Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
الاشعاع
للأستاذ احمد أمين
كتب أخي الدكتور احمد زكي في مجلة الرسالة مقالا ممتعا في الإشعاع في (باب العلوم) تكلم فيه عن اشعاع الشمعة والنجوم والشمس والإشعاع اللاسلكي وموجات الضوء واختلافها، فأوحت مقالته إلي معاني في الإشعاع النفسي.
ان للنفوس والعقول إشعاعات لا تقل جمالا عن إشعاعات النجوم والكواكب، نشعر بها وقد لا نستطيع التعبير عنها، وهي أشد غموضا وتعقدا من الإشعاع الحسي، وهي مختلفة أكثر من الاختلافات بين أشعة الألوان من حمراء وبنفسجية وتحت الحمراء وفوق البنفسجية وما بين ذلك، وهي مختلفة في القوى أشد من اختلاف المصابيح الكهربائية، فلئن كانت قوة المصباح شمعة أو شمعتين أو ألفا أو ألفين فللنفوس قوى تختلف إلى ما لا نهاية له صغرا وضآلة، والى ما لا نهاية له عظمة وسناء
لعلك تشعر معي أنك ترى الرجل أو تحادثه أو تجالسه أو تسمع لمحاضرته فيشع عليك نوعا من الاشعاع يخالف الآخر قد تحسن التعبير عنه وقد لا تحسن، فهذا يشع عليك سرورا وأريحية واطمئنانا، وهذا يشع حزنا ووجدا ورقة وحنانا، وذاك يشع هيبة وجلالا ووقارا، وآخر يشع ضعة وذلة وهوانا، وقد تحس من رجل بنوع من الأشعة تدركه وتستطعمه، ولكنك لا تستطيع وصفه كما إذا أكلت كمثرى وتذوقتها وأردت أن تصف طعمها لمن لم يذقها.
في الناس من إذا جالسته أشع عليك نورا أضاء لك ما بين جوانبك فأدركت نفسك، وأشع نورا على العالم الذي حولك فتبينته وعرفت محاسنه ومساوئه، وأدركت مكانك منه، ورأيت كل شيء حولك صافيا لينا كأنك تنظر اليه من مصباح (المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار).
وفي الناس من يجالسك فتتلقى منه أشعة مظلمة تنقبض لها نفسك وتظلم جوانبها وتحس بميل إلى الفرار منها، وتتنفس الصعداء إذا بعدت عنها ونجوت من ظلامها وخرجت إلى النور.
стр. 1227
قديما قالوا: (ان وردة عمر أهيب من سيف الحجاج) ذلك لأن عصا عمر معها يد عمر ومعها نفس عمر، وهي تشع جلالا وعظمة وتخضع أمام أشعتها نفوس الجبابرة، ويحس كل من وقعت عليه هذه الأشعة أنها صادرة من مستودع قوي دونه المصباح الكهربائي، البالغ ما وصل اليه العلم من القوة، وأما سيف الحجاج فمعه نفس الحجاج، وهي تشع من غير شك قوة، ولكنها قوة على الجسم لا على الروح، قوة تخاف وتُرهب ولكن لا تُحترم ولا تحب، أشعة عمر كانت تطاع سرا وعلنا، وأشعة الحجاج تطاع علنا لا سرا، لذلك كفت عمر عصاه، ولم يغن الحجاج سيفه
هذا الاشعاع هو السر في أنك تلي عظيما فيملؤك أثرا ويملؤك قوة، بهيئته، بنبرات صوته، بطريقة تعبيره، بنظراته، بإشاراته، بهزة رأسه، بحركة يديه، فكان في كل عمل من هذه الأعمال يوصل بينك وبينه تيارا كهربائيا قويا يهزك هزا عنيفا. قد لا يحدثك طويلا، وقد لا يكون لكلامه في الواقع قيمة ذاتية، ولكنه يوقظ نفسك ويحيي روحك، وتبقي رنات كلماته في الأذن الأيام والليالي، تعمل عملها في هدوء حينا وعنف حينا، وأصدقك أني لقيت عظيما من هذا النوع يوما فخرجت من عنده مملوءا حماسة وقوة وحياة، حتى إذا بلغت إلى محطة الترام لأركبه إلى مسافة بعيدة عفت الركوب لأنه يبعث على السكون ونفسي ثائرة، والمشي في شدة القيظ ظهر أنسب لها وأكثر اتفاقا لما هي فيه من نشاط وقوة. إذا ذكرت الآن كلامه لم أجده ذا قيمة، وكثير من الناس يتكلمونه ويتكلمون خيرا منه وأسمى وأعمق، ولكن أحدا منهم ليس له هذا الاشعاع ولا قوته وعظمته. وحدثني من أثق به أن الأستاذ جمال الدين الأفغاني كان يرتطن عجمة، ولم يكن فصيح اللسان ولا سلس القول، ولكن تجلس معه فيشعلك نارا دونها فصاحة الفصيح وبلاغة البليغ، لانها النفس مستودع كهربائي قوي يصعق أحيانا، ويضيء أحيانا، ويدفع للحركة أحيانا
والرجل العظيم، أو الكاتب الكبير، أو المؤلف القدير، يخرج ما ينتجه كتلة من الأشعة من جنس نفسه. ألست تقرأ المقالة أو الكتاب فيشع عليك معاني مختلفة، منها الهادئ الرزين، ومنها القوي المتين، منها المضحك، ومنها المبكي. منها الذي يأخذ بيدك فيحلق بك في السماء، ومنها ما يدفعك إلى الحضيض، وآية هذا الاشعاع أنك تقرأ المقالة أو الكتاب فيبعث عندك من المعاني ما لا تدل عليه الألفاظ، من طريق الحقيقة ولا المجاز، بل ما بين
стр. 1228
السطور يشع كالسطور نفسها، أولست ترى مقالة الاشعاع في باب العلوم أَشَعَّتْ عليَّ معاني في باب الأدب؟
ليسم هذا علماء النفس تداعي المعاني، أو ليسموه إيعازا أو اقتراحاً أو ليسموه ما شاءوا، فليست الا إشعاعات نفسية من جنس الإشعاعات التي يشعها الأشخاص في كلامهم وحديثهم وحركاتهم فتلقف منها من المعاني ما يقرب وما يبعد. وفي الأماكن كذلك أشعة مختلفة، فشارع عماد اليدن يشع رغبة في اللهو وميلا إلى مسرات الحياة، والمساجد تشع ميلا للعبادة وتمجيدا لله، والبحر الجليل يشع عظمة وجلالا، ونجوم السماء تشع حسنا وجمالا، والبنك يشع حبا في المال، والجامعة تشع حباً في العلم، بل وكل بلد يشع نوعا من الأخلاق، وإلا فلم يذهب المصري إلى إنجلترا وقد اعتاد الفوضى في حياته ومواعيده وصحوة ونومه، فما هو الا أن يطأ أرضها حتى ينقلب خلقا آخر دقيقا في نظامه، دقيقا في معيشته؟ ويذهب المصري إلى ألمانيا فيكون في بيئة علمية فيشرب من مشربهم ويسير سيرتهم، فإذا عاد هذا وذاك إلى مصر عادا سيرتهما الاولى، ما هو الا الجو النفسي تلقى فيه أشعة نفسية مختلفة الاثر، مختلفة الألوان
ومن قوانين هذا الاشعاع النفسي أنه في كثير من الاحيان يعتمد على الفاعل والقابل معاً، واعتماده على القابل أبين فيه من الاشعاع الحسي، فاللون الأبيض أبيض عند كل الناس، والأحمر أحمر عند كل الناس، الا من أصيب بعمى اللون، وليس كذلك الاشعاع النفسي، فالخطيب يخطب وإشعاعه يختلف باختلاف السامعين، والكلمة قد تهدي ضالا وقد تضل هادياً، كما يقول المثل الإنجليزي (إن الليل الذي يغمض عين الدجاج يفتح عين الخفاش) وهذا هو السبب في أنك تستخف روح إنسان وغيرك يستثقله، وتعجب بقول متحدث ومن بجانبك يستسخفه، وتتفتح نفسك لكتاب وغيرك ينقبض منه، ما هذا الا لأن الاشعاع الواحد يختلف باختلاف من وقع عليه الشعاع، وإن هناك تفاعلا قوياً بين مصدر الاشعاع وقابله، ومن أجل هذا قد ترى لصا في مسجد وعابدا في حانة.
وموسى الذي رباه جبريل كافر … وموسى الذي رباه فرعون مرسل
والأرض يمطرها السحاب، فمنها جنان ناضرة، ومنها صحراء مجدية قاحلة، والنار تضيء للساري فيهتدي وللفراش فيحترق
стр. 1229
لقد أثبت العلم الاشعاع اللاسلكي وأصبحنا نسمع الآن من الراديو أصوات الموسيقى في أوربا، وسنسمعها من أمريكا، وسنسمعها من أنحاء العالم، ومعنى هذا أن في جو مصر تموجات من أوربا وأمريكا وأنحاء العالم، وإذا كان هذا في المادة فإشعاع النفوس أبعد مدى، وأنفذ شعاعا، وأسرع سيرا. وإذا كان في حجرتي أمواج هوائية من مناحي العالم يظهرها الراديو، فان في حجرتي ملايين واكثر من الملايين من إشعاعات نفسية تشع من السماء ومن الأرض ومن النفوس البشرية، ومما لا يعلمه الا الله. وما الفكرة تصدر عني، ولا الإلهام ألهم به فلست أعرف له مصدرا وليس يخضع لقوانين المنطق ولا نظريات الاستنتاج، ولا الظواهر النفسية تتعاقب علي فلا اعرف تعليلها من انقباض وانبساط، وسمو وانحطاط، وكدورة وصفاء، وظلمة وضياء الا أثر من هذا الاشعاع
ان وراء هذا العالم المادي عالما روحانيا نفسيا أسنى وأبهى، وإذا كان للأجسام والحواس جو يحيط بها قد امتلأ أشعة من نجوم وكواكب وشموع ومصابيح، فللنفس جو يحيط بها اشتبكت فيه أشعة نفسية لا عداد لها. وإذا كان للعين أفق يختلف باختلاف النظر قصرا وطولا، فللنفوس أفق يختلف كذلك، فبعضها ينفذ إلى ما وراء الحجب ويستمد منه ما يستخرج العجب، وبعضها قصير المدى قريب المتناول. ولئن كانت قوانين الاشعاع الحسي لما يستكشف منها الا قليل، فقوانين الاشعاع النفسي أشد تعقدا وأكثر التواء غموضا، والعاكفون على دراستها، والموفقون لاستكشاف بعضها أقل وأندر. خضع كل الناس للإشعاع المادي، وخضع كل الناس للإشعاع النفسي، ولكن آمن بالأول كل الناس، وما آمن بالثاني الا قليل.
هل تنبعث من عالم النفس شرارة قوية تضيء جوانب النفوس؟ وهل يبعث العالم النفسي موجة قوية تعم العالم وتهزه هزة عنيفة فينتبه من سباته، ويهب علماؤه لتنظيم الحياة الروحية كما نظموا الحياة المادية، ويتخصص علماء النفس لاستكشاف قوانين الاشعاع النفسي كما استكشف الماديون قوانين الاشعاع الحسي، ثم ينتفعون وينفعون الناس كما انتفعوا بقوانين الضوء وما اليه، وإذ ذاك يكون الناس أسعد حالا وأهدأ بالا وأكثر اطمئنانا؟ من يدري!!!
