Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
يسوق به فرسا يمتطيه وتحوطه مظاهر الفخامة والأناقة والرجولة! هل منكم من يعطيني صورة أكمل لأناقة الرجولة من هذه الصورة بعد مضي خمسة آلاف عام على هذه الأناقة وعلى هذا التواليت؟!
زبرجة النساء
لم تكن المرأة المصرية القديمة محجبة، ولم تكن للرجل مجرد متعة، إذ كانت تشاطره العمل في الملك، وفي الكهانة، وفي الحقل، وتقوم في نصيبها في البيت أيضاً. تربى أطفالها، وتجهز بيتها، وتطهي طعام أسرتها، وتحيك ثياب زوجها وصغارها ونفسها. وكل هذا يضعنا وضعاً صحيحاأمام حالة المرأة المصرية كي نفهم على أي أساس كانت تقوم المرأة بعمل تواليتها في مصر. كانت المصرية (ربة بيت) فثوبها يجب أن يكون طويلاً يستر ذراعيها وصدرها وكعبها، لكنهكان أنيقا ليجاري أناقة رجلها، فهو إذن ثوب يجمع بين الحشمة والأناقة، يستر أنوثتها المغرية، ويبرز أنوثتها الطبيعية غير المثيرة. ثوب طويل ضيق ذو ثنيات (بليسيه) يكون في معظم الأحوال أبيض ناصعا تتجلى فيه نظافتها وأناقتها، يسدل عليه في بعض الأحيان ثوب شبكي من خيوط ذهبية أو فضية، ويتدلى فوق هذا الثوب شعرها الأسود الفحمي الطويل، مصفوفا منسقا في ضفائر ملتوية، هي آية في الأعجاز والأناقة إذا قيست بتنسيق الشعر في العصر الحاضر.
ولم يكن السمن من سمات الجمال المصري، فقد حرص المصريون القدماء على تصوير نسائهن في نحافة ورشاقة كأمثلة ونماذج للجمال النسوي، وامتدحوا نحافة السيقان في أشعارهم وغزلهم، إذ يقولالملك خوفو لكبير أمنائه حين أراد النزهة في قارب: (هيا احضر عشرين فتاة نحيفات السيقان والأذرع، ناهدات الصدور، لم يخلق مثلهن من قبل) من قصة الملك خوفو والسحرة: قصص البردي.
العطور
لم يكن نصيب هذا الجسم المستور الجمال، من العناية والتواليت لأقل من نصيب جسم الرجل، فاتنا نقرأ في النصوص: إن المرأة كانت تطلي جسمها بالعطور والأدهان لتصقله وتجعله براقا ناعما تحت ثيابها، ونرى في الصور فوق شعر المرأة قطعة من الدهن
стр. 1332
العطري الأبيض، ينحل دهنها فوق الشعر شيئا فشيئاً كي يحفظ له طراوته ولمعانه، وفي وصف المرأة في نصوص المصريين كثير يدل على طيب أريج ثيابها وجسمها.
الأصباغ
لم يكن بياض البشرة في مصر القديمة يعتبر جمالا، ذلك أن شمس مصر اللافحة تخرج ذلك اللون الخمري البديع، الذي يجعل من بشرة المصريات خلابة وظرفا لاتصل إليه البشرات الأوروبية البيضاء الناصعة، إذن فقد كانت النسوة المبيضات اللون تسعى إلى الوصول للمثل الأعلى في جمال البشرة، فيعمدن إلى الحناء وهي من النبات المصري الأصيل فيصبغن بها أجسامهن ووجوههن لتصبح لهن تلك البشرة النحاسية الخمرية الظريفة. وهذا ما يطابق تمام المطابقة الغرض الذي استعملت فيه (البودرة) الأوربية. أليس منشأ البودرة هو الحصول على بياض يقترب من بياض المثل الأعلى للجمال الأوربي؟
والأحمر؟ فيم تحتاجه المرأة الخمرية اللون؟ المحمرة البشرة بطبيعتها؟ ثم أي جمال تشاهده الآن في تلك الشفاه الحمراء في لون (الطماطم) بين خدود خمرية وشعر أسود في لون الفحم؟ أنها تبعث في العين تنافراً قل أن يرضي أحدا. لهذا لم يعرفه المصريون في زينتهم مع معرفتهم للونه ومسحوقه في تلوين الجدران البيضاء، وفي التصوير على الفخار، وفي الكتابة على البردي. لكنهم عرفوا (الكحل) ووضعوه في عيونهم، وجعلوا منه ألوانا متباينة بين الأسود الفحمي والأخضر القاتم، والأزرق الداكن، والعسلي الغميق، وكلها لتطابق ألوان الشعر والعيون والأهداب، وتتمشى مع تناسق ألوان هذه الأجزاء من الجسم. وإليك صورة جميلة للمرأة المصرية القديمة:
امرأة رشيقة في ثوب رقيق ناعم من الكتان ذي ثنيات طويلة يستر كل جسمها ويدل على مواضع الجمال الطبيعي فيه، ذات وجه خمري يبدو فوق هذا الثوب الأنيق بجماله الطبيعي، خفيفة حمرة الشفاه، بيضاء الأسنان، سوداء العينين مكحولتهما بكحل يطابق لونه لون حبة عينها، ومرسلة الشعر الأسود في ضفائر على كتفيها، ينتشر أريجه وطيبه وعطوره، وتضع في قدميها صندلا رقيقا يزيدها رشاقة وأناقة. .
هذه هي مثل الأناقة المصرية، والتواليت المصري منذ خمسة آلاف عام!. . . .
стр. 1333
حي بن يقظان
لمحة عن النظريات والمذاهب الفلسفية التي توحيها مطالعة الكتاب
لكتاب حي بن يقظان مقام جليل في تاريخ الفلسفة العربية، سجل
لصاحبه شهرة واسعة في القرون الماضية لاسيما في بدء نهضة
الإفرنج. ولا نزال نذكر إلى الآن مؤلفه ابن الطفيل كلما طالعنا كتاب
(روبنسن كروزو) لديفو الإنجليزي، فنحن وإن كنا بغير حاجة في هذا
العصر إلى ما في هذه القصة من نظريات عقلية أو مذاهب عملية
نرتب عليها أعمالنا في الحياة، لا نزال نحفظ لمؤلفها فضل الأسبقية
في مثل هذا الفن القصي الفلسفي ونريد أن نذكرها كلما أتينا على ذكر
ديفو وبطل قصته روبنسن كروزو. ولست أريد من ذلك أن قصة
روبنسن هي ككتاب حي بن يقظان قلباً وقالباً ولكن أريد أن أشير إلى
شبه في الفكرة ومجانسة في الفن القصصي.
ولننتقل بعد هذه الكلمة إلى ما نحن بصدده من استخراج النظريات والمذاهب الفلسفية من قصة حي بن يقظان لنتبين قيمة هذا التراث الفلسفي الخيالي في أدبنا العربي. لا نريد أن نقول (قبل أن نأتي على تلخيص القصة) أن ابن الطفيل قد ضمنها زبدة التعاليم الفلسفية العربية، والمذاهب العملية وصاغها في قالب خيالي جذاب تستشف من وراءه شخصية الفيلسوف الوادعة، وفكرته الخاصة التي تنهتك سراعاً للخبير، فكان بذلك سابقاً لديفو وإضرابه من الإفرنج القصصيين: فأول ما يستلفت نظرك أيها القارئ الكريم من هذا الكتاب هو عنوانه الرمزي الغريب: حي بن يقظان. فمن هو هذا (حي)؟ وابن من؟ ابن يقظان. . . هذا الاسم رمزي في مدلوله وهو في عرفهم ابن من لا ينام أي الله . وتفتح الكتاب فإذا هناك مقدمة وجيزة في نقد الفلاسفة الإسلاميين، ونظرة سريعة في الحكمة المشرقية سيشرحها لك مفصلا عند الحديث على بطله حي.
كل الكتاب نظريات وثبت للمذاهب الفلسفية، فأول ما تفاجأ به أيها القارئ هي هذه
стр. 1334
النظرية، نظرية التوليد من غير أم وأب، فيدهشك هذا القول من فيلسوف إسلامي ويغضبك خصوصا إذا كنت من أصحاب الإيمان الحار، ويأخذ بك ابن الطفيل في منعرج هذا المذهب الوعر الذي يصعب علينا حله واتباعه، ويستطرد في كيفية تخمر الطينة تحت أشعة الشمس وعلوق الروح بها، فيلذك الاستطراد ولا يعجبك الأِعتقاد، والحق يقال أن هذا المذهب الطبيعي الذي يبني مبدأ الخلق والتكوين على الصدف والتصادف والذي يعتنقه الكثيرون في عصرنا (وما أكثر المذاهب والآراء في هذا العصر) غير مبني على أساس متين ولا براهين جلية بحيث تقتلع من صدرك الإيمان بصحته. فالمذاهب الفلسفية، الأقوال فيها كثيرة ومختلفة، وليس هناك دستور واحد في البحث تتمشى عليه، وحقيقة واحدة تتفق عليها. ففي المسألة الواحدة تجد قولين أو ثلاثة أو أربعة والإنسان عندما يكون مترددا في مسألة ما، تكثر تعاليله وحدسياته. فابن الطفيل مثلا لا يجزم بصحة هذا المبدأ الطبيعي كما هي عادته، فيأتيك بقول آخر أعم وأشهر، ولكنه ليس بنظرية بل تعليل ثانوي لكيفية وجود حي بن يقظان في جزيرة من جزائر الهند تحت خط الاستواء، فقد اختلفوا في وجود هذا الشخص في هذه الجزيرة المنقطعة عن السكان المقفرة من بنى الإنسان. فيقولون أن حياً كان إبناً غير شرعي وأن أمه أخت ملك قد وضعته في صندوق وقذفت به في اليم، فقاده المجرى المائي إلى هذه الجزيرة (الاستوائية) وهذا القول أقرب وأخف وطأة على القارئ من الأول، إذ يعرف أن موسى أيضاً قد قذف به في اليم، ولديه على ذلك نص وهو القرآن.
