Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
بدء تكون الجسم
قال العالم الطبيعي (لويس إن أكبر فراغ وجد في العالم العضوي كان مابين الحيوانات الأحادية الخلية والمتعددة الخلايا وبعبارة أخرى ما بين الحيوانات الابتدائية وما وراء الابتدائية ولكن لم يبق ثمة فراغ بين الفرعين بتطور الاسفنجيات وأمعائية الجوف والديدان البسيطة وظهورها بأجسام للمرة الأولى. فكيف نعلل تكون الجسم وهو في خطوات التطور الكبرى؟. ليس في استطاعتنا أن نعلم كيف حدث ذلك على وجه اليقين إنما يمكننا أن نبسط هذا الرأي المستمد من دراسة عميقة وبحث دقيق، عندما ينقسم الحيوان الابتدائي إلى شطرين أو اكثر (وهي طريقة التكاثر التي يتبعها) تنتشر الانسال وتعيش مستقلة بعضها عن بعض؛ ولكن بعض الابتدائيات لا تنفصل أنسالها بل تبقى مرتبطة مع بعضها فالفولفوكس وهو حيوان كروي أخضر اللون جميل يوجد في بعض الأفنية، ما هو الا مستعمرة لألف أو عشرة آلاف خلية ومن مجموع هذه الخلايا نبدأ بتمييز الجسم. على أن خلايا الفولفوكس هي من نوع واحد بينما نجد في خلايا الحيوانات التي تلي الابتدائية تخصص في العمل مما يدل على رقيها في توزيع الأعمال. فالجسم يبدأ بالتكون من تجمع قسم من المادة الحية حول كل نواة، ويرتقي تكوينه كلما حصل توزيع في العمل وتميزت الخلايا الجرثومية (أو التناسلية) فيه عن الخلايا الجسدية.
اكتسابات عظيمة
إن تناظر الجسم العام في حيوانات كشقائق البحر وقنديل البحر يكون شعاعيا أي لا يوجد له جهة يمنى أو يسرى ويمكن تنصيف الجسم بأكثر من سطح واحد. وهذا النوع من التناظر ملائم جدا لحياة الارتكاز أو الانحراف مع التيار. على أن حياة الديدان كانت تتطلب الحركة فاستدق طرفاها وصار لها جهة أمامية وجهة خلفية وأصبحت أغلب الحيوانات من الديدان إلى الإنسان ذات تناظر جانبي تتميز في جسمها جهات أربع ولا يمكن تنصيفها الا بسطح واحد. لاشك إن هذا النوع الآخر من التناظر يلائم حياة أكثر نشاطا من الحياة التي تستلزم التناظر الشعاعي، لذلك كان في وسع هذه الحيوانات الجانبية التناظر أن تفتش عن طعامها وتتجنب الأعداء وتتربص لاقتناص الزوج أو الزوجة. وقد
стр. 1367
رافق هذا التناظر تخصص القسم الأمامي من الحيوان للتحسس بالمؤثرات الخارجية، وهكذا تميز الرأس عن الجسم وكانت تلك خطوة أولى في تكوين الدماغ. ثم ارتقى الحيوان في مدارج التطور خطوات واسعة فكان له رأس نام فيه أعضاء للحس وتكون في جوفه سطوح داخلية واسعة كالجدار الهضمي ومناطق الامتصاص في قناة الطعام، ثم نمت فيه عضلات تتقلص وتنبسط فيه بسهولة، وأخيرا تأسس فيه نظام الدوران الذي جعل الدم وسيطا لنقل الأوكسجين والمواد الغذائية إلى كافة أنحاء البدن وحمل الإفرازات الضارة بالجسم لتفرز خارجا.
الهرمونات
وارتقت الحيوانات العظمية درجة أخرى بتكون غدد الإفراز الداخلي كالغدة الدرقية، والغدة الأدرينالية وغيرهما، وفائدة هذه الغدد تحضير مواد كيمياوية يوزعها الدم على جميع أقسام البدن، ولها أثر كبير في تنظيم العمليات الحيوية. وتعرف المواد الكيماوية التي تفرزها هذه الغدد باسم (هرمونات) التي تزيد في فعالية الأعضاء والأنسجة. إن بعض هذه الهرمونات تنظم النمو وتغير ضغط الدم وتركيبه بسرعة، والبعض الآخر يستدعي بعض أقسام البدن إلى النمو الفعال كغدد الحليب في الأم التي تتنبه بفعل بعض الهرمونات.
