Полный текст (65 431 стр.). Показаны 11411–11450 · переход к 11416.
стр. 11411
وابن رشيق القائل قبله:
كم ركعة ركع الضبْعان تحت يدي … ولم يقل سمع الله لمن حمدهْ
والعرب تقول فلان يركع لغير صلاة إذا كنوا عن عهر الخلوة. .
قال ابن بسام: ولما صنفت كتابي هذا عن شين الهجاء، وأكبرته أن يكون ميداناً للسفهاء، أجريت ههنا طرفاً من مليح التعريض، في إيجاز القريض، مما لا أدب على قائليه ولا وصمة على من قيل فيه. والهجاء ينقسم قسمين: فقسم يسمونه هجو الأشراف، وهو ما لم يبلغ أن يكون سباباً مقذعاً، ولا هجراً مستبشعاً؛ وهو طأطأ قديماً من الأوائل، وثل عرش القبائل. إنما هو توبيخ وتعيير، وتقديم وتأخير، كقول النجاشي في بني العجلان، وشهرة شعره منعتني عن ذكره. واستَعْدَوا عليه عمر وأنشدوه قول النجاشي فيهم فدرأ الحد بالشبهات. وفعل مثل ذلك بالزبرقان حين شكا الحطيئة وسأله أن ينشده ما قال فيه فأنشده قوله:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فسأل عن ذلك كعب بن زهير فقال: والله ما أودّ له بما قال حمر النعم. . . وقال حسان لم يهجه ولكن سلح عليه بعد أن أكل الشُبْرُم. . فهمّ عمر بعقابه ثم استعطفه بشعره المشهور. . وقد قال عبد الملك بن مروان يوما: أحسابَكم يا بني أمية فما أود أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس وأن الأعشى قال فيّ:
تبيتون في المَشْتىَ مِلَاءً بطونكم … وجاراتكم غَرثى يبتن خمائصا
ولما سمع علقمة بن علاثة هذا البيت بكى وقال: أنحن نفعل بجاراتنا هذا؟ ودعا عليه. . . فما ظنك بشيء يبكي علقمة بن علاثة وقد كان عندهم لو ضرب بالسيف ما قال: حس!. . . وقد كان الراعي يقول: هجوت جماعة من الشعراء وما قلت فيهم ما تستحي العذراء أن تنشده في خدرها. ولما قال جرَير:
فَغُضَّ الطرف إنك من نمير … فلا كعبا بلغت ولا كلابا
أطفأ مصباحه ونام - وقد كان بات ليلته يتململ - لأنه رأى أنه قد بلغ حاجته وشفى غيظه. . قال الراعي: فخرجنا من البصرة فما وردنا ماء من مياه العرب إلا وسمعنا البيت قد سبقنا إليه حتى أتينا حاضر بني نمير فخرج إلينا النساء والصبيان يقولون قبحكم الله
стр. 11412
وقبح ما جئتمونا به. . والقسم الثاني هو السباب الذي أحدثه جرير أيضاً وطبقته، وكان يقول إذا هجوتم فأضحكوا، وهذا النوع منه لم يهدم قط بيتاً ولا عبرت به قبيلة، وهو الذي صُنّا هذا المجموع عنه، وأغفيناه أن يكون فيه شيء منة، فإن أبا منصور الثعالبي كتب منة في يتيمته ما شابه اسمه، وبقي عليه إثمه.
وحكى أبو عامر بن شهيد عن نفسه قال: عاتبت بعض الأخوان عتاباً شديداً عن أمر أوجع فيه قلبي، وكان آخر الشعر
الذي خاطبته به هذا البيت:
وإني على ما هاج صدري وغاظني … ليأمنني من كان عندي له سر
فكان هذا البيت أشد عليه من عظ الحديد؛ ولم يزل يقلق به حتى بكى إلي منه بالدموع. وهذا الباب ممتد الإطناب، ويكفي ما مر ويمر منه في تضاعيف هذا الكتاب. ومن شعر أبي الحسن علي بن عبد العزيز بن زيادة الله الطبني مما أخذته عنه قولة:
كم بالهوادج يوم البين من رشأٍ … يحفو علية وشاح جائر قلق
وكم برامة من ريم يفارقها … لهفان يثنيه عن توديعها الفرق
ونرجس كفرند السيف ساومني … ممللاً بنسم عَرقُه عبق
نادمته وشباب الليل مقتبل … والنجم كَفٌّ يحيينا به الأفق
وفتية كنجوم السعد أوجههم … في أوجه الحادثات الجُوزِ تأتنق
نلهو برقراقة صفراء صافيةٍ … يكاد ينجاب عن أضوائها الغسق
يسعى بها مرهف كالغصن نعَّمه … ماء النعيم عليه النوُر والورَق
وأنشدني أيضاً:
يا سالياً عاشقِيهِ … وعاشقاً كل تِيهِ
ومَن مدامي ونقلي … بوجنتيه وفيه
هلا حزبت فؤادي … ببعض مالك فيه
وأنشدني أيضاً لنفسه:
عجباً أن يكون ساكن قلبي … راتعاً منه في بساتين حبي
ويجازي على الوفاء بِغَدرٍ … حسبي الله ثم حسبي وحسبي
стр. 11413
جازني كيف شئت لا أترك الذن … ب إذا كان فرط حبك ذنبي
وهذا كقول أبي بكر بن عمار:
لئن كان ذنبي للزمان محبتي … فذلك شيء لست منه أتوب
وقول عباس بن الأحنف:
إن كان ذنبي في الزيارة فاعلمي … أني على كسب الذنوب مجاهد
(يتبع)
عبد الرحمن البرقوقي
منشئ البيان ورئيس قلم المراجعة بمجلس النواب
стр. 11414
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
٢٣ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
تعليق المؤلف على فلسفة نيتشه
للأستاذ خليل هنداوي
تتمة
أما النظر إلى نيتشه من حيث الوجهة الأخلاقية فقد لامه النقاد على غرائزه القاسية وأنانيته الطاغية، وقوته البالغة على الضعفاء. على أن له بعض أراء لو لم يسيء الناس فهمهما لآلت إلى نتيجة أخلاقية حسنة؛ فليس يكفى المرء أن يكون فوضوياً هداماً طارحاً عن ظهره التقاليد ليحيا محققا مذهب نيتشه. وليس نيتشه رفيق أولئك الذين يعبثون بالسوبرمان. وهذا نبيه زرادشت كان يطلب إلى الذين يرغبون اتباعه أن ينفذوا مذهبه بقسوة وشدة
(هل أنت شريعة قوية؟ هل أنت شريعة جديدة؟
هل أنت حركة أولى؟ هل أنت دولاب يدور حول نفسه؟ وا أسفاه! ما أكثر أولئك الذين يضطربون بيأس! أرني أنك لست بواحد من هؤلاء الظامئين ولا الطامعين
وا أسفاه! هنالك كثير من الأفكار العظيمة التي ليس شأنها إلا النسمة تهب ثم تتلاشى
إنك تقول إنك حر، ولكي أريد أن أعرف الفكرة التي تسيطر عليك، لا النير الذي رحت تهزه
هل أنت حقاً من أولئك الذين يجدر بهم أن يهزوا نيراً؟ أن منهم من طرحوا كل ما منحتهم بعض القيم، بطرحهم ثوب العبودية والإرهاق حيث كانوا يعيشون.)
ونيتشه ذاته يعلن بأن مذهبه لا يحمله إلا إلى طائفة مختارة تستطيع حمله، والقيام بأعبائه؛ وأما الجماعات الأخرى فليس. عليها إلا الإذعان والطاعة والحياة بإيمان. فلا يجدر بنا والحالة هذه أن نسفه آراءه بحجة أن بعض الضعفاء العاجزين المنتفخة نفوسهم زهواً وكبراً قد أخذوا ببعض تعاليمه واقتبسوا نتفاً من مذهبه ليحققوا مطامعهم وليشبعوا جوع أنفسهم وأنانيتهم وليسعوا إلى هدف العظمة. إن نيتشه هو ذاتي قبل كل شيء، ويكفي
стр. 11415
اعتقاده هذا أن يهيج الناس عليه. فالإنسان الحاضر هو (ذاتي وغير ذاتي) في وقت معاً. يرى في الحالة الأولى نفع نفسه وفي الحالة الثانية نفع غيره، ويتحرى عن سعادتهم كما يتحرى عن سعادته. على أن النزاع بين الحالتين هو نزاع عنيف وقد تقوي في الإنسان حالة منهما دون أخرى على حسب ميوله القلقة التي تميل به إما إلى ذاته وإما إلى المجتمع. فبعضهم تغلب فيه الذاتية على غيرها، فيضحي بمصالح الغير في سبيل مصلحته؛ وبعضهم يضحي بمصلحته عاملاً على صيانة مصالح الغير. أما نيتشه فهو من القائلين (بالذاتية) الذين يحبون ذواتهم؛ ومذهب أهل حضارة العصر إنما يتجلى في اعتناق مذهب المحبة الشاملة؛ وهذا الاختلاف بين نيتشه وبين معاصريه يكفي لأن يثير في خصومه عداوة عميقة وخصومة عنيفة على هذا الذي لا يرى رأيهم في اتخاذ محبة الغير مثلاً أعلى
على أن هاتين الحالتين ليستا من الحالات المعينة التي لا يتخطاها الإنسان ولا يتعداها، إذ لست أرى أحداً مال بكليته إلى حالة وقطع كل اتصاله بالأخرى. فهناك درجات متفاوتة في الغرائز، وهذه الدرجات قد تتغير وتتطور بحسب الزمن والعصر والمحيط. على أننا سنحكم على فلسفة نيتشه الآن حكماً عقلياً واضحاً
إن فلسفة نيتشه هي مثال من أجمل الأمثلة الذاتية الأرستقراطية؛ مثال جميل حي منطقي يحتوي على هدى لكل من يريدون أن يكوّنوا حياتهم ويجعلوا منها مثالاً واحداً يتحدون معه، كما هو الأمر في فلسفة (تولستوي) المناقضة لفلسفة نيتشه. على أن الحل الذي أعطاه نيتشه للمسألة الأخلاقية يتراءى لنا أن احتماله شديد على الأنفس، في الناحية التفكيرية والناحية العلمية، وأن تنفيذ مذهب (السوبرمان) ليفتقر إلى جهود قل أن توجد؛ ونيتشه ذاته يعلن بأن أمثال هؤلاء الأفراد الذين يجد فيهم العبقرية لم يكونوا إلا وليدي المخيلة والخيال
وهكذا يتراءى لنا أن نيتشه لم يخلق ليكون زعيم مدرسة فلسفية حقيقية، إنه سيبقى وحيداً فريداً، أمة وحده بين الناس، كما كان في حالة تفكيره وتأمله؛ على أن مذهبه تارك وراءه تأثيراً كبيراً. ينمي في روح الفرد وروح الشعب (الأفكار الذاتية)، وهذا التأثير يتبع خيره وشره الجبلة الخلقية التي تلتصق بالأفراد والشعوب. فهو قد يعمل على تهديم طبائع طغت فيها الأنانية على كل شيء حتى جاوزت حدها؛ قد يعمل على رفع بعض الطبائع، يدرأ
стр. 11416
عنها كل آفة ويحميها من كل خطر من الأخلاق والديمقراطية والزهد
يبدو لي أن عمل نيتشه له أثر قوي في بيئة كبيئتنا ولا ريب في ذلك، فإن ما أراه في مظاهرنا الاجتماعية لا يدل على فيض في الحماسة المادية والخلقية. قليل من المفكرين الذين هم في مستواه يعرفون أن يسوقوا الإنسان إلى معرفة نفسه والوقوف إزائها مجرداً؛ وقليل من أصحاب جمهورية الفضيلة من يمزقون - في وضح النهار - هذه الأغشية الرقيقة والأكاذيب الخفيفة التي تستر بها النفس ضعفها وجبنها وذلها وعجزها؛ وقليلون من علماء النفس في وضح وأبان وأحسن البيان عن الحقيقة الذليلة التي ترتدي هذه الأثواب المزركشة: أثواب الشفقة ومحبة القريب والزهد
إن نيتشه كالطبيب الصارم الذي لا تدخل قلبه الشفقة؛ والعلاج الذي يحمله إلى مرضاه، علاج قاس خطر استعماله، ولكنه علاج يخلق العزم والقوة. إنه لا يعزي من يأتيه شاكياً، ولكنه يترك الشاكين تسيل الدماء من جراحهم ليجعلهم أكثر قسوة وأشد احتمالاً للألم. فهو إما أن يشفي مرضاه شفاءً صحيحاً أو يقتلهم؛ قد يخشاه الناس للمرة الأولى ويفرون من مباضعه، ويلقونه باحتراس ووجل! يتساءلون: أليس هذا الإنسان شريراً جلاداً؟ يفرون من طريقه ويختلفون إلى أطباء خفيفة أناملهم، لينة كلماتهم، حلوة علاجاتهم، خالية تعاليمهم من الشدة والصرامة، ولكن نيتشه يلوذ به فريق من المخلصين له ولأنفسهم، يهوون صرامته ويحبون استقامته وخلقه كله. وفي اعتقادي أن هؤلاء لم يكونوا مخدوعين بإعجابهم به وإخلاصهم له، وقد علموا أنه - ليس عن صرامة قلبه ولا معرفته للألم معرفة خاطئة - قد غدا صارماً قاسياً على الإنسانية المتألمة؛ وحياته كلها مشحونة بالحوادث البالغة والمصائب الكبيرة؛ وحظه السيئ الفاجع قضى عليه بأن يكون صادفاً عن الإشفاق على ضعف الإنسانية وفاقتها. إنهم ليقفون بخشوع وجلال إزاء الجبار الذي لم يخضع للذل ولم يلعن الوجود، برغم مرضه العضال. وظل على غبطته ورضاه في الحالة التي كان يصارع فيها الموت والجنون دون أن ينفذ إليه الوهن والضعف، متمماً أنشودته المؤثرة في تمجيد الحياة الفنية الفياضة المخصبة، مناضلاً حتى النهاية - الألم الذي غلب على عقله ولم يستطع أن يقهر إرادته الواعية
لماذا أكرمت نيتشه؟ وما الفائدة التي يجنيها العقل العربي منه؟
стр. 11417
حقاً إن بيني وبين نيتشه أسباباً لا أظن انقطاعها يسيراً؛ وقد اختلفت إليه ليالي كثيرة وليس بيني وبين نبيه فاصل. أبثه من روحي ويبثني من روحه. نتألم معاً من الحياة ونرقص لها ابتهاجاً. ولا أدري علة هذا الترابط ومن يستطيع أن يحفظ على التحقيق كل سبب يربط بينه وبين مفكر ما؟ أليست هناك أسباب مختلفة قد تتآلف وقد تتخالف، فتمزج هذا المفكر مع عقلك وقلبك، أو لا تزيدك منه إلا نفوراً؟ وما عسى يكون سر تعلقي بنيتشه إلا سر تعلقي بالحياة؟ كانت الحياة عندي ظلمة حالكة فغمرها نيتشه بفجره. كانت الحياة شكا مراً وقلقاً مستحوذاً عليّ فبدل شكي بايمان، وقلقي بعزيمة لا تتقلقل. كان سفيني مضطربا في خوض لحج الحياة، تهم يد الضلال بافتراسه، فاستنقذه نيتشه وساقه إلى منارة النجاة!
