Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
(جمع لا يحصى، من شام وبربر وعرب وروم خوارج. وفرس وقبط وتتر عصبة واحدة. يجمعها إيمان هائم راسخ الفتوة. وحمية مضطرمة واخوة مروعة. ولم يك الزعماء أقل ثقة بالنصر. وقد شمخوا بطول ظفر. يهيمون بتلك القوة الجارفة التي أيقنوا أنها كما اندفعت حيثما كانوا بلا منازع ستندفع ظافرة إلى الأمام حتى يصبح الغرب المغلوب كالشرق. يطأطيء الرأس إجلالاً لاسم محمد. وينهض الحاج من أقاصي المنجمد. ليطأ بأقدام الإيمان الرمال المحرقة. المنتثرة فوق صحراء العرب وأراضي مكة الصلدة)
ونفذ عبد الرحمن في جيشه الزاخر إلى فرنسا كما قدمنا في ربيع سنة ٧٣٢م (أوائل سنة ١١٤هـ) واقتحم وادي الرون وولاية اكوتين وشتت قوى الدوق أودوا طبق ما أسلفنا، وأشرف بعد هذا السير الباهر على ضفاف اللوار. وتقول بعض الروايات الكنسية أن أودو هو الذي استدعى عبد الرحمن إلى فرنسا ليعاونه على محاربة خصمه (كارل مارتل). ولكن هذه الرواية مردودة غير معقولة لما قدمنا من أن أودو هو الذي بادر إلى مقاومة عبد الرحمن ورده، وكانت مملكته وعاصمته أول غنم للمسلمين. وكان ملك الفرنج يومئذ تيودريك الرابع، ولكن ملوك الفرنج كانوا في ذلك العصر أشباحا قائمة فقط. وكان محافظ القصر كارل مارتل هو الملك الحقيقي يستأثر بكل سلطة حقيقية وعليه يقع عبء الدفاع عن ملكه وأمته، وكان منذ استفحل خطر الفتح الإسلامي يتخذ أهبته ويحشد قواه، ولكن عبد الرحمن نفذ إلى قلب فرنسا قبل أن يتحرك للقائه. وترد الرواية الإسلامية هذا البطء إلى خطة مرسومة مقصودة فتقول في هذا الموطن (فاجتمعت الفرنج إلى ملكها الأعظم قارله وهذه سمة لملوكهم، فقالت له ما هذا الخزي الباقي في الاعقاب؟ كنا نسمع بالعرب ونخافهم من جهة مطلع الشمس حتى أتو من مغربها استولوا على بلاد الأندلس وعظيم ما فيها من العدة والعدد يجمعهم القليل وقلة عدتهم وكونهم لا دروع لهم. فقال لهم ما معناه: الرأي عندي ألا تعترضوهم في خرجتهم هذه، فانهم كالسيل يحمل من يصادره، وهم في إقبال أمرهم، ولهم نيات تغني عن كثرة العدد، وقلوب تغني عن حصانة الدروع، ولكن أمهلوهم حتى تمتلئ أيديهم من الغنائم ويتخذوا المساكن ويتنافسوا في الرياسة ويستعين بعضهم ببعض، فحينئذ تتمكنون منهم بأيسر أمر) ونستطيع أيضا أن نعلل تمهل كارل مارتل بقصده إلى ترك خصمه ومنافسه أودو دون غوث حتى يقضي المسلمون على ملكه
стр. 1262
وسلطانه فيتخلص بذلك من منافسته ومناوأته.
وعلى أي حال فان عبد الرحمن كان قد اقتحم أكرتين وجنوب فرنسا كله، حينما تأهب كارك مارتل للسير إلى لقائه. وجاء الدوق أودو بعد ضياع ملكه وتمزيق قواته يطلب الغوث والنجدة من خصمه القديم أعني كارل مارتل. وكان كارل قد حشد جيشا ضخما من الفرنج ومختلف العشائر الجرمانية المتوحشة والعصابات المرتزقة فيما وراء الرين يمتزج فيه المقاتلة من أمم الشمال كلها، وجله جند غير نظاميين نصف عراة يتشحون بجلود الذئاب وتنسدل شعورهم الجعدة فوق أكتافهم العارية. وسار زعيم الفرنجة في هذا الجيش الجرار نحو الجنوب لملاقاة العرب في حمى الهضاب والربى حتى يفاجئ العدو في مراكزه قبل أن يستكمل الأهبة لرده. وكان الجيش الإسلامي قد اجتاح عندئذ جميع أراضي أكوتين التي تقابل اليوم من مقاطعات فرنسا الحديثة جويان وبريجور وسانتونج وبواتو. وأشرف بعد سيره المظفر على مروج نهر اللوار الجنوبية حيثما يلتقي بثلاثة من فروعه هي (الكريز) (والفيين) (والكلين)
ومن الصعب أن نعين بالتحقيق مكان ذلك اللقاء الحاسم في تاريخ الشرق والغرب والإسلام والنصرانية. ولكن المتفق عليه انه هو السهل الواقع بين مدينتي بواتييه وتور حول نهري (كلين) (وفيين) فرعي اللوار على مقربة من مدينة تور. والرواية الإسلامية مقلة موجزة في الكلام عن تلك الموقعة العظيمة وليس فيها لدينا من المصادر العربية عنها أي تفصيل شامل. وإنما وردت تفاصيل للرواية الإسلامية عن الموقعة نقلها إلينا المؤرخ الأسباني كوندي سنعود إليها بعد. وتفيض الرواية الفرنجية والكنسية بالعكس في حوادث الموقعة وتقدم إلينا عنها تفاصيل شائقة ولكن يحفها الريب وتنقصها الدقة التاريخية. وقد رأينا أن نجمل وصف الموقعة أولا بما لدينا من أقوال الروايتين ثم نورد كلتيهما بعدئذ بتفاصيلها.
انتهى الجيش الإسلامي في زحفه إلى السهل الممتد بين مدينتي بواتييه وتور كما قدما، واستولى المسلمون على بواتييه ونهبوها وأحرقوا كنيستها الشهيرة، ثم هجموا على مدينة تور الواقعة على ضفة اللوار اليسرى واستولوا عليها وخربوا كنيستها أيضا. وفي ذلك الحين كان جيش الفرنج قد انتهى إلى اللوار دون أن يشعر المسلمون بمقدمه بادئ بدء، وأخطأت الطلائع الإسلامية تقدير عدده وعدته. فلما أراد عبد الرحمن أن يقتحم اللوار
стр. 1263
لملاقاة العدو على ضفته اليمنى فاجأه كارل مارتل بجموعه الجرارة. وألفى عبد الرحمن جيش الفرنج يفوقه في الكثرة فارتد من ضفاف النهر ثانية إلى السهل الواقع بين تور وبواتيه. وعبر كارل مارتل اللوار غرب تور وعسكر بجيشه إلى يسار الجيش الإسلامي بأميال قليلة بين نهري كلين وفيين فرعي اللوار.
стр. 1264
في الأدب العربي
عكاظ والمربد
للأستاذ أحمد أمين
المربد
أما المربد، على وزن منبر، فضاحية من ضواحي البصرة؛ في الجهة الغربية منها ما يلي البادية، بينه وبين البصرة نحو ثلاثة أميال. كان سوقاً للإبل، قال الأصمعي: (المربد كل شيء حبست به الإبل والغنم. . . وبه سميت مربد البصرة؛ وإنما كان موضع سوق الإبل) وهو واقع على طريق من ورد البصرة من البادية ومن خرج من البصرة أليها. ويظهر أنه نشأ سوقاً للإبل، أنشأه العرب على طرف البادية يقضون فيه شؤونهم قبل أن يدخلو الحضر أو يخرجوا منه.
وقد كان العرب في بادية العراق قبل الفتح الإسلامي؛ ونزلت فيه قبائل من بكر وربيعة، وكونوا فيه أمارة المناذرة في الحيرة؛ فكان هذا الإقليم معروفاً لهم وكانت الرحلات من البادية إلى العراق، ومن العراق إلى البادية في حركة مستمرة (ومعلوم أن البصرة إنما خططت في الإسلام في عهد عمر بن الخطاب ونزل بها العرب على منازلهم من يمنية ومضرية) ولكن يظهر أن المربد كان قبل أن تخطط البصرة، وكان قبل الإسلام؛ وربما فهم ذلك من قول الطبري: بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان فقال له أنطلق أنت ومن معك حتى إذا كنتم في أقصى أرض العرب وأدنى أرض العجم فأقيموا. فأقبلوا حتى إذا كان بالمربد وجدوا هذا الكذان قالوا ما هذه البصرة.
وقال في اللسان (في مادة ب ص ر) وقال أبن شميل: البصرة أرض كأنها جبل من جص وهي التي بنيت بالمربد وإنما سميت البصرة بصرة بها. ولكن أخباره في الجاهلية منقطعة أو معدومة مما يدل على قلة خطره إذ ذاك، إنما كان له الخطر بعد أن فتح العرب العراق وسكنوه وخططوا البصرة، فقد أنشئت فيه المساكن بعد أن كان مربداً للإبل فقط. واتصلت العمارة بينه وبين البصرة حتى قالوا فيه: (العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة، ودارين عين المربد)
стр. 1265
وقد كان المربد في الإسلام صورة معدلة لعكاظ، كان سوقاً للتجارة، وسوقاً للدعوات السياسية وكان سوقاً للأدب. جاء في كتاب (ما يعول عليه) المربد كل موضع حبست فيه الإبل. . ومنه سمي مربد البصرة لاجتماع الناس وحبسهم النعم فيه. كان مجتمع العرب من الأقطار، يتناشدون فيه الأشعار؛ ويبيعون ويشترون وهو (كسوق عكاظ) وقال العيني: (مربد البصرة. . . محلة عظيمة فيها (البصرة) من جهة البرية كان يجتمع العرب من الأقطار ويتناشدون الأشعار ويبيعون ويشترون).
وليس يهمنا هنا أثره السياسي والأدبي، وهما مرتبطان بعضهما ببعض أشد الارتباط. فلا داعي للتفريق بينهما؛ فقد كانت الأحزاب السياسية تنتج أدباً من خطب وشعر، وكانت الخطب والشعر تقوي الأحزاب السياسية وتساعد في تكوينها والحروب بينهما.
المربد في عصر الخلفاء الراشدين
كانت أهم الأخبار في ذلك العصر ما كان بعد قتل عثمان أبن عفان من سير عائشة أم المؤمنين إلى البصرة، فأنها نزلت بفضاء البصرة ورأت أن تبقى خارجها حتى ترسل إلى أهلها تدعوهم بدعوتها، وهي المطالبة بدم عثمان، وبعبارة أخرى الخروج على عليّ؛ وكان معها طلحة والزبير، ثم سارت إلى المربد معهما وخرج إليها من قبل دعوتها، وخرج إلى المربد كذلك عامل عليّ على البصرة، وهو عثمان بن حنيف ومن يؤيده، وأصبح المربد وهو يموج بمن أتى من الحجاز ومن خرج من البصرة، حتى ضاق المربد بمن فيه؛ ورأينا المربد مجالاً للخطباء ممن يؤيد عائشة ومن معها، ومن يؤيد علياً وعامله. أصحاب عائشة في ميمنة المربد وأصحاب علي في ميسرته؛ ويخطب في المربد طلحة ويمدح عثمان بن عفان، ويعظم ما جنى عليه ويدعو إلى الطلب بدمه ويخطب الزبير كذلك وتخطب عائشة أم المؤمنين بصوتها الجهوري ويؤيدهم في ميمنة المربد، ويقولون صدقوا وبروا وقالوا الحق وأمروا بالحق، ويؤثر قول عائشة في أهل الميسرة فينحاز بعضهم أليها ويبقى الآخرون على رأيهم وعلى رأسهم عثمان بن حنيف، ويخطبون كذلك يبينون خطأ الدعوة وأن طلحة والزبير بايعا علياً فلا حق لهما في الخروج عليه، ويؤيدهم أبو الأسود الدؤلي وأمثاله.