стр. 1230
صور من التاريخ الإسلامي
عمر بن عبد العزيز ٦٢ - ١٠١هـ
للأستاذ عبد الحميد العبادي
٣
لم يكن عمر بن عبد العزيز صاحب حق في الخلافة بمقتضى نظام الخلافة الأموية. ولكن ذيوع فضله وسموه الروحي على سائر بني أمية لفت اليه نظر أولي الحل والعقد من صلحاء الشام أمثال رجاء بن حيوة الكندي وابن شهاب الزهري ومكحول الشامي، فلما مرض سليمان بن عبد الملك بدابق مرضه الذي مات فيه ولم يكن له ولد بالغ يعهد اليه، لم يزل به رجاء بن حيوة وأصحابه حتى كتب عهده لعمر بن عبد العزيز، ثم من بعده ليزيد ابن عبد الملك. ثم أمر فأخذت البيعة من بني أمية لمن سمى في عهده دون أن يعينه لهم، فلما قبض سليمان وأعلن الأمر إلى بني أمية جددوا البيعة لعمر على كره منهم (٢٠ صفر سنة٩٩)
شرع عمر في تنفيذ برنامجه الإصلاحي منذ تم له الامر، ولقد كان له من زهده، ومناصرة العلماء له، ومؤاتاة أهل بيته: زوجه فاطمة، وابنه عبد الملك، وأخيه سهل، ومولاه مزاحم، أقوى عون على ما أراد. بدأ عمر بمنصب الخلافة ممثلا فيه فجرده من كل مظاهر الأبهة ورده إلى بساطته القديمة؛ ولا أدل على ذلك من كلام ابن عبد الحكم قال: (ولما دفن سليمان وقام عمر بن عبد العزيز قربت اليه المراكب؛ فقال ما هذه؟ فقالوا مراكب لم تركب قط يركبها الخليفة أول ما يلي. فتركها وخرج يلتمس بغلته؛ وقال يا مزاحم ضم هذه إلى بيت مال المسلمين. ونصبت له سرادقات وحجر لم يجلس فيها أحد قط كانت تضرب للخلفاء أول ما يلون، فقال ما هذه؟ فقالوا سرادقات وحجر لم يجلس فيها أحد قط يجلس فيها الخليفة أول ما يلي، قال يا مزاحم ضم هذه إلى أموال المسلمين، ثم ركب بغلته وانصرف إلى الفرش والوطاء الذي لم يجلس عليه أحد قط، يفرش للخلفاء أول ما يلون، فجعل يدفع ذلك برجله حتى يفضي إلى الحصير، ثم قال يا مزاحم ضم هذه لأموال المسلمين.
(وبات عيال سليمان يفرغون الأدهان والطيب من هذه القارورة إلى هذه القارورة، ويلبسون ما لم يلبس من الثياب حتى تتكسر. وكان الخليفة إذا مات فما لبس من الثياب أو
стр. 1231
مس من الطيب كان لولده، وما لم يمس من الثياب وما لم يمس من الطيب فهو للخليفة بعده. فلما أصبح عمر قال له أهل سليمان هذا لك وهذا لنا، قال: وما هذا، وما هذا؟. . . ما هذا لي ولا لسليمان ولا لكم ولكن يا مزاحم ضم هذا إلى بيت مال المسلمين. ففعل، فتآمر الوزراء فيما بينهم فقالوا: أما المراكب والسرادقات والحجر والشوار والوطار فيه رجاء بعد أن كان منه فيه ما قد علمتم، وبقيت خصلة وهي الجواري نعرضهن، فعسى أن يكون ما تريدون فيهن، فان كان وإلا فلا طمع لكم عنده. فأتى بالجواري فعرضن عليه كأمثال الدمى، فلما نظر إليهن جعل يسألهن واحدة واحدة من أنت؟ ولمن جئت؟ ومن بعثك؟ فتخبره الجارية بأصلها ولمن كانت وكيف أخذت فيأمر بردهن إلى أهلهن ويحملهن إلى بلادهن حتى فرغ منهن. فلما رأوا ذلك أيسوا منه وعلموا أنه سيحمل الناس على الحق)
ثم عمد إلى النظام الإقليمي فأصلحه بأن عزل العمال المتشبعين بروح الحجاج، عزل يزيد بن المهلب وحبسه في مال كان للدولة في ذمته، ونفى نفرا من بني عقيل أسرة الحجاج، وولى عمالا جددا لم يحفل في تخيرهم بعصبياتهم ولا بقدرتهم على جمع الأموال كما كانت الحال من قبل، ولكن بحسن سيرتهم وطهارة ذمتهم، فكان من عماله عدي بن أرطاة الفزاري والي البصرة، وعبد الحميد بن عبد الرحمن القرشي والي الكوفة، وعبد الرحمن بن نعيم القشيري أمير خراسان، وأبو بكر بن حزم أمير المدينة، والسمح بن مالك الخولاني أمير الأندلس. وقد شد أزر الولاة بقضاة عدول، فجعل الحسن البصري على قضاء البصرة، وعامرا الشعبي على قضاء الكوفة كما جعل أبا الزناد كاتبا لأمير الكوفة. ولم يكتف عمر بذلك في إصلاح الإدارة الإقليمية بل تقدم إلى العمال في أمر العقوبات ألا يأمروا بقطع أو صلب قبل مراجعته هو أولاً.
ثم ثنى عمر بالمسائل المالية فرد المظالم، والمراد بالمظالم الأموال التي استولى عليها بنو أمية بغير حق، وقد بدأ في ذلك بنفسه فخرج لبيت المال عن كل مال لم يرض سبب تملكه، حتى لم يبق له الا عقار يسير ببلاد العرب يغل عليه غلة يسيرة فوق عطائه الذي كان يبلغ مائتي دينار في العام، ثم أخذ يتتبع أموال بني أمية يرد منها ما ليس مشروع الملكية إلى مستحقه، وقد هاج ذلك سخط بني أمية عليه، وذهبوا ينعون عليه أخذه أموالهم باسم (المظالم)؛ فلم تلن لغامزهم قناته، وأراهم أنه لا يحجم عن بلوغ الغاية في التنكيل بهم
стр. 1232
إذا اقتضى الأمر ذلك. يروي ابن عبد الحكم (ان رجلا من أهل حمص أتاه يخاصم روح بن الوليد بن عبد الملك في حوانيت بحمص كان أبوه الوليد أقطعه إياها، فقال له عمر أردد عليهم حوانيتهم؛ قال له روح: هذا معي بسجل الوليد، قال وما يغني عنك سجل الوليد والحوانيت حوانيتهم، قد قامت لهم البينة عليها؟ خل لهم حوانيتهم. فقام روح والحمصي منصرفين، فتوعد روح الحمصي، فرجع الحمصي إلى عمر، فقال هو والله متوعدي يا أمير المؤمنين، فقال عمر لكعب بن حامد وهو على حرسه: أخرج إلى روح يا كعب، فان سلم اليه حوانيته فذلك، وان لم يفعل فأتني برأسه! فخرج بعض من سمع ذلك ممن يعنيه أمر روح بن الوليد فذكر له الذي أمر به عمر، فخلع فؤاده. وخرج اليه كعب وقد سل من السيف شبرا، فقال له: قم فخل له حوانيته! قال نعم! نعم! وخلي له حوانيته)
وسار عمر في إصلاح الشئون المالية على الأساس الشرعي، فالأموال ينبغي أن تجبى من وجوهها وتنفق في مصارفها الشرعية، فمن أسلم من أهل الذمة سقطت عنه الجزية، وقد اسقط الجزية فعلا عن كثير من موالي خراسان وأهل مصر، وقال مقالته المشهورة (إن الله بعث محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا) ونهى عن أن تصير الأرض الخراجية أرضا عشرية ابتداء من سنة ١٠٠ هـ مع عدم التعرض للحقوق التي اكتسبت من قبل، وألغى وظيفة مالية وظفها أخو الحجاج بن يوسف على اليمن فوق الزكاة، ونهى العمال عن اقتضاء أطلاق مالية لم يرد بها الشرع، وقد جمعها في كتابه إلى عامله على الكوفة فقال (ولا تحمل خرابا على عامر، ولا عامرا على خراب، أنظر إلى الخراب فخذ منه ما أطاق وأصلحه حتى يعمر، ولا يؤخذ من العامر الا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض، ولا تأخذن في الخراج. . . أجور الضرابين، ولا هدية النيروز والمهرجان، ولا ثمن الصحف، ولا أجور الفيوج، ولا أجور البيوت، ولا دراهم النكاح، ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض)
وقد وسع عدل عمر أهل الذمة من هذه الناحية كما وسع المسلمين، فانه لما شكا اليه أهل نجرانية الكوفة تناقص عددهم إلى العشر مع بقاء جزيتهم على حالها، أمر برد جزيتهم إلى العشر (البلاذري، ص ٦٧) كذلك رد جزية قبرس إلى ما كانت عليه وقت الفتح وألغى ما زاده عليها عبد الملك بن مروان (البلاذري ١٥٤) ويروي البلاذري أيضا (ص ٤٢٢) انه
стр. 1233
(وفد عليه قوم من أهل سمرقند فرفعوا اليه، أن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غدر، فكتب عمر إلى عامله يأمره أن ينصب لهم قاضيا ينظر فيما ذكروا، فان قضى بإخراج المسلمين أخرجوا، فنصب لهم جميع بن حاضر الناجي، فحكم بإخراج المسلمين على أن ينابذوهم على سواء. فكره أهل سمرقند الحرب وأقروا المسلمين) وأبلغ من ذلك في الدلالة على تحري عمر العدل المطلق ما رواه البلاذري (ص ١٢٤) قال (قال ضمرة عن علي بن أبي حملة، خاصمنا عجم أهل دمشق في كنيسة كان فلان قطعها لبني نصر بدمشق، فأخرجنا عمر منها وردها إلى النصارى) ويروي البلاذري أيضا (ص ١٢٥) أن الوليد بن عبد الملك قد أدخل كنيسة يوحنا في مسجد دمشق بغير رضا النصارى (فلما استخلف عمر بن عبد العزيز شكا النصارى اليه ما فعل الوليد بهم في كنيستهم، فكتب إلى عامله يأمره برد ما زاده في المسجد عليهم. فكره أهل دمشق ذلك وقالوا نهدم مسجدنا بعد أن أذنا فيه وصلينا ويرد بيعة، وفيهم يومئذ سليمان ابن حبيب المحاربي وغيره من الفقهاء، وأقبلوا على النصارى فسألوهم أن يعطوا جميع كنائس الغوطة التي أخذت عنوة وصارت في أيدي المسلمين، على أن يصفحوا عن كنيسة يوحنا ويمسكوا عن المطالبة بها، فرضوا بذلك وأعجبهم. فكتب به إلى عمر فسره وأمضاه) ذلك موقف عمر بن عبد العزيز من أهل الذمة. أما ما ينسب اليه في بعض كتب الفقه من تحامل عليهم، وانه كتب إلى عماله بعزلهم عن أعمال الدولة وأخذهم بألوان من الاضطهاد والتضييق عليهم (الخراج لأبي يوسف ٧٣) فغير مؤتلف مع المستيقن من سيرته على فرض صحته، وقد يكون نوعا من العقاب كان يعاقب به ذميو الحدود الإسلامية إذا هموا بمظاهرة العدو على المسلمين.
وكما كان عمر حريصا على جباية الأموال العامة من مصادرها الصحيحة. فقد كان كذلك حريصاً على أن تنفق في مصارفها الشرعية. فمن حيث الفيء، قد فرض لذرية المقاتلة وعيالهم عملاً بسنة عمر بن الخطاب التي ترك بنو أمية العمل بها، وكتب الى عامله في الكوفة (وانظر من أراد من الذرية الحج فعجل له مائة يحج بها). وفرض لعشرين ألفا من الموالي كانوا يغزون بخراسان بغير عطاء. وأظهر استعداده لان يحمل من بيت المال إلى خراسان أموالا إذا كان خراجها لا يفي بعطاء أهلها. ومن حيث أموال الزكاة، فكانت صدقات كل إقليم تقسم على عهده في فقراء أهله، وقد قسم في فقراء البصرة كل إنسان
стр. 1234
ثلاثة دراهم وأعطى الزمني خمسين خمسين، وفرض للفقيرات من عوانس النساء، وأعتق كثيرا من الرقاب. وقد كتب إلى أحد عماله (ان اعمل خانات في بلادك، فمن مر بك من المسلمين فاقروهم يوما وليلة، وتعهدوا دوابهم، فمن كانت به علة فأقروه يومين وليلتين. فان كان منقطعا به فقووه بما يصل به إلى بلده) وأمر عماله بقضاء الديون عن الغارمين فكتب اليه بعضهم (أنا نجد الرجل له المسكن والخادم وله الفرس والأثاث في بيته) فكتب عمر (لابد للرجل من المسلمين من مسكن يأوي اليه رأسه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، وأثاث في بيته، فهو غارم فاقضوا عنه) ولما رأى عمر أن ليس للشعراء حق في بيت المال جعل يجزهم من عطائه وماله الخاص على قلته، بالدراهم والدنانير المعدودة، وقد أدرك الشعراء سبب تحرجه هذا فكانوا يقبلون منه العطاء اليسير أو الرد أحيانا بغير عطاء، ولم يقصروا في مدحه وقدره.