ذلك فضل نيتشه علي، وأعظم بهذا الفضل! وكيف يريد أولئك الذين لاموني على انكبابي على نيتشه أن أصدف عنه؟ وإنني لواجد فيه علامة من العلامات الواضحة التي تنصبها الحياة للظالين عن مناهجها؛ فنيتشه هو علامة فيض الحياة المتفجرة والإرادة الصارمة. ولعل أولئك السقماء الذين أتوه فروا من مباضعه القاسية وتعاليمه العنيفة لأنهم يريدون علاجاً يبعث في أعضائهم المشلولة الدفء والسكينة، وهو إنما يريد أعضاء تبارك الحياة بالعزم والحركة. إنه قد أحرق العلاجات المخدرة للأوجاع قبل أن يقدموا. فإن كنت صابراً على احتمال قسوته فتعال إلى نيتشه
إن نيتشه ليس بمفتقر إلى جثث - خالية من الإحساس - يحملها على ظهره، وإنما هو يريد رفاقاً أحباء هدامين مثله، قد ادّرعوا الإرادة وصافحوا الألم رفيقاً لا سيداً يقتحمون بإرادتهم وصرامتهم كل شيء كالسيل الجارف؛ لا يصدهم عن غرضهم صاد، ولا يقف سيرهم حاجز؛ يثبون فوق القمم وثباً لا يزحفون زحفاً؛ في نفوسهم عقيدة تفيض حماسة وقوة، يفرضونها على الزمان ولا يجد الزمان إلى إضعافها سبيلا. هؤلاء الرفاق الأشداء يستطيعون أن يمشوا مع نيتشه، ويمجدوا الحياة في كل أدوارها، ويحلقوا فوق آلام الحياة وأفراحها
أن كاتب (فلسفة نيتشة) بالفرنسية يرى في اقتحام نيتشة لبلاده نعمة، لأنه لا يرى في مظاهرها الاجتماعية ما يدل على فيض وحماسة في الناحية المادية والخلقية. وإن نيتشه ليبعث هذا الفيض وبخلق هذه الحماسة في الناحيتين. فإذا كانت فرنسا الحية تفتقر إلى من
стр. 11418
يفيض على حياتها حياة، فكيف بشعوبنا التي قتلها التخاذل بينها!
توجه أنى شئت؛ فهل أنت واجد معي إلا قطعاناً هائمة على وجوهها، ورعاة غافلين همهم صفو السمر، وأواصر مقطوعة، وتقاليد حامدة، يتغنى بها القوم حين يريدون الرقص والغناء، وشباباً مخنثين تناسوا رجولتهم، وأهملوا رسالتهم؛ كأنما تلك الراحة الطويلة العريضة قد أورثت أعضائنا الشلل، فإذا وثبت فيها الحياة لم تقدر على الحركة. وارم بطرفك أنى شئت فإنك واجد هذا الموت الاجتماعي وجمود الفكر
وكأنا لم يرض فينا يريب الد … هر حتى أعانه من أعاننا
فأصبح تفكيرنا رياء، والتظاهر بالتقاليد رياء، وهل كان الرياء إلا ثوباً من أثواب الضعف والعجز ترتديه أمة رضيت لنفسها أن تهوي بدلاً من أن تصعد، وإن إغفال علماء الاجتماع عندنا لهذه الظاهرة الخلقية إغفال فيه جناية لا تغتفر. يجلس مفكرنا في جماعة فيفصل لفكره عشرين وجهاً، يأتيهم بوجه ويعرض عنهم بما بقي. ويصلي أحدنا عشرين ركعة، يمنح واحدة الله، ويمنح الباقيات للناس؛ وهكذا غلب الرياء علينا في كل مظاهر تفكيرنا وتقاليدنا. وإنني لأخشى يوماً يرسو فيه الرياء في أنفسنا فيغدو متأصلاً فينا حتى يصبح علامة من العلامات الفارقة لهذه الأمة
هذه هي المظاهر التي غاظت نيتشه يوم أعلن الثورة على الضعف والرياء. وليت شعري من سيبغضه الضعف والرياء في مجتمعنا الحاضر، فيعلن الثورة عليهما وعلى المرتدين أرديتهما!
إن العقل العربي عقل قوى بنشأته، صادق بعزته، وهو لا يحتاج إلى من يبث فيه معنى القوة والصرامة لأنه قائم عليهما. ولكن جيلنا الحاضر اعتنق الفكرة العربية مجردة من معنى القوة والصرامة؛ فتشوهت بذلك الرسالة وضاعت معالمها. إن المجتمع العربي يفتقر إلى من يرد عليه هذه الأمانة التي لا يعلم إلا الله سالبها. والمجتمع العربي بعدها غالب عليه الاضطراب والخزي والظلال. فمن يرد عليه أمانته ويعيد إليه صرامته؟
كنت أتلو مواعظ - زرادشت - فأحس أن قوة جديد أخذت تطغى على قلبي، وأشعر باضطراب في نفسي جعلني أومن بأن الحياة لا يعسر عليها أن يخرج منها ألف حياة. ولم لا!؟. كنت أسير معه وهو يهدم خيالات الرياء، ويضرب التقاليد بعضها ببعض، فأطرب
стр. 11419
لشجاعه، وأعجب بنفسي وأسألها: (هل كان في استطاعتك أن تطئي هذه الأرض لولا هذا النبي؟)، ولكن طربي لم يكن طرباً خالصاً لأنني كنت أبغي لمثل هذا النبي الهدام أن يقيم بيننا ليلة واحدة، تنفذ عينه خلالها إلى قلوبنا الطافحة غشاً وخباً، وقصورنا ومعابدنا المفعمة كذباً ورياءً، فينظف هذه القلوب ويدمر هذه القصور
أين أراك يا زرادشت العرب؟ ومتى يكون الموعد؟ فقد اصطلح على إيذائنا كل شيء حتى أنفسنا. تمشى الحياة بنا ونحن ذاهلون، ويتباهى الغير برجولته الصارمة ونتباهى نحن بالخنث، ويستيقظ الفكر في موطنهم ونحن نضرب حوله السدود ونقيم له حدود، نفر من الألم لأنه يضنينا، ونستجدي الفرح من غيرنا استجداء؛ يتحرك كل شيء حولنا ونحن لا ترضينا الحركة ولا تستهوينا اليقظة. نقول بالإنسانية ونشفق عليها، وقائلوها لا يملكون من (إنسانيتهم) شيئاً. يحسون آلام غيرهم ولا يحسون آلامهم. يشدد غيرنا روح (الذاتية) عندهم، ونحن نسعى إلى محوها، كأننا نريد أن نمثل دور الشرق الأول يوم كان يفيض إنسانيته على غيره. . . وقد قتلنا هذا الحب المفرط للغير، وقد قتلنا هذا الزهد الخامل. تسامى غيرنا فوقنا فهم يريدون أن يعرفوا أنفسهم بعد أن وجدوها، ونحن تائهون لما نعثر على أنفسنا
تعال أيها النبي أينما كنت، فهنا كثيرون ممن يرتقبون أوبتك. واحمل مباضعك وائت بنفسك وقلبك وأيقظ أفكارنا وبث فينا الحياة. أعطنا الحياة وخذ منا فديتها. أتريد منا أن نتألم؟ إننا نتألم ونحتمل الشقاء في سبيل الحياة. شدد شعورنا بالحياة وزدنا إيماناً بها. اهدنا إلى أنفسنا وحببنا فيها فقد علمونا أن نمقتها. تعال استأصل جذور الضعف فينا والذل فقد أكلت أنفسنا الاحشاشات. . . تعال ولا تعطنا شيئاً إلا ما نؤدي ثمنه، فقد أدركنا أن كل ما يُعطى ويوهب رحمة يضر بآخذه. تعال يا إرادة القوة والصرامة، فكثيرون هنا يرتقبون وصولك. . . والطريق ممهد، والغاية دانية القطوف
(انتهى)
(دير الزور)
خليل هنداوي.
стр. 11420
القصص
مأساة من اسخيلوس
ثار اورست
الدرامة الثانية من (الأورستية)
للأستاذ درينى خشبه
خلاصة الدرامة الأولى
(قدم أجاممنون، ملك آرجوس وقائد الحملة الهيلانية على طروادة، ابنته إفجينا قرباناً للسماء لتسكن العاصفة وليمخر أسطوله عباب الماء؛ فاحزن زوجته كليتمنسترا، وأم الفتاة لا تفكر إلا في ابنتها، وزادتها وحدتها في قصر البلوبيديه وحشة، وجعلت من حياتها قفراً مظلماً حتى اتصلت بابجستوس ابن عم أجاممنون الذي ذبحت اخوته وأطعم أبوهم لحمهم وهو لا يدري، ثم قتل هو أيضاً، وكل ذلك بتدبير أتريوس أبي أجاممنون. . . وهنا تجتمع الأحن وتتضافر الأحقاد، ثم تنقلب العلاقة إلى حب فعشق دنئ. . . فتآمر على قتل أجاممنون حين يعود من طروادة. . . ويعود أجاممنون ظافرا وتكون معه كاسندرا ابنة بريام ملك طروادة التي تتنبأ بمقتل الملك، وبمقتلها أيضاً بيد الملكة زوجها وبتدبير ايجستوس. . . وتخدع الملكة زوجها فيمشي على بساط الديباج الأحمر فتغضب الآلهة، لأن المشي على الديباج حق خالص من حقوقها. . ويقتل الملك وتقتل كاسندرا في أثره. . . ويستوي ايجستوس على عرش آبائه مشتركا مع كليتمنسترا في حكم آرجوس رغم سخط الشعب ولعنات الجماهير. . .)
- ١ -
قتل أجاممنون!
وخلص العرش لأيجستوس ولعشيقته الملكة الفاجرة , كليتمنسترا. ولكنه كان عرشاً شائكاً، ظاهره فيه الرحمة، وباطنه فيه اللعنة الأبدية، وسخط الأرباب وبغض العباد. . .
وكانت الأم الآثمة قد أبغضت كل ما يثير في قلبها ذكرى أجاممنون. . . وكيف لا تبغضه
стр. 11421
وها هي ذي حياتها تنقلب فتكون لذاذة خالصة، وهوى مجرماً، وغراماً تخامره شهوة التشفي، وتختلط بغمراته حمى الانتقام! إذن هي تبغضه، وهي تغلو في بغضه لأن عيونها في طروادة حملت إليها ما كان من غرامه الشديد بخريسيز إحدى سبايا الحرب، ثم ولعه الفائق بأختها بريسيز التي خاصم فيها أخيل؛ ولم يبال أن يهجر الميرميدون حلبة إليوم من أجلها. ولم يكن يحسبه هاتين، بل عاد من حومة الحرب فاقتحم القصر العتيق الشاهق بعربته المطهمة، وإلى جانبه خليلة ثالثة من خليلاته الكثيرات، هي هذه النبية المباركة البائسة. . . كاسندرا، ابنة بريام، وحميمة أبوللو في الزمن القديم!