وهكذا ينتقل المربد إلى مجمع حافل، فيه الدعوات السياسية مؤيدة بالحجج والبراهين وفيه
стр. 1266
معرض البلاغة من خطب طويلة وجمل قصيرة متينة، وفيه الجدل والمناظرة وبحث أهم الأحداث في ذلك العصر، وهو مقتل عثمان بن عفان، وتحديد المسؤولية في قتله. ولم تفد هذه الحرب اللسانية فانتقلت إلى حرب بالسلاح وأصبح المربد ساحة للقتال.
المربد في عهد بني أمية
كان العصر الأموي أزهى عصور المربد، ذلكم لأن العرب كانوا قد هدءوا من الفتح واستقرت الممالك في أيديهم، وأصبح العراق مقصد العرب، يؤمه من أراد الغنى وخاصة البصرة، جاء في الطبري (أن عمر بن الخطاب سأل أنس بن حجية وكان رسولاً إلى عمر من العراق فقال له عمر: كيف رأيت المسلمين؟ فقال إنثالت عليهم الدنيا فهم يهيلون الذهب والفضة، فرغب الناس في البصرة فأتوها) وكان المربد باب البصرة يمر به من أرادها من البادية، ويمر به من خرج من البصرة إلى البادية، ويقطنه قوم من العرب كرهوا معيشة المدن، ويقصده سكان البصرة يستنشقون منه هواء البادية، فكان ملتقى العرب، وكانوا يحيون فيه حياة تشبه حياة الجاهلية من مفاخرة بالأنساب وتعاظم بالكرم والشجاعة، وذكر لما كان بين القبائل من أحن، فالفرزدق يقف في المربد ينهب أمواله فعل كرماء الجاهلية (حكي في النقائض أن زياد بن أبي سفيان كان ينهى أن ينهب أحد مال نفسه، وأن الفرزدق أنهب أمواله بالمربد، وذلك أن أباه بعث معه إبلاً ليبيعها فباعها وأخذ ثمنها فعقد عليه مطرف خز كان عليه، فقال قائل لشد ما عقدت على دراهمك هذه، أما والله لو كان غالب ما فعل هذا الفعل فحلها ثم لأنهبها، وقال من أخذ شيئاً فهو له، وبلغ ذلك زياداً فبالغ في طلبه فهرب. . . فلم يزل في هربه يطوف في القبائل والبلاد حتى مات زياد.)
وكان الأمويون على وجه العموم يعيشون عيشة عربية ويحتفظون بعربيتهم، أن أخذوا شيئاً من الحضارة صبغوه بصبغتهم وحولوه إلى ذوقهم وكذلك فعل عرب البصرة، أرادوا أن يكون لهم من مربد البصرة ما كان لهم من سوق عكاظ في الحجاز فبلغوا غايتهم. وأحيوا العصبية الجاهلية. وساعد الخلفاء الأمويون أنفسهم على أحيائها لما كانوا يستفيدون منها سياسياً، فرأينا ظل ذلك في الأدب والشعر، ورأينا المربد في العصر الأموي يزخر بالشعراء يتهاجون ويتفاخرون، ويعلي كل شاعر من شأن قبيلته ومذهبه السياسي، ويضع من شأن غيره من الشعراء ومذاهبهم السياسية.
стр. 1267
ومن أجل هذا خلف لنا المربد أجل شعر أموي من هذا النوع. فكثير من نقائض جرير والفرزدق والأخطل كانت أثرأ من آثار المربد قيلت فيه، وصدرت عما كان بينهم من منافرة وخصومة. يروي الأغاني أن جريراً والفرزدق اجتمعا في المربد فتنافرا وتهاجيا وحضرهما العجاج والأخطل وكعب بن جعيل ألخ في خبر طويل.
كان كل من جرير والفرزدق يلبس لباساً خاصاً ويخرج إلى المربد ويقول قصائده في الفخر والهجاء، والرواة يحملون إلى كليهما ما قاله الآخر فيرد عليه. قال أبو عبيدة (وقف جرير بالمربد وقد لبس درعاً وسلاحاً تاماً وركب فرساً أعاره إياه أبو جهضم عباد بن الحصين.) فبلغ ذلك الفرزدق فلبس ثياب وشى وسواراً وقام في مقبرة بني حصن ينشد بجرير والناس يسعون فيما بينهما بأشعارهما فلما بلغ الفرزدق لباس جرير السلاح والدرع قال:
عجبت لراعي الضأن في حطمية … وفي الدرع عبد قد أصيبت مقاتله
ولما بلغ جريراً أن الفرزدق في ثياب وشى قال:
لبست سلاحي والفرزدق لعبة … عليه وشاحاً كرج وجلاجله
وما زالا كذلك يتهاجيان ويقولان القصائد الطويلة الكثيرة حتى ضج والي البصرة فهدم منازلهما بالمربد فقال جرير:
فما في كتاب الله تهديم دارنا … بتهديم ماخور خبيث مداخله
стр. 1268
من طرائف الشعر
مداعبات شوقية لم تنشر
قصيدة أخرى لم تكتمل، قيلت في مكسويني حصان الدكتور محجوب ثابت أيام الثورة المصرية حين كان الدكتور يرتاد (بار اللوا) وجريدة الأهرام.
تُفدّيك يا مكس الجياد الصلادم ' … وتفدى الأساةُ النُطسُ من أنت خادم
كأنك إن حاربت فوقك عنتر … وتحت أبن سينا أنت حين تسالم
ستُجزى التماثيل التي ليس مثلها … إذا جاء يوم تُجزى البهائم
فأنك شمسٌ والجياد كواكب … وأنك دينار وهنَّ الدراهم
مثال بساح البرلمان منصَّب … وآخر في (بار اللوا) لك قائم
ولا تظفر (الأهرام) ألا بثالث … مزاميرُ داود عليه نواغم
وكم تدَّعي السودان يا مكس هازلاً … وما أنت مسوَدٌ ولا أنت هازل
وما بك مما تبصر العين شُهبةً … ولكن مشيب عجَّلته العظائم
كأنك خيل الترك شابت متونها … وشابت نواصيها وشاب القوائم
فيا ربَّ أيام شهدت عصيبة … وقائعها مشهورة والملاحم
وهذه قصيدة أخرى لم تكمل قيلت في الدكتور محجوب أيام الثورة أيضاً والشاعر يشير فيها إلى ألفي جنيه كان الدكتور قد أكتنزها وحرص عليها في بنك حسن باشا سعيد
قل لأبن سينا لا طبي … ب اليوم ألا الدرهم
هو قبل بقراط وقب … لك للجراحة مرهم
والناس مذ كانوا علي … هـ دائرون وحُوَّم
وبسحره تعلو الأسا … فل في العيون وتعظُم
يا هل ترى الألفان وق … فٌ لا يمس ومَحْرم
بنك السعيد عليهما … حتى القيامة قيم
لا شيك يظهر في البنو … ك ولا حواة تخصم
وأعفَّ من لاقيت يل … قاه فلا يتكرَّم
стр. 1269
الغريب
للشاعر الوجداني الرقيق أحمد رامي
يا نسيم الفجر ريّان الندى … مالذي تحمل من أرض الحبيب؟
فرح الكون بلقياه غدا … والأسى غَيمانُ في عين الغريب
غرَّد الطير وغنى … كل إٍلفْ يتهنى
وأنا قلبيَ حنا … أرسلَ الشكوى وأنا
آهةٌ تترى … مقلة شكرى
تيصر الأحباب من بين الدموع … رائح منهم وغاد
وترى بالظن أيام الربيع … لخيالي وفؤادي
يا نسيم الفجر
نادياً بالزهر
رنم الدوح ورَن الجدول … وسرت في الجو أنفاس العبير
وبدا النور فصاح البلبل … داعياً للشدو أسرابَ الطيور
والنجوم … في الغيوم
لبست منها نقاب
والشفق … في الأفق
لونه وردٌ مذاب
كل ما في الكون بشرٌ وهنا! وأنا؟
أنا ما زلت غريباً مفرداً … في ديار عزّني فيها الحبيب
فرح الكون بلقياه غداً … والأسى غيمان في عين الغريب
стр. 1270
احساساتي
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
قال الأستاذ حفظه الله من كتاب خاص:
نزلت قبل أسبوعين تقريباً من السيارة عند باب السوق. أريد مقابلة أحد الكتبيين فسقطت مغمى عليّ، فحملوني في عربة إلى داري. وبعد انتباهي قلت لعل يومي قد أقترب، ونظمت قصيدة (حساساتي) ورجحت نشرها في رسالتك الغراء.
