Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
الكتب
النجوم في مسالكها
هذا هو النقد الذي بعث به إلى الرسالة الأستاذ عبد الحميد سماحة منذ عددين. وكنا على وشك أن ننشره لولا أن رأيناه بروحه ومعناه منشوراً في الأهرام بإمضاء ناقد، فلما كتب الأستاذ في الأهرام انه هو وزميله غير هذا الناقد الحاقد، وأنه ينتظر ظهور نقده في الرسالة ليعلن في الكتاب جملة رأيه، نشرناه اليوم متبوعاً بتعليق للأستاذ الغمراوي حتى لا تحول بين علم الأستاذ وبين جهل المترجمين الذين أقروا الكتاب! وحتى تهيئ الفرصة لمن أحسنوا الظن بالأستاذ أن يوازنوا بين نقده وبين نقد (ناقد)
قال الأستاذ سماحة بعد المقدمة:
يبدو لي ان شخصية المؤلف كان لها تأثير شديد على المترجم فالتزم الترجمة الحرفية التزاما في مواضع كثيرة شوهت من جمالها في الأصل الإنجليزي وأخرجتها في بعض الأحيان عن معناها الحقيقي حتى أصبح من الصعب فهمها دون الرجوع إلى الأصل الإنجليزي.
مثال ذلك: ما جاء من الصفحة الثامنة (وعلى ذلك فلا أقل من ٠٠٠ , ٣٠٠ , ١ أرض يمكن أن يزج بها في الشمس، وفي الأصل الإنجليزي ١ , ٣٠٠ , ٠٠٠
وما جاء في صفحة ٧٤ (رأى السير اسحق نيوتن ان هذا الانحناء المستمر نحو الأرض في مسار القمر إنما يعين أن الأرض تجذب القمر جذبا مستمرا)
. .
وفي الأصل الإنجليزي ص ٦٩ وفي صفحة ٧٧: (منذ عهد نيوتن برهنت الحقائق الفلكية فوق كل شك غير جزاف صدق ما نقرره) وفي الأصل الإنجليزي:
,
وفي آخر صفحة ٩٤: (وليس هناك نواة تستطيع أن تقبض على كهاربها بقوة في طوقها أن تصمد لمثل هذه الحرارة) وفي رأيي أنها لو وضعت في الصيغة الآتية لكانت أدل على المعنى المقصود: (وليس هناك نواة تستطيع أن تستبقي كهاربها في أطواقها عند مثل هذه الدرجة العالية من الحرارة) وما جاء في صفحة ١٠٧: (ولما تكلمنا عن وجه السماء في
стр. 1297
الفصل الأول لم تكن النجوم في اعتبارنا إلا وراءاً بعيداً عن نقط ضوئية) فهنا أيضا يكاد يكون المعنى غير مفهوم.
وفي صفحة ٤٢ في آخر الفقرة الأولى جملة مكررة ليست موجودة في الأصل الإنجليزي (فالجو في النجم يتدخل بالتدريج في مادة النجم نفسها لأن النجم وجوه مصنوعان من مادة واحدة، فالانتقال يتم تدريجيا من مادة الجو إلى المادة الأساسية للنجم نفسه لأن تكوينها واحد)
وفي صفحة ٥٥ وضع المترجم شرحا عن عطارد ذكر فيه أن رؤيته بمصر صعبة نسبياً، والحقيقة أن رؤية عطارد ممكنة في مصر.
أما ترجمة بقدر بمرتبة، فلا زلت على رأيي الذي كاشفته به قبيل إصدار الكتاب وهو أن النحت هنا غير جائز بالمرة إذ أن كلمة قدر هي اصطلاح فني يدل على درجة لمعان النجم ويقابلها في الإنجليزية وكلاهما أقدم على الزمن من جينز ومؤلفات جينز وليس لمؤلف أو لمترجم أن يثور على الاصطلاح بغير ما سبب قوي وبمثل هذه السهولة، أما ما أشار اليه المترجم في مقدمة صفحة ح من أنه راجع كتاب محمود باشا الفلكي لمعرفة أسماء النجوم والكوكبات العربية، فالذي أعرفه أن محمود باشا ليس له مؤلفات باللغة العربية أو على الأقل في هذه الناحية من البحث، وأن الكتاب الذي يشير إليه الدكتور الكرداني هو كتاب (الدرر التوفيقية في علم الفلك والجيوديزية) والمؤلف هو إسماعيل بك مصطفى الفلكي وليس محمود باشا، أما ما يصح أن نسميه تمصير الكتاب فقد نجح بذلك المترجم إلى حد كبير، وهو مجهود يستحق الثناء، فأكرر تهنئتي له واشكره على ما نسبه لي في مقدمة الكتاب.
تعليق الأستاذ أحمد محمد الغمراوي
أظن أهم ما في نقد الأستاذ سماحة قوله أن الترجمة في مواضع كثيرة حرفية شوهت من جمال الأصل وأخرجته في بعض الأحيان عن معناه الحقيقي حتى أصبح من الصعب فهمها دون الرجوع إلى الأصل. وهذا النقد لو صح لكان عيباً كبيراً في الترجمة لا يمكن الاعتذار عنه بحال. لكن الأمثلة التي ساقها الأستاذ سماحة توضيحا لرأيه هذا تكفي في ذاتها لنقضه. فقد ذكر أمثلة ثلاثة قرن في كل منها الترجمة بمقابلها من الأصل وأشار في
стр. 1298
كل إلى الموضع الذي لم يرضه من الترجمة والى ما يقابله. والذي لم يرضه في كل مثال هو في الغالب كلمة في جملة، وهذا يقرب مسافة الخلف بيننا وبينه إذ لو كانت الترجمة حرفية بالمعنى الذي يزعم لكانت الجملة كلها محل اعتراض لا كلمة واحدة منها أو كلمتان فإذا رجعنا إلى الكلمة أو التعبير الذي أعترض عليه لم نجد لهذا الاعتراض محلا. فالجمل العربية في جميع الأحوال إلا لشخص لا يعرف معنى مثل (يزج بها) و (شك غير جزاف). ولم يدر بخلد المترجم ولا المراجع أن في أي هذين التعبيرين ما يستغلق على أحد اللهم إلا على تلميذ يكون من صالحه عندئذ أن يكشف أو يسأل عما استغلق عليه. ثم الجمل العربية في جميع الأحوال ليست ترجمة للأصل حرفا بحرف بل فيها من التصرف قدر بسيط ينجيها من الحرفية المكروهة من غير أن يحرمها من الدقة.
على أن يحسن بنا أن ننبه هنا إلى أن الحرفية في الترجمة ليست دائما مكروهة وإنما تكره عندما يختلف الذوق في اللغتين. فإذا اتفق الذوقان كما يحدث في مواطن غير قليلة لم تكن الحرفية شيئا مكروها بل كانت مستحبة أو واجبة لأنها عندئذ تكون أسهل وأدق وأرضى للضمير الذي يطالب بالأمانة المطلقة في الترجمة كما يطالب بالأمانة المطلقة في النقل. فليس بعيب على مترجم أن يلتزم الأصل حتى في التراكيب ما دام مثل هذا الالتزام لا يؤدي في الترجمة إلى ما يأباه ذوق اللغة المنقول إليها أو يخالف معنى الأصل المنقول عنه. وليس في الأمثلة التي جاء بها الأستاذ سماحة ما يمكن ان يدل على أن الترجمة التي نحن بصددها فيها ما يخالف الذوق العربي أو يفيد معنى لا يفيده الأصل الإنجليزي. حتى الجملة التي قال أنها مكررة في صفحة ٤٢ تكررا ليس في الأصل الإنجليزي معناها نفس معنى الجملة التي قبلها وإن اختلفت عنها كثيرا في اللفظ، فلو كان هذا التكرار مقصودا من المترجم لكان فيه ما يشهد بأنه يذهب إلى ما وراء الحرف بكثير إذا رأى ان توضيح المعنى يستدعي ذلك. لكن أكبر الظن أن الجملتين ترجمتان لجملة إنجليزية واحدة كان يراد اختيار واحدة منهما فحال دون ذلك سهو أو شبهة ثم لم يفطن إلى تكرار المعنى عند المراجعة لاختلاف التركيب من ناحية ولأن مثل هذا التكرار قد يلجأ اليه المؤلف لتوضيح أو لتوكيد.
وكون الأستاذ سماحة قد فطن إلى أن التكرار هنا غير موجود بالأصل يقظة منه محمودة
стр. 1299
من غير شك كنا نود لو أنها ساعفته حين أراد التعرض للجملة التي أخذها عن آخر صفحة ٩٤ فقد التبست عليه كلمة (طوق) بمعنى الوسع والطاقة بكلمة (طوق) بمعنى كل ما استدار بشيء، فاقترح الجملة التي يراها القارئ في مكانها من نقده. ولو كان هذا هو المعنى المقصود لكانت الجمل هي المثل الوحيد الذي جاء به الأستاذ على سوء الترجمة، لأن الجملة تصبح مضطربة غير مفهومة لو كانت كلمة (طوق) فيها معناها مدار كما فهم الأستاذ سماحة وكما تدل عليه جملته التي اقترح. ولو أن الأستاذ تجشم مراجعة الأصل في هذا أيضا لتدارك قلمه قبل ان يفرط منه ما فرط أو لعل الأستاذ سماحة راجع الأصل واستباح مع ذلك أن يتصرف في ترجمته. هذا التصرف الغريب لأنه من الآخذين بمذهب التصرف الواسع في الترجمة. وهو مذهب له أنصاره لسهولته.
ولأنه يحل شخصية المترجم محل شخصية المؤلف، ولعل هذا هو السر في أن الأستاذ سماحة عاب على المترجم أن سمح لشخصية مؤلف كتاب (النجوم في مسالكها) بالتغلب على شخصيته. ولو كانت المسألة مسألة مغالبة بين شخصيتين لكان هذا عيبا لكننا نفهم واجب المترجم على عكس ما يفهم الأستاذ، نفهمه على انه جهاد في سبيل إظهار شخصية المؤلف كما تتجلى في كتابه، وإخفاء شخصية المترجم تماما إن أمكن. واكبر صعوبة في الترجمة كما نراها هي في ذلك الإظهار وهذا الاخفاء، اذ ليس من السهل أن يتخلى مترجم عن شخصيته ويجتهد في تقمص شخصية مؤلف مكانها ليخرج للناس ترجمة تكون في اللغة المنقول إليها مثل الأصل في اللغة المنقول عنها. هذا مثل أعلى في الترجمة يقترب الإنسان منه كما يشاء من غير أن يبلغه. ويظهر أن الدكتور الكرداني قد نجح في الاقتراب منه إلى حد أن التبس الأمر على الأستاذ سماحة فظن المسألة مسألة شخصية غلبت شخصية، وما هي إلا مسألة مبدأ في الترجمة قائم على الأمانة والتضحية قد أفلح الأستاذ المترجم في اتباعه وتوخيه.
بقيت الملاحظتان الفلكيتان اللتان ذكرهما الأستاذ سماحة. فأما مسألة قدر ومرتبة فإنا نظن الحق معه فيها، وإن كان هذا ليس معناه أن يحرم مثل الأستاذ الكرداني من إبداء رأيه بصورة عملية في مسألة مصطلح من مصطلحات لم يستقر الناس فيها بعد على قرار. وإما مسألة رؤية عطارد فان القول الذي كان قاله الدكتور الكرداني من أنها صعبة نسبيا لا
стр. 1300
ينبغي أنها ممكنة كما يقول الأستاذ سماحة. ولعله يحسن هنا إنصافاً للاثنين أن نقول أن الدكتور الكرداني أراد أن يستوثق من الأمر فسأل الأستاذ سماحة فكان رأيه أن رؤية عطارد غير ممكنة في مصر، فراجعه في ذلك حتى اتفقا على خير تعبير هو (صعبة نسبياً) وقد غيره الدكتور الكرداني بعد إلى (سهلة نسبياً). فإذا كان الأستاذ سماحة يخبرنا الآن أن رؤية عطارد ممكنة يريد سهلة فمرحبا بخبره، لكن كان الأولى أن يقول سهلة أن كان هذا مراده فان لم يكن هذا مراده فقد أقر الرأي الأول ولم يكن في ملاحظته فائدة للناس.
وأما مسألة الفلكي باشا فهو إسماعيل مصطفى باشا لا محمود باشا، فملاحظة الأستاذ سماحة هي في صميمها حق، إلا في ما تفيده من أن المترجم قال انه راجع محمود باشا الفلكي فان ما قاله المترجم في مقدمته لا يفيد إلا انه خالف من غير أن يستلزم انه راجع. وعلى أي حال فان معلومات المترجم التي نسبها للفلكي باشا في صلب الكتاب هي كما أذن لنا المترجم أن نقول مأخوذة كلها عن الأستاذ سماحة وان سماه الأستاذ سماحة إسماعيل بك وسمته نسخة دار الكتب للدرر التوفيقية إسماعيل مصطفى باشا. وهذي كانت إحدى أيادي الأستاذ التي نوه بها الدكتور الكرداني في مقدمته وأراد أن ينوه بها بصورة عملية فطلب إليه أن ينقد الكتاب.
