Полный текст (65 431 стр.). Показаны 11446–11485 · переход к 11451.
стр. 11446
أوربيين كفتيان (بيكادلي سركس)
سادساً - بدأت هذه الحال تؤثر في مرافقنا الحيوية، حتى لقد نزعنا إلى القول بأن كل ما هو أوربي جميل، وكل ما هو مصري رديء؛ وكل فكرة مصرية لعب ولهو، وكل فكرة أوربية جد ورجولة؛ وكل فن مصري بٌدائيٌّ وغير متفق وروح العصر، وكل فن أوربي مهما كان فيه من بعد وتضاد مع نزعتنا وتقاليدنا المصرية بل ومع آدابنا المرعية والعرف الإنساني، وحضارة وتمدين؛ وشملت هذه الحال فتياننا وفتياتنا، فألسنتهم لا تتحرك إلا بكل ما هو أوربي غربي، وقلوبهم لا تهفو إلا لكل ما هو بعيد عن المصرية
ولا شبهة في أن المعسكرين يتهيآن الآن: الأول للعمل على خراب الريف، والثاني لا حول له ولا قوة، فسوف ينهزم ليترك الريف خراباً. وإنما يخرب الريف بخراب القلوب التي يجب أن تؤمن بأن الريف هو مصر، وأن مصر هي الريف، وأن المدن أسواق لذلك الريف لا أقل ولا أكثر. وإنما يخرب الريف بأن نحب المدينة ونهجر الريف، فكأننا هجرنا مصر. ولا مخرج لنا من هذا إلا بأن نصل ثقافتنا الحديثة بثقافتنا التقليدية؛ فيكون المصري فلاحاً مصرياً روحاً ونزعة وخلقاً، ثم قاضياً ومحامياً وطبيباً ورجل إدارة من بعد ذلك. يجب أن تكون ماهيتنا مصرية وأعراضنا أوربية، لا أن نعكس الآية بأن نعمل أولاً على محو مصريتنا، فإذا تم لنا ذلك رحنا نتيه بأننا أتينا بأعراض أوربية ولقحنا بها ذوات لا ماضي لها، وبالأحرى لا ماهية لها
تلك مقدمات لابد منها إذا أردنا أن نبحث حالتنا الاجتماعية من جهة علاقتها بالتعليم. وسنرى في البحوث التالية كيف يمكن أن نستفيد منها
إسماعيل مظهر
стр. 11447
قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي
وكيل كلية العلوم
بستور والكلب المسعور
وصل الفائت
اكتشف بستور لقاحا لداء الكلب هو عبارة عن ١٤ حقنة من مكروبه بعد إضعافه إضعافا متفاوتا في المقدار يحقن به المريض. وجرب هذا في الكلاب فكان النجاح. فلما أراد تجريبه في الآدميين تخاذل وخشي العاقبة. حتى جاءه ولد عضه كلب مسعور فأشار عليه الأطباء بتجربة اللقاح فيه لأنه ميت لا محالة ففعل ونجح اللقاح، وكان أول لقاح نجح في آدمي
عندئذ ذهبت عن بستور مخاوفه، وفارقته وساوسه. فكان موقفه من هذا الطفل هو عين موقفه من أول كلب حقنه رُو باللقاح في مخه بغير رضا أستاذه. خشي بستور على الكلب أن تُثقب جمجمته، فلما ثَقَبها رُو بغير علمه وصحّ الكلب من بعد ذلك، أكَبّ بستور على رؤوس الكلاب تثقيباً وعلى جماجمها تخريقاً. وهاهو ذا الآن يخشى عاقبة اللقاح الجديد على الطفل المكلوب؛ فلما صح الطفل واشتَفىَ من دائه، ماتت في نفس بستور شكوكه ومخاوفه، تلك الشكوك والمخاوف التي لم تتغلغل أبدا في نفسه تغلغلا كبيرا، ومع هذا تراءت له جسيمة واضحة، أرته إياها نفسه الفنّانة وهي تكثّر القليل وتجل الغامض. ثم إذا به يصيح للدنيا يُعلن أهل الأرض أن في إمكانه دفعَ الكلَب عنهم وحمايتَهم من بلواه
وأخذت جماهير المكلوبين المعذبين تتدفع إلى معمله بشارع ألم تطلب ربّه، ربّ المعجزة الكبرى. وجاء على هذه الحُجر القذرة القليلة حينٌ من الدهر وقف فيها البحث العلمي وقوفا كاملا. واشتغل بستور وعَوْناه في فرز الخلائق التي اجتمعت عليهم من كل أمة. وتعدّدت لغاتهم، فكنت تسمع أنغاماً متنافرة، وألسنة متباينة، كلها تصيح صيحة واحدة: (بستور!
стр. 11448
أنقذنا!) فلبى نداءهم وأنقذهم؛ هذا الرجل الذي لم يكن طبيباً يوماً ما؛ هذا الرجل الذي كان يقول في سخرية يمازجها العُجْب: (هل أنا إلا كيميائي؟). نعم أنقذهم رجل العلم هذا الذي قضى حياته ينازع الأطباء ويخاصمهم خصاماً مرّاً؛ أنقذهم بأن حقنهم بتلك الأربع عشرة حقنة من مكروبه المجهول المضعَف بعضَ الإضعاف؛ تلك الأربع عشرة المعقّدة التي لم يستسغها عقل أو يألفها منطق: حَقَن تلك الأربع عشرة فيهم ثم ردّهم بعدها مُعافين إلى أركان الأرض الأربعة
وجاءه من روسيا من بلدة سملنسك تسعة عشر فلاحا من الموجيك عضهم ذئب مسعور قبل ذلك بتسعة عشر يوماً. وجرح الذئب خمسة منهم جروحاً بالغة فعجزوا عن السير فلم يكن بد من إرسالهم إلى المستشفى الكبير. وكان منظر هؤلاء الروس غريبا في طواقي الفرو فوق رؤوسهم وهم ينادون: (بستور! بستور!) وهي الكلمة الوحيدة التي عرفوها من لغة البلد الذي حلّوا فيه
وثارت ثائرة باريس - على نحوٍ لا يعرفه إلا باريس - قلقاً على هؤلاء المنكوبين الذين لا مفرّ لهم من الموت بعد أن طال الزمن عليهم مذ عضهم الذئب بنابه. وتحدّثت باريس فلم يكن لها غير هذا من حديث. وقام بستور ورجاله بحقن الألقحة في هؤلاء المناكيد الذين نضب حظهم من الحياة وقل رجاؤهم فيها. فالعشرة كان يعضهم الذئب فيموت منهم على المعروف ثمانية، فكان على هذا الحساب لابد أن يموت من أصحابنا خمسة عشر
قال الناس حيثما اجتمعوا: (من الجائز أن يموتوا جميعاً فلا ينجو منهم أحد؛ فقد مضى على عضهم أسبوعان وزيادة. مساكين والله! وستظهر عليهم أعراض الداء، وستكون شديدة فظيعة. ضاع الرجاء فيهم وحُمّ القضاء!)
ولعل الناس صدقوا فيما قالوا! ولعلهم حقا جاءوا بعد فوات الأوان! وعزّ على بستور الطعام، وعزّ عليه النوم، فأنه خاطر فأمر رجاله فحقنوا الألقحة الأربع عشرة في هؤلاء التعساء صباح مساء ليقتصدوا نصف الأيام الضائعة عسى أن يلحقوا بالداء فينفع الدواء
وأخيراً صاح بستور صيحة الفخر العالية، وصاحت باريس وفرنسا والدنيا أجمع صيحة الشكر، وأنشدت أنشودة النصر حارّة داوية. فاللقاح أنجى الفلاحين الروس إلا ثلاثة. فعاد الناجحون إلى بلادهم فاستقبلهم بذلك السرور الرهيب الذي تجده القلوب إذا هي دُعيت
стр. 11449
للترحيب بميّت منشور، للترحيب بهؤلاء الرجال المرضى الذين ودّعوا بلادهم والأمل منهم مقطوع، فزاروا لا شك حرماً قدسيا لولي من أوليا الله، ثم عادوا يسعون على أرجلهم إلى ديارهم سعي الأحياء. وبعث قيصر الروس الأعظم إلى بستور صليب القديسة حنا الماسي ومائة ألف من الفرنكات ليبدأ بها في بناء بيت لصيادة المكروب. فقام هذا البيت في شارع ديتو وهو المعمل الذي يُسمى اليوم معهدَ بستور. وجاءه غير المائة ألف مال من العالم أجمع، من كل قطر من أقطاره، وكل ركن من أركانه، حتى تكدّست لدى بابه الملايين من الفرنكات ليبني بها المعمل ليقتنص فيه مكروبات فاتكة أخرى، وليجد لها فيه ألقحة ماضية أخرى. نعم تكدست الملايين على بابه، فقد كانت عاطفة قوية تلك التي أندت أكُف هذا الخلق الكثير، عاطفة قوية كالتي تثيرها المصائب إذا نزلت بالناس فادحةً شاملة
وتم بناء المعمل؛ ولكن كان عمل بستور في الحياة قد تم كذلك. فلقد كان نصره الأخير كبير الوقع في نفسه، ثقيلا على فِقار ظهر احتملت أثقال العمل الشديد مدة أربعين عاماً في تواصل لم يُسمع بمثله أبدا، فناء جسده تحت آخر الأحمال، وانقطع وتره بآخر الأثقال، فمات في عام ١٨٩٥ في بيت صغير كان على مقربة من البيوت التي حفظوا بها عندئذ كلابه المسعورة في فلنوف لياتنج ' على أطراف باريس. ولفظ آخر أنفاسه كما يلفظها الكاثوليكي العريق في كَثْلَكَته أو الصوفيّ وقد كانه طوال حياته: في إحدى يديه كان الصليب، وفي اليد الأخرى كانت يد أكثر أعوانه صبرا وأقلهم شهرة وأكبرهم خطرا - تلك مدام بستور. وكان حول سريره عَوْنه رو وعونه شمبرلاند، وأعوانه الباحثون الآخرون؛ أولئك البُحَّاث الذين براهم نشاطه الجمّ في حياته برياً؛ أولئك البحاث الذين أسلموا له المقاد فدار بهم في هجيرة العمل دوراناً مستديماً قاسياً مرا؛ أولئك الأعوان الذين أوحى إليهم من وحيه واقتبس لقلوبهم قبساً من قلبه؛ أولئك الخلصاء الذين خاطروا بأرواحهم في إنفاذ خططه الجامحة في محاربة الموت، قاموا اليوم حول سريره يودُّون أن يفتدوه لو أمكن الفداء
هكذا انتهت حياة هذا الرجل خير انتهاء. هذا الإنسان الغالي في إنسانيته، صائد المكروب ومنجي الأرواح، الثائر الوثّاب، الناقص الخطّاء!