الموصل. تلخيص: بشير الياس اللوس
стр. 1368
الاقيانوغرافيا
أو تقويم المحيطات
بقلم الدكتور حسين فوزي. مدير إدارة أبحاث المصائد
- ٢ -
أرموريك بلاد الأنواء! رابضة في درعها الجرانيتي عند الطرف الشمالي الغربي من فرنسا بين المانش والأطلنطيق. نشأ حول أخاديدها وجوناتها وخلجانها قوم من المجازفة عركوا أهوال البحر جنوبي أسلندة وشرقي الأرض الجديدة. ومن تلك الخلجان والجونات خليج دوارنينيه تشرف عليه من نواحيه المحمية من الريح الصرصر غابات الصنوبر. وهو في أغلب أنحائه عار أجرد تحف به منازل صيادي السردين قائمة إلى جانب الكنائس البريتونية المنحوتة من الجرانيت. عابسة للمحيط عابس لها. صامدة للعواصف تتلقاها على أسنة أبراجها الغوطية. الوقت منتصف الليل وقد شهدت نسوة الصيادين عند غروب اليوم عودة النوارس فازعة من عرض البحر. فوجفن للعاصفة وارتفعت أبصارهن إلى صور العذراء وتماثيلها في أركان القرية وتحت أعطاف الكنيسة وفوق الأسرة الخشبية يتعوذن بها لتحمي أزواجهن وأولادهن وعشاقهن من هول النوء المهاجم. وفي أشد ما يكون صرير النوء تنصت نساء سانتان دي لايالود وأوديرن ودوارنينيه إلى أصوات نواقيس تتصاعد من أعماق الخليج. تلك نواقيس عاصمة كورنواي الغارقة. (أيس) حاضرة الملك جرالون حامي حمى المسيحية الأولى في أشخاص قديسيها رونان وكورنتان وجينوليه. من دون أبنته داهوت التي ركبت مركب الشيطان ففتحت المغاليق التي تحمي مدينة أيس من الاقيانوس. يصيح سان جينوليه (البحر يا مولاي. بادر إلى جوادك) فيمتطي الملك جواده. وتقفز داهوت خلفه. ويحاول عبثا أن يلحق بالقديس السابح بجواده فوق العباب.
- النجدة ياجينوليه!
- ألق تلك الملعونة في اليم أو أنت من الهالكين.
وإذ تبتلع الأمواج داهوت يواصل الملك سراه حتى يوقفه جينوليه فيتلفت خلفه باحثا عن عاصمة كورنواى فإذا (أيس) لا أثر ولا عين طغت عليها أمواج خليج دوارنينيه.
كذا جاءنا حديث الخرافة بخبر مدينة (أيس) الغارقة. وخبر غيرها من المدائن. ليونيس
стр. 1369
وأسمايدا وسان يرندان.
