لدى الطليان. . . وهذان القنصلان (سيلا وبومبي) يخوضان إلى الحكم في بحار من الدم. وهذا (قيصر العظيم) فاتح الغال ومصلح القضاء وعدو الترف في أساليب فشستية تذكر به أحفاد الرومان في القرن العشرين فيديرون أعينهم نحو ذلك الطود الذي يسيطر على مصائر روما منذ أعوام

стр. 11390

ثم يطوى التاريخ طياً ليقف كل أمام أول دكتاتور في التاريخ الحديث فيسترعي نظره أن يكون (كرومويل) أول الدكتاتوريين ويكون في نفس الوقت أبرَّ أبناء أمة تسمى (أم البرلمانات)، وكأن الدكتاتورية ظاهرة تبدو مع الثورات دائماً أو مع الديمقراطية أو مع النظام النيابي نائب كمبردج في سنة ١٦٢٨ وقائد الخيالة في معترك الثورة سنة ١٦٤٤، ذلك الفيلق الذي اشتهر بأنه (الشاطئ الحديدي) والذي ارتفع على صهواته كرومويل إلى ذروة الزعامة المطلقة، ذلك مثلما عبر هتلر على أكتاف القُمُص السمراء، وكما وصل موسوليني بقمصان سود؛ فلما قتل شارل الأول واستتب الأمر للدكتاتور أعلن أن الحكم يومئذ للدين، وفي ٣٠ إبريل سنة ١٦٥٣ ذهب إلى دار النيابة يقول: (هيا يا قوم. . . كفانا سفسطة) وحل المجلس وانفرط عقد المساكين وعلق بيده على باب البرلمان لوحة مكتوباً عليها (. . . غرفة غير مفروشة للإيجار!!!) لكن الأيام مضت وألفى الطاغية نفسه وحيداً فأعاد البرلمان، وأخيراً بعد ١٤ عاما من الحرب الأهلية مات كرومويل وعاد شارل الثاني بعد أن تعلمت الأمة أن الملكية خير وأبقى، ولكن بعد أن تعلم الملوك درساً وهذا هو الكردينال العظيم: أبو فرنسا وأبو الأكاديمية يضع يده على مقاليد الحكم فهي فوضى مالها من قرار. فمن ملك حدثٍ في أكناف أم طائشة يهدد ملكه أمراء طامحون، إلى أمراء يمكنون لسيادتهم في الأرض كأنهم رؤوس تعلو مفارقها التيجان، إلى نزاع ديني بين (الهيجنوت) والدولة. . كل ذلك في الداخل، أما في الخارج فيت هيسبورج تقدح عيناه بالشرر؛ لكن الأب (ريشيليو) لا ينهزم، فيسلخ السنوات الأولى من (وزارته) في أخلد كفاح سياسي عرفه التاريخ لوزير، ويضرب الأمراء ضربات ليس فيها إشفاق، ويقتلع نفوذ الهيجونت من الأعماق؛ وبعد أن يوطد دعاماته في الداخل، يبعث إلى النمسا بفيوض الحماسة الفرنسية لتنتصر عليها في معارك دامية!. . كم يرسم المؤلف من رائع الصور وأسماها لهذا الأب وهو محموم ومحمول على محفة متواضعة يتنقل فيها بين أطراف الدولة ليستولي على قلعة أو ليخضع أميراً أو لينازل النمسا. . .! كل ذلك وهو في (جفن الردى وهو نائم) فان الأمراء لم ينصبوا له أقل من عشر مؤامرات دموية جهلاً منهم أن الفزع لا يعرفه قلب كهذا القلب، بل التهديد يكسب في أمثاله فيضاناً من الحياة، فلا يتردد

стр. 11391

في أن يستل من أحضان الملك صديقه (ساتمارس) و (دي ثو) ليقدمهما إلى المقصلة لأنهما وإضرابهما (مجرد خونة من الطراز المبتذل) ثم لا يتردد في أن ينفي من فرنسا أم ملك فرنسا، وبمرسوم من الملك! وبينما يلقاه الهيجنوت فظيعاً في الحرب، يراه زعيمهم (دي روهان) بديعاً في السلام. . . هذا هو حاكم فرنسا المطلق ريشيليو بعد ذلك صفحات مشرقة عن (الملك الشمس) الملك القائل (أنا الدولة) لويس الرابع عشر الذي حكم حكماً مطلقاً أكثر من نصف قرن ليله أزهى عصور الملكية في فرنسا أو في التاريخ. ثم يعقد المؤلف فصلاً للكلام عن (وسائل الطغيان المستنير) فعنده أن أصحاب الانسكلوبيديا ومنهم (ديدزو) لم يكن فيهم جمهوريون، وحتى فولتير كما كان يسميه فريدريك الأكبر كان يفضل سلطة الفرد. أما صاحب العقد الاجتماعي الذي كان يُفتي ويشير في النظم والدساتير فكان يرى الحكم الجمهوري صالحاً للدولة الصغيرة، أما الدول الكبرى فلم يكن يراه نافعاً لها بل في العقد الاجتماعي دفاع غير قليل دافع به (روسو) عن الحكم المطلق. وفي القرن التاسع عشر فلاسفة كبار كانوا يعتذرون عن الحكم المطلق حكم الفرد المستنير (نصير الإصلاح) الذي كان يسميه رينان أي الطاغية الطيب، وإذا كانت الثورة قد قضت على هذا النظام فان فرنسا عبدته في شخص نابليون. . وفي الحق أنك لا تستطيع أن تنسى - في عصرنا هذا - مقدار ما تحظى به من التأييد نظرية المفكرين الممتازين (المفكرين الأرستقراطيين) وفحواها أن التقدم لا يمكن أن يأتي من الجماهير بل هي تساق إليه وراء طائفة من (الأفراد) الكفاة. . . وكثيراً ما يكونون منها وفي الثورة الكبرى طغى (روبسبير) فصار قطعة من طغيان الثورة الدموية أو المجزرة، لكأني به جملة من اسمها أو مقدمة من منطقها فلولاه ما أنتجت الثورة نابليون. . . وما أدراك ما نابليون! ابن الثورة في فرنسا، وابن الجماهير في كل الدنيا؛ النجم الذي تلألأ في الأفق على غير ميعاد، والحلم الذي طاف بأجفان الإنسانية حيناً من الليل ثم صحت تتفقده؛ اللاعب الذي كان يحرك الملوك والشعوب على رقعة الدنيا كرقعة الشطرنج؛ الفاتح الذي كان ينثر الحرية، ويبذر المساواة، ويعلم العلم، في المشرق والغرب أني أسال دم الفتوح؛ المنشيء الأمم والجامع الأجناس، واضع تصميم أوربا الحديثة