ولكن لبستور خاتمة حياة أخرى يتجه لها خاطري أكثر من اتجاهه لهذه. كانت في عيد
стр. 11450
ميلاده عام ١٨٩٢ حين استتم سبعين عاماً كاملة، فاحتفلوا به في السربون بباريس احتفالاً عاماً رائعاً كبيرا أهدوا إليه وساما. وكان لستر حاضراً، وكان رجال كثيرون مشهورون من أمم أخرى حاضرين، فاحتل هؤلاء العظماء رقعة المكان الدنيا حيث مجالس العظماء، واحتل الطبقات العليا من حولهم شباب فرنسا وطلاّب السربون والكليات والمدارس العليا؛ وامتلأ المكان بالأحاديث، واختلطت به أصوات فيها رنة الشباب. وفي برهة قصيرة انقطعت الأحاديث، وهدأت الأصوات، وخيّم على المجتمع صمت رهيب؛ ففي الممشى تراءى بستور يجر خطاه عرجا؛ وقد أخذ رئيس الجمهورية بذراعه واتجه الاثنان إلى المنصّة في رأس المكان، وصدحت موسيقى الحرس الجمهور بدور جَلْجَلَ في الفضاء، كذلك الذي يُتَحي به الأبطال العظماء وقد عادوا من ساحة النصر بعد أن روَّوْها عبثاً بدماء الأعداء، وحجبوا آثراها بغير طائل بألوف الأشلاء
بستور يموت
وكان في الحاضرين لِسْتر أمير الجرّاحين، فقام واحتضن بستور؛ وهتف الشيوخ الإجلاء من مجالسهم، والشبان الطُّلاّب من شرفاتهم، حتى ارتجت الحيطان؛ وأخيراً جاء دور الكلام لصاحبنا صياد المكروب الشيخ، وكان قد ذهب عنه صوته الحديد الرعّاد الذي كان يرفعه في الخصومات عاليا، فقام نجله يقرأ عنه خطابه؛ وكان ختام هذا الخطاب أنشودة للرجاء، لا بما تضمنته من خلاص الأنفس، بل على الأكثر بأنه دعوة دينية حارة تفتح للرجال سبيلا جديداً من الحياة؛ وكان بها يدعو شباب الجامعة وطلبة المدارس العالية، قال:
(لا تسوموا أنفسكم التشككَ في الأشياء، فالتشكك أرض قاحلة لا تُنبت، وسحاب جَهام لا يُمطر؛ ولا تحملوها على الريبة في قيم الأمور وأوضاعها فتحملوها على الزهادة وتُفقدوها الثقةَ بالله. واحذروا أن تركنوا إلى اليأس من أجل ساعات سوداوات تأتي على الأمم! ذلك أن لكل حالة غاية، ولكل كرب نهاية، والليل الأسود يعقبه النهار الضاحي. اطلبوا العيش في المعامل والمكاتب، ففي أجوائها الساكنة تجدون طمأنينة النفس وسلامها. سلوا أنفسكم: ماذا صنعتِ أيتها الأنفس بالذي كان من تعليم وتثقيف؟ فإذا تقدمت السنُّ بكم فسلوها ثانية: وماذا صنعت لهذا البلد الذي من أرضه كان غذاؤك ومن مائه كان ماؤك. حتى إذا جاءتكم الشيخوخة فلعلكم عندئذ تجدون أكبر الهناءة في الإحساس الغَمْر اللذيذ بأنكم ساهمتم مع
стр. 11451
المساهمين وعملت مع العاملين بطريقة أياً كانت لتقدم هذه الإنسانية ولخيرها. . .)
(انتهى بستور)
أحمد زكي
стр. 11452
المازني العاشق. . .!
للأستاذ (أبو سلمى)
ما قرأت كلمة أستاذنا المازني (في الحب والمرأة) إلا أيقنت أن هنالك مؤامرة على الحب - وا حسرتا - فجزعت. . . . . لا على الأستاذ المازني فإنه إذا لوح بيده أو زوى ما بين عينيه رفع خصومه الرايات البيض. . . .
ولا على المرأة. . . فإن لها من لسانها الطويل - بقطع النظر عما إذا كان وراءه شيء أم لا - ما قد تستطيع به الوقوف أمام المازني. . .
ولكني جزعت على الحب في هذا الزمن الذي طغى فيه العقل - أو مجموعة الاختبارات والأمزجة والطباع - ولو أستطيع لرميت به (أي العقل) مربوطا بكتلة من الحديد تثقله - إلى الهوة السحيقة التي تليق به
والمازني عزيز على إخوانه وتلامذته - وأنا منهم - المنتشرين في كل قطر، وحبيب إلى قلوبهم - وهم عدد النجوم - وما كان لمثلي أن يرفع يده وهي شلاء أمامه، ولكن حملته على الحب والمرأة أثارت عليّ جنودا لا قبل لي بها، تعرف عطفه عليّ وحبه لي، وهو أدرى بقوتها. .
ومادام المرء يخلق كل يوم خلقاً جديداً فلم لا نأخذ الخلقة التي نميل إليها وتستهوينا؟ ومادام الإنسان يتحول إلى صور شتى فلم لا نهفو إلى الصورة التي تروق في أعيننا؟ والحياة قصيرة، والهوى فضّاح، فلأعد إذاً إلى أعماق الماضي، إلى المازني الفتى الذي دفنه:
مات الفتى المازني ثم أتى … من مازن غيره على الأثر
أزيل عنه اللفافات وأبعثه بشراً سوياً تتوهج عيناه بنور قلبه. . .
أيها الفتى المازني! أين أنت من المازني الذي أتى على الأثر وتكون لنا عوناً عليه؟!. . . ألست أنت الذي كنت تطوف حول دار الهوى وتتمتم وعيناك نديتان:
أوصدوا الأبواب بالله ولا
تدعوا العين ترى فعل البلا
وامنعوا دار الهوى أن تبذلا
إن للدار علينا ذمما … وقبيح خونها بعد الخراب
стр. 11453
من قصيدة (الدار المهجورة)
ألست أنت الذي كان يحوم حول الحمى في الليل مضلل الرقيب، وجامع الحبيب بالحبيب - ولا أدري إذا كنت تلبس طربوشاً أم لا - فتنظر إلى شباك حسنائك وروحك تتراءى خلف مقلتيك حيناً وفوق شفتيك حيناً آخر، حتى إذا رمتك باللحظ زفرت وأنشدت:
ما أفصح اللحظ يا حبيبي … وأعذب البث بالعيون
لحظ يضيء الذي توارى … في ظلمة الغابر الدفين
من قصيدة (لحظ الحبيب)
فإذا هبطت - هي - إلى الحديقة واختبأت بين الأغصان أنبأك همس الأزهار عن مكانها فتقول:
وودت لو تنفع الأماني … لو كنت لدناً من الغصون
وليتني صيدح يغني … في ظلك الوارف الأمين
من قصيدة (لحظ الحبيب) أيضا
فإذا نادتك وظهر اللفظ من بين شفتيها مشتعلاً يهديك إلى دنيا الغرام هتفت أنت:
أظل إذا اسْتَكَّ في مسمعي … يرفّ عليّ جناح الغرام
شفاه يؤججن أنفاسه … ويلثمن ألفاظهن الظوامي
من قصيدة (لفظ الحبيب)
وتدلف إليها، ويلفكما الليل في طياته (كما يغيب سر المرء كتمان) والكلام لك، فتناجيها:
عجب كيف يرتضي البعد عنا … من عبدنا في حسنه الله جلاّ
أنت أفسدتني وعلمتني الحب … فهلاّ أصلحت مني هلاّ
كان خيراً من السهاد رقادي … في حمى ظلك الوريف وأحلى
من قصيدة (المناجاة)
وتشير إليك بتلك اليد التي كنت تعتقد أنها تفتح لك طريق سعادتك فتطمئن إلى الصدر الرحيب، وتغفو بين الأحلام على ترنيمتها:
نم هنيئاً في ظلي الفينان … وانس بًرْح الهموم والأشجان
وانس ما كان من زفير على الهج … ر ودمع يجري بغير عنان
стр. 11454
هذه راحتي على وجهك الغض … وروحي وريفة الأفنان
وفؤادي مرفرف بجناحي … هـ حنانا فانشق نسيم الحنان
من قصيدة (رقية حسناء)
وحينما تقضي لبانات الفؤاد المعذب تودع الحبيب وتقول:
ودعته والليل يخفرنا … والبدر يرمقني وأرمقه
ولرب خدّ بت ألثمه … والدمع يطفئ ما أحرّقه
والورد أقطفه لوجنته … والشوك في قلبي مفوّقه
من قصيدة (ليلة وداع)
ثم يلج الوجد فيوشي جنبات الأفق ويصبح الفتى المازني (مثلا شروداً في الهوى. . .)
وبعد، فحالات أستاذنا المازني كلها حسنة مشرقة إشراق الابتسامة العذبة، ولكن أحسنها عند إخوان الصفا هي هذه الصفحة العطرة التي تندي شبابا وصبابة، فإذا أراد أن يعفى على أثرها ولو بالسيف، فليعلم أننا نجتليها ولو من بين الغمام لامعة وهاجة؛ وإننا وإن دوى في الآفاق صوته المرنان يُسمع الصم، نرجو منه أن يعلم أن هذا الصوت الداوي الآن - بشأن الحب المرأة - يتسرب من بين الطبقات ويصلنا ناعماً ليناً ويقف على أبواب القلوب
وإن هذا الحب الذي أصاب منه (شبعه) كان غذاءه الوحيد فكان يئن ويحن وينشد:
غذائي الحب يا من فيه حرمان … مني له أبداً ما عشت نشدان
وهل غذائي إلاّ أن أراك وأن … يمر بالسمع لفظ منك فتان
ما لذة القلب خلوا من دخيل هوى … ما الليل إن لم يكن بالصبح إيقان
مالي بغير الهوى في العيش من أرب … ولا بقلبي أحقاد وأضغان
من (مناجاة هاجر)
والشعر. . . - لقد نسيت - الشعر الذي قلت عنه إنه يلبس الحب أستاراً تبعده عن الحقيقة. . . ومن يعلم؟ فلعله يؤدي رسالة الشعر، ويحسن صنعاً خوفا من ألا يكون وراء الأستار شيء من الحقيقة - كما تقول الأساطير -
نعم أنت كنت تقول في الماضي:
أما يرى غايتي في الشعر واحدة … وإن تباين أوزان وأوزان
стр. 11455
فما أحوك على الأيام قافية … ألاّ وفيها على حُبِّيه عنوان
وما قيمة الشعر إذا لم تردده شفتان مرتجفتان أو. . . . لم تله به قدمان صغيرتان
ولكنني أخشى. . . وهنا أضع يدي على قلبي. . . . أخشى أن يكون كلامك عن الحب والمرأة نتيجة استبدادٍ بك. . . ومَّمن؟. . . من امرأة؛ فندِينك بقولك:
وإنني عاشق كتوم … يبطن غير الذي يقول
(القدس)
أبو سلمى
стр. 11456
التاريخ في سير أبطاله
٢ - ميرابو
ميرابو. . . تلك الأعجوبة!
جوته
للأستاذ محمود الخفيف
وكان الملك قد أخذ بنصيحة نكر حين اشتدت الضائقة المالية فأجاب الشعب إلى دعوة مجلس طبقات الأمة إلى الاجتماع وهو مجلس قديم شهدت فرنسا آخر اجتماع له عام ١٦١٤، وقد حدد لاجتماعه اليوم الخامس من شهر مايو سنة ١٧٨٩، وكان الغرض من اجتماعه، مشاورة نواب البلاد في مخرج من الأزمة المالية
ولكن هل كانت الضائقة المالية كل ما يشكو منه الشعب؟ كلا؛ إن فرنسا إذا أردنا الواقع كانت على أبواب عصر جديد، بل إن تاريخ العالم كان في مستهل فصل جديد! فما كانت الثورة مهما اختلفت مظاهرها إلا أوبة الشعب من غمر القرون أو من مجاهل النسيان، كانت حركة لا محيص عنها، حركة أدى إليها تطور الزمن على وجه معين بحيث لم تكن الأيام لتلد غيرها
هاهو ذا الأفق الباسم تنشق جوانبه عن جبين الصباح بعد ليل طال واشتدت حلكته، ولكن ما تلك الخطوط الحمراء التي يراها ميرابو ويوجس في نفسه خيفة منها؟! إنه يرى فيها نذير الشر والفزع الأكبر. ياله من رجل عجيب! إنه يتشاءم والقوم متفائلون؛ إنه يرى ما لا يرون، ولكن لينتظر ما تأتي به الأيام!
الشعب مبتهج يبسم له الأمل ابتسام الربيع من حوله، أنظر إليه غداة افتتاح المجلس في طريق نوابه تكاد تنشق حناجره وتدمى أكفه من كثرة ما يهتف وما يصفق. يا لله! ما له يطرق في وجوم كلما مر به أحد السادة من النبلاء أو القساوسة؟ هل آن لتلك الجموع أن تفرض سلطانها وتجير القوم على الاعتراف بها؟ من ذلك الرجل العابس المهيب الذي تتناقل الألسن اسمه وتتدافع الجموع لرؤيته؟ أنه بعينه نائب اكس الكنت ميرابو!