على ان أهم ميزة تميز عمر بن عبد العزيز من غيره من خلفاء الإسلام ورؤساء الدول طراً فيما نعلم انما هي رغبته الصادقة في نشر لواء السلم، لا على بلاده وحدها ولكن على العالم بأسره. ولبيان ذلك نقول انه عمد في داخل الدولة الإسلامية إلى الأحزاب التي ناوأت الأمويين منذ قام ملكهم فترضاها وحملها على ما يريد من إيثار السلم والعافية. فالشيعة استجلب مودتهم بان منع سب علي بن أبي طالب على المنابر، وبأن رد على العلويين (فدكا) التي رآها حقا قديما لهم قد غصبوه. والخوارج قد كبح جماحهم من طريق المجادلة بالحسنى والإقناع بالحجة والبرهان. فعندما ظهر شوذب الخارجي بأرض فارس أمر عمر ألا يقاتلوا حتى يسفكوا دما أو يفسدوا في الأرض، وكتب في الوقت نفسه إلى شوذب يطلب اليه المناظرة في دعواه، فأنفذ اليه الخارجي اثنين من فقهاء الخوارج ليناظراه. وقد استطاع عمر أن يهدم كل حجة أورداها الا ما احتجا به من إقراره يزيد بن عبد الملك على ولاية العهد مع ما يعلم من قبح سيرته، وكان من وراء هذه المناظرة الطريفة أن انضم أحد الخارجيين إلى عمر، وأما الآخر فعاد إلى أصحابه وأنهى إليهم على ما يظهر من سيرة الخليفة ما حملهم على السكون طوال عهده. أما الموالي فقد قطع أسباب شكواهم، بأن أسقط الجزية كما رأينا عنهم، وبأن فرض لمقاتلتهم عطاء. وأما العصبية القبلية من يمنية ومضرية وربعية فقد هدأ من حدتها، بأن ردع الشعراء الذين كانوا يذكون نارها، وبأن
стр. 1235
اختار ولاته بالنظر إلى كفايتهم لا إلى قبائلهم.
أما من حيث العلاقات الخارجية، فقد سلك عمر بن عبد العزيز في الأمر مسلكا بدعا لم يسبق اليه ولم يلحق فيه. ذلك أنه أقفل جميع الجيوش الإسلامية التي كانت تغزو وراء الحدود، أقفل مسلمة ابن عبد الملك وكان مرابطا حول أسوار قسطنطينية وأعانه على القفول بأموال بعث بها اليه. وأقفل الغزاة بما وراء النهر على كره منهم كما أقفل من كانوا يغزون بالسند. على أن عمر لم يقف في هذا الأمر الخطير عند هذا الحد، بل اتبع العدول عن سياسة العنف بالدعوة السلمية إلى الإسلام. يروي البلاذري أنه لما أقفل الجيوش التي كانت تغزو بما وراء النهر كتب إلى ملوك تلك الجبهة من الترك يدعوهم إلى الإسلام فأسلم بعضهم. ولما انتقض ملوك السند كتب إليهم يدعوهم إلى الإسلام والطاعة على أن يملكهم ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، قال البلاذري (وقد كانت بلغتهم سيرته ومذهبه فأسلم جيشبة والملوك وتسموا بأسماء العرب) كذلك كانت سياسته بازاء بربر المغرب الذين أشجوا الجيوش العربية زهاء ثمانين عاما. يقول البلاذري (ثم لما كانت خلافة عمر بن عبد العزيز ولى المغرب إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم، فسار أحسن سيرة ودعا البربر إلى الإسلام، وكتب إليهم عمر كتبا يدعوهم بعد إلى ذلك، فقرأها إسماعيل عليهم في النواحي فغلب الإسلام على المغرب. ويذكر المؤرخ اليوناني تيوفان أن عمر كتب أيضا إلى الأمبراطور البيزنطي يدعوه إلى الإسلام.
وكأن عمر بن عبد العزيز قد اطلع بلحظ الغيب على نظمنا الحديثة التي تفرض على الدولة الأشراف على التعليم والعمل على نشره بين أبنائها. فقد أراد تعليم الناس كما يؤخذ من قوله في رواية ابن عبد الحكم (ان للإسلام حدودا وشرائع وسننا. . . . . فان أعش أعلمكموها وأحملكم عليها) بل لقد أخذ في ذلك بالفعل فبعث يزيد بن أبي مالك الدمشقي والحارث بن محمد الأشعري إلى البادية ليفقها الناس وأجرى عليهما رزقا. ثم هو أول خليفة أمر بجمع أحاديث رسول الله وتدوينها. نقل السيوطي (ان عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر محمد بن خزم أن انظر ما كان من حديث رسول الله (أو سننه فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء. وأخرج أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن عمر بن عبد العزيز انه كتب إلى الآفاق ان أنظروا إلى حديث رسول الله (فاجمعوا) قال في فتح الباري
стр. 1236
يستفاد من هذا ابتداء تدوين الحديث النبوي
وبعد، فماذا كان اثر تلك الجهود كلها؟ لقد أدت إلى الغاية التي كان يرمي أليها عمر. فقد طاف بالأمة الإسلامية اذ ذاك طائف الزهد والورع والتدين اقتداء بخليفتها، والناس على دين ملوكهم كما قالوا قديما. يروي الطبري (وكان الوليد صاحب بناء واتخاذ مصانع وضياع، وكان الناس يلتقون في زمانه، فإنما يسأل بعضهم بعضا عن البناء والمصانه، فولي سليمان فكان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يسأل بعضهم بعضا عن التزويج والجواري، فلما ولي عمر بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل، ما وردك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتى تختم؟ وما تصوم من الشهر؟ وأصبح الناس وقد شملتهم نعمتا الرضا واليسر. قال (كثير) يخاطب عمر ويمدحه:
تكلمت بالحق المبين وانما … تبين آيات الهدى بالتكلم
وصدقت موعود الذي قلت بالذي … فعلت فأمسى راضيا كل مسلم
وروى ابن عبد الحكم قال (قال يحيى بن سعيد: بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات أفريقية فاقتضيتها وطلبت فقراء نعطيها فلم نجد بها فقيرا، ولم نجد من يأخذها مني، قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريت بها رقابا فأعتقتهم وولاؤهم للمسلمين)
نعم، لقد أغنى عمر الناس جميعا إلا نفسه وأهله. فلم ير ولي قوم أعف عن مالهم منه، ولم ير أهل بيت أصبر على الطعام الخشن والثوب المرقوع والبيت المتهدم منه ومن أهل بيته. ولقد أراح عمر الناس ولكنه أتعب نفسه، فكان حركة دائمة يعمل ليل نهار حتى ذهبت نضرته واحترق جسمه. وزاده هما فقدانه في آجال متقاربة من عهده القصير أحبابه وأعوانه: ابنه عبد الملك، وأخاه سهلا، ومولاه مزاحما، فلم يقو جسمه على احتمال العمل والألم، فاسلم الروح بخناصرة في ٢٥ رجب سنة ١٠١ ولما يعد التاسعة والثلاثين من عمره. وقد دفن بدير سمعان قريبا من دمشق.
لا ندري ماذا كان عمر صانعا لو مد له في حياته؟ أغلب الظن انه كان يتلافى موضع الضعف من إصلاحه فيقيم هذا الإصلاح على أساس ثابت لا يتزعزع بمجرد موته. ومهما يكن من شيء فقد فاز عمر بن عبد العزيز بتقدير أنصاره وخصومه على السواء. فهو عند أهل السنة مجدد المائة الأولى وآخر الخلفاء الراشدين، وقد رضى عنه العلويون وأهدى
стр. 1237
إلى روحه في أواخر القرن الرابع شاعرهم الشريف الرضي أبياتا من الشعر حارة جميلة، بل ان العباسيين عندما قامت دولتهم احترموا قبره فلم ينبشوه كما نبشوا قبور غيره من بني أمية، على أن أبلغ من وصفه وابنه رجل كان يحكم الظروف السياسية خصمه العنيد بل عدوه اللدود، ذلك ملك الروم أليون الثالث. أخرج ابن الجوزي عن محمد بن معبد قال (أرسل عمر بن عبد العزيز بأساري من أساري الروم ففادى بهم أساري من المسلمين. قال فدخلت على ملك الروم يوما فإذا هو جالس على الأرض مكتئبا حزينا. فقلت ما شأن الملك؟ فقال أو ما تدري ما حدث؟ قلت ما حدث؟ قال مات الرجل الصالح! قلت من؟ قال عمر بن عبد العزيز، ثم قال ملك الروم: لأحسب انه لو كان أحد يحيى الموتى بعد عيسى بن مريم لأحياهم عمر بن عبد العزيز. ثم قال إني لست أعجب من الراهب أن أغلق بابه ورفض الدنيا وترهب وتعبد، ولكني أعجب ممن كانت الدنيا تحت قدميه فرفضها وترهب)
أما نحن فنلحظ فيه خير نزعاته واشرف عواطفه: نلحظ فيه حبه للسلام وسعيه في توفيره في العالم، فهو بحق داعية السلام في القرن الأول الهجري والثامن الميلادي، وكفى بذلك مفخرة في الدنيا، وقربة في الآخرة.
стр. 1238
أوراق مالية في القرن السابع الهجري
للدكتور عبد الوهاب عزام
كيخاتو بن أبا قا خان بن هلاكو خامس ملوك المغول المسمين ايلخانية كان كما يقول مؤلف (حبيب السيرَ) أسخى بني هلاكو: كان يفيض جودا في موائده، ولا يقف به حد في الإسراف واللهو.
وقد اختار لوزاراته صدر الدين الزنجاني المعروف بصدرجهان. ولم يكن الوزير مخالفا مولاه في التبذير. فخلت الخزائن واشتدت الحاجة إلى المال، وضاق بالملك الأمر، فبدا للوزير أن يأخذ عن أهل الصين سُنَّة كانت معروفة عندهم في ذلك العصر: هي التعامل بأوراق تغني غناء الحجرين الكريمين أو المعدنين النفيسين: الذهب والفضة. وليس الفرق بين الورَق والورِق ذا خطر.
أمر الوزير بطبع أوراق للتعامل سميت (جاو) وأنشأ في كل ناحية دارا لطبع الأوراق سميت (جاو خانة) وشرع قانونا يحتم على الناس الإقلال من تداول الذهب والفضة جهد الطاقة
وكانت الأوراق كما وصفها رشيد الدين الشيرازي في تاريخه المعروف بتاريخ (وصّاف) والمؤرخون المعاصرون على هذا الشكل:
ورقة مستطيلة عليها كلمات صينية، وفوقها باللغة العربية كلمة الإسلام: (لا إله الا الله محمد رسول الله) اتباعا للمألوف في المسكوكات الإسلامية. وتحت هذا اسم الكاتب ودائرة كتب فيها قيمة الورقة. وكانت القيمة تختلف من نصف درهم إلى عشرة دنانير. ومما كتب على هذه الأوراق هذه الكلمات الهائلة: (أصدر ملك العالم هذه الجاو المباركة سنة ٦٩٣هـ، فمن غيرها أو محاها يقتل هو وزوجه وأولاده ويصادر ماله)
وأرسلت إلى المدن منشورات تبين فوائد التعامل بهذه الأوراق، وتبشر الناس أن الفقر والبؤس سيزولان لا محالة ان دام التعامل بها. ومما جاء في هذه المنشورات هذا البيت:
جاو أكردر جهان روان كردد … رونق ملك جاودان كردد
وترجمته: (إذا راجت في العالم الجاو دام رونق الملك أبدا)
ومما جاء في قانون هذه الأوراق أن الورقة التي تمزق أو تبلى ترد إلى الجاوخانه ويعطى
стр. 1239
صاحبها ورقة أخرى تنقص عنها عشر القيمة.
ثار الناس على هذه الأوراق، فيروى أنه جُعل موعد تداولها في مدينة تبريز شهر ذي القعدة ٦٩٣هـ، فلما جاء الموعد أقفلت الحوانيت ثلاثة أيام ووقفت الأعمال وأبى الناس أن يقبلوا الجاو المباركة.