وبعد فقد كنا نود لو قصر الأستاذ سماحة نقده على الناحية الفلكية التي هو من رجالها فاشبع فيها القول، أما الناحية اللغوية فلها رجالها، وكثير منهم من أعضاء لجنة التأليف والترجمة والنثر التي تولت إخراج الكتاب.
стр. 1301
العدد ١٦ - بتاريخ: ٠١ - ٠٩ - ١٩٣٣
стр. 1302
على الشاطئ. . .!
الشاطئ شاطئ استانلي! واليوم يوم الأحد! والطرقات الجميلة الصاعدة إلى هذا الخليج البهيج تصب فيه أنماطاً من الناس في أنماط من اللباس، وكلهم في سن أهل الجنة! وكنت في هذا التيار الحار المتدفق كأنني السمكة الغريبة تفقد الاختيار وتخشى كل شيء! هبطت مع الهابطين إلى هذا الشاطئ على سلم من سلالمه ثم أرسلت فيه عيني فإذا هو مستدير على صدر الماء استدارة الهلال البازغ على صدر السماء، وإذا النجوم الزواهر من الأنس تختلج في قلب هذا الهلال اختلاج العواطف الرقيقة تتماس في رفق ثم تتفرج عليه في سهولة!! أخذت أخطو وئيدا بين العذارى المتجردات على استحياء وارتباك! فلما لم أجد فيهن حتى من تتقي النظر باليد كما فعلت (متجردة النابغة) حين تسقط نصفيها ولم ترد إسقاطه، أرسلت نفسي على طبيعتها في هذا الحي المباح وذكرت الأستاذ (الثعالبي) وهو يقول لي بالأمس في لهجة جازعة: (اذهب بربك إلى (استانلي) ثم صف لي ما تراه). هاتان عيناي يا صديقي مفتوحتين، وهاتان أذناي مرهفتين! فماذا أرى وماذا أسمع؟؟ أكشاك أنيقة الصنع والوضع تدرجت طبقاتها الثلاث على حضن الشاطئ! ومظلات شتى الألوان قد ركزت هنا وهناك في منحدر الساحل وجمع حاشد عار كسوق الرقيق في ألف ليلة وليلة قد بعثر أمام الأكشاك وتحت المظلات وفوق الرمال وبين المياه،. وصراع لذيذ عنيف بين أفواج البر وأمواج البحر تتخلله صيحات وضحكات كرنين الفضة المصفاة وأحاديث كهمس الأوتار تطير من بين الشفاه البواسم؛ كما تطير أنفاس الصبي الحالم، ولكنها لا تصعد إلى حيث يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح! وبيئة أجنبية ناسها غير ناسنا وإحساسها غير إحساسنا ولغتها لغة فرنسا لا لغة مصر، وسمرتها سمرة الشمس لا سمرة الجنس!! فعلام إذن هذا الجزع الباكي، والقوم إنما يجرون على أعراقهم ويعملون على مقتضى أخلاقهم وبين فتياتنا وفتياتهم من العرف الإسلامي حجاب، ومن الحياء الطبيعي وازع؟! كنت ألقي على نفسي هذا السؤال حين جرجر البحر إحدى موجاته الضخام إلى أعلى الساحل، فجريت إلى فوق أتقي هذا المدَّ المفاجئ فإذا بي واقف إزاء ظُلة جميلة منعزلة، قد انبطحت تحتها فتاة ناهد لم تقع العين منذ الصباح على اكمل منها صورة! وكانذعر السائرين من هجمة البحر قد لفتها لتنظر فلما وقع بصرها عليّ نهضت نهضة الظبي الفزِع تحيي بالعربية أستاذها القديم!
стр. 1303
- أوه! فلانه؟!
- نعم! ويسرني أن أراك بعد خمس سنين
- هل أنت وحدك هنا؟
- كلا بل معي أخي. . . وقد أتعبه صراع الأمواج الثائرة فذهب إلى (الكابين)
- وكيف حال البك؟
- الحمد لله خير حال! وما أكثر سؤاله عنك وأشد شوقه إليك! لقد كان جالساً بالكازينو ثم أنصرف إلى البيت منذ قليل. قالت ذلك تلميذتي الأرستقراطية المسلمة وهي تنصب كرسياً طويلاً من القماش دعتني إلى الجلوس عليه، ثم جلست هي على كرسي آخر، وكانت كأمها حواء لا يستر جسمها العاري الا (ورقتان) خصفتهما عليه، من أمام ومن خلف! فسرعان ما ذكرت ذلك المكتب الفخم الذي كانت تجلس قُبالتي عليه لتستعد لامتحان البكالوريا وهي ملففة بثوبها الأزرق الأنيق المسبل، وعيناها الساجيتان لا تفارقان الصحيفة حياء وخفرا، وثغرها الحَييُّ الدقيق لا يرسل سهل الكلام الا في تلعثم وبطئ!! لم تدعني الآنسة في ذكراي الا ريثما ردت التحية على فتاة في مثل حالها وجمالها، كانت تسير في رفقة شاب شديد السمرة غطى كتفيه شعر كثيف، كصوف الخروف.
- هذه ابنة فلان وهذا الذي معها أخوها، وهذه أبنه فلان وهذا أبن عمها، وهذه المضطجعة في الشمس بنت فلان ومحادثها صديق من أصدقاء أخيها. . . . .
- لولا علمك يا آنسة لحسبت هؤلاء جميعاً أجانب!
- وما الذي يحملك على هذا الحسبان؟
- هيف القد واكتناز اللحم واتساع الحرية
- ذلك من أثر الرقص والرياضة، ستكتب ولا شك عن أستانلي شيئا في الرسالة!
- وهل قرأت ما كتب عنه؟
- قرأته ولم أسغه، لأنه شديد المبالغة سطحي النظر، وأي بأس في أن تمتع المصرية جسمها كله بأشعة الشمس وماء البحر كالغربية؟؟
- لا بأس وأظنها تدرك ذلك كله في شاطئ خاص وفي لباس مناسب
- إن شمس الشواطئ كما تعلم إنما تقصد لخصائص أشعتها، وكلما تعرض أكثر الجسم لها،
стр. 1304
كان أكثر انتفاعا بها، والأمر في الشواطئ كالأمر في المراقص والمرايض، يهيمن على الحياة فيها روح رياضية عالية، تُغني كل إنسان بشأنه عن شأن غيره، فالراقص لا يفكر إلا في الرقص، والمرتاض لا يفكر إلا في الحركة والمستحم كذلك لا يفكر إلا في الأمواج والأشعة.
- ابدئي بالمثال قبل القاعدة يا آنسة. أين تجدين الروح الرياضية في هذه المرأة التي علت صدر هذا الرجل لتتعلم فوقه السباحة؟ وأينتجدين الروح الرياضية في هذين الجسمين الراقدين على الرمل يتلامسان بشهوة، ويتناجيان بنشوة، وقد انمحى من حولهما البحر والشاطئ والناس؟؟
أرى يا آنسة أن المرأة تسيء إلى نفسها بهذا التبذل (حتى من الجهة النسوية الخالصة) فإنها متى فقدت سحر المحجوب، وجاذبية المجهول، أصبحت كسائر الإناث من سائر الحيوان.
عفواً يا آنسة إذا اصطنعت في خطابك لهجة الأستاذية، فإنها لا تزال أقوى الصلات التي أمتُّ بها إليك.
ألا تلاحظين أننا في الجد نتطور ببطء موئس، وفي الهزل نتطور بسرعة جامحة؟! لقد كنا بالأمس نتجادل في السفور وها نحن أولاء اليوم نتجادل في العُري!!
أستودعك الله يا آنستي! وأسلم على أبيك وأخيك.
ثم أخذت طريقي على الشاطئ الشهوان وفي نفسي كلام حبسته! على أن من الظلم الموروث
أن الرجل يشارك المرأة في الذنب ثم يفردها بالعقوبة! فالأب يقود ابنته عارية إلى الشاطئ، والزوج يجلس مع زوجه عارية على المقصف؛ والأخ يتعرى مع أخته في الكشك والبحر، ثم يندلع لسان النقد على المرأة وحدها فيتهمها بخنق الفضيلة ويرميها بذبح الخلق!!
يا قوم، لقد فتشتم في الشواطئ كثيراً عن حياة المرأة، ففتشوا فيها ولو قليلاً عن نخوة الرجل!!
أحمد حسن الزيات. الإسكندرية
стр. 1305
الأمل اليائس
للدكتور طه حسين
ولدت في آخر القرن السابع عشر سنة ١٦٩٧. وماتت في آخر القرن الثامن عشر سنة ١٧٨٠، وجمعت لنفسها من مزايا هذين العصرين، ما جعلها أبرع الناس أدبا وأشد الناس شكا، وأوسع الناس أملا، وأقتم الناس يأسا، وأظهر الناس فرحا، وأعمق الناس حزنا. ولكني أنسيت أن أسميها. وقد كان يجب أن أبدأ بتسميتها هذا الحديث. فهي ماري دي فيشي شمبرند
التي يعرفها تاريخ الآداب الفرنسية باسم مدام دي ديفان
كان مولدها ونشأتها في هذه السنين القائمة التي ختمت حكم لويس الرابع عشر. وأدركها اليتم طفلة فأرسلت إلى دير من هذه الأديرة التي كان يرسل إليها بنات الأغنياء. وكانت أسرتها عريقة في الشرف والنبل، متقدمة في خدمة الدولة. محتفظة بمكانة رفيعة بين أشراف الأقاليم. وكانت هذه الأسرة من أشراف بورجوني، وأهل هذا الإقليم من فرنسا معروفون بالنشاط القوي وحدة الذهن، وذلاقة اللسان، وحب الحياة، وإيثار ما تقدمه إلى الناس من لذات. فلم يطل مقام هذه الصبية في ديرها الأرستقراطي حتى ظهر من حديثها وسيرتها ما أقلق الأسرة، وأقلق رئيسة الدير. ويجب أن يكون هذا الذي ظهر من سيرتها وحديثها خطيراً جداً. فلم تكن أسر الأشراف لتقلق من شيء يسير. ولم يكن أهل الأديرة ليضيقوا إلا بالشيء الذي لا يطاق. ذلك بأن حياة الناس في ذلك العصر كان قد أخذها الفساد الخلقي، من جميع نواحيها، حتى استهانوا بكل شيء، وتجافوا عما لم يكن يتجافى الناس عنه إلا في مشقة وعنف. وحسبك أن تعلم أن الأديرة كانت قد استحالت في ذلك العصر إلى قصور فخمه يلهو فيها من أبناء الأشراف وبناتهم من لم تسمح له ظروف الحياة بالعمل في السياسة أو في الجيش، ومن لم تتح لهن ظروف الحياة أن يظفرن بالزوج. وكان بنات الأشراف خاصة يتخذن من هذه الأديرة دورا للعبث واللهو، يسترن ذلك بستار رقيق من اسم الدين. ولم يكن ليتحرجن من استقبال الزائرين والزائرات، ولا من إقامة الحفلات الراقصة، بل كان الرقص والموسيقى جزأين أساسيين من برنامج التعليم الذي كان يلقي إليهن فيها: فإذا استطاعت صبيتنا هذه أن تزعج أسرتها، ورئيسة الدير بما
стр. 1306
أظهرت في سيرتها وأحاديثها من خروج على التقاليد، فيجب أن تكون قد أتت أمراً عظيما. وهي قدأتت أمراً عظيما حقا، فقد كانت تجادل في الدين ولما تبلغ الثانية عشرة، وكان جدالها هذا خطرا مخيفا. لأنها كانت تنكر أصول الدين إنكارا. وقد استعانت الأسرة ورئيسة الدير على جحود هذه الصبية بعظيم من عظماء الكنيسة وخطيب من أبرع الخطباء في عصره وهو فدعي هذا الحبر للقاء هذه الطفلة ومحاورتها، فلما رآها سمع لها وتحدث إليها وانصرف عنها يائسا وهو يقول إنها لظريفة. فلما سألته رئيسة الدير عما تصنع لردها إلى طريق الحق أطال الصمت ثم قال: ضعي في يدها كتابا من أرخص كتب الدين، ثم لم يزد على ذلك شيئا. وذكرت الصبية حين تقدمت بها السن حوارها مع هذا الحبر العظيم، فقالت: إن عقلي قد أضطرب أمام عقله، وقالت أني لم أذعن لحجته وانما أذعنت لجلاله؛ ومعنى ذلك أن الخصمين التقيا فلم يقنع أحد منهما صاحبه. فلما بلغت هذه الفتاة العشرين أو جاوزتها قليلا، زوجت من رجل شريف، عظيم الخطر، من حكام الأقاليم. ولكنها لم تكد تقضي معه أشهراً حتى أنكرته وضاقت به وكرهت عشرته كرهاً شديداً. وكانت تقول عنه إنه يبذل أقصى ما يستطيع ليسؤك ويصرفك عنه. على أنها قد أقنعته بالرحلة إلى باريس. ولم تكد تصل إلى هذه المدينة وتستقر فيها حتى اندفعت في حياة اللهو والعبث، اندفاعاً لفت إليها الناس، وجعلها موضوع الأحاديث في هذه المدينة الباسمة اللاهية.