стр. 11392

لقد كان المستبدل الهائل، أو المستبدل العادل، أو الطاغية كانت كل السلطات في يديه، وكان الخير يتفجر منهما والشر والجريمة أحياناً كان مشرعاً يضع بنفسه (قوانين نابليون)، وكان يدير دفة السياسة في الدنيا، وكان يحيط بالجحفل اللجب في أسترلتر ويكتب إلى جوزفين!! وكان يصدر مرسوم الكوميدي فرانسيز وهو يتفجع أمام حرائق موسكو، وينظر إلى صورة (النسر الصغير) نابليون الذي سماه ألد عداته وهو (شاتوبريان): (شاعر يعمل)؛ أو كما قال أوكتاف إوبري: (ابن الثورة الأكبر الذي أنشأ الدنيا الحديثة على أنقاض ما هدمته الثورة من الدنيا القديمة) والذي بنى الدول حتى بعد أن مات!! فبعث إنجيل سنت هيلين من الموت: إيطاليا وألمانيا وغيرهما في القرن التاسع عشر، ويوجوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا ودول البلقان في القرن العشرين!! حتى إذا فقد إمبراطوريته في قلب القارة دانت له إمبراطورية القلوب في كل الدنيا فاصبح أغنية في فم التاريخ وطنيناً في سمع الزمن أوليس من الفرنسيين كما قال (دوناي) من يقول اليوم: (ليته يعود!) وهو هو الذي أجهد فرنسا وأضناها؟ وهو هو الذي عبر عن نفسه بقوله: (أفلم يكن أفضل ألا أكون ولدت؟) هكذا استهلكت فرنسا القرن الماضي بأروع دكتاتورية عرفها البشر. ولما انطفأت شعلة (المارد القرشقي) وبعث من أعلى الصخرة إنجيله في سنت هيلين كانت من آياته (نظرية الجنسيات) التي أوسعها المؤلف تجريحاً في كتاب (تاريخ ثلاثة أجيال) لأنها أنشأت الدول التي زعزعت فرنسا في القارة، أما هنا فهو لا يناقش وإنما يعرض ويترك القارئ للاستنتاج، فيقدم إليه معجزة أخرى من معجزات الإنجيل تلك هي تسنم ابن أخي نابليون رياسة الجمهورية، ثم تتويجه نفسه مثل عمه إمبراطوراً بالقوة في ديسمبر سنة ١٨٥١ ولا يحمل على (نابليون الصغير) كما سماه هيجو، فهو قد شرحه في كتابه (تاريخ ثلاثة أجيال) بما نقله عن بسمارك لما أن قابله نابليون الثالث في ييارتز فقال: حالة عجز كبرى لا يعرفها الناس! وهنا يعني بانفيل بأن يلفت قارئه إلى طريقة إحداث الانقلاب السياسي، فيقول أن الانقلاب الذي أحدثه نابليون الصغير كالانقلاب الذي أحدثه نابليون الكبير ليجعل نفسه قنصلاً عاماً، كان يقوم على أيدي رجال في يدهم الحكم لأن الانقلاب الناجح تجب له قوة حكومية ليستقر

стр. 11393

وليستمر أما دكتاتورية نابليون الصغير فظلت في الداخل طويلاً، ولكنها أم تنجح، وفي الخارج أهدر الدم الفرنسي في المكسيك وأنشأ مبدأ الجنسيات خصوصاً لفرنسا، وكان الإمبراطور نفسه يقول (كيف تظن أن الأمور تسير على قاعدة؟ إن الإمبراطورة ملكية! وأنا جمهوري!! وليس هنالك بونابرتي إلا برزيني) وجاءت حرب السبعين؛ وانتهت قصة الإمبراطورية، وحاول في سنة ١٨٨٩ أن ينشئ دكتاتورية على أكتاف الباريسيين فلم ينجح لأنه نسي أن الانقلاب يجب أن يكون بمعرفة رجال في دست الأحكام بعد ذلك يرتحل بنا (بانفيل) إلى أمريكا اللاتينية رحلة تشبه المغامرات، فيستعرض طغاة غلاظ الأكباد كمصارعي الثيران أو أشد فروسية وعجباً!! ويشرح لك عمل الماسونية وعمل القسس في التدمير والتعمير في دقة تفوق حلاوة القصص وتسمو إلى حكمة التاريخ. وينتقل من المكسيك إلى أمريكا الجنوبية وبطلها (بوليفار) تلميذ الثورة الفرنسية وصاحب خطة (الولايات المتحدة الجنوبية) على نسق اتحاد الشمال؛ هذا الجمهوري الواقعي الذي كان يقول (إن الديمقراطية المطلقة كالاستبداد المطلق، كلاهما طغيان). ثم يتحدث المؤلف عن دول أمريكا الجنوبية وطغاتها، ففي كولومبيا، وفي أورجواي، وبورجواي وشيلي والبرازيل طغاة في كل عشر سنوات، وفي بوليفيا التي خلعت على نفسها هذا الاسم تمجيداً (لبوليفار)، ثم في الأرجنتين التي طغى فيها (ردزاس) المصلح الفظيع، دنا أحد المارة يوماً من بائع متجول يصيح: كَسْتنا! كستنا!) فلما هم بالشراء منه خر الشاري صعقاً لأنه لم يجد في سلته إلا (رؤوس رجال)، لكن الإصلاح والتقدم المادي كان يشفع لهؤلاء الجبابرة، بل ولمثل (بلانكو) طاغية فنزويلا في سنة ١٨٧٥ الذي قال كلمته المشهورة وهو على سرير الموت يستدبر الدنيا ويستقبل الله القسيس: يا بني سامح أعداءك بلانكو: لا أستطيع يا أبت القسيس: كيف يا بني؟ بلانكو: ليس لي أعداء. . . لقد قتلتهم جميعاً.

стр. 11394

(البقية في العدد القادم) عبد الحليم الجندي

стр. 11395

التاريخ في سير أبطاله ميرابو ميرابو. . . تلك الأعجوبة جوته للأستاذ محمود الخفيف تتهيأ بواعث الحركات الشعبية وتتلاقى في تياراتها على كر السنين، وما تزال في نموها واطرادها حتى ينفجر سكونها بغتة عن عاصفة، ثم لا تلبث تلك العاصفة أن تتمثل في مظهرين: فكرة ورجل! على هذا النحو هبت العاصفة في فرنسا عام ١٧٨٩، فأما عقيدتها فكانت ما أعلنته الثورة من مبادئ، وأما رجلها فكان ميرابو أجل، كان ميرابو رجل الثورة في أولى مراحلها، ذلك لأنه حين ألقى بنفسه في بركانها لم تلبث أن وجدت في لسانه ترجمانها، وفي شخصه عنوانها؛ فلقد نبض قلبه بمشاعرها، وامتلأ رأسه بآمالها، وانطلق لسانه بأناشيدها، وكان لها أكبر عون في حدة ذهنه، ويقظة وجدانه، وقوة جنانه، وسحر بيانه، فألقت إليه مقاليدها برهة، فلما التوت عليه واتخذت طريقاً يفضي إلى هلكتها وجدت فيه الرجل الوحيد الذي يبذل غاية جهده ليحجزها عن وجهها، ثم لما قضى نحبه، لم تدر ما تأكله فأكلت نفسها. من أجل ذلك لا تستطيع أن تفهم الثورة حق الفهم دون أن تفهم ميرابو، وكذلك لن تستطيع أن تعرف ميرابو أصدق المعرفة إلا في غمار الثورة، فما كان قبل الثورة إلا رجلاً كمن حوله من الرجال، بل لقد كان من عدة وجوه دون الكثيرين منهم، فلما أفاقت على صيحتها نفسه، أصبح الرجل الذي ينعدم قرينه في الرجال! لكن ما جره عليه نكد طالعه قبل الثورة كان ذا أثر عميق في سيرته يوم جن جنونها، حتى لقد كان الناس على الرغم إكبارهم مواهبه في لبس من أمره دائماً، يفسرون آراءه واتجاهاته بما كان من ماضيه، فصار وهو الكوكب الساطع في سياسة وطنه يعاني مما انعقد حوله من الشبهات أضعاف ما يعانيه من غباء معاصريه ونزقهم. عودته غلظة أبيه وسوء معاملته إياه الحنق عليه والكراهية له، وأتت سياسته على العكس مما كان ينتظر، وكان من الأشراف الذين يحلو لهم العناد، فلم يدع وسيلة يرى فيها كسر