اتخذ ميرابو كرسيه وسط العامة، وقد تهامس الأشراف عند دخوله المجلس وتخاطبوا بالأحداق، على أنه كان يزدريهم أكثر مما يزدرونه، ويمقت في أشخاصهم العهد القديم
стр. 11457
ونظمه وتقاليده
ودخل الملك القاعة في حاشيته التي تجلى فيها ترفع الملكية واستكبارها، وألقى على النواب خطابا ارتاحوا إلى ما جاء فيه من أماني، وهتفوا لما تضمنه من عبارات العطف، ثم قام نكر فأكدَّ رؤوس سامعيه بخطاب طويل نصفه أرقام!
تبع الأشراف والقساوسة الملك إلى خارج القاعة وبقى العامة في أماكنهم وبينهم ميرابو يشيع الملك ووزيره بنظرات المقت والسخط. ولقد رأى النواب في ملامح وجهه إمارات الغضب، وفسرها الأشراف بأنها مظاهر الحقد الدفين والغل الشخصي
ولكن ميرابو أصبح اليوم غيره بالأمس فلقد ودع حياة السفه والتمرد، وأصبح السياسي المتزن المهيب الجانب، الذي يتوقف مصير الحوادث على ما يصدر عنه من قول أو فعل
إنه لا يطمئن إلى المستقبل ويرى الأمور تنذر بالكارثة ما لم تعالج بالحكمة. ولقد درس نفسية الشعب خارج المجلس وعرف أن له أطماعا لابد من تحقيقها. لم يكن الناس ليرضوا أن تؤخذ الأصوات في المجلس باعتبار الطبقة فيفوز الممتازون، ولا يكون لمساواة العامة إياهم في العدد أية قيمة. وكان الشعب ونواب الشعب يلحون في أن يكون التصويت باعتبار الرؤوس. كذلك كان الشعب يطمع أن يكون للمجلس مكان مستديم في النظام الحكومي، ويكون لما يصدر من آراء أثر في سياسة الدولة. وكان ميرابو يسعى جهده في أن تعلن الحكومة موافقتها على ذلك في أولى جلساته خشية أن ترغم على ذلك فيما بعد فيؤثر ذلك أسوأ الأثر في مجرى الحوادث، ولكن الحكومة أغفلت الأمر، فكان محقاً في حنقه وتبرمه
كان يفطن ميرابو أكثر مما يفطن غيره إلى انبعاث الشعب واحتضار الملكية. وكان يرى الملكية وقد أثقلتها تقاليد الماضي تكاد تسقط من الإعياء، حتى لقد قيل عن لويس السادس عشر إنه ورث عن آبائه الثورة والعرش معاً! ولقد كان هذا الملك المسكين يهرول تارة ليدرك الزمن فتنقطع به الأسباب، ثم يكلف الأيام ضد طباعها حيناً فتسخر منه الأيام! وكان ميرابو يرى بنافذ بصره أن سلامة الملكية وسلامة الوطن كلتاهما تتوقف على التوفيق بين الملك والشعب، ولا سبيل لنجاح الثورة غير هذا السبيل
أرسل إلى نكر يقول له: (صدقني أيها الوزير أن مصير الملكية في فرنسا متوقف على ما
стр. 11458
سيكون من أمر هذا المجلس، وخير لك ولهذا البلد المسكين أن تواجه المجلس بما يحقق أماني الشعب)
ولقد أعد ملتمسا ليتقدم به إلى الملك في الجلسة الأولى؛ ويقال إن الملك بادر إلى الخروج عقب انتهاء الاجتماع لما علم من عزم ميرابو. ومما جاء في هذا الملتمس: (أضف إلى مآثرك أيها الأمير المعظم إجابة الشعب إلى رغبته يبق الصولجان في يدك، فإنني أخشى إن رفضت أن يشهر في وجهك.)
يا لهذا الرجل من بطل! كيف ينقلب سلوكه هذا الانقلاب المدهش؟ إن المرء ليلمس أهم ناحية من نواحي عظمته في ذلك التحول، وما عرف التاريخ قبله رجلا درج من مثل ماضيه فوصل إلى مثل ما أتيح له من مجد وعظمة وكمال سياسي
كان منطق الحوادث يقضي بأن يرى ميرابو في الثورة فرصة لشهواته ومرتعاً لمآربه، فيصبح في غمرتها الرجل الأحمق الذي يهدم ولا يعرف غير الهدم، ويبطش ولا يستطيع أن ينهض لغير البطش. ولكنه ما عرف الهدم، وما كان رائده سوى البناء كأحسن ما يكون البناء! وذلك لعمري من عجائب الأيام! ولكنه سر العبقرية
أجل! لقد جد الزمان فأثار جلال الموقف كامن مواهبه، ولامس موضع العظمة من قلبه، ورأى في الثورة حادثاً نبه نفسه إلى حقيقتها، أو قل إنه وجدها كفؤا له كما وجد نفسه كفؤا لها
وسنرى أن جهاده منذ اليوم سيكون شاقاً مريراً، فإن من يعنيهم أمر الوطن من الوزراء ورجال الدولة من أمره في ريبة، لا يأمنون أن يتخذ من حرج الأمور وسيلة إلى أغراضه الخاصة كما كانوا يزعمون، بله ما كانوا يضمرونه له من حقد وما كانوا يكنونه من حسد، حتى المستنيرين من معارفه ومقدري نبوغه لم يكونوا أقل من هؤلاء حذرا منه، وكانوا فوق ذلك يترفعون في صلف عن مدارسة رجل له مثل ذلك الماضي! مما كان يملأ قلبه غيضاً. والملك؟ أيستطيع أن يصل إليه وله من بطانته أسوأ حجاب؟
وهو لا يثق في نواب العامة، ويخاف أن يؤدي نزقهم وجهلهم إلى الكارثة. قال يصفهم ذات يوم: (أكثر من خمسمائة عضو لا يعرف الرجل منهم جاره! أتوا من جميع أنحاء المملكة، لا يجمعهم نظام، ولا يلم شملهم زعيم، ولن تجد بينهم ذا نفوذ، أو تتبين فيهم من يأخذ نفسه
стр. 11459
بأي ميثاق من مواثيق الطاعة، وكلهم ميال إلى أن يُصغي إليه قبل أن يصغي هو إلى أحد. . .)
أرأيت موقفاً أشد من هذا الموقف حرجاً؟ ولكن هل كان حرج الموقف يعمي بصيرته عن سبيل الرشاد، أو يدفع السأم إلى قلبه؟ كلا فما خلق مثله إلا للشدائد، وما يظهر جلده أكثر ما يظهر إلا في الملمات. وهل كانت تستطيع السفينة أن لم تسير بلا ربان في مثل تلك الأنواء؟ ومَن ربانها إن لم يكن هو ربانها؟ لم تمض أيام حتى صار بين نواب العامة المقدم عليهم، يستقيمون على ما يرسم من طريقة وإن لم يعلنوا زعامته لهم، ويتجهون بأنظارهم إليه إن سدت في وجوههم المسالك وإن لم يظهروا له ما هو جدير به من عطف ومحبة، ولكنه كأخيل، لم يكن ليصده عن مصلحة وطنه ما ينال شخصه من إهانة، وفي ذلك من سر عظمة الرجل ما هو جدير بالإعجاب
وكان إلى جانبه الأب سيس، ينقل إلى نواب العامة ما يوحيه إليه، وكان هذا الرجل قد آثر صفهم على صفوف الأشراف كما فعل ميرابو من قبل؛ وكان لشخصه في قلوبهم مكانة قوامها الحب، إن لم يكن قوامها الإعجاب
أخذ الأشراف ورجال الدين يجتمعون كل طائفة في حجرتها، وعولوا على أن يكون إقرار المسائل باعتبار الطبقة؛ ولو طاوعهم العامة إلى ذلك لكان للثورة اليوم سيرة غير سيرتها. ولكن أنى للعامة أن يقروا على أنفسهم عملا يطوي بهم القرون إلى الوراء، وهم يتعجلون الزمن، ويودون لو يسبقونه إلى تحقيق الأمل الوليد؟ على أنهم ما كانوا يريدون بملكهم الطيب شرا حتى ذلك اليوم، ولكن شطط رجال البلاط وسوء تدبيرهم سيجعل من هذا المجلس هيئة تقلب نظام الحكم في فرنسا، بل وتدفع تاريخ البشر إلى طريق جديد
وما كان ميرابو ليرضى أن يطيع أصحاب الامتياز إلى غرضهم الشائن وإن كان يخشى أن يؤدي إحراج العامة وإعناتهم إلى التذمر فالهجوم، فيتدخل الملك وهو لا يريد أن يتدخل الملك إلا بما يرضي الشعب؛ هو لا يحب أن تبغي إحدى القوتين على الأخرى، ولذلك فهو يسعى ويواصل السعي، ويدعو ويكرر الدعوى إلى الأناة، حتى يصيخ له من صفوف العامة رجل رشيد لم يكن سوى سيس، وسرعان ما يأخذ العامة بنصيحته على لسان سيس، فيقفون من الأشراف موقفاً حكيما هو انتهاج السياسة السلبية، فيأبون أن ينتخبوا لهم هيئة
стр. 11460
داخلية تشعر بقبول انعزال مجلسهم، كما يرفضون أن يتسلموا الرسائل الموجهة إليهم باسم رجال الطبقة الثالثة
كان يرجو ميرابو أن يخرج العامة من المأزق دون شحناء ولا اعتداء، ولكن العامة انتظروا حتى ملوا الانتظار، فاقترح عليهم قرب نهاية مايو أن يرسلوا إلى رجال الدين، وقد أنس في فئة منهم العطف على العامة، يدعونهم باسم الله وباسم الإنسانية والسلام أن ينضموا إليهم
وفي اليوم العاشر من يونيو أقترح سيس إرسال دعوة نهائية إلى رجال الطبقتين يطلبون انضمامهم إلى صفوف العامة؛ وسواء قبلوا الدعوة أو لم يقبلوها يجتمع نواب العامة وحدهم للعمل باسم الشعب الفرنسي كله. وأخيراً حين رفض رجال الطبقتين دعوة العامة أعلنوا في اليوم السابع عشر من يونية قرارهم الخطير أنهم هم (الجمعية الأهلية) فخطوا بذلك أول خطوة نحو الثورة
أشفق ميرابو وقد فهم مغزى هذا القرار على الجمعية وأيقن أن الملك لابد مجيب على ذلك بضربة حاسمة، إذ ما الذي يمنعه أن يباغتهم بمرسوم يحل به المجلس كله؟ ولذلك فقد احتاط للأمر وتوقى الخطر قبل حدوثه. فتقدم إلى الجمعية باقتراح قبلته وأعلنته، ومؤداه أن نواب الأمة يقررون أن الضرائب القائمة غير شرعية، ولكنهم لا يمانعون في جمعها مادامت الجمعية منعقدة؛ وكانت هذه خطوة سديدة موفقة من جانب ميرابو
على أنه ظل يحسب للموقف حسابه. فما كان الأشراف ورجال البلاط ليقابلوا عمل الجمعية بالسكون، وكان ميرابو قد واجه ثورة النواب في نقاشهم قبل أن يطلقوا على جمعيتهم ذلك الاسم، وطلب إليهم أن يبحثوا عن اسم آخر لا يتضمن مثل ذلك التحدي، ولكنهم أعرضوا عنه فلم يجبن عن أن يعلن فيهم (أن نفوذ الملك وحقه في (الفيتو) لابد أن يكون أمراً أساسياً في الدستور، وبغير ذلك فانه يفضل أن يقيم بالقسطنطينية على أن يعيش في فرنسا، لأنه لا يرى أخطر من تسلط ستمائة رجل على شؤون الدولة)
ولقد ذاعت الإشاعات يومئذ أن ميرابو أخذ من الملكة مبلغاً طائلا، وهكذا يأبى شؤم طالعه إلا أن يلازمه فيرمى بالخيانة منذ ذلك التاريخ الباكر
اعتزم الملك نقض قرارات الجمعية، وعول على الذهاب بنفسه إليها، وحدد لذلك اليوم
стр. 11461
الثالث والعشرين من يونيه، وفي صباح اليوم العشرين من ذلك الشهر حين لم يستطع نواب الشعب الاجتماع في دار الجمعية بحجة إعدادها لدخول الملك فقد توجهوا إلى ملعب التنس المجاور لها؛ وهناك وقد أخذ الحماس من قلوبهم كل مأخذ أقسموا أنهم لن ينفضواحتى يضعوا للأمة دستوراً، فكان هذا أحد أيام فرنسا المشهورة
ما للسفينة عجلى تسخر بالأنواء وتستخف بما يحيط بها من موج كالجبال؟ أدر الدفة يا ربانها ليس لها غيرك يوجهها إلى شاطئ السلامة!
