← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

في الأدب الغربيّ الزهرية المصدوعة لسوللي برودوم ترجمة الأستاذ أبي قيس عز الدين علم الدين. عضو المجمع العلمي العربي سوللي برودوم شاعر فرنسي ولد بباريس سنة (١٨٣٩ - ١٩٠٨) وتثقف بها في شبابه بثقافة علمية متينة، اكتسب منها عنايته الشديدة بتدقيق العبارات وتوضيح الدلالات، وقد امتزج ذلك بما أوتيه من قوة الإحساس وسعة الاحلام، ولم يتخرج إلا من المدرسة البرناسية التي تعلم فيها كما قيل: (أن ينظم بصعوبة قصائده السهلة). وقد برع في التعبير عن أدق عواطف القلب البشري وأصدقها، براعته في قصائده الفلسفية المشتملة على أسمى المعاني وأنبلها. وأما قصيدته الموسومة بالزهرية المصدوعة فان لها شهرة ذائعة في الغرب، وهي من آيات سوللي والروائع الرمزية الخالدة، وقد عرف بها ناظمها لبعد شهرتها فقيل له: شاعر الزهرية المصدوعة وفيها أبدع الإبداع كله بتشبيه القلب الجريح الذي نضب دمه فذبلت زهرة محبته بالإناء الصديع الذي جف من الصدع ماؤه، فظمئت زهرة نبتته وذبلت أخيراً، والذي جرح القلب هو قسوة المحبوب وتماديه في هجرانه، تمادياً حرمه ندى عطفه وحنانه، قال: شهدت الإناء الذي في … هـ تقضي من الزهر سوسنة وادعة قد اصطدم اليوم (ويحاً له) … بمروحة صدمة صادعة لكنها لم تك غير لمس فلم تثر من ضجة أو حس ومع أنه كان صدعا لطيفا … وما ظنه أحد بالشديد فقد كان تأثيره، وهو سار، … ببلوره كل يوم يزيد وقد سرى به الصدع خفيا

стр. 1192

فامتد في الإناء تدريجيا وماء الإناء، وفيه الحياة … غدا يتقطر من صدعه فجفت عصارة أزهاره … وغاض الرحيق جنى طلعه لم ينتبه لذاك حي يعلم لا تلمسوه! إنه محطم ورب يد غضة قد تحب … أناملها وهي تبدو لطيفة تمس شغاف القلوب فتخ … دشه خدشة قد تخال خفيفة ينصدع القلب لها من نفسه ذابلة زهرته ليبسه وقلب يرى أبداً في العيو … ن صحيحاً وما هو قلب صحيح نما جرحه فبكى صامتاً … وبالجرح يشعر قلب الجريح وجرحه العميق هذا مؤلم لا تلمسوه! إنه محطم دمشق

стр. 1193

حديث الطبيعة لشاعر الطبيعة وردز ورث أهاب صديقي ذات صباح … لدن رونقُ العيش غضٌ نضِر هنالك عند البحيرة إذ … جلست أطيل لديها النظر: أراك قضيت سحابة يوم … ك منفرداً فوق ذاك الحجر ففيم اعتزالك يا صاح تمضي … حياتك بين الرُّؤى والذكَرْ؟ وكتبك أين؟ شعاع الحياة … يُبيِّن من أمرها كل سر إليها! وفز بتراث الجدود ال … لذي لآتي العصُر تقلب في أمك الأرض عيناً … كأن ولدتك لغير وطر كأنك أول من ولدته … ولم يحيى قبلك حي غَبَر فقلت: وهل أُذُنٌ تأتلي … عن السمع، أو مقلة عن بصر؟ سواء على الجسم إن رمت منه … الشعور وإن لم ترمه شَعَر. رأيت الطبيعة ذات قُوّى … تغلغل في مُهُجات البشر تغذي النفوس وهن سكون … ولم نشق فيها النهى والفكر أتحسبنا لن ننال الحقيقة … دون طلاب طويل عسر وهذي الطبيعة آثارها … شواهد ناطقة بالعبر؟ فأن ترني لحديث الطبيع … ة أنصت في صمتي المستمر فلا تسألني علام قضائي … حياتي بين الرؤى والذكر فخري أبو السعود

стр. 1194

محمد للشاعر الفيلسوف جيته بقلم الأستاذ الجليل معروف الأرناءوط أولع جيته شاعر ألمانيا الأكبر وأديب الإنسانية الأعظم في شبابه بأشعار الشرق وأقاصيصه، وبلغ من ولعه بمحاسن الشرق حداً جعله يتهافت على دراسة ماضي شعوبه، وفي سنة ١٧٧٢ قرأ جيته للمرة الأولى ترجمة القرآن للأستاذ ماغرلين فسحرته بلاغة سورة إبراهيم، كما استهوته طفولة محمد، هذه الطفولة البارعة التي أمضاها في بيت حليمة السعدية مرضع الرسول اليتيم، وكان جيته على نصرانيته يشعر بصفاء الإسلامية وطهارتها، فعكف على دراسة حياة محمد وخرج من هذه الدراسة التي وهب لها عواطفه واحساساته بروايته التمثيلية (محمد) وهي مأساة في ثلاثة فصول أودعها جيته أرق أشعاره وأعذبها، وكان أمتع فصول هذه الرواية التي لم تنقل لسوء الحظ الى اللغة العربية ذلك الفصل البارع الذي صور فيه شاعر ألمانيا الأكبر محمد معتزلاً قومه ليعيش في الريف، وفي هذا الفصل يتحدث الرسول الى الكواكب، ثم يفتح صدره لله فيغمره بنوره الخالد، ويخرج يتيم مكة بعد ذلك الى العالم نبياً ورسولاً. ومما هو جدير بالذكر أن رواية محمد لم تكد تظهر في ألمانيا حتى راح خصوم جيته يتهمونه بالكفر والخروج على النصرانية فنشر جيته على أثر ذلك رسالته المشهورة وعنوانها: لماذا آمنت بمحمد، وذكر فيها أنه أحب محمد كما أحب عيسى بن مريم، وانه يرى في الإسلام ديانة الخلق السامي الصحيح. وقد نقلنا بعض فقرات من هذه الرواية العظيمة ليقف القراء على رأي سيد أدباء العالم في سيد أنبياء العالم. الفصل الأول - المشهد الأول (محمد ينظر الى الكواكب. . .) أواه! لا أستطيع ان أفرق بينك يا أشعار السماء، الا ترين الى نفسي وقد برح بها شجن بليغ عنيف، لقد كان من أرضى أماني هذه النفس أن تهب احساساتها لكل كوكب؟ فما قدرت على ذلك؟ فأي هذه النجوم الفواتن يسلفني السمع ويسترق صلاتي؟ أي هذه النجوم

стр. 1195

ينظر الى طرفي الدامع الضارع؟ أي كوكب العشية الساجية الرخية الظل، أنك لتجوز نواحي الأفق، في حاشية من بروق فتانة، ثم تواريك هذه الغلائل الرقيقة فتنأى عني فأناديك، ألا عُد الى مسفرك وأنظر اليّ، فأنني أولعت بك أشد الولع، وهمت بفتونك وإشراقك. أثابك الله أيها القمر، أنك لأفضل من يرشد هذه الكواكب، ويقودها الى عوالم الضياء والبهاء، فأنر طريقي ولا تذرني هائماً في هذه الظلمات مع شعبي السادر الحائر! وأنت أيتها الشمس التي تخلع ظلها على الأشياء والناس، ظلليني بنورك البهي وقودي خطواتي، ولا يحجبك عني سحاب أو ضباب! أواه! أتتوارين عن عيني في الأسداف البعيدة أيتها الشمس، يا من غدا أمرها فتنة لجميع الناس. من يجذبني إليك أيها القدير العظيم، من يقربني منك يا من خلق الأرض والشمس والقمر والسماء وخلقني أنا في لحظات، من يقربني منك فأغسل قلبي بنورك الذي لا يغيب. المشهد الثاني (محمد، حليمة) (محمد): أي حليمة! لماذا جئت في هذه الساعة الهانئة الصافية؟ أكان وفودك عليّ لأثارة حياتي الراكدة الساجية؟ (حليمة): جنّب نفسك الخوف يا بني فأني ما زلت أبحث عنك منذ غارت الشمس واطفل النهار، ناشدتك الله الا تعرض شبابك الرقيق الناعم لأسواء الليل ومخاطره. (محمد): يفرق الرجل الرديء الخبيث من متوع النهار كما يفرق من سحر الليل، وذلك لأن الرذيلة تجلب التعاسة، أما أنا فلست ذلك الرجل الذي يعاف متوع النهار وبهاء الليل، فلقد غمر الله نفسي بضوئه، وخلق من حولي عالماً يزهر شبابي ويريق عليه سحره وفتونه. (حليمة): ولكني أخاف عليك وأنت في عزلتك في هذا الليل البهيم أن يدهمك اللصوص والسراق. (محمد): ألا ترين إليّ؟ أنني لم أكن وحدي في هذا الريف الضحيان فلقد أبى الله سيدي ومولاي وخالقي إلا أن يصاحبني في هذه الوحدة. (حليمة): أرايت الله يا بني؟

стр. 1196

(محمد): وأنت ألا تبصرينه؟ أنه غير بعيد عني، ولا يبرح يتراءى لي عند الينبوع الدافق الهادر، وتحت السرحة الغناء، وفي الظل الرقيق البهي. . لقد توافى إلي من عليائه فأحسست حرارة حبه، وشق صدري وأنتزع من قلبي حوباته حتى يتاح لي أن أفهم معنى حبه! (حليمة): ولكنك تحلم! إذن كيف يقدر لك أن تحيا وقد شق الله صدرك؟ (محمد): سأصلي صلاتي لله فلعله يضيء عقلك فلا يبدو لك حديثي غامضاً مبهماً (حليمة): وأي اله هذا الذي تعبد؟ أهو اللات أم هو هبل؟ (محمد): أي شعبي التعس! أنك لتظل السبيل وتنزع الى الحجارة والأصلاد فتجعل منها الهاً يعبد! ولكني ما زلت أحبك على شديد تعسك، وهذا الحب الشديد العنيف هو الذي يحفزني الى مصارحتك بأن هذه الحجارة التي تصلي لها لا تستطيع أن تستمع لك، وليس في ميسورها أن تفتح لك ذراعيها. (حليمة): أين يسكن الهك؟ (محمد): إنه في كل مكان يا حليمة!. .