قد أنَى يا منيتي أن تعودي … بي إلى حيث كنتُ قبل وجودي
حيث لا أقتني شعوراً يُريني … كيف أدنو للفوز بالمقصود
حيث لا نبض في عروقي ولا ضر … بُ لقلبي ولا حراك لعُودي
هوِّني يا نفس فعلّكِ تستطي … عين عن هوة الردى أن تحيدي
ليت أن الحياة ترجع في يو … م إلى جسم الميِّت الملحود
ليس من هنا الموت يا نفسُ بدُّ … فهو للناس من تراث الجدود
يا أمانيّ فارقيني ويا نف … سُ وداعاً ويا حُشاشةُ جودي
بعد أيام قد تقاربن مني … أنا يا نفسي وداعاً لا محالة مودي
وسواء عليّ من بعد موتي … أن تبيدي معي وألا تبيدي
وسواء أكنتُ أحيا سعيداً … قبل موتي أم لم أكن بسعيدِ
وإذا كنتِ لا تبيدين، نفسي … تبعاً لي فأستبشري بالخلود
وإذا الشيخ بات يشكو الوَنَى وال … وهن فالموت عنه غيرُ بعيدِ
سيقولون شاعر غاب في اللح … د وكم غاب مثله في اللحود
لا تخافي عليَّ فالموت سهل … لا كما ينعتونه بشديدِ
لا تخافي، فالموت ليس على الأر … ض ولا في سمائها بجديد
سبقتني إلى المقابر موتي … أنا في الراحلين غيرُ وحيد
من قضى نحبه فنام بقبر … لا يبالي طول الليالي السود
غير أني ما سئمت حياتي … وهبوطي وهادَها وصعودي
فأرى راحة بقبري وان نا … لت على وجه الأرض مني جهودي
стр. 1271
أننا، والفراق صعب، سننقض … إلى غير ملتقى وشهود
جمع الدهر حقبة شملنا ث … م رمته يداه بالتبديد
ما بلغنا من اللبانات يا نف … سي سوى النزر بعد جهد جهيدِ
أنت يا (ليلى) كنت ماثلة لي … كلَّ يوم في يقظتي وهجودي
أنا ماض إلى لقاء المنايا … بخُطىً ليس مشيها بوئيد
عانقيني قبل النوى لوداعي … وضعي الجيد ساعة فوق جيدي
وانظريني بأعين باكيات … ترسل الدمع مثل دُر نضيد
لهف نفسي على صُبابة عيش … هو لولاك لم يكن برغيدِ
أبِّنيني يا نفس فوق ضريحي … بقواف رقيقة وأعيدي
غن لي يا هزار أغنية النو … م على قبري كي يطيب رقودي
ولعلَّ الصبا تمر رخاءً … فوق ملحودتي فتنعش عودي
لستُ أدري أللفناء سنمضي … بعد ما قد نموت أم للخلود؟
حبذا لو حظيت من بعد موتي … بحياتي التي انتهت من جديد
أنني في شك وان ملأ واسم … عي بوعدٍ يروونه ووعيد
لا تثق بالجمهور يا عقل يوما … أن رأي الجمهور غير سديد
ولعلي رجوت ما ليس يرجى … ولعلي حمدت غيرَ حميد
بعد نومي على فراشٍ وثيرٍ … عن قريب أنام في أخدودِ
لا أنيس ولا نسيم ولا نو … رٌ يزيل الظلام من ملحودي
آه يا نفس إن ذلك سهل … لو نسينا ما فيه من تجريد
يوم لا نبصر الربيع ولا نص … غي لأنغام البلبل الغرِّيد
شاعر الروض يرسل الشدو شجواً … جاثماً فوق ناعم أملود ِ
يوم لا تطلع النجوم علينا … باسمات من السماء كخُودٍ
يوم لا يسفر الصباح لنا من … جانب الشرق قائماً كعمود ٍ
يوم أيدي الردى تجردني من … كل مالي من طارفٍ وتليدِ
أنا يا صحبي واحدٌ كنت منكم … فاذكروني ولا تنسَوا عهودي
стр. 1272
أنا في قبري اليوم عنكم بعيدٌ … وأنا عنكم فيه غير بعيدِ
خير قبرٍ يسقى تراب حفيري … هو يا صحبي عبرةٌ من ودودِ
وإذا كان للفقيد بقلبٍ … خافقٍ مثوى، فهو غير فقيدِ
ولعل البكاء غير ' مُسلٍ … ولعل البكاء غير مفيدِ
تأكل الأرض كل حيٍّ فلا تُب … قي على والدٍ ولا مولودِ
اسألوها هل امتلأت تقل من … شرهِ في الجواب، هل من مزيد؟
أممٌ كلها تبيد فتأتي … أممٌ أخرى بعدها للبيود
سوف يقفو ركب إلى الموتِ ركباً … ثم لا أشدو خلفه بنشيدي
إنني إن أهلِك فَمنْ لقريضي … يتغنى به ومن لقصيدي؟
حشروني والجامدين، على ما … أخذوا من آبائهم، في صعيد
إنني منذ كنت أشدو بشعري … كان يُوحي إليَّ بالتجديد
أنا لا أدعي الزعامة فيه … غير أني أبث فيه وجودي
قلت شعراً فكاد يأكلُ لمّا … سمعوه كالنار قلب الحسودِ
فدَعوني مقلداً ينظم الشع … ر كما كان في زمان الرشيدِ
كذبوا أنني إلى اليوم ما قلد … ت غيري، مالي وللتقليد؟
حبذا الليل والنهار بعيني … إنني مغرم بكلِ جديدِ
وجديد القريض قرب ' معاني … هـ وبعدٌ له عن التعقيد
وشعورٌ كأنه فلق الصب … ح إذا فاض ضوءه من بعيدِ
لا تُرد للشعور مني حداً … فهو شيء يسمو عن التحديد
حبذا النقد لم يكن حين يغزو … نائلاً من كرامة المنقودِ
لا أغالي، فربما قلت شعراً … لم أكن في قرضي له بالمًجيد
ليس في الأرض شاعر قد نجا في … كل ما قاله من التفنيد
منه بكر يطري، ومنه عوان … لم تحن رتية الكعاب الخريد
قلته لاهياً به في شبابي … من هموم الهوى وبرح الصدود
يومَ للغيد كنت أصبو ومن ذا … ليس يصبو إلى الحسان الغيد؟
стр. 1273
ثم أرهفتُه فكان سلاحي … ثم غنيتُه فكان نشيدي
ثم صيّرته مِجَنّاً يقيني … في (فَروقٍ) من شرّ عبد الحميد
ثم أودعته حقائق تسمو … فأتى جامعاً لكل مفيدِ
حِكَمٌ تهدم التقاليد قد كا … نت تُراعي من أهلها للجمود
عاب في الروض العندليب غراب … قائلاً صه فأنت غير مجيد
فمضى العندليب في شدوه غي … ر مبالٍ بقول ذاك البليد
قائلاً ليس للغراب بروض … زهرُه الغضُّ باسم أغرودي
أنا للورد قد تفتَّح أشدو … فهو إن أصغى تم لي مقصودي
يمّمي يا نفسي السماء فاني … لا أرى في الثرى طريق الخلود
هي ممتدة لغير تناه … وهي منبثَّة لغير حدود
اهتدي بالشعرَى وبعد خفاهاً … من بياض للفرقدين استفيدي
إنما خشيتي ضلالُك في تل … ك المحاني الكثيرة التجعيد
لا تهابي فلستِ أول روح … وَغَلت في هذا الفضاء المديد
لا تهابي فأنتِ يا نفس بعدي … مثل صمصامٍ ليس بالمغمود
ربما جاءوا يمنعونك فيها عن … وصول إلى المقام الحميدِ
أنهم قد يثبطونك عنه … بشهاب يلقونه من بعيدِ
فاصدميهم بما لديك من القوة … في صولة الكَمَيِّ العنيد
وإذا ما قسوا عليك فلاقي … هم بقلب أقسى من الجلمودِ
وإذا ما والوك ِفيها فوالي … وإذا ما عدوا عليك فذودي
ولقد كان الحق في كل جيل … ضائعاً بين سائد ومسود
إن تلك السماء كالأرض هذي … حومةُ تدمى للكفاح الشديد
لا يخيفنّك اللقاء بحرب … هي بالنار تلتظي والحديد
أنتِ حاربتِ للتحرر أعوا … ماً طوالاً فحاربي من جديد
أنتِ في الأرض ما تطأطات حتى … تخضعي في السماء أو تستفيدي
إنما أنت للتمرد لا لل … خسف والرسف في ثقال القيودِ
стр. 1274
وإذا ما لاقيت سداً منيعاً … فأخرقيه بجرأة الصنديدِ
أسرعي واجتازي عوالم تحشو … سُدُماً قد أسرفن في التحشيد
مسرعات إلى التوسع لا ير … ضين ألا أخذ المكان البعيدِ
ليست الطالعاتُ يفجأن، الا … رُسلاً جئن من وراء الوجود
إنما مستقر قافلة الأر … واح في غير العالم المشهود
للذي يبتغي الولوج جريئاً … ليس باب السماء بالمسدودِ
أنت روح ترقى إلى حيث شاءت … لا حجاب لها عن التصعيد
لا تخافي هلكاً من الضرب فيها … أنت روح والروح ليس بمودِ
إنما العز من نصيب الذي يج … رأ والذل حصة الرِّعديدِ
أنتِ إن تعزمي يَهُنْ كلُّ صعبٍ … لا ينال المرادَ غيرُ المُريدِ
أحمد البارئ الذي يتساوى … عنده أيماني به وجحودي
قيل أن الشهيد يحيا لدى الر … بِ فمن ذا في الأرض غير شهيد؟
إنما هذه حقائق صرَّحْ … تُ بها صادعاً بلا تمهيدِ
فأسمعيها ولا تبوحي بها لل … ملأ الأعلى حول عرش المجيدِ
كلنا مؤمن يسبّح للرح … من في ظل عرشه الممدودِ
إنني ما سجدت يوماً لغير ال … له فالله وحده معبودي
اسألي الله أن يخفف سجني … في حفيري وأن يفك قيودي
وسلامٌ عليك يوم فراقي … وسلامٌ عليّ يوم همودي
стр. 1275
في الأدب العربي
الذئب في الأدبين العربي والفرنسي
- ٢ -
قص علينا الشاعر الفرنسي (الفرد ده فيني) حديث المعركة التي نشبت بينه وبين الذئب، وانتهت بموت الذئب ميتة سكينة وطمأنينة، بعد أن تظاهر عليه أربعة من الرجال ببنادقهم ومداهم، يشد أزرهم في هذه المعركة كلب من الكلاب الضارية، سقط هو قتيلاً، وأنياب الذئب الحادة في عنقه قبل أن يسقط الذئب قتيلاً برصاص بنادق الصائدين ومداهم. فصور لنا في هذه الحكاية صورة واضحة تمثل إقدام الذئب وجرأته، وثبات الأم ورصانتها، تستبقي لتعلم أولادها تحمل الجوع، وتحيا لتحذرهم من احتمال الخضوع. وتمثل كذلك احتقار الذئب للحياة وزرايته بها، فقد تركها بعينيه الواسعتين، وأستودعها بنظرتين قويتين، أولاهما إلى أعدائه، وثانيتهما إلى أعضائه، ثم أغمضهما ومات ميتة جبار، بل أستاذ في الجبروت يحق أن يتلذذ عليه (فيني) ليلقي عنه هذا الدرس الأخلاقي. فكيف كان أمر شعرائنا مع ذئابهم؟
ذئب الفرزدق:
كان كل ما عرضه علينا الفرزدق من حديثه مع ذئبه أنه عشاه وصرفه:
وأطلس عسال وما كان صاحباً … دعوت لناري موهناً فأتاني
فلما دنا قلت أدن دونك أنني … وإياك في زادي لمشتركان
فبتّ أقدُّ الزاد بيني وبينه … على ضوء نار مرة ودخان
فقلت له لما تكشر ضاحكاً … وقائم سيفي من يدي بمكان
تعش فان عاهدتني لا تخونني … نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وأنت أمرؤ يا ذئب والغدر كنتما … أُخيين كانا أرضعا بلبان
ولو غيرنا نبهت تلتمس القِرى … أتاك بسهم أو شباة سنان
وأنا لترعى الوحش آمنة بنا … ويرهبنا أن نغضب الثقلان
لا يريد بذلك ألا أن يدلنا على ما عنده من كرم وسخاء، وشجاعة عند اللقاء، لا يصرفه عن طعامه إقبال الذئب عليه ووقوفه بين يديه، فهو الذي قد بينه وبين الزاد، وأناله منه ما أراد،
стр. 1276
مع أنه يعرف ما للذئب من طبيعة الفتك والغدر، ولكنه يعتمد ساعد قوي وسيف باتر.
فقصيدته أذن قصيدة بدوية ليس فيها غير التمدح بالكرم والشجاعة، والجمال الفني فيها قليل.