دخل الملك في اليوم الموعود، وقد تكلف أكثر ما يطيق من الجد والحزم، وأعلن نقض قرارات ١٧ يونيه، وأمر أن تجلس كل طبقة على انفرد ليكون صدور الأصوات بالمجلس لا بالرؤوس، وعلى الجميع أن يصدعوا بما يؤمرون وإلا فانه (سيعمل ما تقتضيه مصلحة البلاد معتبراً نفسه نائبها الوحيد)
طرب الأشراف ومن يشايعونهم من رجال الدين لذلك الوعيد، وقاموا إلى مجلسهم بعد مبارحة الملك القاعة، وبقى نواب العامة في مكانهم جامدين. أخذتهم الحيرة فلا يدرون ماذا يفعلون، واستولى الرعب على أفئدتهم، فعلى وجوههم صفرة كئيبة، وفي عيونهم دهشة ومسكنة، ولكن ميرابو لم يخلق الفزع لمثله، فوثب من مكانه وفي عينيه الواسعتين نظرات الليث، وراح يزأر فيهم مذكراً إياهم بقسمهم. فأعاد إلى قلوبهم الحمية، ثم دار بعينيه فإذا كبير الأمناء يسأل النواب في صلف: (ألم يسمعوا أمر الملك؟) وفي تلك اللحظة الرهيبة التي ولدت للعالم عصراً جديداً يأبى القدر إلا أن يجعل من ميرابو ترجمانه، فيصرخ في رسول الملك قائلاً: (نعم أيها السيد! سمعنا ما أوعز إلى الملك بإلقائه علينا، ولست أنت، ولم يكن لك من مركز أو حق يبيح لك الكلام في هذا المجلس. نعم لست أنت الذي يذكرنا به. إذهب فقل لمرسيلك إننا هنا بإرادة الشعب، فلن نبرح مكاننا إلا على أسنة الحراب)
وتصايح النواب قائلين: (هذه إرادة الشعب). (الشعب لا يتلقى أوامر من أحد)، وقام سيس يذكرهم أنهم اليوم ما كانوا بالأمس؛ ولم يخن ميرابو حضور ذهنه وسط تلك الحماسة، فأعلنت الجمعية اقتراحه بأن رجالها منذ اليوم في حصانة، وأن التعدي عليهم جريمة كبرى!
أرأيت كيف هيأت بسالة ذلك الرجل له موقفاً أصبح فيه بحيث يتوقف مصير الحوادث
стр. 11462
على ما يفعل أو يقول؟ وسرعان ما تجاوبت أنحاء فرنسا أنباء ذلك الرد التاريخي، وجرى اسم ميرابو على كل لسان في باريس وطبع شخصه في كل قلب
من ذلك اليوم أصبح ميرابو زعيم الشعب غير مدافع، وأن تم له ذلك فعلا من قبل، وإذا كانت الحوادث تخلق الرجال كما يقولون، فمن الرجال من يخلق التاريخ. وما تاريخ البشرية إذا أردت اليقين إلا تاريخ عظمائها. ولقد كان ميرابو من هؤلاء النفر الذين يربون جيلا ليلدوا غيره! وإني لأجرؤ فأزعم أنه عندي أول زعيم شعبي بالمعنى الحديث. إذ كان التاريخ يومئذ ينتقل من فصل إلى فصل كما رأينا
وكان انتقاله هذه المرة على أساس جديد، على أساس شعور الفرد بوجوده في شكل ديمقراطي لم ير العالم نظيره منذ ديموقراطية أثينا. أجل، لقد جاءت الأنباء من وراء المحيط بانتصار الحرية على يد بطل من أهم أبطالها هو واشنطن؛ ولكن الفرق بين الحركتين كالفرق بين الرجلين؛ فتلك حركة سياسية في شعب يخوض غمار الحرب إلى حقه الذي اغتصبه الأجانب من أعدائه، وهذه حركة اجتماعية كانت أول أمرها سلمية في شعب يستخلص حقه من ساداته وكبرائه؛ وذلك رجل يشهر السيف ويصل إلى غرضه بالحديد والدم، وهذا رجل لا يعرف إلا القلم ولا يرى سوى المنبر طريقاً إلى غرضه!
(البقية في العدد القادم)
الخفيف
стр. 11463
تلخيص كتاب: الحاكمون بأمرهم
تأليف جاك بانفيل
بمناسبة وفاته في ١٠ فبراير سنة ١٩٣٦
للأستاذ عبد الحليم الجندي المحامي
تتمة
طاف بنا بانفيل في النصف الأول من كتابه بطغاة التاريخ ليقدم إلينا طغاة العصر الحاضر؛ فنحن الآن في روسيا القيصرية حيث الشعب يجزي قياصرته الإرهاق الفظيع بالإرهاب الأفظع؛ وإن تعجب فاعجب لهذا القدر الساخر الذي جعل من أكبر القياصر حبّا للشعب أكبر صرعى الإرهاب وهو القيصر (نقولا الثاني). . نشطت الشرطة في أعقاب ذلك المصرع ولكن نشاطها كان متجها نحو (الأنفار) لا نحو القادة، فنجا من طغيانها دعاة جيهنميو (كالفالديمير أوليانوف) أولئك الذين جعلوا شعارهم (كل شيء، أو لا شيء)
نفي الفتى - بل الأستاذ - فالدمير سنتين في سيبريا، وفي سنة ١٨٩٦ ألف جمعية الكفاح، وفي سنة ١٩٠٣ افتتح مؤتمر بروكسل للعمال، وعقب ذلك أنشأ في لندرا حزب العمال الروس الديمقراطي
وفي سنة ١٩٠٥ اندلع لهيب الحرب بين اليابان وروسيا فكانت فرصة نادرة، فمشى إلى قصر الشتاء مائتا ألفٍ من العمال يحدوهم قسيس ليقدموا إلى سدة القصر ملتمساتٍ متواضعة، فقابلتهم المدفعية بالنار على عتباته، وكأن أركان الإمبراطورية الأربعة كانت في الانتظار، إذ شجرت القلاقل في كل ناحية وذُبح الغراندوق سرج، وساد الإضراب في أرمينيا وبولنيا وسبستبول؛ وعبر فالدمير - لينين - الحدود ليختبئ في موسكو، وليؤلف جيش الثورة الذي قاوم الحكومة تسعة أيام ثم انهزم، ففر ليتين وراء الحدود ليكون الحزب البلشفي في سنة ١٩١٢ وليرقب الفرصة المتاحة
ومضت سنوات سبع كان على لينين في منفاه أو في مهربه أن يدبِّر فيها للثورة تدبير
стр. 11464
الأستاذ الخبير، فلقد كان يقول: (إن الثورة فن)
وفي سنة ١٩١٤ عندما ارتفع بخار الدماء في سماء الدنيا هدأت أعصاب لينين! وأخذ يتحرك، فأهاب بالعمال في العالم أجمع أن يُلقوا السلاح ليتخلصوا من الطواغيت إلى الأبد، وليجعلوا من رأس المال أسطورة تُحكى للناس، أُزيلت من عالم الواقع الحاضر، وجاءت الظروف تضع الأحجار في بنيان هذا الطاغية - والمصادفة دائما في خدمة الدكتاتوريات - إذ سرت الرعدة في كيان الإمبراطورية الذي شاخ؛ فالحرب بدت مجزرة فاشلة، والفيالق أخذت تتذمر فقامت قيامة العمال في ٨ مارس سنة ١٩١٧، وفي ١٠٠ ساعة فقط هوى عن العرش آخر أبناء رومانوف
وتطلعت الثورة تريد رأس حكيم يحركها. . وتطلع لينين إلى الألمان فنقلوه إلى روسيا في قطار مسلح في حاشية من ثلاثين هداماً من زملائه، ووصل الركب إلى روسيا، وأخذ لينين يناضل الحكومة المؤقتة لتكف عن مواصلة القتال في الحرب الكبرى، فوجهت إليه تهمة الخيانة العظمى وأوشكت أن تظفر به، ففر من جديد ليعود بعد شهور ومعه (الفنان الأكبر) فنان الثورات (تروتسكي)
وضع الفنان الأكبر خطةً هي آية الفن الثوري الحديث؛ فعمد إلى المصالح الميكانيكية، وهي التلغراف والتلفون والبريد والكهرباء والسكة الحديد؛ وعهد في الاستيلاء عليها إلى فئة قليلة من المحاربين في زي عمال، وأمّر عليهم طائفةً من المهندسين المهرة، فلم يمض يومان حتى كانت هذه السواعد الفتية قد وصلت إلى نتائج باهرة برغم قلة عددها، إذ كان اتحاد الغاية مع تشعب الأهداف الأولية سبباً في عجز الجيش وضعف حيلة الحكومة عن مواجهة المخربين، وهكذا استطاع (تروتسكي) أن يعزل العاصمة عن الإمبراطورية، ثم استطاع أن يصدر الأوامر إلى أنحاء الأرض النائية؛ وبعد مناورات هندسية أخرى سار بفيلق صغير صوب القصر وسلط عليه شواظاً من جهنم ترسله مدافع الطراد (أوردرا) فتفتحت الأبواب للطارق الفظيع ودعا إليه (لينين)!. . واستسلمت روسيا إلى الشيطان، ودان له النواب في مجلس (الدوما)
وابتدأ لينين يحكم باسم الحق والعمال، ففرغ من الألمان بالمعاهدة، وتفرغ إلى روسيا بالحديد والنار ليفرض عليها أفظع طغيان يرتعد من هوله التاريخ، ويتضاءل أمامه
стр. 11465
(نيرون) وألف نيرون!
ثم عجزت نظمه جميعاً وقامت جورجيا تطلب استقلالها فسار إليها (تروتسكي) في جحفل أغبر ليمسح حركتها من الوجود؛ وبدا لعين الطاغية الأعظم فشل مشاريعه فأخذ يقول: (لقد هدمنا أكثر مما نستطيع بناءه) وأخير أصابه الشلل وشب إلى جانبيه طاغية جديد هو ستالين
ومات لينين وخلفه ستالين، فاستهل حكمه البلشفي أبرع استهلال، إذ طوح بتروتسكي إلى أقصى الأرض ليُنبذ من دولةٍ إلى دولة كأنه الطاعون؛ وليكتب في الصحف كل يوم ليعيش. . (وهكذا - مثل ساتيرن - تأكل الثورات بنيها) واخترع ستالين نظام السنين الخمس، وطنطنت له الإذاعات والإعلانات في مشارق الأرض ومغاربها، ثم خفت الصوت وسكنت العاصفة لما مُني به المشروع من إخفاق
أما الشعب فما يزال جائعاً كما كان قبل الثورة؛ وأما الأمية فما تزال - على الرغم من الإحصاءات الرسمية - متفشية؛ وأما الإنتاج والرغبة فيه، وأما الرواج والحضارة، وأما الشعراء المستقلون والكتاب، فكل أولئك ومعهم خمسة ملايين من الناس نفوا من روسيا في الجزر الروسية أو في سائر أرجاء الكوكب المعمور
ولابد أن يرتفع هذا الكابوس عن روسيا إذا مات طاغيتها الجاثم على صدرها فهو نظام لم يبدأ من الشعب ولن ينتهي إليه
بعد ذلك يبهرك (بانفيل) بوثبة بديعة من وثبات السحر البلاغي تخلبك طلاوتها لأنها تنقلك كسائح في الجنة إلى قطر إسلامي شقيق فإذا بك أمام يراعةٍ منتشيةٍ كلها إعجاب، وإذا بك بين يدي (أتاتورك) العظيم. .