وكان أعظم رجال الدولة نصيبا من سخط الناس وبغضهم عز الدين المظفر الذي وكل إليه إخراج الأوراق والقيام عليها. ومما قيل فيه:
تو عز ديني وظل جهاني … جهانر اهستئ تو نيست درخور
أزان كبر ومسلمان ويهودي … بس أز توحيد حق واللهه أكبر
همى خوانندأز روى تضرع … بنزد حضرت داراي داور
خدايا بر مراد خويش هركَز … مبادا درجهان يكدم مظفر
وترجمتها:
(أنت عز الدين وظل العالم،=ولكن بقاءك شر على العالم، ومن أجل ذلك ترى المسلمين واليهود والمجوس بعد توحيد الله وتكبيره يتضرعون إلى الحكم العدل: ربنا لا تجعله ساعة واحدة مظفرا بمراده)
انتشرت الثورة في مدن كثيرة حتى ذهب كبراء المغول إلى السلطان كيخانو فكلموه في أمر هذه الأوراق البغيضة حتى رضى بإلغائها.
رسائل حزينة
стр. 1240
القلب المحطم
رسالة إلى صديق
بغير هذا اللون من الصور الشاحبة الحزينة، كنت أود أن أصور لك عواطفي ومشاعري، وبغير هذه السطور التي تترقرق في خلالها دموع البث والشكوى، كنت أحب أن يجري بالكتابة إليك قلبي. ولكني لا أريد أن أخدعك في شأن من شئون نفسي. وما أحسبك تريدني علي أن أصنع لك كلاما عن راحة القلب وهدوء الضمير في الوقت الذي تعصف بي الأحداث فيه عصفا يزلزل كيان النفس، ويزعزع أشد الأفئدة احتراماً لقوانين الأرض، وإيماناً بعدالة السماء، لقد شغلت في مطالع الشباب وبواكر الصبى بما يشبه أن يكون استجابة حارة لرغبات القلب ونوازع الهوى، وألهتني متعة اليوم عن التفكير فيما عسى أن يطلع به الغد، وقنعت بتلك النشوة التي يملأ بها الحب شعاب القلب في عالم تتألق حواشيه بالبسمات والأحلام. وكنت لغفلتي أحسب الحياة ستظل على هذا النحو رخية لينة، وأن الحب ما دام يعمرها ويخلع عليها من مفاتنه سلاما وابتساما ونورا، فثمة ملقى العصا، وغاية الأمل، ونهاية المطاف. فلو أنني أحطت هذه الحياة الأثيرة لديَّ بسياج يكفل لها على الأيام بقاءً واطرادا لما تعثرت في أذيال هذه الخيبة الأليمة. ولما صرت إلى ما أعانيه اليوم من تعس وشقاء.
أيها القلب! لقد سعدت بالحب حلما ذهبياً سلسل في نواحيك الأمل، وأشاع في جوانبك الرجاء، ولكنك شقيت به يقظة رهيبة تكشفت لك في ضوئها عناصر الجريمة من خيانة وغدر وعبث اليم بقداسة العهد والوفاء. فهل تراك يا قلب معتبرا بما أسلفك الحب من تجاربه القاسية الأليمة، فتظل بنجوة عن الوقوع في شرك البسمات المغريات، والنظرات القاتلات، ترسلها العيون الذابلة المريضة؟ أتراك معتبراً بعد أن عرفت أن الحب إنما يصور لك الحياة روضة مسحورة تشدو بلابلها، وتَطرد جداولها، وتتأرج بالعطر الجميل أزاهرها؟ ثم. . ثم تجف الروضة وتغيض الجداول وتصمت الأطيار، وتتحطم الأماني، وتتبدد الأحلام. وإذا الدنيا مناحة قائمة. وإذا الحب الذي سعدت به تلك اللحظات الخاطفة يستحيل إلى حسرة الماضي، وفجيعة الحاضر، ولعنة المستقبل. وإذا تلك الأناشيد الداوية تحور إلى أنين خافت، وآلام دفينة خرساء. وإذن ففيم هذا التهالك العجيب على تلك الشجرة
стр. 1241
الملعونة وقد بلوت المر من ثمرها؟ وفيم تلك الخفقات السريعة المتلاحقة كلما رنت إليك غانية بنظرة. أو توامضت لك على شفتيها ابتسامة؟ وهذا الجسم الذي أذبلت زهرته، وأيبست عوده، وعطلت نشاطه، وصرفته عن مثله العليا، وفجعته في أقدس ما كان يرجيه من أمل ويحرص عليه من سعادة، ألا تأخذك فيه عاطفة من الإشفاق والرحمة، فتدعه يفرغ لما تتطلبه الحياة من جهاد طويل الشقة، وعر المسالك، فادح الأعباء. أيها القلب! انك أن تظل سادرا في غوايتك، فإني لأخشى أن أناجيك غداً بقول الشاعر:
أقول لقلبي كلما ضامه الأسى … إذا ما أبيت العز فاصبر على الذل
برأيك لا رأيي تعرضت للهوى … وقولك لا قولي، وفعلك لا فعلي
فان تك مقتولا على غير بغية … فأنت الذي عرضت نفسك للقتل
عبد الوهاب حسن. قسم النشر. وزارة المالية
стр. 1242
منهن ومنهن
للأستاذ عبد القادر المغربي. وكيل المجمع العلمي العربي بدمشق
وإن من النسوان من هي روضة … تهيج الرياضُ دونها وتصوَّح
ومنهن غُلٌّ مقفل لا يفكه … من الناس إلا الأحوذي الصَّلنقَحُ
يقول حكيم العرب: إن النساء مختلفات في طباعهن وأمزجتهن وغرائز نفوسهن: فمنهن امرأة حسنة السجايا طيبة الأخلاق، تشبه الروضة فيما اشتملت عليه من خضرة وزهر، وطيب ماء، ورقة هواء. بل أن الرياض الحقيقية ذات الخضرة والنضرة، قد (تهيج) أي يصفر نباتها و (تَتَصوَّح) أي تيبس أو تذبل أوراقها. أما تلك المرأة فهي روضة لا تهيج ولا تتصوَّح، وإنما تبقى ناضرة الخضرة، طيبة الشذا طول حياتها.
هذه واحدة من النساء يا سعادة مجتمعها بها.
ومنهن واحدة أخرى وصفها الشاعر في البيت الثاني بأنها كالغُلّ. وهو القيد المقفل أي المشدود على عنق الرجل أو يديه، يمنعه الحركة ولا يقدر على فكه إلا (الأحوذيُّ الصَّلَنقَحُ)
(الأحوذي) الحاذق في السَّوق، الذي يعرف كيف يسوق الدابة ويحملها على السرعة في السير. فبينا ترى غيره يقطع بها مسافة عشرة أيام تراه هو يقطع بها ثلاثة أيام. وذلك لأنه (صَلَنقح) أي صيَّاح شديد الصوت. (وصلنقح) كلمة غريبة وثقيلة على السمع، غير أنها قد تروج لدى القارئ المنصف مذ يرى المقام يقتضيها، والسياق يواتيها، والقافية تناديها.
ووصف امرأة السوء بالغل معهود عند العرب، ومنه قولهم: (هي غل قمل. وجرح لا يندمل) ومعنى (قَمل) أن الغُلَّ أحيانا يكون من جلد غير مدبوغ ويكون على الأسير الذي يدوم أسره ويطول عهده بالاغتسال فيتسخ بدنه ويعشش القمل في غله ويأخذ يرعى في تجاليده فيؤذيه ويمنعه طيب المنام وهكذا حال امرأة السوء في البيت الذي تعيش فيه.
قد يعترض معترض على البيت الثاني بأن فيه إحالة، ومعنى (الإحالة) في اصطلاح علماء النقد الأدبي أن يكون الكلام معدولا به عن وجه الصواب
وهنا قد شبه الشاعر امرأة السوء بالغل الموثق المحكم الشد. ثم قال انه لا يفك هذا الغل إلا سائق صيّاح شديد الصوت
стр. 1243
ولكن هل من عادة القيود المحكمة الشد أن تفك وتحل عقدها بكثرة الصياح والجلبة؟
ربما كان في هذا الاعتراض شيء من الحق. فماذا كان يجب أن يقال إذن؟
كان ينبغي أن يقال في البيت الثاني هكذا:
ومنهن مُهر شامسُ لا يروضه … من الناس إلا الأحوذي الصلنقح
فيكون المعنى أن من النساء من تكون كالمهر الشامس (أي الشموس) الذي يكثر شروده ولا يقدر على ترويضه وتليين شكيمته إلا الرجل الذي يعرف كيف يسوسه ويؤدبه بالانتهار ورفع الصوت والصخب عليه.
فتقول: ولكن كلمة (شامس) غير مأنوسة الاستعمال والمعروف (شموس) فماذا يمكن أن يحل محلها من كلمات اللغة؟
أقول يمكن أن يقال في البيت هكذا:
(ومنهن مهر كوسَجٌ لا يروضه. . . الخ).
و (الكوسج) من الخيل: الفرس الذي تريده على السير فلا يسير حتى تضربه.
فيقول القارئ معنى (الكوسج) حسن. ولكن لفظة اشتهر في معنى خفة شعر اللحية فلا أرى استعماله هنا. هات كلمة سواها يا أستاذ
فأقول هاكها:
ومنهن مهر خارط لا يروضه. . . الخ.
و (الخارط) الفرس الذي يجذب رسنه من يد ممسكة ثم يفلت شاردا لا يلوي على شيء.
ومثل (الخارط) الخَرُوط.
ولذلك تسمى المرأة الفاجرة التي جذبت رسنها من يد أسرتها (خروط)
يقول القارئ: وكلمة (خارط) أيضا قبيحة اللفظ وكفى (بالخرط) قبحا.
على أن استقباح القارئ لكلمة (خارط) في غير محله. وليس معه حق فيه: إذ كيف يستثقل كلمة (خارط) وهذه كلمة (خارطة) بمعنى الأطلس الجغرافي يتلفظ بها كثيرا. ويسمعها من صبيانه وبناته وهم يدرسون في بيته، ومن سائر التلامذة وأساتذتهم يقولونها عشرات من المرات في اليوم. كل هذا لا تستثقل معه أيها القارئ الكريم كلمة (خارطة) وتقوم الآن فتستثقل كلمة (خارط) وتتشاءم بها!!
стр. 1244
ومع هذا فدونك كلمة رابعة وهي:
(ومنه مهرٌ ضاغنٌ لا يروضها الخ.)
ومعنى (الضاغن) الفرس الذي لا يعطي كل ما عنده من الجري حتى يضرب، أو هو الفرس الذي إذا مشى كان كأنه يرجع القهقرى. ويمشي إلى الوراء.
وقبل أن يبادرني القارئ بالتأفف من كلمة (ضاغن) أذكره بالأسرة اللغوية التي تنتمي إليها كلمة (ضاغن)، ولو لفظا،:
فان تلك الأسرة وجميع سلالتها مقيمة بيننا محببة إلينا. شائعة على ألستنا:
فالضغن أم الأسرة ومن نسلها (الأضغان) و (الضغينة) و (الضغائن) و (تضاغن) القوم و (اضطغن) فلان على فلان
فهل بعد هذا يصح للقارئ أن يتجهم لكلمة (ضاغن) ويدعي غرابتها. ويطلب أن يستبدل بها سواها؟
دمشق
стр. 1245
في الأدب المصري القديم
النيل والحضارة المصرية (ملخص فصل من كتاب)
للأستاذ (آ. موريه)
كان المصريون أصحاب ألسنة لا تعرف الملل في النطق، على أن ما جاءنا من آثارهم الأدبية هو ثروة قليلة بالنسبة إلى ثمار شعب يحكي عنه منذ أربعة آلاف عام، وفي هذه الأعمار التاريخية قامت مآثر أدبية تختلف صفاتها الاجتماعية والطبيعية. والأدب كما هو في مصر وغير مصر، مرآة تتمثل فيها الحياة الاجتماعية.
نشأت المآثر الأولى في (الدولة القديمة) مصحوبة بأدب ديني صرف مقيد بتعاليم الكهنة، وهذا الأدب هو النصوص الجليلة والآثار المعروفة (بموضوعات الأهرام) والتي تحفظ كثيرا من التاريخ القديم، والديانة القديمة، والحركة العقلية، والجزء الثاني منها هو عبارة عن نصوص منقوشة على حجارة، وحكم هذا الأدب حكم الزخرفة وبقية الفنون، لم يكن المراد منه الا تزيين الهياكل والقبور، ومن الواجب أن يكون خاضعا حتى في مظهره الخارجي لهيئة العمارة، وفي قبور (ممفيس) فصول شعبية لا يتلاءم أسلوبها الحر مع الطقوس والتقاليد، وهذه الفصول الخرافية تطلعنا على اللهجة العامية؛ بل تكاد توحي لنا عن نفسية الشعب. . . .