قد فرغنا من استخراج هذه النظرية وسللناها من طيات هذا السفر الجميل. فاتبعني أيها القارئ الكريم لنستطلع بعد ذلك خبر ما آلت إليه حال هذا الطفل البائس الذي سيكون له فيما بعد شأن يذكر. رمت به الأمواج إلى شاطئ جزيرة تحت خط الأستواء، وكم يكون جزعك على هذا الطفل عندما تعلم أن هذه الجزيرة خالية من السكان. ترى من يغذي هذا الطفل، ومن يشفق عليه ويشمله بحنانه، إذ لا إنسان يعطف عليه ويحسن رعايته ويوفر له أسباب الحياة؛ ولكن كم يكون فرحك عظيماً عندما ترى أن ظبية من بنى الحيوان قد رامت به، ووجدت فيه تسلية وعوضا عن ابنها المفقود، فغدت تغذيه بلبانها وتشمله بحنانها، حتى درج وأصبح قادرا على المشي والعدو مع أمه في البرية، وما أن صار على رأس أسبوع
стр. 1335
من عمره أي سبع سنين، حتى صار يرافق أمه في غزواتها، يناشدها بأنغامها وتناشده، فإذا سمع تغريدة عندليب حاول تقليده، وإذا سمع فحيح أفعى أو زئير أسد لم يحاول الابتعاد ولم يوجس خيفة، وتكررت هذه الأصوات على سمعه فوعاها، وغدا يرددها فيجيدها. وهنا أيها القارئ الكريم تعرض لنا نظرية غامضة ولكنها جميلة ومشوقة، فلنتئد في درسها وتحليلها قليلا. النظرية هي نظرية النطق والكلام. أخلق الإنسان متكلماً لغة أجاد فهمها منذ البدء أم علمه الله إياها؟ وإذا كان ذلك فلماذا لم تتفق البشر عليها؟ وما تعليل كثرة اللغات واللهجات التي نسمعها وما هو علة هذا الاختلاف؟ كل ذلك، أظن، جدير باسترعاء خاطرك وانتباهك، وهو يوقظ في نفسك حب الاطلاع والتعليل، وتريد أن تفكر وأن تجد تحليلا فلا تجد، فيؤول بك التفكير إلى حدس بحدس. وتخمين بتخمين لا طائل تحتهما ولا جدوى. فابن الطفيل لا يبدي لنا إلا قولا واحدا في كيفية نشوء اللغة عند الإنسان وهو ليس من أرباب الوحي والإلهام الذين يقولون أن الله خلق الكلام وخلق في الإنسان المقدرة والقوة على نطقه. كلا ليس ابن الطفيل في شيء من هذا، وهو على مذهب البعض من المحدثين في القرن التاسع عشر؛ فهؤلاء يعللون نشوء اللغة أي النطق بأن الإنسان في طوره الهمجي طور الغريزة الحيواني يتلقى أصوات الحيوان ويقلدها في جرسها ونغمتها، ويضعون لذلك مقاطع طبيعية دارت على ألسنة البشر أجمع في طور وحشيتهم، توجد في جميع اللغات الحية وهي إد، آر، آد. . . وما أشبه ذلك، على أن الاختلاف الذي نراه ناتج عن سنن التباعد والتقارب في أخلاق البشر وأميالهم الطبيعية.
فأنت ترى أن ابن الطفيل من هذا الرأي وأن (حيا) قلّد الحيوانات في أصواتها ولم يجد التكلم في بدء أمره بدليل أن ابن الطفيل يتيح لبطله حي مصادقة أسال فيعلمه الكلام وأمور الدين. فحياة حي هي إذن نفس حياة البشر في طور وحشيتهم وهمجيتهم. ولكن ابن الطفيل لا يقف عند هذا الحد، ولا يريد أن يسرح بطله مع الحيوانات بل يرقى به إلى مستوى فكري سام تقصر عنه المدارك، ويريه أشياء لم تقع على سمع أحد (ولا خطرت على قلب بشر). فأنه بعد أن يعلمه الأصوات يريد أنبعلمه الطب كما تعلمه كلية الطب في بيروت لتلامذتها، وأن يطلعه على علم التشريح وما فيه من سر دفين. وماتت الظبية أمه، وقعد للبكاء عليها ولزم الحزن أياما يناديها فلا تعي ولا تجيب، ويندبها فلا تأبه لتحرقه وبكائه
стр. 1336
وأراد ان يعرف موطن الآفة في جسد أمه محاولا إنقاذها مما هي فيه، وبطريق النظر والاستدلال يفتح جوفها ويتوصل إلى القلب المركز الرئيسي لجميع الأعضاء، ومنه إلى الدماغ فلم يجد بها آفة حتى إذا ما انتهى من البحث والاستقصاء أتى على علم التشريح بكامله، وتحصل له من ذلك: إن ما يحرك الجسد إنما هو بخار يتولد فيالتجويفات القلبية فيصعد منها إلى الدماغ، وهذا بدوره يحرك الأعضاء. وهذا ما قال به ديكارت معبرا عن هذا البخار بالأرواح الحيوانية. قد يدهشك مثل هذا البحث المنظم الذي يقوده حي بن يقظان، وهذا الاستدلال الثاقب، ويضؤل في نفسك شخص ابن الطفيل القصصي ليتجسم لك في شخص حي الطبيب الحاذق والمشرح اللبق؛ والحق يقال أن ابن الطفيل بعد أن يرتفع بخياله يكبو به جواد هذا الخيال ليحطه إلى الأرض. لذلك كان الفيلسوف الطبيب، ولم يكن الفنانالقصصي بالمعنى الواسع لهذه الكلمة. فمن الغريب أن يكون حي قداستكشف مثل هذه النظريات والتطبيقات العملية في مثل هذه المدةالوجيزة، فإننا نرى فكرا ساميا يتوصل بمحض فكره إلى الحقيقة، لا فكراً وحشياً غريزياً يليقبمثل حي؛ ولكن هي قصة أقرب إلى: (الاوتوبيا) منها إلى الحقيقة الملموسة. ولا نجزم بأنها نظرية، ولا نريد أن نناقشها بل نترك ابن الطفيل وتلميذه يعلمه ما يشاء وكيف يشاء، على أننا نستشف من خلال البحث عن كيفية تعلم حي بن يقظان علىنظرية النشوء والارتقاء في العناصر الطبيعية وفي مدارك البشر، وكيف أنها تنتقل من الملموس إلى المحسوس إلى المعقول، وكيف أن الحواس تتصل بالأشياء الخارجية فتؤثر هذه فيها وتنفعل عنها فتحولها (أي الحواس) إلى دائرة التفكير والتفهم فتصوغ ما أحست بقالب السبب والقانون.
ويفقد حي أمه ويخرج إلى معترك الحياة وحيداً طريداً فكل شيء في قطر وجوده يستلفت نظره ويسترعي انتباهه، فهو كآلة واعية (إذا كانت آلة تعي) وضعت في مكان ما تلتقط كل ما أوحي لها من حيث ألقي أو أوحي. فتسجل حركات الأشياء وتنفعل عنها، وهل الإنسان (كما عرفه بعض علماء النفس) الا مجموعة من المؤثرات الداخلية والخارجية تجمعت فشكلت هذه النفس التي تعي وهذه النفس التي تفهم وتتذكر؟
ويستكشف (حي) النظريات ويستدل بمحض فكره السامي وثاقب ذهنه على وجود (واجب الوجود) وهذه النظرية هي محور القصة بكاملها وهي التي شغلت جميع فلاسفة الإسلام.
стр. 1337
ويستكشف (حي) مبدأين: المادة والصورة؛ بواسطتها يتوصل إلى اكتشاف وجود الله، فاعتبر: (أن كل حادث لابد له من محدث) فتلمس هذا المحدث في المحسوسات فلم يعثرعليه، وانتقلت فكرته إلى الإجرام السماوية ورسخ في ذهنه أنها تعقل ذواتها، وأنها صادرة عن فلك واحد وهو الأعلى. وهنا يجب علينا أن نقف قليلا ونشير إلى هذه النظرية التي كانت شائعة عند اليونان والتي اقتبسها العرب ولا سيما ابن سينا، ووسعوا دائرتها. فانهم اعتقدوا أن الإجرام السماوية تعقل وتحيا وفيها العقل الفعال الصادر عن الله ، وأن الله يعلم ما في الكون بواسطتها وهي أشرف الموجودات. وقديما دعوها أنصاف آلهة. ونتجاوز عن تفنيد هذه النظرية الخرافية التي تعد (إلى جنب المباحث الفلكية العصرية) خرافة من خرافات القدماء.
ولما عرف (حي) حقيقة نفسه وأنها غير جسمانية وبها عرف (الموجود الواجب الوجود) حدث له شوق حثيث إلى معرفة الخالق عساه يراه، فشرع في تفحص الأعمالالتي تقربه إلى الله ، فوجد أن الطريقة المثلى هي: في ترك المادة وتثقيف الروح التي هي مبدأ روحاني صادر عن الله تعالى، ولما كان يعلم أن الإجرام السماوية تعرف الله، التمس لنفسه الصلاح بالتأسي بها ليتوصل إليه. وهنا يعتنق حيي مذهب الاتصال وترويض النفس والعزوف عن الأشياء المادية كما كان يفعل متصوفة المشرق، الا أن هناك فرقاً كبيراً بين المذهبين يجب أن تنتبه إليه أيها القارئ ألا وهو: أن المتصوفين يصلون إلى الله عن طريق العاطفة الدينية والعلم الإلهي؛ أما حي المتصوف النظري فيتصل بالله عن طريقالبحث والنظر، ويجهل تماما طرق الصوفية الدينية، وعلى هذا المذهب مذهب التصوف النظري سار فلاسفة الأندلس فولدوا بذلك نزعة جديدة ضد التصوف الديني الشرقي. على أن ابن الطفيل إن اختلف مذهبا لم يختلف عنهم نتيجة بل أدى به هذا المذهب إلى القول بالفناء والحلول، ولكنه حلول معتدل مغشى بستار القصة الخيالي. فانه عندما يفنى حي في الذات الإلهية ويوشك أن يعتقد أن ذاته لا تغاير ذات الله، وأنه هو الله. يبادر ابن الطفيل ليبدد هذا الاعتقاد، ويقول على لسان بطله (حي): إن هذه الهواجس التي عرضت له وأقنعته أنه ذات الحق، لم تكن الا من بقايا المادة والأشياء الدنيوية. وهذه النظرية هي ما ندعوها بنظرية الشمول ` نريد أننبحث في مثل هذه النظريات الإلهية
стр. 1338
بل نترك الخوض فيها إلى أولياء الله العارفين، تعالى الله عما يصفون.
فأبن الطفيل إذا يفضل الوصول إلى الله عن طريق البحث العلمي النظري، ويمثل لنا هذه النظرية ويدافع عنها في شخص (حي) وأنه استطاع بنظره وفكره السامي اكتشاف الحق تعالى، بدليل أن ابن الطفيل يدخل في القصة شخص آخر (أسال) وهو العقل المهتدي إلى الله عن طريق الدين والاجتهاد، فيعجزه عن الوصول إلى المقام الذي توصل إليه حي (وطلب حي مقامه الجليل فبلغه واقتدى به أسال حتى اقترب منه أو كاد) فلا ريب بعد ذلك في أن فيلسوف الأندلس يفضل الطريق النظرية على الطريق الدينية؛ وأنه ما استطاع أن ينجو من ورطة هذا القول الذي كثيراً ما جر على آخرين التعذيب والتنكيل، الا بواسطة هذا الوشاح القصصي الذي يلقيه على النظريات والمذاهب الفلسفية في رسالته النفيسة.
على أن ابن الطفيل لم يخل من اللوم، وأرباب الدين يؤاخذونه على أربعة:
١ - بإهماله أمر النعمة وسقوط الطبيعة البشرية. ٢ - بتفضيله المعرفة بالعقل على المعرفة بالإيمان. ٣ - باعتقاده ان الإنسان قادر على رؤية الله في الدنيا. ٤ - بأقواله المنتجة مذهب تأليه الكل أو البانتيسم الشمولي.
وما كان أحد ليخلو من عتب أهل الدين ولومهم. ومدار القصة بكاملها هي أن معرفة الله الفلسفية أسمى من المعرفة الدينية , وهذا ما لاقى في سبيله ابن رشد وإضرابه من التعذيب والاضطهاد ما لاقى. هذه لمحة (ربما تكون سطحية في قصة حي بن يقظان) عن النظريات والمذاهب الفلسفية التي تضمنتها، وربما عدنا إلى الموضوع في بحث آخر نفصل فيه العناصر الأجنبية في فلسفة ابن الطفيل وتعاليمه، ونختم الآن هذا الفصل في أن: فيلسوف الأندلس قد أجاد كل الإجادة في سبك قصته الفلسفية وأسلوبه فيها جميل وسهل وجذاب يقرب إلى ذهن القارئ الأقوال الفلسفية، ومع أن إنشائها سهل وبسيط رائق لم تخل أحيانا من التعقيد والغموض. ونتيجة القول أن هذا الكتيب النفيس مشحون بالتعاليم الفلسفية الإسلامية ترفرف عليه روح الافلاطونية الحديثة. ومن يطلع على هذه القصة يوافق الإفرنج على حكمهم: (إنها آية من آيات القصص العربية الحكيمة ومختصر فلسفة العرب).