يقدم المؤلف تركيا الجديدة بكلمة لأحد مندوبيها في مؤتمر لوزان موجهة إلى أعضاء المؤتمر: (لماذا تريدون معاملتنا كالمتوحشين؟ إننا جميعاً في هذا الوفد نحمل شهادة الدكتوراه في الحقوق من جامعة باريس!) وأنت تكاد تلمس من العبارة أية جماعة تأخذ بيد مصطفى كمال وتعاونه، وأية أفكار جديدة تنشرها هذه القوى الناهضة، دون قعقعة أو جلبة على طرائق موسوليني وهتلر وستالين، ففي مصطفى كمال كثير جداً من (واشنطن) وفيه أيضاً من (جنكيز خان)
стр. 11466
ولد في سنة ١٨٨٠ وتعلم بالمدارس الحديثة وتلقى العلوم الحربية وصار (كابتن) في سنة ١٩٠٤، وفي سنة ١٩١٢ اتهم في مؤامرة على السلطان، ثم عمل في جيش القوقاز وفي الجزيرة أيام الحرب الكبرى
وعندما هادنت تركيا الحلفاء وأراد الباب العالي أن يبيع الأتراك لإنجلترا رفض كمال تسريح قواته، ووقف في وجه الحكومة ونازل اليونان فقذف بهم وبالإنجليز من ورائهم إلى أعماق البحر الأبيض المتوسط؛ ثم سحق الثورة الكردية وعقد معاهدة لوزان، وأنشأ المجلس الوطني الكبير، وألغى الخلافة، وصار الغازي رئيساً للجمهورية
ونفح في الصور ليبعث الأتراك من جديد!
وألغى الطربوش لتُلبس القبعة؛ وطاف مصطفى كمال في البلاد يهيب بها أن تستجيب لندائه؛ ورُفع الحجاب ووضع القانون المدني، وصار الزواج مدنياً بعد أن كان دينياً، وأدخلت الحروف اللاتينية في الأبجدية التركية
وهكذا جعل الغازي من أمته التي كانت مضرب المثل في الجمود، شعباً يستسيغ الإصلاحات الطافرة، ولو جاءته في سرعِة الأفْلام. .!!
وبعد أن قضى على الحاضر المضارع التفت إلى الماضي ليستخدم العلم والتاريخ في مجد أمته؛ وليس فخرها في (عثمانيتها) بل فخرها في أنها (تركية)، ولم يعدم البحاث والمنقبون عن الآثار في الأناضول معالم ومشاهد وآثاراً تثبت قدم الأتراك وآبائهم (الحيتين)؛ ثم اتجه الرجل العظيم إلى تطهير اللغة التركية من الغريب، وعمل رجاله في ذلك أعمالا جبارة، لكأنهم يخلقون الناس معهم من تاريخ نهضتهم فحسب! فمنذ عامين فقط شيعت الجموع شاعراً قومياً، ومشى الشباب وراء جثمانه وهم لا يفهمون شعره كما كان يجب، لأن لغته أصبحت لغةً قديمة. . .!! ولذلك فقد نفذت المعاجم من الجديدة أول ما عرضت في الأسواق
يُعطيك هذا العمل الأخير خير فكرة عن قوة اتجاه هذا الدكتاتور نحو الإنشاء؛ حقاً إن التركي يلقي هذه الهزات التي يهتز لها كل كيانه بعلامات استفهام وعلامات تعجب، لكنها ستجره معها يوماً على كل حال
يقولون إنه يعيش كأبطال الأساطير بين اللهو والقصف، ولربما بدا وجهه للناس بعد عشرين عاماً كوجه سلطان من السلاطين، لكن الذي لا مراه فيه أن قدم الدليل الناهض
стр. 11467
على مقدار ما يحقق الرجل القادر للشعب القادر من رغبات الانتصار وفي التقدم
ثم يقول المؤلف - فهذه غايته من مؤلفه - (وإنا لا نحسب أن الشعب الفرنسي يُسيغ هذه الطرائق فالثورة الكبرى نفسها لم تستطع أن تقسره على أن يقبل حتى الأسماء الجديدة لشهور السنة! مع ما في هذه الأسماء من الملاءمة والاتساق!!)
والآن إلى قيصر!
لا قيصر الكرنفال، ولكن عبقرية أمةٍ زاخرة بالكفايات حافلةٍ بالمواهب ما أسرعها في الاستجابة إلى حاجات الساعة وضرورات السياسة تستعرض الماضي من مفاخرها لترفع على القوى منها عمد المستقبل المجيد
وليفهم القارئ الفاشستية يجب أن يرتد ببصره إلى سنة ١٩١٥ عندما ساقت إيطاليا جيوشها إلى الساحة إثر نزاع بين المحايدين من أتباع (جبوليتي) والمتدخلين من أشياع (دانونزيو)، فلما انعقد لواء الظفر للحلفاء حسب الساسة من رجال المدرسة القديمة أن الأمور ستجري رتيبة، وستعود سيرتها الأولى دون أن يحسبوا للتيارات الجديدة حسابا
نشأ موسوليني لأبٍ يطرق الحديد، علمه شديد القوى؛ ثم صار معلماً، ولكن ثوريا، فطردته ثوريته من وظيفته وهاجر إلى سويسرا فلم تطب لها ضيافته، ثم عاد إلى إيطاليا ليؤدي الخدمة العسكرية، ثم ارتد يضرب في الآفاق من جديد ليتتلمذ على (سيزار باتستي) في النمسا، وهنالك عثر على الكنز المفقود؛ فلقد كان (باتستي) فيلسوفا وداعيةً وطنيا من أكبر الغلاة حتى امتلأ ذهن تلميذه بجمهرة من أفكاره الوطنية امتزجت باشتراكيته فصيرته رجلاً من طراز خاص. ولما ولاه أستاذه تحرير جريدة (بوبولو) لم يكن يكتب، ولكنه كان يحارب، ولم تكن جمله عبارات وإنما كلماتٍ من لحم ودمٍ؛ لذلك الزمه البوليس بترك النمسا فتركها إلى سويسرا لينشئ الجمعيات ويدبر ثورةً للعمال الطليان
وفي سنة ١٩١٤ حسب الفرصة أتيحت له عندما قتل ثلاثة من العمال، وانتشر الإضراب وأعقبته القلاقل، ولكن الفشل كان من نصيبه، حتى إذا أعلنت الحرب الكبرى وانقسم الرأي العام جرد موسوليني قلمه ليحارب، ودخلت إيطاليا الحرب. وفي ٢٢ مايو سنة ١٩١٥ يوم تجريد الحملة عبر موسوليني عن رسالته في كلمة بليغة قال: (. . لقد تحملنا من الخسائر ما تحملنا في السنوات الفارطة. وها قد دنت ساعة الخلاص: فلتفتتح إيطاليا
стр. 11468
لنفسها عهداً جديداً في العالم، ولتنل قسطها من السيادة في الأرض)
واشترك موسوليني في الحرب ورجع بأربع وعشرين رصاصة في جسده؛ وفي سنة ١٩١٧ ألقى الطليان سلاحهم وعادت الجيوش مهزومة ساخطة، وضربت الأزمة الاقتصادية بجرانها على كل الطبقات، ولاحت في الأفق معالم الشيوعية الحمراء، وشرعت موسكو تبعث رسلها وأموالها إلى إيطاليا، وابتدأت القلاقل والمجازر في كل المدن الإيطالية على مسمع من الحكومة
ولما وجد موسوليني أن رجال الحكومة خروا صما وعمياناً أمام الطوفان، هب ليلقاه بجسمه وبصحيفته، وبحزب جديد؛ فلم تمض شهور ستة حتى كان له من الأتباع خمسة وعشرون ألفا
وفي ٣ ديسمبر سنة ١٩١٩ أعلن الشيوعيون الإضراب العام وفرض القوم سلطانهم في كل مكان بمذابح مروعة، يقشعر من هولها الإنسان، والحكومة لا تتحرك، وكأن الأقاليم لا تُسمع روما صرخاتها الموجعة! ثم أخذ العمال المهندسين رهائن في ٢٩ أغسطس سنة ١٩٢٠، واحتلوا المعامل، وأطلقوا الرصاص على الجيش ونهبوا مخازن السلاح. . . وهوت العملة، ولم يبق للنقد سعر، وتساءل الناس: (إلى أي طريق نحن مسوقون؟)
كل ذلك والحكومة كأنها ليست في روما ولا في أي مكان.