وكان لويس الرابع عشر قد مات، وكان أمر الدولة إلى الوصي الذي أقيم على الملك، الصبي لويس الخامس عشر. وكان هذا الوصي صاحب لهو لا حد له، وصاحب مجون وعبث لا حد لهما أيضاً. وكان الناس قد ساروا سيرته كأنما أرادوا أن يعوضوا ما فاتهم في تلك الأيام الحزينة التي ختمت حكم الملك الشيخ، وما أسرع ما اتصلت صاحبتنا بقصر الوصي واشتركت فيما أقام فيه من حفلات، ثم اتصلت بالوصي نفسه، وأصبحت له خليلة ولكن حبه لها لم يتجاوز خمسة عشر يوماً. على إنها قد ربحت من هذا الحب القصير ستة آلاف من الجنيهات الفرنسية، تصرف لها في كل عام ما امتدت لها الحياة. وأسرفت صاحبتنا في اللهو حتى أنكرها أصحاب اللهو من أهل باريس، وحتى ساءت الصلة بينها وبين زوجها، فافترقا دهراً ثم كان بينهما صلح لم يطل، وعادا إلى الفرقة. ثم كان بينهما
стр. 1307
صلح آخر، قوامه أن يلتقيا على الغداء والعشاء. وإلا يعيشا معاً، ولكن هذا الصلح نفسه لم يتصل أيضاً، ففرق بينهما وعاد الرجل إلى قصره في الأقاليم وأقبلت هي على لهوها في باريس لا تدع فناً من فنون العبث إلا أخذت منه بحظ عظيم، على أنها لم تكد تجاوز الثلاثين حتى تبينت أن ما هي فيه من الأمر باطل كله، وحتى سئمت اللهو وعافته، وأخذت تحس انصراف الناس عنها. فآوت إلى أخ لها قسيس أقامت عنده دهراً ثم انصرفت عنه إلى أخ آخر لها في الأقاليم، ثم عادت مرة أخرى إلى باريس. واتصلت بقصر من قصور الأشراف كان يؤوي أكبر من تعرفهم فرنسا وأوروبا من الأباء والفلاسفة، وأصحاب الفن، وفي هذا القصر ظهرت قيمتها الأبية، واستكشفت براعتها في الحديث وتبين الذين عاشروها أنها امرأة ليست كغيرها من النساء، بل ليست ككثير من الرجال، وانما تمتاز بقلب ذكي، وعقل قوي، ولسان فصيح عذب، ومهارة في تصريف الحديث لا تبلغ الإعجاب وحده، ولكنها تبلغ إعجاز المحدثين مهما تكن منزلتهم، ومن ذلك الوقت أخذ أمر هذه المرأة يعظم. وشأنها يرتفع، لا من حيث أنها امرأة جميلة خلابة. تحب اللهو وتسرف فيه، فقد كانت في ذلك الوقت قد بدأت تقصر عن اللهو وتعري أفراس الصبي ورواحله، كما يقول زهير، بل من حيث أنها امرأة أديبة أريبة يستطيع أن يستمتع بحديثها، وعشرتها، وبراعتها ذوو العقول. وقد آثرتها صاحبة القصر إيثارا عظيماً حتى لم تكن تصبر على فراقها، وأحبها فولتير وكلّف بها منتسكيو وأطاف بها أعلام الأب والفلسفة من الفرنسيين يستبقون إلى مودتها، وما هي إلا أن تتخذ لنفسها داراً في باريس وتدعو إليها أصدقائها هؤلاء من الأباء والعلماء والفلاسفة يسمرون عندها يوم الأربعاء من كل أسبوع. ثم تضيق هذه الدار بمن يقصد إليها من رجال فرنسا وأوروبا على اختلافهم فتتحول عنها إلى دار أخرى رحبة تستأجرها في دير من هذه الأديرة الأرستقراطية في باريس. وفي هذه الدار التي استأجرتها كانت تقيم قبلها مدام دي منتسبان خليلة لويس الرابع عشر، تلك التي ملأت حياة الملك العظيم لذة وإثماً، وكلفت رجال الدين من حوله مشقة وجهداً، والتي كانت تؤوي إلى هذا الدير من حين إلى حين تستغفر الله من خطاياها وتضرع إليه في الوقت نفسه أن يحفظ عليها هذه الخطايا. أقامت صاحبتنا في هذه الدار ونظمت استقبالها لأعلام فرنسا مرتين في الأسبوع يتناولون عندها العشاء ويسمرون إلى
стр. 1308
قريب من آخر الليل، ويتحدثون فيما شئت من أدب وعلم، ومن فلسفة وفن، ومن سياسة وحرب. ولكنها لم تكن تحب أن تشارك الأباء والعلماء والفلاسفة فيما كان يجري بينهم من حوار؛ لأنها كانت تكره الأب والعلم، وكانت تكره الفلسفة خاصة وتضيق بها ضيقاً شديداً، وكانت تعنى بأشخاص زائريها أكثر مما تعنى بما كان عندهم من علم، أو أدب، أو فلسفة. كانت مسرفة في الشك وكان إسرافها في الشك يصرفها عمّا كان يكلف به الناس في عصرها من هذه الفلسفة الحرة الغالية التي كانت تعمل في الهدم أكثر مما كانت تعمل في البناء. وتتقدم السن بصاحبتنا وقد مات زوجها وأصبحت حرة حتى أمام القانون، وقد جدّت بتنظيم حياتها وانصرفت عن اللهو والمجون إلى حياة الجد ولذة الحديث والسمر، ولكنها على ذلك اتخذت لها خليلاً عاشت معه عيشة الأزواج، لم تكن تحبه ولكنها لم تكن تكرهه، إنما كانت تستعين به على احتمال الحياة، كما كانت تستعين بكل شئ على احتمال الحياة، فقلما عرف تاريخ الآداب امرأة ضاقت بالحياة كما ضاقت بها هذه المرأة، بل قلّما عرف تاريخ الآداب رجلاً ضاق بالحياة كما ضاقت بها هذه المرأة. كانت متشائمة كأشد ما يكون التشاؤم، وكانت تردد هذه الكلمة التي تقربها من أبي العلاء: إن شر من ابتلينا به من الشقاء، إنما هو الحياة. وكانت تستعين بإسرافها في المجون والعبث، ثم في الجد والإنتاج الأبي على احتمال الحياة، ولعلها لم تله، ولم تعبث ولم تجد الاّ لتنسى الحياة وتنصرف عن نفسها. فقد كانت تكره العزلة وتخافها خوفاً شديداً، فكانت تسهر الليل، ولا تنام الا قليلاً في النهار، وتنفق وقتها قارئة أو لاهية أو مستقبلة. ولا تكاد تبلغ الخمسين من عمرها حتى يتم الله محنته لها، وحتى يأخذها الشقاء من كل وجه. فهذا حجاب رقيق يلقى شيئاً فشيئاً بينها وبين النور، ثم يتكاثف هذا الحجاب قليلاً قليلاً، وهي تحس ذلك وتجزع له وتلجأ إلى الأطباء والسحرة، والمشعوذين، فلا تجد عند أحد منهم شيئاً. والحجاب يتكاثف ويتكاثف، حتى يستحيل إلى سور صفيق يقطع كل سبب بينها وبين الضوء وإذا هي عمياء.
أفتظن ذلك قد غير من سيرتها أو اضطرها إلى شيء من القصد والاعتدال، ليس من شك في أنها قد حزنت لذلك حزناً عميقاً ولكنه حزن أضيف إلى حزن. حفظته في أعماق نفسها ولم تظهر منه للناس شيئاً. إنما كتبت إلى بعض أصدقائها من أعلام الأب والسياسة تنبؤهم بهذه الكارثة فمنهم من رق لها كفولتير، ومنهم من عبث بها كمنتسكيو، وكلهم قد مضى في
стр. 1309
إكبارها، والاختلاف إليها، لم يغير من سيرته شيئا كما لم تغير هي من سيرتها شيئا. فظلت مائدتها تقام يوم الاثنين والأربعاء من كل أسبوع، وظلت تختلف إلى الأوبرا والملاعب، وتشترك في الحفلات كما كانت تفعل من قبل. واتخذت لها رفيقة فتاة من أهل الأقاليم ولدت في أسرة شريفة ولكن مولدها لم يكن شرعيا، وكانت هذه الفتاة مدموازيل لسبيناس ذكية بارعة الذكاء، حساسة قوية الحس، مثقفة واسعة الثقافة، وكانت المودة بينها وبين سيدتها قوية متينة، دامت عشر سنين لم يكدر صفوها مكدر. ثم لاحظت صاحبة الدار أن زوارها أو فريقا منهم إذا انصرفوا عنها لم يخرجوا، وانما أتموا سمرهم عند الفتاة، فغاظها ذلك وكانت القطيعة بين الصديقتين، ولكنها لم تكن قطيعة مألوفة إنما كانت حدثا من أحداث العصر في باريس، انقسم له الأباء والفلاسفة انقساما عظيما، تعصب بعضهم للشيخة وتعصب بعضهم للفتاة، وكانت كثرة الفلاسفة وعلى رأسهم ' أنصار الفتاة وكانت الأرستقراطية المعتدلة والمحافظة من أنصار الشيخة.
ثم استأنفت الحياة المنظمة طريقها عند صاحبتنا، واتخذت الفتاة لها ناديا أو صالونا أدبيا واشتدت المنافسة بين هاتين المرأتين. وصاحبتنا الآن في الثامنة والستين من عمرها قد فقدت البصر منذ ثمان عشر عاما، وعظمت مكانتها في أوروبا حتى لم يكن عظيم من الأوروبيين يزور باريس ألا رأى حقا عليه لنفسه ولمكانته أن يلقاها ويتحدث إليها. وفي أكتوبر من هذه السنة١٧٦٥ زار باريس رجل من عظماء الإنجليز هو هوراس ولبول كان أبوه روبير وزيرا وكان هو عضوا في البرلمان. فلما مات أبوه ترك السياسة، وانصرف إلى الأب والفن، وكان في الخمسين من عمره. ولم ير هذا الرجل بدا من أن يزور صاحبتنا هذه ويغشي ناديها كما كان يغشي أندية الأب والسياسة كلها في باريس. فلما رأى هذه الشيخة أنكرها، وكتب إلى صديق له يصفها بأنها عجوز عمياء فاجرة العقل. على أن وقتا قصيرا لم يمض على هذه الزيارة حتى تغير الأمر بين هذا الإنجليزي وهذه الفرنسية، وتكررت الزيارة فوقع الإنجليزي من نفس هذه المرأة موقعا غريبا رد إليها الشاب بل رد إليها الصبي فأحبته. وأنا أعني بهذه الكلمة معناها. أحبته وقد أشرفت على السبعين ولم يرفض هو هذا الحب. ومن المحقق انه لم يلق هذا الحب بمثله، ولكنه أضمر لهذه المرأة مودة قوية صادقة لم تغيرها الأيام واظهر بها إعجابا لا حد له. واتصلت أسباب
стр. 1310
المودة والحب بينهما ما أقام في باريس، فلما رجع إلى لندرة اتصلت بينهما الكتابة، وكان يأتي إلى باريس من حين إلى حين ليرى حبيبته أو ليرى عاشقته، أو ليرى يتيمته، كماكانت تسمي نفسها، فقد كانت تسمي نفسها يتيمه وتسميه هو وصياً. وكان هو يسميها ابنته الصغيرة. وكان الحنان بينهما كأقوى ما عرف الناس من الحنان بين المحبين. وكانت نتيجة هذا الحب أربع مجلدات نشرت بعد موتها وفيها ثمانمائة من الرسائل التي اتصلت بينهما. وهي آيات من آيات الأب الفرنسي لا أكثر ولا أقل، فيها تصوير لهذه العواطف النادرة، الشاذة، التي لم يألفها الناس والتي تملأ قلوبهم مع ذلك رحمة وبرا، وإشفاقا، وعطفا. وما رأيك في هذه الضريرة التي نيفت على السبعين والتي تكتب لصاحبها رسائل حب وغرام كرسائل الفتيات اللاتي لم يتجاوزن العشرين. على أن صاحبها كان إنجليزيا، ومعنى ذلك انه كان يخافالسخرية، والمزاح، وكانت الرقابة مضروبة على الرسائل في إنجلترا ذلك الوقت. فكان صاحبنا مروعا دائما يخشى أن تفض رسائل صاحبته، وأن يعرف ما فيها من هذا الحب الغريب، فيتندر الناس به في القصر وفي الأندية. فكان يرد صاحبته إلى القصد في تصوير عواطفها الحارة، وكانت هي تخاصمه في ذلك، وكان الأمر يفسد بينهما أحيانا، ولكنه لا يلبث أن يعود إلى خير ماكان. وانقطعت رسائله عنها مرة فكتبت إليه: يظهر انك لا تريد أن تظهرني من أمرك على شيء، فاحذر أيها الوصي أن تصبر على ذلك فاني خليقة إن فعلت أن أرسل إليك سكرتيري وأن أكلفه الإسراع إلى لندرة وآمره أن يلزمك وأن يرسل إلي بأنبائك، وأن يعلن إلى الناس جميعا وفي كل مكان أني يتيمتك، وأنك وصيي، وأني أحبك، وأن يهيأ لي عندك مكانا فالحق به، وأعلن إلى الناس جميعا ما بيننا، لا أخاف فضيحة مهما تكن، فاختر لنفسك بين الفضيحة والكتابة إلي. ولعلها كانت في بعض الوقت تذعن وتطيع، وترد نفسها إلى القصد ثم تثور فترسل نفسها على سجيتها وتطلق حبها صريحا حراً. وكذلك عاشت هذه المرأة خمسة عشر عاما، استرد قلبها فيها شبابه كله وتبينت هي وتبين هو وتبين الناس في عصرهما، ومن بعدهما أن ما اندفعت فيه هذه المرأة من العبث واللهو، ومن المجون والفساد، ثم من الجد الخصب والنشاط المنتج، كل ذلك لم يكن إلا ضيقا بالحياة وافتقاداً لهذا النور الذي يحببها إلى النفس. وهو الحب، ومصارعة لهذا العدو الفاتك وهو اليأس، فلما بلغت السبعين أو كادت
стр. 1311
تبلغها ظفرت بالحب عند هذا الإنجليزي، وظفرت به من غير طريقه كما كان يقول المعاصرون، فان العيون هي أوضح طرق الحب إلى النفوس، ولكن الحب قد يسلك إلى النفوس طريق الآذان كما قال شاعرنا القديم. وأكبر الظن أن صوت هذا الإنجليزي هو الذي حمل الحب إلى نفس هذه الفرنسية فثبته فيها تثبيتا.