стр. 11396

شوكته إلا جربها، حتى السجن أرسله إليه مرارا بواسطة تلك الخطابات الملكية المختومة التي كان لها حكم القانون. ولكن السجن لم يردعه ولم يصرفه عن الإسراف والاستدانة ولما هم أبوه أن يرسله إليه مرة أخرى فر هارباً مع خليلة كان قد هام بها على الرغم من احتجاج زوجته، وعلى الرغم من حدب بعلها عليه وإكرام مثواه حين كان يزوره في منزله. وهنالك في هولندا حينما أنفق ما حملته معها خليلته من المال لم يجد له مرتزقاً سوى الكتابة، فوضع رسالة في الحكم الاستبدادي ذاع بها اسمه بين الناس، وأتبعها غيرها في الاقتصاد وكانت له فيها آراء صائبة، غير أن حياة التشريد قد ألقت به في كثير من مواطن الزلل، فكان يستدين مرة ويستجدي بعض ذوي الثراء حيناً، ويلجأ إلى ناشري الكتب أحياناً يعركهم ويعركونه حتى يتقاضاهم بعض المال ثمناً بخساً لرسائله وما كان ذلك الشقاء ليقهر نفساً لا تقهر، بل لقد أوحى إليه الانتقام من أبيه، فلما علم وهو في غربته بما شجر بينه وبين أمه من نزاع ومقاضاة، كتب رسالة صغيرة يحمل فيها عليه ويرميه بالغباء والجهل في أسلوب لاذع، وأرسل منها عدداً إلى أمه، ولكنها وقعت في يد أبيه، فبلغ الحنق من نفسه كل مبلغ واستعمل نفوذه، فإذا بابنه وخليلته يرسلان إلى فرنسا، حيث ألقيا في السجن كل جزاء فعلته. وكان السجن في هذه المرة قاسياً إذ حرم عليه أول الأمر كل ما يخفف عنه آلام وحدته، ولكنه استطاع أن يسحر حراسه بقوة شخصه فأتوا له بما طلب من الكتب والورق والصحف، فكان فيها بعض السلوى لنفسه الوثابة ولقد لبث في السجن بضع سنين، أعاده بعدها أبوه إلى الحياة الطليقة، وهو يظن أن السجن قد نال من كبريائه، ولم يدر أن الأسر قد زاد عوده صلابة، وعلمه كيف يروض نفسه على البأس، وكيف يستهين بالألم إذا فكر أحد في ارغامه، ولذلك عاد إلى التبذير والسفه، ولج في عناد أبيه وسوء معاملة زوجه، ثم اخذ ينشر من الآراء في المال والسياسة ما أغضب عليه كبار رجال الدولة، فهم أبوه أن يلجأ من جديد إلى خطاب مختوم ولكنه هرب وطوف في إنجلترا وبروسيا وسواهما من ممالك القارة وهو لا يكاد يجد ما يتبلغ به. أكب في أسره على المطالعة، فالتهم ما حمل إليه من الكتب التهاماً، وكانت له مقدرة خارقة

стр. 11397

على استيعاب ما يقرأ، ثم هيأت له أسفاره أسباب الخبرة الصحيحة، فصاحب أخلاطاً من الناس، ورافق أنماطاً من الساسة، وشاهد ألواناً من المجتمعات، ومارس ضروباً شتى من الأخلاق والعادات على أن أصالته كانت أعظم من كسبه كما كان وحي عبقريته أكبر خطراً وأبعد أثراً في تكييف سلوكه من كل ما زودته به الكتب من آراء، ولكن تلك العبقرية كانت في حاجة إلى ما يستثيرها، كانت فيما يحيط به من ظروف العيش، وما يكتنفه من الحوادث كالجمرة طغى عليها الرماد، فما أن تهب العاصفة حتى تظهر وتتوقد وتبهر جذوتها القلوب والأبصار، وما كانت العاصفة إلا الثورة وهي من وطنه على الأبواب. بيد أنك تراه الآن ولما تواته الثورة يعيش من نفسه في ثورة! فلقد كان بطبعه عسوفاً عنوفاً لا تعرف نفسه الهدوء كما لا يعرف جسمه الدعة، يميل بكل ما في طاقته إلى النضال والتحدي، فيحمي على المجادلة، ويستعر على الجلاد، ولا يستقر إلا على الظفر والتفوق. وكان قلبه الكبير مليئا بالأحاسيس، جياشاً بالعواطف، وكثيراً ما كانت حدة عاطفته مبعث مواقفه الفذة ومثار شجاعته حين كانت تستحكم الأزمات فلن يخرج الوطن منها إلا بشجاعته. وكان ذا مقدرة غريبة في إثارة العاطفة في قلوب من حوله حتى لكأنهم منه حيال ساحر عجيب، وهو في فورته يتناول كل شيء ولا يكاد يتجه إلى فكرة حتى يثب إلى غيرها، ولا يكاد يسنح له خاطر حتى تتوارد على رأسه الخواطر، وما كان ليضيق بها، بل لقد كانت على وفرتها اقل من أن تقنع روحه أو تشبع عاطفته. قال أبوه يصف توثب روحه: (إن روحه كالمرأة المتحركة ينعكس فيها كل شيء ولا يستقر فيها شيء) ولقد كان من أظهر خلاله وأعظم قوى نفسه، شدة تأثيره فيمن حوله، يحس من يقترب منه هيبة خفية لا يتبين مبعثها، وينجذب إليه من يستمع له انجذاباً يبعث على العجب! ولقد بلغ من شدة تأثيره أنه كان يحمل رجال السجن على احترامه بل على محبته، وتلك عجيبة من عجائب النفس لا تزال سراً مستغلقا على الإفهام. على أن أبرز صفاته جميعاً وأوثقها علاقة بمستقبل حياته، هي قوته الخطابية، فلقد كان ميرابو خطيباً عبقرياً بكل ما تتسق له تلك الكلمة من معنى. وهو عند الكثيرين من المؤرخين أقدر خطيب شعبي في التاريخ الحديث، وأشد الخطباء تسلطاً على أفكار سامعيه