стр. 1197

العلوم الحمى داء ودواء للدكتور أحمد زكي. وكيل كلية العلوم الحمى من قديم الزمان عرض مخوف وطارق مرهوب، وكثيرا ما كان رسول الموت وقائد الحي تحدو ركبه الى وادي الفناء. ولكن في هذه الأيام القريبة الماضية نشأت فكرة أخذت تحل محلا ذا بال في رؤوس البحاث من الأطباء، أو رؤوس القليل منهم الذين لا تزعجهم غرابة الخاطر، ولا يصرفهم عن الأمر خروجه عن المألوف. ومحصول هذه الفكرة أن الحمى ذلك العدو القديم للحياة قد تنقلب، أو يمكن تأليفها وقلبها الى صديق نصير، فبدل أن تكون عوناً على الداء، تصبح عوناً على الشفاء، في بعض الأمراض التي عجز عنها الطب وحار فيها الأطباء. وحكاية هذه الفكرة بسيطة بقدر غرابتها، ومنشؤها تافه بالرغم من خطورتها، وهي في ذلك جرت على سنة جرى عليها كثير عليها من المستكشفات التي غيرت من سطح الأرض، وتحكمت في مستقبل الإنسان. ذلك أنه منذ خمسة أعوام في معامل للكهرباء كبيرة مشهورة لاحظ مديرها المستر (وتني) أن المهندسين الذين كانوا يمكثون في مجال الكهرباء الأستاتيكية لناقلات الراديو ذي الذبذبات العالية، ولو زمناً قليلاً، يحترون وترتفع فعلا درجة حرارتهم. وأذاع المدير في تقرير له هذه الحقيقة، ولكنها لم تسترع اهتمام أحد في عالم الطب. ولحسن الطالع لم يكن (وتني) طبيباً فلم يأبه لهذا الخذلان، وكان يهوى الحقيقة أنى وجدها، وكان واسع الإطلاع كثير القراءة، فذكر أنه قرأ مرة أن العالم النمسوي الأستاذ (وجنار ياوديج) شفى عدة أشخاص مجذومين مشلولين من أثر الجذام المعروف بالزهري بأن أصابهم عامداً بداء الملاريا، وذكر أن هذا الحادث أثار مناقشات حارة بين رجال الطب في أوروبا، ثارت في سبب هذا الشفاء أهو الملاريا أم ظروف عارضة لا علاقة لها؟ وانتهى النقاش الى غير خاتمة. ذكر (وتني) ذلك، وكان جاهلاً بالطب، وذكر أن الملاريا تصحبها حرارة عالية، فتراءى له في لمحة أن الحمى التي تصحب الملاريا ربما كانت هي السبب الأول في الشفاء، ذلك أنها تطبخ ميكروب الجذام فتهلكه. وتراءى له أنه لو صح هذا لكان للحمى التي تحدثها الكهرباء

стр. 1198

مثل هذه الصفة. على أثر هذا أستأجر خبيرة في علم وظائف الأعضاء أسمها الآنسة (هوزمر) فأثبتت له أن الفئران وأمثالها من الحيوانات القارضة يمكن أصابتها في المجال الكهربائي بأي قدر يراد من الحمى. وبعد ذلك أستخدم الدكتور (كربنتر) وهو بكتريولوجي ذو خبرة وأمانة، فعدى كثيراً من الأرانب بالجذام ثم وضعهم في المجال الكهربائي ليصيبهم بالحمى فشفاهم بذلك. نشرت هذه الأبحاث منذ ثلاث سنين، كان من المنتظر أن تثير في عالم الطب عاصفة، ولكنها لم تثر إلا نسائم خفيفة، وسبب هذا أن الطب امتلأ في السنوات الأخيرة بأكاذيب كثيرة وشعوذة مهينة للعلم، صدرت عن علماء أو متعالمين، وعدا هذا فالجديد أينما سار يجر وراءه ظلاً من الريبة، ولاسيما إذا كان الجديد بالغاً في الغرابة، شديد المناقضة للمعروف، وقد تكون بساطته سببا لتهامه، وتعقده شفيعاً له الى قلوب الناس وعقولهم. لم يجزع (كربنتر) للذي لقي من جمود القوم، وأخذ سبيله فبنى صندوقاً أشبه شيء بناووس الموتى، وأغرى قوماً يؤمنون بالتضحية في سبيل الخير بالدخول فيه، فاستطاع بالكهرباء أن يرفع درجة حرارتهم، لم يلبث قليلاً حتى وجد أنه بضغط زر أو إدارة عقرب يستطيع أن يتحكم في حرارة المريض رفعاً أو خفضاً مقلداً بذلك حمى الملاريا، ولم يلبث أن ذهب هذا العلاج بجنون ثلثي المرضى الذين عالجهم. ولكنه كان علاجاً مؤلماً شديد الوطأة، وهو فوق ذلك لا يؤتمن، لأن المريض أثناءه يتصبب عرقاً يتجمع يتجمع فتتركز الطاقة الكهربائية، فيحدث من هذا تفريغ ينشأ عنه شرر وبرق يحرق جلد المريض، ولعل جنون المرضى في الأحوال المذكورة كان رحمة، فلولاه لخافوا الألم ونظروا في العاقبة فاحجموا. لو أن تجربة (وتني) وقفت عند هذا الحد لما قدر لها النجاح، ولكانت طرفة نفعها للعلم وللتاريخ فحسب، ولظل الطبيب الى الأبد يعالج هذا الداء بالزرنيخ، ذلك العقار السام الذي لا تؤدي القناطير منه الى شفاء تام لا شبهة فيه. ولكن في يوم شات مثلج من يناير عام ١٩٣١ بالولايات المتحدة بلغ رجلا من العلماء ما كان من أمر التجربة، ففكر فخال لساعته أنه لو صنع خزانة على مثال الناووس وأمَرَّ فيها تيارا من الهواء الساخن بقدر لبخر بذلك العرق المتساقط من المرضى فحماهم خطر الحريق. وبعد عشرة أشهر كان هذا العالم مع رفقة آخرين آثروا جميعا ستر أمرهم الى حين قد أتموا الخزانة في حجرة من مستشفى

стр. 1199

متداع ببقعة بغرب الولايات لا تسمى. وكان فاتحة أعمالهم أن وضعوا فيها ضحية من ضحايا الزهري (ولم تكن الخزانة تهيأت للهواء الساخن يمر فيها) ولكن الرجل كان في المرحلة الأخيرة من المرض يعاني كربه فلم يبال أحيّاً خرج من الخزانة أم ميتاً، ولعله رأى فيها وسيلة انتحار أضمره لا تصم ذويه من بعده، واليوم هذا الرجل حي يرزق إن كان يشكو شيئا فذلك انه لا يكتسب من عمل يومه بمقدار ما يحب. وأدخل الهواء في الخزانة على درجة ٥٠ مئوية وكانت هذه الحرارة تظن كافية لتجفيف قطرات العرق المتجمعة على أجسام المرضى، ولكن هذا الظن لم يتحقق كله، وعلى رغم ذلك جرى العمل على ما رسم بفضل مهندس شاب مخلص قيم على جهاز الهواء، وممرضات صبورات كن يبعثن من لطفهن وأنوثتهن وحنانهن الأمل والرجاء، في قلوب المرضى التعساء، وهم في الخزانة، في ألم من الداء وهول من الدواء. وفي ذات أحد من الآحاد اشتعلت النار بالخزانة فانقض في نصف ساعة بناء عام، فكنت لا ترى إلا ركاما من فحم ورماد وأنابيب منصهرة وأسلاك ملتوية، والى جانب هذا الحطام المهندس الفتي والممرضات بعيون شاخصة حجبت أبصارها الدموع. لم تستطع النار ولا الدمار اللاحق أن يضعف من همة تلك الرفقة الكريمة في صراعها في سبيل الخير. فلم يمض قليل من الزمن حتى أقاموا خزانة جديدة أقرب الى الغرض وأكثر إراحة للمرضى، وقد يكون بعض النفع من البلاء. وجاءت النقالة بعد النقالة تفرغ في الخزانة الجديدة حمولتها من أجسام أهلكها الجذام وأعقابه، وما لبث الكثير منهم أن خرج من المستشفى على رجليه يسعى كالناس يحدوه رجاء جديد في حياة جديدة. من ذلك شاب بلغ الزهري الى أعصابه وشرايينه فلم يكن يستطيع الحراك ولا إطعام نفسه. حم في الخزانة ثلاث مرات كل مرة خمس ساعات فاستطاع بعد ذلك أن ينال فمه بيده. وبعد الحمى الثامنة استطاع أن يقف لأول مرة على قدمين مرتعدتين، وذلك بعد عام من بدء العلاج، وهو الآن يزاحم الأحياء بالمناكب في الطرقات يسعى الى رزقه سعيهم الى أرزاقهم. ومن ذلك طفل في التاسعة من عمره جاءت تقوده أمه لأن الزهري كان أصاب عينيه فلم يكد يفرق بهما بين نور النهار وظلمة الليل، حم تسع مرات فارتد إليه بصره كما كان.

стр. 1200

وعولج اثنا عشر مريضاً ممن شل الزهري أجسامهم وذهب بعقولهم فعاد إليهم جميعا صوابهم إلا واحداً. وعولج آخرون ظاهرهم الصحة وفي دمائهم خبث المرض فتطهروا بعد الحمى من الداء الدفين النائم الذي قد يستيقظ يوماً من أيام العمر فيودي بصاحبه بعد أن يذيقه ألوان الشقاء. وتتجه الأبحاث في الوقت الحاضر الى محو مرض الزهري وهو في أدواره الأولى قبل أن يستقر الميكروب في جثمان المريض ويتغلغل فيه الى حيث أصول الحياة ومنابتها، وقد لا يمضي عقد من الزمان حتى يمكن تأمين ملايين البشر من هذا البلاء الذي لا تزيده الأيام إلا انتشاراً، ففي أمريكا وحدها نحو من عشرة ملايين مسهم هذا الوباء، أما بالعدوى وأما بالوراثة. وفي مصر يفتك الداء في ذوي الخطايا والأبرياء على السواء، وهو في مأمن من الإحصاء. وسوف تقوم دون انتشار هذا الجهاز الجديد عقبات، منها انه غالي الثمن فليس في استطاعة كل مطبب حيازته، ومنها انه معقد ككل جهاز في أول نشأته، ومنها أن التطبيب به ليس من الأمور اليسيرة إلا في أيد خبيرة قديرة، وبقوامة ممرضات لبقات صبورات تدربن خصيصاً لهذا العلاج الجديد. وهي كلها عقبات هينات عرفت حيلة الإنسان كيف تتخطى الألوف من أمثالها، وإنا لما تأتي به السنون لمرتقبون.

стр. 1201

القصص كلبتي بلوتا بقلم الأديب حسين شوقى (من المظنون إن العبقرية لا تغيب طويلا عن (كرمة ابن هاني) فان البواكير التي تتفتح عنها قريحة حسين شوق في الشعر والقصص لابد أن تذكرها بمهبطها الاول ومألفها القديم. ولعلك واجد في هذه القصة الساذجة من رقة الحديث وخفة الأسلوب ما يبعث الأمل في هذا الظن) إذا سقت إليك الحديث الآن عن كلبتى (بلوتا) فإنما هي حجة أصطنعها لأذكر فصلا من عهد الطفولة اللذيذة التي تنعش ذكراها النفس كأنما هي على حد تعبير المصريين القدماء: مكان رطب ظليل في يوم قيظ لافح. . (بلوتا) كلبة إسبانية. حصلنا عليها في برشلونة أثناء المنفى، على سبيل الهدية. . وكان صاحبها من رجال السلك السياسي اضطرته المهنة أن يغادر إسبانيا الى بلد آخر بعيد، وكان يخشى ما تجره إليه بلوتا من متاعب أثناء الطريق، فرأى أن يهديها إلينا. . قدمتنابلوتا بعد ظهر يوم من أيامالشتاء ضاح جميل، وكنا مجتمعين في الحديقة ننظر ذلك العضو الجديد في أسرتنا! حقا! ما كان أجمل بلوتا بشعرها الأبيض الناصع ذى اللفائف المتعددة، لأنها كانت من النوع الذي يشبه الخراف في فروته. . . وكانشعرها مقصوصا على شكل يحاكى لبدة الأسد، أرسلوه الى آخر الصدر ثم حلقوا النصف الباقي بالموسى. . وكان في عنقها طوق أحمر يبدو احمراره بين الخصل المكدسة من تلك الفروة القطنية. . وكانت بلوتا في تلك اللحظة تمشى الهوينى في خيلاء وتيه كأنها تطلب منا أن نتأمل حسنها في أناة، أو ربما لم يكن في استطاعة المسكينة أن تمشى أسرع من ذلك لبدانة جسمها. . وقد سميت من أجل هذا بلوتا أي الكرة. . وألفت بلوتا عشرتنا في أقصر مدة، حتى كانت تضايقنا بهذه الألفة. . إذ لم يعد في استطاعتنا أن نذهب الى أي مكان بدونها. وكان في إحدى ضواحي برشلونة متنزه جميل