وفي سنة ١٧٨٠ ماتت هذه المرأة وكتبت قبل موتها بقليل جدا إلى صاحبها كتابا تنبؤه فيه بقرب آخرتها. وتنبؤه بأنها لا تأسف لفراق الحياة، لأنها لا ترى في الحياة خيراً بعد أن كتب إليها أن لا تلقاه. وتنصح له بأن يستمتع بالحياة ما استطاع، وتنبؤه بانه سيحزن عليها، فليس من اليسير أن يتعزى الناس عمن كان يؤثرهم بالحب. فلما أتمت إملاء كتابها هم سكرتيرها الشيخ أن يقرأه عليها كعادته، فلم يستطع لأنه كان يقطع قراءته بالبكاء. هنالك أحست هذه المرأة المتشائمة اليائسة التي أسرفت في سوء الظن بالناس؛ أحست أن هذا السكرتير لم يكن يعمل عندها ليعيش. فقالت له بصوت خافت فيه نغمة الموت، وفيه مع ذلك نغمة الرضى والغبطة أكنت تحبني إذا؟
هذه صورة من صور هذه المرأة وهي من غير شك أشد هذه الصور اتصالا بالنفوس، وتأثيرا بالقلوب. ولكن لهذه المرأة صورا أخرى عظيمة الخطر جدا في حياة الأب الفرنسي. فقد كانت ناقدة، ولها في أدباء فرنسا، وفي كبار أدبائها خاصة آراء قيمة تثير الإعجاب لرقتها ولبراعة الصياغة التي كانت تعلن فيها. كانتتؤثر فولتير، وكانت تضيق بروسو فانظر إلى هذه الجملة البديعة التي تنقد فيها أسلوب جان جان: (إن لروسو حظا من الوضوح، ولكنه وضوح البرق، وله حظمن الحرارة ولكنها حرارة الحمى).
واتصلت هذه المرأة بأصحاب السياسة، واتصلت بالعظماء والأشراف وكانت منهم، وقد كتبت إليهم وتلقت منهم الكتب وقد صورتهم وصوروها، فهذه ناحية أخرى من حياتها لها أثرها في توضيح التاريخ السياسي والاجتماعي لفرنسا في القرن الثامن عشر وقبل الثورة الفرنسية الكبرى.
وبعد فلعل أحسن ما كتب عن هذه المرأة إلى الآن فصلان كتبهما سانت بوف في أحاديث الاثنين تستطيع أن تقرأ أحدهما في الجزء الأول، وثانيهما في الجزء الرابع عشر، فان أردت الإيجاز المقنع فاقرأ الفصل الذي نشر عنها في (مجلة العالمين) أول أغسطس، فان
стр. 1312
أبيت أن تتكلف القراءة أو تشق على نفسك بالبحث فقدر هذا الوصف الذي كان يصفها به فولتير، وفكر فيه فانه يعطيك منها صورة قوية، تملأ نفسك رحمة وإعجابا. فقد كان فولتير يسميها: (الضريرة المبصرة).
стр. 1313
بين اليأس والرجاء
للأستاذ أحمد أمين
صوتان لابد أن يرتفعا في كل أمة ويجب أن يتوازنا حتى لا يطغي أحدهما على الآخر، صوت يبين عيوب الأمة في رفق وهوادة، ويستحث على التخلص منها والتحرر من قيودها، وصوت يظهر محاسنها ويشجع على الاحتفاظ بها والاستزادة منها. والصوتان معا إذا اعتدلا كونا موسيقى جميلة منسقة تحدو الأمة إلى السير إلى الأمام دائما، هي موسيقى الجيش تبعث الرجاء والأمل، وتمنى بالنصر والظفر، فان بغي أحد الصوتين كانت موسيقى مضطربة تهوش النفس وتدعو إلى الفوضى والارتباك، وإذا كان (الدور) في الموسيقى يكون منسجما كله، وشذ أحد أصواته لحظه فيكون (نشازا) يخدش السمع ويجرح النفس، فما ظنك (بدور) كله (نشاز)؟
مما يدعو إلى الأسف أن صوتا في الشرق علا كل صوت، وهو ليس خير الأصوات وأحبها إلى النفس، هو صوت اليأس والتثبيط يتغنى به كل أصناف الدعاة، فخطيب المسجد تدور خطبته دائما على أن من يخطبهم ليسوا مؤمنين حقاً، فقد ارتكبوا من الأوزار، واجترموا من الآثام ما أخرجهم عن الإيمان الحق، وأبعدهمعن الدين الصحيح، ولو آخذهم الله بأعمالهم لأمطرهمحجارة من السماء، أو خسف بهم الأرض، ثم يصب هذاالمعنى كل أسبوع في قالب، وكل القوالب تختلف أشكالها، ويتحد معناها، ويخرج السامع دائما وقد ملأه اليأس، وانقطع به الرجاء، إلا أن يتداركه الله بعفو ليس جزاء على عمل. ودعاة اللغة والأب يلحون في أن اللغات الأجنبية خير من اللغة العربية، وأن الأبالأجنبي أدب الثقافة والفن والعلم، ولا شيء من ذلك في الأب العربي، وأن من شاء أن يفتح عينيه فليفتحهما على أدب أجنبي ولغة أجنبية، وإلا ظل أعمى، وموجز دعوتهم أن يتحول الشرق في لغته وأدبه إلى الغرب في لغته وأدبه، لا أن يختار من لغة الغرب وأدب الغرب ما تلقح به لغة العرب وأدب العرب.
ودعاة الاجتماع أدهى وأمر، فليس في الشرق كله ما يسر، قد جرده الله من كل حسن، فلا طبيعة جميلة ولا مناظر جذابة، ولا شيء فيه يأخذ باللب ويدعو إلى الأعجاب، والقمر في الغرب أنور منه في الشرق، والبحر الأبيض قد جمل منه ما لامس الغرب، وقبح ما لامس
стр. 1314
الشرق، وكل شيء في عادات الشرق وتقاليده تعافها النفس، وينفر منها الطبع، وعلى الجملة فالله تعالى الواهب ما شاء لمن شاء قد جعل الحسن كله في ناحية، وقال له كن الغرب فكان، وجمع القبح كله في ناحية وقال له كن الشرق فكان، وهم إذا لم يقولوا ذلك كله جهاراً آمنوا به أيمانا، وصدرت عنه أفعالهم، واتجهت إليه حياتهم. ودعاة العلم من هذا الطراز، فكتب العلم العربي إنما تصلح لدارس التاريخ أو طعمة للنار، وماذا فيها إلاّ تخريف أو تحريف، قد كانت نتاج القرون الوسطى، ونحن نتاج العصر الحديث (ومالي وللسياسة ودعاتها فلأهربن منها إتقاء لنارها) ومجالسنا صدى لهذا الصوت، فإذا أستثنيت عُشر معشارها فكلها نقد للأخلاق وطعن في حياة الشرق، وتهجم على حال أمتهم، وتجهم لكل ما يصدر منهم، وقلّ أن تسمع صوتاً ينطق بمدح أو يعجب ببطولة، أو يتغنى بعمل مجيد.
هذه نغمة مملولة كانت أجني على الشرق من كل عيوبه، ولن تفلح أمة من غير ذخيرة تعتز بها، ومجد طارف وتليد تعتدٌ به، ونعرة قومية تدعوها إلى الفخر والإعجاب، ولأمر ما قال تعالى (كنتم خير أمة أُخرجت للناس) وليس عبثاً أن يكون في أناشيد الألمان (ألمانيا فوق الجميع) وأن يعتقد بعض الأمم في أنفسهم أنهم شعب الله المختار، ونحو هذا ممّا ينعش الأمل، ويدعو إلى العمل.
تلك ظاهرة نفسية لا مجال لإنكارها، فاعتقد الغباوة في طفلك وكرّر عليه اعتقادك تقتل كل ما فيه من ذكاء، وأعلن أنه ذكي وشجعه على ما يبدر منه من ضروب الذكاء تستخرج أقصى ما عنده من عقل. وفي المثل الإنكليزي (دَعَوا الكلب عقورا فشنق) يعنون أنهم اعتقدوا في كلب سوءاً وسمّوه عقورا وظلوا يطلقون عليه هذا الاسم حتى صدر منه من أفعال السوء ما أستوجب قتله. وفي أمثالنا العامية (قالوا للفلاح يا حرامي شرشر منجله) ذلك أن الاتهام يحمل على ارتكاب الجريمة من ناحيتين: من ناحية الإيعاز، فمن اتهمته فقد أوعزت إليه واقترحت عليه العمل وأظهرت له الجريمة ماثلة أمام عينه حيناً بعد حين، ومن ناحية أن أكبر ما كان يمنعه من الشر خوفه أن يتهم بالشر، فإذا اتهمته فقد كان ما يخشاه، وأقدم على ما كان يتحاماه، هذا إلى ما يوحيه الاتهام الدائم من شعور باطني يسيره نحو العمل وفق الاتهام، وهذا هو السر في
стр. 1315
أن بعض قوانين تسن لمعاقبة بعض أنواع الإجرام فتكون سببا لكثرة الإجرام، ثم ترفع فيقل الإجرام، لأن وجود القوانين كان موعزا بارتكابها، ولعل أنواعا من الآثام زادت بكثرة الكلام فيها من جهلة الوعاظ ممن لم يحسنوا دراسة النفوس وقوانينها. إذا سقط الفتى فأريته أن سقطته قابلة للعلاج، وأخذت بيده لانتشاله، كفّر عن سقطته وعاد إلى حاله، وإن أنت أريته أن سقطته لا تغتفر، وأنه لم يصبح إنسانا استمر يسقط أبدا. وكثير من الساقطين والساقطات لو أحسوا في الناس استعدادا لقبولهم، وشعروا أنهم يفسحون لهم في صدورهم لعدلوا عن سقطتهم، ونهضوا من عثرتهم.
وبعد فليس الشرق، بدعا من الخلق، إن اعتز أحد بماض فليس أمجد من ماضيه، وإن كان لكل أمة غريبة محاسن ومساوِ فللشرق محاسنه ومساويه، وإن كانت مساوئ الغرب لم تمنعه من نهوضه فلم تمنع الشرق مساويه من نهوضه؟ ليس أعوق للشرق من هذا الصوت الكريه يصدر من دعاته فيبعث اليأس وينفث السم. أيها الدعاة: كسروا قيثارتكم هذه التي لا توقعإلا نغمة واحدة بغيضة، واستبدلوا بها قيثارة ذاتالحان صنعهاطَب بأدواء النفوس عليم، واكثروا من ألحان تبعث الأمل، وتدعو إلى العمل، وتزيد الحياة قوة، ولا تشهروا برذيلة إلا إذا أشدتم بفضيلة، ولا تسمعونا صوت المعاول، إلا إذا أريتمونا حجر البناء.
стр. 1316
ستانلي باي!
لأستاذ كبيرلم يشأ أن يتعرف لقرائنا اليوم
نعم هو ستانلي باي الذي تكتب عنه الآن الجرائد اليومية كل يوم. والذي تكتب عنه المجلات الأسبوعية كل أسبوع٠٠٠
فما للرسالة لا تساهم في حديثه وقد أصبح حديث جميع من في مصر٠٠؟ أفليس هو الذي يزوره (الأستاذ الصاوي) فيتكلم عنه في (الأهرام) يومين متتاليين؟ أليس هو السر في (قطر الندى) كما يسميه أهل الاسكندرية الظرفاء. وهو نفس ما يسميه مدير السكة الحديدية (قطار البحر)؟ أليس هو الذي حرمته القاهرة فقام فنانوها من مديري المسارح والصالات ينقلون مشاهده إلى مسارح القاهرة؟ أليس هو الذي يشغل بال حكمدار بوليس الاسكندرية ورئيس نيابة الاسكندرية؟ ثم أليس هو الذي استلفت أخيراً نظر رجال الدين، على رغم ما هم آخذون فيه من توزيع (الطوابع) الجديدة التي ابتكروها لاسترداد هيبة الإسلام وإعلاء كلمة الدين؟!