ذئب البحتري
أما البحتري فقد قدم لنا قصة سينمائية جميلة عن نفسه وذئبه:
وأطلس ملء العين يحمل زوره … وأضلاعه من جانبيه شوىً نهد '
له ذنب مثل الرِّشاء يجره … ومتن كمتن القوس أعوج منأد '
طواه الطوى حتى أستمر مريره … فما فيه ألا الروح والعظم والجلد '
يقضقض عضلاً في أسرتها الردى … كقضقضة المقرور أرعده البرد '
سما لي وبي من شدة الجوع مابه … بيداء لم تعرف بها عيشة رغد '
كلانا بها ذئب يحدث نفسه … بصاحبه، والجد يتعسه الجد '
عوى، ثم أقعى فأرتجزت، فهجته … فأقبل مثل البرق يتبعه الرعد '
فأوجرته خرقاء تحسب ريشها … على كوكب ينقض والليل مسود '
فما أزداد ألا جرأة وصرامةً … وأيقنت أن الأمر منه هو الجد '
فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها … بحيث يكون اللب والرعب والحقدُ
فخر وقد أوردته منل الردى … على ظمأ لو أنه عذب الورد
وقمت فجمَّعت الحصى فاشتويته … عليه وللرمضاء من تحته وقد '
فأرانا ذئبه رؤيا عين، في لونه الأطلس، ومتنه الأعوج المقوس، وجسمه المنهوك، وعظامه المقضقضة، حتى ملأ قلوبنا رهبةً منه، وخوفاً على صاحبه، ثم صور لنا المعركة التي نشبت بينهما حتى كأننا نراها، وكما أنه أجاد في تصوير تلك المعركة وإبرازها إلينا محسوسة مشهودة، لم يقصر في تصوير جرأته وجرأة ذئبه، واستماتة كل منهما في الذب عن نفسه والغيلة على عدوه، حتى جعلنا نؤمن بعظمته وعظمة ذئبه.
كل ذلك في قوالب متينة محكمة في وضوح وجلاء، وفن بديع مونق يملأ البصر والبصيرة، ولعله قد وفق في هذا شعراً إلى ما لم يوفق أليه أديب نثراً.
ذئب الرضي
стр. 1277
أما ذئب الشريف الرضي فانه ذئب البحتري نفسه، وأما الرضي فأنه أبو عبادة:
وعاري الشوى والمنكبين من الطوى … أتيح له بالليل عاري الأشاجع
أغيبر مقطوع من الليل ثوبه … أنيس بأطراف البلاد البلاقع
قليل نعاس العين إلا غيابةً … تمر بعيني جاثم القلب جائع
إذا فات شيء سمعه دل أنفه … وإن فات عينيه رأى بالمسامع
تظالع حتى حك بالأرض زوره … وراغ، وقد روعته، غير ظالع
ولما عوى والرمل بيني وبينه … تيقن صحبي أنه غير راجع
تأدب والظلماء تضرب وجهه … إلينا بأذيال الرياح الزعازع
له الويل من مستطعم عاد طعمة … لقوم عجال بالقِسي النوازع
أخذ ظاهر، وانتحال بين، وهو مع ذلك قد أفاض على حديثه من جمال الفن ما كاد ينسينا حديث أبي عبادة، فلئن فاته حسن تصوير البحتري للمعركة فلم يفته حسن جمالها وتصويرها في صورة صغيرة في بيت واحد:
له الويل من مستطعم عاد طعمة … لقوم عجال بالقسي النوازع
دل به على جرأة في مبتداها، وظفر بالعدو في منتهاها.
فإذا وضعنا القصة الفرنسة الحديثة بجانب القصة العربية القديمة وجدنا الفرق بينهما جلياً واضحاً، فالقصة العربية كل الغرض منها التمدح بالكرم والعطاء، والافتخار بالثبات عند اللقاء، وما هذه الصورة المخيفة التي صور بها الذئب إلا لينفذ منها الشاعر إلى ما يريد من مدح نفسه بالشجاعة، فليس فيها صورة خاصة لموت الذئب وساعة نزعه، بل أن الشريط لينقطع عند خبر موته، لأنه لا يهم هؤلاء الشعراء الاسترحام عليه أو الرثاء له، فهو عدو غدار نال حتفه بسيف الشاعر البتار وكفى، فليس بين موت ذئابهم إذن وموت أي حيوان أي فرق.
وأما القصة الفرنسية فهي على وحدة موضوعها وصورة ذئبها الخالدة التي ما تبرح مخيلة القارئ، ولا تنفك تعاوده كلما ذكر الذئب، سامية الغرض جليلة لمغزى نبيلة القصد، فالغرض منها اجتماعي تربيوي ذو شأن، فهو يريد أن ينبه القارئ إلى ما يجب عليه من إجابة دعوة القدر بهدوء وسكون، وتلبية نداء الموت في سبيل الواجب برزانة وصمت،
стр. 1278
لأن الصمت هو العظمة، والبكاء والأنين وأشباههما جبن ونذالة.
فقصيدة (فيني) إذن مجلية في الحلية التي أنشأناها، وهي وحدها تقرب من المثل الأعلى، لأن العقلية غير العقلية والعصر غير العصر وثقافة فيني غير ثقافة هؤلاء الشعراء.
سامي الدهان
стр. 1279
لعلوم
كيمياء الروح
للدكتور أحمد زكي
الكيمياء علم طوّاف جوّال سلك من العالم مسالك لم يدانه في سلوكها علم، ونزل من الأرض منازل لم ينزل في مثلها عرفان، فطورا تراه في البلقع الأجرد ينقر الصخر وينكت في الترب يستخرج معادنه ويتعرف جواهره، وطوراً تراه في الريف الأخضر يطعم النبات بالقوت الأنسب ويسقيه بالقدر الأوفق، وإذا مرض طبَّبه بصنوف الأدوية وحماه من الحَشَرِ بشتيت العقاقير، وطوراً في المدينة، في الحديقة الفسيحة، وفي الجنينة الصغيرة الأنيقة يعنى بزهرها ووردها وبنفسجها، أو بعنبها وتفاحها وبرتقالها ويوسفيها، عنايته بسنبلة القمح ولوزة القطن في الحقل في ظاهر البلد، وتجده في البيت إما في المطبخ قد سبق الطاهي إليه لا بصنوف الأطعمة المستطابة فحسب بل بالآنية والنار، وأما لدى غانية الدار جلس في متزينها ينتظرها بدقيق الأرز ودهن الحيوان وزيت الأزهار وصبغة الأرض ترطب بها جلداً وتورد خداً وتصبغ رمشاً وتزجِّج حاجباً، ويغنيك عن هذا التعداد المفصل أن تسير في حجرة من حجر البيت، وتنظر إلى ركن من أركانه، بل إلى جدران هذه الحجرات وسقوفها وأرضها، فلن تجد شيئاً لا تدخله الكيمياء. كذلك تجد علم الكيمياء في الشارع وفيما فيه من ذي حركة أو سكون، وفي المصنع تصنع الإبرة الصغيرة أو القاطرة الكبيرة، وفي المستشفيات وفي المقابر، وفي كل مظهر من مظاهر المدنية ومظاهر الحياة من مأكول وملبوس ومركوب، وكذلك في مظاهر الموت.
ولهذا الأتساع انقسمت الكيمياء إلى أقسام عدة: فالكيمياء العضوية وغير العضوية والكيمياء الطبيعية والهندسية والحيوية وهلم جرا. ولكن كل هذه موضوعها المادة، موضوعها الأجسام الملموسة الموزونة، سواء في ذلك الأجسام الجامدة والأجسام الحية، وهي إذا عالجت الأجسام الحية فهي لا تُعنى أو لم تكن تعنى ألا بمادتها الصامتة وهيولاها الجامدة دون حياتها وروحها. ولكن العلم طموح، والكيمياء علم، فكان من هذا أن بدأت تطمح إلى ما طمحت اليه وعجزت عنه القرون، تطمح إلى لمحة وراء المادة، ونظرة تختلسها من خلف ذلك الحجاب الأزلي الكثيف الذي فصل ما بين الجسام وأرواحها، تطمح إلى تفهم
стр. 1280
العقل، لا من حيث الخلايا المخية التي هي مركزه، بل من حيث هو اسم لكل مظاهر الذكاء والغباوة والحب والبغض والغضب والحلم واليقظة والنوم، فتكوِّن من ذلك أو كاد يتكون علم جديد لا أجد إسما أنسب له من (كيمياء الروح)
وطريقة هذا العلم الجديد كطريقة كل علم، يبدأ بالمعلوم ليتعرف المجهول. والمعلوم هنا الجسم والمجهول النفس، فهو يحدث تغيرات في الجسم ويرقب أثرها في النفس. وليست علاقة الجسم بالنفس بجديدة، فقديماً عرفنا الصيام يشحذ الفكر إلى حين، والطعام الكثير يثلمه حتى يسلم صاحبه إلى النوم. وسمعنا الفلاسفة والمفكرين في قديم الأزمان يعافون الطعام رغبةً في صفاء البصيرة وجلاء الذهن. ونسمعهم اليوم يترسمون في ذلك سنّة السلف، فغاندي يعيش على اللبن والبرتقال، واينشتين يقنع من اليوابس والسوائل بالقليل الميسور الذي لا يقنع الولد الصغير. ولكن هذه ملحوظات يلحظها الإنسان عفوا وهو لا يدري أين يلحظها ولا متى، وإن هي حانت فهو لا يتعمد لحظها ألا إذا ملكت عليه انتباهه.
ولكن هذا العلم الجديد ينتظر الحوادث ويجثمُ على مرقب عال طلباً للفرص التي قد تمر، وهو إلى جانب هذه الحوادث وتلك الفرص السانحة يخلق لنفسه الحوادث ويفتتح مواطن للتجارب يكون هو العامل الأكبر في إحداثها، والمهيمن الأول على إدارتها وتوجيهها.
جاءت الحرب العالمية فأجاعت كثيراً من الخلق في الأمم المختلفة، وكان من أشدهم جوعاً ألمانيا، وكان من أشد أهلها تأثراً بذلك أطفالها، فتهيأت الفرصة للبحث، فجاء هذا العلم يبحث في الغذاء الذي كان كانت تتعاطاه تلاميذ المدارس أْيام السنوات العجاف، في مقداره ونوعه وعناصره، ويبحث في ذلك لا في أثر ذلك في أجسامهم فحسب، بل في أثره في عقولهم ونفسيتهم وروحهم، لا إجمالاً بل تفصيلاً، فعاهات النفس كعاهات الجسم، وخلل الروح كخلل المادة التي تتقمصها، أي أنها مثلها تختلف في الكيف كما تختلف في الكم، ولكل عاهة أسم إن كان الآن فيه كثير من الإبهام، فأنه إبهام ينجلي لا شك بطول البحث وكثير من الأناة والجلد. وخرج العلم من هذا البحث إلى أن أربعين في المائة من التلاميذ فقدوا مقداراً كبيراً من طاقتهم العصبية العامة بسب فقدهم عناصر هامةً في الطعام، وخرج على أن اختلافات خاصة في الشخصية وتغيرات محدودة في الطبع ترتبط بنقص في بعض جواهر الغذاء الذي كان. ومن النتائج التي خرجوا عليها علاقة بينة بين مرض
стр. 1281
عصبي خاص، مظهره اضطراب وخوف، وبين خلو الطعام من الشحوم الفسفورية والأحماض الدهنية غير المشبعة، ومن الأستيرولات. وليس معنى هذا أن هذه الشحوم مفيدة دائماً في كل مرض. فقد درس شارل مرسيه عالم الأعصاب الإنجليزي المعروف عدة من المرضى بعقولهم فزاد غذائهم من الشحم والسكر والنشأ ونقصه من اللحم فوجد أن الجمع بين هذه الزيادة وهذا النقص زاد المرضى سوءاً على سوء. ولم يجد هذا هو الحال في كل المرضى، دليلاً على أن المرض يختلف، ولو جمع المرضى ظاهر واحد نسميه الجنون. على أننا قديماً قلنا الجنون فنون. ومن الدراسات الأحدث أثر (الفيتامينات) في نفسية الأصحاء. و (الفيتامينات) طائفة من المواد الكيمياوية موجودة في الطبيعة في كثير من الأغذية ولا سيما الفواكه ولتشابهها وتعددها أعطوها حروفاً أ، ب، ج وهلم جراً بمثابة أسماء لها. درسوا الأثر الناشئ من قلة الفيتامين ج في الغذاء أو انعدامه فيه فوجدوه يسبب في النفس هموداً تستتر وراءه حدة في الطبع وقابلية للتهيج شديدة. وهذه النتيجة تتفق تماماً مع ما لاحظه رواد القطب الشمالي من المستكشفين لما قلت مواردهم وخف زادهم، وهو زاد قليل الفيتامينات أو عديمها بطبيعة الحال. فأنهم كانوا دائماً يجدون الكسل في نفوسهم وحب الشجار في قلوبهم، يثورون أليه للسبب الحقير التافة كأنما يجدون فيه متنفساً من ضيق.