ولو أن الأمر وقف عند حد الخرافة لارتحنا إلى قصص السندباد. وتهريف بعض كتاب العرب إذ يقصون نبأ الجزيرة التي ينزل إليها النواخذة فما أن يوقدوا نيرانهم حتى تميد بهم وإذا هي حوت هائل يتأهب للعودة إلى الأعماق. ولم نتساءل إن كان هذا حوتا أو تنيناً أو دابة من دواب البحر الأخرى على حد قولهم. ولكن فيلسوفنا له في نفوسنا إجلال وإعظام. هو أفلاطون ردد ما ذكر عن سولون من أنه عرف عن كهنة مصر بأمر جزيرة (أطلانطيس) الواقعة عبر أعمدة هرقليس في البحر المحيط وهي بلاد (أكبر من آسيا الصغرى وليبيا مجتمعين) غزا أهلها جميع شعوب البحر الأبيض الا شعب أثينا من تسعين قرنا خلت قبل ميلاد سولون. وعاد أفلاطون في موضع آخر إلى الإشادة بثراء (أطلنطيس) وحدّث بانخسافها في مياه الأقيانوس الغربي (الأطلنتي فيما بعد) فكانت عائقا للملاحة فيما وراء أعمدة هرقليس. أبى الخلف الذي يجل اليونان وفلاسفتها الا أن يصدق افلاطون فاعتقد بوفون ومونتيني وفولتير بحقيقة تلك البلاد المغمورة. وحاول الكثير أن يثبت أن الجزر السعيدة (الخالدات) هي البقية الباقية من (أطلانطيس) الجنة الأرضية. كذا كان هذا شأن الجزيرة التي قيل بأن القديس برندان عبر إليها المحيط. توجهت إليها بعثات الاستكشاف الأسبانية والبرتغالية حتى أتفق في سنة ١٧٥٩ على أن جزيرة (سان برندان) لم تكن سوى سراب بحري. ولكم حدثنا جواب البحار بأحاديث بنات الماء معسولات النغم. يغررن بالنوتي فيلقى بنفسه بين أحضانهن فيحملنه إلى قصر ملك البحر في أعماق المحيط. وهو قصر (جدرانه من المرجان ونوافذه من أرق ما يكون القهرمان. سقوفه من أصداف تتفتح عن لآلئ. تظلله أشجار عجاب تسبح بينها أسماك ذات ألوان كأنها طيور لا تعرف الأسجاع).
وإذا كان النواخذة اهتموا بتعرف سطح المحيطات منذ أقدم العصور لأغراض الملاحة، فقد ظل باطن البحر سراً أمعنت في إغلاقه خرافات رواد البحار وأقاصيصهم بل وتلك المخلوقات الغريبة التي اصطنعوها اصطناعا ليدللوا بها على تهريفهم. ولا زلنا نذكر تلك السمكة التي اصطنع لها وجه قرد أو إنسان للتمويه بها على الناس بأنها من عجائب البحار. وقد رأيناها معروضة في متحف موناكو كأثر من آثار تلك العهود. ولم نذهب بعيدا
стр. 1370
وما فتئ صياد البحر الأحمر يتحدث إليك عن أسماك ذات أظلاف وشوارب أو شعور وصدر ناهد. وليس العهد ببعيد إن نشرت إحدى كبريات صحفنا صورة وحش بحري كبير لاصقة به سمكة صغيرة قيل عنها بأنها (تقوده لضعف بصره وتسعى لغذائه) وكأني بها تقود أوديب الأعمى خارج أسوار طيبة. ليس من العسير إذن أن نكون صورة عن رأى الناس في أعماق البحار وسكانها في أواخر القرن الثامن عشر. وبيننا من لا يزال يعتقد (بالنص سمكة والنص بنى آدم) و (الهايشة) وما إليها من مخلوقات تبتلع المدائن في لمحة البصر بلّه الآدميين. فإذا كانت استكشافات الملاحين في القرنين الرابع والخامس عشر قضت على خرافة (أقيانوس) المحيط (باويقومينا) المحيط المتفجر عيونا وغدرانا وانهارا. ورحلات الكابتن كوك في أواخر القرن الثامن عشر أثبتت أن لا وجود لقارة جنوبية تصل أفريقيا بآسيا وتجعل المحيط الهندي بحرا داخليا فقد لبث الناس حتى القرن الثامن عشر جاهلين بأعماق البحار سوى النزر اليسير.