طرطوس. سوريا. أحمد المحمود
стр. 1339
بلاط الشهداء بعد ألف ومائتي عام
للأستاذ محمد عبد الله عنان
وكان الجيش الإسلامي في حال تدعو إلى القلق والتوجس، فان الشقاق كان يضطرم بين قبائل البربر التي يتألف منها معظم الجيش، وكانت تتوق إلى الانسحاب ناجية بغنائمها الكبيرة. وكان المسلمون في الواقع قد استصفوا ثروات فرنسا الجنوبية أثناء سيرهم المظفر ونهبوا جميع كنائسها وأديارها الغنية، وأثقلوا بما لا يقدر ولا يحصى من الذخائر والغنائم والسبي فكانت هذه الأثقال النفيسة تحدث الخلل في صفوفهم وتثير بينهم ضروب الخلاف. وقدر عبد الرحمن خطر هذه الغنائم على نظام الجيش وأهبته وخشي مما تثيره في نفوس الجند من الحرص والانشغال وحاول عبثاً أن يحملهم على ترك شيء منها؛ ولكنه لم يشدد في ذلك خيفة التمرد. وكان المسلمون من جهة أخرى قد أنهكتهم غزوات أشهر متواصلة مذ دخلوا فرنسا، ونقص عددهم بسبب تخلف حاميات عديدة منهم في كثير من القواعد والمدن المفتوحة. ولكن عبد الرحمن تأهب لقتال العدو وخوض المعركة الحاسمة بعزم وثقة. وبدأ القتال في اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر منأكتوبر سنة ٧٣٢م (أواخر شعبان سنة ١١٤ هـ) فنشبت بين الجيشين معارك جزئية مدى سبعة أيام أو ثمانية احتفظ فيها كل بمراكزه. وفي اليوم التاسع نشبت بينهما معركة عامة فاقتتلا بشدة وتعادل حتى دخول الليل. واستأنفا القتال في اليوم التالي، وأبدا كلاهما منتهى الشجاعة والجلد حتى بدا الإعياء على الإفرنج ولاح النصر في جانب المسلمين. ولكن حدث عندئذ أن افتتح الفرنج ثغرة إلى معسكر الغنائم الإسلامى، وخشى عليه من السقوط في أيديهم، أو حدث كما تقول الرواية أن ارتفعت صيحة مجهول في المراكز الإسلامية بأن معسكرالغنائم يكاد يقع في يد العدو. فارتدت قوة كبيرة من الفرسان من قلب المعركة إلى ما وراء الصفوف لحماية الغنائم، وتواثب كثير من الجند للدفاع عن غنائمه. فدب الخلل إلى صفوف المسلمين، وعبثا حاول عبد الرحمن أن يعيد النظام وان يهدئ روع الجند، وبينما يتنقل أمام الصفوف يقودها ويجمع شتاتها، إذ أصابه من جانب الأعداء سهم أودى بحياته، وسقط قتيلا من فوق جواده، وعم الذعر والاضطراب في الجيش الإسلامي، واشتدت وطأة الفرنج على المسلمين وكثر القتل في صفوفهم، ولكنهم صمدوا للعدو حتى جن الليل، وافترق الجيشان دون فصل. وكان
стр. 1340
ذلك في اليوم الحادي والعشرين من أكتوبر سنة ٧٣٢ م (أوائل رمضان سنة١١٤ هـ)
وهنا اضطرم الجدل والنزاع بين قادة الجيش الإسلامي، واختلف الرأي وهاجت الخواطر وسرى التوجس والفزع. ورأى الزعماء أن كل أمل في النصر قد غاض فقرروا الانسحاب على الأثر. وفي الحال غادر المسلمون مراكزهم وارتدوا في جوف الليل، وتحت جنح الظلام جنوبا، صوب قواعدهم في سبتمانيا، تاركين أثقالهم ومعظم أسلابهم غنما للعدو. وفي فجر الغد لاحظ كارل وحليفه أودو سكون المعسكرات العربية فتقدما منها بحذر وإحجام فألفياها خاوية خاليةالا من بعض الجرحى الذين لم يستطيعوا مرافقة الجيش المنسحب، فذبحوا على الأثر. وخشى كارل الخديعة والكمين فاكتفا بانسحاب العدو ولم يجرؤ على مطاردته وآثر العود بجيشه إلى الشمال. هذه هي أدق صورة لحوادث تلك الموقعة الشهيرة طبقا لمختلف الروايات. والآن نورد ما تقوله الرواية الإفرنجية الكنسية ثم الرواية الإسلامية. أما الرواية الإفرنجية الكنسية فيشوبها كثير من المبالغة والتحامل والتعصب، وهي تصف مصائب فرنسا والنصرانية من جراء غزوة العرب في صور مثيرة محزنة، وتفصل حوادث هذه الغزوة فتقول إحداها: (لما رأى الدوق أودو أن الأمير شارل (كارل) قد هزمه وأذله وأنه لا يستطيع الانتقام إذا لم يتلق النجدة من إحدى النواحي، تحالف مع عرب إسبانيا ودعاهم إلى غوثه ضد الأمير شارل وضد النصرانية. وعندئذ خرج العرب وملكهم عبد الرحمن من أسبانيا مع جميع نسائهم وأولادهم وعددهم وأقواتهم في جموع لا تحصى ولا تقدر، وحملوا كل ما استطاعوا من الأسلحة والذخائر كأنما عولوا على البقاء في أرض فرنسا. ثم اخترقوا مقاطعة جيروند واقتحموا مدينة بوردو وقتلوا الناس في الكنائس وخربوا كل البسائط وساروا حتى بواتيو. . .)
وتقول أخرى: (ولما رأى عبد الرحمن أن السهول قد غصت بجموعه اقتحم الجبال ووطئ السهول بسيطها ووعرها، وتوغل مثخنا في بلاد الفرنج ومحق بسيفه كل شيء، حتى أن أودو حينما تقدم لقتاله على نهر الجارون وفرّ منهزماً أمامه لم يكن يعرف عدد القتلى سوى الله وحده. ثم طارد عبد الرحمن الكونت أودو، وحينما حاول أن ينهب كنيسة تور المقدسة ويحرقها التقى بكارل أمير إفرنج أوستراسيا وهو رجل حرب منذ فتوته، وكان أودو قد بادر بأخطاره وهنالك قضى الفريقان أسبوعا في التأهب واصطفا أخيرا للقتال ثم وقفت أمم
стр. 1341
الشمال كسور منيع ومنطقة من الثلج لا تخترق وأثخنت في العرب بحد السيف). (ولما أن استطاع أهل أوستراسيا (الفرنج) بقوة أطرافهم الضخمة، وبأيديهم الحديدية التي ترسل من الصدر تواً ضرباتها القوية أن يجهزوا على جموع كبيرة من العدو، التقوا أخيرا بالملك (عبد الرحمن) وقضوا على حياته. ثم دخل الليل ففصل الجيشان والفرنج يلوحون بسيوفهم عالية احتقارا للعدو. فلما استيقظوا في فجر الغد ورأوا خيام العرب الكثيرة كلها مصفوفة أمامهم تأهبوا للقتال معتقدين أن جموع العدو جاثمة فيها ولكنهم حينما أرسلوا طلائعهم ألّفوا جموع المسلمين قد فرت صامتة تحت جنح الليل مولية شطر بلادها. على أنهم خشوا أن يكون هذا الفرار خديعة يعقبها كمين من جهات أخرى فأحاطوا بالمعسكر حذرين دهشين. ولكن الغزاة قد فروا. وبعد أن اقتسم الفرنج الغنائم والأسرى فيما بينهم بنظام عادوا مغتبطين إلى ديارهم). وأما الرواية الإسلامية فهي ضنينة في هذا الموطن كل الضن كما أسلفنا ويمر معظم المؤرخين المسلمين على تلك الحوادث بالصمت أو الإشارة الموجزة كما سنرى، غير أن المؤرخ الإسباني كوندي يقدم إلينا خلاصة من أقوال الرواية الأندلسية المسلمة عن غزو فرنسا وعن موقعة تور ننقلها مترجمة فيما يلي: -
стр. 1342
في الأدب العربي
عكاظ والمربد
للأستاذ أحمد أمين
وكان لكل شاعر من شعراء المربد حلقة ينشد فيها شعره وحوله الناس يسمعون منه؛ جاء في الأغاني (وكان لراعى الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة). وكان الناس يخرجون كل يوم إلى المربد، يعرف كل فريق مكانه فيجلس فيه ينتظر شاعره، فقد روى الأغاني أيضا أن جريرا بات يشرب باطية من نبيذ ويهمهم بالشعر في هجاء الفرزدق والراعي، فما زال كذلك حتى كان السحر وقد قالها ثمانين بيتا في بنى نمير فلما ختمها بقوله:
فغمض الطرف انك من نمير … فلا كعبا بلغت ولا كلابا
كبر ثم أصبح حتى إذا عرف أن الناس قد جلسوا في مجالسهم بالمربد، وكان يعرف مجلسه ومجلس الفرزدق دعا فادهن ولف رأسه ودعا غلامه فأسرج له حصانا وقصد مجلسهم وأنشدها فنكس الفرزدق وراعي الإبل. ونرى بجانب هؤلاء الفحول أعنى جريرا والفرزدق والأخطل طائفة أخرى من كبار الرجاز يقصدون المربد وينشدون رجزهم، فالعجاج الراجز يخرج إلى المربد عليه جبة خز وعمامة خز على ناقة له قد أجاد رحلها ويقف بالمربد على الناس مجتمعين، ويقول رجزه المشهور: (قد جبر الدين الإله فجبر) ويهجو ربيعة فيأتي رجل من بكر بن وائل إلى أبي النجم ويستحثه على الرد عليه فيخرج أبو النجم ويستحثه على الرد عليه فيخرج أبو النجم إلى المربد ويقول رجزه: (تذكر القلب وجهلا ما ذكر)
ورؤية الرجاز ينشد رجزه: (وقاتم الأعماق خاوي المخترق) ويجتمع حوله فتيان من تميم فيرد عليه أبو النجم في رجزه:
(إذا اصطبحت أربعا عرفتني) كذلك نرى ذا الرمة يقف بالمربد وعليه جماعة مجتمعة وهو قائم وعليه برد قيمته مائتا دينار؛ وينشد دموعه تجري على لحيته: (ما بال عينيك منها الماء ينسكب) وينشد كذلك بعض قصائده فيقف خياط فينقد شعره نقدا شديدا ويسخف بعض تشبيهاته، فيمتنع ذو الرمة عن الذهاب إلى المربد حتى يموت الخياط. والأمراء والولاة قد
стр. 1343
يتدخلون فيسكتون بعض الشعراء. وقد يهجون بعضهم على بعض خدمة لأغراض حزبية أو سياسية فعبد الملك ابن مروان يأمر أبا النجم بالمفاخرة مع الفرزدق. وعباد بن حصين (وكان على أحداث البصرة) يعين جريرا على الفرزدق ويعير جريرا الدرع والفرس والسلاح. وهكذا كان المربد في العهد الأموي معهدا كبيرا أنتج أدبا غزيرا من جنس خاص. وكاد هذا الشعر يكون امتدادا للشعر الجاهلي. لاتحاد الأسباب والبواعث، فأما الشعر الغزلي كشعر عمر بن أبي ربيعة وأمثاله فليس له كبير أثر في المربد لأنه فوق النزال والمهاجاة والمفاخرة. فليس مجاله حياة المربد التي وصفناها.