هذه أغنية قديمة للراعي الذي يسوق قطيعه بين أتلاع الأرض ناثرا بذوره
(الراعي هو في الماء مع الأسماك يتناجى مع (صنف من السمك) ويتبادل التحيات مع (صنف من السمك) يا مغرب من أين جاء الراعي؟ انه من بلاد المغرب)
وهنالك مقطوعة مرفوعة لأوزيريس الملقى في النهر. وقد هشمته الأسماك، وأجزاؤه المتناثرة على الأرض قد أخصبت تلاع الأرض. والذين يحملون، على أكتافهم، الأسياد الضخام؛ يخففون من أتعابهم بأنشادهم.
(إن حاملي الهودج هم في سرور
ولأن يكون الهودج ملآن خير من أن يكون فارغاً)
وعصر ثان تفتح في عهد الثورة الاجتماعية بين المملكة القديمة والمملكة الوسطى. فازدهرت الفصاحة فيه أيما ازدهار، وترك الأدب الديني محلا للأدب الاجتماعي، فانقضى
стр. 1246
عصر الأدب الحجري وأصبح يدون منه شيء على ورق البردي، وبهذا خفف الفكر عنه بانعتاقه من السجن الحجري. فأصبح كل شيء يدعو إلى الملاحظة، ويغري بالتأمل، وأصبحت العقول المثقفة تشعر بالضيق وتحس بالشك واليأس، والشعب تدفعه عوامل الرغبة إلى المعرفة واللذة، نشوان بنجاح جرأته، وكما يكون الأمر في كل ثورة، تصطدم الحركة العقلية بالقوة الجارفة، فلا يكاد يجد العقل متسعا ولا فراغا للإنتاج، على أنه برغم ذلك قام بعض متأملين معتزلين وألقوا بذورا مثمرة في هذا المجتمع يوم ثورته. وفي عهد ملوك (هيراكليوبوليس) دوَّن المصريون (تعاليم للملك مريكارا) وهجاء الضائع، وأنين الفلاح. وكلها مرايا تنعكس فيها الحالة السياسية التي شرحناها من قبل. وفي العهد نفسه نشأت موضوعات مختلفة (أيام الفوضى) وضعها أصحابها على لسان حكيم هرم أو كاهن، وشكاوي طرحها (مبغض للبشرية) بينه وبين نفسه، وفي كل هذا نرى الشعور الديني قد ضعف شأنه، وهنالك حيث تحطم النظام الاجتماعي الاول نرى التعاليم الاعتقادية قد تقوضت ووهن تأثيرها في النفوس.
في الأسرة الثانية عشرة على أثر الانعتاق من الروابط السحرية التي تلت عصر الثورة، حل شيء من الثقة في النظام، وأصبح المجتمع تسيطر عليه شرائع عادلة، والأدب الجديد الديني المنقوش على الصفائح والتوابيت، وعلى ورق البردي كان يعمل على إنماء الخواطر التي تدفع بالإنسان الفاضل إلى التلذذ بالنعيم الإلهي في العالم الثاني. وفي هذا العصر ازدهرت مدرسة أدبية عنيت بتهذيب اللغة وتنقيح الأسلوب، ونحن مدينون لأصحابه بقصص لطيفة منها (سيروت) و (الغريق) وهذه قصة حادثية تحوي أهواء مسافر طرحته المقادير في صحراء، أو ساقته إلى بحار مجهولة. وهنالك مشروع ساعد على تهذيب موظفي الحكومة وتثقيفهم، فنشأ من كل ذلك موضوعات وصفية وعاطفية وقصصية تؤلف أدب ذلك العصر كله، بل الأدب (الكلاسيكي) لمصر القديمة
والأدب، في الدولة الحديثة، فاض معينه، وتوثبت أمواجه إلى شواطئ حرة، وأساليب غير مقيدة. والدولة الحديثة قد حطمت قيودها وفتحت لنفسها ينابيع جديدة (للتحسس) حتى أصبحت الفنون في عهد (العماونه) عالمية.
والأدب الحديث حطم قيود المدرسة الأدبية واستطاع أن يدخل على لغته المختارة بساطة
стр. 1247
اللغة العامية. ولم يكن من طريق الاتفاق ما رأيناه في كتابات (ايكوناتون) لأول مرة من التطورات الصرفية والنحوية التي طغت على الأسلوب الخاص ولهجة الشعب بما فيها، وأدخلت (أداة التعريف وأفعال المساعدة، والبناء الصرفي (أو الاشتقاق). والقصص الصغيرة التي كتبت للأطفال خير مثال لنا، والأدب الديني نفسه قد تطور وتشذب ليدنو من أدب الشعب وروحه: وأغاني (آمون) الذائعة الصيت تبث بسلامة قلب محبة الخلائق المتواضعة.
بعض نصائح أخلاقية من تعاليم (آتي):
يقول: (ضاعف الخبز الذي تحمله لأمك، واحمله لها كما حملته لك، عندما ولدت وبعد ولادتك بشهور، حملتك على حضنها، وثلاثة أعوام ظل ثديها يدر في فمك، فلم يأخذها سأم منك ولم تقل لنفسها يوما: لماذا أصنع هكذا؟ قادتك إلى الكتاب وبينما أنت تتعلم الكتابة كانت تنقل لك من بيتها خبزا ونبيذا. وغدا إذا صرت كبيرا وصار لك امرأة، ووجب عليك تدبير منزلك فأرجع بصرك إلى العصر الذي كنت فيه طفلا على حضن أمك يوم لم تصخب عليك ولم تبسط يدها لله الذي لم يسمع لها أنينا. . .)
ثم يذكر الأخلاقي علاقة الرجل مع المرأة فيقول:
(احترس من المرأة الأجنبية المجهولة في مدينتها، هي كالماء الواسع العميق لا يدري ما تحت أعماقه
واحذر المرأة التي يغيب بعلها، وتتصدى لك كل يوم قائلة لك (إنني جميلة) ليس هنالك من شهود، ولكن الخطيئة عظيمة جدير صاحبها بالموت إذا فشت!)
خليل هنداوي
-
стр. 1248
على ذكر الشعر المرسل
الشكل والموضوع حول قصيدة الآنسة سهير القلماوي
في الأدب كما في القانون شكل وموضوع، وكما يرفض القاضي الطعن في حكم ما شكلا ويقبله موضوعا، فقد يرفض القاريء قصيدة ما شكلا وان قبلها موضوعا، والشكل في الأدب لا يقل في خطره عن الموضوع، فكم من قطعة أدبية أفسد أسلوبها موضوعها، وكم من قصيدة ذهب قبح نظمها بجمال معناها، وكم من قصيدة رقيقة اللفظ جميلة الأداء، في كلماتها عذوبة وفي نظمها اتساق، غير أن المعنى الجليل فارق فيها اللفظ الجميل، والخيال السامي بعد فيها عن الأداء الحسن، وهي مع ذلك خالدة على الدهر سائرة كالمثل.
وقد قرأنا للآنسة الأديبة سهير القلماوي في عدد الرسالة الماضي قصيدة نظمتها، فراعت فيها كما قالت خاصتين من خواص الشعر العربي وهما الوزن وتمام المعنى في البيت الواحد، وأهملت الخاصة الثالثة وهي القافية، فعنيت بالموضوع وأهملت الشكل، وكان الأجدر بها وقد أرادت أن تتبع سنة التجديد في الشعر العربي ألا تجيء إلى ركن من أهم الأركان الفنية فيه فتمحوه وتهمله وتقرب الشعر بذلك إلى النثر، فلست أرى الشعر المرسل إلا نثرا موزونا نخشى أن تمتد إليه يد التجديد فتنتزع منه الوزن أيضا. ولو قد أنصفت لأهملت تمام المعنى في البيت الواحد وراعت القافية فهي التي تعد بحق وباطراد من خواص الشعر العربي البارزة التي تميزه من كل شعر سواه، والتي أكسبته روعة خاصة، وأشركت الحس مع العقل فيه، وهيأت له السمع والإدراك، وجمعت للقارئ بين لذة التوقيع ولذة الفكر والفهم، وربما قيل أن التوقيع إنما جاء من الوزن لا من القافية، ولكن اصطدام القارئ بحروف متغايرة في أواخر الأبيات يشعره بفقدان الوزن في ثناياها.
أما تمام المعنى في البيت الواحد فلم يكن من خصائص الشعر العربي، وإنما كان من خصائص الشعراء العرب، فليس يدخل إذن في أصول الفن الشعري التي لابد للشعر منها كالوزن القافية، فقد كان العرب أميل إلى الإيجاز والإلمام بالمعنى في غير توسع ولا إطناب، ومن هنا كان حرصهم على إتمام المعنى في البيت الواحد كبيرا، حتى جرى الكثير من أبياتهم مجرى الأمثال لاحتوائه على المعنى الجليل في اللفظ القليل، ومن هنا جاز لنا وقد تغير العصر وبعد الزمان وتغيرت الأذواق إلا نتبع سنة القوم في ضرورة إتمام المعنى
стр. 1249
في البيت الواحد، على أن الشعر العربي لم يخل من قصائد لا يمكننا أن نقف فيها على كل بيت لعدم تمام المعنى فيه، ولكنه خلا تماما من قصيدة لم تنته بحرف واحد.
وقد يقال أيضا أن الشعر إذا أطلق من قيده وأعفى الشعراء من التزام القافية فيه أصبح الأمر مألوفا تقبله الأذواق وتعتاده الأسماع، ولكننا إذا عدنا إلى قراءة الشعر العربي القديم وما نظمه المحدثون من شعر مقفى، وهذا كله كثير ثمين فسنشعر بالفرق بين الشعرين وسنعود إلى القافية نستحسن مراعاتها والتزامها، ولا أحسب أحدا يدعونا إلى ترك الشعر القديم وإهماله لنفسح المجال للشعر المرسل في غير حاجة ملحة ولا ضرورة ملجئة، وإذن فالتجديد في الشعر بإرساله دعوة لا تقوم على أساس من الفن يصلح لأن يطغى على القافية فيمحوها من الشعر العربي
وتشعر الآنسة ان المعنى إذا تم في البيت الواحد لم نحس بإهمال القافية، وهذا صحيح إذا كان الشعر معنى فقط لا دخل للحس فيه، ألا ترى الآنسة أن بعض أبيات قصيدتها وقد راعت فيه القافية كان ألذ للسمع من البعض الآخر الذي أهملتها فيه. هذا قولها:
قد أوهنت عظامه السنين … وغضنت جبينه العصور
وقسوة المسعى وراء العيش … قد أفقدته جزءه الإنساني
ألا ترى أن إهمال القافية في البيت الثاني قد جعله نابيا غريبا على السمع، فقبله الإدراك لحسن معناه، ورفضه السمع لاختلافه مع سابقه في مبناه؟ وهذا قولها:
يا سادة العبيد والأراضي … كيف لقاء الرب يوم الدين؟
يوم مثوله أمام الله … بعد سكون الساع والسنين
ألا ترى أن مراعاة القافية فيه قد كسبه جمالا وتهيأت له الإسماع والافهام؟ أؤكد للآنسة أن إهمال القافية لا يغني عنه تمام المعنى في البيت الواحد، وان شعور الكاتب نفسه لا يكفي دائما للحكم على آثاره الأدبية.
محمد قدري لطفي. ليسانسييه في الآداب
стр. 1250
فلسفة سبينوزا
للأستاذ زكي نجيب محمود
شرحنا في المقال السابق فلسفة سبينوزا الميتافيزيقية التي تتلخص في أن في الكون حقيقة واحدة خالدة، هي عبارة عن قانون عام شامل لا ينقص ولا يزيد. هذه الحقيقة الخالدة، أو هذا القانون الشامل، لا يمكن أن يعبر عن نفسه ويفصح عن حقيقته إلا بواسطة الأجسام المادية، فاتخذ من تلك المادة التي تملأ جوانب الكون، قوالب وأشكالا لكي يبرز عن طريقها إلى عالم الواقع المحسوس، وهذه الصور والأشكال المادية التي تتخذ وسيلة للتعبير عن ذلك القانون الخالد، لا تظل على هيئة خاصة معينة، فهي متغيرة متبدلة أبدا، بل قد تزول وتفنى، ولكن تلك الحقيقة نفسها باقية خالدة لا تفنى ولا تزول، بل لا تنقص ولا تزيد، وهي لا تفتأ تلبس هذا الثوب المادي وتخلع ذاك إلى أبد الآبدين. وذكرنا أن ذلك القانون الأعلى وهذه الطبيعة شيء واحد لا يقبل التجزئة.