عندئذ نظم موسوليني رجاله ليحاربوا الثوار حرب عصابات حيثما ثقفوهم، فأعادوا الأمن، وطمأنوا الناس، وخفق باسمهم كل فؤاد مروع؛ وأخذ ينضوي تحت لوائه الأب الهلوع، والأم المثكال. وفي سنة ١٩٢١ دخل الانتخابات وخرج منها ظافراً بخمسة وثلاثين نائباً، كان يتزعمهم في البرلمان كأمهر ما يتزعم السياسي العتيد؛ ثم عقد مع الاشتراكيين (هدنة!) ليدبر لهم مقتلاً. . . وفي أكتوبر عقد المؤتمر الفاشستي من ٢٢٠٠ شعبة تمثل ٣١٠ آلاف، وتلا الرجل برنامجه: (السلام في الداخل والقوة في الخارج) فصفقت له الأمة بجموعها
وفي سنة ١٩٢٢ كانت الحكومة تتساقط كقصور الورق، وعجز الملك عن تأليف وزارات استقرار، وكان الرعب الشيوعي يتفاقم، فلم يتردد الفاشزم عن احتلال مدائن بأسرها لتطهيرها من الطاعون الأحمر؛ وأعلن الشيوعيون الإضراب؛ وأعلن موسوليني تجنيد
стр. 11469
رجاله ليعملوا بدلاً من المضربين، وأنظر الحكومة ثمانية أيام على البغي الشيوعي، وإلا فهو حال محلها؛ وختم نداءه بصيحة داوية: (يا رجال الفاشست. . . إن إيطاليا لنا)
وفي ثمانية أيام عاد دولاب الأعمال إلى الانتظام، فكتب موسوليني إلى رئيس الحكومة يقول: (إن الأمة تعبت من هؤلاء الحكام الذين يترددون بين الدناءة والإهمال) فأجابه بدعوته إلى الاضطلاع معه بأعباء الحكم، فرفض إلا أن يعطى هو الوزارات الهامة؛ وختم رفضه قائلاً: (إن لديه من القوة ما يكفي لينال دست الأحكام) وأعلن الزحف على روما. . . وزحف الفتيان على روما فعلاً؛ وطلب الوزير من الملك أن يعلن حالة الحصار، فرفض جلالته، لأنه كان يعلم ما هي الفاشزم، ولأنه عهد بالوزارة في الغد إلى موسوليني
كان بعد ذلك ما كان مما يعلمه الكافة من بعث إيطاليا كرةً أخرى لتضارع أكبر دولات التاريخ. وبعد ثلاثة عشر عاما من جهود فرق البشر في كل مرافق الدولة، غدت إيطاليا أمة تعرف الدنيا كلها مقدارها
ويختتم المؤلف بتحية الدكتاتور البارع داعياً له الله أن يقيه رد الفعل الذي يصيب الكثيرين من رجال الثورات. ثم يقول ناصحاً أمته على عادته في ختام حديث كل جبار - (فليحذر المقلدون من الفرنسيين، ولا يحسبوا أن هذه الأساليب مأمونة عواقبها في فرنسا؛ والإنتاج الطائفي الذي يقوم عليه نظام موسوليني لا يمكن أن يطيقه فرنسي واحد؛ وقبل أن ننسخ صورة طبق الأصل يجب أن نفهم ماذا ننسخ)
وهذه شبه جزيرة الأندلس: نشأت فيها دكتاتورية مخفقة على يد بريمو ديريفرا في أسبانيا، لأنها لم تخلق غذاء للرأي العام، ولأن رجلها لم تكن له فكرة محدودة يتبعها، كما نشأت فيها دكتاتورية من أبدع الدكتاتوريات في البرتغال على يد الأستاذ سالازار. . . ترك الأستاذ سالازار كرسيه في الجامعة بعد أن هتف به الرأي العام لإنقاذ الجمهورية إثر رفض شروط القرض التي شرطتها عليها عصبة الأمم، فوضع الأستاذ شروطه قال: (. . . وليمنحني الشعب ثقة ليس لها حدود، وله ألا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولكن عليه الطاعة عندما آمر. . .) وهنا يُعنى المؤلف بإظهار مدى تأثير ثقافة المؤلفين الفرنسيين في الساسة المعاصرين، فينوه بآثار صديقه (شارل موراس) الذي اتهم بتدبير الاعتداء على (ليون بلوم) في جنازة المؤلف!! ثم يشرح المؤلف طريقة سالازار وهي: الدولة أولاً
стр. 11470
والديموقراطية ثانيا، ويختتم كلامه بقوله: (يقولون عن جمهوريتنا إنها جمهورية الأساتذة. . . والحق إن البرتغال هي بلا مراء جمهورية الأساتذة) فأن نظام سالازار ما يزال يؤتي ثمراته البديعة منذ عشر سنوات
وهذا آخر رجال الحكم المطلق (أدولف هتلر) يتصدى له المؤلف في ريبة الخصم، ولكن في نزاهة الباحث، فهو خطيب خارق للعادة، وداعية في الهواء الطلق، نشأ بناء، ثم حارب في الحرب الكبرى، ولما حاول الانقلاب مع لودندورف سجن شهوراً كتب فيها كتابه (كفاحي) فغدا الكتاب إنجيلا للألمان، ولو أنه كأثر من آثار الفكر لا يساوي حبة من خردلة، ففيه كلام فارغ عن اليهودية والآرية، وفيه كلام عن استرداد النمسا - من النمسا! والأزاس واللورين من الخصم الخالد. . . فرنسا، والتيرول من إيطاليا؛ وفيه كلام عن الحركة الاشتراكية
وفي سنة ٩٣٢ كانت هذه الأمة التي تخلبها التشكيلات العسكرية قد انخرطت أغلبيتها في سلك (فرق الهجوم) و (أصحاب القمص السمراء) فكان هتلر يسيطر على مصائر ألمانيا، وفي ٣٠ يناير سنة ٩٣٣ دعاه هندنبورج للوزارة فلبث غير قليل ليعمد إلى (شليشر وزوجته) فيقتلهما، وليطهر الحزب من (روهم) على طريقة (الجانجستر) في شيكاغو؛ وأخذ هتلر وجيبلز يغنيان الأناشيد للشعب الألماني. وكلما خطبوا صدحت الموسيقى فانتشى الشعب من الموسيقى ومن الأغاريد وسار وراء فرسانه
وبدأت محاولة التعقيم، وحرب الكنيسة، وتشريد اليهود في ألوان قاتمة من التعذيب، وبدأت وسائل الجهاد الداخلي والنشاط القومي توجهها كفايات ممتازة. . . أما عن الخطة الاجتماعية فأن الشك يساور الأنفس، فهناك ملايين من العاطلين محشودة في (معسكرات العمل) لن تُوَجه في الغد إلا إلى الميدان. .!
أما هتلر فما يزال في طريقه
فلتصح فرنسا
وبعد (فالدكتاتورية نظام ككل النظم) ولقد تكون خير شرعة شرعت للناس، إذا دعت إليها ظروف الساعة؛ وقد لا تكون إذا لم تدع إليها الظروف. . . وإذا كانت العمليات الجراحية بغيضة إلى نفوسنا، فلنعمل على ألا تكون فينا جراح، لأننا لن نستطيع عند وجودها أن
стр. 11471
نتفادى مشرط الجراح
ولابد مما ليس منه بد
عبد الحليم الجندي
стр. 11472
الحياة الأدبية في بغداد
بقلم الأستاذ عبد الوهاب الأمين
تمهيد:
ذكرني مقال الأستاذ (علي الطنطاوي) عن الحياة الأدبية في دمشق بحياتنا الأدبية في بغداد، وحبب لي العزم على دخول المضمار، وأغراني بالبحث عن التراث الأدبي الذي خلفته عصور الذهب وعصور الزوان لعاصمة الرشيد!
وليس جديداً عندي مثل هذا البحث فقد كنت أردده في فرص عديدة سابقة، ولكن صدى هذه البحوث لم يكن يبلغ الآذان؛ أما الآن فقد رغبت أن يكون ذلك في (الرسالة) الغراء، وهي المجلة المقروءة في كل قطر عربي، رغبة مني في إطلاع إخواننا في بقية الأقطار على أن سوء الحال لا يمكن أن يبلغ بالأدب ما بلغه في بغداد!
قبل عشر سنوات
لو أتيح للقارئ الكريم أن يتصفح الصحف والمجلات قبل عشر سنين لما فاته أن يلحظ فيها طيف اليقظة الأدبية وهي في مهدها، ولرأى من كثرة ما ينشر في الصحف حينذاك من الشعر على الأخص، ومن بقية الفنون الأدبية، وإن كانت بصورة بدائية، روحاً أدبياً يبشر بمستقبل لا بأس به، ولكان في وسعه أن يتجوز في تسمية تلك الحركة نهضة أدبية قد يأتي عليها زمن تصل فيه إلى النضوج فتؤتي أكلها أدباً جديداً وأدباء مبدعين!
غير أن حقيقة الواقع ليست كذلك! فها نحن أولاء الآن قد خسرنا حتى تلك الحركة البدائية البسيطة؛ وقد ماتت كل المحاولات التي كان القصد منها بعث الروح في الأدب العراقي في كل مناسبة عرض لها بعض الذين خيل إليهم أن في العراق تربة صالحة لمثل تلك المحاولات
وقد اشترك كاتب هذه السطور وساهم في إنشاء بعض الصحف ا [لأدبية فكانت تُغتضَر الواحدة منها تلو الأخرى، فلما يئس وانزوى وترك العمل أخذ بعضهم يلومه، وزاد اللوم في بعض الأحيان حتى بلغ التعنيف! كأن من واجب الأديب أن يستقل بالتضحية وحده، فإن أحجم أو قصر أو تردد فقد أجرم!
стр. 11473
وقد كان سبب ذلك الهمود والموت الأدبي في جميع الحالات واحداً لم يتغير ولم يتأثر بتطورات الزمن. فكأن هذا النبات لم يخرج من هذه الأرض، وكأن في طبيعة كليهما ما ينفره من الآخر
فما هي علة هذه الرجعية؟
جناية السياسة والصحافة على الأدب
لست أقصد بالسياسة العمل السياسي، فان ذلك خارج عن بحثي كما أنه خارج عن صلاحيتي! وإنما أقصد أولئك الأشخاص الذين بدءوا حياتهم أدباء ثم انقلبوا سياسيين، ومقدار ما في هذا العمل من الجناية على الأدب! وبعبارة أدل: أولئك الأشخاص ذوي الأطماع السياسية الذين لم تمكنهم شخصياتهم من الخوض في غمار السياسة رأسا، فقدموا لأطماعهم بالاشتغال في الأدب واضعين تلك الغاية نصب أعينهم، فلما ظهرت أسماؤهم على الأفواه تركوا الأدب وانصرفوا إلى السياسة!
هؤلاء أساءوا إلى الأدب أولاً وإلى السياسة ثانياً. . . أساءوا إلى الأدب لأنهم لم يخصوه بنشاطهم ورغبتهم وإنما جعلوه مطية لأطماعهم، وأساءوا إلى السياسة لأنهم جعلوا فيها هذه السابقة
ومن هنا يتبين السبب في تلك النهضة التي حسبنها (أصلية) وما كانت في الحقيقة إلا وسيلة بعض المرتزقين من حملة القلم؛ ولو رجعنا إلى الأسماء التي كانت تذيل بها قصائد الصحف والمجلات قبل عشر سنين، ومقالات ذلك العهد ومحاضراته، لوجدناها من أضخم الأسماء وأعلاها في عالم الوظيفة والسياسة الآن
وقد جرى ذلك على الصحف اليومية، فإن كل صحيفة صدرت في العراق كانت في مبدأ أمرها خالصة لوجه الأدب أو تخصه بأكبر عناية، فأصبحت كل الصحف تقريباً لا تنشر القطعة الأدبية أو القطعة الشعرية إلا في الأسبوع أو الأسبوعين مرة!
وقد كانت جريدة (البلاد) - وهي كبرى جرائد العاصمة - في أول مبدئها تخص (الأدب) بثلث صفحاتها يومياً، وكانت تستكتب الأدباء والشعراء وتنشر لهم وتدعو لأدبهم، وكانت وقتذاك تصدر في ست صفحات فقط، والآن بعد أن زيدت صفحاتها إلى ثمان فقد تركت الأدب مرة واحدة، ولم تعد تنشر شيئاً منه إلا في بعض المناسبات القاهرة
стр. 11474
وكذلك قل في الصحف الباقية اليومية منها والأسبوعية، فانك لن تجد فيها إلا ما هو أقرب إلى الأدب السياسي في بعض الأحيان منه إلى الأدب الخالص
ومما يؤلم ويستفز النفس أن الصحف في العراق لا تتكبد في نشر الأدب شيئاً مادياً، بل كل ما ينشر فيها تقريباً (أدب تبرع) وليس أدباً مأجوراً، وهو بذلك أقوم وأفيد بطبيعة الحال من ذلك الأدب الذي تستنطقه المادة، ولكن أصحاب الصحف (الأدباء) لا يكلفون أنفسهم عناء الاستكتاب، بل قد وصل الأمر بهم إلى الاقتصار على الأخبار والأمور السياسية وإهمال الناحية الأدبية بالمرة!
وهذا ما يثبط عزم الأديب العراقي، ويفت في عضده ويكسر من خياله وهمته، فهو لا يخسر التشجيع والتعضيد فقط، بل عليه أن يجتاز الصحافة اجتيازاً، وفي ذلك ما فيه من المغامرة والخسران، فإن من البديهي أن مهمة الصحافة هي التمهيد للأدب والدعوة له وتقديمه، لا الوقوف في وجهه وتثبيط عمله بطريق غير مباشر!
المؤلف والناشر
أكثر ما ينشر في بغداد بل كله كتب مدرسية غير مستكملة حتى الشروط المطلوبة في مثل هذه الكتب، وأكثرها مترجم ومقتطع من الكتب الغربية، وهي تبدل حسب مناهج التعليم كل سنة، وفي بعض الأحيان في أقل من السنة! ولو استثنينا بضعة كراريس في المسجلات الأدبية كالسهام المتقابلة، وبضعة أقاصيص ابتدائية للأستاذ محمود أحمد، كمصير الضعفاء وما إليها، فلن نجد كتاباً أدبياً نشر في السنين الأخيرة غير لب الألباب للسهروردي، والمجمل في الأدب العربي لمحمد بهجة الأثري، وتاريخ العراق بين احتلالين لعباس العزاوي!