المربد في العصر العباسي:
بقى المربد في العصر العباسي. ولكنه كان يؤدي غرضاً آخر غير الذي كان يؤديه في العهد الأموي. ذلك أن العصبية القبلية ضعفت في العصر العباسي بمهاجمة الفرس للعرب. وأحس العرب بما هم فيه جميعا من خطر من حيث هم أمة لا فرق بين عدنانيهم وقحطانيهم، فقوى نفوذ الفرس وغلبوا العرب علىأمرهم. وبدأ الناس في المدن كالبصرة يحيون حياة اجتماعية هي أقرب إلى حياة الفرس من حياة العرب؛ وانصرف الخلفاء والأمراء عن مثل النزاع الذي كان يتنازعه جرير والفرزدق والاخطل وظهرت العلوم تزاحم الأب والشعر؛ وفشا اللحن بين الموالي الذين دخلوا في الإسلام؛ وأفسدوا حتى على العرب الخالصة لغتهم؛ فتحول المربد يؤدي غرضا يتفق وهذه الحياة الجديدة.
أصبح المربد غرضا يقصده الشعراء لا ليتهاجوا؛ ولكن ليأخذوا عن أعراب المربد الملكة الشعرية، يحتذونهم ويسيرون على منوالهم؛ فيخرج إلى المربد بشار وأبو نواس وأمثالهما، ويخرج إلى المربد اللغويون يأخذون اللغة عن أهله ويدونون مايسمعون، روى القالي في الأمالي عن الأصمعي، قال: (جئت إلى أبى عمرو بن العلاء فقال لي من أين أقبلت يا أصمعي؟ قال جئت من المربد؛ قال هات ما معك، فقرأت عليه ما كتبت في الواحي: فمرت به ستة أحرف لم يعرفها، فخرج يعدو في الدرجة وقال: شمرت في الغريب. . أي غلبتني). والنحويون يخرجون إلى المربد يستمعون من أهله ما يصحح قواعدهم ويؤيد مذاهبهم، فقد اشتد الخلف بين مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة في النحو وتعصب كل لمذهبه؛ وكان أهم مدد لمدرسة البصرة هو المربد؛ وفي تراجم النحاة تجد كثيرا منهم من
стр. 1344
كان يذهب إلى المربد يأخذ عن اهله، ويخرج الأباء إلى المربد يأخذون الأب من جمل بليغة وشعر بليغ وأمثال وحكم، مما خلفه عرب البادية وتوارثوه عن آبائهم؛ كما فعل الجاحظ؛ يقول ياقوت: إن الجاحظ أخذ النحو عن الأخفش وأخذ الكلام عن النظّام وتلقف الفصاحة من العرب شِفاها بالمربد. وبذلك كان المربد مدرسة من نوع آخر تغير برنامجها في العصر العباسي عن برنامجها في العهد الأموي وأدت رساله في هذا العصرتخالف رسالتها في العصر السابق.
آخر الأخبار عن المربد:
في ثورة الزنج التي ظهرت في فرات البصرة والتي بدأت سنة ٢٥٥هجرية حدث قتال بالمربد بين الزنج وجيش الخليفة، فاحترق المربد؛ روى الطبري قال: يقول ابنسمعان: فاني يومئذ لفي المسجد الجامع إذ ارتفعت نيران ثلاث من ثلاثة أوجه: زهران والمربد وبنى حمان في وقت واحد، كأن موقديها كانوا على ميعاد، وجل الخطب وأيقن أهل البصرة بالهلاك. وتوالت فيه الحرائق وعوتب شاعر البصرة أبو الحصين بن المثنى على أنه لم يقل شيئا في حريق المربد؛ مع أن المربد من أجل شوارعها، وسوقه من أجل أسواقها، فقال ارتجالا في آخر حريق لها:
أتتكم شهود الهوى تشهد … فما تستطيعون أنتجحدوا
فيا مربديون ناشدتكم … على أنني منكم مجهد
جرى نفسي صاعدا نحوكم … فمن أجله احترق المربد
وهاجت رياح حنيني لكم … وظلت به ناركم توقد
ولولا دموعي جرت لم يكن … حر يقكم أبداً يخمد
ويذكر ابن الأثير في حوادث سنة٤٩٩ م أن سيف الدولة صدقة بن مزيد تقاتل مع إسماعيل فنهبت البصرة وغنم من معه من عرب البر. . . ولم يسلم منهم الا المحلة المجاورة لقبر طلحة والمربد. فان العباسيين دخلوا المدرسة النظامية وامتنعوا بها وحموا المربد وعمت المصيبة بأهل البلد سوى من ذكرنا. ويقول ياقوت (إن المربد كان سوقا للإبل، ثم صار محلة عظيمة سكنها الناس وهو الآن: (عاش ياقوت حتى سنة ٦٢٦هـ) بائن عن البصرة؛ بينهما نحو ثلاثة أميال، وكان ما بين ذلك كله عامرا وهو الآن خراب،
стр. 1345
فصار المربد كالبلدة المفردة في وسط البرية). ثم عفا أثر المربد، ولم نعد نجد له ذكرا ذا قيمة، وأخنى عليه الذي أخنى على عكاظ؛ ومات بموته معهدان أدبيان اتصلت حياة الثاني منهما بحياة الأول فقاما نحو ستة قرون يخرجان شعراً وأدبا ونقدا كان من خير تراث العرب.
стр. 1346
من طرائف الشعر
ذقته مرتين
للأستاذ بشارة الخوري
أتت هند تشكو إلى أمها … فسبحان من جمع النيرين
فقالت لها: إن هذا الضحى … أتاني وقبلني قُبلتين
وفرَّ فلما رآني الدجى … حباني من شَعره خصلتين
وما خاف يا أم بل ضمني … وألقى على مبسمي نجمتين
وذوَّب من لونه سائلاً … وكحلني منه في المقلتين
وجئت إلى الروض عند الصباح … لأحجبَ نفسي عن كل عين
ناداني الروضُ يا روضتي … وهمَّ ليفعل كلأولين
فخبأت وجهي ولكنه … إلى الصدر يا أم مدّ اليدين
ويا دهشتي حين فتَّحتُ عيني … وشاهدت في الصدر رمانتين
ومازال بي الغصن حتى انحنى … على قدمي ساجداً سجدتين
وكان على رأسه وردتان … فقدم لي تَيْنِك الوردتين
وخفت من الغصن إذ تمتمت … بإذني أوراقهُ كلمتين
فرحت إلى البحر للأبتراد … فحملني ويحه موجتين
فما سرت إلا وقد ثارتا … بردفي كالبحر رجراجتين
هو البحر يا أمكم من فتىً … غريق وكم من فتى بين بين
فها أنا أشكو إليك الجميع … فبالله يا أمأتريْن
فقالت، وقد ضحكت أمها … وماست من العُجب في بُردتين
عرفتهم واحداً واحداً … وذقتُ الذي ذقته مرتين
стр. 1347
حلم
رأيتُ أمسِ حُلمُاً … روعني في مضجعي
رأيتني مع الحبي … ب في عتاب موجع
آلمتهُ من غيرتي … ظلماً بلا تورع
ثم طلبتُ صفحه … لكنه لم يسمع
فقد تولَّى مُغْضَباً … ولم يُفد تضرّعي
وعندما أمسكتُه … من ثوبه صاح: دعِ
لكنني عند انتبا … هي من منامي المُفْزع
وجدتُهُ بجانبي … مستغرباً من جزعي
يسألني في رقةٍ … عن حُلُميوأدمعي!
كرمة ابن هاني. حسين شوقي
стр. 1348
ليل المعذَّب
هذا عُبابُ الظلام وافي … يسحبُ فوقَ الثرى خُطاهُ
أعشَى عيونَ الورى عَماهُ … وأفزعتْ في الكرى رُؤاهُ
// ليلٌ كلونِ الغرابِ داجٍ … غُفْلٌ أغَمُّ اكتسى وقارا
كأنما النور في حَشاهُ … عن مستهلِّ الصديعِ جارا
تَحسبهُ لجَّةً غَضوُباً … كلُّ سَبوُحٍ بها غريقُ
أو مهمهاً موحشاً مُريعاً … عُمَّارُه الدهرَ لا تُفيق
يَزْفِر وجداً به المعنىَّ … فيستحيل الأسى دموعاً
ويستحيل العذابُ جمراً … والقلبُ في كهفه صُدوعا
سورية، حمص. رفيق فاخوري
стр. 1349
حياة ثانية
أيُّ نورٍ ألقَي علىَّ غرامي … فاشتريتُ الآمال بالآلامِ
كان ذا الجسمُ عُصبةً من جراحٍ … تتنزى في هيكل من حطامِ
كان ذا القلبُ شعلةً من عذاب … وشجون ولوعة وضرام
كان ذا الطرف منهلاً سرمَدِياً … يغمر الروح بالدموع الدوامي
كنتُ واللهِ في شبابي شيخاً … لاح للناس في مُسُوح غلام
كان ذا الشِّعرُ غنوة اليأس في القل … ب وناياً أنعى به أحلامي
كان عمري كأنه حلكة اللي … ل على الدُجَى المترامي
كنتُ لا أعرف التَبَسُّم حتى … عوَّدتنى المنى ابتذال ابتسامي
شفَتَاي الحزينتان وقلبي … وعيوني مدينة لغرامي
عالَمٌ أنتِ من جلال وسحرٍ … وجمالٍ وفتنةٍ وسلامِ
فيك أمر غير الجمال سيبقَى … أبد الدهر حيرة الأيامِ
فيكِ سحرٌ من السذاجة والطه … ر يمدّ الشعور بالا لهام
قد هجرتُ الكروم والحان والس … اقى وصوت الكؤوس والأنغام
وأبيتُ الحياةَ الاَّ خيالا … وعشقتُ الحياة بالأوهام
تساقي بها الكؤوس من الس … حر ونحيا في روضة الأحلامِ
والأزاهير حولنا تَتَثنَّى … راقصاتٍ بغير جرحٍ دوامي
وطيور الخيال فيها تَنَاغَي … برقيق الغناء عذب الكلام
كل شئ حتى الأنين أراهُ … مستحبَّا مُوَقَّعَ الأنغام
أشربي الكأس واتركي ليَ فيه … قُبلةً تستقر بين عظامي
قبلَ أن يخطر النسيم فيمضي … بأمانِ الهوَى ويذروُ حطامي!