ونزيد في هذا المقال أن نتناول بالشرح الموجز فلسفته الأخلاقية والسياسية إتماما للبحث:
الذكاء والأخلاق
للأخلاق فلسفة متضاربة متناقضة، فهذا الفيلسوف يدعو إلى نظام أخلاقي معين، وذاك يروج لنقيضه، وثالث يقف بين بين، يأخذ من هذا وذاك بمقدار. فهذه المسيحية تبشر بفضائل الاستكانة والتواضع، وتدعو الناس إلى العطف والرحمة والإيثار، وتعلم الناس أنهم جميعا سواسية لا يمتاز رجل على رجل، ترد الشر بالخير، وتميل في السياسة إلى الديمقراطية المطلقة من كل القيود، وهي تعتبر المحبة أساس الفضيلة. . وذانكم مكيافلي ونيتشه يدعوان الناس إلى التخلق بأخلاق الرجولة القوية الصحيحة، وينكران المساواة بين الناس، فمنهم الضعيف ومنهم القوي، وفيهم العبقري الفيلسوف وفيهم الغبي الأبله، ويحفزان الناس إلى نبذ السلم والمغامرة في معمعان العراك والقتال ليحرز النصر من هو جدير بالنصر، وليتربع على الحكم من يستحق الحكم والسلطان، والفضيلة عندهما هي القوة، ويميلان في السياسة إلى الاستبداد والأرستقراطية الوراثية، فمكيافلي يصرح في كتابه (الأمير) بكل جرأة: (أن الأمير الذي يريد حفظ كيان دولته، لابد له في كثير من الأحيان أن يخالف الذمة والمروءة والإنسانية والدين) كما يحبذ نيتشه سياسة بسمارك التي تنتصر
стр. 1251
بالحديد والدم.
وبين هذين النقيضين يقوم نظام أخلاقي وسط بين حب المسيح وقوة نيتشه، دعا إليه أرسطو، ومؤداه المزج بين أخلاق الضعف وأخلاق القوة، ويريد أن يلقى بزمام الأمر إلى العقل المثقف الحكيم، فهو وحده الذي يصح أن يؤتمن على اختيار الأخلاق الملائمة للمواقف المختلفة، فهو يعرف متى يلبس لبوس الحنان والعطف، ومتى يتنمر ليفترس، ومعنى ذلك أن الفضيلة عند أرسطو هي الذكاء، ويميل في السياسة إلى مزيج من الأرستقراطية والديمقراطية
ثم جاء سبينوزا فأخذ ينسج من هذه الصور وحدة خلقية متناسقة. وهو في هذا يسير سيرا منطقيا دقيقا حتى ينتهي إلى نتائجه التي يقدمها، فهو يبدأ بتقريره أن السعادة هي الغرض المقصود من الأخلاق الفاضلة. ولكن ما هي هذه السعادة التي نتجه نحوها ونقصد إليها؟ هي عنده في بساطة لا لبس فيها ولا غموض، وجود السرور وارتفاع الألم. ولكنا نعود فنقول: وما السرور والألم؟ أهما حالتان معينتان؟ أم هما نسبيان يختلفان باختلاف الأشخاص؟ هنا يجيب سيبنوزا بأنهما ليسا حالتين، أي ليس ثمة حالة مستقرة يقف عندها المرء قائلا: هنا السعادة، وهناك الألم. إنما السعادة شعور بانتقال النفس إلى درجة أدنى إلى الكمال، والألم شعور بانتقالها إلى مرتبة أبعد عنه. ولما كان الكمال عنده هو القوة، لا قوة نيتشه الغاشمة العمياء التي تقوم على الغريزة الوحشية، ولكنها القوة العقلية المتزنة. فكلما درجت صاعدا في سبيل هذه القوة العقلية كنت أقرب إلى الكمال، وكنت بالتالي سعيدا مطمئن النفس. ومعنى هذا أن العواطف والمشاعر هي مسالك أو طرق تسير فيها النفس، مقبلة نحو القوة تارة، مدبرة عنها طورا. (لاحظ العلاقة بين كلمتي ووكذلك بين كلمتي ولتدرك العلاقة القوية في اللفظ بين ألفاظ الحركة وألفاظ العواطف والمشاعر. ومثل هذه العلاقة موجودة أيضا في اللغة الفرنسية) فالفضيلة والقوة عند سبينوزا شيء واحد، أي أن الفضيلة هي زيادة فاعلية النفس التي تعمل على حفظ البقاء. وكلما اتسعت مقدرة الإنسان على حفظ وجوده ازداد ما يتحلى به من فضيلة. وبعبارة أوضح يعتقد سبينوزا أن أساس الفضيلة هي الأنانية المعتدلة التي تعينك على الاحتفاظ بوجودك، وهو لا يرى في حب الشخص لنفسه ضررا يلحق بالأخرين، واذن فلا خير في أن تضحي بنفسك من أجل
стр. 1252
غيرك إلا إذا كان في ذلك قوة لك، وهكذا يجب أن يحب كل إنسان نفسه، وان يلتمس كل وسيلة ممكنة تأخذ بيده إلى مرتبة أدنى إلى الكمال
فأنت ترى من ذلك أن سبينوزا لا يبني الأخلاق على الإيثار والخير الطبيعي، ولا على الأنانية البشعة والشر الطبيعي، ولكن على أنانية معقولة لا يجد منها مفرا لحفظ البقاء وعنده أن هذه الأنانية المعتدلة التي يمليها منطق الحياة نفسها لا يمكن أن تباعد بين مصالح الأفراد، أو تبذر بذور البغضاء في النفوس، لذلك تراه لا يتمالك نفسه حيرة في هذا التحاسد والتنابذ والكراهية، وهو يائس من أن يبرأ المجتمع من علله وأمراضه قبل أن يهذب الناس من هذه العواطف ويصلحوها، وهو ينصح لنا أن نبادل أعدائنا حبا بكره، ذلك لأن الكراهية تنمو وتتغذى إذا وجدت لها صدى من كراهية مثلها في نفوس الآخرين. وهو بمحاربة هذا التباغض، ينشد فينا النخوة الحق والرجولة الصحيحة، فأنت حين تشعر بالكراهية نحو غيرك، فإنما يكون ذلك اعترافا صريحا منك بانحطاطك دونه وخوفك منه، لأنك لا تكره عدوا تثق بأنك تستطيع أن تتغلب عليه في سهولة وتدحره في غير عناء.
وإذا كانت عواطفنا الغريزية كما نرى حائرة السبيل يعوزها الدليل الأمين، فلا يجوز إذن أن نلقي بزمامنا اليها، إنما يجب أن يكون الفكر وحده رائدنا، ولكن سبينوزا لا يريد أن نكبح الغرائز جملة واحدة، لا بل نستغلها ونتخذ منها دافعا يسوقنا تحت سيطرة العقل وإشرافه، فتكون هي بمثابة قوة البخار الذي يدفع القطار، ويكون العقل بمثابة السائق الذي يتحكم في سيره ووقوفه، وحجته في عجز الغرائز وحدها عن القيادة، انها متضادة الأغراض متضاربة المقاصد، فإذا ما تركناها على سجيتها، انطلقت كل واحدة تسعى في إشباع رغبتها، دون أن تراعي صالح الكل، وإذن فلابد من رقابة رشيدة تعمل أولا وقبل كل شيء لما فيه خير الشخص كمجموعة متحدة، بأن نكبح بعض الغرائز حينا، ونطلق بعضها الآخر حينا، حسب ما يتطلبه الموقف، ومعنى ذلك كله أن الفضيلة مرهونة بالمعرفة أو الذكاء
والذكاء وحده هو الوسيلة التي نستطيع بها أن نحرر أنفسنا من سيطرة الغرائز التي تفرض عليها سلوكا معينا، وتعمل جهدها لقسرنا عليه، فنحن عبيد لها بقدر انسياقنا لما تمليه علينا، أي أن سلبية العاطفة عبودية للآنسان، وحريته في فاعلية العقل. فالحرية
стр. 1253
الشخصية متوقفة على المعرفة، وفي ذلك يقول ديوي أستاذ الفلسفة في جامعة كولمبيا بالولايات المتحدة: (إن الطبيب أو المهندس يكون حرا في فكره وعمله بمقدار ما تتسع معرفته في المهنة التي يباشرها، وقد تكون هذه المعرفة مفتاح الحريات جميعا)
بناء على ذلك يكون السوبرمان (الإنسان الأعلى) الذي ينشده سبينوزا هو الذي يستطيع أن يحرر نفسه من سلطان الغرائز، وليس هو الذي يتخلص من القيود الاجتماعية العادلة كما صوره نبتشه. يقول سبينوزا: (ان من يعملون الخير بناء على إرادة العقل، ويلتمسون النفع الذي يدل عليه المنطق الصحيح، هؤلاء في الواقع ينشدون مع خير أنفسهم صالحا للإنسانية عامة) فلأن تكون عظيما لا يعني أن تضع نفسك فوق مستوى البشر لتنشب أظفارك في أعناقهم كما يريد نيتشه، ولكن العظمة هي أن تترفع عن سخف الرغبات الغريزية، التي لا يشرف عليها عقل متزن حكيم، ليست العظمة في أن تحكم الآخرين، وإنما هي في أن تحكم نفسك
هذه الحرية التي تستطيع أن تنعم بها من السيطرة على نفسك هي أشرف مما يسمونه حرية الإرادة، لأن الإرادة مجبرة مسيرة، أو قل ليس ثمة إرادة ما، لأن الإرادة والفكر وجهان لحقيقة واحدة. وهنا يلاحظ سبينوزا أن ليس في جبر الإرادة نقيصة يؤسف عليها، بل هو يهذب الأخلاق ويسمو بها إلى مستوى رفيع، فهو يعلمنا ألا نحتقر انسانا، كائنا ما كان موضعه من المجتمع، لأنه غير مسئول عن ذلك الموضع، إنما كتبت له الإرادة العليا أن يكون حيث هو. والجبر كذلك يوحي إلينا الرضى عما قد يبديه الدهر من قسوة وغلظة، لأننا نعلم أنه إن ظلم وجار في ناحية معينة، فلابد أن يكون ذلك لصالح الكل، ما دامت الأفراد جزءا من جسم الوجود المتحد
الرسالة السياسية
كان صوت سبينوزا واحدا من تلك الأصوات التي انطلقت تصيح بحرية الإنسان. ففي نفس الوقت الذي كان فيه (هوبز) يدافع عن الملكية في إنجلترا، ويقاوم بنظريته قوة الشعب الإنجليزي التي أخذت تناهض استبداد الملك، كتب سبينوزا فلسفته السياسية، وهي تعبر تعبيرا صادقا عن الديمقراطية التي بدأ يختلج حلمها الجميل في نفوس الناس عندئذ، والتي أخذت تنمو وتنمو حتى بلغت ذروتها عند روسو، ثم تدفقت ثورة عنيفة في فرنسا
стр. 1254
يقدم سبينوزا بادئ الأمر هذه البديهية التي لا تحتمل الشك، وهي إن الإنسان في أول نشأته كان يعيش منفردا غير مجتمع، فلا يرتبط مع غيره بقانون ولا نظام، لا يفهم معنى الحق ألا ما يستطيع أن يستولي عليه بالقوة، وإذن لم يكن ذلك الإنسان الأول يدرك معنى الخير والشر، لأنهما عبارتان اصطلح عليهما بعد تكوين المجتمع، إذ أطلقتا على بعض الأعمال التي تواضع عليها الأفراد، أما قبل ذلك فكان الفرد يتصرف حسب ما تملي عليه شهوته، وبالطبع لم يكن مسئولا عن تصرفاته إلا أمام نفسه، ومعنى هذا أن الجريمة لم يكن لها وجود في الحياة الطبيعية الأولى، لأنها لا تدرك إلا في حالة المدنية، حيث يتفق الجميع على تحديد الخير والشر، ويصبح كل إنسان مسئولا عن ذلك أمام هيئة معترف بها هي الدولة
وأنت تستطيع أن تتمثل الحياة الطبيعية الأولى التي لم تكن تفرق بين الخير والشر، أو بعبارة أخرى بين ما يجوز عمله وما لا يجوز، في علاقة الدول بعضها مع بعض، إذ لا يربطها نظام خلقي معترف به في قوة النظام الذي يربط الأفراد، ولا تشرف عليها سلطة عامة نافذة الإرادة كما هي الحال بين الأفراد، لذلك كان الحق في العلاقات الدولية هو القوة (يلاحظ أن اسم الدولة العظمى بالإنجليزية هو وفي هذا إشارة صريحة تؤيد هذا المعنى) إذ لا تفهم الدول على وجه الدقة معنى الخير والشر كما يفهمها الأفراد
كان الناس إذن يعيشون بادئ الأمر كما تعيش الدول الآن، ليس لأحدهم عند الآخر حقوق، ولكن لم يلبث الإنسان أن شعر بحاجته إلى التعاون لدرء ما يتعرض له من الخطر، فاتفق الأفراد فيما بينهم على أن يتآزروا إذا دهمهم داهم من سوء، ومعنى ذلك أن الإنسان ليس مدنياً بالطبع، ولكنه اجتمع لدفع أخطار الحياة. وحسبك دليلا أن تلقى نظرة عجلى على الغرائز الإنسانية، لترى كيف أن الغرائز الاجتماعية أضعف جدا من الغرائز الفردية، فالإنسان يسعى لخيره أولا ثم يسعى لخير الدولة، بل هي الأنانية أيضا التي تدفعه للسعي وراء خير الدولة، لأنها دولته هو، ويريد أن يسعد بسعادتها.