قيل في موت ارسطا طاليس أنه ألقى بنفسه في دوامات مضيق أوريبوس يأساً من تفهم تيارات ذلك المضيق. وهو موت (غير قمين لا بفيلسوف ولا بعالم اقيانوغرافي). الا إننا أقرب إلى احترام الرجل الذي يحمله على الانتحار يأسه من تفسير ظاهرة طبيعية منا إلى احترام بلينيوس وهو يقول منذ نحو الف عام (أي وهرقليس لا يعيشن في البحر ولا في المحيط مهما عظما مخلوق ليس لنا به علم. بل الحق العجاب أننا أعرف بتلك المخلوقات التي غيبتها الطبيعة في الأعماق منا بأي أمر آخر). فهذا الغرور وتلك الحماقة من عالم كبير ينمان عن روح لم يسلم منها بعض العلماء وهي روح خطرة في العلم سيئة الأثر على تقدم العالم. فذاك البلينيوس وهو لم يصف سوى نيف ومائة نوع من الأحياء البحرية (أي أقل مما وصفه أرسطاطاليس قبله) يتمشدق بمعرفته جميع الأنواع التي تعيش في البحار. ما عساه قائل لو علم بالآلاف العديدة من تلك الأحياء التي كشف عنها علماء البحار بعده؟
لم ينتحر هؤلاء العلماء يأسا من تفهم المحيطات كما زعموا عن ارسطاطاليس. ولم تتملكهم صفاقة بلينيوس فيشيدوا بعلمهم الواسع العريض ولكنهم جهزوا البعثات الاستكشافية ورعوا البحار منذ القرن الماضي إلى اليوم، يخرجون منها عجائب ليست من (الاطلانطيس) ولا
стр. 1371
(أيس) في شيء ولا هي من بنات الماء وما إليها من خوارق. ولكنها بدائع ذلك الكوكب الذي نحيا على سطحه نسقتها الطبيعة تنسيقا يتفق وما أودعته فيها من قوى وما فرضته عليها من نواميس. وانا لنستسمحن القارئ أن نقدم إليه بعض أولئك الأعلام الذين أقاموا ذلك الصرح البديع بين قصور العلم. أعني صرح الاقيانوغرافيا. ولعل القارئ راغب معنا أن يعرف طرفا مما قاموا به في هذا السبيل.
اكتشافات وأسماء أعلام
كان العالم بواش في سنة ١٧٥٢ ممن اعتقدوا بالطوفان فقال بأنه إذ غيض الماء كشف عن الجمال فالأودية. ولو واصل الماء هبوطه لظهرت أعماق البحار وديانا تتوسطها جبال أخرى، فالجبال المغمورة بمياه الاقيانوسات تكمل سلسلة جبال اليابسة. وهي تقسم البحار أحواضاً متصلة فوق قممها المغطاة بالماء. هذا النوع من التفكير قائم معظمه على أساس من المنطق ولكنه غير علمي إذ يتعدى ما يمكن استنتاجه من المشاهدات المباشرة. الا أن ما يعجبنا من بواش هو أن الاكتشافاتالاقيانوغرافية أثبتت أن قاع البحار أغوار سحيقة وجبال مرتفعة وأنه قد يمكن اعتبار تلك الجبال حلقات من السلسلة الأرضية. وأن في شواطئ بعض الجزر وانحدارها السريع إلى أعماق بعيدة ما يدعو إلى اعتبار هذه الجزر قناة جبال شمخت برأسها على سطح المحيط. وأن المحيطات مقسمة إلى أحواض تفصلها أسوار جبلية، وأن هذه الأحواض إن ظهرت متصلة فلأن مياهها تغطى أعالي فواصلها الجبلية. قال صيادو المرجان (البحر لا قاع له) فهزأ مراسيمي بقولهم ووعد لوعنى أحد الأمراء بتجهيز سفائن خصيصا لدراسة الأعماق. ومراسيمى رجل فرنسي مفكر يرتكز تفكيره على قواعد الموازنة والتقابل ولما كان مجرد وجود الجبل يعني وجود الوادي فقد استنتج أن الشواطئ الجبلية تعني انحدار الشاطئ عاجلا إلى الأعماق. ولم يقف مراسيمي عند هذا المنطق. بل عنى بدراسة الأعماق القريبة وقسمها بحسب أنواع رواسبها وكان أول من وضع خرائط الأعماق مبينا عليها نوع القاع من صخري ورملي وطيني. ولقد قيست درجة حرارة الماء تحت سطح البحر أثناء رحلات الكابتن كوك التي كشف فيها عن البحار الجنوبية. ولم يكن في المستطاع قياس حرارة الماء إلى عمق بعيد بدقة قبل اختراع ترمومترات النهاية الصغرى والنهاية العظمى وغيرها مما تسجل درجة الحرارة عند عمق
стр. 1372
معلوم ثم تبقى على تسجيلها فلا تتأثر بطبقات الماء التي تخترقها وهي عائدة إلى سطح السفينة. الا أن دي سوسور تمكن في سنة ١٧٨٠من قياس حرارة مياه البحر الأبيض على عمق٦٠٠و١٠٠٠ متر بواسطة ترمومتر أحاطه بموصل رديء للحرارة.