هذا كل ما هنالك!
وفي هذا كل معاني الفقر! وإنه ليجرح عزة هذه الأمة وكرامتها أن تقفر هذا الإقفار من الأدب الذي هو قوام الحياة، وإنه لأقطع دليل على أن هذه الخلائق لم تستوف ضرورات الحياة، ولم تصل بعد إلى إدراك معانيها وتشوفها، وأنهم - بأدبهم - يعيشون كَلاَّ على غيرهم!
فليس هناك إذن لا (مؤلف) ولا (ناشر)، وإن وجد أحدهما فليس بينه وبين الثاني تفاهم،
стр. 11475
وإن وجد كلاهما فانهما يكونان وقتئذ أقرب إلى المرابين منهما إلى المشتغلين بالمعنويات والخدمة العامة
والمطبعة العراقية فقيرة إلى حد مزر، فهي لا تزال على نمط المطابع قبل عشربن سنة؛ وهناك جريدة يومية كانت تطبع بمطبعة تدار باليد إلى زمن قريب؛ وليس هناك من نوع اللينو تايب غير واحدة في مطبعة الحكومة! وبالطبع ليس هناك (روتغراف) أو شبهه! ومن هنا نعرف سبب إقبال القارئ العراقي على الجرائد المصرية المصورة، إذ ليس في العراق جريدة أو مجلة مصورة!
القارئ
يتذمر أصحاب الصحف من مشكلة (القراءة) وهي أن باعة الصحف يتفقون وبعض القراء على السماح لهم بتصفح جميع الصحف اليومية لقاء أجر زهيد يستعيضون به عن شرائها، وأن الصحفيين بهذا (الداء) كما يسمونه يلقون أشد العنت والإرهاق والعسر في تحسين صحافتهم! ولا أكذب القارئ أني شهدت مرات عديدة قسما من المشتغلين بالصحافة اليومية يتبعون هذه الطريقة سراً وجهراً، وذلك لأنهم يجدون من الصعب منح الصحيفة العراقية ثمنها لأنها في الحقيقة لا تساويه! وهذا إقرار مزر لا يجد الإنسان معه إلا الوقوف مكتوف اليد!
وليس من الحق لوم القارئ العراقي وحده، فان هذا الشخص الذي لا يسخو على صحيفته بثمنها يبذر في شراء الصحف المصرية اليومية منها والأسبوعية والشهرية تبذيراً، فهو يشتري الصحيفة المصرية اليومية بضعف ثمن الصحيفة العراقية! ولا يبخل على المجلة المصرية بثمن عددها الذي قد يبلغ في بعض الأحيان ثمن اشتراك نصف سنة في مجلة عراقية!
فالجلي من هذا أن القارئ العراقي لا يضمر العداء لصحيفته، وأن الأديب العراقي لا يحجم عن تغذيتها، بل السبب في كل ذلك هو شيء من سوء التفاهم القائم على إهمال مصلحتيهما. فالصحفي يريد التشجيع بدون مقابل، والقارئ يريد التحسين بدون مقابل، وكلاهما لا يحرك ساكناً في دفع هذا (المقابل)
خلاصة
стр. 11476
إذن فالأدب على أسوأ أحواله في بلاد الرافدين؛ وبغداد التي كانت في وقت مضى منبع الحكمة والأدب والشعر تنتظر بريد الأسبوع لتتلقف الصحف المصرية تلقفاً، وتغذي حاجتها من الأدب المصري، حتى لقد يعلم القارئ العراقي عن أحوال مصر الداخلية والخارجية وعن شخصيتها الكبيرة ما لا يعلمه عن أمور العراق الداخلية وما يتصل بمعاشه وحياته! وحتى بلغ الأمر بنا أن تعودنا الإطلاع على ما يخص العراق من مصادر خارجية، كأن ليس في البلد صحافة وصحفيون، وكأنه لا يعيش لأهله، ولا يعيش أهله له!
فإن كان الأستاذ (علي الطنطاوي) قد همه ألا تكون في (دمشق) حياة أدبية، فلست أجدني إلا مضطراً زيادة همه! فإننا في بغداد ننظر إلى دمشق بعين التطلع، وننتظر أن يصلنا منها ما يروي أرواحنا العطشى إلى الأدب! وإن كان حضرته ينعى عليها هذا الخلو والإقفار، فماذا سيقول عن عاصمة الرشيد؟
لو كان الوقت والمجال يسمحان بالتبسط في شرح بعض الأمور التي تتعلق بالحياة الأدبية في بغداد، كما نسمي هذا الموت تجوزاً بالحياة، لأطلعت القارئ على أحوال منه قد لا تسره، ولكني لا أكون بذلك إلا كالكاشف عن جيفة! فشكراً لضيق الوقت والمجال على حسن صنيعهما!
(بغداد)
عبد الوهاب الأمين
стр. 11477
الرسالات
للسيدة وداد سكاكيني
أتى على الإنسان حين من الدهر كانت تعبث به الأحداث، وتدور عليه الأفلاك، وهو في شرق الأرض تسوده الفوضى والجهالة، ويقوده الظلم والطمع؛ فكان كل امرئ ينتبذ مكاناً يحميه ويركن إليه هرباً من بطش فرعون وطغيانه الجارف
في ذلك العهد المظلم كانت امرأة مسلوبة الأمان، مشبوبة الفؤاد، تسير إلى جانب نهر زاخر، حاملة وليدها، حائرة في خطواتها، فأوِحيَ إليها أن تلقيه في اليم، وهي مطوية الحنايا على أمل باهر ووعد أكيد. . . ثم يأتي عهد يكون فيه موسى كليم الله ورسوله
حمل هذا النبي رسالة إلى بني إسرائيل، فانجلت غواشي الذلة عن عيونهم الدامعة، وتجلت لهم الحقيقة البارعة؛ لقد أنقذهم من جور الفراعنة، وأهدى إليهم الأمن والحرية، فتمت كلمة الله في أول دين هبط على الطور
ثم غبرت عصور وتعاقبت أحقاب، فإذا الرومان يعيثون في الأرض فساداً، ويملئونها حرباً واعتسافاً، وإذا كل قيصر جبار يستعبد الأمصار ويخرب الديار، فكانت الأفواه شاكية، والعيون باكية، تستغيث وتستجير، والأسماع المرهفة لا تبدي ولا تعيد، فأشفق الله على خلقه الضارعين وهو أرحم الراحمين؛ لقد أرسل إليهم عيسى بن مريم كلمته الخارقة، وأيده بروح القدس، فأقبل عليهم بدين الرحمة والمحبة والوئام، وخلص القوم من مظلمة الرومان ومرارة الحرمان
ولبث العرب في جاهلية جهلاء، ووثنية نكراء، وبؤس ملحف، وعيش مرهق، وقد كان قيصر الطاغي على عاتق من شبه جزيرتهم، وكسرى الباغي على عاتق آخر، وهم يُصْلون في أرضهم الجدباء نار الصحراء وشح الماء، فكان من رحمة الله أن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم؛ لقد طلع عليهم محمد بن عبد الله بهدى كبير وخير كثير، فأخرجهم من الظلمات إلى النور، ودانت له البداوة الأبية الشتيتة مجتمعة تحت راية القرآن، حتى بعثت من بطاحها القفراء ورمالها الرمضاء، إلى مدن ورحاب الدنيا حضارة وحرية وعلماً، فتهدّم مجد فارس، وتحطم عز الرومان، وأتم الله نعمته على العرب بدينه الحنيف، وإذا بفجر الإسلام الساطع يكشف الآفاق، ويشرق على الإنسان بنور الإخاء والحرية والمساواة، فكان
стр. 11478
سباق الأمم الحديثة التي تزعم أنها تسير على هدى، وتدعي الحفاظ على الحق والسلام
ثم يمخر بنو الإنسان خضم الزمن حتى يصلوا إلى شواطئ العصور الحديثة؛ فإذا انتهت رسالات الدين التي نزلت على الشرق، بدأت في الغرب رسالات الدنيا، وبينا الناس (بأوربة) في ذهول وخمول، تنقض ظهورهم المظالم، وتكوي جلودهم المغارم، وبعضهم يرسف في الأصفاد بالسجون، كان جان جاك روسو ومنتسكيو وفولتير ينشرون الكتب ليبصروا الشعب باستبداد الملوك، واستعباد الأمراء، وإذا هم ثلاثة رسل للثورة الفرنسية، وإذا مداد دُوٍيَّهم، وصرير أقلامهم، ينقلبان بعد قليل إلى دوي مدافع وسيول دماء؛ ثم تسكن الفتنة، وقد أعلنت حقوق الإنسان
وتتفتح الأعين في أرجاء الأرض على ضوء الحرية، فتقوم رسلها في كل أمة، وتسري عدوى المساواة إلى كل ملة، ثم يجر ذلك إلى مغانم شتى، ومطامع قصوى؛ وبعد أن تصرم قرن والناس في بحران سياسة ملتوية، احتدمت الحرب الكبرى، فهزت العالم هزاً عنيفاً. فلما وضعت الحرب أوزارها قام الناس من وقعها الأليم كأنهم ينسِلون من القبور
وتقوى في الناس عقيدة الرسالة ويسمونها زعامة، فينهض في الهند غاندي بجسم ضئيل وروح جبار، فيهز سيدة البحار، ويظهر في الترك مصطفى كمال فيخلقهم خلقاً جديداً، ويطلع في الألمان هتلر فيعيدهم سيرتهم الأولى، وتضيق إيطاليا بموسوليني فيغزو الحبشة بناشئة الطليان
أما في الشرق، فيعين الله الشرق! لقد حمل الرسالة فيه بمصر سعد زغلول، فبعث العروبة من مرقدها، وأيدها بروح منه، ونادى في الشرق أن حطموا الأغلال فتنالوا الاستقلال
المصلحون في الدنيا كثير، وهم رسل لأقوامهم، وإذا رجعنا إلى التاريخ قرأنا فيه صفحات دامية عما يعانون في جهادهم لتحرير الرقاب العانية من رباق الجهل والوهم والاستخذاء والاستبداد
وبعد فالشاعر رسول يصور بشعوره الصادق آلام أمته، ويجلو آمالها بروح العبقرية والإلهام
والأديب رسول حين يوجه الناس في آثاره إلى سبيل الخير وطلب الحق ومعرفة الجمال
والمعلم رسول يثقف العقول ويهذب الأرواح، فيبني الأمم وينشئ الرجال
стр. 11479
والعلماء المصلحون والأطباء المكتشفون، جميعهم رسل الإنسانية المتألمة يسدون إليها الخير والإحسان
كل أولئك رسل أبرار يخطون لأممهم المجد والخلود، ولا تكاد رسالاتهم تحصى؛ فلئن جعل الله رسالات الدين خيراً وأبقى، فان عنده رسالات الدنيا في درجة عليا
(دمشق)
وداد سكاكيني
стр. 11480
نظرية النسبية الخصوصية
البحث الثالث
مبادئ الميكانيكا الحديثة
للدكتور إسماعيل أحمد أدهم
عضو أكاديمية العلوم الروسية
- ٦ -
القيمة التفاضلية في الهندسة الأوقليدية لخط تعينها المعادلة:
خ ف٢=خ ك١ + خ ى١ + خ ز١ معادلة (١)
وهذه القيمة التفاضلية تتغير في كون (الزمان - المكان) أعني في عالم مينقوفسكي إلى ما تعنيه المعادلة:
خ ف٢=خ ك١ - خ ى١ - خ ن١ + ن خ ت١ معادلة (٢)
وهذه المعادلة تقابل كمية ثابتة (ث) التي هي نتيجة لمعادلة التقلص التي كشف عنها لورانتز
- ٧ -