اضطر الإنسان إذن إلى الاجتماع بعد تلك الحياة الفردية، فتواضع الجميع على حدود خاصة لا يجوز لواحد أن يشذ عنها، بحيث يصبح لكل إنسان الحق في أن يتصرف كيف شاء، دون أن يخرج على تلك الحدود المرسومة، أي أن له أن يستمتع بكل ما له من قوة
стр. 1255
شخصية دون أن يغير على حرية الآخرين، وبعبارة أخرى اتفق الأفراد على أن ينزل كل منهم عن بعض حقوقه الطبيعية لهذه الجماعة المنظمة، في مقابل أن يأمن ويطمئن على حقوقه الباقية، أي أن قانون الجماعة يجب ألا تزيد وظيفته على الأشراف العام، بحيث يسعى كل فرد حرا، في غير تضارب ولا تنافر بين الأفراد، أي أن القانون الكامل يجب أن يكون للأفراد بمثابة العقل للعواطف: يحسن تصريفها بحيث يزيد نشاطها من قوة الكل، دون أن تتعرض واحدة منها لنشاط الأخرى
(فالغرض الأسمى من الدولة إذن، لا أن تحكم الناس، ولا أن تحد من مجهودهم، بل يجب أن تؤمن الإنسان من كل المخاوف، حتى يعيش ويعمل في طمأنينة تامة. . . الغرض من الدولة أن تدع الناس يعيش بعضهم بجانب بعض، كل يستغل قوته العقلية في صالح المجموعة، حتى لا تتبدد قواهم في التنابذ والتنافر، إذن فالغرض الأسمى من الدولة هو الحرية)
وظيفة الدولة العليا أن تكفل للأفراد حريتهم، ومعنى ذلك أن الديمقراطية هي المثل الأعلى لنظام الحكم، ثم يستدرك سبينوزا بقوله أن ضرر الديمقراطية الوحيد هو ميلها إلى وضع غير الأكفاء في مناصب الحكم، ولذلك ينصح علاجا لذلك أن يتسلم إدارة الدولة جماعة من ذوي العقول الجبارة، كي يسيروا بها بعيدا عن مواطن الزلل. . . .
وفاضت روح سبينوزا وهو يكتب للناس رسالة الحرية
стр. 1256
ياليتني. . .
إذا أطل البدر من خدره … فإنما يطلع كي تنظريه
وان شدا البلبل في وكره … فإنما يشدو لكي تسمعيه
وان يفح عطر زهور الربى … فإنما يعبق كي تنشقيه
يا ليتني البدر الذي تنظرين!
يا ليتني الطير الذي تسمعين!
يا ليتني العطر الذي تنشقين!
أواه لو تصدق (يا ليتني)!
إيليا أبو ماضي
стр. 1257
العبقرية. علم وأدب وفن
للأستاذ الحوماني
واختلال نظام الحياة في الجسم مدعاة كبرى لاختلال نظام الحياة في الروح لشدة تلازمهما بشدة امتزاجهما، فإذا كان لمحيطك جزء فيك ولك فيه مثل ذلك بصحبتك إياه زمنا ما، فما قولك بصحبة الروح للجسم أزمانا يقصر العقل دون حدها؟
ولا تنس أنك وأنت تلحظ ما يدفعك اليها مستعرضا ما يحف بها من هذه العوامل، أنك جد عاجز عن لحاظ ما يردعك عنها من مرجحات العفاف.
وهكذا تراك، وأنت تلحظ مرجحات الفعل قاصراً بطبعك أن تلحظ مرجحات الترك، ضرورة أنه يستحيل على المرء أن يفكر في أمرين في وقت واحد فيجمع بين النقيضين، فاحفظ هذه لترجع اليها قريبا.
فالذي يدفعك إلى هذا العمل أو سواه من وراء الإرادة لقوة عوامل الدفع من الخارج في نفسك، والذي يردعك عنه لقوة نقيضها من عوامل الردع، والذي تستعرض به هذه العوامل أو غيرها في المجتمع، والذي يميز هذه الخواطر وهو يتصفحها فيفاضل بينها، والذي يخزنها في إحدى زوايا النفس أو يطبعها على صفحات القلب، والذي يستخرجها عند مسيس الحاجة إليها ويبحث عنها فيما إذا خفيت وراء الضمير، والذي يدرس بها الحوادث الخارجية درساً يستحيل مَلكَة في النفس تعصمها عن الزلل في الحياة، والذي تحس به ما تمسك إليه الحاجة في نفسك أو في بدنك، والذي يلهب جسمك تصوره ويحدم صدرك بما يتأثر به من عامل، والذي يزاوج بين محسوساتك فيستخرج من الحقيقة خيالا عن طريق الإبداع في التصوير، كل ذلك واحد لا تتعدد حقيقته، وجزئي فيك من ذلك المعنى الكلي تتعدد أسماؤه بما يتكيّف به من شكل ولون خارجيتين
فإذا استعرض الحوادث وحاكم بينها ليميز حسنها من قبيحها كان فكراً، وإذا حملك على فعل الحسن لقوة ما يحفه من عامل خارجي كان عقلا. وإذا دفع بك إلى اقتراف الإثم لما تحصّل عنده من ترجيح بسبب ما يحفه من عامل كان هوى، فإذا خزن ما يمر به من خواطر في إحدى زوايا النفس سمي حافظة، ثم إذا هو استخرجها بعد حين أو راح يبحث عنها سمي ذاكرة
стр. 1258
وإذا درست به الحوادث فربى فيك ملكه الاستنباط سمى حذقاً ودهاء، وهكذا قد تتصور به مباشرة أو عن طريق حواسك ما تنفعل به نفسك فينتج سروراً أو حزناً ينتجان لذة أو ألما فتدعو ما ينتج عنه عاطفة.
وقد يبدع في التصوير أو يتصور مرغما بدافع الوهم الخارجي فيعطيك على طريق العبث بالحياة أو الخطأ في التصور صورا خيالية ينتزعها من الحقيقة فتسميه خيالا أو وهماً
فالعقل والفكر والحذق والحافظة والذهن والفطنة والذكاء والحلم والهوى النفس الأمارة بالسوء والشيطان، كل ذلك مصدر، واحد لهذا العمل الخارجي، يتلون بالعوامل التي تحف بالعمل محسنه ومقبحه، يلبس لكل مؤثر لونا غير لونه مع مؤثر آخر، ويدعى معه باسم كان قد دعي مع غيره باسم آخر
أما استلزامه في الدين حكم الجبر فذلك مما أرجحه، والدين إنما كان لتربية المجتمع تدريجا ليستحيل الهوى فيه عقلا، ويحول المثل الأدنى فيه مثلا أعلى بحكم التطور، إذ الخصائص النفسية بعد الإرادة غرائز تكونت من الكسب الاجتماعي، والجبر لا مناص منه قبل هذه الاستحالة وبعدها، فالمرء مع الهوى المطلق مجبر على كونه شيطانا، ومع العقل المطلق مجبر على كونه ملكا.
فعلى هذا يكون مناط المثل الأعلى والمثل الأدنى في المرء واحدا ولكنه باعتبارين مختلفين، ولا عجب في ذلك فالمرء يجمع الأضداد، فبينما هو الحليم الرزين في حالة، إذا هو الأحمق الطائش في حالة أخرى، وبينما هو الشجاع المقدام في مشهد، إذا هو الجبان الرعديد في مشهد آخر، فليس ذلك ناشئا فيه إلا بفضل هذا السر الغامض الكامن في نفسه المتلونة. وربما استقام لنا أن نخص المثل الأعلى بالعقل، ونعزو المثل الأدنى للإرادة، إنما لابد لنا ونحن نمشي مع رغباتنا إلى العمل السيء بعد المحاكمة العقلية وثبوت قبح هذا العمل لدى العقل أن نتساءل أين ذهب عنا ما نسميه عقلا فلا نحصله إذ ذاك إلا بعد أن نلتفت إليه؟
فما هو هذا الذي نلتفت به إلى العقل؟
هل هي الإرادة وهي التي تدفعنا؟
ثم أين يكون العقل ونحن في انغماس بما تحملنا الإرادة على الخوض فيه خلاف العقل؟
стр. 1259
فهل نفقده إذ ذاك ويكاد يكون جزءاً مقوما في النفس، والنفس بمجموعها تيار لا ينفك متلاطما، ولا يخبو له نشاط حتى يتعطل ما يمسكه من آلة.
فهل يذهب به إذ ذاك اختلال مركزه العصبي بينما نستطيع استرجاعه بأقل التفات؟
(النبطيه) جبل عامر
стр. 1260
بلاط الشهداء بعد ألف ومائتي عام
للأستاذ محمد عبد الله عنان
وبينما قامت الدولة الإسلامية ثابتة وطيدة الدعائم، وقامت في جميع أقطار الخلافة حكومات محلية قوية ومجتمعات إسلامية مستنيرة، وجيوش غازية منظمة، إذا بمجتمع القبائل الجرمانية غزاة رومة من الشمال ما يزال إذا استثنينا مملكة الفرنج على حالته من البداوة والتجوال والتفرق. وكان الفرنج هم قادة القبائل الجرمانية في هذا الصراع الذي نشب في سهول فرنسا وآذن طوره الحاسم بعبور المسلمين إلى فرنسا في ربيع سنة ٧٣٢، وكان سيل الفتح الإسلامي ينذر باجتياح فرنسا منذ عشرين عاما أعني مذ عبر المسلمون جبال البرنيه بقيادة موسى بن نصير لأول مرة واستولوا على سبتمانيا ثم اقتحموا بعد ذلك وادي الرون واكوتين أكثر من مرة. ولكن مملكة الفرنج كانت يومئذ تشغل بالمعارك الداخلية وتقتتل حول السلطان والرياسة حتى ظفر كارل مارتل بمنصب محافظ القصر، وأتفق أعواما أخرى في توطيد سلطانه؛ بينما كان خصمه ومنافسه أودو أمير أكوتين يتلقى وحده ضربات العرب. فلما استفحل خطر الفتح الإسلامي وانساب نحو الشمال حتى بورجونيا منذ ولاية الهيثم فزع الفرنج وهبت القبائل الجرمانية في أوستراسيا ونوستريا لتذود عن سلطانها وكيانها.