تصل بنا هذه الملاحظات التي ترددت بين التخمين والملاحظة المباشرة إلى أوائل القرن التاسع عشر حين انتشر نوع من الهواية هو عمل المجموعات الحيوانية والنباتية. وكان ذلك فاتحة عهد (الطبيعيين في الخلاء) أو أولئك الذين يجوسون بالأحراج والجبال والأودية يلاحظون الأحياء في وسطها الطبيعي وينتخبون منها مجموعات تمثل سكان المنطقة من حيوانات في ذلك العهد استعان دوناتي ومارسيلين على دراسة أحياء القاع الضحل قرب الشواطئ والمجرفة كيس شبكي يحيط بفوهته إطار من حديد ذي أسنه. تسحب على القاع فيجرف الإطار الحديدي حبات الرمل أو الطين ويتلقى الكيس مايجرف من تربة ومن أحياء تعيش على تلك التربة. وانتشرت المجرفة بين علماء أوربا فبدأ مملن أدوار باستعمالها في فرنسا سنة ١٨٣٠ وفوربس في إنجلترا سنة ١٨٣٢ وسارس في النرويج سنة ١٨٣٥.
كان من أثر امتحان الرواسب البحرية بالميكروسكوب في إيطاليا في أواخر القرن الثامن عشر أن لوحظت ظاهرة كان لها أحسن الأثر في استثارة حب الاستطلاع البحري عند علماء القرن التاسع عشر، ذلك أنهم لاحظوا تشابها في الحفريات التي وجدها الجيولوجيون في باطن الأرض على أبعاد كبيرة من البحر. وبين مخلوقات بحرية تعيش قرب الشاطئ. . والحفريات كما يعلم القارئ بقايا أحياء انقرضت في غابر عصور الأرض. وهنا دخل في روع الباحثين أنهم لابد مهتدين في قاع البحار إلى نماذج حية من تلك المخلوقات التي لم يعثروا الا على آثار انقراضها في قطاعات الجبال والأودية، وامتد خيال العلماء (وما حرم العلماء ملكة الخيال) إلى يوم يكشفون فيه عن صورة حية لما كانت عليه الأرض منذ بضع ملايين من السنين. وكاد فوربس الاسكتلندي يقضي على هذا الحلم الشائق إذ أفتى بعد رحلة إلى بحر إيجة: بأنه لا أثر للحياة في البحار بعد عمق٦٠٠متر.
ومع أن فوربس أدى إلى الاقيانوغرافيا اجمل الخدمات فهو أول من لاحظ بأن الأحياء البحرية تعيش جماعات لكل عمق معلوم جماعة خاصة منها تختلف عن جماعة عمق آخر
стр. 1373
ومع انه وصف كثيراً من حيوانات الأعماق الضحلة حول الجزر البريطانية فقد كان خاطئا في زعمه أن لا حياة بعد عمق ٦٠٠متر. وحصل سيرات على مخلوقات تعيش في البحر الأبيض على عمق ٣٠٠٠متر. وجاء عهد وصل البلاد بالأسلاك التلغرافية عبر قاع البحر فكانت سبباً في سبر أعماق بعيدة. وكان أبعد غور وصل إليه ثقل مقياس العمق في سنة ١٨٤٠أثناء بعثة سير كلارك روس إلى القطب الجنوبي وهو ٦٠٠٠متر. وحدث في سنة ١٨٦٠ أن قطعسلك من أسلاك التلغراف البحري على عمق ٢٥٠٠متر فوجدت عالقة به مخلوقات حية. كان طبيعيا أن تثير أمثال هذه الاكتشافات في جميع الشعوب الحية الرغبة في الاستزادة من تعرف أعماق البحار. وإذ علم ويفيل تمسون الاسكتلندي بأن سارس النرويجي عثر على عمق ٦٠٠متر في فيورد لوفوتن على حيوان حي من فصيلة كانت