قلنا في البحث الأول عن الزمان ونسبيته إن اينشتين غير موضوع الهندسة من الأشكال التي يرسمها انتشار النقط المادية إلى الأشكال التي يخطها انتشار الأمواج النورية. وهذه الحقيقة قامت عليها هندسة مينقوفسكي معتبرة طول جسم ما ضرباً من مباحث علم الحركة
في نظر هندسة مينقوفسكي أن المادة ليست إلا مجموعة متواليات الحوادث في نقطة واحدة. ومجموع توالي الحوادث في نقطة يشكل خطاً من خطوط عالم مينقوفسكي. وهذا الخط ينشأ داخل كون (الزمان - المكان) من تحرك نقطة (حادثة والقانون الذي يعّين طول خط يصل بين حادثتين الأولى مثل (أ) والثانية مثل (ب) تعينها المعادلة التفاضلية
ب
خ فمعادلة (١)
стр. 11481
إذ فيها (خ ف) العنصر التفاضلي الثاني للرقم الأول: وهذه المعادلة تجرنا إلى اعتبار المادة مجموعة الحادثات المنتظمة في حركتها في الفاصلة (خ ف)
لنتصور جزيئاً من المادة مستندا إلى نظام كونيّ، فهذا الجزيء المادي كل نقطة فيه تحتفظ بمكانها النسبي تجاه محورها، ويكون انطباقها على محورها في المكان مشفوعاً بانطباقها في الزمان، فكل نقطة في هذا الجزيء المادي تقع في نظام معين بالنسبة للكون المسند إليه بصورة ثابتة. وكل حركة في هذا الجزيء تتبع نظام الكون المنسوبة إليه، فحوادث الماضي والحاضر والمستقبل تحدث بدقة على خط النظام المسيطر الشامل للكون التي تحدث بالنسبة إليه الحوادث. فجزيء المادة، لما كانت الفاصلة (خ ف) تساوي المركز (م) كان:
خ ف٢=ن٢خ ت٢ - خ ظ٢ (معادلة رقم (١))
فلو أبدلنا الرمز (ت) الدال على الزمان في المعادلة السابقة إلى كان:
خ ف=ن خ (معادلة رقم (٢))
ومن هذه المعادلة نستنتج أن:
ب ب
خ ف=نخ (معادلة رقم (٣))
أأ
حيث أن الرمز (خ رمز لفاصلة الزمان الخصوصية بجزيء المادة المسند للنظام الكوني في صورة ثابتة
وإذا حولنا المعاني الرياضية التي في المعادلات السابقة إلى عبارات عادية أفادت مساواة خط جزيء المادة بحاصل ضرب سرعة النور في الزمان الخاص لهذا الجزيء المادي المسند للنظام المادي، أو بتعبير آخر أن العلاقة بين فاصلة الحوادث لعالم ما وسرعة النور توجد معنا الزمان الخاص بجزيء المادة؛ بمعنى أن قياس الزمن في جزيء مادي مسند إلى نظام كوني يكون بساعة أو كرونومتر مستندا إلى هذا النظام نفسه بصورة ثابتة
- ٨ -
لنفرض نقطة مادية مثل (ق) فمبدأ الاستمرار يقرر أن هذه النقطة المادية تتحرك حركة
стр. 11482
مستقيمة منتظمة إذا لم يؤثر في حركتها مؤثر. ولنفرض حادثتين: الأولى مثل (أ) والثانية مثل (ب) في خط حركة النقطة المادية (ق)، ولنفرض أن الحادثة الأولى (أ) تسبق الحادثة الثانية (ب)، ولما كان هنالك خطوط المجال الانتشاري بين الحادثتين فأننا نرمز لمجموعها بالرمز (خ ص) ولواحدها بالرمز (خ). فلتعيين خط من هذه الخطوط نبدأ من عند الحادثة (أ) التي حدثت في النقطة (م)، ولنفرض أن هذا الخط مسنود بصورة ثابتة لنظام مثل (ظ) ومتحرك بالنسبة لآخر مثل (ظ١)، وإذا انتهينا بالخط عند الحادثة (ب) التي حدثت في النقطة (م١) حيث يقوم بها متحرك مثل (ق١) يتحرك من (م١) إلى (م)
وإذا فرض أنه كان خط حركة النقطتين المتحركتين (ق) و (ق١) منطبقين على بعضهما تمام الانطباق، وكانت النقطة المادية المتحركة المرموزة لها بالرمز (ق) منطبقة على النقطة (م)، والنقطة المتحركة (ق١) منطبقة على (م١) فخطوط الحركة بين هاتين ستكون مختلفة إذا ما تحركتا، وحركة (ق) تكون منتظمة وسيرها مستقيما، كما أن (ق١) تكتسب تعجيلا خلال حركتها من (م١) إلى (م)
فإذا فرض أن حدثت الحادثة (أ) في الآونة (ت١) والحادثة (ب) في الآونة (ت٢) فستكون حركة كل من النقطتين الماديتين (ق)، (ق١) محصورة بين الأوانين (ت١) و (ت٢) والنقطة المادية (ق١) تتخذ الوضع الذي تنم عنه الرموز الرياضية
ك + خ ك؛ ى + خ ى؛ ز + خ ز
في الآونات (ت١) و (ت خ) و (ت) فيكون معنا المعادلة:
خ=خ ت. . . . . . معادلة (١)
هذه المعادلة تعين خطوط حركة الحادثتين عند الانتقال من خط سير النقطة المادية (ق١) إلى خط سير النقطة المادية (ق) كما وأنها تعين أصغر أقواس الخطوط التي تربط النقطتين ببعض. والفاصلة (خ ف٢) تعينها المعادلة
خ ف٢=- خ ك٢ - خ ى٢ - خ ز٢ن٢خ ت٢
فإذا ما حولنا الرمز (خ ف) إلى الرمز (ن خ ت) لنشأ معنا المعادلة:
خ ك ٢ خ ي ٢ خ ن٢
خ ف٢=ن٢خ ت٢ ١ + +=ن٢خ ٢. . . . . . معادلة (١)
стр. 11483
خ تخ ت خ ت
فلو رمزنا بالرمز (س) إلى سرعة النقطة المادية المتحركة (ق١) في آوان الزمان (ت) كانت المعادلة الدالة عليه:
ن٢خ ٢=ن٢خت٢ (ا - س٢ن٢). . . . . . معادلة (٢)
أو أن:
ا - س٢ن٢=١ث٢. . . . . . معادلة (٣)
فيكون معنا أن:
ن٢خ ت٢
ن٢خ ٢ =. . . . . . معادلة (٤)
ث٢
ومن هذه المعادلة نستنتج أن
خ تث. . . . . . معادلة (٥)
ولو حولنا هذه العبارات الرياضية إلى عبارات عادية لأفادت أن خط العالم الواقع بين الحادثتين (أ) و (ب) والمنطبقة على خط حركة النقطة المادية (ق١) يكون زمانها بالنسبة لنظام مثل (ظ) تتحرك إزاءها حركة انتقالية مستقيمة أقل من مقدار الزمان بين الحادثتين. وكلما ازدادت سرعة النقطة المادية (ق) بالنسبة إلى النظام (ظ) أخذ الزمان في التقلص حتى يتساوى شطرا المعادلة رقم (٥) فيكون معنا المعادلة:
بب
خ ت ث معادلة (٦)
أأ
ولو حولنا هذه المعادلة هذه المعادلة إلى كلام عادي لأفادت أن النقطة المادية (ق١) في حركتها من (أ) إلى (ب) كلما أخذت في الانحراف عن خط سير الحركة المنتظمة المستقيمة كانت سرعتها بالنسبة إلى (ق) أكبر. ولما كانت الفترة الواقعة بين الآونتين (ت١) و (ت٢) ثابتة لا تتغير فزمان النقطة (ق١) يتناقص بهذا المقدار ويكون الخط
стр. 11484
المنطبق على خط سير النقطة المادية المتحركة حركة مستقيمة منتظمة أطول خط بين هاتين النقطتين
- ٩ -
من المعادلات التي سبق ذكرها نستنتج المبادئ الآتية:
أولاً: سرعة النور سرعة محدودة لا تتغير لا في المكان ولا في الزمان. وسرعتها مستقلة عن حركة مصدرها، وتنتشر في الفضاء وبين الأكوان بسرعة ثابتة
ثانيا: قوانين الميكانيكا الكلاسيكية (مبادئ نيوتن) لا تسري على حركة وسرعة النور والأمواج الكهربائية والإلكترو مغناطيسية، ولا على حركة وسرعة الحادثات التي تقرب في سرعتها من سرعة النور، وإنما يسري عليها قوانين اينشتين الميكانيكية
ثالثاً: ليس للزمان حقيقة منفصلة عن المكان بل كلاهما يتحدان في فاصلة واحدة هي الفرق بين مربع الفاصلة المكانية وحاصل ضرب سرعة النور بمربع الفاصلة الزمنية، وهذه الفاصلة هي الفاصلة المطلقة الوحيدة في عالم الحادثات
رابعاً: أطوال الأجسام تتبع حالات مشاهديها وتتغير تبع حركتهم وسكونهم فالأطوال نسبية للمشاهدين
خامساً: ليست المادة كما يعبر عنها العلم الطبيعي الكلاسيكي بأنها كل ما كان لها امتدادات ثلاثة في المكان، بل المادة مجموعة توالي الحادثات في نقطة واحدة، بمعنى أن العالم ليس إلا مجموعة من الحادثات، وتوالي عدد من هذه الحادثات في نقطة واحدة يلقي في روعنا معنى المادة
سادساً: الزمان الخاص بحادثة ما هو مجرد العلاقة بين فاصلة الحادثة وسرعة النور
سابعاً: الخط المستقيم الواصل بين حادثتين هو أطول خط بين هاتين الحادثتين
(تم البحث الثالث)
إسماعيل أحمد أدهم
стр. 11485
صور الصداقة والعداوة
للأستاذ عبد الرحمن شكري
وَفِيٌّ غادر سمْحٌ حَقود … أرى الأضداد فيك إلى لقاءِ
أمَدْحك لي انتقام من عدو … أساء إليك أم محض الثناء
وفاؤك كي أبادلك التحايا … أَذَا سبب التقرب والتنائي؟
وكيما أصطلي وأشن حرباً … على من مدحه لك كالهجاء
أتخدعني ولم تلحق بسني … وَلم تظفر بخُبريَ أو بلائي
وتمذق لي إخاءك مذق حقد … علي وما أصبتك بالعداء
تحاربني وتحسب أن ستخفي … عداؤك ليس يظفر بالخفاء
كشأن نعامة للرأس تخفي … وتحسب مالها في الناس رائي
ولست بأول المخفين بغضاً … نما بين المحبة والإخاء
عرفت الناس قبلك يا خليلي … وذقت الغدر من حلو الوفاء
فان كان الولاء كما أراه … فويلي من وفائك والولاء
وبعداً للمديح وإن تغالي … وسحقاً للمروءة والصفاء
سل الخلان ما فعلوا بقلبي … وهل أبقوا لشدقك من غذاء
وهل أبقوا لبطنك منه شِلْواً … مريراً لا يساغ على عداء
أعيذك أن أراك شبيه قوم … رجولة بعضهم فقد الحياء
وهم فقدوه من ذل وعار … وهم فقدوه من فقد الأباء
وكم أخفوا رخاوتهم بهُجْرٍ … كمن فقد الحياء من النساء
وهم مثل الهَلوك رمت رجالاً … بما قد صح فيها من هجاء
على الأبواب واقفة تنَزَّي … وترمي القوم من دان ونائي
وتحسب أنها نفضت خناها … كجلد الكلب هُزَّ لنفض ماء
فلا يعديك خلقهم فإني … رأيت الخُلْق يعدي كالوباء
صفحت ولو أردت بلغت ثأري … وقد عُرِفَ اقتداريَ في الرماء
فان يأبوا وإن تأبى سكوتي … فما صمتي بعيِّ الأدعياء
следующие страницы →