أبغضته كليتمنسترا إذن، وأبغضت كل ما يثير ذكرياته في فؤادها. . . ولو كان أبناؤها الذين حملت بهم من صلبه! وهي تقسو وتقسو، وتغلو في قسوتها، حتى لتأمر بابنها الواحد أورست، وكان حدثاً لا يعرف من الدنيا إلا أن نصفها أبوه. . . ونصفها الآخر أمه. . . فيُنفى إلى أقصى الأرض، وليكون بمعزل عن هذه الحاشية الموبوءة التي قد تثير فيه نخوة الرجولة حين يشتد عوده وينضج قلبه، فلا يكون له هم إلا الأخذ بثأر أبيه، والفتك بقاتليه. . .
- ٢ -
أما اخته، أما الِكْترَا، فقد بقيت في القصر لتشهد الفصل الأخير من المأساة. . . أو لتشهد كل الفصول الدامية التي تتركب منها المأساة! لقد بقيت على كره منها لنعيش عيشة الرقيق، وتحيا حياة الخدم، ولترى إلى أمها تتقلب بين ذراعي عاشقها وملء حضنه، ولتنعم على خرائب أسرة الأترديه، ولتبني على أنقاضها القصور والعلالي!
بقيت إلكترا لتبكي دائماً. . . ولتبكي دماً! يا للعذارى!! لقد كانت في ملاعب شبابها تحلم بمُلكٍ وبتاجٍ وبشعب يسجد تحت قدميها، وهي اليوم تتشهى الموت فلا تجد إليه سبيل!! لقد كانت بالأمس تمرح بين قلبين يغمرانها بالحب، وأبوين يلقيانها بالبشاشة، وهي اليوم لا عزاء لها إلا وقفة باكية بقبر أبيها المقتول، ووقفة تتصدع لها جوانب نفسها عند مخدع أمها العاشقة. . . الفاسقة. . . وهل في إحدى الوقفتين عزاء؟!
بقيت الكترا ترقب رسول السماء الذي يأخذ بثار أبيها،، وبقيت لتكون رائد هذا الرسول يوم يجيء. ولم يكن لها من ولي ولا حبيب في هذا القصر الشاهق العتيق إلا هذه العجوز
стр. 11422
الشمطاء الطيبة، مرضعة أورست، التي بكت أحر البكاء وآلمه وأوجعه يوم أخذوا منها ولدها - كما كانت تدعوه - ليُنفى في أقصى الأرض
لقد كانت هذه العجوز الشمطاء امرأة ثاقبة الفكر، رحبة الصدر، شديدة الإيمان في السماء! فكانت تواسي الكترا وتأسو جراحاتها، وتمنيها الأماني، وتزخرف لها الأمل، وتذكر لها أن عين سيد الأولمب الساهرة لن تغفل عن لؤماء قصر آل (بيلوبيديه) وإنها ترعى فتى القصر في منفاه، حتى إذا آنست فيه استواء أرسلته كالصاعقة على المجرمين؛ فنقض بنيانهم، وزلزل أركانهم، وانتقم لأجاممنون!
وكان قاهر طروادة قد جلب معه غير كاسندرا عدداً وافراً من السبايا الطرواديات، فاستطاعت المرضعة العاقلة، المحنكة، أن تجعل منهن جندا لها، وحاشية مخلصة لفتاتها المعذبة، يخففن من برحائها، ويكن لها أهلاً كلما عزها الأهل
ومضت سنوات عشر فسقطت طروادة
ومضت سنوات عشر بعد مقتل أجاممنون
واشتد ساعد أورست، وعاد ليبطش بالقتلة السفاكين وبدأت المأساة الثانية
- ٣ -
لمن هذه الأشباح السادرة التي تهرول بين المقابر مُهطِعة إلى رمس أجاممنون؟
إنها تختلط بغبشة السباح وتمتزج صُعداؤها بأنفاسه، وإنها لتضمر في قلوبها لظى ينعكس في ذاك الشفق الذي يضطرم به الشرق. . . حيث يسبح البنفسج في حمرة الدم!!
آه! أنه شاب غرانق، سمهري، مجلل بالسواد يجثو فوق الثرى. . . يبكي ويصلي!! وإن بالقرب منه لصديقاً ينتظره. . . ويذرف دموعه من أجله. . . فيا للمودة في الرزء، ويا للإخلاص في الشدائد!! اسمع إلى الشاب المحزون: يخاطب تمثال هرمز النصفي المنتصب فوق القبور، ثم يكلم من بالقبور:
- (يا هرمز اللطيف، يا إله الأرواح وحاديها إلى هيدز، أيها الساهر على هذه المقبرة وعلى كل مقبرة. . . العوْن العوْن!)
ويضع خصلتين من الشعر على قبر أبيه، ويقول: (هأنذا أضع خصلة من الشعر هنا تحية لأيناخوس الذي رويت بمائه، وترعرعت على شطئانه. . . وأخرى تحية للموتى. . . يا
стр. 11423
رحمتا لك يا أبي! هكذا شاءت قسوة المقادير ألا أكون قريباً منك فأذرف عبرتي الطاهرة فوق ثراك، وأروي الصفاح المركوم فوق جثمانك بالغيث الغزير الذي أرسلته من أجلك في دار غربتي!)
- ٤ -
ويقلّب وجهه في بنفسج الشرق المموّه بالقرمز، فيلمح نسوة يتعثرن في سبيلهن بين المقابر، ميممات شطر قبر أبيه! فيوجس في نفسه خيفة، ويحسب أن جديداً من نكد الحياة قد ألم بالبقية الباقية من دم أجاممنون في الـ (بيلوبيديه!)
ولكنه سرعان ما يعرف بينهن أخته! أخته بعينها! هي! هي الكتر! وهي تحمل كالأخريات زِقاً صغيراً وتقبل قُدُماً إلى المقبرة. . .
- (لم أقبلن إذن في هذه البكرة المقرورة؟ يا لله! العون يا سيد الأولمب! صديقي بيلاديز! هلم نختبئ لنرى!)
ويختبئ أورست وصديقه بيلاديز، وتقبل النسوة في إثر الكترا الواهية التي حطم قلبها الحزن، وأوهن جسمها الأسى. . . ويأخذن في نشيد باك يتفجر في موسيقاه الدم. . . ويمتزج شجوه بالدموع. . . ويشرن إلى القبور وبينها هذا القبر، ثم يتلفتن فيرين القصور النائية وفوقها هذا القصر!. . . فيرثين لآرجوس ويرثين للفتاة المحزونة الواقفة بينهن. . . ويصلن ترنيمتهن. . . فيذكرن نأيهن الذي شط واستطال عن الأوطان ويذكرن هذه الشباك المحكمة من الجواسيس والعسس المنشرة فوق آرجوس، تلتقط الأبرياء والمظلومين ليروي من دمائهم إيجستوس، ولنجهز من شبابهم النضر ضحايا لفسق الملكة!. . .
وتتكلم الكترا، بعد أن تذرف عبرة أو عبرتين، فتستثير المنشدات فيما أمرتها أمها الآثمة أن تفعل بزقاق الخمر. . . في هذا المكان القفر. . . إلا من الذكريات!
- (إذا صببت قرباني الخمري، فماذا أقول؟ هل أقول (قربانا يا أبي، من زوجتك التي سفكت دمك غير راحمة، نُشْداناً للذة، وحرصاً مجرماً للهوى؟) أم أقول (لتهدئي يا رفات! ولترضيْ بالغدْرة الكبرى التي دبرت لك، فلا تنتفضي تحت أطباق الثرى لترسلي الويل على الظالمين؟)، أم أصبها وألقي الرقاق ثم أنثني كأن ليس بي من ذلك النائم حزن مقيم ووجد دفين!) تكلمن بحق مودتي عليكن، فنحن في الهم شركاء، ولا تحبسن محض النصح
стр. 11424
عن فتاتكن، ولا تخشين في البلاط الدنس أحداً، فالأقدار قد شاءت أن تبسط كفها القاسية في هذه المأساة على رقاب السادة وأعناق العبيد، حتى يكونوا سواسية. . .)
- حُبّاً يا أميرة وطواعية. . . إن قبر أبيك يفرض علينا النصح لك)
- (إذن. . .!!)
- (إذن فاضرعي أن يسمع الأصدقاء لصلاتك، وتصغي قلوبهم لتوسلاتك!)
(الأصدقاء؟! أي أصدقاء يعنيهم ما أصلي وما أتوسل؟)
- (أنت، وذلك النائي عن هذا الديار!)
- (من تعنين بحق الآلهة عليكن؟)
- (أورست!! أخاك يا أميرة!! صلي من أجله واظرعي للآلهة أن تسعفك به!)
- (آه! للآهة دَرُّكنَّ إذن!)
- (ثم فكري في هذا الدم المسفوك، وفي أصحابه الأشرار الفجرة!)
- (وكيف؟. . . . . . . . .)
- (قد ترسل الآلهة نقمتها. . .)
- (ولمه! وعلى رأس من؟)
- (على رؤوس المجرمين!)
(ويلاه! المجرمين؟! ومن هم المجرمون؟. . . يا سماء!. . . يا سيد الأولمب! رحماك يا إلهي! اللهم أرع أخي يثأر لأبي. . . من. . . ممن يا عذارى إليوم؟! ممن؟ آه يا روح أبي! رفرفي في سماواتك! وانتفضي في هيدز! وتعالي فأرسلي أورست يثأر لك!)
وتترنم المنشدات، وتأخذ السكترا في صب الخمر
- (يا للآهة! ماذا أجد؟ خصلتان من الشعر؟)
- (خصلتان من الشعر؟ من رأس من يا ترى؟)
وتضع الشعر عند رأسها فيبدو الشبه كبيراً، فتنزعج. . .
- (ماذا بك؟ فيم تمنقعين هكذا؟. . .)
- (إنهما من رأسه!. . . من رأسه هو! من رأس أخي؟)
- (ربما يا أميرة! ولكن! كيف جازف بنفسه في هذه البرية الوحشة؟ من أرسله؟)
стр. 11425
وتنظر السكترا حول المقبرة فترى آثار أقدام. . .
- (وما هذا أيضاً؟. . . آثار أقدام!. . . لا ريب إذن! أنها آثاره يا عذارى! ولكن!!. . . إنها آثار رجلين لا رجل واحد!. . . آه. . . قد يكون صديقاً. . . يا سماء!. . .)
ثم يظهر أورست فجأة، ويقول:
- (إذن! قد سمعت السماء صلاتك!
فتنزعج السكترا، وتدهش المنشدات. . .
- (من!! من الرجل؟. . .
- (أنا؟ أنا هو؟. . . أنا من كنت تهتفين باسمه الآن!)
- (أوه! أتخدعنا يا صاح؟ اذهب! وحسبنا ما نحن فيه!)
- (أخدعك؟ إذن اخدع نفسي!
- (سخرية. . . اذهب، اذهب!)
- (سخرية. ز.؟ بمن؟ بى؟. . . اسخر بنفسى؟)
- (أفأنت هو حقاً؟. . .
- (. . .؟؟. . .)
ويبكي أورست!
- (. . .؟ أورست؟ أخي؟)
- (. . . أفي مرية أنت؟ السكترا؟. . . خذي هذا الشعر؟ أيضاً. . . خذي! هاتى رأسك وانظري!. . . . . . ولكن انظري أيضاً! أليس هذا هو الجلباب نفسه الذي خاطته يداك؟ إنه هو. . . اللحمة والسدى!! والصور المطرّزة!. . . لا. . . لا. . . لا يقتلك فرحك! ليس لنا الآن أن نفرح بهذا اللقاء المفاجئ بين يدي ذلك القبر المنفرد! إن لنا لساعة!. . . اكبحي جماحك، وهيمني على فؤادك! فلنا أعداء. . . وهم أقرب الناس إلينا. . .)
- ٥ -
ولم يكذب أورست، فلقد كاد الفرح يقتل السكترا؟ إنها لم تره منذ عشرين سنة؟ ثم. . . أليس هو الآن بين يديها بعد طول انتظار. . . وأحلام. . . وأماني؟. . . أولم تكن هذه اللحظة فقط، تصلي للسماء، وتضرع للآلهة، أن ترسل لها أورست؟ اليست السماء قد
стр. 11426
صغت، والآلهة قد استجابت؟
لقد كانت أمها رأت في نومها حلماً مزعجاً ممضاً. . . رأت أنها تلد أفعى هائلة، ذات أنياب! وإنها تأخذها فتضمها إلى صدرها. . .! يا للهول! ذات أنياب! وإنها تأخذها فتضمها إلى صدرها. . .! يا للهول! إن الملكة تنتفض من نومها مذهولةً مروعة!. . . وإنها لتذكر أجاممنون فجأة. . . تذكره بعد عشرين سنة! وتذكر أورست المنفي بأمرها في أقصى الأرض! وإنها لتهب من السرير الديباجي الوثير. . . وتنثر ذراعي إيجستوس الجبارتين الملفوفتين حول خصرها!. . . وإنها لتنطلق في القصر مذعورة في أبهائه. . . إلى. . . بهو العبيد والخدم. . . بهو العذارى الطرواديات، حيث تنام إلكترا على فراش من الشوك، تفكر في عشرين سنة مملوءة بالدم. . . مملوءة بالدم. . . مملوءة بالدم. . .