تعد من الفصائل المنقرضة، توجه إليه لمشاهدة ذلك الحيوان. وكان ويفيل تمسون من أولئك العلماء الذين بنوا كبار الآمال على اكتشاف مثل حية من الفصائل المنقرضة في الأعماق البعيدة. فارتاد الاطلانطيق على ظهر السفينة (لايتننج) مرة والسفينة (بوركوبين) مرة أخرى. وسبر حتى عمق ٤٥٠٠مترا فوجد فيه مخلوقات حية منها ما يتصل بفصائل انقرضت منذ العهد الثلاثي والطباشيري. طارت شهرت ويفين تمسون في آفاق أوربا وأمريكا نتيجة اكتشافاته ولكنه بلغ قمة مجده حين ألقيت إليه مقاليد أكبر بعثة في تاريخ الاقيانوغرافيا. وهي بعثة (تشالنجر)
تشالنجر: (أعظم البعثات الاقيانوغرافية)
قامت تلك البعثة على ظهر (تشالنجر) وهي سفينة شراعية حمولتها ٢٣٠٦ طن. ذات محركات بخارية مساعدة. خرجت من الجزر البريطانية في سنة ١٨٧٢ وعادت في سنة ١٨٧٦ بعد أن قطعت ٦٩٠٠٠ ميل في الأطلنطيق والباسفيك، وصلت فيهما حتى الحاجز الثلجي للقطب الجنوبي. أسند قيادها إلى ويفيل تمسون وكان من أهم أعضائها جون موري وبكنان، وقيدت مشاهدتها في ٣٦٢محطة حصلت منها على مجموعة ضخمة من الأحياء البحرية ونماذج المياه ونماذج القاع وسبرت حتى نيف و ٨٠٠٠ متر. ومهما أشيد بأبحاث من تقدموا (تشالنجر) فقد كانت هذه البعثة فتحا مبينا في دراسة المحيطات. ولا غرور أن تؤرخ الاقيانوغرافيا تبعا لها فيقال عهد تشالنجر وما قبله وما بعده.
стр. 1374
استغرقت دراسة النماذج التي جمعتها البعثة ٢٠عاما كانت فيها أدنبرة محط رحال العلماء من كل صوب. يتقاسمون شرف دراسة تلك المجموعات التي وزعت عليهم دون نظر إلى جنسيتهم. لذا ظهرت مجلدات هذه البعثة الخمسين متوجة بأسماء أكبر علماء الحيوان والنبات والجيولوجيا والكيمياء والطبيعة. وبرغم السنين وتقدم الأبحاث الاقيانوغرافية وابتداع الآلات الدقيقة فلا تزال تلك المجلدات مرجعا من أهم مراجعنا. وما تزال دراسة السير جون موري والأب رينار لرواسب المحيطات أكبر عمدة لمن يختصون بهذا النوع من الدراسة. ليس في مكنتنا ونحن نستعرض سراعا بعثات الاستكشاف الاقيانوغرافي أن نقف طويلا ببعثة تشالنجر. وستعرض لنا فرص عديدة للعودة إلى نتائجها. ونكتفي هذه المرة بتلخيص جد مقتضب لتلك النتائج.
بعض نتائج رحلة (تشالنجر)
- وضع خرائط لأحواض المحيطات والقضاء على المبالغات التي شاعت عن أعماقها وكان أبعد عمق سبرته البعثة نيفاً و ٨٠٠٠ متر في شمال الباسفيك
- ثبات أن لا علاقة لحرارة مياه المحيطات بتغير الفصول بعد عمق ٢٠٠ متر.
- اكتشاف درجة حرارة ثابتة للمياه العميقة في مساحات واسعة من المحيط، من ذلك أن اكتشفت البعثة ثبات حرارة مياه الاطلانطيق الشمالي بعد عمق ٤٠٠٠ متر عند درجة٥و٢ سانتجراد. كما أن حرارة مياه القاع في الباسفيك ثابتة عند درجة - ٨٣و٠ سانتجراد.
دراسة كثير من تيارات السطح والأعماق في المحيطات.