стр. 11398

وأسرعهم توجيهاً لمن حوله إلى ما يريد. كان في أسلوبه رجل فن كأعظم ما يكون رجل الفن، عرف أو على الأصح ألهم اختيار الكلمة القوية وصوغ العبارة التي تجمع إلى إشراق المعنى بعد المرمى وعمق المغزى. وكانت تواتيه عبقريته إذا تسنم المنبر فتسمو به عن مستوى الرجال، فتراهم شاخصة أبصارهم إليه خافقة قلوبهم بما ينطق، فإذا احتدم الجدل أو اشتد الموقف خطراً نظرت فإذا به أعظم مما كان حماسة وأسرع تدفقاً وأكثر إقناعاً ورأيت عبارته ترتفع وتعظم حتى تلائم الموقف، وسمعت في نبرات صوته أزيز نفسه وغليان دمه. كان في جولاته كنابليون في غزواته! تزداد عبقريته ملابسة له كلما ازداد الموقف من حوله هولاً. ولقد فاه بأبلغ عباراته وأبعدها أثراً في نفوس سامعيه في مواقف الحماسة الفائرة كأن كلماته الحيتان الضخمة لن تظهرها إلا العاصفة! وكان له فضلاً عن ذلك من هيبة منظره وقوة صوته ورنين جرسه وشتى إشاراته كل معدات الخطيب. كان كبير الجرم، قوي الجسم، عريض المنكبين، عظيم الصدر، ترى في وجهه الجاد العابس آثار جراح اندملت كأنك تلمح فيها صرامة الحوادث وصروف الزمن، وكانت ترتسم ملامح وجهه بانفعالات نفسه، كما كانت تلتمع عيناه وتختلجان فتبعثان الرهبة أو تثيران الشفقة. أما عن قوة أعصابه وضبط نفسه وصدق فراسته وتفهم الغاية التي يرمي إليها وتخير أقرب الطرق وأسهلها إلى تلك الغاية فكان في ذلك كله مضرب المثل بين معاصريه. والآن فلندع مقدرته على الخطابة حتى نشاهد آثارها في مجلس طبقات الأمة وفي الجمعية الأهلية، ويجمل بنا أن نتبين قبل انعقادها بعض آرائه السياسية. لم تك أصالة ذلك الرجل الفذ في الساسة أقل من أصالته في الخطابة، فلقد جمع إلى حماسة القلب حدة العقل، وإلى ثورة العاطفة اتزان المنطق، وإلى جموح الخيال وضوح المنهج، وإلى وحي العبقرية شمول النظر، وصدق التجربة واتساع الخبرة، وإن المرء ليدهش حقاً إذ يرى ذلك كله في رجل. ولقد صدق جوته حين وصفه في قوله: ميرابو. . . تلك الأعجوبة!!! كان لهذا الزعيم غرض يرمي إليه ونهج يسير عليه. نشط قبيل الثورة في نشر مبادئه،

стр. 11399

عندما عاد من برلين للمرة الأخيرة، وكان قد أوفد إليها من قبل الوزير كالون في مهمة سياسية عام ١٧٨٧ أي قبل هبوب العاصفة بعامين، وخيل إلى أن الوزير إنما أراد إبعاده، فلما استقل ميرابو ما كان يصله من أجر عاد إلى وطنه مغيظاً محنقاً فشهر قلمه للطعن في كالون ونكر صديق الشعب، وابتدأ الناس يحسون خطره كناقد سياسي، نعم أحس الناس روحاً جديدة في كتاباته واستشعروا أن صاحبها يمتاز ممن عرفوا من الرجال. اقرأ مثل قوله في نقد نكر (ليعلم الذين يحسبون أنهم لا يستطيعون أن يحبوا الله خالقهم أو أن يحبوا الملك والوطن إلا أن يعبدوا نكر، إنهم في ضلالتهم يعمهون. هل فكروا في أن تفاخره بأنه يستطيع أن يعقد أي قرض دون زيادة في الضرائب موضع عار لا موضع فخر؟ هل فكروا في أنه بذلك قد استطاع أن يستهوي أولي الأمر في هذه الدولة، فيدفع بهم إلى حرب تبرأ منها الإنسانية، فضلاً عما يتبعها من خراب مالي؟ وهل يغنيهم ما يعلمون من حسن خلقه وطيب نفسه عن نجاح سياسته كوزير؟) اقرأ هذا وغيره تر أن الثورة قبل هبوبها قد اهتدت إلى زعيمها، وتلق الرجل في مستهل مرحلة جديدة في حياته العجيبة، مرحلة الجد الحكيم والوقار العاقل والجهد المتواصل. راح يعلن للناس أنه عدو الامتيازات والاستبداد، وأنه لن يقعد عن الجد حتى يرى الناس سواء أمام القانون، ويرى الحرية حقاً يتمتع به كل فرد، ويرى التعليم نوراً ينفذ إلى جميع الطبقات، والرخاء المادي حصناً يقي الوطن غائلة الفاقة. وهل كان للناس مطمع وراء هذا؟ وهل كانوا يتغنون بغير هاتيك الأناشيد؟ ولكن ميرابو لن يقبل أن يسعد الشعب على حساب الملكية! وإذاً فهو يسعى من جانب آخر إلى أن يكون للملكية نفوذها وسيادتها على أن تستمد ذلك من الشعب صاحب الحق. ولئن كان يمقت من أعماق قلبه الفوارق بين الطبقات وقيود العهد الإقطاعي، فان بدنه ليقشعر فرقاً من الفوضى وإنه ليرى الطامة الكبرى في جموح الشعب وتعديه حدوده. بهذه المبادئ وبما عرف عنه من مقدرة خطابية فائقة، تقدم ميرابو للانتخاب في مدينة إكس ليشون نائباً عن العامة في مجلس طبقات الأمة، بعد أن نأى الأشراف بجانبهم عنه. وعلى الرغم من كيد خصومه له خرج من المعركة ظافراً داوي الصيت (يتبع)

стр. 11400

الخفيف

стр. 11401

يوم الوقفة عرفات. . . للأستاذ علي الطنطاوي (وَأَذِّنْ في النَّاسِ بالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجِّ عَمِيقٍ، لِيًشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ، وَيذْكُرُوا اسم الله فِي أَيّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعامِ، فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ، ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بَالبْيتِ العَتِيقِ) هنالك ينكشف الغطاء، وتنفتح أبواب السماء، فيتوجه الحجاج إلى الله بقلوب انزاحت عنا ظلمة الأهواء والشهوات، وأشرقت عليها الأنوار، فسمت حتى رأت الأرض ومن عليها ذرة صغيرة تحملها رياح القدرة، ثم سمت حتى سمعت تسبيح الملائكة بألسنة الطاعة، ثم سمت حتى تدبرت القرآن غضاً غريضاً، كأنما نزل به الوحي أمس، وسمعت النداء من جانب القدس: (يا أيها الناسُ إنا خلقناكم من ذكر وأُنثى، وجعلناكم شُعُوباً وقبائِلَ لِتَعَارَفُوا، إنَّ أَكْرَمكم عِنْدَ الله أتقاكم). فأجابت: لبَّيك اللهم لبيك!، فردَّدت بطاح عرفات، وأرجاء الحرم، وردَّدت السموات السبع والأرضون السبع: لبيك اللهم لبيك! هنالك تتنفس الإنسانية التي خنقها دخان البارود، وعلامات الحدود، وسيد مسود، وعبد ومعبود، وتحيا في عرفات حيث لا كبير ولا صغير، ولا عظيم ولا حقير، ولا مأمور ولا أمير، ولا غني ولا فقير هنالك تتحقق المثل العليا التي لم يعرفها الغرب إلا في أدمغة الفلاسفة وبطون الأسفار، فتزول الشرور، وترتفع الأحقاًد، وتعم المساواة، ويسود السلام، ويجتمع الناس على اختلاف ألسنتهم وألوانهم في صعيد واحد، لباسهم واحد، يتوجهون إلى رب واحد، ويؤمنون بنبي واحد، ويدينون بدين واحد، ويصيحون بلسان واحد: لبيك اللهم لبيك! هنالك تظهر المعجزة الباقية، فتطوى ثم تؤخذ من أطرافها، حتى توضع كلها في عرفات، فتلتقي شطآن أفريقية بسواحل آسية، ومدن أوربة بأكواخ السودان، ونهر الكنج بنهر النيل، وجبال طوروس بجبال البلور، فيعرف المسلم أن وطنه أوسع من أن تحده على الأرض جبال أو بحار، أو تمزقه ألوان على المصور فوق ألوان، أو تفرقه في السياسة خرق تتميز من خرق، وأعلام تختلف عن أعلام