وإن الملكة لتوقظها من أحلامها، وتأمرها، وسائر الطرواديات، فينطلقن إلى المقابر بزقاق الخمر، يسقين الثرى، ويقربن إلى أجاممنون. . . ويرضين روحه الغضبى!!
ولكن، ولكن الصلاة تنقلب، والقربان يصعد إلى السماء فيغضب الآلهة، فترسل أورست، ويتحقق الحلم الأسود. . . . الأفعى! الأفعى ذات الأنياب، يتدفق منها السم الزعاف!!
ويصليان لزيوس صلاة حارة، ويضرعان إليه أن يكون معهما فيما قادمان عليه من ذلك الهول الأكبر. . . فإذا ارتفع صوتهما، وعلا جُؤارُهما، تقدمت رئيسة المنشدات فابتهلت إليهما أن يتكلما همساً - (فقد تسمعكما أُذن شر فيفشل سعيكما وتذهب ريحكما، ولا تقوم لكما قائمة من بعد!) فيطمئنها أورست - (ليفرخ روعك أيتها السيدة الصالحة! فلقد أرسلني أبولو لآخذ بثأر أبي، فإن لم أفعل، فليجمد دمي حتى يكون كالثلج في عروقي! لا بد أن يشربا بالكأس التي أفرغاها في فم هذا الثاوي هنا. . . يتطلع إلى ما يفعل له أبناءه، وآخر أثاره منه في هذه الحياة!)
ويتقدم الفتى والفتاة فيصليان على قبر أبيهما صلاة حارة، ثم يعطيانه موثقاً صادقاً أن يثأرا له، ولو كلفهما الأثآر له هذه الصبابات من الدم التي أبقى عليها الأسى في عروقهما
ويلتمسان منه العون، ويضرعان إلى السماء أن تكون معهما، والى الآلهة أن تسدد خطاهما
(البقية في العدد القادم)
دريني خشبة
стр. 11427
البريد الأدبي
وفاة الأستاذ جميل صدقي الزهاوي
كانت أعراض الشيخوخة وأزمات الداء قد أخذت منذ حين تصارع في غير هوادة حيوية القلب الفتي والعصب الشاعر في هيكل الزهاوي، وكان الزهاوي يأبى أن يهادن الزمن الغلاب، فهو حركة فكرية دائبة وجملة عصبية ثائرة، لا يفتر ليله عن الفكر، ولا يكل نهاره من الحديث؛ وحديثه المتصل في قصر الإلهام، وفي دار الدفتري، وفي مقهى (أمين) إذابة لجسمه وإحراق لعصبه، لأنه لا ينفك منفعلاً بشعوره متأثراً بطبعه. وحياة الزهاوي كلها تفكير في قصيدة، أو قراءة في كتاب، أو محاضرة في حديث
ذهب الزهاوي يوم الأحد الماضي متأخراً على غير عادته إلى قهوته المختارة في منعطف شارع خالد بن الوليد ببغداد، وكان أصدقاؤه وتلاميذه وسماره قد تحلقوا حول مقعده الخالي ينتظرون كاهن أبوللو وشاعر الفكر الحديث؛ دخل متوكئاً على ذراع خادمه محمود، وهو يبسم لجلاسه بسمة السراج الفاني والأمل الشاحب؛ ثم شكا بعد شوط من الحديث الممتع ألماً في أعلى كتفه الأيمن عزاه إلى كثرة ما كتب ليلة الأمس، إذ قضى ليله ينظم قصيدة أخرى يحيي بها مصر على لسان الوفد النيابي الذي سيزورها عما قريب؛ ثم اجتزأ بأكل قليل من الكمأة ولم يعد إلى الغداء في البيت، واقترح على صديقه الأستاذ بحري صاحب العقاب أن يذهبا إلى السينما فيشاهد فلماً مصرياً ورد بغداد منذ قريب، ولكن الألم اشتد بَرْحه والقلب زاد وجيبه؛ فأقبل على صديقه وقال بلهجته الخاصة: (يا أفندم! إن هذا الألم يكاد يقضي عليّ، وهذه النوبات العصبية تنهك قواي. . يا أرحم الراحمين أنقذني من هذه الآلام!) ثم رغب أن يعود إلى داره؛ ولم يكد يدخلها حتى أحس بالداء يتسع وبالنفَس يضيق، فدعوا إليه الطبيب حوالي الساعة الرابعة بعد ظهر الأحد ولكنه كان قد فارق الحياة!
ريعت بغداد بالنعي المفاجئ والخبر الأليم، ولملكها الجزع على لسانها الذي أخرسه الردى، وقلبها الذي أسكته القدر، وتقاطر الناس على دار الشاعر الهامد يتقدمهم الوزراء والعلماء والنواب والأعيان والقادة؛ وفي الوقت المحدد للجنازة من ظهر يوم الاثنين خرج النعش محمولا على أكتاف عشرين طالباً من طلاب الفتوة فوضعوه في السيارة، وجلس من خلفها
стр. 11428
الشاعران الكبيران رضا الشبيبي ومعروف الرصافي، ومن أمامها اثنان من أقارب الفقيد. فسارت تحيط بها السريتان الأولى والثانية من الفوج الأول، تتقدمها فوق الجوالة وفرق الفتوة للمدارس الثانوية والعالية ودور المعلمين ومع كل فرقة إكليلها، ويمشي وراءها الوزراء الحاليون والسابقون والمديرون العامون وكبار الضباط ووجوه البلاد وجماهير الشعب حتى بلغت الأعظمية فصلوا عليها في مسجد الإمام أبي حنيفة؛ ثم حملتها فرقة من فرق الفتوة إلى مرقدها الأخير في باحة (دار العلوم العربية) على مقربة من ضريح الإمام الأعظم. تغمد الله شاعر العروبة بالرحمة وعزى فيه الأمة العربية خير العزاء
ذلك خبر تلقيناه بالطيارة آخر الوقت فسجلناه عن الرجل الذي مات، أما الزهاوي الصديق الشاعر الفيلسوف، فسنعود إليه ثم نعود
ندوة الزهاوي
روت (البلاد) أن رجال الأدب في بغداد أبدوا رغبتهم الملحة في أن تجعل الحكومة دار الأستاذ الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي (ندوة للأدباء) في بغداد، واقترح أحدهم بأن تقوم الحكومة بشراء هذه الدار وترتيبها وتنسيق أثاثها بما فيها كتب الأستاذ ومخطوطاته ودواوينه على غرار دار (شكسبير) في إنكلترا، ودار (جوته) في ألمانيا، و (فكتور هوجو) في فرنسا؛ وليس ذلك كثيراً على وفاء العراق، ولا غريباً من حكومة الهاشمي
تأبين الزهاوي
كذلك روت الجريدة أن جمهرة من كبار رجالات العاصمة وأدبائها اعتزموا إقامة حفلة تأبينية كبرى لفقيد العربية، وشيخ القريض الزهاوي في يوم أربعينه، وستكون الحفلة تحت إشراف الدولة، وسيدعى لها كبار الأدباء والشعراء في الشرق العربي
أسبوع المتنبي في الجامعة المصرية
حالت الحوائل السياسية المعروفة دون إقامة هذا الأسبوع في الموعد الذي حدد له من قبل، وقد استقر اليوم قرار كلية الآداب على أن يقوم في قاعة الجمعية الجغرافية الملكية في الساعة السادسة من مساء الأيام الآتية على النحو الآتي:
الثلاثاء ١٠ مارس: خطبة الافتتاح لساحب السعادة الأستاذ مدير الجامعة، و (المتنبي شاباً)
стр. 11429
للدكتور طه حسين
الأربعاء ١١ مارس: (سيف الدولة الحمداني) للأستاذ عبد الحميد العبادي، ثم (المتنبي وسيف الدولة) للأستاذ أحمد أمين
الخميس ١٢ مارس: (كافور الأخشيدي) للدكتور حسن إبراهيم حسن، ثم (المتنبي في مصر) للأستاذ أحمد الشايب
السبت ١٤ مارس: (المتنبي من خروجه من مصر إلى وفاته) الأستاذ مصطفى السقا، ثم (أسلوب المتنبي) للأستاذ عبد الوهاب حموده
الاثنين ١٦ مارس: (المتنبي والنحاة) الأستاذ إبراهيم مصطفى، ثم (فلسفة المتنبي) للأستاذ مصطفى عبد الرزاق
الثلاثاء ١٧ مارس: (مكانة المتنبي في الأدب العربي) للدكتور طه حسين
١ - قبر أبي عبيدة عامر بن الجراح. ٢ - الرقيم
قرأت في الصفحة ٣٧٦ من المجلد الأول من دائرة المعارف الإسلامية التي يقوم بترجمتها لفيف من شباب مصر الناهض، أن أبا عبيدة عامر بن الجراح توفي بالطاعون عام ١٨هـ في أمواس وأن قبره بجامع الجراح في دمشق
والراجح أن أبا عبيدة توفي شرق الأردن بالطاعون الذي ينسب إلى عمواس (لا أمواس كما ترجمت خطأ) وعمواس هذه قرية تقع بين القدس ويافا. ولعل وباء الطاعون تفشى فيها أولاً ثم انتشر في جميع البلاد السورية فمات به خلق كثير منهم أمين الأمة ومعاذ بن جبل وضرار بن الأزور وشرحبيل بن حسنه ويزيد بن أبي سفيان. ودفنوا جميعاً في غور الأردن، ولا تزال قبورهم ماثلة للعيان عدا قبر يزيد الذي اندثرت معالمه ولم يبق له أثر
وقد رمم ضريح أبي عبيدة في عهد السلطان بيبرس كما جاء في الكتابة المنقوشة عليه، وهذه صورتها عنها:
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(وأمر بإنشاء هذه القبة المباركة على ضريح أبي عبيدة الجراح ﵁ مولانا السلطان الأعظم سيد ملوك العرب والعجم ركن الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين أبو الفتح بيبرس ابن عبد الله قيم أمير المؤمنين خلد الله ملكه ابتغاء مرضاة الله ورسوله مما
стр. 11430
وقفه عليه وحبسه من نصف مناصفات دير معل تونين من حمص من عمل حصن الأكراد المحروس تحبيساً مؤبداً دائماً أثاب الله واقفه بجوده وكرمه يوم يجزي الله المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين. وذلك بنظر الأمير الأعز الأجل الكبير نسله ناصر الدين الجامنكلي الظاهري السعدي نائب مملكة عجلون المحروسة في ذي الحجة سنة ستمائة وسبعة وخمسون)
وجاء في الصفحة ٢٤٣ من المجلد الثاني من دائرة المعارف الإسلامية أيضاً أن الرقيم (قد تكون جهة في شرق الأردن قريبة من عمان)
أقول قد تكون الرقيم هذه قرية الرجيب التي تقع إلى الشرق من عمان على مسافة تسعة كيلومترات منها، لأن البدو كثيراً ما يقلبون القاف جيما والميم باء
ويوجد في هذه القرية مناور عديدة نمت بجوارها أشجار برية قديمة العهد. والسبب في قدمها هو احترام البدو لها وتحريمهم قطعها لاعتقادهم أنها كانت تظلل الكهف الذي نام فيه الفتية المذكورون في القرآن ولبثوا فيه ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا
ويقدس البدو والفلاحون هذه الكهوف كتقديسهم لأي مزار أو مقام
والرقيم من المنازل التي كان يرتادها الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك للهو والصيد، وفيه يقول الشاعر:
أمير المؤمنين إليك نهوى … على البخت الصلادم والعجوم
فكم غادرت دونك من جهيض … ومن نعل مطرحة جذيم
يزرن على تنائيه يزيداً … بأكناف الموقر والرقيم
تهنئه الوفود إذا أتوه … بنصر الله والملك العظيم
والموقر المذكور بجانب الرقيم هو قصر أو حصن أموي - ولعله من بناء يزيد - يقع على مقربة من الرقيم (أو الرجيب)
وقد ورد في أحسن التقاسيم للمقدسي أن الرقيم (قرية على فرسخ من عمان على تخوم البادية فيها مغارة، لها بابان صغير وكبير، ويزعمون أن من دخل الكبير لم يمكنه الدخول من الصغير. وفي المغارة ثلاثة قبور تسلسل لنا من أخبارها أن النبي ﷺ قال: بينما نفر ثلاثة يتماشون إذ أخذهم المطر فمالوا إلى غار في الجبل، فانحطت إلى فم
стр. 11431
غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم)
وهذا القول ينطبق تمام الانطباق على ما نشاهده اليوم في قرية الرجيب، وما نسمعه من القصص والأساطير التي تروى عن كهوفها ومغاورها.
عمان
بهاء الدين طوقان
مديرية أسوان
قال الأديب رشوان أحمد في مقاله في العدد الماضي من الرسالة: (إن الملك منوسوفيس (وهو الملك الثاني عشر من ملوك الأسرة السادسة) أرسل القائد هرخف إلى بلاد بنت) ظناً منه أو خطأ في مصدر النقل أن هذه البلاد جنوب صعيد مصر لقوله (وفي عهد الأسرة الثانية عشرة أرسل اسرتسن الأول ثاني ملوك هذه الأسرة القائد هرنو بطريق قفط والقصير لجباية الجزية. . .)