стр. 1202

تتوسطه بحيرة حفت بالأشجار الكثيفة الملتفة فكنا نقصد هذا المكان في أيام الصيف فنتغذى على ضفاف البحيرة، فكانت بلوتا ترافقنا الى هذا المكان. . بل كانت تتقدمنا إليه في المسير. فإذا ما شاهدت الماء جن جنونها فتلقي بنفسها في البحيرة وتظل تسبح طول النهار رائحة غادية في عظمة وأبهة كأنما هي مدرعة تختال فوق عباب الأطلنطيق! فإذا دعوناها الى الانصراف أبت مغادرة الماء، فكان لابد من الاحتيال عليها لاخراجها منه، وكانت أنجح الحيل معها أن نلوح إليها من الشاطئ بقطعة من السكر، لأنها كانت مولعة بأكله. فإذا خرجت لتلتهمه قبضنا عليها بسرعة! لشد ما كانت بلوتا تعبد الماء!، إنها لتحملني على أن اصدق الرأي القائل بتقمص الأرواح! فليت شعري في أي نوع من السمك قد حلت روح بلوتا من قبل يا ترى؟ ألفت بلوتا كلاب الحي كذلك، حتى كان لها من بينهن العشاق الكثر. . لأن كلاب الأسبان ككلاب الشرق يملن أيضا الى الأجسام البضة! وإذا كان لبلوتا (كما تقدم) شكل الأسد، فلم تكن لها أبدا شجاعته، فإنها كانت تولى الأدبار عندما يحتدم الشجار بين عشاقها (من أجلها) وتعود فتختبئ تحت سريري. . والأمر الغريب إن بلوتا كانت على علاقة حسنة حتى مع القطط! كانت مثال التسامح صادقة الإيمان بمبادئ لوكارنو السلمية! ولما كانت بلوتا بدينة الجسم فقد عولت ذات يوم على أن أجرب على جسمها التمارين الرياضية لاخفف من شحمها المتكدس، فكنت في صباح كل يوم أطرحها على الأرض ثم اشد يديها الى الخلف، ورجليها الى الأمام. . مرارا عديدة. . حتى تئن المسكينة من التعب والالم، وكلما كان والدي يراني منهمكا في ذلك، كان يلومني على عملي صائحا، ما أقسى طبيعة الطفل! أما أنا فكنت أفعل هذا لأنتقم لنفسي على حساب بلوتا المسكينة، مما كنت أعانيه من الشدة في التمارين الرياضية بمدرستي من أستاذها الألماني ولشد ما كانت بلوتا ذكية أيضا! كانت لها حجرة نوم تحتالسلم طولها متران في مثلهما عرضا. . وكانت الخادم تأتى كل ليلة الى الصالون حوالي الساعة العاشرة فتأخذها من بيننا لتذهب بها الى تلك الحجرة فتغطيها باللحاف، لأن ليالي برشلونة الشتوية قارسة البرد، فإذا أبطأت الخادم في بعض الليالي في

стр. 1203

الحضور، كانت بلوتا تذهب بنفسها الى حجرة نومها ثم تعود الى الصالون وفى فمها غطاؤها، وتظل منتظرة على هذه الحال حتى تحضر الخادمة فترافقها الى مضجعها!. وكانت بلوتا تعبد الشكولاته! واليك ما صنعته بي ذات مرة: كنتأنا أيضا أحب الشكولاته. . فكنت اشتري منها كل يوم (لدى عودتي من المدرسة) بما قيمته عشرة قروش، لأن مرتبي لم يكن يسمح لي وقتئذ وا أسفاه أن أشتري بأكثر من هذه القيمة. . وكنت آكلها سراً حتى لا يشاركني فيها أحد. . ولكن بلوتا بذكائها الفطري العجيب كانت تدرك الأمر فتقف أمامي حينما تعرف إن القرطاس بجيبي، ولا تبرح مكانها حتى أناولها قطعة منه. . ففي ذات يوم كنت جالسا الى مكتبي، عاكفا على دراستي ولم أعطها في تلك المرة حصتها من الشكولاته، فلم يكن منها إلا أن دست يدها خلسة في جيبي فسرقت القرطاس وذهبت دون أن اشعر، فلما وضعت يدي في جيبي لأخرج قطعة من القرطاس لم أجده، ولكنني عرفت في الحال من هو السارق، فأسرعت الى السرير حيث اعتادت بلوتا أن تختبئ لأنقذ ما يمكن إنقاذه، فوجدتها ويا للأسف قد التهمته كله!. . وكانتالشكولاته قد لوثت ذقنها. . لقد غاظتني في ذلك اليوم لأنه كان يوم عطلة ولم يكن في استطاعتي أن اشتري قرطاسا آخر. . فلما انتهت الحرب الكبرى، وسمح لنا بالعودة الى مصر، أردنا أن نتعجل الرجوع الى الوطن المحبوب فاجمعنا الرأي على أن نركب أول باخرة تغادر أوربا، لذلك قصدنا البندقية لنلحق بباخرة إيطالية كانت تتأهب للسفر بعد أيام قلائل، ولما كان السفر طويلا شاقا على السكة الحديدية من برشلونة الى البندقية، فقد تركنا بلوتو عند بعض الأصدقاء في برشلونة ليرسلها إلينا في مصر على الباخرة التي تسافر من برشلونة مباشرة الى بور سعيد بعد شهر من ذلك التاريخ، وما كان أسعدنا وأسرنا حين جاءتنابرقية تنبئنا بوصول بلوتا الى بور سعيد!. هرع في مساء ذلك اليوم الى محطة القاهرة والدي وأخي وأنا لاستقبالها. . فلما وصل القطار إذا بنا نجد بلوتا سوداء اللون كأنها أحد عمال المناجم، لأن المسكينة قطعت المرحلة ما بين بور سعيد والقاهرة في عربة الفحم!. عرفتنا بلوتو في الحال. . وكم كان سرورها عظيما! فكانت تارة تقبل أيدينا وطورا تجذب أرديتنا، ومرة أخرى تقفز في الهواء، على رغم بدانتها. . أما ركاب القطار فكانوا ينظرون إليها دهشين. . ولما عدنا بها الى المنزل استطاعت بلوتا بقوة شمها الحاد أن تعرف حجرة

стр. 1204

والدتي فقفزت الى سريرها بفحمها وغبارها فايقظتها، ولم تنج بلوتا في تلك الليلة من عقاب محتم إلا لفرط اشتياقنا إليها بعد غيبتها الطويلة! ولكن مسرات هذا العالم وا أسفاه قصيرة المدى! كما يقول سرفانتس. . فانه لم تمض على بلوتا أشهر قليلة في مصر حتى مرضت مرضا شديدا اضطرنا الى قتلها كي تستريح مما كانت تكابد من عذاب وألم ثم دفناها بالحديقة تحت الشجرة الكبيرة بالقرب من السور الخلفي. . ثم حفرت اسمها وتاريخ ميلادها ووفاتها على شاهد من المرمر نصبته على قبرها. ومالك تستكثر على بلوتا الوفية الذكية هذا الإكرام وفى الكلاب ناس كما في الناس كلاب؟

стр. 1205

بلياس ومليزاند للفيلسوف البلجيكى موريس ماترلنك ترجمة الأستاذ حسن صادق أشخاص القصة: ١. اركل ملك الموند ٢. جنفييف أم بلياس وجولو ٣. بلياس حفيد إركل ٤. جولو ٥. مليزاند ٦. إينيولد الصغير ولد جولو من زوجه الاول ٧. طبيب الفصل الأول المنظر الأول: (غابة في وسطها ينبوع ماء بعيد الغور تجلس على حافته مليزاند - يدخل جولو) جولو - أقحمني النزق تيه الغابة الكثيفة، وأخاف أن يعييني الخروج منها. . . الله يعلم الى أي مكان قادنيالجواد وهو ضال في جموحه! وقد جمعت فزعيفي يمناي وقدمي، ثم صببته في جروح قاتلة تفتحت في جسمه الملتهب، ولكنه أصر على الجموح وأسرف في الغضب، ولما ضللت الطريق أفلت مني وأمعن في الهرب. فقدت الجواد ويقيني أني هالك في هذا المكان الموحش. . . ستأكل الطير من رأسي وتلغ الضواري في دمي، ولن يعرف كلابي السبيل الي، سأعود الى البيت راجلا إذا اهتديت الى الطريق. . . ما هذا؟ أخرير ماء أسمع أم هنين بكاء؟ آوه! من هذا الراقد على العشب، المطل على صفحة الماء الهادئ؟ فتاة على حافة الينبوع تنوح! (يسعل) إنها لا تسمع صوتي ولا أرى وجهها (يقترب من مليزاند ويلمس كتفها) لم تبكين؟ (تنتفض مليزاند وتنهض مذعورة تريد الهرب). خلي عنك الفزع فلست مارداً وما أنا من الشياطين. لماذا تبكين وحدك في هذا

стр. 1206

المكان الموحش؟ مليزاند - ابتعد عنى! لا تقربني! جولو - لا تخافي ولا تجزعي. لن يصيبك منى سوء. . . آوه! ما أجملك! مليزاند - إليك عني أو ألقيبنفسي في الماء! جولو - إني بعيد، بيني وبينك خطوة. أترينني؟ إني باق في مكاني أتحامل على هذه الشجرة. ولا تحزني ولا تخافي. هل أصابك مكروه أم رماك أحد بشر؟ مليزاند - أوه! نعم نعم! (ثم تتنهد تنهده عميقة) جولو - ومن الذي أشقاك؟ مليزاند - كل الناس أشرار جولو - وماذا أصابك؟ مليزاند - لا أريد أن أبوح به! لا أستطيع التعبير عنه! جولو - كفكفي دموعك. أين مقامك؟ مليزاند - لقد هربت. . . نعم هربت! جولو - أدركت ذلك. ولكن من أين هربت؟ مليزلند - ضللت الطريق. . . واصطلح علي الخوف والحيرة في سكون الغابة. لست من أهل هذا البلد، ولم أولد حيث تراني جولو - من أي بلد تكونين؟ وأين مولدك؟ مليزاند - من بلد بعيد المزار جولو - ما هذا الشيء الذي يشع في جوف الماء بريقا؟ مليزاند - أين هو؟. . . آه! إنه التاج الذي أعطاني إياه. . . لقد سقط في الماء أثناء بكائي جولو - تاج؟! من الذي أهدى إليك تاجا؟ سأبذل جهدي في انتشاله مليزاند - لا تفعل، لم أعد اشتهيه. تلاشت رغبتي فيه. متمناي الساعةأن أموت جولو - هين علي انتشاله فانه من حيلتي قريب مليزاند - ليس لي رغبة فيه، إذا انتشلته، ألقيت نفسي في مكانه جولو - اطمئني بالا وقري عيناً. . سأنزل على مشيئتك، وأتركه في مستقره، في

стр. 1207

استطاعتي مع ذلك إخراجه من الماء بلا عناء! إنه رائع بديع! هل مضى على هروبك زمن طويل؟ مليزاند - نعم نعم. . . من أنت؟ جولو - الأمير جولو حفيد أركل ملك ألموند الشيخ مليزاند - أوه! بدأ الشيب يدب في فوديك! جولو - بعض شعرات بيضاء نثرها الزمن على رأسي مليزاند - وعلى لحيتك أيضا. لماذا تحدق في هكذا؟! جولو - أرنو الى عينيك. . . انك لا تغمضينهما لحظة واحدة! مليزاند - أغمضهما في الليل. جولو - مالي أرى الحيرة في لحاظك؟ مليزاند - أمارد أنت؟ جولو - إني بشر مثلك. مليزاند - لم وطئت هذا المكان؟ جولو - أجهل ذلك الجهل كله. كنت أصيد في الغابة فرأيت خنزيرا وحشيا فانطلقت وراءه بجوادي. ولكني أخطأت الصيد وضللت الطريق. . . ماء الشباب يترقرق في وجهك، ما عمرك؟ مليزاند - بدأت أشعر ببرودة الهواء! جولو - أتأتين معي؟ مليزاند - كلا سأبقى هنا. جولو - من ضعف الرأي أن تبقى وحدك في وحشة الغابة ولن تستطيعي قضاء الليل في سكون يروع القلبويفزع النفس. . . ما اسمك؟ مليزاند - مليزاند. جولو - تعالي نخرج من الغابة. مليزاند - إني باقية. جولو - ستخافين وحدك ظلمة الليل. ومن يدرى. . . ربما تكون الغابة ذات وحوش. . .