стр. 11402

ذلك لأن وطن المسلم في القرآن، لا في التراب والأحجار، ولا في البحيرات والأنهار، ولا في الجبال والبحار: (إنما المؤمنون أخوة)، لا (إنما المصريون. . . .)، ولا (إنما الشاميون. . .)، ولا (إنما العراقيون. . . .) هنالك يتفقد الاخوة إخوتهم، فيعين القوى الضعيف، ويعطي الغني الفقير، ويساعد العزيز الذليل، فلا ينصرفون من الحج إلا وهم أقوياء أغنياء أعزاء هناك يذكر المسلم كيف مرّ سيد العالم ﷺ بهذه البطاح مهاجراً إلى الله، تاركاً بلده التي نشأ فيها، وقومه الذين ربي فيهم، وكيف جاء حتى وقف على الحزْورَة، فنظر إلى مكة، وقال: (انك لأحب بلاد الله إلى الله، وإنك لأحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت). ثم يستقبل هذه الصحراء الهائلة، ليس معه إلا الصديق الأعظم، يتلفت كلما سار ليتزوّد بنظرة من مكة حتى غابت وراء الأفق الفسيح، فانطلقا يؤمان الغار هل علمتْ هذه البطاح أن هذا الرجل الفرد الذي قام وحده في وجه العالم كله، يصرع باطله بقوّة الحق، ويبدّد جهاته بنور الإسلام، ويهدي ضلالته بهدي القرآن، والذي فر من مكة مستخفياً، سيعود إليها بعشرة آلاف من الأبطال المغاوير، فتفتح له مكة أبوابها، وتتهاوى عند قدميه أصنامها، ثم تعنو له الجزيرة، ثم يخضع لدينه نصف المعمور؟ هل علمت هذه البطاح أن هؤلاء النفر الذين مروا بها هاربين من جبروت قريش وسلطانها، سيعزون حتى تدين لهم قريش، ثم يعزون حتى يرثوا كسرى وقيصر في أرضيهما، ثم يعزون حتى يرثوا الأرض ومن عليها، وسيكثرون حتى يبلغوا أربعمائة مليون، وسيتفرقون في الأرض داعين مجاهدين فاتحين، ثم يجتمعون في عرفات حاجين منيبين ملبين: لبيك اللهم لبيك! هنالك وقف سيد العالم ﷺ في حجة الوداع يعله حقوق الإنسان، ويقرر مبادئ السلام، وينشر الاخوة والعدالة والمساواة بين الناس قبل أن تنشرها فرنسا بألف عام: أيها الناس: اسمعوا مني أبين لكم، فإني لا ادري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا

стр. 11403

أيها الناس: أن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد! أيها الناس: إنما المؤمنون اخوة، لا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه إلا هل بلغت؟ اللهم اشهد أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد! وهنالك وقف يعلن انتهاء الرسالة الكبرى التي بعثه الله بها إلى الناس كافة، ويتلو قوله جل وعز: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لكم دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لكمُ الإسلام دِيناً)؛ ويبعث صحابته ليحملوا هذه الرسالة إلى آخر الأرض، ثم يحملوها إلى آخر الزمان فحملوها فأنشأوا بها هذه الحضارة التي استظل بظلها الشرق، ويستظل بظلها الغرب في عرفات تتجلى عظمة الإسلام، دين الحرية والمساواة والعلم والحضارة؛ ومن عرفات يسمع المسلمون داعي الله يدعو: حي على الصلاة! حي على الفلاح! فيجيبون لبيك اللهم لبيك! وينطلقون ليعلموا للآخرة كأنهم يموتون غداً، ويعملوا للدنيا كأنهم يعيشون أبداً فلتفسد الأرض، ولتطغ الشرور، وليعصف الحديد، ولينفجر البارود، ولتَغُص الإنسانية في حمأة الرذيلة إلى العنق، فانه لا خوف على الفضيلة ولا على الحق ولا على السلام، ما دام في الأرض (عرفات)، وما دام في الجو هذا الصوت القدسي المجلجل: (لبيك اللهم لبيك)! علي طنطاوي

стр. 11404

العراق في مصر للشاعر الفيلسوف المرحوم جميل صدقي الزهاوي وهي آخر ما نضمه الفقيد الكريم حمّلها شباب العراق تحية كريمة لشباب مصر - ١ - أتى بعد شوق حافز للمحبينا … إلى مصر شبان العراق محيينا أولئك شبان سنقطف عن هوى … بها من رياض العلم ورداً ونسرينا رضينا بما في مصر من عبقرية … وما كل أرض تنبت العلم ترضينا وكان منانا أن نرى مصر يقظة … فأفرحنا جمعاً بلوغ أمانينا سعدنا بمصر والسعادة نعمة … فحينا تلاقينا وحين تجافينا وليس لنا عن حب مصر تنكّب … فما كان هذا الحب إلاّ لَنَا دنيا وما شعراء النيل إلاّ عنادل … على سرحة الآداب تشدو فتشجينا - ٢ - إلا إن مصراً موطن الأدب الحر … سلام على مصر سلام على مصر وما مصر إلا البحر يلمع درّه … ونحن بمصر غائصون على الدر لقد جمعتنا وحدة عربية … وأقرب منها بيننا وحدة الفكر أرى في لقاء الروح للروح فرحة … تفوق لقاء العين والأوجه الغر وإن بني مصر الذين تثقفوا … إذا طلعوا كانوا من الأنجم الزهر حججناك طوّافين والدافع الذي … حدانا هو الإيمان بالأدب الحر وليس كإيمان المنافق إنه … إذا لم يكن كفراً فشر من الكفر - ٣ - وجدنا بني مصر الفتاة كواكبا … تضئ فتمحو بالضياء الغياهبا إذا غاب نجم لاح نجم وإنما … تفوق بمصر الطالعاتُ الغواربا