إن الرسالة وقد جعلت مهمتها أن تقاوم حيرة الأمة بتوضيحالطريق كما جاء في عهدها لا تستطيع أن تفتك من قيود التحدث إلى الأمة في هذا الموضوع الذي يشغل الدنيا والدين على السواء! ولقد كان من حق قراء (الرسالة) أن ينتظروا كلمة من بعض أقلامها المعهودة أو تعليقا من حامل شعلتها الوضاءة. ولكن يخيل إلينا أن هذه الأقلام قد استراح كل منهاإلى موضوع فهو لا يفتأ يتقلب فيه، وقد استقل كل منها ببحث فهو لا ينفك يجول في حواشيه، فالدكتور عزام مثلا في محمد اقبال وعبد الحق حامد ونامق كمال. والأستاذ العبادي مابين زرياب وعمر بن عبد العزيز. والأستاذ أمين أخيرا في عكاظ والمربد. والدكتور طه أخيراً أيضا في لغو الصيف ما بين مصر وما وراء مصر٠٠٠ ولكن لا عن طريق ستانلي باي والسلام!
فلم يبق بعد ذلك الا أن يتقدم الفضوليون الذين لا يريحون ولا يستريحون. وإني أعوذ بالله (وأنا أثير هذا الموضوع) أن أكون أحد هؤلاء٠٠٠ كنت من رواد هذا الشاطئ منذ نحو عشرة أعوام، وما زلت أزوره كل عام. فأقسم لك صادقا أن لست أدري فيم هذه الضجة التي بدأت تقوم حوله هذه الأيام؟ ٠٠٠ لقد كان الطريق إليه فيما مضى متعبا متربا. فتعبد
стр. 1317
واستقام. وكان شاطئه مجهدا مرهقا في السير لغزارة رماله، فقام إلى جانبه افريز ممهد سهل يجعل السير فوقه متعة من متع الحياة. وكانت (اكشاكه) على غير نسق، يقوم فيها الكبير إلى جانب الصغير، والوجيه إلى جانب القمئ، والعالي المشرف إلى جانب المنخفض الوضيع. فتناوله الذوق السليم بالتهذيب حتى أصبح في صورتهالحالية درجات متماثلة بعضها فوق بعض كأنه القلادة الفرعونيه تزين صورةذلك الشاطئ الجميل. هذا هو الشاطئ نفسه ما بين يومه وأمسه٠٠٠ أما أهله فهم هم أهل (ذلك) الزمان. وأما زيهم فهو زي (هذا) الزمان! فمن أراد أن يثور بالشاطئ فلست أدري لم لا يثور بكافة الطرقات التي تغشاها السيدات؟ وهل أنت ترى فوق ذلك الشاطئ إلا من ترى في الترام وفي غير الترام من مسالك الإسكندرية وشعابها؟ إنهم وحق أبيك ليس فيهم من خلق جديد، ولكنهم يبدون في الطريق بزي الطريق وينزلون إلى البحر في زي البحر. فانظر أية الزينتين أدعى للفتنة وأيتهما أقرب إلى الفجور؟. . .
هذه سيدة في عربة الترام تراها وثوبها يغطي جسمها (وقبعتها تغطي رأسها) وحذاؤها يغطي رجليها. فهل حقيقة تغطى شيء من ذلك؟ ألست ترى تحت القبعة شعراً مصفوفاً وجدائل بعضها يتدلى فوق الأذن، وبعضها يزين الجبهة. وبعضها يمر فوق الخد لتلعب ضدية الألوان دورها في إبراز محاسن العنصرين. . . إشراق الوجنة، وفحومة الخصل؟! ثم انظر ماذافعل الثوب بالجسم؟ ألم يفصّله تفصيلاً؟ ألم يلف مفرطحه وينهض بمسترخيه؟ ويضغط هنا وينسدل هناك؟ ثم ينشق فوق الصدر تلك الإنشقاقة الماكرة التي يبدو منها انفلاق الثديين! إنما مثل هذا الذي يفعله الثوب في جسم صاحبته كمثل المعلم الذي يمسك (بمؤشره)
فيؤشر به لتلاميذه على هذا الموقع من الخريطة حيث (مجمع البحرين) وعلى ذلك حيث (مفرق الجبلين) وهكذا. . . .
إن كل قطعة في لباس المرأة العصرية إنما يؤدي اليوم غرضاً واحداً هو إبراز ذات المحاسن التي كان المقصود به أن تسترها.
أمّا اعتبارات الجد والاحتشام وما إلى ذلك من تلك الأغراض التي أتخذ الإنسان الأول من أجلها اللباس فقد انطوت مع أهلها ومع زمانها. . . ثم دعني أعود بك إلى الحذاء. أفلا
стр. 1318
يتخذه النساء مخرماً مهلهلاً مثقباً؟ وهو على الرغم من كل ذلك يلبس فوق الجلد بغير جوارب أو نحوها. فحدثني بعد هذه الصورة وكن صريحاً. . أي المنظرين أشهى للعين وألفَت لنظرها؟ أهي القدم الحافية أم المستورة تحت مثل هذا الحذاء المفضوح؟ أهو الجسم الصريح الهادي على علاّته أم ذلك المرائي المتحصّن في كل تلك الغلائل. . . هذه تبرز نهديه. . . وتلك تضغط كشحيه. . . وغير هذه وتلك من الخرق والمزق التي تغريك كل قطعة منها بكشف ما دونها ومعرفة ما ورائها! إن ما يثير الرجل من المرأة ليس هو ظهرها المتجرّد، ولا هي سيقانها العارية، ولكنها نظرتها الساجية التي ترخيها في وجه الرجل كأنما تدافعه عن نفسها وهي إنما تراوده بها عن نفسه! وليست المرأة العارية هي التي تبعث الفتنة، فقد علمنا أن في هذه الدنيا قبائل كاملة يعيش نساؤها عاريات وسط الرجال. فلم نسمع بأن ذلك كان مدّعاة إلى أن يتخطف الرجال بعض هؤلاء النساء. ولا أن تشيع الفتنة والفساد في تلك البيئة بسبب هذا العراء. ولقد علمنا من الجانب الآخر بأن الفتنة على شرما تكون هنا في طرقات القاهرة والإسكندرية حيث (الملاءات) التي تنسدل من الرأس إلى القدم، ومع ذلك فإنها لا شأن لها إلا أن تحسر الأرداف، وتنحسر عن بعض السيقان، تبدى جانباً منها وتضن بالجانب الآخر، إمعاناً في الفتنة واستفزازاً للغرائز.
إني أحدثك صادقاً أن الرجل يكون في البحر أو فوق الشاطئ تموج حوله السيقان، وتصطخب الأثداء، وتتلألأ الظهور، وتترقرق النحور، فلا يشغله كل ذلك بمثل ما يشغله في الطريق وقوف امرأة تميل على جوربها ترفعه، أو انشغال أخرى بذيل ثوبها ترخيه على ساقيها بعد إذ هفا به من فوقهما النسيم. وعلى الرغم من كل ذلك فأن النيابة، والبوليس، والصحافة، ورجال المطافئ، ورجال الدين، كل أولئك يعلنون الحرب عواناً على: (شاطئ ستانلي باي)
مصطاف
стр. 1319
أحياء ذكرى ابن خلدون
نشر الأستاذ محمد عبد الله عنان فصولاً في الرسالة أرَّخ فيها
العلامة ابن خلدون، فكانت هذه الفصول ولاغرور خير ما
كتب في تاريخ هذا العلامة، بيد أن الأمر الذي يرجوه الناس
ودعا إليه الصحافي العجوز في مايو سنة ١٩٣٢ بالأهرام لم
يتحقق ولم نصل إليه. دعا هذا الصحافي الفاضل إلى إحياء
ذكرى ابن خلدون لكي ينتفع هذا الجيل وما بعده بهذه الذكرى
الطيبة، وقام الكتّاب على أثر ذلك يبينون ما نعمل لأحياء هذه
الذكرى، وكان من رأي الأستاذ احمد زكي باشا أن ينصب له
تمثال، وأن يبحث عن قبره ليشيّد. وكان من الآراء القيّمة
النافعة أن يطبع تاريخ ابن خلدون ومقدمته وينشرا على الناس
بنفقات طبعهما. وهذا الرأي كان خير الآراء وانفعها، وقد
انقضى عام وبعض عام بغير أن نرى أحدا قد نهض لأحياء
هذه الذكرى. ولقد كنت قرأت في صيف سنة ١٩٢٣ للمرحوم
تيمور باشا بحثا في الهلال، أبان فيه أنه لا يوجد في ما طبع
من مقدمة ابن خلدون طبعة صحيحة، وأنه رأى بخزانة
الأستاذ زكي باشا نسخة مخطوطة صحيحة بقلم ابن خلدون
نفسه، فرجعت إلى أحمد زكي باشا لأسأله عما قال تيمور باشا
стр. 1320
فأجاب بأن لديه حقيقة نسخة مخطوطة مصححة بقلم ابن
خلدون، وأنه في سنة ١٩٣٠أتى بصورتها عن النسخة
الأصلية الموجودة بمكتبة عاطف أفندي بالأستانة، وزاد على
ذلك بأنه يدعو من يشاء إلى طبعها ونشرها. ولما استيقنت من
وجود هذه النسخة أرسلت خطابا إلى رئيس لجنة التأليف
والترجمة والنشر، رغبت إليه أن تعمل اللجنة على نشرهذا
الأثر الجليل، فرد عليَّ حضرته في أغسطس سنة ١٩٢٧ بأن
اللجنةتضع اقتراحنا موضع البحث، ففرحت بهذا الجواب
وجعلته بشرى أذعتها بجريدةالمقطم الغراء بين الناس. وها قد
انقضى ستة أعوام كاملة بغير أن يتحقق مارجونا. ولما كان
من أغراض اللجنة الموقرة نشر الكتب القيمة، وليس من
شكفي أن تاريخ ابن خلدون بمقدمته الموجودة بالخزانةالزكية
هو خير ما ينشر من كتب الأوائل في هذا العصر، فاني أعيد
الرجاء على صفحات الرسالة إلى هذهاللجنة الموقرة، لتعمل
على طبع هذا التاريخ ومقدمته، ويكون ما كتبه الأستاذ عنان
تصديرا لهذا التاريخ، وبذلك تكون اللجنةقد أدت للعلم
والأبأجل عمل، ولابن خلدون أجمل ذكرى. محمود أبو ريه.
стр. 1321
مطالعاتفي التصوف الإسلامي
تمهيد - كشف المحجوب - عوارفالمعارف
- ١ -
يمتاز العصر الذي نعيش فيه بأنهعصر نهضة فكرية تناولت الحياة العامة والخاصة للأفراد والجماعات ويمتاز هذا العصر أيضا بما استحدث فيه الباحثون من مناهج علمية لهاقيمتها وأثرها في كشف الحقيقة التي يقصد إليها كل باحث. على أن هذه النهضة مهماتكن عامة شاملة، وهذهالمناهج العلمية الحديثة مهما تكن دقيقةمنتجة، الا أننا لا نزال نرى أن في تاريخ الفكر الإسلامي ناحية خصبة ممتعة طريفة قد أعرض عنها الباحثون من الشرقيين إعراضاً هو أقرب مايكون إلى الإهمال الشنيع منه إلى أي شيء آخر. على حين ترى الباحثين من المستشرقين قد عنوا بهذه الناحية عناية خاصة فائقة. فكشفوا عن خباياها وأظهروا ما اشتملت عليه من فكر عميق وشعر رقيق. وأحسوا بماتثيره في نفوسهم هذهالآثار من متعة عقلية ولذة شعورية. هذه الناحية التي أهملها الشرقيون وعنى بهاالمستشرقون هي ناحية التصوف الإسلامي وما أنتج فيه من مؤلفات لها مكانتها الأبية، وقيمتها الفكرية بين ما أنتج العقل البشري عامة، والعقل الإسلامي خاصة.