أما هجرة المصريين في عهد قلاقل الأسرة الخامسة عشرة فقد كانت إلى نبتة أو نباطي وهي عاصمة بلاد النوبة لا أثيوبيا، ولم تكن مملكة أثيوبيا مجاورة للملكة المصرية إلا بعد غزوة ملوك مصر للنوبة والكوش، وقد غزا بعنخي ملك النوبة مصر أيام حكومة الآشوريين، وهذه الغزوة هي التي يخطئ فيها بعض المؤرخين فيسمونها غزوة الزنوج لمصر
وقد ذكر أن (رمسيس غزا بلاد أثيوبيا وأقام هيكلاً عند كلايشة) ولكن المعروف أن رمسيس الثاني غزا النوبة وسطر حروبه وانتصاراته على معبد أبي سمبل، وأما كلايشة وهيكلها المسمى بيت الوالي (لا بيت الولي) فيقال أن الهيكل من عمل اسرتسن الثاني.
ولم تكن كلايشة وأبو سمبل تابعيتين لأثيوبيا ولا لكوش في وقت ما، وما زالتا من القرى النوبية، وهما اليوم من أعمال مركز الدر، فكلايشة في أقصى الشمال وأبو سمبل في أقصى الجنوب
والكاتب جغرافي ولكنه لم يلتفت إلى تقسيم وادي النيل في كلامه التاريخي، فالمعروف جغرافياً أن مصر جنوبها النوبة، وجنوب النوبة السودان، وفي الجنوب الشرقي من
стр. 11432
السودان أثيوبيا أو الحبشة كما تسمى الآن
ولم يذكر غزوة علي بابا ملك النوبة أيام عنبسة آخر ولاة العباسيين لمصر واستيلائه على صعيد مصر، وأما الفنج فقد كان عاصمة ملكهم في سنار (لا في سناد) وقد تكونت مملكة الفنج في حوض النيل الأزرق واستولت على جزء من أثيوبيا، والجزء الجنوبي من النوبة
أما الحكومة الكشاف التي بدأت في بلاد النوبة تعد فتح السلطان سليم، فقد كان الحكام من الأتراك؛ وأول من تولى حكم النوبة وخاصة الإقليم الممتد من الشلال الأول حتى آخر مديرية دنقلة كان ألبانياً يدعى حسن قوسه وهو رأس أسرة الكشاف الحالية بمركز الدر، ولم يتعرض محمد علي باشا لأحفاده في حكمهم عند غزوته للسودان، لأن الحاكم قدم له فروض التابعية وساعده على نقل الجيوش إلى السودان، وقد رضى بتقديم الضرائب لوالي مصر على أن يعفي أبناء الإقليم من الجندية، وكان ذلك حتى اليوم، ولكن نفوذ الحكام أخذ يتلاشى إلى أن قضى على سلطة الكاشف الروحية في أواخر أيام توفيق باشا. أما معاهدة ١٨٩٩ فتنص على أن حدود نصر هي (فرس) جنوب حلفا بقليل، وما فرس إلا جزيرة في عرض النهر، ولكن الإنجليز وضعوا حدهم أمام فرس على ضفتي النيل الشرقية والغربية مع أن هذا الحد ليس بفاصل طبيعي
يوسف سميع
стр. 11433
العدد ١٤٠ - بتاريخ: ٠٩ - ٠٣ - ١٩٣٦
стр. 11434
المعنى السياسي في العيد
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
ما أشد حاجتنا نحن المسلمين إلى أن نفهم أعيادنا فهماً جديداً نتلقاها به ونأخذها من ناحيته فتجيء أياماً سعيدة عاملةً تنبه فينا أوصافها القوية وتجدد نفوسنا بمعانيها، لا كما تجيء الآن كالحةً عاطلةً ممسوحةً من المعنى، أكبر عملها تجديد الثياب، وتحديد الفراغ، وزيادة ابتسامة على النفاق
فالعيد إنما هو المعنى الذي يكون في اليوم لا اليوم نفسه، وكما يفهم الناس هذا المعنى يتلقون هذا اليوم؛ وكان العيد في الإسلام هو عيد الفكرة العابدة، فأصبح عيد الفكرة العابثة؛ وكانت عيادة الفكرة جمعها الأمة في إرادة واحدة على حقيقة عملية، فأصبح عبث الفكرة جمعها الأمة على تقليد بغير حقيقة، له مظهر المنفعة وليس له معناها
كان العيد إثبات الأمة وجودها الروحاني في أجمل معانيه، فأصبح إثبات الأمة وجودها الحيواني في أكثر معانيه؛ وكان يوم استروح القوة من جدها، فعاد يوم استراحة الضعف من ذله؛ وكان يوم المبدأ، فرجع يوم المادة!
ليس العيد إلا إشعار هذه الأمة بأن فيها قوة تغيير الأيام، لا إشعارها بأن الأيام تتغير؛ وليس العيد للأمة إلا يوماً تعرض فيه جمال نظامها الاجتماعي، فيكون يوم الشعور الواحد في نفوس الجميع، والكلمة الواحدة في ألسنة الجميع؛ يوم الشعور بالقدرة على تغيير الأيام، لا القدرة على تغيير الثياب. . . . كأنما العيد هو استراحة الأسلحة يوماً في شعبها الحربي
وليس العيد إلا تعليم الأمة كيف تتسع روح الجوار وتمتد حتى يرجع البلد العظيم وكأنه لأهله دار واحدة يتحقق فيها الإخاء بمعناه العملي، وتظهر فضيلة الإخلاص مستعلنةً للجميع، ويهدي الناس بعضهم إلى بعض هدايا القلوب المخلصة المحبة، وكأنما العيد هو إطلاق روح الأسرة الواحدة في الأمة كلها
وليس العيد إلا إظهار الذاتية الجميلة للشعب مهزوزةً من نشاط الحياة؛ ولا ذاتية للأمم الضعيفة؛ ولا نشاط للأمم المستعبدة. فالعيد صوت القوة يهتف بالأمة: أخرجي يوم أفراحك، أخرجي يوماً كأيام النصر!
وليس العيد إلا إبراز الكتلة الاجتماعية للأمة متميزة بطابعها الشعبي، مفصولة من
стр. 11435
الأجانب، لابسةً من عمل أيديها، معلنة بعيدها استقلالين في وجودها وصناعتها، ظاهرة بقوتين في إيمانها وطبيعتها، مبتهجة بفرحين في دورها وأسواقها. فكأن العيد يوم يفرح فيه الشعب كله بخصائصه
وليس العيد إلا التقاء الكبار والصغار في معنى الفرح بالحياة الناجحة المتقدمة في طريقها، وترك الصغار يلقون درسهم الطبيعي في حماسة الفرح والبهجة، ويعلمون كبارهم كيف توضع المعاني في بعض الألفاظ التي فرغت عندهم من معانيها، ويبصرونهم كيف ينبغي أن تعمل الصفات الإنسانية في الجموع عمل الحليف لحليفه، لا عمل المنابذ لمنابذه. فالعيد يوم تسلط العنصر الحيّ على نفسية الشعب
وليس العيد إلا تعليم الأمة كيف توجه بقوتها حركة الزمن إلى معنى واحد كلما شاءت؛ فقد وضع لها الدين هذه القاعدة لُتخرِّجَ عليها الأمثلة، فتجعل للوطن عيداً مالياً اقتصادياً تبتسم فيه الدراهم بعضها إلى بعض، وتخترع للصناعة عيدها، وتوجد للعلم عيده، وتبتدع للفن مجلي زينته؛ وبالجملة تنشئ لنفسها أياماً تعمل عمل القواد العسكريين في قيادة الشعب، يقوده كل يوم منها إلى معنى من معاني النصر
هذه المعاني السياسية القوية هي التي من أجلها فُرض العيدُ ميراثاً دهرياً في الإسلام ليستخرج أهل كل زمن من معاني زمنهم فيضيفوا إلى المثال أمثلة مما يبدعه نشاط الأمة، ويحققه خيالها وتقتضيه مصالحها
وما أحسب الجمعة قد فرضت على المسلمين عيداً أسبوعياً يشترط فيه الخطيب والمنبر والمسجد الجامع، إلا تهيئةً لذلك المعنى وإعداداً له. ففي كل سبعة أيام مسلمة يومٌ يجيء فيشعر الناس معنى القائد الحربي للشعب كله
ألا ليت المنابر الإسلامية لا يخطب عليها إلا رجال فيهم أرواح المدافع، لا رجال في أيديهم سيوف من خشب. . . .
مصطفى صادق الرافعي
стр. 11436
رسوم الفطر والأضحى في عهد الدولة الفاطمية
للأستاذ محمد عبد الله عنان
كانت الدولة الفاطمية في مصر دولة البهاء والبذخ والترف في الحياة العامة وفي الحياة الخاصة؛ وكانت مواكب الخلافة الفاطمية ورسومها الفخمة دائماً مثار الروعة والإجلال، وكانت أعيادها ومواسمها الباهرة مثار البهجة والفرح العام؛ ومازالت آثار من تلك الرسوم والمواسم الشهيرة تمثل في كثير من أعيادنا ورسومنا وتقاليدنا الدينية؛ فإذا رأيت بعض هذه الأعياد والمواسم يجنح إلى نوع من الفخامة، وإذا رأيت بعض هذه الرسوم يتشح بأثواب من الرونق والبهاء، فإنما ذلك يرجع في الأغلب إلى أثر الدولة الفاطمية في بث هذه الروح الباذخة البهجة إلى كثير من نواحي الحياة العامة والخاصة في مصر الإسلامية
وربما كان من الشائق الممتع، وقد قضى المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها عيد الأضحى المبارك، أن نقف على طرف من الرسوم والتقاليد التي كانت تجري عليها الخلافة الفاطمية في الاحتفاء بهذا العيد الإسلامي الجامع؛ وقد كان للخلافة الفاطمية أعيادها ومواسمها الدينية الخاصة، إلى جانب العيدين الإسلاميين الرئيسيين، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى؛ وكانت تحتفي بهما في حفلات ومظاهر رسمية رائعة؛ وكان موكب العيد من أعظم مواكب الخلافة الفاطمية؛ ففي ليلة عيد الفطر كان يعقد في الليل بالإيوان الكبير الذي يواجه مجلس الخليفة سماط ضخم يبلغ طوله نحو ثلثمائة ذراع في عرض سبعة أذرع، وتنثر عليه أنواع الفطائر والحلوى الشهية مما أعد في دار الفطرة الخلافية؛ فإذا انتهى الخليفة من أداء صلاة الفجر عاد إلى مجلسه، وفتحت أبواب القصر والإيوان على مصاريعها، وهرع الناس من جميع الطبقات إلى السماط الخلافي وتخاطفوا ما عليه بحضور الخليفة ووزرائه؛ وحينما تبزغ الشمس يركب الخليفة في موكبه إلى الصلاة ويخرج من باب العيد إلى المصلى؛ وقد انتهت إلينا عن هذه المواكب الفاطمية من أقوال المؤرخين المعاصرين صور تبهرنا بروعتها وجمالها؛ ونحن نحيل القارئ على تلك الفصول الشائقة البديعة التي ينقلها إلينا المقريزي عن هذه المواكب الخلافية الرائعة ونكتفي بأن ننقل إليه هذه الصورة الموجزة من أقوال المسبحي مؤرخ العصر الأول من الدولة الفاطمية، قال: (وفي يوم العيد ركب العزيز بالله لصلاة العيد وبين يديه الجنائب
стр. 11437
والقباب الديباج بالحلي، والعسكر في زيه من الأتراك والديلم والعزيزية والأخشيدية والكافورية، وأهل العراق بالديباج المثقل والسيوف والمناطق الذهب. وعلى الجنائب السروج الذهب بالجوهر، والسروج بالعنبر، وبين يديه الفيلة عليها الرجلة بالسلاح والزرافة، وخرج بالمظلة الثقيلة بالجوهر وبيده قضيب جده ﵇ فصلى على رسمه وانصرف)
فإذا عاد الخليفة من الصلاة كان ثمة سماط آخر أبهى وأروع وهو السماط الثاني لعيد الفطر؛ فيجلس الخليفة في مجلسه وأمامه مائدة من فضة يقال لها المدورة وعليها أواني الذهب والفضة غاصة بأفخم الأطعمة وأشهاها؛ وقبالة المائدة الخلافية سماط ضخم يتسع لنحو خمسمائة مدعو، وقد نثرت عليه الأزهار والرياحين وصفت على حافتيه الأطباق الحافلة بصنوف الشواء والطيور والحلوى البديعة، وجلس إليه رجال الدولة والعظماء والأكابر من كل ضرب وأكل من شاء دون إلزام حتى لا يرغم على الإفطار من لا يرى الإفطار في ذلك اليوم؛ وعند الظهر ينفض المجلس وينصرف الناس
وأما عيد الأضحى أو عيد النحر كما كانت تؤثر تسميته في ظل الدولة الفاطمية تنويها بأبرز مظاهره ألا وهي نحر الأضحية، فقد كان يحتفى به بركوب الخليفة إلى الصلاة على النحو المتبع في صلاة عيد الفطر ثم يخص بسماط حافل يقام في أول يوم منه. بيد أنه يمتاز بركوب الخليفة فيه ثلاث مرات متوالية في أيامه الثلاثة الأولى، ويمتاز بالأخص باشتراك الخليفة نفسه في إجراءات النحر؛ وكان قيام الخليفة بهذا العمل من أروع المظاهر والمراسيم التي جرت عليها الخلافة الفاطمية في الأعياد العامة. فلنتصور أمير المؤمنين متشحاً بثوب أحمر قان يسير في موكبه ماشياً إلى دار النحر الخلافية - وقد كانت تقوم في ركن خارجي من القصر - وبين يديه الوزير وأكابر الدولة والأساتذة المحنكون (وهم المشرفون على شؤون الخاص) ويكون قد اقتيد إلى النحر واحد وثلاثون فصيلا وناقة أمام مصطبة يعلوها الخليفة وحاشيته، وقد فرشت حافتها بأغطية وبطائن حمر يتقى بها الدم، وحمل الجزارون كل بيده إناء مبسوطا يتلقى به دم الضحية؛ ثم تقدم رؤوس الأضاحي إلى الخليفة واحدة فواحدة، فيدنو منها وبيده حربة يمسك بها من الرأس، ويمسك القاضي بأسل سنانها ويجعله في عنق الدابة فيطعن بها الخليفة، وتجر من بين يديه حتى يأتي عليها