стр. 11405

ألا فلييمم مصر من طلب العلا … ومن كان في المجد المؤثل راغبا وما اسعد الورّاد للعلم إنهم … إذا صدروا كانوا نجوماً ثواقبا إذا ما تلقوا من أساتذة لهم … دروساً حسبت الودق ينصبّ ساكبا قصدنا فقاسينا متاعب جمة … فلما رأيناكم نسينا المتاعبا نصافحكم فيها مصافحة الذي … يريد لأعلام الهدى أن يقاربا - ٤ - حججنا بلاد العبقرية والنبل … نطوف بأركان الثقافة والفصل معاهد فيها للهدى يثب الفتى … وليس بها من سار يمشي على مهل تربّي عقولَ النشء حتى تقيمها … وما قيمة الإنسان إلاّ من العقل وكانت فتاة العصر أنقى من الندى … وكان الفتى للمجد أنضى من النصل وليس الذي في البحر يسبح زاخراً … كمن كان في الغدران يسبح والضحل وليس غنى مصر من المال ناشئاً … ولكنه في العلم والأدب الجزل وفي عزة النفس التي قد أبت لها … على ما بها أن تستنيم إلى الذل - ٥ - على العقل في كل الأمور المعوّل … ولولاه لم ينجل للمرء مشكل وما العقل في الإنسان إلا ابن رأيه … تولّد فيه آخراً وهو أوّل وللعقل أنوار بها يهتدي الفتى … وأبهجْ بأنوار لها العقل يرسل تبدل في الناس العقول بغيرها … ولكن نفس المرء لا تتبدل ورب عقول لم تصادف مثقفاً … فتلك بلا هادٍ من العلم تعمل يمثل مصراً في العراق جهابذ … ونحن بمصر للعراق نمثل وما العلم في بغداد إلا كصيّب … توالى لأدران الجهالة يغسل - ٦ - نصافح إخواناً لنا قد تثقفوا … فساروا جماعات ولم يتوقفوا فإن فرقت ما بيننا شقة النوى … فإنا جميعاً للعروبة نهتف

стр. 11406

وإن عصفت ريح بكم في ملمّة … فتلك بنا يا أمة النيل تعصف وإن أبعدت أجسامنا عن جسومكم … فأرواحنا مجموعة تتعرف ومصر هي اليمّ الذي ظلّ زاخراً … وإنا وإياكم من اليم نغرف غداً ستشب الحرب صاخبة اللظى … فتزهق أرواحاً وتمحو وتتلف وإن تلاميذ المدارس في غد … جنود لصون الموطنين تألّف - ٧ - لنحن بمصر في الثقافة نقتدي … وبالنجم في تلك المطالع نهتدي وليس بنا للأمس من لفتة الهوى … ولكننا نرنو بشوق إلى الغد ونحترم الرأي القديم وأهله … ونهتف للتجديد أو للتحدد نرى أن في التجديد شيئاً مخلداً … ولكنما التقليد غير مخلد وذاك طريق للأديب معبد … وهذا طريق ظل غير معبّد وما العلم إلا للسعادة سلم … فمن يتخذ منه الوسيلة يسعد فإن تبتعد عنا السعادة تقترب … وإن منا التعاسة نبعد جميل صدقي الزهاوي

стр. 11407

على قبر الزهاوي بعد أن وُوري التراب شيخ الشعراء وفقيد العرب وقف على قبره الدكتور عبد الوهاب عزام فنثر عليه هذه الزهرات: اليوم يقع هذا النسر بعد طول تحليقه! اليوم يصمت هذا البلبل بعد طول تغريده! اليوم يظفر هذا الجواد بالجمام! اليوم يستريح هذا الفارس من الآلام! اليوم تسكن هذه النفس الثائرة! اليوم تخمد هذه النائرة! اليوم يرقد الزهاوي في قبره! كل نفس ذائقة الموت، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وإنما الخالد من خلدته آثاره. وسيبقى شعر الزهاوي مدوِّياً بعد مماته، كما كان مدوياً في حياته، ليبعث العزائم الراقدة، ويشعل النفوس الخامدة ستتلقى مصر والبلاد العربية نعي الزهاوي كما تلقى العراق والبلاد العربية نعي شوقي، فتتجاوب بلاد العرب بالرثاء، وتتبادل العزاء. نسأل الله أن يعوضها في شاعر العربية خيراً أيها الشاعر العظيم ستذهب وذكراك بيننا خالدة! أجميلُ لا تبعد فذكرك خالد … الذكر للإنسان عمر ثان ثم وقف الأستاذ الشاعر معروف الرصافي فألقى هذه الأبيات: أيها الفيلسوف قد عشت مُضْني … مثل مَيْتٍ وصرت بالموت حيا ما حياة العظيم إلا خلود … بعد موت يكون للجسم طيا سوف يبقى بين الورى لك ذكر … ناطق بالبقاء لم يخش عِيا أنت فرد في الفضل حياً ومَيْتا … حزت في الحالتين ذكراً عَلِيا سوف أبكي عليك شجوا وإني … كنت أبكيك في الحياة شجيا ثم تلاه السيد محمد مهدي الجواهري فألقى هذه القصيدة الباكية: على رغم أنف الموت ذكرك خالد … ترن بسمع الدهر منك القصائد

стр. 11408

نعيت إلى غر القوافي فأعولت … عليك من الشعر الحسانُ الخرائد وللعلم فياضاً فماجت مصادر … عُنيت بها بحثاً وجاشت موارد وفلسفة أَطلعت في الشعر نورها … هي اليوم ثكلى عن جميل تناشد حلفت يميناً لم تشبها اختلاطة … وقلبي على دعوى لسانِيَ شاهد لقد كنت فخراً للعراق وزينة … تزان نواديه بها والمعاهد وكنت خصب العراقي شاهدا … إذا أعوزتنا في التباهي شواهد وكنت أرق الناس طبعاً ونكتة … وألطف من دارت عليه المقاعد وأنت ابتعثت الشعر بعد خموله … نشيطاً فخوض الشعر بعدك راكد ثوى اليوم في هذي الحفيرة عالم … بأسرارها، لله بالعقل ناشد أقام على العلم الصحيح اعتقاده … عدو لأشباح الخرافات طارد وكان نقياً فكرة وعقيدة … عزيزً عليه أن تسف العقائد يقرر أن الدين حب ورحمة … وعدل، وأن الله لا شك واحد وأن الذي قد سخر الدين طامعاً … يتاجر باسم الله، لله جاحد ثوى اليوم في هذي الحفيرة شاعر … على الظلم محتج عن العدل ذائد وشيخوخة مدت على الكون ظلها … تكافح عن آرائها وتجالد أَبَا الشعر! إن الشعر هذا محله … فقد نصت الأسماع والجمع حاشد وهذي جيوش الشعر والعلم تبتغي … لها قائداً فذاً فهل أنت قائد فأين قصيد قد نظمت فريده … وأين من الشعر البديع الفرائد وأين النكات المؤنسات كأنها … حدائق تُسقى بالندى وتعاود وأين العيون اللامعات زكانة … زغائب تبدو فوقها ومقاصد جميلٌ أعان الرافدين بثالث … من الشعر تنميه بحور روافد وكان حياة للنفوس ورحمة … تغاث بها النفوس الهوامد تطاوعه غر المعاني كأنها … وصائف تبغي أمره وولائد أقول لرهط الشعر يبغون باعثاً … عليه: تثير الشعر هذي النضائد هلموا إلى قبر الزهاويِّ نقنص … به نفساً من روحه ونطارد