стр. 1208

الليل كله، وبمفردك؟! أقلعي عن عنادك وتفهمي قولي. هاتى يدك. مليزاند - لا تلمسني. جولو - لن ألمسك فلا تصيحي. سيكون الليل حالك السواد شديد البرد. تعالي معي مليزاند - إلى أين أنت ذاهب؟ جولو - لا أدري. . . إني ضال مثلك (يخرجان). المنظر الثاني: (ردهة في القصر. إركل وجنفييف جالسان يتحدثان) جنفييف - سأتلو عليك ما كتبه الى أخيه بلباس: (وجدتها ذات يوم عند الغبشتسكب الدمع الغزير على حافة ينبوعفي الغابة، إني اجهل عمرها وأصلها ولا أعرف لها وطنا. ولا أجرؤ على سؤالهالأنها نابية الطبع يستقر في نفسها الذعر الشديد، ويقيني أنها عانت أمرا أدخل على نفسها الاضطراب والهلع. وإذا سئلت عما حدث لها، استخرطت في البكاء دفعة واحدة وملأت الجو بالتنهدات العميقة التي تفرض على السائل الصمت والخشوع. وقد مضى على زواجي منها ستة أشهر، ولا أعرف اليوم من أمرها أكثر مما عرفت في ساعة اللقاء الأولى. ولكنى آمل أن أصل إلى ما أريد بعد وقت وجيز، وليس هذا ما يهمني يا بلياس، يا من أعزه أكثر من شقيق ولو أننا لسنا من صلب واحد، وإنما الذي يشغل بالي ويقض مضجعي هو أمر العودة الى أحضانكم والعيش بينكم كما كنت قبل الزواج. ولذلك أكتب إليك ضارعا أن تعبد لي الطريق. أعلم علم اليقين أن أمي تعفو عني فرحة مستبشرة. ولكنى أخاف إركل على الرغم من طيبة قلبه وسراوة خلقه، لا. . هدمت بهذا الزواج صروح أمله وخيبت فجأة كل خططه السياسية. وأخوف ما أخافه ألا يشفع لي الى حكمته جمال مليزاند وسحرها الحي، فإذا قبل بعد سعيك الجميل أن يستقبلها في بيته كما يستقبل ابنته، فأشعل مصباحا بعد أيام ثلاثة وضعه في أعلى البرج المطل على البحر، حتى أستطيع رؤيته من السفينة التي أقيم فيها مع زوجي. وإن رفض رجاءك فإني ذاهب الى نية بعيدة ولن تروني). كيف ترى؟ إركل - وماذا أقول؟ إن ما حدث يبدو غريبا لأننا لا نرى دائما إلا عكس ما يهيئه القدر. . . كان في كل حين يتبع نصحي، وقد اعتقدت أن زواجه من الأميرة (إرسول) يهيئ له

стр. 1209

أسباب السعادة، ولذلك تقدمت إليه أن يذهب الى أهلها ويخطبها إليهم! لم يكن في مقدوره ان يعيش منفردا، وقد ثقلت عليه الوحدة بعد موت زوجه، وحزت في جلباب نفسه الحزينة. لو تم هذا الزواج الذي كنت أرغب فيه لوضع حداً لحروب طويلة وأحقاد قديمة! لم يشأ ذلك. فليكن الأمر كما أراد. إنى لم أجعل من نفسي قط عقبة تعترض حظ إنسان، وهو يعرف مستقبله أحسن مني. وربما انتج عمله نفعا لا ندركه اليوم جنفييف - كان في كل أدوار حياته حازما رزينا بعيد النظر، وقد وقف كل حياته بعد موت زوجه على ولده الصغير (راينيولد) لقد نسى كل شئ. . . والآن ماذا نصنع؟ (يدخل بلياس)

стр. 1210

الكتب النجوم في مسالكها. . أدب جديد للأستاذ محمد عبد الواحد خلاف ليطمئن دعاة الجديد من كتابنا الأدباء فلست بمقاسمهم فخر نصر أحرزه، ولا بمنازعهم فضل طريق شقوه، وليطمئن أنصار القديم فلست بمنتقص تراثا عزيزا قدسوه، ولا عائب جمالا فتنوا به وألفوه، ولكني مطلعهم على واد جديد من أودية الأدب تلتقي عنده وجهاتهم، ويجدون فيه جميعا ما ينفع غلتهم. سيجد فيه عشاق المعاني المبتكرة منبعا خصبا، ولا يعوزهم معه امتداد في الخيال أو سعة في التأمل أو عمق في التفكير، وسيجد فيه عشاق الصياغة البارعة، والأنغام الرنانة مشاهد سحرية تتجلى في وصفها بدائع صناعتهم، وآفاق خلابة يطيب فيها ترديد أنغامهم، ومسارح للجمال أشد استهواء وأروع تناسقا من كل ما مر بخاطرهم. ففيه مبعث التفكير ومهبط الوحي لمن كان عصى الابتكار، يضنيه تلمس الخيال، ويجهده أن يلد كل يوم جديد، وفيه ذخيرة الرأي ومادة الوصف لمن كان غنيا باللفظ والصياغة فقير المعاني، هذا الأدب هو ما أسميه أدب العلم. وقد يبدو غريبا إمكان التزاوج بين العلم والأدب، فقد ألفنا أن نرى العلم سلكا من الحقائق الجافة يؤلف بينها منطق صارم دقيق، وألفنا لغة العلم مضغوطة جافة مشحونة بمصطلحات موضوعة تجعل بينها وبين الغريب عن العلم حجابا، وألفنا الأسلوب العلمي محبوكا لا يكاد يطل عليك من خلف عباراته روح إنسانية تفيض عليه الحياة، فهو جسم سليم الأعضاء تام التركيب، ولكنه ميت لا روح فيه، وهذا شر ما ضيق دائرة العلم وحصره في طائفة المشتغلين به. والأدب؟ لقد ألفنا الأدب متمردا على مقاييس المنطق الجافة يحمل رسالته للقلوب لا للعقول، هو روح يفيض على كل مادة فيسبغ عليها حياة خالدة، هو نفس الأديب مقطرة تشف من وراء كل عبارة يسطرها، هو موسيقى الإنسانية تتجاوب أصداؤها في كل قلب،

стр. 1211

ومن أجل ذلك كان الأدب رسالة عامة يفهمها الناس جميعا ويطربون لها، فكيف التقى الأدب والعلم؟ إن الثقافة الحديثة هي التي قربت بين المتباعدين، وألفت بين المتنافرين، فلقد أنتجت كثيرا من العلماء المتأدبين، أو الأدباء العالمين، وقد وجد هؤلاء من حقائق العلم ما هو أعجب من أوهام الخيال، وبصروا بعين العلم مشاهد ترتد عنها العين غير العلمية كليلة لا تبلغ جمالها ولا تدرك ما فيها من فتنة. وسمعوا بأذن العلوم موسيقى رائعة دقيقة لا تصل الى الأذان غير العلمية، ووصل العلم بين الماضي والحاضر، والقريب والبعيد، والحياة والفناء، والمادة والطاقة. وسلك الكل في وحدة (كونية) تضاءلت أمامها الوحدة (الإنسانية) وطلع علينا أدب كوني أسمى وأروع وأبدع من الأدب الإنساني الضيق. حطم الأدباء العالمون الحواجز التي كانت تعزل العلم عن الجماهير، وأسبغوا مواهبهم الأدبية على حقائق العلم فكسوها حلة فتانة قربتها للجماهير، فكانت غذاء لعقولهم وشفاء لقلوبهم. . . وبين يدي مثل رائع لهذا الأدب العلمي هو كتاب (النجوم في مسالكها) الذي وضعه بالإنجليزية العلامة السير جيمس جينز، ونقله الى العربية صديقنا الدكتور أحمد عبد السلام الكر دانى. هو سياحة في الكون على أجنحة الخيال العلمي، تعبر بك ملايين السنين والأميال وتنقلك الى عوالمه، وتقف بك عند السيارات والكواكب، وتخترق بك الشمس، وتريك أسرار كل هذه العوالم وستنسى نفسك وأنت تسبح مع الكاتب كما نسيت نفسي؛ ثم تؤوب منها كما عدت منها وقد امتلأت يقينا بجلال الله وعظمته، وشعوراً بقدرته وبالغ حكمته، وسترى كما رأيت مبلغ غرور الإنسان وهو ليس إلا هباءة حقيرة في جزء حقير من الكون! وتعجب كيف طوعت له نفسه أن يناصب العداء هذا الخالق العظيم الذي دبر هذا الكون الذي لا ندرك مداه فأحكم تدبيره. ومالي أقطع عليك بالوصف لذة تلك السياحة وأنت لابد قارئها وواجد فيها ما وجدت. وفوق ما وجدت، ولقد وفق صديقي (الكر دانى) كل التوفيق في تعريب الكتاب فجاءت عباراته

стр. 1212

طلية واضحة دقيقة، ويبدو في كل صفحة من صفحاته مجهود في اللغة يهنأ عليه الأستاذ المعرب كل التهنئة. ولن ينقص من قيمة هذا المجهود الكبير تلك الحملة الظالمة التي حملها كاتب مقنع في جريدة الأهرام على تعريب هذا الكتاب، وراح يتلمس عثرة للمعرب فلم يجد إلا بضعة ألفاظ عابها عليه وهى مفخرة له. إن عبارة النقد تنم عن كاتبها وسوء نيته، وإني لأرجو أن يمر بها المعرب وتمر بها لجنة التأليف والترجمة والنشر مر الكرام، وسيجدون من أنصاف القراء وتقديرهم لهذا الكتاب القيم ما يكفيهم عناء الرد عليه. أكرر التهنئة لصديقي (الكر دانى) وأرتقب مع القراء مجهودات أخرى له في الأدب العلمي الذي نفتقر إليه أشد افتقار.