صالح جودت
стр. 1350
الذكرى
// لمن آهاتيَ الحرى … إذا ما أظلمَ الكونُ
ودمعةُ مقلة شكري … يغالبُ سكبَها الجفنُ
ذكرتُ هوايَ مذ شبّا … مع الأحلام فتانا
فَرُحْتُ أقطع القلبا … وأذري الدمع هتانا
ذكرتُ شفاهنا تدنو … وما تفترُ في اللثمِ
كلانا مدنف يحنو … كأنّ العيش في حلمِ
ذكرت البدر والأفُقا … ونجمة قلبيَ الدامي
ذكرت بخدها الشفَقا … وفي العينين أحلامي
ليالي الأنس لم تبْق … لقلبي غير ذكراها
يعانقُ طيفها عُنقْي … وثغري لاثم فاها
أشاهد طيفها الباكي … مع الأدمع جوَّالا
وأسمع صوتها الشاكي … يذيب القلب منهالا
سلاماً أيها الحبُ … وإن أورثتني شجوا
يخلد عهدَك القلبُ … على ما فيك من بلوى
دمشق. م. جميل سلطان
стр. 1351
على لسان شاب مصري في الثلث الأول من القرن
العشرين
ألاكم مر جيل بعد جيل … وماضي المجد لا يبغىإيابا
تنقل في بلاد الأرض طراً … وغادر مهده منه يبابا
إلى أن عاده شوق لأم … تكابده من تنائيه عذابا
فحياها وأرسلها إليها … رياحاً قد رددن لها الصوابا
سرين وقد حملنلنا جلياً … نداء للمكارم مستجابا
كذا قمنا بعزم ليس يخبو … لنرفع مصر في الدنيا شهابا
نعيد لها الشباب وكان حتما … علينا أن نعيد لها الشبابا
صحا فينا (الضمير) فماد شعب … صحا للمجد يطلبه طلابا
يعد الفكر في ثقة سفينا … لبحر العيش مصطخبا عبابا
علينا الواجبات هناك شتى … وطرح الضيم أولها حسابا
فما نشطت بذاك العبء قوم … إلى فضل ولا شرفوا جنابا
بنى مصر الكرام سلام بدء … إذا ما نلتم العلياء طابا
стр. 1352
في الأدب الشرقي
من الأدب التركي الحديث
عبد الحق حامد
للدكتور عبد الوهاب عزام
نشرت في (الرسالة) الماضية ترجمة المقدمة المنثورة التي كتبها شاعر التركالأكبر للمرثية الكبرى التي رثى بها زوجه فاطمة وسماها (المقبر) ووعدت أن أنشر في هذا العدد مثالا من شعر هذه المرثية. ولا أكتم القارئ أنى حين وضعت الكتاب أمامي (وهو زهاء ألف بيت تدفق بها قلب الشاعر الحزين على غير ترتيب) لم أدر كيف أختار: الرسالة لا تتسع للإسهاب، والإيجاز لايفي بالإبانة. ولولا وعد لقراء الرسالة سبق ما كلفت نفسي هذا الشطط. عبرت الكتاب أنتقي من صفحاته، أبدأ ترجمة الفكرة ثم يضطرني إطناب الشاعر إلى الوقوف دون غايتها. وأجد البيتالفرد البديع مكملا ابياتا كثيرة فلا أستطيع أن أترجمه وحده، ولا أن أترجم كل ما اتصل به، على أن في بعض الأبيات إبهاما وغموضا وفي بعضها اضطرابا. وقد وصف الشاعر كتابه في المقدمة التي يذكرها القارىء، وقد ترجمت عجلان حين ضاق الوقت، حتى أرسلت المقال بالبريد على قطعات، من خوف (الزيات):
أواه لم يبق الحبيب ولا الدار، وبقى قلبي ملؤه الأحزان والأكدار. كانت هنا الآن فصفرت منها اليد؛ جاءت من الأزل وذهبت إلى الأبد.
ذهبتُ وبقيت هي ترابا، وحلت رفاتها قفرا يبابا. أواه إنما بقى من أنس القلب الكريم، قبر في بيروت مقيم.
أين أين أفتش عن هذا الحبيب؟ ومَن أسائل عن هذا الغريب.
ياربَّ! أين أين هي: في الأرض أم السماء؟ ربّ! من قذف بي في هذا الشقاء؟
يقولون: إنس خِلّ الوفاء، فقد سلك طريق البقاء. هل يسع الخيال هذهالحقيقة، وهل ترى العين هذه الفجيعة؟
ما أسرع ما انقلبت بي الحال! انقلابٌ لا يصدقه الفكر والخيال. أرى شيئا، أراه يشبه القبر! ويشبه الحبيب حين أنعم النظر.
стр. 1353
تمضي بي على الشك الليالي، ويزيد على مرّها حزني ووبالي. إنها صدمة انقلاب قتّال، فليت شعري هل حُم لي الزوال؟
هلمّ فاطمة أصعدي من اللحد، وارجعى سيرتك التي أعهد.
لاتكتمي عنى هذا السّر. وأفصحى بكلمة. أواه إنما أريد كلمة منك.
ابتسمي ابتسام الورد، وداوي جرح القلب. وأتمي أيام حياتي بنظرة معسولة، أو بسمة ساحرة.
أقبر هذا؟ ما هذا الذي أرى؟ أمكان الحبيبة هذا الثرى؟ إنها لمحنة، إنها لحيلة، إنها لفنائي وسيلة.
أنظر أنظر كيف حال الياسمين المنوّر، وانظر إلى الوجه الوردي كيف اغبرّ: تعسا لك تعسا أيها الجَدّ الأعسر، وياويلتا إلى يوم المحشر.
ربّ ما غاية هذا العيش الأغبر؟ وما غَدُ هذا البشر؟ أبلغ فكري روحها، أو سيِّر روحي إلى ترابها. . . . .
ربّ ما هذا الصفر في الحساب، لكل الأرقام إليه انقلاب. أهو عدم ذو وجود أو قبر في اضطراب؟. . . . . . .
لقد تولاّها السقام، وملأت صدرها الآلام، تضحك وضميرها في عذاب، تخفي بضحكتها خفي الأوصاب.
وكم حسبها الناس في سرور، وما سرورها إلا الحزن المكتوم، حتى ملأت باليأس نفسي، وأثارت الفتنة في قلبي.
القبر منتهى هذه الدقائق، وسر عجيب من أسرار الخالق. نور كلما مال للغياب، هبط إلى كومة من التراب.
هذا أعلى الشواهق، وهذا أروع الحقائق، أيها الشقي تلك حقيقة لا تدرك. هذا شأنك، وهذه في الدنيا حالك. . . . . . . .
لقد كانت شعرا بليغا مهما، كان فكرها شاعرا ملهما. (صحراء وتزر وأشبر) من وحيها وما كنت الا واسطتها. . . . . . . . .
كنت أفهم هذا الوجه الشاحب، الذي منح شعري اللون المعجب. تأبى أفكاري أن يكتب
стр. 1354
ويُفهَم، وهل تنحت الجبال بقلم؟
اجتمعت ضروب الآلام في صدرها، والناس في غفلة عن أمرها؛ كان كل من رآها يشفق عليها ويحبها، ولا يدرى لماذا؟. وكانت ملكة الخلق الكريم، والفكر السديد. تشعر بخطرات نفسي وتقرأ أسارير وجهي.
وكانت وإن لم تكثر الكتابة ملهمة لاتخطيء الإصابة، وكم فتنت منها بالكلم الدقاق والذكاء العجيب، قد عمر بها شعري الخراب، وتلألأ فيه صنعها العجاب. كانت نجى الأفكار في نفسي خبيرة بالكلمات التي تندّ عنّي.
تذبل الوردة الناضرة فتخلفها وردة أخرى تضئ مكانها وتفترّ، كأن الأولى لم تتغيّر. وتغرب الشمس المنيرة فإذا هي في الصباح مشرقة. ولكن شجرة الورد هذه لن تزدهر، ولكن هذا النجم في غروب مستمّر.
سلكتْ بي الفِكَرُ ألف سبيل وراءك أيها القمرَ فعيّ العقلُ دونك وأقصر. صاعقة ولكن لا يسمع صوتها، ونور يسقط ولكن لا يبين ضياؤه.
يا رب أين أين الحقيقة؟ أجعلت الغم سر هذه الخليقة؟
مهما طال بي الأنين واستمر، فما هو الا كأنين الشجر. . . . . .
لاريب أن حياتي سم أتجرعه، فيدنيني من الموت الذي أرتقبه،
شرِّح هذا الوجود فهو عدم، وقلِّب هذا السرور فهو ألم،
ليت شعري أفي الموت نجاتي؟ ليت شعري ماذا يحبب إلى حياتي؟ قد أنهدمت خليقتك عليَّ يا رب فكيف تحتها ثباتي؟
حسبي حسبي سموم هذا القهر، حسبي حسبي طغيان هذا النهر. أليس لهذه السيول تناهي؟ حسبي جرعة واحدة يا الهي.
ما بقائي في الدنيا! أعضو أنا في جسم الدهر؟ أأنا يا رب مرآة جلالك أم أنا شعاع من جمالك؟. . . . .
أمامي مسجد التوحيد الوضاء، وفي عقلي الشك وفي قلبي الرجاء. وفوقي لقاء السرمدية وتحتي فناء الآدمية.
أرجو من الخالق خلودا، فيبدو لي التراب والحجر وعيداً وأقول أن الإنسان لا مرية، إلى
стр. 1355
الفناء، فتصيح روحي: كلا إنه للبقاء. إن لم يكن للبشر مزية في الوجود، فلماذا توحي إليه المشيئة الخلود؟ أيها القبر إنما هذا السكوت، خطاب الحي الذي لا يموت.
(يستمر الشاعر يقيم الحجج على خلود الإنسان ثم يرجع إلى خطاب حبيبته ثم يخاطب الله بين الاعتراض والتسليم إلى أن يقول)
رب كيف لا أشكو؟ ألا يصيح الجريح؟ ما هذا القبر الذي أمامي؟ وضعت فيه حبيبا جميلاً، وجعلت التراب حدود عقلي، وحبست إدراكي على هذا الحجر. واعتصمت بك فهويت عليَّ. إن لم يكن للبكاء جدوى فكيف يسكت القلب اللجوج عن الشكوى؟ لماذا تئن الطيور في الأوكار؟ أليس لقلبي أغنية كهذه الأطيار؟
قالت لى يوما في اضطراب: جئت إلى الهند لأموت في اغتراب. فضحكت من قولها وتكلفت الثبات، ولكني أحسست أن قلبي قد مات. ثم ودعنا الهند بين الموت والحياة. جاوزنا القناة في غم وكرب، وليس القوت الا دم القلب. كلما سألت أجاب السعال الظالم. ذلك الجورب المظلم. حتى إذا لم يبق الا رمق، لاحت بيروت في الأفق. ومر يوم ولم أدر بما كان وسألتها فإذا النعش عِيَان.
النعش هذا الدليل دليل المقبر، النعش ذلك الهيكل الأغبر، النعش ذلك الخطيب الأصم الأبكم، النعش ذلك الهمود المجسَّم، النعش هذه السكتة المحيرة، النعش تلك المصيبة المكررة، النعش ذلك الانقلاب الصموت. ذلك الحدِّ المتحرك للعقل المبهوت. النعش خرابة الأمل الخامد، النعش ذلك الاغبرار الخالد. النعش ظل المحشر على الأكتاف، النعش ذلك الموت المتموج ألتفَّت على هذه الروح ألواحه ففتحت ذراعيَّ للموت. . . أيها التراب المضيء، تراب الحبيب الصامت! أيها النور الأسود الثابت! إن قلبي ليتحطم من جمودك، وان روحي لتموت من خمودك.
لا لا، ليس ترابا انه موت نابت. لا لا، ليس موتا انه جؤار صامت. لتحرس الملائكة هذا القبر ولتضيء عليه الثوابت.