стр. 11438
جميعاً، وكلما نحر الخليفة رأساً جهر المؤذنون بالتكبير؛ وتقدد الضحية الأولى، وتفرق قطعاً صغيرة في الأولياء والمعتقدين؛ وفي اليوم التالي ينظم نفس الموكب إلى المنحر، وينحر الخليفة سبعة وعشرين رأساً؛ وفي اليوم الثالث ينحر ثلاثة وعشرين؛ ويجري توزيع لحم الأضحية خلال هذه الأيام الثلاثة على أرباب الرسوم في أطباق خاصة للتبرك، ويقوم بالتوزيع قاضي القضاة وداعي الدعاة، ويخص نقباء الدعوة وطلبة دار الحكمة (دار العلم) بقسط من اللحوم الموزعة؛ فإذا انقضت مراسيم النحر خلع الخليفة عند العودة إلى القصر على الوزير ثيابه الحمر ومنديلا ملوكياً بغير سمة، والعقد المنظوم، فيركب الوزير وعليه الخلع المذكورة في موكب حافل من القصر شاقا القاهرة حتى باب زويلة، ثم يدخل من باب القنطرة إلى دار الوزارة، وبذلك تنتهي حفلات النحر
وكان الخليفة العزيز بالله أول من سن سنة إعطاء الضحايا وتفريق لحومها في أولياء الدولة على قدر مراتبهم، وكان ما يخرج منها غير ما يذبحه الخليفة بنفسه يبلغ بضعة آلاف من مختلف الأصناف هذا عدا ما يفرق في أرباب الدولة من الخلع والأموال؛ وقد انتهت إلينا من روايات المؤرخين المعاصرين تفاصيل دقيقة عن مقادير النفقة في تلك المواسم، ومنها أن نفقة سماطي الفطر والأضحى كانت تبلغ زهاء أربعة آلاف دينار؛ ويذبح من البقر والجاموس والنوق في أيام النحر نحو ألفين وخمسمائة، ومن الغنم ألفين وأربعمائة؛ وقد أشرنا إلى ما كان يوزع في عيد الفطر في أرباب الدولة من صنوف الفطائر والحلوى، وكيف كان يسمح للكافة باقتحام إيوان القصر لنهب السماط الخلافي أمام عيني الخليفة ذاته؛ وعلى الجملة فقد كانت الخلافة الفاطمية تبدي في المواسم العامة من ضروب البذخ والبهاء والبهجة، ما يسبغ على هذه المواسم أثوابا ساطعة من الرونق والجمال والسحر
وقد كان هذا البذخ الذي تنثره الخلافة الفاطمية حولها ينفث في الشعب ذاته حب الظهور والمرح، فكانت القاهرة تلبس في تلك المواسم حلة أنيقة باهرة وتحفل شوارعها ومحالها ودورها بأنواع الزينة القشيبة؛ وكانت في الليل تبدو كأنها شعلة ساطعة من الأنوار؛ وكان القصف والمرح يخرجان أحيانا في تلك المواسم عن حد الاعتدال حتى أن ولاة الأمر لجئوا غير مرة إلى إلغاء بعض الرسوم وتقييد بعض الحريات؛ وفي عهد الحاكم بأمر الله ألغي
стр. 11439
الاحتفال ببعض المواسم التي كان القصف يخرج فيها عن حدود الاعتدال مثل عيد الشهيد، وحرم شرب الخمور والركوب في الخليج، وخروج النساء، واشتد الحاكم في ذلك حتى كانت القاهرة تغدو أحياناً في أثواب قاتمة من السكون والإقفار والروع. بيد أنه فيما خلا هذه الفترات القليلة، كانت الخلافة الفاطمية دائما عند تقاليدها الباهرة تنثر حولها حلل البذخ والبهاء والترف في كل المواسم والمناسبات
هذه لمحة سريعة فيما كانت ترتبه الخلافة الفاطمية من الحفلات والرسوم الباذخة لاستقبال العيدين الإسلاميين الرئيسيين؛ ولم تكن الخلافة الفاطمية أقل بذخا وبهاء في الاحتفاء بباقي المواسم والأعياد الأخرى كيوم عاشوراء، ويوم الغدير، ويوم النيروز، وعيد الشهيد وغيرها، فقد كانت تسبغ عليها جميعاً أقصى مظاهر الروعة والفخامة، وكانت هذه المواسم والأعياد لدى الشعب المصري أياماً مشهودة تفيض بهجة وحبوراً؛ وكانت الخلافة الفاطمية ترمي بترتيب هذه الرسوم الباذخة إلى غايتين: الأولى أن تبث هيبتها الدينية بما تسبغه من الخطورة والخشوع على بعض المظاهر والرسوم، والثانية أن تغمر الشعب المصري بسيل من الحفلات والمآدب والمواكب الباهرة، وأن تأسره بمظاهر جودها الوافر، وأن تنثر عليه ما استطاعت من آيات البهجة والمرح، كل ذلك لكي تكسب ولاءه وعرفانه وتأييده؛ وقد كانت الخلافة الفاطمية تشعر دائما أنها لم تكسب كل ولائه وتقديره، وان سياستها المذهبية تبث إلى نفسه شيئا من الوحشة والريب؛ بيد أنه يجب أن نقول من جهة أخرى إن الدولة الفاطمية كانت بحق دولة البهاء والبذخ الواسع، وكانت هذه الرسوم والمظاهر الرائعة من بعض مظاهر قوتها وعظمتها وغناها؛ وكانت هذه الروح الفخمة الباذخة تطبع كل رسومها ومظاهرها، في القصر وفي الخارج، وفي السياسة والدين والإدارة، وفي الحياة العامة والحياة الخاصة؛ وقد سرت آثار كثيرة من هذه المظاهر والرسوم الفخمة الشائقة إلى كثير من القصور والدول الإسلامية التي تعاقبت على مصر بعد الدولة الفاطمية؛ وقد نلمس إلى اليوم في بعض الرسوم والنظم الدينية، وفي بعض مظاهر أعيادنا ومواسمنا لمحات من آثار البذخ الفاطمي
محمد عبد الله عنان
стр. 11440
التعليم والحالة الاجتماعية في مصر
للأستاذ إسماعيل مظهر
قرأت في العهد الأخير تقريرين عن التعليم في مصر كتبهما عالمان استقدمتهما وزارة المعارف لينظر كل منهما في ناحية خاصة من نواحي التعليم ودرجاته، وأفضى كل منهما بآراء ناضجة فيما كلف به من بحث. فكتب مستر مان مفتش المدارس وكليات المعلمين بإدارة المعارف بإنجلترا تقريراً مدعماً بالإحصاءات فائضاً بالأفكار والنظريات، وكتب مسيو كلاباريد أستاذ علم النفس في كلية العلوم بجامعة جنيف تقريراً آخر عمد فيه إلى نظريات حديثة في علم النفس والتربية لا نعلم مقدار ما فيها من خطأ أو صواب، لأن الحكم على مثل هذه الأشياء يجب أن يرجع فيه إلى أهل الاختصاص، وإن كانت النظرة العاجلة التي ألقيتها على هذا التقرير قد أقنعتني، وقد أكون مخطئاً، بأن نظريات كلاباريد ربما تكون قد أسلمت به نتائج لا يؤيدها الواقع ولا تسندها الحقائق التي يعرفها كثير من المصريين معرفة أولية لا تحتاج إلى نظر علمي ولا إلى استنتاج من مقدمات
هذا إلى أن العالمين الأوربيين إن كانا قد بحثا في التعليم المصري كل من ناحية اختصاصه، فإن بحثهما إنما جاء قاصراً على الدائرة التي عينتها له وزارة المعارف وفي ضوء المعلومات التي زود بها، وفي الحدود التي رسمت للتعليم في مصر منذ خمسين سنة مضت. فإن كانا قد أحسا بشيء من النقص، أو وقع لهما شيء يستحق النقد، فإنما وقع لهما في ما هو داخل في هذه الحدود أو مشمول بها. فلم ينظرا مثلا فيما يجب أن يؤدي التعليم في مصر من حاجات الحياة العامة فيها، وفي علاقة التعليم بالحالات الجديدة التي تكتنف الحياة المصرية في تطورها الحديث. على أن هذا لا ينزل من مكانة ما كتب العالمان الفاضلان أو يقلل من قيمة آرائهما. فإن المصريين أنفسهم أحق بأن يتلمسوا مكان النقص الذي يحسونه في التعليم من ناحية علاقته بالحياة عامة، وبالحالة الاجتماعية خاصة
ومهما يكن من أمر الباحث الأوربي في الشؤون المصرية، ومهما يكن من علمه وتمكنه فيه، فأنه من المتعذر عليه كما قال مستر مان في تقريره أن يلم به إلمام المحيط بالحقائق الأساسية التي يحس بها المصريون أنفسهم من غير استعانة بآراء أو نظريات. ذلك بأن لكل أمة إحساساً بما يعتورها من نقص لن يفقه الغريب عنها شيئاً من خصائصه إلا بالجهد
стр. 11441
الشديد وطول التأمل والتفكير. مثل ذلك أن التقريرين اللذين وضعهما العالمان الأوربيان لم يلمسا الحقائق الأولية في حياتنا الاجتماعية وعلاقتها بالتعليم؛ ذلك في حين أن كل مصري يشعر شعوراً عميقاً بأن عصراً من عصور التطور الفكري قد آذن بأن تشرق شمسه في سماء مصر، وأن عصراً آخر قد أخذ في الأفول. أضف إلى ذلك أننا نشعر بأن حالاتنا الاجتماعية قد اتجهت في تطورها متجهاً ألقى على التعليم في مصر عبئاً جديداً لم يشعر به آباؤنا، وقد نشعر بعض الأحيان بشيء من القلق، وقد نشعر بأن هذا القلق قد يتضاعف بعض الأحيان حتى ليذهب بالبعض إلى حد اليأس من مستقبل آلاف الطلبة الذين يتعلمون اليوم في المدارس وتخرجهم الكليات زرافات كل عام. بل إننا أخذنا نشعر بكل ما شعر به الأستاذ هنري جيمس عندما قال: إن الاحتفاظ بحالة اجتماعية ثابتة الدعائم قوية الأركان في جمعية يكتب على المتعلمين فيها عيش الفقر والذلة، لأمر فيه من البعد عن حقائق الطبع البشري بقدر ما في محاولتك بناء هرم يرتكز على رأسه لا على قاعدته من بعد عن حقائق الطبيعة الكونية
ولقد يماري مفكر في أن ذلك الشعور العميق الذي يكتنف تفكير الكثيرين من المصريين إنما له أسبابه الغامضة البعيدة عن إدراك الذين لا يفكرون في التعليم إلا بقدر ما يفكرون في أداة تخرج متعلمين، ولا يزيد خطره في نظرهم عن خطر آلة تخرج أحذية أو لفافات تبغ في نظر عامل يجهل حقيقة الآلة التي يديرها، ولا يعرف عنها إلا أمرين: شكلها الظاهر، وثمرها الذي يجنيه منها
على أن الثمر الذي أخذنا نجنيه من أداة التعليم عندنا قد جدت عليه ظاهرتان جديدتان: الأولى أن طعمه قد أخذ يتغير، والثاني أن صنفه أخذ ينحط مع كثرة الإنتاج. ولا شك في أنهما ظاهرتان يعلل بهما كثير من الظواهر الاجتماعية التي تمر علينا في كل يوم صور منها، وأخصها كثرة العاطلين من المتعلمين، والجهد الذي يلقاه المجدون منهم في تحصيل رزقهم الحلال
ولا ريب في أن هذه الظاهرات ترجع إلى أسباب أخذت تتجمع منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، حتى أفضى بنا التطور إلى الحالة التي تكتنفنا اليوم. ولما كان الغرض الذي أرمي إليه من نشر هذه المقالات إنما يتجه إلى وصف العلاقة التي تقوم اليوم بين التعليم
стр. 11442
والحالة الاجتماعية والمهمة الكبرى الملقاة على عاتق التعليم في تنظيم الحالة الاجتماعية ودرء الأخطار التي قد يتعرض لها المجتمع المصري بقدر ما في مستطاع التعليم أن يدرأ منها، وجب أن أظهر أولا أن أشد الأخطار التي يتعرض لها الكيان الاجتماعي في مصر من ناحية التعليم أن الشاب المتعلم في مدارسنا العليا يفقد مع التعليم استقلاله الذاتي، باعتباره قوة لها حقيقة مستقلة عن القوى الأخرى التي تكتنفها. وقد يشعر بذلك الشاب المتعلم، وقد يشعر به الذين يعلمون أولادهم، حتى لقد نجد أن بعض القادرين على التفكير ينظرون نظرة تشاؤم إلى المستقبل القريب، وإن لهم في ذلك لحقا، وإن لهم في تشاؤمهم لأسبابا تبرره وحقائق تعلله، ومن أجل أن نظهر تطور الحالات التي أفضت بنا إلى هذه النتائج ينبغي لنا أن نذكر حقائق خمسا نرجع فيها إلى تاريخنا بعض الشيء:
أولا: حكمت مصر منذ أبعد العصور على نظام تباين الطبقات الاجتماعية، وعلى أساس الفوارق في الحقوق العامة؛ غير أن الطبقات أخذت تتقارب حقوقها الطبيعية وتنتفي من بينها الفوارق من عهد قريب، فالكل الآن متساوون أمام القانون، ولكل مصري حق الانتخاب والحكم من طريق مجلس النواب. فأخذ مظهر وجود طبقتين متمايزتين في الحقوق المدنية يزول شيئاً بعد شيء، فلقد كانت مصر القديمة مكونة من ثلاث طبقات هم: الحكام والكهنوت والشعب؛ ومنذ غزو الاسكندر وحكم البطالسة إلى حكم المماليك حتى بدء الاحتلال الإنجليزي كانت هناك طبقات تختلف حقوقها وامتيازاتها؛ أما الآن فقد انتفت هذه الفوارق نظرياً، ونقول نظرياً لأننا لا نزال نشكو من بعض مساوئها، بالرغم من أن أصغر فلاح في مكنته أن يقاضي أعظم عين في البلاد، وأن يأخذ حقه منه إن كان له حق