وهناك نوع من الجنون يصحبه مثل هذا الهبوط في النفس يعتري الرجل وقد أكتمل نموه وبلغت حيويته أقصاها. دخل هذا المرض في دائرة علم الكيمياء الروحي من سنوات قريبة واسترعى همة كثير من البحاث، وقد بدأوا يصفونه لا بخلل نفسي محض بل بخلل في الجسم واضطراب في وظائفه. أي أن ذلك العقل ساء لما ساءت كيمياء التربة التي أنبثق فيها، وتلك الشخصية الوقورة ضاع اتزانها لما ضاع أتزان بين الغدد التي تهيمن في الجسم على دخل السكر إليه وخروجه منه واختزانه فيه. ومصداق هذا أن المرض الذي نحن بصدده يكثر في الأسَر المصابة بالبول السكري، ولعل هذه الحقيقة هي أول ما لفت البحاثَ إلى تلك الغدد ودرس وظائفها في هذا الصنف من المعتوهين. والنوم، ذلك الطلسم الذي أعيا سره الأولين والآخرين، بدأوا يسلطون عليه شعاعات من ذلك العلم الجديد لعلهم يردون أصله الى الكيمياء، وحديثاً نشر (هرمان زندك) نظرية بناها على دراسات مبدئية
стр. 1282
لم تنضج بعد، مؤداها أن الغدة النخامية وموضعها بقاعدة المخ، بها مادة كيميائية تسمى بالهرمونات، وهي واحدة من عدة مواد توجد في الجسم تسمى بالهرمونات، وهرمون هذه الغدة به عنصر البروم، فإذا بدأ النوم يخرج هذا الهرمون البرومي إلى سائر المخ شيئاً فشيئاً حتى يضيع كله، فإذا أستيقظ الإنسان أخذت هذه الغدة تحشد البروم، حتى إذا تكوَّن فيها بقدر معلوم أتى المرء النعاس، وخرج البروم يسير سيرته الأولى. بالطبع هذه النظرية في حاجة إلى بحث كثير من غير واحد لتأييدها، ولكنها إذا تأيدت وأتضح لنا أن النوم ما هو إلا محاولة الجسم إعادة أتزان كيميائي في الرأس لكان في الإمكان إحداث هذا الاتزان في المعمل والاستغناء عن النوم، وبذلك يتضاعف عمر العامل المنتج.
لا نريد أن نعدد كل ما صنع هذا العلم ولا كل النتائج التي خرج عليها ولا الظنون التي لا تزال تساوره ولم تدخل بعد في مضرب الحقائق، فأنه علم وليد، ولكننا نريد أن نؤكد العقيدة البارزة في كل أعماله وهي أن مظاهر الروح الخارجية وثيقة الارتباط بالتفاعلات الكيميائية للجسم الذي تسكنه، وأن الإنسان إذا أنصت يفكر في ضحولة أو عمق، أو تكلم يقرع الحجة بالحجة أو إذا هو سرّ فضحك فزاط وقصف أو تجهم واكتأب فتجرع الحزن في هدوء وصمت، أو إذا هو أحب أو أبغض أو خاف أو تجرأ، فإنما يفعل ذلك بجسمه لا بروحه وحدها، يفعل ذلك بالعقاقير الكيميائية التي بدمه ولحمه وغدده وعصبه وخلاياه جميعاً، وأن هذه الانفعالات تسبب شدتها وكثرتها إجهاداً للمراكز الجسمية التي تصنع هذه العقاقير، وأخص تلك المراكز الغدد التي تقوم بسب العقاقير التي تفرزها بموازنات عدة لتفاعلات متناقضة شتى ينشِأ من اختلالها اختلال الجسم والروح. ولا أدل على هذا من نظرة يلقيها المرء في معترك الحياة التجارية في هذه المدينة الحاضرة حيث تتصارع قوى العيش الهائلة وتصطدم العواصف والآمال تصادم الجبال، أعني بذلك البورصات، فقد دل الإحصاء على أن عدد الإصابات التي سببها تلف يعتري تلك الغدد، كالبول السكري وصنوف معروفة من الجنون، يزداد بعد كل زوبعة من زوابع المضاربات.
وإن كانت انفعالات الروح الطائشة تتلف معمل الجسم الكيميائي الذي في صلاحه صلاحها، كان من الطبيعي إذا اعترى التلف الروح (ذلك السر المعجز) أن نبحث عن سبب هذا التلف في حجرات المعمل، وأن نرد غازات كريهة نشمها ولا نراها تخرج من مداخن
стр. 1283
النفس، إلى الأسباب التي سببتها في بوادق البناء وقواريره، وهذا عمل العلم الجديد: (كيمياء الروح).
стр. 1284
لقصص
الباسمة
قصة مصرية
للآنسة سهير القلماوي. لسانسييه في الآداب
سكت القوم وكأنهم ينصتون إلى نغم سماوي جميل. وكأن النغم قد حملهم من الأرض الدنسة إلى السماء الطاهرة، واستمرت هي في عزفها تهز أوتار القلوب هزاً ضعيفاً مطرباً ثم أتمت عزفها والتفتت إلى السامعين فإذا كل منهم مشدوه، ألهاه الطرب وأنساه النغم أن يظهر إعجابه أو سروره. ورنت ضحكتها العذبة الجميلة فتنبه السامعون ودوى المكان بالتصفيق الشديد.
كنت في السامعين ولم أكن أعرف عنها ألا أنها عذبة الابتسامة وضاحة المحيا، يشع من نفسها سحر عجيب يملأ ما حولها حياة فرحة نشيطة. سألت عنها فقيل أنها تتكسب بعزفها هذا لتعول طفلها الصغير الوحيد. ورحت أسأل عنها هذا وذاك فعرفت أنها شخصية فذة، شخصية نادرة عجيبة. مات أبوها وهي في سن الطفولة، وفقدت أقرباءها واحدا وراء الآخر حتى فقدت زوجها منذ زمن يسير. ولكن الغريب من أمرها أنها برغم هذا كله كانت مبتسمة ومتفائلة دائما. لقد صغرت الدنيا في عينها ولم يسلمها هذا الاستصغار إلى الألم أو الحزن أو اليأس. فهي لم تكن يوماً ما تؤمل من الدنيا شيئاً حتى يخيب أملها فيها. ثم هي لا توقن بشيء من أمر آخرتها. كل ما تعرفه أنها تعيش وأن الحياة شيء بهيج يجب أن تستمتع بها كل الاستمتاع، فمن يدري لعل نهايتها قريبة! بل لعل ألواناً من العذاب تنتظرها بعد حين!
كانت شديدة الشغف بالطبيعة، تخرج أليها كلما استطاعت تستنشق نسيمها وأريج أزهارها، وكأنما تستنشق حياة جديدة فتزيد حيويتها ويزداد بشرها وسرورها.
منذ ذلك اليوم أصبحنا صديقين تزداد معرفة كل منا بالأخرى، يوماً بعد يوم، فيزداد لذلك حبنا ويستوثق رباطنا. ولقد صحبتها في بعض محاولاتها الأخيرة، فقد حاولت لتزيد كسبها أن تطرق ميدان الأدب ثم ميدان التعليم فطرقتها جميعاً وأخفقت في كل منها إخفاقاً لا ذنب
стр. 1285
لها فيه
ولكنها كانت ترجع من كل خيبة وكأنها أول الظافرين وآخرهم! ثم لا يلبث فشلها أن يستحيل سريعاً إلى أمل جميل وعزم وطيد. وفي ذات يوم مرض ابنها مرضاً شديداً فعاونتها على علاجه والسهر عليه رغم إبائها ذلك.
وفي ليلة طاغية شديدة البرد اضطررت إلى تركها بجانب وحيدها العليل. وفي الغد عدت أليها فوجدتها محمرة العينين تنفرج شفتاها عن ابتسامة ساخرة مرة مؤلمة. ترى ماذا حل بهذا الوجه الصبوح المستبشر الذي لم يقو الدهر على قلب ابتسامته أو تشويهها؟ واتجه نظري أولاً إلى الطفل ماذا حل به وأين هو؟ وأخيراً علمت أن طفلها الوحيد الذي كان يربطها بالحياة فارق الحياة أمس مساء. فانهمرت دموعي على رغم ما حاولت من حبسها وأحسست بفراغ حولي وكأنما نار ألهبت رأسي وعيني، فأخذت أبكي وأبكي وظلت هي تكفكف عبراتي وتواسيني وكأني أنا الثكلى المكلومة، أيمكن أن تكون عديمة الإحساس؟ كلا لقد عرفت من حساسيتها الشيء الكثير، ولعل نظرة واحدة إلى ذلك الوجه الجميل تقنع الناظر بالآلام التي تحاول إخفاءها.
كل المصائب التي توالت عليها لم تغبر ابتسامتها، ولكن موت طفلها غير ملامح وجهها كلها. يا ليتها بكت! يا ليتها استطاعت أن تبكي!
وظلت نحو شهر في صراع بين الحزن وبين طبيعتها المرحة الضاحكة، تحاول بكل ما أوتيت من إرادة وعزم أن تتغلب على مصابها فتبتسم كما كانت تبتسم ولكن ابتسامتها أصبحت مبكية مؤلمة تبعث الشفقة والألم بعد أن كانت تبعث المرح والحياة.
لقد لازمت فراشها منذ أيام وكانت متعبة مريضة خائرة الأعصاب فذهبت أعودها يوماً فلم أجد بالدار أحداً، سألت عنها مرتاعة، وأخيراً علمت أنها فارقت الحياة أمس مساءً، سألت ماذا حل بها وأي أمر جديد انتابها؟ فعرفت أنها لم تصب بشيء جديد، وإنما فارقت الحياة وكأنها الشمعة تحترق. فارقتها شيئاً فشيئاً وقد لاقت ربها وعلى فمها ابتسامة رضا وطمأنينة، مرّ إذ ذاك بخاطري قول الشاعر الأمريكي برانيت، ذلك القول الذي كانت تردده أثر كل فشل أو مصاب، والذي ظلت تردده كثيراً في آخر أيامها: (هكذا عش، حتى إذا ما نادى منادي الموت لا تسر إليه كالعبد مسوقاً إلى سجنه بل سر إليه بأيمان ثابت وطمأنينة
стр. 1286
تامة كمن يسحب غطاءه عليه ليستسلم إلى حلم عذب جميل).