وليس أدعى للأسف ولا أبعث على الحسرة من أنك إذا أردت أن تعرف شيئا عن تاريخ التصوف الإسلامي: نشأته وتطوره، وأن تلم إلماما كافيا بمن ظهر من متصوفة، من شعر ونثروإرشادات وإيماءات تلتمس هذا كله عند المستشرقين في لغاتهم الأوربية المختلفة. وتلتمس هذا كله بصفة خاصةعند ماسينيون في الفرنسية وعند نيكلسون في الإنجليزية. وأنت لاشك واجد عند هذين العالمين ما تطمع فيه من بحث منظم وأسلوب علمي دقيق، وتصوير جميل بديع لهذه الشخصيات الفذة العجيبة التي ظهرت إبان العصور المتعاقبة لتاريخ التصوف الإسلامي. وأنك حين تتصفح كتابامن كتب المستشرقين فليس من شك في أنك ستعجب بمهارتهم الفائقة في البحث وبمقدرتهم الغريبة على جمع الأخبار ولم شعث الآثار وتحقيقها على ضوء المنهج العلمي الحديث بحيث ينتهون من هذا كله إلى الحقيقة الثابتة التي لا يأتيها الشك من بين يديها ولا من خلفها. وليس من شك أيضاً في أنك ستقدر
стр. 1322
ما بذل هؤلاء القوم من جهد، وما تحملوا من مشقة وألم في سبيل إخراج ما أخرجوا من أبحاث منظمة وأسفار قيمة. وليس أدل على عناية المستشرقين بالحضارة الإسلامية عامة وبالتصوف خاصة من أن أحدهم وهو العالم الكبير والباحث الجليل المسيو لويس ماسينيون قد قضى أعواما طوالا يجوب فيها البلادالإسلامية المختلفة باحثا عن نصوص صوفية لم يسبق نشرها، وقد وفق فيما قصد إليه توفيقاً عظيماكانت ثمرته هذا الكتاب القيم المسمى (مجموعة نصوص لميسبق نشرها تتعلق بالتصوف الإسلامي) ناهيك بان المسيو ماسينيون قد تعرض إلى بحث شخصية قوية جداً من شخصيات التصوف الإسلامي وأعني بها شخصية الحلاج. فكانت ثمرة بحثه هذا السفر الضخم حقاً، الخالد حقا، في تحليل شخصيةالحلاج ونفسيته، والإبانة عنمذهبه وعن رأي المدارس الإسلامية المختلفة فيه. وليس أدل على عناية المستشرقين أيضاً بهذه الناحية القيمة الممتعة من أنهم قد عمدوا إلى ما أنتج المتصوفة من مؤلفات فأوسعوها درساوتحليلا وما هي الا أن تناولوها بالترجمة إلى لغاتهم وشرحوها وعلقوا عليها. وما هي الا أن طبعوها وأذاعوها في الناس. وما هي الا أن قرأت هذه المؤلفات ونوقشت. وانتهى هذا كله إلى أن اختلف المستشرقون حول هذه الكتب فمنهم من تعصب لها ومنهم من تعصب عليهاومنهم من رأى فيها رأيا غير الذي يراه غيره. ومن هنا كثرت المؤلفات الأوربية في التصوف. على حين أنك إذا أردت أن تعثر على كتاب في العربية يعطيك صورة واضحة جلية لنشأة التصوف وتطوره في الإسلام فانك لن توفق إلى بغيتك، ذلك لأن الشباب المثقف عندنا قد ضاق صدره بكتب التصوف القديمة كما ضاق بغير كتب التصوف منالآثار الإسلامية وغير الإسلامية، فأنت إذا طلبت إلى شاب مصري مثقف أن يطالع كتابا عربيا قديما في التصوف فمن المؤكد أنه لا يكاد يقرأ منه صفحة أو صفحتين حتى تضيق نفسه، ويحرج صدره، ويستولي عليه الملل والسأم، فيلقي بالكتاب إلقاء على أن لا يعود إليه مرة أخرى. ولعل عذره في ذلك هو أن ما تكلفه قراءته وما تحمله مشقة مطالعته إنما هو كتاب مختلط مضطرب لم ترتب أبوابه. ثم هو ضخم طويل إن عرف أوله فقد لا يعرف آخره. وأكبر الظن أن شبابنا حين ينظر إلى الآثار الإسلامية هذه النظرة التي هي أقرب إلى الازدراء منها إلى أي شيء آخر، أقول أن شبابنا مسرف على نفسه وعلى الحضارة الإسلاميةمسيء إلى نفسه وإلى
стр. 1323
الحضارة الإسلامية. ولو قد تجمل بالصبر على ما يقرأ وتضرع بالثبات على ما يقرأ. واستعان بالفهم المستقيم لما يقرأ. لانتهى منه إلى ما يشبع رغبته ويرضى حاجته العقلية والشعورية. وإذن فما أجدر شبابنا المثقف أن يعمد إلى هذه النواحي المهملة من تراثنا المجيد فيتناولها بحثاً وتحليلاً، وتفسيراً وتأويلاً، بحيث يخضعها لمناهج البحث الحديث فهي كفيلة بأن تشعره بما في قراءته من لذة قوية ومتاع خصب.
وأحب أن أحدثك في سلسلة من الفصول عن التصوف الإسلامي. فأتناول في بعضها الحديث عن بعض المؤلفات التي أودعها أصحابها مسائل التصوف ونظرياته. وأتناول في بعضها الآخر تحليل بعض الشخصيات القوية التي ظهرت في تاريخ التصوف الإسلامي فكان لها أكبر خطر وأعظم أثر. وبهذا أكون قد قمت بجزء من الواجب على كل شاب مصري مثقف أن يقوم به نحو هذا التراث الإسلامي المجيد. وأحب بعد هذا كله أن أتناول في هذا الفصل كتابين عنى بهما المستشرقون فترجموها إلى لغاتهم، وذلك لأن هذين الكتابين يعدان من أهم الكتب التي تظهرنا على المسائل الصوفية، والإشارات الباطنية، وما ينسب إلى المتصوفة من أقوال في هذه الإشارات وهذه المسائل. هذان الكتابان أحدهما (كشف المحجوب) للهجويرى. والثاني (عوارف المعارف) للسهروردي.
- ٢ -
أما مؤلف (كشف المحجوب) فكان معاصراً للقشري الصوفي الفارسي الذي عاش بنيسابور وتوفي عام ٤٦٥ هـ (١٠٧٢ م) والذي يعرف بمؤلفه المشهور (الرسالة القشيرية) ولم تكن لكشف المحجوب هذه الروح النقدية المؤسسة على قواعد علمية راسخة، فهو كتاب من هذه الكتب التي يمتاز مؤلفوها بالقدرة على جمع المسائل الصوفية وأخبار المتصوفة، ووضعها في أقسام وأبواب. هذا فضلاً عن أن هذا الكتاب قلما يذكر فيه شيء عن تواريخ الأشخاص الذين يتحدث عنهم.
ولعل أكثر ما يذكر لك عن الشخص الذي يعرض له قولاً أو قولين من هذه الأقوال التي تنسب إليه. وانه ليكتفي بهذا القول أو بهذين القولين فيعمد إليهما بالشرح والتفسير ولكنه شرح غامض وتفسير مبهم. ومن الحق كل الحق ألاّ يثق الباحث المدقق ثقة تامة بكل ما ينسب إلى المتصوفة من أقوال وما ينسب حولهم من قصص كتلك التي يذكرها الهجويري
стр. 1324
في كتابه. وإنما هو مضطر على العكس إلى أن يأخذ هذه الأخبار وهذه القصص وهذه الأقوال إلى البحث العلمي الصحيح فينكر بعضها حين يلزم الإنكار ويشك في بعضها الآخر حين يجب الشك. ويرجح طائفة منها إذا كانت هناك حاجة إلى الترجيح ويؤكد طائفة أخرى حين لا يجد الشك سبيلاً إلى ما يؤكد بحيث ينتهي من هذا كله إلى الحقيقة الثابتة الراسخة التي لا تقبل شكاً ولا تحتمل جدلاً. وإذا كنا نلمس في تضاعيف المؤلفات الصوفية أموراً من شأنها أن تحملنا على التفكير وتدعونا إلى الشك فلا بد لنا من أن نقف من هذه المؤلفات موقفاً إن لم يكن موقف المتشكك المرتاب، فلا أقل من أن يكون موقف المحقق المدقق الذي لا يبغي من وراء تحقيقه وتدقيقه الا وجه الحقيقة خالصاً صافياً لا تشوبه شائبة. ولعل الهجويري نفسه قد قدم لنا مثلاً لما من شأنه أن يحملنا على الشك في صحة بعض ما يذكر في كتب التصوف القديمة. فهو
حين يتحدث عن الخلوي يقول: (هو مترجم الأولياء المعروف ولكي يفسر المذاهب الصوفية الأساسية فقد نسب إلى شخصيات عديدة قصصاً ألفها هو. . .). ومهما يكن من شئ فتلك مسألة نتركها الآن لنعرض إلى تلخيص الكتاب الذي نحن بصدده.
يرجع الهجويري بداية التصوف إلى عهد النبي ﷺ ، كما يذكر تحت اسم (أهل الصفا) فريقاً من الصحابة الذين وقفوا حياتهم على التضحية وكانت معيشتهم أقرب إلى الإعراض عن الدنيا والزهد فيها، منها إلى الإقبال عليها والميل إليها. ولعل أشهر هؤلاء الصحابة رجلان: أحدهما بلال الحبشي والآخر سلمان الفارسي.
أما في الجيل الأول من التابعين فأقوى الشخصيات التي ظهرت وذكرها الهجويرى شخصية الحسن البصري. وليس ثمة شك فيما لهذه الشخصية من أثر قوي وخطر عظيم في تاريخ الحضارة الإسلامية. فأسم الحسن البصري يذكر على رأس دراسات إسلامية متعددة. فهو يذكر في دراسة القرآن والنحو وعلم الكلام وغير ذلك من فروع الثقافة الإسلامية المتنوعة.
ويذكر مؤلف (كشف المحجوب) بعد جيل الحسن البصري أربعة وستين صوفياً أخذ يعددهم حتى دنا من العصر الذي كان يعيش فيه. وانك تراه يذكر فيمن يذكر من هؤلاء المتصوفة أبا حنيفة وابن حنبل وداود الطائي. أما الصوفيون الحقيقيون، وبعبارة أدق (المتخصصون)
стр. 1325
فمن بين الذين يذكرهم ذو النون المصري وابن أدهم والبسطامي. وهذه الأسماء الثلاثة كثيراً ما يتردد ذكرها في المؤلفات الصوفية نظراً لما لها من قيمة ولما لعبت من أدوار في تاريخ التصوف الإسلامي. ويذكر الهجويرى بعد هؤلاء عشرة من المتصوفة المعاصرين له أشهرهم القشيري. ثم فريقاً كان لا يزال حياً وقتئذ في الأنحاء المختلفة لبلاد الفرس. ويأتي بعد هذا كله فصل طويل عن إحدى عشرة طائفة صوفية وقد جعل لكل طائفة مقالاً خاصاً تناول فيه ناحية معينة من مذهبها. ويرى السواد الأعظم أن الخلاف الذي شب بين هذه الطوائف لم يكن ذا أهمية وأنه ليس الا وسيلة يستعان بها على تفسير المذاهب المختلفة، فالطائفة الأولى مثلاً تذكر الرضى من بين الأحوال بدلاً من أن تجعله بين المقامات. ويعقب الهجويرى على هذا بمقال عن الرضى. والطائفة الأخيرة تظهرنا على رأي المتصوفة في مسألة فلسفية نفسية ذات خطر. ذلك أنها كانت تؤمن بالتناسخ. ومن هنا ترى مؤلف (كشف المحجوب) يذيل كلامه عن هذه الطائفة بمقال عن الروح. وفوق هذا كله فان المؤلف قد بسط مذهب المتصوفة في صورة أخرى موضوعة في أحد عشر فصلاً مثلها في هذا العدد كمثل الفصول التي سبقتها. وانه ليجعل عنوان كل فصل من هذه الفصول هكذا: (كشف المحجوب الأول والثاني والثالث. . . إلى الحادي عشر) والمحجوبات هنا تقابل المسائل الجوهرية للدين الإسلامي (وحدانية الله - الإيمان - الوضوء - الصلاة. . . الخ) فكل مسألة من تلك لها تفسير صوفي. أو هي بعبارة أخرى تقابل فصلا من فصول التصوف. وأنك لتلاحظ في هذا القسم حرية التفسير والتأويل التي اصطنعها المتصوفة في فهمهم للدين. فأنت ترى مثلافي صفحة (٣٠١) من الترجمة الإنجليزية التي وضعها الأستاذ نيكلسون وطبعتها ونشرتها لجنة أحياء ذكرى جب: (الصلاة عبارة عن تعبير يجد فيه المريدون الطريق الموصل لله من البداية إلى النهاية. وفيهتنكشف لهم المقامات. والطهارة للمريدين هي التوبة. وأنت حين تولي وجهك نحو القبلة معناه انك تخضع نفسك للمدبر الروحي. وأنت حين تصلي واقفامعناه انك تذل نفسك. وتقابل تلاوة القرآن التأمل الباطني. وإطراق الرأس هو التواضع. والركوع والسجود هما معرفة الإنسان لنفسه والتسليم هو الانفصال عن الدنيا. ويحل محل الاعتراف بالإيمان الأنس بالله) وآية ذلك هي أن كل حركة عملية يمكن تأويلها تأويلا صوفيا وأن كل رياضة
стр. 1326
جسمية تقابلها عاطفة روحية.