ليس تراباً كله قبر الحبيب، أن له قبرا آخر من النسيان الرهيب. النسيان أسفل المقابر، النسيان مقتل الأكابر. وقبر آخر ذلك القلب الهباء فهو والتراب سواء. فالحبيب ذلك الملك المسافر، طائر بين هذه المقابر. . .
стр. 1356
يارب ما أعظم محبتك التي أرى وما أعظم رحمتك التي تفيض بها الأرجاء كلها! ألا يفنى في هذا كله الفراق المنبعث من القبر؟ هذه الأنجم ضياء وحدتك، ورحى كذلك أحد كواكبك، والحبيبة التي كانت ملكا (طارت لاريب) إلى جنَّتك، كلما ذكرتك اتسع خيالي، وصارت فجرا منيرا هذه الليالي. ما أعظم اسمك أنسا للروح، انه يسير إليك في صيحات الفؤاد المجروح؛ أقول (الله) فيتفسح المجال، أقول (الله) فيفارقني الزوال. بحركة هذا الصوت الأعظم، يطير جناحي وإن حَطَمَه الغمُّ، أنتَ أقرب إلى الله يا محمد، أيها العقل المعظم المؤبد، أنت الذي سلكت بنا السبيل، وكنت إلى الله الدليل. ليصمت بعدُ هذا النواح، فلا تضيق به الأرواح، هذه الآهة التي تفيض من الروح، لن يسمعها بعدُ الا قلبي المجروح سأكون في الدنيا قبرها، تطوف فوقي روحها، سأصمت عن هذا النحيب، لأفرغ للتفكر في الحبيب.
стр. 1357
في الأب الغربي
وإذا أتى يوماً؟
قصيدة لموريس ماترلنك
للأستاذ أبي قيس عز الدين علم الدين. عضو المجمع العلمي العربي
بمناسبة ما نشرته الرسالة البارعة في العدد الرابع عشر من رواية بلياس ومليزاند ترجمة الأستاذ حسن صادق، أبعث للرسالة بقصيدة تعد من روائع الأب الرمزي، وقد نقلت إلى معظم اللغات الغربية، وأما شاعر هذه القلادة المروية فهو الأديب البلجى الكبير موريس ماترلنك ولد في غاند سنة ١٨٦٢، وقد نشأ مفطوراً على حب الأب، فحذق الصناعتين ويعده البلجيون من عباقرة شعرائهم وكتّابهم الخالدين: وقد أدخل في الأب البلجى أسلوباً جديداً وامتازت قصائده بطابع حزن عميق يثير مكنون الأسى، وأما رواياته التمثيلية فإنها تقنع مطالعها بأن حياة الناس خاضعة لعوامل خفية، وأن العالم الأرضي مفضي عليه بقضاء وقدر مضاعف: قدر الحِمام، وقدر الغرام. وأهم آثاره: بيوت الزجاج (١٨٨٩)، الأغاني الاثنتا عشرة (١٨٩٧)، الأميرةمالين (١٨٨٩)، العميان (١٨٩٠)، بلياس ومليزاند (١٨٩٢)، العصفور الأزرق (١٩١١)، كنز المتواضعين (١٨٩٦)، الحكمة والقدر (١٨٩٨)، حياة النحل (١٩٠١). والآثار الثلاثة الأخيرة تدل على براعة ماترلنك وعبقريته، وعلى رسوخه في فلسفة الأخلاق وعلى شاعر يته الجبارة. وأما قصيدته الخالدة الموسومة بعنوان (وإذا أتى يوماً؟) فهي من مرويات أغانيه الاثنتيعشرة، ويعود تأثيرها البليغ إلى تأثير موقفها الفاجع، ولعمري أي أمر أفجع من موقف شقيقتين تحتضر إحداهمافتسألها الأخرى عما تجيب به أسئلة خطيبها إذاما عاد يوماً من دار هجرته إلى دار مهجته، فتجيبها، ولم يبقى من شقيقتها إلا حشاشة، بأجوبة رمزية تشبه غصص المنية، وإليك الآن هذه الأغنية تلتاع القلوب الشاعرة لزفراتها، وتنتزع العقول العبرة من عبراتها. . .
سوإذا أتى يوماً وعاد=فما أقول لمن يعود؟
جقولي له: انتظرتك حتى=فارقت هذا الوجود
стр. 1358
سوإذا ألحّ وليس يع=رفني ليكتشف الحقيقة؟
جفتحدثي معه كما=تتحدثينإلىشقيقه
سوإذا تساءل: أين أنت=فما يكون جوابه؟
جأعطيه خاتم خطبتي=الذهبي فهو جوابه
سوإذا إستراب وقد رأى=في المخدع الخالي العجاج؟
جفأريه أن الباب مف_توح مذانطفأ السراج
سوإذا استزاد مروَّعاً=عن حال ساعتك الأخيرة؟
جقولي له: ابتسمت مخا_فة أن تنوحَ على الكسيرة
стр. 1359
بوفون
تمخضالعالم عن شخصية (جورج لكلارك قونت بوفون) في مدينة (مونت بار) عام ١٧٠٧. ولما يفع وترعرع دخل معهد الآباء اليسوعيين، ليحتلب من ضرعيه علوم القرن الثامن عشر؛ ولكن نفسه الجبارة، نزعت إلى الطبيعة الخلابة، فودع بقية العلوم في ذلك المعهد، وراح يضرب في أنحاء إيطاليا وإنجلترا، يتحرى قوانين الطبيعة فيأماكنها، ويدرس طبائع الحيوان والنبات عن كثب، شأنالبحاثة المدقق الذي لا يرضى بما لاح من صيد، ولا يعود من مغامرته بالقشور دون اللباب. فانكب على العلوم الطبيعية، يقتلها درساً وتحقيقاً، حتى ضرب فيها بسهم صائب، وبلغ منها ما أمل وما أراد؛ ولم يَدرُ مع الأرض حول الشمس ٢٦ دورة حتى انتخب عضواً في (أكاديمية) العلوم. وبعد هذا التاريخ بست سنوات عين ناظراً عاماً (لبستان الملك) الذي يطلق عليه الفرنسيون اليوم اسم (بستان النبات). كان (بوفون) إذا أراد الكتابة، اعتزل الضوضاء في غرفة منزوية، وارتدى ثوبه ذا الأكمام الموشاة، والناطق باسم مقامه العإلى، وتقلد سيفه المحلى بحلي ثمينة، ثم جلس إلى مكتبه يتخيرلافكاره أشرف المباني، ولعواطفه أرق التعابير، وحينما ينتهي من كتابته يعيد قراءة ما دبجته براعته، بصوت مرتفع أجش، وجنان تتجاوب في إرجائه عواطف الحماسة والعظمة، حتى إذا ما هذَّب ونقح، وتلا ما كتبه ثالث مرة: غادر مكتبه وماء البشر يترقرق في وجهه، ونشوة السرور تدب في جسمه. اشتغل بوفون مدة خمسين عاماً في تأليف كتابه (التاريخ الطبيعي) جوهرة ألامس ودرة اليوم، ولكن المنية شعبته فحالت دون تدوين دراسته المستفيضة بكاملها، فظل الكتاب مبتورا تنقصه أبحاث مهمة كالأفاعي والأسماك، والحشرات والنبات، وقد سد هذه الثغرة في هذا الروض الاريض (لاسيد) تلميذ بوفون المخلص، وصديقه الحميم.
ومهما يكن من شيء فان شهرة (بوفون) مازالت تطوي المراحل وتجوب الأمصار، وسمعته ما نفكت تسير بذكرها الركبان، وتتجاوب بصداها المحافل. وقد عرف له مواطنوه نبوغه، فانتخبه المجمع العلمي الفرنسي عضوا فيه، وانعم عليه لويس الخامس عشر بلقب (قونت). ولم تحترمه يد المنون في عام ١٧٨٨ حتى رأى تمثاله منتصباً في مدخل متحف التاريخ الطبيعى، وقد حفر عليه باللغتين الفرنسية والألمانية: (إن عظمة الطبيعة تساوى عبقريته) ولست لأعرض الآن لأدبه بالتحليل والنقد، فعساي أن أعود إليه في يوم آخر،
стр. 1360
ولكنى مترجم هنا آية من آياته الخالدة، في وصف الصحراء العربية.
صحراء جزيرة العرب
تصور بلاداً لا تتنفس عن اخضرار، ولا تترقرق في مآقيها المياه! شمسها تتقد اتقاداً، وسماؤها أشد جفافاً من الضرع الذاوي. تستر الرمال أدُمَ وديانها، وتسيطر جنود الجدب على جبالها!! تطل عليها الباصرة فيضل البصر فيها دون أن ينعم برؤية شيء تتجاوب فيه خطرات الحياة. أرض جر عليها الموت أذياله، قد عصفت فيها أعاصير حاصبة، نزعت عنها غلالتها الرملية، فلا يصطدم فيها نظرك العُقابي، إلابهياكل عظمية، وحصباء منتثرة، وصخور منتصبة، وأخرى مستلقية.
صحراء ليس بينها وبين وهج الشمس من حائل، فليس بمقدور المسافر أن يفيء إلى ظلال بليلة. هنالك لا صاحب فيؤنس وحشته، ولا شيئاً حياً فيذكره بالطبيعة الحية: عزلة مطلقة، وارفة الجناحين، ترعب أكثر من ألف مرة من عزلة الغابات، لأن الأشجار كائنات حية في نظر المنفرد المسكين الضال في هذه المهامه الخاوية، والمتمردة على سلطان الحدود. يتراءى للمسافر حيثما أشاح بوجهه، أن قبره منبوش في هذه الفيفاء: فيرى نور النهار الساطع، أكأب من حلوكة الليل الدامس، لأن هذا النور لا ينبعث الا لينير له عن خوره وارتخاء مفاصله، وإلا ليمثل له هول موقفه وحراجته، ذلك أنه ينأى عن عينيه حدود الخلاء. ويزيد في بسطة هوة الأتساع، تلك الهوة التي تفصله عن الأراضي الآهلة. رقعة واسعة تكفيه مؤونة التطواف، ففيها جوع كاسر للطرف، وفيها ظمأ عاصب للفم، وفيها حرارة قادحة للثقاب. هذه كلها تضغط على ما بقى لديه من لحظات تتردد بين اليأس والموت).
حلب ـ عبد الوهاب حومة
стр. 1361
بحر ناعس
لجون فريمان
بحر
كالطفل الغارق في سباته.
يحتفظ
بخوالج وجدانه في نهاره ليرددها على لسانه في ليله
لا تكاد
تطفح لجته المرتفعة حتى تخور فتتراجعفي هوادة وبطء
والبحر
في هدوئه كركود الطفل في غفلته. القمر من هزاله كلهب الشمعة يذوي ويحتضر.
لا صوت
بالبحر كالطفل الحالم وفي سكرة نومه الحادة يئن بخفوت مؤلم. ثم يرسل من أعماق صدره زفرات حارة في تأوهات صامتة. لقد تشابها.
منوف. أحمد محمد البيه
стр. 1362
اللقاء العجيب
لأندره شينه
هي: أيها الغاب هل رأيت حبيبي=قرب ماء الغدير عند الغروب؟
كم صباح أتاك بل كم مساءٍ … عند همس الصَّبا وشَدْو الجَنو
سوف أصغي لكل صوت بعيدٍ … فلعلِّي أحظى به من قريب
هو: إِيه يا موجة الغدير سلاماً=يا عروس الماء النمير السَّكُوب
احملي لي حبيبتي فهي عندي … زهرة الحب فوق غصن رطيب
كم لثمت العشب الذي وطئته … قدماها في الغاب دون رقيب!