стр. 1287
النجوم
للقصصي الفرنسي ألفونس دوديه
عندما كنت أرعى الماشية على جبل (اللبرون) كنت أقضي أسابيع طويلة لا أبصر في خلالها مخلوقاً حياً غير كلبي (لابري) وقطيعي في المرعى، وقسيس جبل (الأور) وبعض عمال (البيامون) مارين من هناك في سبيلهم، تلك الجماعة التي أخرستها الوحدة وشغلتهما عن تسقط أخبار قرى الساحل ومدنه. ولهذا كنت أشعر بالسعادة تمر بي كلما سمعت رنين أجراس بغلنا آتيا يحمل إليّ الزاد كل خمسة عشر يوماً، مرة مع أجيرنا ومرة مع عمتي. فكنت أتلقى منهما أخبار البلد من تعميد وزواج وغير ذلك، وأهتم خاصة بما آلت أليه أبنه سيدي الآنسة ستيفانيث، هذه الآنسة التي فاقت أترابها بجمالها الفاتن، وأستفهم بلباقة عما إذا كانت تكثر من حضور الحفلات العامة أو قضاء الليالي الراقصة، وهل تقدم إلى خطبتها أحد، كل ذلك كنت أقف عليه دون أن أترك لمحدثي سبيلاً يلحظ منه هذا الاهتمام البالغ. ومن يسألني الآن لماذا كانت تعنيني هذه الأمور أجبه بأني شاب في العشرين من عمري وأن الآنسة ستيفانيت أجمل فتاة رأيتها في حياتي.
وفي ذات مرة كنت أنتظر الزاد يوم الأحد فتأخر عن موعد وصوله، فحملت ذلك في الصباح على (حفلة القداس الكبير) وفي الظهر على أن الدابة لم تستطع متابعة سيرها لرداءة الطريق بعد هبوب العاصفة الشديدة، وفي الساعة الثالثة بعد الظهر تماماً، بينما الجو في صفاء أديمه، والجبل يرفل في حلته اللؤلؤية. وخرير المياه يشنف أذني. سمعت رنيناً مطرباً كأنه رنين الناقوس في عيد الفصح، فتحققت أن الدابة التي أنتظرها آتية، ولما تبينتها ملياً لم أر معها لا الأجير ولا العمة وإنما رأيت عليها. . أتعرف من!. . . آنستنا! نعم آنستنا ستيفانيت نفسها، فقد شاهدتها منتصبة على ظهر البغل بين السلال، موردة الوجنتين كأن نقاوة الهواء وطراوة الجو بعثتا في وجهها الحياة.
وقبل أن تطأ قدماها الأرض أخبرتني أن الأجير المسكين مريض لا يغادر فراشه، وأن عمتي (نوراد) غائبة منذ أيام عند أبنائها، ولما سألتها عن سبب إبطائها أجابت (إني ضللت الطريق) ولكن من يبصرها في أبهى زينتها، بشريطها الحريري المغطى بالزهر، وردائها اللماع الحواشي، يحكم بأنها كانت تلهو بالرقص لا بالتفتيش عن الطريق بين الأدغال.
стр. 1288
آه ما ألطف هذه المخلوقة التي لم تملها عيناي وما أجملها! كنت بالأمس أشاهدها أحياناً في الشتاء وأنا عائد في المساء من الحظيرة إلى المزرعة لأتناول طعامي، فكانت تدخل غرفتها وهي في زينتها وكبريائها دون أن تكلم أحداً من الخدم. . . حينئذ علمت أني ما تأملتها من قبل في مثل هذا القرب. وبعد أليست الآن واقفة أمامي في هذه الخلوة التامة فلم لا أعانقها؟
ولما أفرغت (ستيفانيت) السلال أخذت تتأمل ما حولها باهتمام ثم نزعت ثوبها الفضفاض، الذي لا ترتديه ألا أيام الآحاد، خوفاً عليه من التلف، ودخلت المراح تريد أن تشاهد المكان الذي أنام فيه، وفراش القش المغطى بفروة الخروف، ومعطفي الضخم المعلق على الجدار، وهراوتي الغليظة، وبندقيتي العتيقة، فكان في هذه الأشياء مسلاة لها.
- إذن أنت تقضي أيامك في هذا المكان أيها الراعي المسكين؟ لا بد أن تكون قد مللت الحياة في هذه الوحشة وتلك العزلة! وإلا فقل لي ماذا تفعل، وفيم تفكر؟
فهممت بأن أجيبها: (أني أفكر فيك يا سيدتي) كما هو الواقع، ولكني كنت في حالة اضطراب شديد، فلم أجد كلمة واحدة أقولها لها. ولما توسمت وجهها لاحظت أنها شعرت بما يجول بخاطري، وكأني بها أرادت أن تزيد في حيرتي وتلعثمي لتتلذذ في قرارة نفسها، فقالت:
- وصديقتك العنزة الذهبية اللون، هل تزورك أحياناً؟ أنا لا اشك في إخلاص هذه الشيطانة التي لا يلذ لها الجري إلا على رؤوس الجبال. . .
ولكن ستيفانيت بوجهها الضحوك، ورأسها المنحني، وإسراعها في العودة إسراعا كاد يجعل في زيارتها إغماضة عين، كانت أشبه بهذه الشيطانة المذكورة.
- أستودعك الله أيها الراعي.
- سلاماً يا سيدتي.
ولم أتم جوابي حتى كانت في طريقها وليس معها غير سلالها الفارغة. ولما اختفت عن ناظري في المنحدر خلت أن الحجارة المتناثرة من حوافر الدابة كانت تقع على قلبي واحدة بعد واحدة.
ومع أنها أصبحت بعيدة عني فقد ظل صوت الحجارة المتناثرة يدوي في أذني. وبقيت حتى أزف المساء كأنني في غفوة لا أتحرك من مكاني خوفا من أن يتبدد هذا الحلم اللذيذ.
стр. 1289
ولم أصح الا على صوت يناديني من السفح. وكان الليل بدأ يرخي سدوله والقطيع أخذ يزاحم بعضه بعضاً ليدخل الحضيرة. وبينما أنا أفتش عن مكان الصوت ظهرت أمامي فجأة الآنسة ستيفانيت، ولكن بغير الهيئة التي قابلتني بها في المرة الأولى. قابلتني وهي ترتجف من البرد والخوف، وأثوابها مبللة، فعلمت حينئذ أن فيضان نهر (السورغ) في الوادي بعد تلك العاصفة الشديدة أخذ عليها الطريق، فخافت على نفسها إن هي اجتازته. والأغرب من ذلك أنها ساعة ودعتني ما كان يجب عليها أن تفكر في الرجوع إلى المزرعة، وما كان بإمكاني ان اترك القطيع وحده لأرافقها في طريقها الوعر.
ويظهر أن فكرة الإقامة هذه الليلة في الجبل كانت تزعجها ولا سيما عندما كانت تفكر في قلق أهلها عليها. فكنت أهديء من روعها واطمئن بالها بما أستطيع اليه سبيلا. واذكر أني قلت لها أن ليالي يوليو قصيرة، وان السماء يصفو أديمها بعد حين.
وأشعلت النار بسرعة وأخذت أدفئ قدميها وأجفف أثوابها. ثم قدمت اليها شيئا من الجبن والحليب. ولكنها لم تكن لتفكر في الدفء ولا في الأكل تلك الساعة، واسترسلت في النحيب حتى كدت أبكي لبكائها.
ولما أرخى الليل سدوله تماما ولم يبق على قمة الجبل غير شعاع حائل من الشمس، والا قطفة من نور في حواشي الأفق؛ أمسكت بيد الآنسة وأدخلتها المراح لتستريح، فتمددت على فروة ناعمة الصوف كنت قد فرشتها على القش الطري، ثم خرجت من عندها لأجلس لدى الباب متمنيا لها ليلة سعيدة. . .
ويشهد الله أني لم تخامرني فكرة سيئة قط، بالرغم من نار الحب المتأججة في دمي. ولكني كنت فخوراً جداً لأن في زاوية من المراح تنام في حراستي ابنة سيدي كأنها نعجة أثمن من تلك النعاج التي ترمقها بنظرات الاهتمام وأشد منها بياضا.
والحق يقال إنني لم أرَ السماء من قبل بمثل هذا الصفاء الذي رأيتها به في تلك الليلة. ولا النجوم بمثل هذا النور الساطع الذي كانت ترسله. .
وفجأة فتح باب المراح: وظهرت منه ستيفانيت. فالغنم كانت تزعجها بأصواتها فتمنع عنها لذة النوم. لذلك أحبت ان تأتي قرب النار. ولما لاحظت منها ذلك وضعت معطفي على كتفيها وأرّثت النار ثم أدنيتها مني. وبقينا مدة جالسين جنبا إلى جنب لا نجد حديثا نفتحه
стр. 1290
ولا حادثا نشرحه.
ويعلم الذين قضوا بضع ليال في الفلوات أن عالما خفيا يهب من سباته ساعة ينام الإنسان في هذا الانعزال التام والسكون العميق، في هذه الساعة تستيقظ الطبيعة، فالينابيع تغني بصوتها العذب، وترسل المياه الراكدة بريق لألائها السماوي. وتأخذ الأشباح تروح وتجيء، وترتفع في الهواء أنغام خفية وأصوات كالحفيف، وكأن الأغصان أخذت تمتد والأعشاب تنمو. فالنهار يعطي الحياة للمخلوقات الحية، أما الليل فيعطيها للأشياء الميتة. وهذا مما يرعب الإنسان إذا لم يكن له به سابق عهد أو عادة. . ولهذا كانت الآنسة ترتجف أبداً من الخوف، وتلتصق بي كلما سمعت صوتا كأنها طفلة صغيرة.
وفي ذات مرة تعالت جلبة محزنة من المستنقع في الوادي وارتفعت إلينا تموجاتها مع الأثير. ثم رأينا شهابا جميلا يهوي فوق رأسينا من عل ويتجه نحو ذلك المستنقع كأن الضجة التي كرهنا سماعها تحمل معها بارقة خير. فسألتني ستيفانيت:
- ماذا جرى؟
- نفس دخلت الجنة يا سيدتي.
فرسمنا الصليب على صدرنا ثلاثا وبقيت هي تنظر إلى السماء بنفس مطمئنة، ثم قالت:
- أصحيح ما يقال عنكم معشر الرعاة أنكم سحرة؟
- لا يا سيدتي، إنما نحن اقرب هنا إلى النجوم من سكان السهل، ولذلك فنحن أكثر منهم علما بما يجري فيها.
ثم وضعت يدها على فؤادها وقالت:
- ما أكثر هذه النجوم وما أجملها! أنا في حياتي ما رأيت هذا المنظر. . . . هل تعرف أسماءها أيها الراعي؟
نعم أيتها الآنية. . . . انظري! فوق رأسينا تماما ترين (طريق سان جاك) (المجرة) الممتدة من فرنسا إلى إسبانيا، تلك الطريق التي اختطها (سان جاك دي غاليس) ليري الفاتح العظيم (شارلمان) سبيله عندما كان يحارب (العرب) وعلى مسافة منها ترين محفة الأرواح (بنات نعش الكبرى) بأقطابها الأربعة الساطعة. وعلى مقربة منها (الحيوانات الثلاثة). والنجم الصغير المقابل للثالثة هو (السائق)؛ وانظري من حولها هذه النجوم الهاوية، إنها
стр. 1291
النفوس التي لم يقبلها الخالق في جنته. . . . وتحتها بقليل ترين (المشط) أو (الملوك الثلاثة) (الجوزاء) التي نستعين بها على معرفة الوقت. فيكفي أن القي عليها نظرة واحدة لأتأكد أن نصف الليل قد انقضى. وعلى مسافة منها للجنوب يلمع (جان دي ميلان) سراج الكواكب كلها (الشعري اليمانية) واليك الحكاية التي يرويها الرعاة عنها:
في ذات ليلة دعيت الشعري اليمانية و (الملوك الثلاثة) والثريا إلى حفلة زواج إحدى صديقاتها النجوم. فتقدمت الثريا رفيقتيها وانطلقت حتى استقرت في أعالي طبقات الجو كما ترينها؛ ولحق بها (الملوك الثلاثة) بطريق أدنى؛ أما الكسول (جان دي ميلان) فقد أخره نومه عن اللحاق بها، فاغتاظ ورماها بعصاه ليقفها في مكانها. ولهذا يطلقون أحيانا اسم (جان دي ميلان) على (الملوك الثلاثة).