- ٣ -
ولنترك الآن كشف المحجوبلنقف وقفة قصيرة عند الكتاب الثاني الذي أريد أن أحدثك عنه وأعني به (عوارف المعارف) ويمتاز هذا الكتاب بأنه أكثر تقسيما وأوفر تنظيما من سابقه. ثم هو أقدر على أظهارنا على منشأ العلوم الصوفية والإبانة عن آداب المتصوفة ومذاهبهم وأخبارهم وأقوالهم بحيث يمكن اعتباره كتاباتعليميا بكل معاني الكلمة. وليس أدل على قيمة هذا الكتاب من أن ويلبرفورس كلارك قد ترجمه. ومن أن بعض المستشرقين ينظر إليه كأنه تحفة أدبية لها قيمتهابين الأسفار العربية الكلاسيكية التي تسودها روح المنطق ويسيطر عليهاأسلوب البحث والاستقصاء. ومن أن البارونكارا دي فو قد تكلم عن هذا الكتابفي مؤلفه عن الغزالي ثم أعاد الحديث عنه مرة أخرى في كتابه (مفكري الإسلام). فهذا كله يظهرك على ما للكتاب من خطر وما فيه من غناء.
أما مؤلف الكتاب فهو شهاب الدين السهروردي أحد أعقاب أبي بكر رضيالله عنه. كان تلميذا لعمه أبي النجيب وللصوفي المعروف عبد القادر الجيلي. وكان شيخا لمشايخ بغداد. التف حوله عدد ضخم من المتصوفة والزهاد وله غير مؤلفه الذي نحن بصدده طائفة لابأس بها من الأشعار، مات في بغداد سنة ٦٣٢هجرية. وأبو النجيب عم المؤلف الذي أشرنا إليه آنفا صوفي أيضا. أورد شهاب الدين الذي ذكرهكثيرا في كتابه فهو يبدأ كل أبواب هذا الكتاب أو جلها بهذه العبارة: (حدثنا شيخنا شيخ الإسلام) يعني عمه.
وقد كتب عنه ياقوت في معجمه مقالا بديعا اعتبره فيه أذكى أبناء سهرورد. سافر في شبابه إلى بغداد حيث درس الشريعة والفقه. ثم إلى أصفهان. وكان يعمل كسقاء ولم يكن يعيش إلا من عرق جبينه. وبعد أسفاره هذه عاد إلى بغداد حيث كان يلقى تلاميذه الذين درسوا عليه الشريعة وحيث تولى رياسة النظامية. ثم قصد بعد هذا إلى دمشق سنة ٥٥٨ هـ حيث أولاه نور الدين الزنجانى شرفاً كبيراً. وهناك أسس طائفة من الصوفية، ويعقّب ياقوت على كلامه عن أبي النجيب بقوله: أن ابن أخيه مؤلف عوارف المعارف كان من أبرز شخصيات عصره لما له من مواهب، ولما كان عليه من صلاح وتقوى، أجلّه الخليفة الناصر وخلع عليه لقب شيخ مشايخ بغداد. ولهذا الخليفة ألّف شهاب الدين السهروردى
стр. 1327
كتابه عوارف المعارف. ويقول عنه ابن خلّكان في وفيات الأعيان انه كان فقيهاً شافعي المذهب تخرج عليه خلق كثير من الصوفية في المجاهدة والخلوة وصحب عمه أبا النجيب والشيخ أبا محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي. . . . ولد بسهرورد في أواخر رجب سنة ٥٣٩ هـ وتوفي في المحرم سنة ٦٨٣ هـ.
هذه ترجمة موجزة لحياة مؤلف عوارف المعارف. أما الكتاب نفسه فقد بلغ من الخصوبة والطول بحيث أنه وضع في أكثر من ستين باباً. ولابد لنا من وقفات عند أهم هذه الأبواب التي بسط فيها المؤلف منشأ علوم الصوفية، وآدابهم وأخلاقهم وإشاراتهم وأحوالهم ومقاماتهم. فكل أولئك مسائل خليقة بالبحث، جديرة بالدرس. وهذا ما أرجو أن أعرض له منذ الفصل التالي بحيث أكوِّن لديك صورة صادقة لهذا الكتاب تمكنك من أن تتعرف مكانته وتقدر قيمته وتتبين ما له من خطر وما فيه من غناء.
محمد مصطفي حلمي. ماجستير في الآداب
стр. 1328
الزينة عند قدماء المصريين
أناقة الرجال، الزي والحلاقة والحلي، زبرجة النساء، الثياب،
الأصباغ، العطور
للأستاذ حسن صبحي
(تلبس ثيابا من الكتان الناعم
وتركب الخيل وتحمل لهاالسوط الذهبي في يدك
لك سرج جديد شغلته أيدي الشوام
وتجري أمامك العبيد يصدعون بما يؤمرون
يدهن جسمك كبير معطريك بطيب الكيمي
وفمك مليء بالنبيذ والخمير. . . . . . الخ)
(من قصيدة تحية المعلم. . من الشعر المصري القديم
يالها من أناقة وفخامة! ثياب من كتان ناعم! وسوط الركوب موشى بالذهب! وسرججديد من صنع أهل الشام! وعبيد سياس يجرون أمام السيد المعلم يفسحون له الطريق ويصدعون لما يأمرهم به! وعطور وطيب يدهن به جسمه! وأية أناقة تعدل هذه الأناقة! وأين هاتيك الأناقة الرائعة، والفخامة في الثياب وفي المركبوفي الخصاصية مما نحن عليه الآن , ومما نظنه منتهى ما وصلت إليه مدنية القرن العشرين بعد الميلاد!
لسنا نحن نصف أزياء المصريين فنتهم بالتحيز لأجدادنا , بل هم المصريون أنفسهم يتحدثون عن أزيائهم في هذا الشعر القديم، ولا يتركون لمتشكك فرصة ما في أن يظن بهم غير ما يصفون، فيخلفون في قبورهم الثياب الكتانية البيضاء الناعمة، والحلي الذهبية المطعمة بالجواهر والأحجار، ويخلفون القفازات. والصنادل الجلدية الفاخرة، ويخلفون السروج المزركشة، بالذهب والفضة، والسياط المنقوشة الموشاة بالذهب والفضة وكرائم الأحجار، وآنية مرمرية وأخرى رخامية تحوي عطوراً فيها السوائل وفيها الصلب وفيها ما بينهما من معاجين ومقشطات، ويخلفون غير هذا وذاك صورا على الجدرانتمثلهم في هذه الثياب الرقيقة، وهاتيك الحلي الثمينة، وتلك الأناقة الرشيقة، وتمثلهم وهم يدهنون، وهم
стр. 1329
يعطرون، وهم يتزينون!. . . أفنستطيع بعد هذا أن ننكر على القوم ما كان لهم من (تواليت)!؟ وتواليت دي لوكس أيضا؟!
أناقة الرجال:
نظر المصريون إلى الرجل من نواحي الرجولة التي تبعده كل البعد عن المرأة ونواحي الأنوثة فيها؛ فالرجل يجب أن تبدو منه عضلاته دليلاً على القوة والبأس، ألم يخلق للعمل والحرب؟ إذن: فليترك صدره ليبرز ما عليه من الفورسبس (عضلات الصدر) أمام الأعين، دليلاً على قوة الرجل أو هزاله، وليخلي عن ذراعيه من الثياب ليظهر ما فيها: بايسبس وترايسبس (عضلات الذراعين فوق الرسغ والكتف) فيميز الناس فيه القدرة والعجز، ولتحلى تلك الصدور البارزة القوية بالعقود والمدليات وتلك الأذرع والمعاصم بأساور من ذهب أو ما يشبه الذهب، كي تستلفت العين إلى ما فيها من شدة وبأس وكمال في النمو، هي ما يقترن بلفظ (الجمال) في الرجل، وما يميز جمال الرجل عن جمال المرأة. هذا الجمال في النمو وفي الشكل توجده الطبيعة في الأصل، ولكنها تكل للرجل تعهده والعناية به، فهو لابد مستمر في القيام على إظهاره في أجمل صورة له، وهل يتم له هذا الإظهار إلا لمداومة النظافة والرياضة والعناية؟ والنظافة لم تكن بعيدة المنال على المصريين فقد كان النيل دائماً الأب الرحيم، يغتسلون فيه، وفي ترعه، وفي مياهه يجرونها في قنوات إلى بيوتهم، ونقرأ في قصصهم عن أحواض الاستحمام التي كانت تبنى في القصور، كما نقرأ عن ضرورة الاغتسال قبل الصلاة، لضرورتها لرفع الحدث الأكبر، أي أنها جعلت ركناً من أركان دينهم كما ينص الإسلام على ضرورة الوضوء والاغتسال قبلالصلاة وبعد الحدثين. وإذا عرفت أن المصري القديم لم يكن يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يعمل إلا بعد أن يؤدي صلاته لألهه، وعرفت أن الدين كان في دم المصري القديم إلى حد أن أفقر الناس كان يبني دار دنياه من طين، بينما يبتنى لنفسه في حياته قبراً من أغلى الأحجار التي يستطيع شراءها، ويسمى هذا القبر: (البيت الأبدي) بينما يدعو مسكنه الدنيوي (بيت الاختبار)؛ إذا عرفت هذا كله أدركت مبلغ تدخل الدين في كل شيء، ومكان النظافة الشخصية من نفس كل مصري تبعاً لعقيدته.
الحلاقة
стр. 1330
والنظافة عند المصري القديم ليست الاغتسال بالماء فقط، إذ نرى من صورهم الكثيرة جداً، أنهم كانوا يقصون شعور رؤوسهم، ويقصرونها لتميز رؤوسهم عن رؤوس النساء، ثم كانوا حليقي الوجوه، لا لحى ولاشوارب، ولم يكونوا يكتفون بقصها أوقطعها، ولكنهم كانوا يحلقونها بالأمواس لتكون وجوههم نظيفة خالية المسام، تميزهم عن غيرهم من الشعوب التي كانت ترخي ذقونها وشواربها كشعب فلسطين وشعب ليبيا وغير هؤلاء ممن ظهرت صورهم على الآثار بلحى وشوارب سوداء طويلة. وقد يعجب القارئ إذ يعلم أن المصريين عرفوا أمواس الحلاقة منذ خمسة آلاف عام، لكنها حقيقة خلفوا آثارها لنا، إذ يحوي المتحف المصري طائفة كبيرة من هذه الأمواس مصنوعة صناعة متقنة من شظايا الجرانيت والاردواز والبازلت الصلبة التي تتحمل الترقيق والتشحيذ، وتقاوم استمرار استعمالها في الحلاقة. وإذ نمر بالاغتسال وبالحلاقة بعد الزي، وهي أوليات التواليت، فإننا نصل إلى أقصى مراتب التواليت، وهي ما سميته من قبل (تواليت دي لوكس).
التواليت العالي
لم يكن للرجل العادي نصيب في التواليت العالي، الذي لم يكن يعرفه غير أفراد الطبقة الممتازة. من الملوك والكهنة والوزراء والكتاب والأعيان. هؤلاء كانوا يستمدون من ثروتهم وسلطانهم ما يستطيعون أن يقتنوا به العطور والأدهان يطلون بها أجسامهم كي تطيب رائحتها وينعم جلدها وتبرق بشرتها، فيبدو كل ما فيها من جمال الرجولة وأناقتها. وكانوا يلبسون في أيديهم القفازات، لا يتقون بها البرد، وصدورهم وظهورهم عارية، ولكن ليقبضوا بها على الأقواس ويشدونها حين يطلقون منها السهام، ويكملون بها زينتهم وأناقتهم. ثم يضعون في أقدامهم صنادل أنيقة من الجلد الموشى بالخيوط الذهبية، مبالغة في الأناقة والرفاهية. هذه صورة حقيقية للرجل المصري من الطبقة الممتازة: رجل كامل النمو في جميع أجزاء جسمه، لا يستر منه غير عورته، بسروال قصير من الوسط إلى الركبتين مصنوع من الكتان الأبيض المثني (بليسيه)، يلبس فوق صدره عقوداً وخرزا وفي معصميه أساور من ذهب، حليق الوجه منسق شعر الرأس قصيره، لا يضع على رأسه شيئاً، يلبس قفازا من الجلد وصندلاً من الجلد ويمسك بيده سوطا من الجلد موشى بالذهب
стр. 1331
يسوق به فرسا يمتطيه وتحوطه مظاهر الفخامة والأناقة والرجولة! هل منكم من يعطيني صورة أكمل لأناقة الرجولة من هذه الصورة بعد مضي خمسة آلاف عام على هذه الأناقة وعلى هذا التواليت؟!
زبرجة النساء
لم تكن المرأة المصرية القديمة محجبة، ولم تكن للرجل مجرد متعة، إذ كانت تشاطره العمل في الملك، وفي الكهانة، وفي الحقل، وتقوم في نصيبها في البيت أيضاً. تربى أطفالها، وتجهز بيتها، وتطهي طعام أسرتها، وتحيك ثياب زوجها وصغارها ونفسها. وكل هذا يضعنا وضعاً صحيحاأمام حالة المرأة المصرية كي نفهم على أي أساس كانت تقوم المرأة بعمل تواليتها في مصر. كانت المصرية (ربة بيت) فثوبها يجب أن يكون طويلاً يستر ذراعيها وصدرها وكعبها، لكنهكان أنيقا ليجاري أناقة رجلها، فهو إذن ثوب يجمع بين الحشمة والأناقة، يستر أنوثتها المغرية، ويبرز أنوثتها الطبيعية غير المثيرة. ثوب طويل ضيق ذو ثنيات (بليسيه) يكون في معظم الأحوال أبيض ناصعا تتجلى فيه نظافتها وأناقتها، يسدل عليه في بعض الأحيان ثوب شبكي من خيوط ذهبية أو فضية، ويتدلى فوق هذا الثوب شعرها الأسود الفحمي الطويل، مصفوفا منسقا في ضفائر ملتوية، هي آية في الأعجاز والأناقة إذا قيست بتنسيق الشعر في العصر الحاضر.