стр. 1213

أربعون يوما من عام ١٩١٤ تأليف الجنرال موريس ترجمة الضابط محمد عبد الفتاح إبراهيم تأبى حركة الترجمة في مصر إلا أن تكون قوية عنيفةواسعة النطاق حتى تشمل كل نواحي الحياة وشتى ضروب التفكير، فهذه آيات الأدب الغربي الرائعة، وألوان العلم المختلفة تنقل الى اللغة العربية. ويطالعنا المصريون فيشاطرون العالم المتمدن علمه وأدبه، حتى لتكاد العقلية المصرية أن تندمج في العقلية الأوربية اندماجا تاما، ولم تقتصر حركة الترجمة على الآداب والعلوم، ولكنها امتدت فتناولت شعبا وأطرافا متنوعة دقيقة، نعم امتدت حركة الترجمة حتى شملت الثقافة الحربية أيضا! فهذا كتاب (أربعون يوما من عام ١٩١٤) وضعه بالإنجليزية الجنرال موريس ونقله الى العربية الضابط الفاضل محمد عبد الفتاح إبراهيم. وأول ما نلاحظه إن المعرب ضابط في الجيش!! ولست أشك في أن القارئ يسيء الظن. كما كنت أنا أسيء الظن بضباطنا جميعاً من حيث الرغبة في الاطلاع والدرس. فنحن إذن نسجل الثناء للمعرب الفاضل مضاعفاً، فقد اثبت نشاطا أو ميلا الى النشاط العلمي بين ضباطنا، وهو فوق ذلك قد ساهم بكتابه هذا في حركة التعريب الشاملة بنصيب محمود. والكتاب تاريخ دقيق لأربعين يوما من سنة ١٩١٤، تلك السنة التي رفع فيها الستار عن أكبر مأساة شهدها التاريخ، إذ انطلقت صيحة الحرب العظمى تدوي في أرجاء العالم دويا شديدا، فارتج منها رجة عنيفة امحّت في أثرها دول وأنشئت أخرى. ففيه تحليل للخطط الحربية التي رسمها الألمان والفرنسيون، فتشعر حين قراءته بالمهارة البارعة التي كانت تبدو من قواد الفريقين، فهي محاورة طريفة بين الألمان والفرنسيين على الحدود الغربية، أقرب الى مباريات اللهو واللعب منها الى أي شيء آخر: هذا يريد أن يأخذ خصمه على غرة ويحيط بجناحيه أو يغزو قلبه، وذلك يفسد عليه خطته بمهارة فائقة تدعو الى الإعجاب. ويخيل إليك وأنت تقرأ الكتاب أنك بصدد رقعة للشطرنج بين لاعبين، يكيد كل واحد منهما للآخر وينصب له الأحاييل (ولكن لم تكن وا أسفاه قطع ذلك الشطرنج من خشب أو عاج، وإنما كانت أرواحا بشرية تحصد حصدا بغير حساب) الكتاب لذيذ ممتع

стр. 1214

حقاً، وجدير بكل ضابط وكل مشتغل بالتاريخ ان يقرأه ويقتنيه، ولغة المعرب سلسة، فيها كثير من الدقة في التعبير والشرح، لولا بعض الأخطاء النحوية التي نؤاخذه عليها، وأظنها اكثر من هفوات يجوز أن تجتمع في كتاب واحد. نذكر قليلا منها على سبيل المثل: في صفحة٥٢ وردت هذه العبارة: تسود الجنود روحا غريبة وصحتها روح غريبة. وفى ص ٢٠٨ لم يكن ذو دراسة، وصوابها لم يكن ذا دراسة. وأمثال هذه الأخطاء كثيرة في الكتاب نرجو المعرب أن يتداركها بالتصحيح في الطبعة الثانية إن شاء الله، كما نرجو أن يكون اكثر دقة في تعريب الأسماء الجغرافية، فيذكرها كما هي شائعة معروفة في الكتب العربية ولا ينقلها حرفا بحرف، فمثلا في صفحة ٣٨ ذكر مدينة باسل وهى تنطق بال بحذف السين، فذلك أكثر نفعا لقراء الكتاب. ز. ن. م ٢٨

стр. 1215

العدد ١٥ - بتاريخ: ١٥ - ٠٨ - ١٩٣٣

стр. 1216

بين النيل والاكروبول إلى الشباب أسوق الحديث رحلت إلى بعض بلاد الغرب وإلى بعض أمم الشرق فلم أجد شعبا كهذا الشعب هان وجوده على نفسه، وأنطمس تاريخه في ذهنه، فأعطى الضيم عن يد وهو صابر!! أسرف في اللين حتى رمي بالجبن، وأمعن في التسامح حتى وصف بالبلادة، وأفرط في التواضع حتى نسى الأنفة، وبالغ في إكرام الغريب حتى أصبح هو الغريب!! فليت شعري يا ابن العرب أو يا سليل الفراعين من أين داهمتك هذه الذلة؟! نسب يزحم النجوم، وحسب يَطُول الدر، وماض كالشمس نفذ إلى كل أرض وسطع في كل أفق، وواد كرفرف الخلد زخر بالغنى وفاض بالنعم! فكيف لا يرفع رأسك هذا النسب، ولا ينصب صدرك هذا الماضي؟ مالك تمشي في أرضك خافت الصوت، خافض الجناح، ضارع الجنب، كأن النيل يجري لغيرك، وكأنما الآثار تتحدث إلى سواك؟! لقد أصبحت في بلدك المنكود تحيا حياة الجسم كما يحيا الأجير والخادم، أما حياة الروح التي ينبض فيها القلب بعزة القومية وصلف الوطنية، فقد أماتها فيك الوباء الوافد من كل مكان! إن إخوانك في سورية لا يحبون الغريب إلا صيفا، وان إخوانك في العراق لا يكرمون الأجنبي إلا ضيفا، أما الدود الذي يمتص الدم ويقذي العيون ويغثى النفوس فلا يجد مغذاه ومرواه إلا على النيل!! وليت الذي قاسمنا أنعُمَ الوادي الحبيب يذكر فضيلة الإحسان، ويشكر عطف الإنسان على الإنسان!! إنما يتمتع بخيرنا تمتع الغازي الفاتح، في يمناه سيفه، وفي يسراه قانونه، فإذا عاملناه احتقرنا، وإذا عاتبناه انتهزنا، وإذا ضج المغبون، أو صاح المسروق، أو صرخ الجائع، ضربه (الخواجة) ضربته، ثم استعدى عليه دولته!! في أي بلد من بلاد العالم اليوم يأتي محام أجنبي، ليدافع عن مجرم من جنسه أجرم على هذا البلد، فيجد له القضاء في قلب قضاء هذا البلد، وقانوناً بجانب قانون هذا البلد، وقوة فوق قوة هذا البلد، ثم يقوم بين يدي قضاة من جنسه فيقول في بلاغة ديمستين وحماسة مَنْ، لا أدري:

стр. 1217

(أظهروا أيها السادة أنكم قضاة تنشقون هواء الأكروبول، وانكم لا تخوضون في ماء النيل العكر) معك الحق كله يامتر بابا كوس! لقد تركت أثينا في اليونان ثم عبرت البحر فوجدت أثينا في مصر!! فالفنادق للروم، والمطاعم للروم، والمقاهي للروم، والمواخير للروم، ودور السينما للروم، وقاضيك من الروم، وجانيك من الروم، وبقالك من الروم، وحلاقك من الروم، وخادمك من الروم! وإذا طلبت الماء، أو أردت الكهرباء، أو ركبت الترام، أو دخلت البنك، أو قصدت المتجر، وجدت كل ذلك في أيدي أقوام سحنتهم غير مصرية، ولغتهم غير عربية!! فإذا سألت (مخالي) عن المصريين قال لك أنهم أجراء عند (خريمي) في المزرعة، أو سكارى عند (يني) في البار!! معك الحق كله يامتر بابا كوس أن تهين شعبا يسمع إهانته في كل يوم وفي كل مكان فيغضي ثم يمضي! وأي إهانة آلم وأشنع من (الامتيازات) وهي طعن في إنسانيته وقدح في كفايته وتجريح لعدله!! ولكن الحق يبرأ منك حين تقول وأنت وريث أرسطو ومِدْرَهُ أثينا إنك لم تقصد بهذه الجملة إهانة مصر، وإنما هي: (عبارة من عبارات البلاغة التي يستعملها المتكلم عادة) فلسنا من البلاهة بحيث يخدعنا عن جد الجريمة هزل الاعتذار!! رحم الله أستاذنا المهدي! لقد كان يرى الرجل المتمدن يرمي الرجل المتمدن بالكلمة العوراء يندى لها جبينه، ويغلي منها دمه، فما هو إلا أن يقول الشاتم المتمدن للمشتوم المتمدن (سحبتُها) حتى يجف عرق الجبين، ويكف غليان الدم! فيقول الأستاذ بلهجته العربية: (عجيب!! كلمة قيلت كيف تُسحَبْ! ولطمة أصابت كيف تُسترد؟!) لا نريد من شبابنا أن يدفعوا البغي بالبغي، وإنما نريد منهم أن يفهموا الواغلين أن كدر النيل ليس من أهله، وأن الطريق الذي يسفي عليه الغبار والأقذار هو الطريق الذي فتحه لهم الاقتصاد المستعمر، فإذا ملناه ونظفناه عادت إلى نيلنا نقاوته، وإلى شعبنا كرامته ليس على الأجنبي من حرج في أن يزاحمك في بلدك، فإنما جهاد الدنيا زحمة، وهو حين ينافسك ينافسك في حمى القانون، ويغالبك في حدود الطبيعة، وإنما الحرج كله عليك إذا ظللت تشتري وهو يبيع، وتغرم وهو يغنم!! نضَّر الله الشباب العاملين!! لقد أخذوا يَجْلون عن وجه مصر الجميل غيرة القرون وذلة

стр. 1218

الأحداث وإهانة الدخيل! نزلوا ميدان الاقتصاد جنودا متطوعين، وعمالا متواضعين، فعرفوا أين تكون المعركة الفاصلة بين الاستعباد والحرية، وبين الاستعمار والحق، وشقوا الطريق القاصد إلى إنقاذ مصر من احتلال دولي شديد الخطر قبيح الأثر لإتكائه على العدل واعتماده على القانون إن (عيد الوطن الاقتصادي) و (مشروع القرى) و (تعاون الشباب) و (تعاون الطلبة) و (جماعة تمصير مصر) وشركات الدخان والألبان والإعلان والجزارة والمقاهي. . . فتح مبين في جهاد مصر الفتاة، وإن تَحَلَل الشباب المثقفين من ربقة التقاليد وإسار العرف فلا يرون غضاضة في أن يقيموا المشارب والقهوات في مولد النبي ومولد الحسين يكونون فيها الطهاة والباعة والنُّدُل والمديرين، لهو تحلل لحاضر الطموح الناهض، من قيود الماضي القنوع العاجز. وليس على أولئك الشيوخ الذين مكنوا بجمودهم وقعودهم للأجنبي فطغى بيده، وبغي بلسانه، إلا أن يطووا معهم هذه الصفحة المخزية من تاريخ مصر، ويتركوا الشباب يجدد ما بلى، ويدعم ما وهى، ويسد ما خلَّ إن شطط المبشرين قد انقلب إلى تبشير بالإسلام ودعاية إلى المؤسسات الخيرية، فهل تنقلب سفاهة (الممتازين) إلى إعزاز القومية المصرية، وتحقيق الأماني الوطنية؟؟ احمد حسن الزيات