ولكن اجمل النجوم وأكبرها قدرا (نجمة الراعي) التي تنير لنا الطريق في الفجر عندما نخرج بالماشية إلى المرعى، وفي المساء عندما نعود بها إلى الحظيرة. ونسميها أيضا (ماغلون) وهي الجميلة التي تمشي دائما إثر (بير دي بروفانس) (زحل) لتتزوج به كل سبع سنوات مرة واحدة.
- ماذا تقول! وهل من زواج عند النجوم؟
- نعم أيتها الآنسة.
ولما أخذت اشرح لها محور هذا الزواج أحسست بشيء ناعم يثقل على كتفي في لطف ورقة؛ فنظرت فإذا برأسها الناعس متكئا علي، وإذا بشرائطه الحريرية وتخاريمه اللطيفة وشعره المجعد يحتك بي إلى أن بدأت الكواكب تصفر في سمائها، وأخذ ضوء الفجر ينبثق في الأفق البعيد ليمحو أثرها. أما أنا فكنت أتأمل الفتاة النائمة بشيء من الحزن الخفيف. لا أفكر في هدأة الليل وصفائه إلا بكل ما هو جميل وشريف. وعلى جوانبنا تتابع النجوم سيرها ببطء وسكوت كأنها قطيع من الغنم. وبين الفينة والفينة كنت أشعر أن ألطف وأجمل نجمة كانت قد أظلت الطريق فهبطت إلى كتفي فنامت عليه بهدوء. . . .
كيفون (لبنان). محمد كزما
стр. 1292
بلياس ومليزاند
للفيلسوف البلجيكي موريس ماترلنك
ترجمة الدكتور حسن صادق
اركل - من القادم؟
جنفييف - انه بلياس وفي عينيه أثر البكاء.
اركل - هذا أنت يا بلياس؟ اقترب مني حتى أراك في النور.
بلياس - تسلمت يا جدي رسالة من صديقي مارسيللوس في الوقت الذي تسلمت فيه كتاب أخي. . . إن هذا الصديق العزيز علي يعاني ألم الاحتضار. وهو يستقدمني إليه ليراني قبل أن يفارق العاجلة. ويقول في رسالته إنه يعرف بالدقة اللحظة التي سيموت فيها، وأني أستطيع الوصول إليه قبل حلول تلك اللحظة إذا شئت. إني ذاهب إليه في الحال.
اركل - يجب عليك أن تنتظر قليلا، على الرغم من ذلك أننا لا ندري ماذا تعده لنا عودة أخيك. ثم هل نسيت أن أباك ملقى على فراشه في الغرفة التي فوقنا، وقد شفه الداء وبراه السقم؟ أليس من الجائز أن يكون أشد مرضا من صديقك؟ ومن أولى برعايتك وعطفك، الوالد أم الصديق؟ (يخرج)
جنفييف - لا تنس أن تشعل المصباح الليلة يا بلياس (يخرجان متفرقين).
المنظر الثالث
(أمام القصر. تدخل جنفييف ومليزاند)
مليزاند - ما هذا السكون المعتم الذي يخيم على الرياض؟ انه يدخل على النفس الرهبة والاكتئاب! وما هذه الغابات الكثيفة الجاثمة حول القصر؟!
جنفييف - لما وطئت هذا المكان أثار هذا المنظر العجب في نفسي وأخذ منها مأخذا شديدا. انه رائع مخوف يغرق كل من رآه في التأمل العميق. توجد أمكنة لا يرى الإنسان فيها نور الشمس ولا ضوء القمر، فإذا ما طال مقامه بها ألفها واطمأن إليها. . . قضيت في هذا القصر الموحش أربعين عاما أو تزيد قليلا. . . لو نظرت إلى الناحية الاخرى لرأيت نورا ينبعث من ماء البحر.
مليزاند - أسمع حركة قريبة منا.
стр. 1293
جنفييف - نعم. أحد الناس يسير نحونا. . . آه! انه بلياس. .
ما يزال التعب باديا في أسارير وجهه وفي خطواته المتثاقلة. . . لقد انتظركما طويلا.
مليزاند - إنه لم يرنا.
جنفييف - أعتقد أنه رآنا، ولكنه لا يعرف ما يجب عليه عمله، بلياس، بلياس، أهذا أنت؟
بلياس - نعم. إني آت من شاطئ البحر.
جنفييف - ونحن أيضا كنا نبحث عن مكان ينعم بشيء من النور، ولكننا لم نجد مكانا أقل ظلمة من هنا. كنا نرجو أن نجد البحر منيرا فألفيناه قاتماً مكفهرا. . .
بلياس - ستهب الليلة عاصفة كما هبت من قبلها عواصف في الليالي القليلة الماضية. . . ومع ذلك أرى الجو هادئا في هذا المساء، والسماء مصحية والبحر ساكنا لا تعروه رعدة ولا تعلوه موجة، قد يركب البحر الليلة إنسان وهو مطمئن الخاطر مثلوج الفؤاد، حتى إذا بعد عن الشاطئ، دهمته العاصفة، وحطمت السفينة، وابتلعه اليم في جوفه. . .
مليزاند - أرى شيئا يخرج من المرفأ.
بلياس - لا بد ان يكون هذا الشيء سفينة كبيرة. . . الأنوار عالية، وسنرى السفينة بعد قليل حينما تبلغ الموضع الذي فيه أشعة الضوء.
جنفييف - قد يحجبها عن عيوننا الضباب الراقد على سطح البحر فلا نراها.
بلياس - كأني بالضباب يعلو في دءوب وبطء. . .
مليزاند - نعم. . . أرى الآن على البعد نورا ضئيلا لم أره قبل ذلك.
بلياس - هذا هو ضوء منارة. .، توجد منارة أخرى لم نرها بعد.
مليزاند - بلغت السفينة الحيز المضيء. . . إنها الآن بعيدة عن الشاطئ.
بلياس - إنها تبتعد مسرعة وقد نشرت كل شراعها.
مليزاند - وهي التي جازت بي إلى المرفأ. . . إن لها شراعا كبيرا أعرفه حق المعرفة.
بلياس - سيباغتها الليلة هياج البحر!
مليزاند - ولماذا أقلعت في هذا المساء؟. . . اختفت عن الأبصار أو كادت. قد تحل بها كارثة في وحشة الظلام!
بلياس - الليل يبسط على الكون ظلمته في سرعة غريبة (سكوت)
стр. 1294
جنفييف - حان الوقت لدخول القصر. بلياس، دل مليزاند على الطريق. إني ذاهبة لأرى (اينيولد) الصغير وامكث بجانبه بعض لحظات (تخرج)
بلياس - لم أعد أرى شيئا على سطح البحر.
مليزاند - أرى أنوارا أخرى. . .
بلياس - إنها المنائر الأخرى. . . أتسمعين صوتا يأتينا من البحر؟ إنه زفيف الرياح وقد مسحت عن عينيها فتور الكرى. . . هاتي يدك. . . الطريق من هنا.
مليزاند - انظر. . . انظر. . . في يدي أزهار كثيرة!
بلياس - اعتمدي على ذراعي. . . ان الطريق كثيرة الالتواء شديدة الانحدار، والظلام حالك متكاثف. . . في نيتي الرحيل غدا.
مليزاند - أوه! لماذا تنوي الرحيل؟ (يخرجان)
الفصل الثاني
المنظر الأول
(عين ماء في الحديقة. يدخل بلياس ومليزاند)
بلياس - تجهلين دون ريب هذا المكان الذي قدتك إليه. . . إني افزع إليه في كثير من الأوقات فرارا من شدة القيظ. . . الحر خانق اليوم، حتى تحت ظل الشجر!
مليزاند - أوه! الماء صاف!
بلياس - وهو بارد منعش كعهدي به أيام الشتاء. . . هذه عين ماء عتيقة أهملت منذ زمن بعيد، وأظنها كانت تأتي بالمعجزات. . . كانت تشفي الأعمى ولذلك ما يزال الناس يطلقون عليها (عين العمى)
مليزاند - ولم تعد تنتج هذا الأثر؟
بلياس - من يوم أن ضعف بصر الملك وشارف العمى لم يعد يتردد على العين أحد.
مليزاند - ما أثقل الوحدة على صدر الإنسان في هذا المكان! إني لا أسمع فيه حسا ولا ركزا!
بلياس - السكون التام الغريب يألف هذا المكان في كل حين ويستطيب صحبته في كل آن. . . انظري إلى الماء، انه في سبات عميق. . . اجلسي إذا شئت على هذا المرمر الذي
стр. 1295
يحيط بالعين. . . فوق رأسك شجرة الزيزفون لا تخترقها أشعة الشمس.
مليزاند - سأرقد على المرمر. . . إن شوقاً ملحاً يدفعني إلى رؤية القاع.
بلياس - لم ير قط. . . قد تبلغ العين في عمقها البحر.
مليزاند - قد يرى الإنسان قاعها إذا وضح فيه شيء يلمع.
بلياس - لا تنحني هكذا!
مليزاند - أرغب في لمس الماء.
стр. 1296
الكتب
النجوم في مسالكها
هذا هو النقد الذي بعث به إلى الرسالة الأستاذ عبد الحميد سماحة منذ عددين. وكنا على وشك أن ننشره لولا أن رأيناه بروحه ومعناه منشوراً في الأهرام بإمضاء ناقد، فلما كتب الأستاذ في الأهرام انه هو وزميله غير هذا الناقد الحاقد، وأنه ينتظر ظهور نقده في الرسالة ليعلن في الكتاب جملة رأيه، نشرناه اليوم متبوعاً بتعليق للأستاذ الغمراوي حتى لا تحول بين علم الأستاذ وبين جهل المترجمين الذين أقروا الكتاب! وحتى تهيئ الفرصة لمن أحسنوا الظن بالأستاذ أن يوازنوا بين نقده وبين نقد (ناقد)
قال الأستاذ سماحة بعد المقدمة:
يبدو لي ان شخصية المؤلف كان لها تأثير شديد على المترجم فالتزم الترجمة الحرفية التزاما في مواضع كثيرة شوهت من جمالها في الأصل الإنجليزي وأخرجتها في بعض الأحيان عن معناها الحقيقي حتى أصبح من الصعب فهمها دون الرجوع إلى الأصل الإنجليزي.
مثال ذلك: ما جاء من الصفحة الثامنة (وعلى ذلك فلا أقل من ٠٠٠ , ٣٠٠ , ١ أرض يمكن أن يزج بها في الشمس، وفي الأصل الإنجليزي ١ , ٣٠٠ , ٠٠٠
وما جاء في صفحة ٧٤ (رأى السير اسحق نيوتن ان هذا الانحناء المستمر نحو الأرض في مسار القمر إنما يعين أن الأرض تجذب القمر جذبا مستمرا)
. .