ولم يكن السمن من سمات الجمال المصري، فقد حرص المصريون القدماء على تصوير نسائهن في نحافة ورشاقة كأمثلة ونماذج للجمال النسوي، وامتدحوا نحافة السيقان في أشعارهم وغزلهم، إذ يقولالملك خوفو لكبير أمنائه حين أراد النزهة في قارب: (هيا احضر عشرين فتاة نحيفات السيقان والأذرع، ناهدات الصدور، لم يخلق مثلهن من قبل) من قصة الملك خوفو والسحرة: قصص البردي.
العطور
لم يكن نصيب هذا الجسم المستور الجمال، من العناية والتواليت لأقل من نصيب جسم الرجل، فاتنا نقرأ في النصوص: إن المرأة كانت تطلي جسمها بالعطور والأدهان لتصقله وتجعله براقا ناعما تحت ثيابها، ونرى في الصور فوق شعر المرأة قطعة من الدهن
стр. 1332
العطري الأبيض، ينحل دهنها فوق الشعر شيئا فشيئاً كي يحفظ له طراوته ولمعانه، وفي وصف المرأة في نصوص المصريين كثير يدل على طيب أريج ثيابها وجسمها.
الأصباغ
لم يكن بياض البشرة في مصر القديمة يعتبر جمالا، ذلك أن شمس مصر اللافحة تخرج ذلك اللون الخمري البديع، الذي يجعل من بشرة المصريات خلابة وظرفا لاتصل إليه البشرات الأوروبية البيضاء الناصعة، إذن فقد كانت النسوة المبيضات اللون تسعى إلى الوصول للمثل الأعلى في جمال البشرة، فيعمدن إلى الحناء وهي من النبات المصري الأصيل فيصبغن بها أجسامهن ووجوههن لتصبح لهن تلك البشرة النحاسية الخمرية الظريفة. وهذا ما يطابق تمام المطابقة الغرض الذي استعملت فيه (البودرة) الأوربية. أليس منشأ البودرة هو الحصول على بياض يقترب من بياض المثل الأعلى للجمال الأوربي؟
والأحمر؟ فيم تحتاجه المرأة الخمرية اللون؟ المحمرة البشرة بطبيعتها؟ ثم أي جمال تشاهده الآن في تلك الشفاه الحمراء في لون (الطماطم) بين خدود خمرية وشعر أسود في لون الفحم؟ أنها تبعث في العين تنافراً قل أن يرضي أحدا. لهذا لم يعرفه المصريون في زينتهم مع معرفتهم للونه ومسحوقه في تلوين الجدران البيضاء، وفي التصوير على الفخار، وفي الكتابة على البردي. لكنهم عرفوا (الكحل) ووضعوه في عيونهم، وجعلوا منه ألوانا متباينة بين الأسود الفحمي والأخضر القاتم، والأزرق الداكن، والعسلي الغميق، وكلها لتطابق ألوان الشعر والعيون والأهداب، وتتمشى مع تناسق ألوان هذه الأجزاء من الجسم. وإليك صورة جميلة للمرأة المصرية القديمة:
امرأة رشيقة في ثوب رقيق ناعم من الكتان ذي ثنيات طويلة يستر كل جسمها ويدل على مواضع الجمال الطبيعي فيه، ذات وجه خمري يبدو فوق هذا الثوب الأنيق بجماله الطبيعي، خفيفة حمرة الشفاه، بيضاء الأسنان، سوداء العينين مكحولتهما بكحل يطابق لونه لون حبة عينها، ومرسلة الشعر الأسود في ضفائر على كتفيها، ينتشر أريجه وطيبه وعطوره، وتضع في قدميها صندلا رقيقا يزيدها رشاقة وأناقة. .
هذه هي مثل الأناقة المصرية، والتواليت المصري منذ خمسة آلاف عام!. . . .
стр. 1333
حي بن يقظان
لمحة عن النظريات والمذاهب الفلسفية التي توحيها مطالعة الكتاب
لكتاب حي بن يقظان مقام جليل في تاريخ الفلسفة العربية، سجل
لصاحبه شهرة واسعة في القرون الماضية لاسيما في بدء نهضة
الإفرنج. ولا نزال نذكر إلى الآن مؤلفه ابن الطفيل كلما طالعنا كتاب
(روبنسن كروزو) لديفو الإنجليزي، فنحن وإن كنا بغير حاجة في هذا
العصر إلى ما في هذه القصة من نظريات عقلية أو مذاهب عملية
نرتب عليها أعمالنا في الحياة، لا نزال نحفظ لمؤلفها فضل الأسبقية
في مثل هذا الفن القصي الفلسفي ونريد أن نذكرها كلما أتينا على ذكر
ديفو وبطل قصته روبنسن كروزو. ولست أريد من ذلك أن قصة
روبنسن هي ككتاب حي بن يقظان قلباً وقالباً ولكن أريد أن أشير إلى
شبه في الفكرة ومجانسة في الفن القصصي.
ولننتقل بعد هذه الكلمة إلى ما نحن بصدده من استخراج النظريات والمذاهب الفلسفية من قصة حي بن يقظان لنتبين قيمة هذا التراث الفلسفي الخيالي في أدبنا العربي. لا نريد أن نقول (قبل أن نأتي على تلخيص القصة) أن ابن الطفيل قد ضمنها زبدة التعاليم الفلسفية العربية، والمذاهب العملية وصاغها في قالب خيالي جذاب تستشف من وراءه شخصية الفيلسوف الوادعة، وفكرته الخاصة التي تنهتك سراعاً للخبير، فكان بذلك سابقاً لديفو وإضرابه من الإفرنج القصصيين: فأول ما يستلفت نظرك أيها القارئ الكريم من هذا الكتاب هو عنوانه الرمزي الغريب: حي بن يقظان. فمن هو هذا (حي)؟ وابن من؟ ابن يقظان. . . هذا الاسم رمزي في مدلوله وهو في عرفهم ابن من لا ينام أي الله . وتفتح الكتاب فإذا هناك مقدمة وجيزة في نقد الفلاسفة الإسلاميين، ونظرة سريعة في الحكمة المشرقية سيشرحها لك مفصلا عند الحديث على بطله حي.
كل الكتاب نظريات وثبت للمذاهب الفلسفية، فأول ما تفاجأ به أيها القارئ هي هذه
стр. 1334
النظرية، نظرية التوليد من غير أم وأب، فيدهشك هذا القول من فيلسوف إسلامي ويغضبك خصوصا إذا كنت من أصحاب الإيمان الحار، ويأخذ بك ابن الطفيل في منعرج هذا المذهب الوعر الذي يصعب علينا حله واتباعه، ويستطرد في كيفية تخمر الطينة تحت أشعة الشمس وعلوق الروح بها، فيلذك الاستطراد ولا يعجبك الأِعتقاد، والحق يقال أن هذا المذهب الطبيعي الذي يبني مبدأ الخلق والتكوين على الصدف والتصادف والذي يعتنقه الكثيرون في عصرنا (وما أكثر المذاهب والآراء في هذا العصر) غير مبني على أساس متين ولا براهين جلية بحيث تقتلع من صدرك الإيمان بصحته. فالمذاهب الفلسفية، الأقوال فيها كثيرة ومختلفة، وليس هناك دستور واحد في البحث تتمشى عليه، وحقيقة واحدة تتفق عليها. ففي المسألة الواحدة تجد قولين أو ثلاثة أو أربعة والإنسان عندما يكون مترددا في مسألة ما، تكثر تعاليله وحدسياته. فابن الطفيل مثلا لا يجزم بصحة هذا المبدأ الطبيعي كما هي عادته، فيأتيك بقول آخر أعم وأشهر، ولكنه ليس بنظرية بل تعليل ثانوي لكيفية وجود حي بن يقظان في جزيرة من جزائر الهند تحت خط الاستواء، فقد اختلفوا في وجود هذا الشخص في هذه الجزيرة المنقطعة عن السكان المقفرة من بنى الإنسان. فيقولون أن حياً كان إبناً غير شرعي وأن أمه أخت ملك قد وضعته في صندوق وقذفت به في اليم، فقاده المجرى المائي إلى هذه الجزيرة (الاستوائية) وهذا القول أقرب وأخف وطأة على القارئ من الأول، إذ يعرف أن موسى أيضاً قد قذف به في اليم، ولديه على ذلك نص وهو القرآن.
قد فرغنا من استخراج هذه النظرية وسللناها من طيات هذا السفر الجميل. فاتبعني أيها القارئ الكريم لنستطلع بعد ذلك خبر ما آلت إليه حال هذا الطفل البائس الذي سيكون له فيما بعد شأن يذكر. رمت به الأمواج إلى شاطئ جزيرة تحت خط الأستواء، وكم يكون جزعك على هذا الطفل عندما تعلم أن هذه الجزيرة خالية من السكان. ترى من يغذي هذا الطفل، ومن يشفق عليه ويشمله بحنانه، إذ لا إنسان يعطف عليه ويحسن رعايته ويوفر له أسباب الحياة؛ ولكن كم يكون فرحك عظيماً عندما ترى أن ظبية من بنى الحيوان قد رامت به، ووجدت فيه تسلية وعوضا عن ابنها المفقود، فغدت تغذيه بلبانها وتشمله بحنانها، حتى درج وأصبح قادرا على المشي والعدو مع أمه في البرية، وما أن صار على رأس أسبوع
стр. 1335
من عمره أي سبع سنين، حتى صار يرافق أمه في غزواتها، يناشدها بأنغامها وتناشده، فإذا سمع تغريدة عندليب حاول تقليده، وإذا سمع فحيح أفعى أو زئير أسد لم يحاول الابتعاد ولم يوجس خيفة، وتكررت هذه الأصوات على سمعه فوعاها، وغدا يرددها فيجيدها. وهنا أيها القارئ الكريم تعرض لنا نظرية غامضة ولكنها جميلة ومشوقة، فلنتئد في درسها وتحليلها قليلا. النظرية هي نظرية النطق والكلام. أخلق الإنسان متكلماً لغة أجاد فهمها منذ البدء أم علمه الله إياها؟ وإذا كان ذلك فلماذا لم تتفق البشر عليها؟ وما تعليل كثرة اللغات واللهجات التي نسمعها وما هو علة هذا الاختلاف؟ كل ذلك، أظن، جدير باسترعاء خاطرك وانتباهك، وهو يوقظ في نفسك حب الاطلاع والتعليل، وتريد أن تفكر وأن تجد تحليلا فلا تجد، فيؤول بك التفكير إلى حدس بحدس. وتخمين بتخمين لا طائل تحتهما ولا جدوى. فابن الطفيل لا يبدي لنا إلا قولا واحدا في كيفية نشوء اللغة عند الإنسان وهو ليس من أرباب الوحي والإلهام الذين يقولون أن الله خلق الكلام وخلق في الإنسان المقدرة والقوة على نطقه. كلا ليس ابن الطفيل في شيء من هذا، وهو على مذهب البعض من المحدثين في القرن التاسع عشر؛ فهؤلاء يعللون نشوء اللغة أي النطق بأن الإنسان في طوره الهمجي طور الغريزة الحيواني يتلقى أصوات الحيوان ويقلدها في جرسها ونغمتها، ويضعون لذلك مقاطع طبيعية دارت على ألسنة البشر أجمع في طور وحشيتهم، توجد في جميع اللغات الحية وهي إد، آر، آد. . . وما أشبه ذلك، على أن الاختلاف الذي نراه ناتج عن سنن التباعد والتقارب في أخلاق البشر وأميالهم الطبيعية.
فأنت ترى أن ابن الطفيل من هذا الرأي وأن (حيا) قلّد الحيوانات في أصواتها ولم يجد التكلم في بدء أمره بدليل أن ابن الطفيل يتيح لبطله حي مصادقة أسال فيعلمه الكلام وأمور الدين. فحياة حي هي إذن نفس حياة البشر في طور وحشيتهم وهمجيتهم. ولكن ابن الطفيل لا يقف عند هذا الحد، ولا يريد أن يسرح بطله مع الحيوانات بل يرقى به إلى مستوى فكري سام تقصر عنه المدارك، ويريه أشياء لم تقع على سمع أحد (ولا خطرت على قلب بشر). فأنه بعد أن يعلمه الأصوات يريد أنبعلمه الطب كما تعلمه كلية الطب في بيروت لتلامذتها، وأن يطلعه على علم التشريح وما فيه من سر دفين. وماتت الظبية أمه، وقعد للبكاء عليها ولزم الحزن أياما يناديها فلا تعي ولا تجيب، ويندبها فلا تأبه لتحرقه وبكائه
следующие страницы →