ثانياً: بالرغم من أن نظام الطبقات المتباينة في الحياة والحقوق هو النظام الذي اتبع في مصر منذ أبعد العصور، وبالرغم من أن حالة مصر الاجتماعية من خمسين سنة مضت كانت تكفل الاستقلال المادي لطبقتي ذوي الامتيازات والفلاحين معاً؛ بأن تحمل طبقة الفلاحين، وهي الطبقة العاملة، العبء كله، بأن تكفي نفسها وتكفي حاجات حكامها بقدر الاستطاعة، فأن الحالة الجديدة، حالة التساوي أمام القانون في الحقوق، قد أحدثت ظاهرة اجتماعية جديدة، كان سببها أن الفلاح قد خرج من كونه عاملا لا حق له في ملكية الأرض، إلى رجل حر له حق العمل متى شاء والانقطاع عنه متى أراد، وله فوق ذلك حق
стр. 11443
الملك، بل نقول إنه انتقل من عامل إقطاعي إلى رجل حر، فقامت على هذه ظاهرة اجتماعية جديدة
ثالثاً - هذه الظاهرة الاجتماعية الجديدة التي قامت على تحرير الفلاح المصري وعتقه من نظام الإقطاع الذي ظل خاضعاً له طوال القرون، قد قلب آية الحياة الاجتماعية في مصر. فإن هذا الفلاح لم يكن ينقصه شيء ليكون مستقلا تمام الاستقلال في حياته إلا قانون يحميه، ونظام اجتماعي يجعله يشعر بأنه قوة لها أثر قي الحياة؛ فلما وقع ذلك بالفعل أصبحت الطبقة الدنيا أي طبقة الفلاحين المسخرين التي كان عليها أن تحفظ استقلالها واستقلال الطبقة التي تعلوها، سيدة نفسها، وأصبحت طبقة الملاك وأصحاب الجاه كما كانت في الحالة الأولى عبئاً عليها، ولكن في صورة جديدة، هي صورة أخذت شكل صراع خفي بين طبقتين
رابعاً - ولقد انحصر مظهر هذا الصراع في طبقة تحررت من قيود النظام الإقطاعي وهي الطبقة المنتجة العاملة بيدها، فأصبحت مستقلة بنفسها. وهي طبقة قادرة على الحرث والغرس والحصاد في بلاد لن يزرعها غيرها، ولن ينتفع بها غيرها؛ فهي مستقلة مادامت من فوق الأرض التي يغذيها النيل بشرايينه المحيية؛ وهذه الخطوة الجديدة أحدثت ظاهرة أخرى
خامساً - عكفت الطبقة الأخرى، طبقة أصحاب الجاه على مطلب آخر تتقي به النتائج التي تترتب على استقلال الطبقة العاملة ولم تجد من وسيلة أقرب من تعليم أولادها ليكونوا حكام البلاد. ولكن طبقة الفلاحين أخذت تزاحم الطبقة الأولى في هذا المضمار، فأخذ الأثرياء منهم يعلمون أولادهم ليكونوا حكاما فنجحوا. ولكن بعد أن ملئت الحكومة بما تحتاج من حكم وكتبة قام شعور جديد بأن أولاد موظفي الحكومة والأثرياء الذين أخرجوا أولادهم من محيط الفلاحة إلى محيط العلم أقل استقلال مع تعلمهم من أبناء الفلاحين الجهلاء. وأصبحنا الآن والموقف بين متعلم عاطل يتطلع إلى مرتب أبيه أو ثروته ليعيش، وفلاح جاهل لا عمدة له في الحياة إلا خبرته الموروثة في فلح الأرض وقوة عضلاته ومحراثه وفأسه وماشيته. فهو رجل مستقل تمام الاستقلال في الحياة، على العكس من المتعلم العاطل. فإذا كانت الغاية من التعليم تخريج رجال مستقلين يكافحون في الحياة كفاح المنتج لا كفاح
стр. 11444
المستغل لكفاح غيره، رأينا أن التعليم لم يف ببلوغ الغاية الأخيرة منه، مادمنا نرى أن ابن الفلاح بخبرته الموروثة مستقل في حياته منتج بعمله، في حين أن المتعلم يفقد مع التعليم استقلاله الذاتي ويتطلع دائماً إلى حياة الركود لا إلى حياة الكفاح التي لم يهيئ له تعليمه طريقها الواجب
على أن قليلا من التأمل في هذه الالمامة التي ألممنا فيها بأوجه التطور الاجتماعي الذي انتابنا منذ خمسين سنة خلت، يحمل المفكر على المضي خطوة أخرى في تأملات إذا أحطنا بها نكون قد فرغنا من التمهيد للفكرة التي نريد أن تكون الدعامة التي يقوم عليها أساس التعليم في مصر، فنرى ما يأتي:
أولا: إن طرق التعليم التي عكفنا عليها إلى الآن شطرت الأمة معسكرين: الأول معسكر المتعلمين على القواعد الأوربية التي اتبعناها في مدارسنا، وخرجوا بهذا التعليم عن جو ثقافتنا التقليدية، فأصبحوا نصف مصريين؛ والثاني معسكر الفلاحين الذين أبعدناهم عن الثقافة الحديثة، وحافظنا على ثقافتهم التقليدية فصاروا بذواتهم في القرن العشرين، وبعقليتهم في مصر الفرعونية
ثانياً: كونَّا بهذا طبقتين غير متجانستين، بل مختلفين تمام الاختلاف، بحيث لا تجمع بينهما من رابطة إلا الرابطة الطبيعية التي هي رابطة الدم؛ فكنا في ذلك أشبه بالمستعمر الذي يرغب دائماً في أن يزيد من الصدوع التي تفصل بين طبقات الأمة، لا أشبه بالمصلح الذي يعمل دائماً على أن يرأب تلك الصدوع ويقرب بين الطبقات حفظاً للتوازن الاجتماعي. ولا شك في أن هذه السياسة تؤدي بطبعها، وعن غير قصد، إلى حرب الطبقات التي نحن مقدمون عليها حتماً إذا استمر التعليم على نماذجه الحاضرة وأخذت تلك الصدوع والفوارق تزيد عاماً بعد عام
ثالثاً: دليلنا على هذا أن ابن الفلاح إذا أثرت فيه الثقافة الحديثة، سواء أكان تعليمه في مصر أم في إحدى جامعات أوربا، أصبح لا ينشق في جو بلاده نسيم الثقافة التي نشأ فيها، فتلحظ فيه روح التبرم بأبيه الفلاح وأمه الفلاحة، وتأنس فيه نزعة قديمة تدفعه دائماً إلى حب العودة إلى الجو الذي نشأ فيه، فتراه قلقاً غير مستقر، هدَّاماً لا بنَّاءً، يريد لو تتاح له الفرصة ليعود إلى الجو الذي كان فيه؛ فإذا أعيته الحيلة، كما يحدث دائماً، واضطر إلى
стр. 11445
البقاء في جو بلاده، هجر الريف، مرباه الأصيل ومربى آبائه وأجداده منذ قرون طويلة ومنشأ تقاليده منذ أزمان لا تعيها الذكريات، ليسكن في مدينة من المدن، فيفضلها مع عيش الفقر والعوز على الريف مع عيش الراحة والهناءة؛ وتراه ينزع إلى البطالة في مدينة دون العمل الذي هو أجدر بحياة الرجولة في الريف. ومن هنا تتكون الطبقات المتبرمة بالحياة، العاملة على الهدم دون الإصلاح، النزاعة إلى الأفكار المتطرفة والثورات. أولئك الذين عناهم العلامة هنري جيمس في كلمته التي سقناها من قبل
رابعاً: وأنت أينما وليت وجهك رأيت أثر المعسكرين اللذين كونهما التعليم المصري ظاهراً جلياً. فأنت تنتزع الولد من حضن أبيه الفلاح وأمه الفلاحة، فكأنك تنزعه من حضن (مصر الفرعونية)، لتنشئه في حضن (مصر الأوربية)، وتخرجه بعد ذلك قاضياً أو محامياً أو مهندساً أو تاجراً أو رجل إدارة أو غير ذلك، ولكن بروح أوربية تكسوها ثياب مصرية شفافة؛ وبالأحرى تخرج رجالاً انبتت صلتهم بتقاليدهم الثقافية القديمة. وأنت في دور العدل وفي المتاجر وفي مركز الإدارة وفي عيادة الطبيب ومكتب المهندس، واقع في كل دقيقة على مظهر من مظاهر التفرقة بين المعسكرين. فالفلاح البعيد عن مدنية المدن، وبالأحرى البعيد عن جو الثقافة الأوربية الذي نشأ فيه القاضي والمحامي والتاجر ومأمور المركز ومعاون الإدارة وطبيب القرية، يمثل معسكر مصر الفرعونية؛ أما هؤلاء فإنما يمثلون (مصر الأوربية)، ولا شك في أن هذا مظهر من مظاهر الانحلال الاجتماعي، لا يسأل عنه في مصر شيء بقدر ما يسأل التعليم
خامساً: بالرغم من أن المتعلم قد نزع بفكره نزعة أبعدته عن ثقافة آبائه التقليدية، فقد أثرت تلك الحال في مزاجه وتصوراته ونظراته الفنية في الحياة، تلك النظرة التي يجب أن تكون مصرية صميمة، ويجب أن نحافظ عليها نقية على سجيتها لنكون مصريين جديرين بالمصرية، وكان من نتائج هذا أن المتعلمين يفضلون أقذر قرية أوربية على ريفنا الجميل وبحيراتنا الفاتنة، حتى لقد كادت تقوى النزعة الأوربية فينا على وحي النيل نفسه؛ والسبب في هذا أننا كنا خلال الخمسين عاماً الماضية كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، إذ انتزعنا من أرواح ناشئتنا (مصريتها)، ولم نترك فيها من المصرية إلا لون البشرة، ولقحناهم بالروح (الأوربية) فلم نبق مصريين كأهل الريف، ولم نستطع أن نكون
стр. 11446
أوربيين كفتيان (بيكادلي سركس)
سادساً - بدأت هذه الحال تؤثر في مرافقنا الحيوية، حتى لقد نزعنا إلى القول بأن كل ما هو أوربي جميل، وكل ما هو مصري رديء؛ وكل فكرة مصرية لعب ولهو، وكل فكرة أوربية جد ورجولة؛ وكل فن مصري بٌدائيٌّ وغير متفق وروح العصر، وكل فن أوربي مهما كان فيه من بعد وتضاد مع نزعتنا وتقاليدنا المصرية بل ومع آدابنا المرعية والعرف الإنساني، وحضارة وتمدين؛ وشملت هذه الحال فتياننا وفتياتنا، فألسنتهم لا تتحرك إلا بكل ما هو أوربي غربي، وقلوبهم لا تهفو إلا لكل ما هو بعيد عن المصرية
ولا شبهة في أن المعسكرين يتهيآن الآن: الأول للعمل على خراب الريف، والثاني لا حول له ولا قوة، فسوف ينهزم ليترك الريف خراباً. وإنما يخرب الريف بخراب القلوب التي يجب أن تؤمن بأن الريف هو مصر، وأن مصر هي الريف، وأن المدن أسواق لذلك الريف لا أقل ولا أكثر. وإنما يخرب الريف بأن نحب المدينة ونهجر الريف، فكأننا هجرنا مصر. ولا مخرج لنا من هذا إلا بأن نصل ثقافتنا الحديثة بثقافتنا التقليدية؛ فيكون المصري فلاحاً مصرياً روحاً ونزعة وخلقاً، ثم قاضياً ومحامياً وطبيباً ورجل إدارة من بعد ذلك. يجب أن تكون ماهيتنا مصرية وأعراضنا أوربية، لا أن نعكس الآية بأن نعمل أولاً على محو مصريتنا، فإذا تم لنا ذلك رحنا نتيه بأننا أتينا بأعراض أوربية ولقحنا بها ذوات لا ماضي لها، وبالأحرى لا ماهية لها
تلك مقدمات لابد منها إذا أردنا أن نبحث حالتنا الاجتماعية من جهة علاقتها بالتعليم. وسنرى في البحوث التالية كيف يمكن أن نستفيد منها
إسماعيل مظهر
стр. 11447
قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي
وكيل كلية العلوم
بستور والكلب المسعور
وصل الفائت
اكتشف بستور لقاحا لداء الكلب هو عبارة عن ١٤ حقنة من مكروبه بعد إضعافه إضعافا متفاوتا في المقدار يحقن به المريض. وجرب هذا في الكلاب فكان النجاح. فلما أراد تجريبه في الآدميين تخاذل وخشي العاقبة. حتى جاءه ولد عضه كلب مسعور فأشار عليه الأطباء بتجربة اللقاح فيه لأنه ميت لا محالة ففعل ونجح اللقاح، وكان أول لقاح نجح في آدمي
عندئذ ذهبت عن بستور مخاوفه، وفارقته وساوسه. فكان موقفه من هذا الطفل هو عين موقفه من أول كلب حقنه رُو باللقاح في مخه بغير رضا أستاذه. خشي بستور على الكلب أن تُثقب جمجمته، فلما ثَقَبها رُو بغير علمه وصحّ الكلب من بعد ذلك، أكَبّ بستور على رؤوس الكلاب تثقيباً وعلى جماجمها تخريقاً. وهاهو ذا الآن يخشى عاقبة اللقاح الجديد على الطفل المكلوب؛ فلما صح الطفل واشتَفىَ من دائه، ماتت في نفس بستور شكوكه ومخاوفه، تلك الشكوك والمخاوف التي لم تتغلغل أبدا في نفسه تغلغلا كبيرا، ومع هذا تراءت له جسيمة واضحة، أرته إياها نفسه الفنّانة وهي تكثّر القليل وتجل الغامض. ثم إذا به يصيح للدنيا يُعلن أهل الأرض أن في إمكانه دفعَ الكلَب عنهم وحمايتَهم من بلواه
وأخذت جماهير المكلوبين المعذبين تتدفع إلى معمله بشارع ألم تطلب ربّه، ربّ المعجزة الكبرى. وجاء على هذه الحُجر القذرة القليلة حينٌ من الدهر وقف فيها البحث العلمي وقوفا كاملا. واشتغل بستور وعَوْناه في فرز الخلائق التي اجتمعت عليهم من كل أمة. وتعدّدت لغاتهم، فكنت تسمع أنغاماً متنافرة، وألسنة متباينة، كلها تصيح صيحة واحدة: (بستور!