وكان الخطر داهما حقيقيا في تلك المرة لأن المسلمين عبروا البرنيه عندئذ في أكبر جيش حشد وأتم أهبة اتخذت منذ الفتح. وكان على رأس الجيش الإسلامي قائد وافر الهمة والشجاعة والبراعة هو عبد الرحمن الغافقي وهو أعظم جندي مسلم عبر البرنيه. وكان قد ظهر ببراعته في القيادة منذ موقعة تولوشة حيث استطاع إنقاذ الجيش الإسلامي من المطاردة عقب هزيمته ومقتل قائده السمح والارتداد إلى سبتمانيا. وتبالغ الرواية الفرنجية في تقدير جيش عبد الرحمن وأهبته فتقدره بأربعمائة ألف مقاتل، هذا غير جموع حاشدة أخرى صحبها لاستعمار الأرض المفتوحة. وهو قول ظاهر المبالغة. وتقدره بعض الروايات العربية بسبعين أو ثمانين ألف مقاتل، وهو أقرب إلى الحقيقة والمعقول. بل لقد أثارت هذه الغزوة الإسلامية الشهيرة وهذا الجيش الفخم خيال الشاعر الأوربي الحديث، فنرى الشاعر الإنجليزي سوذي يقول في منظومته عن ردريك آخر ملوك القوط:
стр. 1261
(جمع لا يحصى، من شام وبربر وعرب وروم خوارج. وفرس وقبط وتتر عصبة واحدة. يجمعها إيمان هائم راسخ الفتوة. وحمية مضطرمة واخوة مروعة. ولم يك الزعماء أقل ثقة بالنصر. وقد شمخوا بطول ظفر. يهيمون بتلك القوة الجارفة التي أيقنوا أنها كما اندفعت حيثما كانوا بلا منازع ستندفع ظافرة إلى الأمام حتى يصبح الغرب المغلوب كالشرق. يطأطيء الرأس إجلالاً لاسم محمد. وينهض الحاج من أقاصي المنجمد. ليطأ بأقدام الإيمان الرمال المحرقة. المنتثرة فوق صحراء العرب وأراضي مكة الصلدة)
ونفذ عبد الرحمن في جيشه الزاخر إلى فرنسا كما قدمنا في ربيع سنة ٧٣٢م (أوائل سنة ١١٤هـ) واقتحم وادي الرون وولاية اكوتين وشتت قوى الدوق أودوا طبق ما أسلفنا، وأشرف بعد هذا السير الباهر على ضفاف اللوار. وتقول بعض الروايات الكنسية أن أودو هو الذي استدعى عبد الرحمن إلى فرنسا ليعاونه على محاربة خصمه (كارل مارتل). ولكن هذه الرواية مردودة غير معقولة لما قدمنا من أن أودو هو الذي بادر إلى مقاومة عبد الرحمن ورده، وكانت مملكته وعاصمته أول غنم للمسلمين. وكان ملك الفرنج يومئذ تيودريك الرابع، ولكن ملوك الفرنج كانوا في ذلك العصر أشباحا قائمة فقط. وكان محافظ القصر كارل مارتل هو الملك الحقيقي يستأثر بكل سلطة حقيقية وعليه يقع عبء الدفاع عن ملكه وأمته، وكان منذ استفحل خطر الفتح الإسلامي يتخذ أهبته ويحشد قواه، ولكن عبد الرحمن نفذ إلى قلب فرنسا قبل أن يتحرك للقائه. وترد الرواية الإسلامية هذا البطء إلى خطة مرسومة مقصودة فتقول في هذا الموطن (فاجتمعت الفرنج إلى ملكها الأعظم قارله وهذه سمة لملوكهم، فقالت له ما هذا الخزي الباقي في الاعقاب؟ كنا نسمع بالعرب ونخافهم من جهة مطلع الشمس حتى أتو من مغربها استولوا على بلاد الأندلس وعظيم ما فيها من العدة والعدد يجمعهم القليل وقلة عدتهم وكونهم لا دروع لهم. فقال لهم ما معناه: الرأي عندي ألا تعترضوهم في خرجتهم هذه، فانهم كالسيل يحمل من يصادره، وهم في إقبال أمرهم، ولهم نيات تغني عن كثرة العدد، وقلوب تغني عن حصانة الدروع، ولكن أمهلوهم حتى تمتلئ أيديهم من الغنائم ويتخذوا المساكن ويتنافسوا في الرياسة ويستعين بعضهم ببعض، فحينئذ تتمكنون منهم بأيسر أمر) ونستطيع أيضا أن نعلل تمهل كارل مارتل بقصده إلى ترك خصمه ومنافسه أودو دون غوث حتى يقضي المسلمون على ملكه
стр. 1262
وسلطانه فيتخلص بذلك من منافسته ومناوأته.
وعلى أي حال فان عبد الرحمن كان قد اقتحم أكرتين وجنوب فرنسا كله، حينما تأهب كارك مارتل للسير إلى لقائه. وجاء الدوق أودو بعد ضياع ملكه وتمزيق قواته يطلب الغوث والنجدة من خصمه القديم أعني كارل مارتل. وكان كارل قد حشد جيشا ضخما من الفرنج ومختلف العشائر الجرمانية المتوحشة والعصابات المرتزقة فيما وراء الرين يمتزج فيه المقاتلة من أمم الشمال كلها، وجله جند غير نظاميين نصف عراة يتشحون بجلود الذئاب وتنسدل شعورهم الجعدة فوق أكتافهم العارية. وسار زعيم الفرنجة في هذا الجيش الجرار نحو الجنوب لملاقاة العرب في حمى الهضاب والربى حتى يفاجئ العدو في مراكزه قبل أن يستكمل الأهبة لرده. وكان الجيش الإسلامي قد اجتاح عندئذ جميع أراضي أكوتين التي تقابل اليوم من مقاطعات فرنسا الحديثة جويان وبريجور وسانتونج وبواتو. وأشرف بعد سيره المظفر على مروج نهر اللوار الجنوبية حيثما يلتقي بثلاثة من فروعه هي (الكريز) (والفيين) (والكلين)
ومن الصعب أن نعين بالتحقيق مكان ذلك اللقاء الحاسم في تاريخ الشرق والغرب والإسلام والنصرانية. ولكن المتفق عليه انه هو السهل الواقع بين مدينتي بواتييه وتور حول نهري (كلين) (وفيين) فرعي اللوار على مقربة من مدينة تور. والرواية الإسلامية مقلة موجزة في الكلام عن تلك الموقعة العظيمة وليس فيها لدينا من المصادر العربية عنها أي تفصيل شامل. وإنما وردت تفاصيل للرواية الإسلامية عن الموقعة نقلها إلينا المؤرخ الأسباني كوندي سنعود إليها بعد. وتفيض الرواية الفرنجية والكنسية بالعكس في حوادث الموقعة وتقدم إلينا عنها تفاصيل شائقة ولكن يحفها الريب وتنقصها الدقة التاريخية. وقد رأينا أن نجمل وصف الموقعة أولا بما لدينا من أقوال الروايتين ثم نورد كلتيهما بعدئذ بتفاصيلها.
انتهى الجيش الإسلامي في زحفه إلى السهل الممتد بين مدينتي بواتييه وتور كما قدما، واستولى المسلمون على بواتييه ونهبوها وأحرقوا كنيستها الشهيرة، ثم هجموا على مدينة تور الواقعة على ضفة اللوار اليسرى واستولوا عليها وخربوا كنيستها أيضا. وفي ذلك الحين كان جيش الفرنج قد انتهى إلى اللوار دون أن يشعر المسلمون بمقدمه بادئ بدء، وأخطأت الطلائع الإسلامية تقدير عدده وعدته. فلما أراد عبد الرحمن أن يقتحم اللوار
стр. 1263
لملاقاة العدو على ضفته اليمنى فاجأه كارل مارتل بجموعه الجرارة. وألفى عبد الرحمن جيش الفرنج يفوقه في الكثرة فارتد من ضفاف النهر ثانية إلى السهل الواقع بين تور وبواتيه. وعبر كارل مارتل اللوار غرب تور وعسكر بجيشه إلى يسار الجيش الإسلامي بأميال قليلة بين نهري كلين وفيين فرعي اللوار.
стр. 1264
في الأدب العربي
عكاظ والمربد
للأستاذ أحمد أمين
المربد
أما المربد، على وزن منبر، فضاحية من ضواحي البصرة؛ في الجهة الغربية منها ما يلي البادية، بينه وبين البصرة نحو ثلاثة أميال. كان سوقاً للإبل، قال الأصمعي: (المربد كل شيء حبست به الإبل والغنم. . . وبه سميت مربد البصرة؛ وإنما كان موضع سوق الإبل) وهو واقع على طريق من ورد البصرة من البادية ومن خرج من البصرة أليها. ويظهر أنه نشأ سوقاً للإبل، أنشأه العرب على طرف البادية يقضون فيه شؤونهم قبل أن يدخلو الحضر أو يخرجوا منه.
وقد كان العرب في بادية العراق قبل الفتح الإسلامي؛ ونزلت فيه قبائل من بكر وربيعة، وكونوا فيه أمارة المناذرة في الحيرة؛ فكان هذا الإقليم معروفاً لهم وكانت الرحلات من البادية إلى العراق، ومن العراق إلى البادية في حركة مستمرة (ومعلوم أن البصرة إنما خططت في الإسلام في عهد عمر بن الخطاب ونزل بها العرب على منازلهم من يمنية ومضرية) ولكن يظهر أن المربد كان قبل أن تخطط البصرة، وكان قبل الإسلام؛ وربما فهم ذلك من قول الطبري: بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان فقال له أنطلق أنت ومن معك حتى إذا كنتم في أقصى أرض العرب وأدنى أرض العجم فأقيموا. فأقبلوا حتى إذا كان بالمربد وجدوا هذا الكذان قالوا ما هذه البصرة.
وقال في اللسان (في مادة ب ص ر) وقال أبن شميل: البصرة أرض كأنها جبل من جص وهي التي بنيت بالمربد وإنما سميت البصرة بصرة بها. ولكن أخباره في الجاهلية منقطعة أو معدومة مما يدل على قلة خطره إذ ذاك، إنما كان له الخطر بعد أن فتح العرب العراق وسكنوه وخططوا البصرة، فقد أنشئت فيه المساكن بعد أن كان مربداً للإبل فقط. واتصلت العمارة بينه وبين البصرة حتى قالوا فيه: (العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة، ودارين عين المربد)
стр. 1265
وقد كان المربد في الإسلام صورة معدلة لعكاظ، كان سوقاً للتجارة، وسوقاً للدعوات السياسية وكان سوقاً للأدب. جاء في كتاب (ما يعول عليه) المربد كل موضع حبست فيه الإبل. . ومنه سمي مربد البصرة لاجتماع الناس وحبسهم النعم فيه. كان مجتمع العرب من الأقطار، يتناشدون فيه الأشعار؛ ويبيعون ويشترون وهو (كسوق عكاظ) وقال العيني: (مربد البصرة. . . محلة عظيمة فيها (البصرة) من جهة البرية كان يجتمع العرب من الأقطار ويتناشدون الأشعار ويبيعون ويشترون).
وليس يهمنا هنا أثره السياسي والأدبي، وهما مرتبطان بعضهما ببعض أشد الارتباط. فلا داعي للتفريق بينهما؛ فقد كانت الأحزاب السياسية تنتج أدباً من خطب وشعر، وكانت الخطب والشعر تقوي الأحزاب السياسية وتساعد في تكوينها والحروب بينهما.
المربد في عصر الخلفاء الراشدين
كانت أهم الأخبار في ذلك العصر ما كان بعد قتل عثمان أبن عفان من سير عائشة أم المؤمنين إلى البصرة، فأنها نزلت بفضاء البصرة ورأت أن تبقى خارجها حتى ترسل إلى أهلها تدعوهم بدعوتها، وهي المطالبة بدم عثمان، وبعبارة أخرى الخروج على عليّ؛ وكان معها طلحة والزبير، ثم سارت إلى المربد معهما وخرج إليها من قبل دعوتها، وخرج إلى المربد كذلك عامل عليّ على البصرة، وهو عثمان بن حنيف ومن يؤيده، وأصبح المربد وهو يموج بمن أتى من الحجاز ومن خرج من البصرة، حتى ضاق المربد بمن فيه؛ ورأينا المربد مجالاً للخطباء ممن يؤيد عائشة ومن معها، ومن يؤيد علياً وعامله. أصحاب عائشة في ميمنة المربد وأصحاب علي في ميسرته؛ ويخطب في المربد طلحة ويمدح عثمان بن عفان، ويعظم ما جنى عليه ويدعو إلى الطلب بدمه ويخطب الزبير كذلك وتخطب عائشة أم المؤمنين بصوتها الجهوري ويؤيدهم في ميمنة المربد، ويقولون صدقوا وبروا وقالوا الحق وأمروا بالحق، ويؤثر قول عائشة في أهل الميسرة فينحاز بعضهم أليها ويبقى الآخرون على رأيهم وعلى رأسهم عثمان بن حنيف، ويخطبون كذلك يبينون خطأ الدعوة وأن طلحة والزبير بايعا علياً فلا حق لهما في الخروج عليه، ويؤيدهم أبو الأسود الدؤلي وأمثاله.
وهكذا ينتقل المربد إلى مجمع حافل، فيه الدعوات السياسية مؤيدة بالحجج والبراهين وفيه
следующие страницы →