стр. 1219

لغو الصيف للدكتور طه حسين أيهما خير ياآنسة؛ أن نفترق الآن لنلتقي غدا، أم أن نظل كما نحن رفيقين في السفر والإقامة؟ قالت: بل أن نفترق لنلتقي بعد شهرين في القاهرة أو بعد شهر في باريس. وحسبنا أن قد أقمنا معاً أسبوعاً كاملا في هذه المدينة من مدن البحر نلتقي إذا أصبحنا، ونلتقي إذا أمسينا ولا يفرق بيننا إلا الليل، قال: فإنك إذا قد سئمت هذا اللقاء وطال عليك أمده، وأخذت تودين لو فرقت بيننا النوى دهرا طويلا أو قصيرا! وما رأيك في أني بعيد كل البعد عن هذا السأم، كاره كل الكره لهذا الفراق الذي تحبينه وتطمحين إليه؟ قالت: لك أن تفهم رأيي كما أحببت وأن تقدره كما شئت، وأن ترضى عنه أو تسخط عليه، فمن المحقق أني لم أره لك وإنما رأيته لنفسي، ومن المحقق أني لم أعلنه إليك إلا وأنا محتملة لنتائجه عالمة بموقعه من نفسك وتأثيره فيها، ولن يغير من رأيي ما تبدى وما تعيد، فقل لي: إلى اللقاء ودعني أهيئ أمري فقد دنت ساعة السفر، قال: ما شككت في أن ساعة السفر قد دنت، ولكن الذي أشك فيه هو أن دنو هذه الساعة يضطرنا إلى أن نفترق، فقد نستطيع أن نسافر معا كما أقمنا معا. قالت: فإني لا أريد. قال: ما رأيت كاليوم ظرفا ولا رفقا ولا حسن مودة للأصدقاء، سنفترق يا آنسة ما دمت حريصة على هذا الفراق فهل تأذنين في أن أصحبك إلى القطار. قالت: ولا هذا فإني لا أحب هذا الوداع السريع البطيء في وقت واحد. ولا أحب أن يفترق الناس لأن قوة غريبة عنهم تكرههم على أن يفترقوا فلنفترق منذ الآن واكتب إلي، ولعلنا نستطيع أن نلتقي في باريس. فان أعيانا ذلك ففي القاهرة متسع للقاء المتصل والحديث الطويل. ثم صافحته في قوة وعلى وجهها ابتسام يشبه العبوس، وفي وجهه عبوس يشبه الابتسام. ولم يكد يقبل المساء حتى كانت ماضية في قراءتها لا يصرفها عنها شيء، كما كان قطارها السريع ماضيا في سيره لا يقفه عنه شيء وكانت حركة الناس من حولها لا تسكن، وحديث الناس من حولها لا ينقطع، وأصوات الناس من حولها لا تهدأ. ولكن شيئا من ذلك لم يكن ليلهيها عن هذا الكتاب الذي غرقت فيه. حتى إذا انتهت بها القراءة إلى شيء من الجهد والإعياء، ووضعت كتابها لتستريح ورفعت رأسها تجيل الطرف فيما حولها لم يرعها إلا

стр. 1220

صديقها الأديب جالسا أمامها جلسة المتأدب الخاضع الذي ينتظر أن يفرغ سيده له ويلتفت إليه. فلما رأته لم تدهش ولم تنكر، ولكنها أظهرت ضيقا به وغضبا عليه، وقالت في لهجة حازمة: أتعلم أني أكره هذا النوع من اللعب، وأنك توشك أن تغيظني وتحفظني وتصرفني عنك إن مضيت فيه؟ قال في صوت خافت غير مطمئن: أعلم ذلك حق العلم وآلم له أشد الألم، ولو استطعت أن أكون عندما تحبين ما أثقلت عليك، ولا ترددت في طاعتك، ولا تحولت عما يرضيك. ولكن ما رأيك في أني لا أحب أن أموت، قالت ولم تملك نفسها من ضحك غالبته فغلبها: لا تحب أن تموت؟ قال نعم لا أحب أن أموت، ألم تفهمي بعد؟ قالت: ومتى رأيتني أحل الألغاز؟ قال: والغريب أنك قد عاشرت الفرنسيين فأطلت عشرتهم وأتقنت لغتهم وآدابهم الرفيعة والشعبية حتى كأنك واحدة منهم. فكيف يغيب عنك ما يتحدثون به كلما هموا برحيل أو فراق، وهل تعلمين شعراً وجد عددا ضخما من الرواة، تختلف طبقاتهم وتتفاوت منازلهم كهذا الشعر الذي ينشده الفرنسيون كلما هموا أن يفترقوا إنما السفر ضرب من الموت بالقياس إلى المحبين، قالت: وقد نسيت غضبها واطمأنت إلى طبعها، وخرجت من التكلف ولاءمت بين حديثها ومظهرها، وبين ما وجدت من الغبطة بلقائه الذي كانت ترجوه، والذي كانت تغضب وتحزن لو لم تظفر به، فأنت إذا تريد إلى هذا اللغو من الحديث، قال أنت تزعمين أنه لغو أما أنا فأراه الجد كل الجد، والحق كل الحق. ولولا أن السفر ضرب من الموت لما كرهه المحبون، ولا سخط عليه الشعراء، ولا تغنوا آلامه وأحزانه. ولولا أن السفر ضرب من الموت حين يفرق بين الناس لما رأيتني الآن في هذا المكان بعد أن افترقنا على أن لا نلتقي حتى يمضي شهر أو أكثر من شهر. ولكني فكرت بعد أن افترقنا، فرأيت أني ميت بالقياس إلى كل الأصدقاء الذين تركتهم في مصر، مهمل بالقياس إلى كل هؤلاء الناس الذين كانوا حولي في نيس، والذين سألقاهم في باريس، وأني لاحتفظ من الحياة إلا بشعاع ضئيل، هو هذا الذي أحسه حين أصحبك وأسمع لك وأتحدث اليك، فشق علي أن أجود بهذا الشعاع، وأن أسلم نفسي للموت المطبق والإهمال المطلق شهراً وبعض شهر، ولولا خوف الموت والضيق بالإهمال ما خرجت عن طاعتك ولا خالفت عن أمرك، ولا عرضت نفسي لهذا الغضب اللاذع وهذه الثورة المهينة. قالت: فقد عدت إلى ذكر الغضب والثورة كأنك تريد أن أنكرهما أو أعتذر منهما أو أنبئك

стр. 1221

بأني تكلفتهما تكلفا، واصطنعتهما اصطناعا. قال: لا تنكري شيئا ولا تعذري من شيء، فأنا معترف بأني ملح، وأنا معترف بأني مثقل في الإلحاح، ولكنك تعودت احتمالا لهذا الثقل، وتجاوزا عن هذا الإلحاح، فدعي حديثهما وحديث الغضب والثورة، وحدثيني عن هذا الكتاب الذي لم تكادي تقبلين عليه حتى ألهاك عن كل شيء، وصرفك حتى عن هذه المناظر البديعة الخلابة التي تعرضها عليك الطبيعة عرضا سريعا أثناء سير القطار. قالت: هذا كتاب تعجب إن عرفت أني أقرأه للمرة الخامسة، فأنا لا أعرف كتابا أهون ولا أيسر ولا أمتع ولا ألذ من هذا الكتاب أثناء السفر الطويل، أو حين يلح على الحزن الثقيل. هذا كتاب من كتب كورتلين، قال: هو كتاب (قطار الساعة الثامنة والدقيقة السابعة والأربعين) قالت: هو ذاك، قال: فإني لم أقرأه خمس مرات، لكني قرأته ثلاثا، ولولا أني علمت أني سأصحبك في القطار لقرأته للمرة الرابعة! فأنا مثلك معجب بهذا الكتاب إعجابا لا حد له، والغريب أني لا أدري بماذا أعجب من هذا الكتاب! بمعانيه أم بألفاظه أم بأسلوبه، أم بهذه الصور الرائعة التي يعرضها علينا في غير انقطاع؟ أم بهذا كله مما أعرفه، وما أحسه دون أن أعرفه، فهذا الكتاب عندي آية من آيات الأدب الفرنسي. قالت: وعند كثير من الفرنسيين أيضا، وإذا لم تكذبني الذاكرة فقد كان أناتول فرانس مشغوفاً به شغفاً عظيما، لست أدري أكان يعده بين آيات الأدب أم لا. وأني لأرجو أنه لم يضعه بين هذه الآيات فقد كان أناتول فرانس يضيق بآيات البيان ويرى أنها ثقيلة مملة، وليس في هذا الكتاب شيء من الثقل ولا الإملال. قال: ومع ذلك فان في هذا الكتاب ألفاظا لا تكاد تحصى وجملا لا يكاد يبلغها العد، وكلها خارج على النحو الفرنسي، مخالف لأساليب البيان المألوف. قالت: فهذا مظهر من مظاهر الجمال في هذا الكتاب، ومصدر من مصادر الإعجاب به، وسبب من هذه الأسباب التي تضطرنا إلى مراجعة النظر فيه. وما رأيك لو أن كورتلين أنطق أبطاله بهذه اللغة الفرنسية الفصحى، وأجرى على ألسنتهم هذه الجمل الأدبية الرائعة التي تجدها في كتب كورتلين نفسه وفي كتب غيره من الأدباء؟. إذا لما وجدت في الكتاب لذة كهذه اللذة التي أجدها الآن، ولعلي أن أعجز عن المضي في قراءته إلى آخره فضلا عن أن أقرأه مرات. إن للغة الفصحى خطرها وقيمتها، وهي مقياس البيان وظرف الأدب، ولكنها قد تسخف وتسمج إذا جرى بها لسان هذا الجندي الذي اتخذه كورتلين بطلا لقصته.

стр. 1222

قال: هذا حق ومهما أنس فلا أستطيع أن أنسى هذه الجملة الطريفة التي يرددها جندي كورتلين كلما وقف موقف الحرج أمام الكابتن: ` فلولا هذه اللحنة الظريفة الشائعة، التي تجري بها ألسنة العامة من الفرنسيين والتي أذاعها كورتلين، حتى تفكهت بها الخاصة لما كان لهذه الجملة موقع في النفس حسن، ولا منزل من القلب عجيب. قالت: وكل كلام الجندي وكلام رفاقه ظريف محبب إلى النفوس لأن ما فيه من اللحن والتواء الأسلوب يصور روح الشعب كما هي صريحة مستقيمة لا غموض فيها ولا التواء. قال فأنت إذا من أصدقاء اللغة العامية وأنصارها، وماذا لو عرف أعلام البيان في مصر عنك هذا الرأي؟. قالت: لا أصنع شيئا فليس يعنيني أن يعرفني أو ينكرني أعلام البيان في مصر أو في غير مصر. وما تعودت قط أن أرى الرأي فاسأل نفسي عن حظه من رضى الناس أو غضبهم. قال: قد علمت ذلك حق العلم وجربته حق التجربة، ولم تمض ساعات على هذه التجربة اللذيذة الأليمة معا. ألست قد زعمت لي؟ قالت: لم أزعم لك شيئا! فلا تعبث ولا تفسد علينا بهذا الاستطراد ما نحن فيه من الحديث، لست من أصدقاء اللغة العامية، ولكني لست من أعدائها. وما أذكر أني كتبت شيئا باللغة العامية، وما أظن أني سأكتب بها شيئا؛ لأني لا أحب ذلك، ولو أحببته ما قدرت عليه. ولست أرضى أن تصبح اللغة العامية لغة البيان الأدبي، ولا أعطف على كاتب يتعمد الكتابة بها ويتخذها ترجمانا لما يريد أن يعرضه من الخواطر والآراء، ولكني على هذا كله لا أستطيع أن أمحو هذه اللغة، ولا أستطيع أن أنكر أن لها جمالا تنفرد به أحيانا وتعجز عنه اللغة الفصحى. ولا أستطيع أن أمحوها من قلوب الأشخاص الشعبيين وأضع مكانها اللغة الفصحى، وأوفق مع ذلك إلى تصوير هؤلاء الأشخاص الشعبيين تصويرا صادقا كل الصدق، جيداً كل الجودة، متقنا كل الإتقان. قال وهو يبتسم ابتسامة ملؤها المكر والخداع: ألا تعجبين أن ينتهي بنا الحديث عن كورتلين إلى الحديث عن توفيق الحيكم؟ قالت: ومن توفيق الحكيم؟ ما سمعت به قبل اليوم!. قال: فأنت إذا من أهل الكهف. قالت: وأي عجب في أن أكون من أهل الكهف، ومتى زعمت لك أني أعرف الناس جميعا أو أقرأ للناس جميعا؟!. قال فان أهل الكهف عنوان قصة لتوفيق الحكيم هذا الذي لم تعرفيه ولم تسمعي به، وأؤكد لك أني اكره لك هذا الجهل. فتوفيق الحكيم شاب خليق أن يعرف، ومن العيب كل العيب أن يجهله أديب