стр. 11448
أنقذنا!) فلبى نداءهم وأنقذهم؛ هذا الرجل الذي لم يكن طبيباً يوماً ما؛ هذا الرجل الذي كان يقول في سخرية يمازجها العُجْب: (هل أنا إلا كيميائي؟). نعم أنقذهم رجل العلم هذا الذي قضى حياته ينازع الأطباء ويخاصمهم خصاماً مرّاً؛ أنقذهم بأن حقنهم بتلك الأربع عشرة حقنة من مكروبه المجهول المضعَف بعضَ الإضعاف؛ تلك الأربع عشرة المعقّدة التي لم يستسغها عقل أو يألفها منطق: حَقَن تلك الأربع عشرة فيهم ثم ردّهم بعدها مُعافين إلى أركان الأرض الأربعة
وجاءه من روسيا من بلدة سملنسك تسعة عشر فلاحا من الموجيك عضهم ذئب مسعور قبل ذلك بتسعة عشر يوماً. وجرح الذئب خمسة منهم جروحاً بالغة فعجزوا عن السير فلم يكن بد من إرسالهم إلى المستشفى الكبير. وكان منظر هؤلاء الروس غريبا في طواقي الفرو فوق رؤوسهم وهم ينادون: (بستور! بستور!) وهي الكلمة الوحيدة التي عرفوها من لغة البلد الذي حلّوا فيه
وثارت ثائرة باريس - على نحوٍ لا يعرفه إلا باريس - قلقاً على هؤلاء المنكوبين الذين لا مفرّ لهم من الموت بعد أن طال الزمن عليهم مذ عضهم الذئب بنابه. وتحدّثت باريس فلم يكن لها غير هذا من حديث. وقام بستور ورجاله بحقن الألقحة في هؤلاء المناكيد الذين نضب حظهم من الحياة وقل رجاؤهم فيها. فالعشرة كان يعضهم الذئب فيموت منهم على المعروف ثمانية، فكان على هذا الحساب لابد أن يموت من أصحابنا خمسة عشر
قال الناس حيثما اجتمعوا: (من الجائز أن يموتوا جميعاً فلا ينجو منهم أحد؛ فقد مضى على عضهم أسبوعان وزيادة. مساكين والله! وستظهر عليهم أعراض الداء، وستكون شديدة فظيعة. ضاع الرجاء فيهم وحُمّ القضاء!)
ولعل الناس صدقوا فيما قالوا! ولعلهم حقا جاءوا بعد فوات الأوان! وعزّ على بستور الطعام، وعزّ عليه النوم، فأنه خاطر فأمر رجاله فحقنوا الألقحة الأربع عشرة في هؤلاء التعساء صباح مساء ليقتصدوا نصف الأيام الضائعة عسى أن يلحقوا بالداء فينفع الدواء
وأخيراً صاح بستور صيحة الفخر العالية، وصاحت باريس وفرنسا والدنيا أجمع صيحة الشكر، وأنشدت أنشودة النصر حارّة داوية. فاللقاح أنجى الفلاحين الروس إلا ثلاثة. فعاد الناجحون إلى بلادهم فاستقبلهم بذلك السرور الرهيب الذي تجده القلوب إذا هي دُعيت
стр. 11449
للترحيب بميّت منشور، للترحيب بهؤلاء الرجال المرضى الذين ودّعوا بلادهم والأمل منهم مقطوع، فزاروا لا شك حرماً قدسيا لولي من أوليا الله، ثم عادوا يسعون على أرجلهم إلى ديارهم سعي الأحياء. وبعث قيصر الروس الأعظم إلى بستور صليب القديسة حنا الماسي ومائة ألف من الفرنكات ليبدأ بها في بناء بيت لصيادة المكروب. فقام هذا البيت في شارع ديتو وهو المعمل الذي يُسمى اليوم معهدَ بستور. وجاءه غير المائة ألف مال من العالم أجمع، من كل قطر من أقطاره، وكل ركن من أركانه، حتى تكدّست لدى بابه الملايين من الفرنكات ليبني بها المعمل ليقتنص فيه مكروبات فاتكة أخرى، وليجد لها فيه ألقحة ماضية أخرى. نعم تكدست الملايين على بابه، فقد كانت عاطفة قوية تلك التي أندت أكُف هذا الخلق الكثير، عاطفة قوية كالتي تثيرها المصائب إذا نزلت بالناس فادحةً شاملة
وتم بناء المعمل؛ ولكن كان عمل بستور في الحياة قد تم كذلك. فلقد كان نصره الأخير كبير الوقع في نفسه، ثقيلا على فِقار ظهر احتملت أثقال العمل الشديد مدة أربعين عاماً في تواصل لم يُسمع بمثله أبدا، فناء جسده تحت آخر الأحمال، وانقطع وتره بآخر الأثقال، فمات في عام ١٨٩٥ في بيت صغير كان على مقربة من البيوت التي حفظوا بها عندئذ كلابه المسعورة في فلنوف لياتنج ' على أطراف باريس. ولفظ آخر أنفاسه كما يلفظها الكاثوليكي العريق في كَثْلَكَته أو الصوفيّ وقد كانه طوال حياته: في إحدى يديه كان الصليب، وفي اليد الأخرى كانت يد أكثر أعوانه صبرا وأقلهم شهرة وأكبرهم خطرا - تلك مدام بستور. وكان حول سريره عَوْنه رو وعونه شمبرلاند، وأعوانه الباحثون الآخرون؛ أولئك البُحَّاث الذين براهم نشاطه الجمّ في حياته برياً؛ أولئك البحاث الذين أسلموا له المقاد فدار بهم في هجيرة العمل دوراناً مستديماً قاسياً مرا؛ أولئك الأعوان الذين أوحى إليهم من وحيه واقتبس لقلوبهم قبساً من قلبه؛ أولئك الخلصاء الذين خاطروا بأرواحهم في إنفاذ خططه الجامحة في محاربة الموت، قاموا اليوم حول سريره يودُّون أن يفتدوه لو أمكن الفداء
هكذا انتهت حياة هذا الرجل خير انتهاء. هذا الإنسان الغالي في إنسانيته، صائد المكروب ومنجي الأرواح، الثائر الوثّاب، الناقص الخطّاء!
ولكن لبستور خاتمة حياة أخرى يتجه لها خاطري أكثر من اتجاهه لهذه. كانت في عيد
стр. 11450
ميلاده عام ١٨٩٢ حين استتم سبعين عاماً كاملة، فاحتفلوا به في السربون بباريس احتفالاً عاماً رائعاً كبيرا أهدوا إليه وساما. وكان لستر حاضراً، وكان رجال كثيرون مشهورون من أمم أخرى حاضرين، فاحتل هؤلاء العظماء رقعة المكان الدنيا حيث مجالس العظماء، واحتل الطبقات العليا من حولهم شباب فرنسا وطلاّب السربون والكليات والمدارس العليا؛ وامتلأ المكان بالأحاديث، واختلطت به أصوات فيها رنة الشباب. وفي برهة قصيرة انقطعت الأحاديث، وهدأت الأصوات، وخيّم على المجتمع صمت رهيب؛ ففي الممشى تراءى بستور يجر خطاه عرجا؛ وقد أخذ رئيس الجمهورية بذراعه واتجه الاثنان إلى المنصّة في رأس المكان، وصدحت موسيقى الحرس الجمهور بدور جَلْجَلَ في الفضاء، كذلك الذي يُتَحي به الأبطال العظماء وقد عادوا من ساحة النصر بعد أن روَّوْها عبثاً بدماء الأعداء، وحجبوا آثراها بغير طائل بألوف الأشلاء
بستور يموت
وكان في الحاضرين لِسْتر أمير الجرّاحين، فقام واحتضن بستور؛ وهتف الشيوخ الإجلاء من مجالسهم، والشبان الطُّلاّب من شرفاتهم، حتى ارتجت الحيطان؛ وأخيراً جاء دور الكلام لصاحبنا صياد المكروب الشيخ، وكان قد ذهب عنه صوته الحديد الرعّاد الذي كان يرفعه في الخصومات عاليا، فقام نجله يقرأ عنه خطابه؛ وكان ختام هذا الخطاب أنشودة للرجاء، لا بما تضمنته من خلاص الأنفس، بل على الأكثر بأنه دعوة دينية حارة تفتح للرجال سبيلا جديداً من الحياة؛ وكان بها يدعو شباب الجامعة وطلبة المدارس العالية، قال:
(لا تسوموا أنفسكم التشككَ في الأشياء، فالتشكك أرض قاحلة لا تُنبت، وسحاب جَهام لا يُمطر؛ ولا تحملوها على الريبة في قيم الأمور وأوضاعها فتحملوها على الزهادة وتُفقدوها الثقةَ بالله. واحذروا أن تركنوا إلى اليأس من أجل ساعات سوداوات تأتي على الأمم! ذلك أن لكل حالة غاية، ولكل كرب نهاية، والليل الأسود يعقبه النهار الضاحي. اطلبوا العيش في المعامل والمكاتب، ففي أجوائها الساكنة تجدون طمأنينة النفس وسلامها. سلوا أنفسكم: ماذا صنعتِ أيتها الأنفس بالذي كان من تعليم وتثقيف؟ فإذا تقدمت السنُّ بكم فسلوها ثانية: وماذا صنعت لهذا البلد الذي من أرضه كان غذاؤك ومن مائه كان ماؤك. حتى إذا جاءتكم الشيخوخة فلعلكم عندئذ تجدون أكبر الهناءة في الإحساس الغَمْر اللذيذ بأنكم ساهمتم مع
следующие страницы →