وفي الأصل الإنجليزي ص ٦٩ وفي صفحة ٧٧: (منذ عهد نيوتن برهنت الحقائق الفلكية فوق كل شك غير جزاف صدق ما نقرره) وفي الأصل الإنجليزي:
,
وفي آخر صفحة ٩٤: (وليس هناك نواة تستطيع أن تقبض على كهاربها بقوة في طوقها أن تصمد لمثل هذه الحرارة) وفي رأيي أنها لو وضعت في الصيغة الآتية لكانت أدل على المعنى المقصود: (وليس هناك نواة تستطيع أن تستبقي كهاربها في أطواقها عند مثل هذه الدرجة العالية من الحرارة) وما جاء في صفحة ١٠٧: (ولما تكلمنا عن وجه السماء في
стр. 1297
الفصل الأول لم تكن النجوم في اعتبارنا إلا وراءاً بعيداً عن نقط ضوئية) فهنا أيضا يكاد يكون المعنى غير مفهوم.
وفي صفحة ٤٢ في آخر الفقرة الأولى جملة مكررة ليست موجودة في الأصل الإنجليزي (فالجو في النجم يتدخل بالتدريج في مادة النجم نفسها لأن النجم وجوه مصنوعان من مادة واحدة، فالانتقال يتم تدريجيا من مادة الجو إلى المادة الأساسية للنجم نفسه لأن تكوينها واحد)
وفي صفحة ٥٥ وضع المترجم شرحا عن عطارد ذكر فيه أن رؤيته بمصر صعبة نسبياً، والحقيقة أن رؤية عطارد ممكنة في مصر.
أما ترجمة بقدر بمرتبة، فلا زلت على رأيي الذي كاشفته به قبيل إصدار الكتاب وهو أن النحت هنا غير جائز بالمرة إذ أن كلمة قدر هي اصطلاح فني يدل على درجة لمعان النجم ويقابلها في الإنجليزية وكلاهما أقدم على الزمن من جينز ومؤلفات جينز وليس لمؤلف أو لمترجم أن يثور على الاصطلاح بغير ما سبب قوي وبمثل هذه السهولة، أما ما أشار اليه المترجم في مقدمة صفحة ح من أنه راجع كتاب محمود باشا الفلكي لمعرفة أسماء النجوم والكوكبات العربية، فالذي أعرفه أن محمود باشا ليس له مؤلفات باللغة العربية أو على الأقل في هذه الناحية من البحث، وأن الكتاب الذي يشير إليه الدكتور الكرداني هو كتاب (الدرر التوفيقية في علم الفلك والجيوديزية) والمؤلف هو إسماعيل بك مصطفى الفلكي وليس محمود باشا، أما ما يصح أن نسميه تمصير الكتاب فقد نجح بذلك المترجم إلى حد كبير، وهو مجهود يستحق الثناء، فأكرر تهنئتي له واشكره على ما نسبه لي في مقدمة الكتاب.
تعليق الأستاذ أحمد محمد الغمراوي
أظن أهم ما في نقد الأستاذ سماحة قوله أن الترجمة في مواضع كثيرة حرفية شوهت من جمال الأصل وأخرجته في بعض الأحيان عن معناه الحقيقي حتى أصبح من الصعب فهمها دون الرجوع إلى الأصل. وهذا النقد لو صح لكان عيباً كبيراً في الترجمة لا يمكن الاعتذار عنه بحال. لكن الأمثلة التي ساقها الأستاذ سماحة توضيحا لرأيه هذا تكفي في ذاتها لنقضه. فقد ذكر أمثلة ثلاثة قرن في كل منها الترجمة بمقابلها من الأصل وأشار في
стр. 1298
كل إلى الموضع الذي لم يرضه من الترجمة والى ما يقابله. والذي لم يرضه في كل مثال هو في الغالب كلمة في جملة، وهذا يقرب مسافة الخلف بيننا وبينه إذ لو كانت الترجمة حرفية بالمعنى الذي يزعم لكانت الجملة كلها محل اعتراض لا كلمة واحدة منها أو كلمتان فإذا رجعنا إلى الكلمة أو التعبير الذي أعترض عليه لم نجد لهذا الاعتراض محلا. فالجمل العربية في جميع الأحوال إلا لشخص لا يعرف معنى مثل (يزج بها) و (شك غير جزاف). ولم يدر بخلد المترجم ولا المراجع أن في أي هذين التعبيرين ما يستغلق على أحد اللهم إلا على تلميذ يكون من صالحه عندئذ أن يكشف أو يسأل عما استغلق عليه. ثم الجمل العربية في جميع الأحوال ليست ترجمة للأصل حرفا بحرف بل فيها من التصرف قدر بسيط ينجيها من الحرفية المكروهة من غير أن يحرمها من الدقة.
على أن يحسن بنا أن ننبه هنا إلى أن الحرفية في الترجمة ليست دائما مكروهة وإنما تكره عندما يختلف الذوق في اللغتين. فإذا اتفق الذوقان كما يحدث في مواطن غير قليلة لم تكن الحرفية شيئا مكروها بل كانت مستحبة أو واجبة لأنها عندئذ تكون أسهل وأدق وأرضى للضمير الذي يطالب بالأمانة المطلقة في الترجمة كما يطالب بالأمانة المطلقة في النقل. فليس بعيب على مترجم أن يلتزم الأصل حتى في التراكيب ما دام مثل هذا الالتزام لا يؤدي في الترجمة إلى ما يأباه ذوق اللغة المنقول إليها أو يخالف معنى الأصل المنقول عنه. وليس في الأمثلة التي جاء بها الأستاذ سماحة ما يمكن ان يدل على أن الترجمة التي نحن بصددها فيها ما يخالف الذوق العربي أو يفيد معنى لا يفيده الأصل الإنجليزي. حتى الجملة التي قال أنها مكررة في صفحة ٤٢ تكررا ليس في الأصل الإنجليزي معناها نفس معنى الجملة التي قبلها وإن اختلفت عنها كثيرا في اللفظ، فلو كان هذا التكرار مقصودا من المترجم لكان فيه ما يشهد بأنه يذهب إلى ما وراء الحرف بكثير إذا رأى ان توضيح المعنى يستدعي ذلك. لكن أكبر الظن أن الجملتين ترجمتان لجملة إنجليزية واحدة كان يراد اختيار واحدة منهما فحال دون ذلك سهو أو شبهة ثم لم يفطن إلى تكرار المعنى عند المراجعة لاختلاف التركيب من ناحية ولأن مثل هذا التكرار قد يلجأ اليه المؤلف لتوضيح أو لتوكيد.
وكون الأستاذ سماحة قد فطن إلى أن التكرار هنا غير موجود بالأصل يقظة منه محمودة
стр. 1299
من غير شك كنا نود لو أنها ساعفته حين أراد التعرض للجملة التي أخذها عن آخر صفحة ٩٤ فقد التبست عليه كلمة (طوق) بمعنى الوسع والطاقة بكلمة (طوق) بمعنى كل ما استدار بشيء، فاقترح الجملة التي يراها القارئ في مكانها من نقده. ولو كان هذا هو المعنى المقصود لكانت الجمل هي المثل الوحيد الذي جاء به الأستاذ على سوء الترجمة، لأن الجملة تصبح مضطربة غير مفهومة لو كانت كلمة (طوق) فيها معناها مدار كما فهم الأستاذ سماحة وكما تدل عليه جملته التي اقترح. ولو أن الأستاذ تجشم مراجعة الأصل في هذا أيضا لتدارك قلمه قبل ان يفرط منه ما فرط أو لعل الأستاذ سماحة راجع الأصل واستباح مع ذلك أن يتصرف في ترجمته. هذا التصرف الغريب لأنه من الآخذين بمذهب التصرف الواسع في الترجمة. وهو مذهب له أنصاره لسهولته.
ولأنه يحل شخصية المترجم محل شخصية المؤلف، ولعل هذا هو السر في أن الأستاذ سماحة عاب على المترجم أن سمح لشخصية مؤلف كتاب (النجوم في مسالكها) بالتغلب على شخصيته. ولو كانت المسألة مسألة مغالبة بين شخصيتين لكان هذا عيبا لكننا نفهم واجب المترجم على عكس ما يفهم الأستاذ، نفهمه على انه جهاد في سبيل إظهار شخصية المؤلف كما تتجلى في كتابه، وإخفاء شخصية المترجم تماما إن أمكن. واكبر صعوبة في الترجمة كما نراها هي في ذلك الإظهار وهذا الاخفاء، اذ ليس من السهل أن يتخلى مترجم عن شخصيته ويجتهد في تقمص شخصية مؤلف مكانها ليخرج للناس ترجمة تكون في اللغة المنقول إليها مثل الأصل في اللغة المنقول عنها. هذا مثل أعلى في الترجمة يقترب الإنسان منه كما يشاء من غير أن يبلغه. ويظهر أن الدكتور الكرداني قد نجح في الاقتراب منه إلى حد أن التبس الأمر على الأستاذ سماحة فظن المسألة مسألة شخصية غلبت شخصية، وما هي إلا مسألة مبدأ في الترجمة قائم على الأمانة والتضحية قد أفلح الأستاذ المترجم في اتباعه وتوخيه.
بقيت الملاحظتان الفلكيتان اللتان ذكرهما الأستاذ سماحة. فأما مسألة قدر ومرتبة فإنا نظن الحق معه فيها، وإن كان هذا ليس معناه أن يحرم مثل الأستاذ الكرداني من إبداء رأيه بصورة عملية في مسألة مصطلح من مصطلحات لم يستقر الناس فيها بعد على قرار. وإما مسألة رؤية عطارد فان القول الذي كان قاله الدكتور الكرداني من أنها صعبة نسبيا لا
стр. 1300
ينبغي أنها ممكنة كما يقول الأستاذ سماحة. ولعله يحسن هنا إنصافاً للاثنين أن نقول أن الدكتور الكرداني أراد أن يستوثق من الأمر فسأل الأستاذ سماحة فكان رأيه أن رؤية عطارد غير ممكنة في مصر، فراجعه في ذلك حتى اتفقا على خير تعبير هو (صعبة نسبياً) وقد غيره الدكتور الكرداني بعد إلى (سهلة نسبياً). فإذا كان الأستاذ سماحة يخبرنا الآن أن رؤية عطارد ممكنة يريد سهلة فمرحبا بخبره، لكن كان الأولى أن يقول سهلة أن كان هذا مراده فان لم يكن هذا مراده فقد أقر الرأي الأول ولم يكن في ملاحظته فائدة للناس.
وأما مسألة الفلكي باشا فهو إسماعيل مصطفى باشا لا محمود باشا، فملاحظة الأستاذ سماحة هي في صميمها حق، إلا في ما تفيده من أن المترجم قال انه راجع محمود باشا الفلكي فان ما قاله المترجم في مقدمته لا يفيد إلا انه خالف من غير أن يستلزم انه راجع. وعلى أي حال فان معلومات المترجم التي نسبها للفلكي باشا في صلب الكتاب هي كما أذن لنا المترجم أن نقول مأخوذة كلها عن الأستاذ سماحة وان سماه الأستاذ سماحة إسماعيل بك وسمته نسخة دار الكتب للدرر التوفيقية إسماعيل مصطفى باشا. وهذي كانت إحدى أيادي الأستاذ التي نوه بها الدكتور الكرداني في مقدمته وأراد أن ينوه بها بصورة عملية فطلب إليه أن ينقد الكتاب.
وبعد فقد كنا نود لو قصر الأستاذ سماحة نقده على الناحية الفلكية التي هو من رجالها فاشبع فيها القول، أما الناحية اللغوية فلها رجالها، وكثير منهم من أعضاء لجنة التأليف والترجمة والنثر التي تولت إخراج الكتاب.
следующие страницы →