стр. 1223

شرقي. ولكنك قد أقررت على نفسك بأنك من أهل الكهف فلا لوم ولا تثريب. قالت: قد أقررت وأنا خليقة أن ألام فأنبئني عن توفيق الحكيم، وكيف انتهينا من حديث كورتلين إليه، وأي سبب بين هذا الشاب المصري وهذا النابغة الفرنسي؟ قال: بينهما سبب لا أدري الآن ما هو، ولعله أن صدقت الظنون وتحققت الآمال أن يكون التفوق والنبوغ، ولعل الله قد أذن لمصر أن يكون فيها كورتلين كما كان في فرنسا. قالت: فإني لا أحب الإطالة، ولا أحب الالتواء، فأوضح وأبن عما تريد. قال توفيق الحكيم يا آنسة شاب مصري، ظهر فجأة بقصة تمثيلية أنت أحد أشخاصها. قالت: أنا أحد أشخاصها! ماذا تقول؟ قال: نعم! لأن أشخاصها أهل الكهف، ولست أريد أن أطيل في تقريظ هذه القصة. وإنما أقول أني قرأت في هذا العام قصصا تمثيلية كثيرة ظهر بعضها بالفرنسية، وبعضها بالإنجليزية، وبعضها بغير هاتين اللغتين. وترجم أليهما أو إلى إحداهما، فكانت قصة أهل الكهف هذه خير ما قرأت من هذه القصص كلها وأحسنها موقعا من نفسي، وأشدها إثارة لإعجابي. ولست أدري أمعجب أنا بموضوعها أم بأسلوبها السهل، أم بألفاظها الساذجة أم بتحليلها الدقيق أم بهذا كله، ولست أشك في أن إعجابي بها سيضاعف منذ اليوم لأنك أحد أشخاصها. ومن يدري لعلك برسكا التي صورها توفيق الحكيم! قالت: وقد ضاقت بهذا المزاح: لو كنت برسكا لما جهلت مبدعي! قال: كم بين الناس يعرفون مبدعهم؟ قالت: وقد كتب صاحبك هذه القصة باللغة العامية؟ قال: لا، بل بلغة لا تبعد كثيرا عن العامية. وليست هذه القصة هي التي ذكرت حين تحدثنا عن كورتلين، فان لتوفيق الحكيم قصة أخرى غير تمثيلية سماها عودة الروح. والغريب أن أهل الكهف ظفرت أول الأمر بإعجاب الشباب والشيوخ جميعا. فلما ظهرت عودة الروح تنكر لها بعض أعلام البيان في مصر، ودعا هذا التنكر بعضهم إلى أن يراجعوا إعجابهم بأهل الكهف فيخففوا منه ويقتصدوا فيه. أما الشباب فأضافوا إعجابا إلى إعجاب، ورضى إلى رضى وبدءوا يتخذون هذا الكاتب الشاب قدوة لهم ومثالا. قالت: وماذا ينكر أعلام البيان من عودة الروح؟ قال لغتها، فهي ككتاب كورتلين أبطالها شعبيون فينطقهم المؤلف بلغة الشعب. ولعله يغرق في ذلك بعض الشيء، وأعلام البيان يكرهون ذلك ويحرصون على إلا تظهر آيات البيان إلا في اللغة الفصحى، وهم يضنون بهذا الشاب على أن ينفق جهده الخصب ويضيع وقته العزيز في هذه اللغة

стр. 1224

المبتذلة، قالت: ولكن القصة نفسها ما رأيهم فيها؟ فليست القصة ألفاظا خالصة ولا معاني خالصة، وإنما هي قوام من الألفاظ والمعاني، ولا بد من أن يستقيم لها جمال اللفظ وجمال المعنى، فهب ألفاظها رديئة عند أعلام البيان فما حكمهم في معانيها؟ قال: قرأها بعضهم لم يظهر رضى ولا سخطا، ولم يستطع بعضهم الآخر أن يقرأها فعابها لأن لغتها العامية صرفته عن قراءتها. قالت: فهذا بخل بالإنصاف وتجاوز للقصد، وقد شوقتني إلى أن أقرأ هذين الكتابين، ولكن هلا حدثتني عنهما حين كنا في القاهرة. قال ومتى حدثتك في القاهرة عما كنت أريد أن أحدثك عنه، إنما نلتقي فتمضي الأحاديث بيننا كما تريد هي لا كما نريد نحن، ولولا أني سألتك عن هذا الكتاب الذي تقرئين لما جرى بينك وبيني ذكر لتوفيق الحكيم، وهل فرغنا من الحديث عن أنفسنا لنتحدث عن هذا الأديب الجديد. قالت: كم كنت أحب أن اظفر بكتابيه لأفِرَّ إليهما منك ومن نفسي فقد يخيل إلي أنا نسرف في الحديث عن أنفسنا ونغلوا في الإعراض عن غيرنا. وقد يخيل إلي أن بين هؤلاء الكتاب الناشئين من هم أحق بعنايتك وعنايتي من هذا اللغو الذي نخوض فيه كلما التقينا. قال: وعلى ذكر كورتلين وتوفيق الحكيم، ما رأيك في هذا الكتاب الفرنسي الجديد الذي كثر الكلام فيه، واختلف فيه أدباء فرنسا كما اختلف أدباء مصر في كتاب توفيق الحكيم؟ قالت: وما ذاك أيضا؟ قال ماذا، ألم تقرئي كتاب سيلين الذي سماه سياحة في آخر الليل؟ ألم تقرئي ما كتب النقاد حول اللغة التي ألف فيها هذا الكتاب؟ قالت لا، قال وهو يضحك: معذرة فقد أنسيت أنك نائمة، وأنك من أهل الكهف. قالت: وقد رمته بكتابها مغيظة منه محنقة عليه: هبني نائمة فما لك لا توقظني وما اختلافك إلي في القاهرة، وما لزومك لي في نيس، وما مرافقتك لي في هذا القطار على كره مني. قال وقد أغرق في الضحك: إنما رافقتك في القطار يا آنسة لاوقظك، ولأخرجك من الكهف، ولأنبئك بأن في مصر شابا يقال له توفيق الحكيم كتب قصة يقال لها أهل الكهف، وأخرى يقال لها عودة الروح. وبأن في فرنسا أديبا جديدا يسمي نفسه سيلين، وقد أظهر كتابا أسماه (سياحة في آخر الليل) اختلف الناس فيه اختلافا كثيراً. قالت: فيم اختلفوا قال: في لغته فهو أيضا مسرف في حب العامية، وأنا معجب بكتابه إعجابا شديداً، مبغض للغته بغضا شديداً لأنه يتعمدها تعمداً ولا تدفعه اليها الحاجة ولا الضرورة ولا الرغبة في التصوير الصادق والتعبير الصحيح. وكل هذه الكتب

стр. 1225

عندي أستطيع أن أعيرك إياها لتقرئي وتحكمي ثم لنتحدث بعد ذلك. قالت: فابدأ بقصة أهل الكهف فأعرني إياها منذ الآن فسأنفق ليلتي بينها وبين كورتلين. قال: ولكن أليس خيرا منها ومن كورتلين ان ننفق ساعة أو بعض ساعة؛ لا أقول في الحديث فقد يظهر انك سئمته وضقت به؛ وانما أقول في العشاء فإني اسمع جرس الخادم يدعو اليه؟!

стр. 1226

الاشعاع للأستاذ احمد أمين كتب أخي الدكتور احمد زكي في مجلة الرسالة مقالا ممتعا في الإشعاع في (باب العلوم) تكلم فيه عن اشعاع الشمعة والنجوم والشمس والإشعاع اللاسلكي وموجات الضوء واختلافها، فأوحت مقالته إلي معاني في الإشعاع النفسي. ان للنفوس والعقول إشعاعات لا تقل جمالا عن إشعاعات النجوم والكواكب، نشعر بها وقد لا نستطيع التعبير عنها، وهي أشد غموضا وتعقدا من الإشعاع الحسي، وهي مختلفة أكثر من الاختلافات بين أشعة الألوان من حمراء وبنفسجية وتحت الحمراء وفوق البنفسجية وما بين ذلك، وهي مختلفة في القوى أشد من اختلاف المصابيح الكهربائية، فلئن كانت قوة المصباح شمعة أو شمعتين أو ألفا أو ألفين فللنفوس قوى تختلف إلى ما لا نهاية له صغرا وضآلة، والى ما لا نهاية له عظمة وسناء لعلك تشعر معي أنك ترى الرجل أو تحادثه أو تجالسه أو تسمع لمحاضرته فيشع عليك نوعا من الاشعاع يخالف الآخر قد تحسن التعبير عنه وقد لا تحسن، فهذا يشع عليك سرورا وأريحية واطمئنانا، وهذا يشع حزنا ووجدا ورقة وحنانا، وذاك يشع هيبة وجلالا ووقارا، وآخر يشع ضعة وذلة وهوانا، وقد تحس من رجل بنوع من الأشعة تدركه وتستطعمه، ولكنك لا تستطيع وصفه كما إذا أكلت كمثرى وتذوقتها وأردت أن تصف طعمها لمن لم يذقها. في الناس من إذا جالسته أشع عليك نورا أضاء لك ما بين جوانبك فأدركت نفسك، وأشع نورا على العالم الذي حولك فتبينته وعرفت محاسنه ومساوئه، وأدركت مكانك منه، ورأيت كل شيء حولك صافيا لينا كأنك تنظر اليه من مصباح (المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار). وفي الناس من يجالسك فتتلقى منه أشعة مظلمة تنقبض لها نفسك وتظلم جوانبها وتحس بميل إلى الفرار منها، وتتنفس الصعداء إذا بعدت عنها ونجوت من ظلامها وخرجت إلى النور.