стр. 11409

وإن خيالاً يملأ الشعر رهبة … سكون على قبر الزهاويِّ سائد وحجوا إلى بيت هو الفن نفسه … أنارت (فينيسٌ) ساحَه وعطارد فإن بيوت الشاعرين مناسك … وإن قبور النابغين معابد أبا الشعر والفكر المنبه أمة … عزيز علينا أنك اليوم راقد وأن الذي هز القلوب هوامداً … وحركها في الترب ثاو فهامد وأن فؤاداً شع نوراً وقوة … هو اليوم مسودُّ الجوانب بارد فهل أنت راضٍ عن حياة خَبَرْتها … ممارسة أم أنت غضبان حارد أضاعوك حياً وابتغوك جنازة … وهذا الذي تأباه صِيدٌ أماجد

стр. 11410

أندلسيات: ٢ - ابن بسام صاحب الذخيرة والشاعر أبو مروان الطبني للأستاذ عبد الرحمن البرقوقي قال ابن بسام: كان أبو مروان هذا أحد حماة سرح الكلام، وحملة ألوية الأقلام، من أهل بيت اشتهروا بالشعر، اشتهار المنازل بالبدر. أراهم طرأوا على قرطبة قبل افتراق الجماعة، وانتثار شمل الطاعة، وأناخوا في ظلها، ولحقوا بسروات أهلها. . . وأبو مضر أبوه زيادة الله بن علي التميمي الطبني هو أول من بنى بيت شرفهم، ورفع في الأندلس صوته بنباهة سلفهم. قال ابن حيان: وكان أبو مضر نديم محمد بن أبي عامر أمتع الناس حديثاً ومشاهدة وأنصعهم ظرفاً، وأحذقهم بأبواب الشحذ والملاطفة، وآخذهم بقلوب الملوك والجلة، وأنظمهم لشمل إفادة ونجعة، وابخلهم بدرهم وكسرة، وأذبَّهم عن حريم نشب ونعمة، له في ذلك أخبار بديعة من رجل شديد الخلابة يضحك من حضر، ولا يضحك هو إذا ندر، رفيع الطبقة في صنعة الشعر، كثير الإصابة في البديهة والروية. انتهى كلام ابن حيان. قال ابن بسام: وشعر أبي مضر ليس من شرط هذا المجموع لتقدم زمانه؛ فأما ابنه مروان هذا فكان من أهل الحديث والرواية ورحل إلى المشرق وسمع من جماعة المحدثين بمصر والحجاز، وقتل بقرطبة سنة سبع وخمسين وأربعمائة. . إلى أن قال: وجدت في بعض التعاليق بخط بعض أدباء قرطبة قال: لما عدا أبو عامر أحمد بن محمد بن أبي عامر على الحذلمي في مجلسه وضربه ضرباً موجعاً وأقر بذلك أعين مطاليبه، قال أبو مروان الطبني فيه: شكرت للعامري ما صنعا … ولم أقل للحذيلمي لعا ليث عرين غدا بعزته … مفترساً في وجاره ضبعا لا برحت كفه مُمَكَّنَةً … من الأماني فنعم ما صنعا وددت لو كنت شاهداً لهما … حتى ترى العين ذل من خضعا إن طال منه سجوده فلقد … طال لغير السجود ما ركعا

стр. 11411

وابن رشيق القائل قبله: كم ركعة ركع الضبْعان تحت يدي … ولم يقل سمع الله لمن حمدهْ والعرب تقول فلان يركع لغير صلاة إذا كنوا عن عهر الخلوة. . قال ابن بسام: ولما صنفت كتابي هذا عن شين الهجاء، وأكبرته أن يكون ميداناً للسفهاء، أجريت ههنا طرفاً من مليح التعريض، في إيجاز القريض، مما لا أدب على قائليه ولا وصمة على من قيل فيه. والهجاء ينقسم قسمين: فقسم يسمونه هجو الأشراف، وهو ما لم يبلغ أن يكون سباباً مقذعاً، ولا هجراً مستبشعاً؛ وهو طأطأ قديماً من الأوائل، وثل عرش القبائل. إنما هو توبيخ وتعيير، وتقديم وتأخير، كقول النجاشي في بني العجلان، وشهرة شعره منعتني عن ذكره. واستَعْدَوا عليه عمر وأنشدوه قول النجاشي فيهم فدرأ الحد بالشبهات. وفعل مثل ذلك بالزبرقان حين شكا الحطيئة وسأله أن ينشده ما قال فيه فأنشده قوله: دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فسأل عن ذلك كعب بن زهير فقال: والله ما أودّ له بما قال حمر النعم. . . وقال حسان لم يهجه ولكن سلح عليه بعد أن أكل الشُبْرُم. . فهمّ عمر بعقابه ثم استعطفه بشعره المشهور. . وقد قال عبد الملك بن مروان يوما: أحسابَكم يا بني أمية فما أود أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس وأن الأعشى قال فيّ: تبيتون في المَشْتىَ مِلَاءً بطونكم … وجاراتكم غَرثى يبتن خمائصا ولما سمع علقمة بن علاثة هذا البيت بكى وقال: أنحن نفعل بجاراتنا هذا؟ ودعا عليه. . . فما ظنك بشيء يبكي علقمة بن علاثة وقد كان عندهم لو ضرب بالسيف ما قال: حس!. . . وقد كان الراعي يقول: هجوت جماعة من الشعراء وما قلت فيهم ما تستحي العذراء أن تنشده في خدرها. ولما قال جرَير: فَغُضَّ الطرف إنك من نمير … فلا كعبا بلغت ولا كلابا أطفأ مصباحه ونام - وقد كان بات ليلته يتململ - لأنه رأى أنه قد بلغ حاجته وشفى غيظه. . قال الراعي: فخرجنا من البصرة فما وردنا ماء من مياه العرب إلا وسمعنا البيت قد سبقنا إليه حتى أتينا حاضر بني نمير فخرج إلينا النساء والصبيان يقولون قبحكم الله

стр. 11412

وقبح ما جئتمونا به. . والقسم الثاني هو السباب الذي أحدثه جرير أيضاً وطبقته، وكان يقول إذا هجوتم فأضحكوا، وهذا النوع منه لم يهدم قط بيتاً ولا عبرت به قبيلة، وهو الذي صُنّا هذا المجموع عنه، وأغفيناه أن يكون فيه شيء منة، فإن أبا منصور الثعالبي كتب منة في يتيمته ما شابه اسمه، وبقي عليه إثمه. وحكى أبو عامر بن شهيد عن نفسه قال: عاتبت بعض الأخوان عتاباً شديداً عن أمر أوجع فيه قلبي، وكان آخر الشعر الذي خاطبته به هذا البيت: وإني على ما هاج صدري وغاظني … ليأمنني من كان عندي له سر فكان هذا البيت أشد عليه من عظ الحديد؛ ولم يزل يقلق به حتى بكى إلي منه بالدموع. وهذا الباب ممتد الإطناب، ويكفي ما مر ويمر منه في تضاعيف هذا الكتاب. ومن شعر أبي الحسن علي بن عبد العزيز بن زيادة الله الطبني مما أخذته عنه قولة: كم بالهوادج يوم البين من رشأٍ … يحفو علية وشاح جائر قلق وكم برامة من ريم يفارقها … لهفان يثنيه عن توديعها الفرق ونرجس كفرند السيف ساومني … ممللاً بنسم عَرقُه عبق نادمته وشباب الليل مقتبل … والنجم كَفٌّ يحيينا به الأفق وفتية كنجوم السعد أوجههم … في أوجه الحادثات الجُوزِ تأتنق نلهو برقراقة صفراء صافيةٍ … يكاد ينجاب عن أضوائها الغسق يسعى بها مرهف كالغصن نعَّمه … ماء النعيم عليه النوُر والورَق وأنشدني أيضاً: يا سالياً عاشقِيهِ … وعاشقاً كل تِيهِ ومَن مدامي ونقلي … بوجنتيه وفيه هلا حزبت فؤادي … ببعض مالك فيه وأنشدني أيضاً لنفسه: عجباً أن يكون ساكن قلبي … راتعاً منه في بساتين حبي ويجازي على الوفاء بِغَدرٍ … حسبي الله ثم حسبي وحسبي