هي: آه لو يعلم الحبيب بشوقي=وحنيني وحرقتي وشحوبي
هل أراه في الغاب؟ إن خيالي … لَيراه في ذا المكان الرحيب
سوف أدعوه بابتسام وعطف … فعساه يكون بعدُ مجيبي
هو: رب هب لى رحماك صبراً جميلاً=إنما الصبر جُنَّة المكروب
هل أتاها أني ليخفق قلبي … لسماع اسمها الجميل الطروب؟
سأنادي دوماً بصوت حنونٍ … علَّها أن تجيب صوت الحبيب
هي: آه إني رأيته فأعنيّ=يا لساني في ذا اللقاء الرهيب
إيه يا ناظري ويا شفتيا … إهدَآ ساعة اضطراب القلوب
هو: ما لهذه الأوراق تهتز دوني؟ =قد بدا لي ثوب الفتاة اللعوب
إنه ثوبها فيا مقلتيا … عبرا عن غراميَ المحجوب
هي: أهنا أنتَ؟ إن ذا لعجيب=أنا وحدي في ذا المكان الجديب
لم أفكر في أن أراكَ ولكن … جُزْته نحو بيتيَ المحبوب
هو: أنا ألهو برؤية الموج وحدي=وذُرى الزيزفون تجلو كروبي
لم أفكر في أن أراكَ أمامي … لم أفكر في ذا اللقاء العجيب!
دمشق. محمد ناجى الطنطاوي
стр. 1363
العلوم
نشوء الكائنات الحية على وجه البسيطة
للأستاذ السر آرثر طمسن
خلال الأدوار الأولى لتاريخ الأرض لم يكن في مقدور أي مخلوق حي نتصوره أن يعيش وسط تلك الظروف، فقد كانت الحرارة مرتفعة جدا، وكان الهواء والماء معدومين في وجه البسيطة، إذن فلابد من ظهور المخلوقات الحية منذ عصور سحيقة في القدم لا نستطيع معرفة تاريخها؛ أما كيفية ظهور الحياة للمرة الأولى فلا يعلم أحد ذلك بالضبط، وكل ما هنالك احتمالات متباينة نأتى على ذكر أهمها:
منذ القديم كان الاعتقاد السائد ان الحياة نشأت من طينة الأرض بطريقة خارجة من نطاق البحث العلمي، على أن هذا الرأي يفسد علينا فهم المسألة لتسرعه في الحكم عن نشوء الحياة بهذا الشكل، فإذا كنا لا نعتبر هذا الرأي علميا فذلك لأن العلم لا يعطي قرارا جازما ولا يبت في أمور لها من الشك نصيب كبير. وذهب فريق من العلماء وعلى رأسهم الأستاذان (هلمهلتز و (اللورد كلفن إلى ان المخلوقات الحية البسيطة لم تنشأ من صميم الأرض بل جاءت إليها من الخارج محمولة بقطع الشهب المتساقطة أو بواسطة الغبار الكوني، على أن تلك الكائنات ظلت في حالة السبات لعدم ملاءمة الظروف لها حينذاك، وبهذه المناسبة يجب أن نتذكر ان بذور النباتات تستطيع أن تقاوم البرودة والجفاف زمنا طويلا، كما أن (البكتريا) تستطيع احتمال درجات مرتفعة من الحرارة دون أن تفقد حيويتها. وكما يرى الأستاذ انه طالما لا يحدث انحلال جزيئي ففي إمكان الأفعال الحيوية ان تتوقف عن العمل مؤقتا ريثما تعود الظروف الملائمة. إذن فنظرية اللورد كلفن تنسب أصل الكائنات الحية إلى غير الأرض.
وذهبت فئة أخرى من العلماء تقول بان المخلوقات الحية البسيطة نشأت على سطح الأرض من مواد غير حية أى من مركبات كربونية نصف سائلة بتأثير بعض الخمائر. وتعزز هذهالنظرية بما وصلت إليه أبحاث علماء الكيمياء التركيبية الذين نجحوا في تركيب بعض المواد العضويةكحامض الاوكساليك والنيل، وحامض الساليسليك والكافئين، سكر القصب بطرق صناعية بحتة. على أننا لا نعلم بالضبط من يقوم مقام العالم الكيميائي
стр. 1364
في مختبر الطبيعة!، ومهما كان الأمر ففي المسألة غموض وتعقيد كبيران لا نتخلص منهما الا بنتيجة واحدة وهي أن العلم لا يستطيع إلى الوقت الحاضر أن يقول كلمته فيها.
أول جسم عضوي على الأرض
إن أول ما يتبادر إلى ذهننا التساؤل عنه هو كيفية نشوء المخلوقات الحية الأولى على الأرض أو بالأحرى عن الحياة التي كانت تغطي وجه البسيطة في ابتداء طور تكونها. ولأدراك ذلك علينا أن نستعين بابسط المخلوقات الحية في الوقت
الحاضر كبعض أنواع البكتريا أو العضويات الأحادية الخلية وخاصة المسماة منها بالأحياء الأولى التي لايمكن تعيين انتسابها إلى المملكة الحيوانية أو النباتية. لاشك أن الجزم في مثل هذه الأمور يعد تطرفا لا يجيزه العلم: إنما يميل العلماء إلى التسليم بالنظرية القائلة، أن المخلوقات الاولى كانت كريات مجهرية من مادة البروتوبلازم الحية، لا تختلف عن أبسط أنواع البكتريا في الوقت الحاضر الا بكونها تستطيع المعيشة في الهواء والماء والأملاح الذائبة على السواء. ويظن أن العضويات البحرية الأحادية الخلية نشأت من هذا الأصل وكانت قادرة على صنع الكلوروفيل أو ما يشبهه وربما كانت هذه الوحدات الصغيرة الحية محاطة بغلاف سليلوزي. غير أن طاقتها الكامنة عظمت فتمخضت عن ذينبات أو شعيرات صغيرة مكنتها من تسيير نفسها في الماء للتفتيش عن الغذاء. ولا يزال من أمثال هذه العضويات كثير في الوقت الحاضر أغلبها يعيش في الماء والبعض منها (وهي نباتات بسيطة أحادية الخلية) تصبغ سوق الأشجار وحتى الصخور الرطبة باللون الأخضر وتدعى الخزيات ويرى الأستاذ ان البحار التي كانت تغطي وجه البسيطة في مستهل تاريخها كانت مأهولة بهذه المخلوقات المذنبة الخضراء التي وضعت الحجر الأساسي لعالم النبات. ويظن أن الأحياء الاولى ولدت سلسلة أخرى من المخلوقات المفترسة البسيطة لم يكن في وسعها أن تكوّن المادة العضوية (الغذاء) من الهواء والماء والأملاح فكانت تعيش على افتراس ما يجاورها من العضويات. إن هذه الوحدات كانت عديمة الغلاف السيليلوزي بحيث يسهل للمادة الحية أو البروتوبلاسم القيام بالعمليات الحيوية المتنوعة على نحو ما نراه الآن في الأميبا أو في كريات الدم البيضاء وغيرها. من هذه العضويات المفترسة نشأت المملكة الحيوانية بأسرها. نستنتج مما سبق أن
стр. 1365
الحيوانات الاولى والنباتات الاولى نشأت من الأحياء الابتدائية البسيطة ثم أخذ كل منها يسير في اتجاه خاص.
بداية نشوء النباتات البرية:
من المحتمل جداً أن المياه كانت تغطي وجه الأرض في أدوارها الأولى، وأن ذلك البحر المترامي الأطراف كان مأهولا بالنباتات الابتدائية من ذوات الشعيرات على أن انكماش القشرة الأرضية أحدث مرتفعات ومنخفضات في قاع البحار، واقتربت على أثر ذلك الطبقات الصلبة في بعض الأماكن نحو سطح الماء، فسمحت للنباتات العائمة أن تستقر هناك على مقربة من النور. هذا ما يصوره لنا الأستاذ (شرش) عن مبدأ النباتات وهي خطوة ذات شأن عظيم في سير التطور. ويظن أن أول نجاح صادفته الحيوانات كان بين هذه النباتات القديمة. وقد أخذت اليابسة بالظهور عندما ارتفع قاع البحر في الأماكن الضحلة تدريجيا. إن تلك النباتات الثابتة كانت أسلاف حشائش البحر التي تعيش على الشواطئ البحرية الآن.
الحيوانات الأولى
إن الحيوانات التي هي تحت مستوى (الحيوانات والاسفنجيات تدعى بالحيوانات الابتدائية أو البروتوزوا ومعنى هذه الكلمة الحرفي (الحيوان الأول) وكل ما نستطيع أن نقوله عن هذه الحيوانات أن أبسطها قد ينيرنا عن بساطة تركيب الحيوانات الأصلية الاولى. والواقع أن أغلب الحيوانات الابتدائية المعروفة في الوقت الحاضر هي على درجة من التعقيد لا نستطيع معه أن ندعوها (أولية) بالمعنى الصحيح، ومع أن أغلبها مجهرية الا أن كلا منها حيوان تام قائم بذاته يقوم بنفس العمليات الحيوية التي نقوم بها نحن، وتختلف عن الحيوانات العليا في عدم تكونها من الوحدات التي نسميها (خلايا) فهي إذن خلية واحدة مستقلة عديمة الأنسجة وعديمة الأعضاء (بحسب المفهوم العلمي لهذين الاصطلاحين) على أننا في كثير منها نعثر على تعقيد كبير في البنية الداخلية أكثر مما نقع عليه في الخلايا الاعتيادية التي تبنى منها أنسجة جميع الحيوانات الراقية، وبهذا الاعتبار نستطيع أن نقول أن المخلوقات الابتدائية هي مخلوقات حية تامة لم تكتسب التكوين الجسمي بعد.
стр. 1366
بدء تكون الجسم
قال العالم الطبيعي (لويس إن أكبر فراغ وجد في العالم العضوي كان مابين الحيوانات الأحادية الخلية والمتعددة الخلايا وبعبارة أخرى ما بين الحيوانات الابتدائية وما وراء الابتدائية ولكن لم يبق ثمة فراغ بين الفرعين بتطور الاسفنجيات وأمعائية الجوف والديدان البسيطة وظهورها بأجسام للمرة الأولى. فكيف نعلل تكون الجسم وهو في خطوات التطور الكبرى؟. ليس في استطاعتنا أن نعلم كيف حدث ذلك على وجه اليقين إنما يمكننا أن نبسط هذا الرأي المستمد من دراسة عميقة وبحث دقيق، عندما ينقسم الحيوان الابتدائي إلى شطرين أو اكثر (وهي طريقة التكاثر التي يتبعها) تنتشر الانسال وتعيش مستقلة بعضها عن بعض؛ ولكن بعض الابتدائيات لا تنفصل أنسالها بل تبقى مرتبطة مع بعضها فالفولفوكس وهو حيوان كروي أخضر اللون جميل يوجد في بعض الأفنية، ما هو الا مستعمرة لألف أو عشرة آلاف خلية ومن مجموع هذه الخلايا نبدأ بتمييز الجسم. على أن خلايا الفولفوكس هي من نوع واحد بينما نجد في خلايا الحيوانات التي تلي الابتدائية تخصص في العمل مما يدل على رقيها في توزيع الأعمال. فالجسم يبدأ بالتكون من تجمع قسم من المادة الحية حول كل نواة، ويرتقي تكوينه كلما حصل توزيع في العمل وتميزت الخلايا الجرثومية (أو التناسلية) فيه عن الخلايا الجسدية.