стр. 1227

قديما قالوا: (ان وردة عمر أهيب من سيف الحجاج) ذلك لأن عصا عمر معها يد عمر ومعها نفس عمر، وهي تشع جلالا وعظمة وتخضع أمام أشعتها نفوس الجبابرة، ويحس كل من وقعت عليه هذه الأشعة أنها صادرة من مستودع قوي دونه المصباح الكهربائي، البالغ ما وصل اليه العلم من القوة، وأما سيف الحجاج فمعه نفس الحجاج، وهي تشع من غير شك قوة، ولكنها قوة على الجسم لا على الروح، قوة تخاف وتُرهب ولكن لا تُحترم ولا تحب، أشعة عمر كانت تطاع سرا وعلنا، وأشعة الحجاج تطاع علنا لا سرا، لذلك كفت عمر عصاه، ولم يغن الحجاج سيفه هذا الاشعاع هو السر في أنك تلي عظيما فيملؤك أثرا ويملؤك قوة، بهيئته، بنبرات صوته، بطريقة تعبيره، بنظراته، بإشاراته، بهزة رأسه، بحركة يديه، فكان في كل عمل من هذه الأعمال يوصل بينك وبينه تيارا كهربائيا قويا يهزك هزا عنيفا. قد لا يحدثك طويلا، وقد لا يكون لكلامه في الواقع قيمة ذاتية، ولكنه يوقظ نفسك ويحيي روحك، وتبقي رنات كلماته في الأذن الأيام والليالي، تعمل عملها في هدوء حينا وعنف حينا، وأصدقك أني لقيت عظيما من هذا النوع يوما فخرجت من عنده مملوءا حماسة وقوة وحياة، حتى إذا بلغت إلى محطة الترام لأركبه إلى مسافة بعيدة عفت الركوب لأنه يبعث على السكون ونفسي ثائرة، والمشي في شدة القيظ ظهر أنسب لها وأكثر اتفاقا لما هي فيه من نشاط وقوة. إذا ذكرت الآن كلامه لم أجده ذا قيمة، وكثير من الناس يتكلمونه ويتكلمون خيرا منه وأسمى وأعمق، ولكن أحدا منهم ليس له هذا الاشعاع ولا قوته وعظمته. وحدثني من أثق به أن الأستاذ جمال الدين الأفغاني كان يرتطن عجمة، ولم يكن فصيح اللسان ولا سلس القول، ولكن تجلس معه فيشعلك نارا دونها فصاحة الفصيح وبلاغة البليغ، لانها النفس مستودع كهربائي قوي يصعق أحيانا، ويضيء أحيانا، ويدفع للحركة أحيانا والرجل العظيم، أو الكاتب الكبير، أو المؤلف القدير، يخرج ما ينتجه كتلة من الأشعة من جنس نفسه. ألست تقرأ المقالة أو الكتاب فيشع عليك معاني مختلفة، منها الهادئ الرزين، ومنها القوي المتين، منها المضحك، ومنها المبكي. منها الذي يأخذ بيدك فيحلق بك في السماء، ومنها ما يدفعك إلى الحضيض، وآية هذا الاشعاع أنك تقرأ المقالة أو الكتاب فيبعث عندك من المعاني ما لا تدل عليه الألفاظ، من طريق الحقيقة ولا المجاز، بل ما بين

стр. 1228

السطور يشع كالسطور نفسها، أولست ترى مقالة الاشعاع في باب العلوم أَشَعَّتْ عليَّ معاني في باب الأدب؟ ليسم هذا علماء النفس تداعي المعاني، أو ليسموه إيعازا أو اقتراحاً أو ليسموه ما شاءوا، فليست الا إشعاعات نفسية من جنس الإشعاعات التي يشعها الأشخاص في كلامهم وحديثهم وحركاتهم فتلقف منها من المعاني ما يقرب وما يبعد. وفي الأماكن كذلك أشعة مختلفة، فشارع عماد اليدن يشع رغبة في اللهو وميلا إلى مسرات الحياة، والمساجد تشع ميلا للعبادة وتمجيدا لله، والبحر الجليل يشع عظمة وجلالا، ونجوم السماء تشع حسنا وجمالا، والبنك يشع حبا في المال، والجامعة تشع حباً في العلم، بل وكل بلد يشع نوعا من الأخلاق، وإلا فلم يذهب المصري إلى إنجلترا وقد اعتاد الفوضى في حياته ومواعيده وصحوة ونومه، فما هو الا أن يطأ أرضها حتى ينقلب خلقا آخر دقيقا في نظامه، دقيقا في معيشته؟ ويذهب المصري إلى ألمانيا فيكون في بيئة علمية فيشرب من مشربهم ويسير سيرتهم، فإذا عاد هذا وذاك إلى مصر عادا سيرتهما الاولى، ما هو الا الجو النفسي تلقى فيه أشعة نفسية مختلفة الاثر، مختلفة الألوان ومن قوانين هذا الاشعاع النفسي أنه في كثير من الاحيان يعتمد على الفاعل والقابل معاً، واعتماده على القابل أبين فيه من الاشعاع الحسي، فاللون الأبيض أبيض عند كل الناس، والأحمر أحمر عند كل الناس، الا من أصيب بعمى اللون، وليس كذلك الاشعاع النفسي، فالخطيب يخطب وإشعاعه يختلف باختلاف السامعين، والكلمة قد تهدي ضالا وقد تضل هادياً، كما يقول المثل الإنجليزي (إن الليل الذي يغمض عين الدجاج يفتح عين الخفاش) وهذا هو السبب في أنك تستخف روح إنسان وغيرك يستثقله، وتعجب بقول متحدث ومن بجانبك يستسخفه، وتتفتح نفسك لكتاب وغيرك ينقبض منه، ما هذا الا لأن الاشعاع الواحد يختلف باختلاف من وقع عليه الشعاع، وإن هناك تفاعلا قوياً بين مصدر الاشعاع وقابله، ومن أجل هذا قد ترى لصا في مسجد وعابدا في حانة. وموسى الذي رباه جبريل كافر … وموسى الذي رباه فرعون مرسل والأرض يمطرها السحاب، فمنها جنان ناضرة، ومنها صحراء مجدية قاحلة، والنار تضيء للساري فيهتدي وللفراش فيحترق

стр. 1229

لقد أثبت العلم الاشعاع اللاسلكي وأصبحنا نسمع الآن من الراديو أصوات الموسيقى في أوربا، وسنسمعها من أمريكا، وسنسمعها من أنحاء العالم، ومعنى هذا أن في جو مصر تموجات من أوربا وأمريكا وأنحاء العالم، وإذا كان هذا في المادة فإشعاع النفوس أبعد مدى، وأنفذ شعاعا، وأسرع سيرا. وإذا كان في حجرتي أمواج هوائية من مناحي العالم يظهرها الراديو، فان في حجرتي ملايين واكثر من الملايين من إشعاعات نفسية تشع من السماء ومن الأرض ومن النفوس البشرية، ومما لا يعلمه الا الله. وما الفكرة تصدر عني، ولا الإلهام ألهم به فلست أعرف له مصدرا وليس يخضع لقوانين المنطق ولا نظريات الاستنتاج، ولا الظواهر النفسية تتعاقب علي فلا اعرف تعليلها من انقباض وانبساط، وسمو وانحطاط، وكدورة وصفاء، وظلمة وضياء الا أثر من هذا الاشعاع ان وراء هذا العالم المادي عالما روحانيا نفسيا أسنى وأبهى، وإذا كان للأجسام والحواس جو يحيط بها قد امتلأ أشعة من نجوم وكواكب وشموع ومصابيح، فللنفس جو يحيط بها اشتبكت فيه أشعة نفسية لا عداد لها. وإذا كان للعين أفق يختلف باختلاف النظر قصرا وطولا، فللنفوس أفق يختلف كذلك، فبعضها ينفذ إلى ما وراء الحجب ويستمد منه ما يستخرج العجب، وبعضها قصير المدى قريب المتناول. ولئن كانت قوانين الاشعاع الحسي لما يستكشف منها الا قليل، فقوانين الاشعاع النفسي أشد تعقدا وأكثر التواء غموضا، والعاكفون على دراستها، والموفقون لاستكشاف بعضها أقل وأندر. خضع كل الناس للإشعاع المادي، وخضع كل الناس للإشعاع النفسي، ولكن آمن بالأول كل الناس، وما آمن بالثاني الا قليل. هل تنبعث من عالم النفس شرارة قوية تضيء جوانب النفوس؟ وهل يبعث العالم النفسي موجة قوية تعم العالم وتهزه هزة عنيفة فينتبه من سباته، ويهب علماؤه لتنظيم الحياة الروحية كما نظموا الحياة المادية، ويتخصص علماء النفس لاستكشاف قوانين الاشعاع النفسي كما استكشف الماديون قوانين الاشعاع الحسي، ثم ينتفعون وينفعون الناس كما انتفعوا بقوانين الضوء وما اليه، وإذ ذاك يكون الناس أسعد حالا وأهدأ بالا وأكثر اطمئنانا؟ من يدري!!!

стр. 1230

صور من التاريخ الإسلامي عمر بن عبد العزيز ٦٢ - ١٠١هـ للأستاذ عبد الحميد العبادي ٣ لم يكن عمر بن عبد العزيز صاحب حق في الخلافة بمقتضى نظام الخلافة الأموية. ولكن ذيوع فضله وسموه الروحي على سائر بني أمية لفت اليه نظر أولي الحل والعقد من صلحاء الشام أمثال رجاء بن حيوة الكندي وابن شهاب الزهري ومكحول الشامي، فلما مرض سليمان بن عبد الملك بدابق مرضه الذي مات فيه ولم يكن له ولد بالغ يعهد اليه، لم يزل به رجاء بن حيوة وأصحابه حتى كتب عهده لعمر بن عبد العزيز، ثم من بعده ليزيد ابن عبد الملك. ثم أمر فأخذت البيعة من بني أمية لمن سمى في عهده دون أن يعينه لهم، فلما قبض سليمان وأعلن الأمر إلى بني أمية جددوا البيعة لعمر على كره منهم (٢٠ صفر سنة٩٩) شرع عمر في تنفيذ برنامجه الإصلاحي منذ تم له الامر، ولقد كان له من زهده، ومناصرة العلماء له، ومؤاتاة أهل بيته: زوجه فاطمة، وابنه عبد الملك، وأخيه سهل، ومولاه مزاحم، أقوى عون على ما أراد. بدأ عمر بمنصب الخلافة ممثلا فيه فجرده من كل مظاهر الأبهة ورده إلى بساطته القديمة؛ ولا أدل على ذلك من كلام ابن عبد الحكم قال: (ولما دفن سليمان وقام عمر بن عبد العزيز قربت اليه المراكب؛ فقال ما هذه؟ فقالوا مراكب لم تركب قط يركبها الخليفة أول ما يلي. فتركها وخرج يلتمس بغلته؛ وقال يا مزاحم ضم هذه إلى بيت مال المسلمين. ونصبت له سرادقات وحجر لم يجلس فيها أحد قط كانت تضرب للخلفاء أول ما يلون، فقال ما هذه؟ فقالوا سرادقات وحجر لم يجلس فيها أحد قط يجلس فيها الخليفة أول ما يلي، قال يا مزاحم ضم هذه إلى أموال المسلمين، ثم ركب بغلته وانصرف إلى الفرش والوطاء الذي لم يجلس عليه أحد قط، يفرش للخلفاء أول ما يلون، فجعل يدفع ذلك برجله حتى يفضي إلى الحصير، ثم قال يا مزاحم ضم هذه لأموال المسلمين. (وبات عيال سليمان يفرغون الأدهان والطيب من هذه القارورة إلى هذه القارورة، ويلبسون ما لم يلبس من الثياب حتى تتكسر. وكان الخليفة إذا مات فما لبس من الثياب أو
следующие страницы →