стр. 11413

جازني كيف شئت لا أترك الذن … ب إذا كان فرط حبك ذنبي وهذا كقول أبي بكر بن عمار: لئن كان ذنبي للزمان محبتي … فذلك شيء لست منه أتوب وقول عباس بن الأحنف: إن كان ذنبي في الزيارة فاعلمي … أني على كسب الذنوب مجاهد (يتبع) عبد الرحمن البرقوقي منشئ البيان ورئيس قلم المراجعة بمجلس النواب

стр. 11414

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ٢٣ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا تعليق المؤلف على فلسفة نيتشه للأستاذ خليل هنداوي تتمة أما النظر إلى نيتشه من حيث الوجهة الأخلاقية فقد لامه النقاد على غرائزه القاسية وأنانيته الطاغية، وقوته البالغة على الضعفاء. على أن له بعض أراء لو لم يسيء الناس فهمهما لآلت إلى نتيجة أخلاقية حسنة؛ فليس يكفى المرء أن يكون فوضوياً هداماً طارحاً عن ظهره التقاليد ليحيا محققا مذهب نيتشه. وليس نيتشه رفيق أولئك الذين يعبثون بالسوبرمان. وهذا نبيه زرادشت كان يطلب إلى الذين يرغبون اتباعه أن ينفذوا مذهبه بقسوة وشدة (هل أنت شريعة قوية؟ هل أنت شريعة جديدة؟ هل أنت حركة أولى؟ هل أنت دولاب يدور حول نفسه؟ وا أسفاه! ما أكثر أولئك الذين يضطربون بيأس! أرني أنك لست بواحد من هؤلاء الظامئين ولا الطامعين وا أسفاه! هنالك كثير من الأفكار العظيمة التي ليس شأنها إلا النسمة تهب ثم تتلاشى إنك تقول إنك حر، ولكي أريد أن أعرف الفكرة التي تسيطر عليك، لا النير الذي رحت تهزه هل أنت حقاً من أولئك الذين يجدر بهم أن يهزوا نيراً؟ أن منهم من طرحوا كل ما منحتهم بعض القيم، بطرحهم ثوب العبودية والإرهاق حيث كانوا يعيشون.) ونيتشه ذاته يعلن بأن مذهبه لا يحمله إلا إلى طائفة مختارة تستطيع حمله، والقيام بأعبائه؛ وأما الجماعات الأخرى فليس. عليها إلا الإذعان والطاعة والحياة بإيمان. فلا يجدر بنا والحالة هذه أن نسفه آراءه بحجة أن بعض الضعفاء العاجزين المنتفخة نفوسهم زهواً وكبراً قد أخذوا ببعض تعاليمه واقتبسوا نتفاً من مذهبه ليحققوا مطامعهم وليشبعوا جوع أنفسهم وأنانيتهم وليسعوا إلى هدف العظمة. إن نيتشه هو ذاتي قبل كل شيء، ويكفي

стр. 11415

اعتقاده هذا أن يهيج الناس عليه. فالإنسان الحاضر هو (ذاتي وغير ذاتي) في وقت معاً. يرى في الحالة الأولى نفع نفسه وفي الحالة الثانية نفع غيره، ويتحرى عن سعادتهم كما يتحرى عن سعادته. على أن النزاع بين الحالتين هو نزاع عنيف وقد تقوي في الإنسان حالة منهما دون أخرى على حسب ميوله القلقة التي تميل به إما إلى ذاته وإما إلى المجتمع. فبعضهم تغلب فيه الذاتية على غيرها، فيضحي بمصالح الغير في سبيل مصلحته؛ وبعضهم يضحي بمصلحته عاملاً على صيانة مصالح الغير. أما نيتشه فهو من القائلين (بالذاتية) الذين يحبون ذواتهم؛ ومذهب أهل حضارة العصر إنما يتجلى في اعتناق مذهب المحبة الشاملة؛ وهذا الاختلاف بين نيتشه وبين معاصريه يكفي لأن يثير في خصومه عداوة عميقة وخصومة عنيفة على هذا الذي لا يرى رأيهم في اتخاذ محبة الغير مثلاً أعلى على أن هاتين الحالتين ليستا من الحالات المعينة التي لا يتخطاها الإنسان ولا يتعداها، إذ لست أرى أحداً مال بكليته إلى حالة وقطع كل اتصاله بالأخرى. فهناك درجات متفاوتة في الغرائز، وهذه الدرجات قد تتغير وتتطور بحسب الزمن والعصر والمحيط. على أننا سنحكم على فلسفة نيتشه الآن حكماً عقلياً واضحاً إن فلسفة نيتشه هي مثال من أجمل الأمثلة الذاتية الأرستقراطية؛ مثال جميل حي منطقي يحتوي على هدى لكل من يريدون أن يكوّنوا حياتهم ويجعلوا منها مثالاً واحداً يتحدون معه، كما هو الأمر في فلسفة (تولستوي) المناقضة لفلسفة نيتشه. على أن الحل الذي أعطاه نيتشه للمسألة الأخلاقية يتراءى لنا أن احتماله شديد على الأنفس، في الناحية التفكيرية والناحية العلمية، وأن تنفيذ مذهب (السوبرمان) ليفتقر إلى جهود قل أن توجد؛ ونيتشه ذاته يعلن بأن أمثال هؤلاء الأفراد الذين يجد فيهم العبقرية لم يكونوا إلا وليدي المخيلة والخيال وهكذا يتراءى لنا أن نيتشه لم يخلق ليكون زعيم مدرسة فلسفية حقيقية، إنه سيبقى وحيداً فريداً، أمة وحده بين الناس، كما كان في حالة تفكيره وتأمله؛ على أن مذهبه تارك وراءه تأثيراً كبيراً. ينمي في روح الفرد وروح الشعب (الأفكار الذاتية)، وهذا التأثير يتبع خيره وشره الجبلة الخلقية التي تلتصق بالأفراد والشعوب. فهو قد يعمل على تهديم طبائع طغت فيها الأنانية على كل شيء حتى جاوزت حدها؛ قد يعمل على رفع بعض الطبائع، يدرأ
следующие страницы →