اكتسابات عظيمة
إن تناظر الجسم العام في حيوانات كشقائق البحر وقنديل البحر يكون شعاعيا أي لا يوجد له جهة يمنى أو يسرى ويمكن تنصيف الجسم بأكثر من سطح واحد. وهذا النوع من التناظر ملائم جدا لحياة الارتكاز أو الانحراف مع التيار. على أن حياة الديدان كانت تتطلب الحركة فاستدق طرفاها وصار لها جهة أمامية وجهة خلفية وأصبحت أغلب الحيوانات من الديدان إلى الإنسان ذات تناظر جانبي تتميز في جسمها جهات أربع ولا يمكن تنصيفها الا بسطح واحد. لاشك إن هذا النوع الآخر من التناظر يلائم حياة أكثر نشاطا من الحياة التي تستلزم التناظر الشعاعي، لذلك كان في وسع هذه الحيوانات الجانبية التناظر أن تفتش عن طعامها وتتجنب الأعداء وتتربص لاقتناص الزوج أو الزوجة. وقد
стр. 1367
رافق هذا التناظر تخصص القسم الأمامي من الحيوان للتحسس بالمؤثرات الخارجية، وهكذا تميز الرأس عن الجسم وكانت تلك خطوة أولى في تكوين الدماغ. ثم ارتقى الحيوان في مدارج التطور خطوات واسعة فكان له رأس نام فيه أعضاء للحس وتكون في جوفه سطوح داخلية واسعة كالجدار الهضمي ومناطق الامتصاص في قناة الطعام، ثم نمت فيه عضلات تتقلص وتنبسط فيه بسهولة، وأخيرا تأسس فيه نظام الدوران الذي جعل الدم وسيطا لنقل الأوكسجين والمواد الغذائية إلى كافة أنحاء البدن وحمل الإفرازات الضارة بالجسم لتفرز خارجا.
الهرمونات
وارتقت الحيوانات العظمية درجة أخرى بتكون غدد الإفراز الداخلي كالغدة الدرقية، والغدة الأدرينالية وغيرهما، وفائدة هذه الغدد تحضير مواد كيمياوية يوزعها الدم على جميع أقسام البدن، ولها أثر كبير في تنظيم العمليات الحيوية. وتعرف المواد الكيماوية التي تفرزها هذه الغدد باسم (هرمونات) التي تزيد في فعالية الأعضاء والأنسجة. إن بعض هذه الهرمونات تنظم النمو وتغير ضغط الدم وتركيبه بسرعة، والبعض الآخر يستدعي بعض أقسام البدن إلى النمو الفعال كغدد الحليب في الأم التي تتنبه بفعل بعض الهرمونات.
الموصل. تلخيص: بشير الياس اللوس
стр. 1368
الاقيانوغرافيا
أو تقويم المحيطات
بقلم الدكتور حسين فوزي. مدير إدارة أبحاث المصائد
- ٢ -
أرموريك بلاد الأنواء! رابضة في درعها الجرانيتي عند الطرف الشمالي الغربي من فرنسا بين المانش والأطلنطيق. نشأ حول أخاديدها وجوناتها وخلجانها قوم من المجازفة عركوا أهوال البحر جنوبي أسلندة وشرقي الأرض الجديدة. ومن تلك الخلجان والجونات خليج دوارنينيه تشرف عليه من نواحيه المحمية من الريح الصرصر غابات الصنوبر. وهو في أغلب أنحائه عار أجرد تحف به منازل صيادي السردين قائمة إلى جانب الكنائس البريتونية المنحوتة من الجرانيت. عابسة للمحيط عابس لها. صامدة للعواصف تتلقاها على أسنة أبراجها الغوطية. الوقت منتصف الليل وقد شهدت نسوة الصيادين عند غروب اليوم عودة النوارس فازعة من عرض البحر. فوجفن للعاصفة وارتفعت أبصارهن إلى صور العذراء وتماثيلها في أركان القرية وتحت أعطاف الكنيسة وفوق الأسرة الخشبية يتعوذن بها لتحمي أزواجهن وأولادهن وعشاقهن من هول النوء المهاجم. وفي أشد ما يكون صرير النوء تنصت نساء سانتان دي لايالود وأوديرن ودوارنينيه إلى أصوات نواقيس تتصاعد من أعماق الخليج. تلك نواقيس عاصمة كورنواي الغارقة. (أيس) حاضرة الملك جرالون حامي حمى المسيحية الأولى في أشخاص قديسيها رونان وكورنتان وجينوليه. من دون أبنته داهوت التي ركبت مركب الشيطان ففتحت المغاليق التي تحمي مدينة أيس من الاقيانوس. يصيح سان جينوليه (البحر يا مولاي. بادر إلى جوادك) فيمتطي الملك جواده. وتقفز داهوت خلفه. ويحاول عبثا أن يلحق بالقديس السابح بجواده فوق العباب.
- النجدة ياجينوليه!
- ألق تلك الملعونة في اليم أو أنت من الهالكين.
وإذ تبتلع الأمواج داهوت يواصل الملك سراه حتى يوقفه جينوليه فيتلفت خلفه باحثا عن عاصمة كورنواى فإذا (أيس) لا أثر ولا عين طغت عليها أمواج خليج دوارنينيه.
كذا جاءنا حديث الخرافة بخبر مدينة (أيس) الغارقة. وخبر غيرها من المدائن. ليونيس
стр. 1369
وأسمايدا وسان يرندان.
ولو أن الأمر وقف عند حد الخرافة لارتحنا إلى قصص السندباد. وتهريف بعض كتاب العرب إذ يقصون نبأ الجزيرة التي ينزل إليها النواخذة فما أن يوقدوا نيرانهم حتى تميد بهم وإذا هي حوت هائل يتأهب للعودة إلى الأعماق. ولم نتساءل إن كان هذا حوتا أو تنيناً أو دابة من دواب البحر الأخرى على حد قولهم. ولكن فيلسوفنا له في نفوسنا إجلال وإعظام. هو أفلاطون ردد ما ذكر عن سولون من أنه عرف عن كهنة مصر بأمر جزيرة (أطلانطيس) الواقعة عبر أعمدة هرقليس في البحر المحيط وهي بلاد (أكبر من آسيا الصغرى وليبيا مجتمعين) غزا أهلها جميع شعوب البحر الأبيض الا شعب أثينا من تسعين قرنا خلت قبل ميلاد سولون. وعاد أفلاطون في موضع آخر إلى الإشادة بثراء (أطلنطيس) وحدّث بانخسافها في مياه الأقيانوس الغربي (الأطلنتي فيما بعد) فكانت عائقا للملاحة فيما وراء أعمدة هرقليس. أبى الخلف الذي يجل اليونان وفلاسفتها الا أن يصدق افلاطون فاعتقد بوفون ومونتيني وفولتير بحقيقة تلك البلاد المغمورة. وحاول الكثير أن يثبت أن الجزر السعيدة (الخالدات) هي البقية الباقية من (أطلانطيس) الجنة الأرضية. كذا كان هذا شأن الجزيرة التي قيل بأن القديس برندان عبر إليها المحيط. توجهت إليها بعثات الاستكشاف الأسبانية والبرتغالية حتى أتفق في سنة ١٧٥٩ على أن جزيرة (سان برندان) لم تكن سوى سراب بحري. ولكم حدثنا جواب البحار بأحاديث بنات الماء معسولات النغم. يغررن بالنوتي فيلقى بنفسه بين أحضانهن فيحملنه إلى قصر ملك البحر في أعماق المحيط. وهو قصر (جدرانه من المرجان ونوافذه من أرق ما يكون القهرمان. سقوفه من أصداف تتفتح عن لآلئ. تظلله أشجار عجاب تسبح بينها أسماك ذات ألوان كأنها طيور لا تعرف الأسجاع).
وإذا كان النواخذة اهتموا بتعرف سطح المحيطات منذ أقدم العصور لأغراض الملاحة، فقد ظل باطن البحر سراً أمعنت في إغلاقه خرافات رواد البحار وأقاصيصهم بل وتلك المخلوقات الغريبة التي اصطنعوها اصطناعا ليدللوا بها على تهريفهم. ولا زلنا نذكر تلك السمكة التي اصطنع لها وجه قرد أو إنسان للتمويه بها على الناس بأنها من عجائب البحار. وقد رأيناها معروضة في متحف موناكو كأثر من آثار تلك العهود. ولم نذهب بعيدا
стр. 1370
وما فتئ صياد البحر الأحمر يتحدث إليك عن أسماك ذات أظلاف وشوارب أو شعور وصدر ناهد. وليس العهد ببعيد إن نشرت إحدى كبريات صحفنا صورة وحش بحري كبير لاصقة به سمكة صغيرة قيل عنها بأنها (تقوده لضعف بصره وتسعى لغذائه) وكأني بها تقود أوديب الأعمى خارج أسوار طيبة. ليس من العسير إذن أن نكون صورة عن رأى الناس في أعماق البحار وسكانها في أواخر القرن الثامن عشر. وبيننا من لا يزال يعتقد (بالنص سمكة والنص بنى آدم) و (الهايشة) وما إليها من مخلوقات تبتلع المدائن في لمحة البصر بلّه الآدميين. فإذا كانت استكشافات الملاحين في القرنين الرابع والخامس عشر قضت على خرافة (أقيانوس) المحيط (باويقومينا) المحيط المتفجر عيونا وغدرانا وانهارا. ورحلات الكابتن كوك في أواخر القرن الثامن عشر أثبتت أن لا وجود لقارة جنوبية تصل أفريقيا بآسيا وتجعل المحيط الهندي بحرا داخليا فقد لبث الناس حتى القرن الثامن عشر جاهلين بأعماق البحار سوى النزر اليسير.
قيل في موت ارسطا طاليس أنه ألقى بنفسه في دوامات مضيق أوريبوس يأساً من تفهم تيارات ذلك المضيق. وهو موت (غير قمين لا بفيلسوف ولا بعالم اقيانوغرافي). الا إننا أقرب إلى احترام الرجل الذي يحمله على الانتحار يأسه من تفسير ظاهرة طبيعية منا إلى احترام بلينيوس وهو يقول منذ نحو الف عام (أي وهرقليس لا يعيشن في البحر ولا في المحيط مهما عظما مخلوق ليس لنا به علم. بل الحق العجاب أننا أعرف بتلك المخلوقات التي غيبتها الطبيعة في الأعماق منا بأي أمر آخر). فهذا الغرور وتلك الحماقة من عالم كبير ينمان عن روح لم يسلم منها بعض العلماء وهي روح خطرة في العلم سيئة الأثر على تقدم العالم. فذاك البلينيوس وهو لم يصف سوى نيف ومائة نوع من الأحياء البحرية (أي أقل مما وصفه أرسطاطاليس قبله) يتمشدق بمعرفته جميع الأنواع التي تعيش في البحار. ما عساه قائل لو علم بالآلاف العديدة من تلك الأحياء التي كشف عنها علماء البحار بعده؟
لم ينتحر هؤلاء العلماء يأسا من تفهم المحيطات كما زعموا عن ارسطاطاليس. ولم تتملكهم صفاقة بلينيوس فيشيدوا بعلمهم الواسع العريض ولكنهم جهزوا البعثات الاستكشافية ورعوا البحار منذ القرن الماضي إلى اليوم، يخرجون منها عجائب ليست من (الاطلانطيس) ولا
следующие страницы →