- محاولة فهم تكوين الشعاب المرجانية. وقد تعارضت نظرية موري (وهي المؤسسة على نتائج بعثة تشالنجر) ونظرية داروين في أصل تكوين هذه الشعاب. ولا تزال المعضلة قائمة إذ لم يصل أحدهما إلى نظرية مقنعة. ولعل بعثة (السير جون موري) في المحيط الهندي تلك البعثة التي تقوم على ظهر السفينة الأقيانوغرافية المصرية (مباحث) توفق إلى تفسير مقنع.
- إصلاح الخرائط الجغرافية فيما يختص بكثير من الجزر والشعاب.
- تقدم المعارف الحيوانية تقدما كبيراً وخصوصا ما عرف عن فصيلة الأحياء ذات الخلية الواحدة من (الراديولاريا) و (الجلوبيجرنيا). واكتشاف مئات من أنواع الإسفنج منها ذلك
стр. 1375
الحيوان البديع الذي أطلق عليه اسم (سلة أزاهيرفينوس)
- أثر الأعماق على الحياة. ففي الظلام الدامس الذي يغمر تلك الأعماق تعيش مخلوقات كف بصرها أو لا عيون لها أصلا. وأعاضتها الطبيعة أعضاء فسفورية تضيء سبيلها في الغياهب.
تلك بعض نتائج بعثة (تشالنجر) نمر بها سراعاً على كره منا فقد كانت حادثا له خطره في عالم العلم. وكانت الأقيانوغرافيا في مهدها فنشأت ودرجت وتقدمت بخطوات الرجال في الماضي القريب إلى حد أن الدهشة تعرونا إذ نعلم أن آخر مجلد من تقارير البعثةصدر في سنة ١٩٠٧ وأن بكنان أحد أعضاء البعثة لا يزال حيا. وان السير جون موري قتل في حادثة سيارة سنة ١٩١٤وكان قد حبس مبلغ ٢٠الف جنيه يصرف في سبيل بعثة جديدة. وتشاء الصدف أن يقترن اسم مصر باسم السير جون موري إذ تقوم هذه البعثة على ظهر السفينة المصرية (مباحث) في سبتمبر المقبل رافعة العلم المصري.
بعثات أخرى
كانت (تشالنجر) نتيجة منطقية لتلك الحركة الواسعة التي اتجهت منذ القرن الثامن عشر إلى دراسة الطبيعة. وقد وافق قيام هذه البعثة ونجاحها تلك اللحظة العظيمة في تاريخ الإمبراطورية البريطانية حين بلغت تلك الإمبراطورية في أواخر القرن الماضي أوج عزها وشأو رفعتها. وبعثة (تشالنجر) إن امتازت فلا تمتاز بانفرادها، ولا بأسبقيتها ولكن بأنها طمحتطموحا كبيرا وحققت مطمحها. بيد أن أمريكا وجهت بعثة إلى الباسفيك معاصرة لتشالنجر. معاصرة لها أيضا رحلة السفينة الألمانية (غزال) حول الأرض. والبعثة النرويجية إلى شمال الاطلنطيق. معاصر لها العلامة الاقيانوغرافية اسكندر أجاسيز. وهو سويسري مولدا ونشأة هاجر إلى أمريكا ورفع علمها العلمي على السفينة (بليك) والسفينة (الباتروس).
ولم تقف فرنسا ولا إيطاليا وراء الصفوف بل قامت الاولى بقسطها العلمي على ظهر (ترافيور) و (تالسمان) في شرق الاطلنطيق من سنة ١٨٨٠ إلى سنة ١٨٨٣. وأدت الثانية واجبها نحو البحر الأبيض المتوسط بواسطة السفينة (واشنجتن) وطوفت سفينتها (فيتور بيزاني) حول الأرض.
стр. 1376
حتى تلك الأمارة السعيدة. الضاحكة وسط ابتسام الرفييرا قدر لها أن يجلس على عرشها أمير عالم من سلالة الجريما لدى الأبطال. هو البير الأول أمير موناكو. ارتاد المحيطات بين سنة ١٨٨٥ حتى وفاته في سنة ١٩٢٢ على يخوته الفخمة (أيروندل) الاولى والثانية و (برنسيس أليس) الاولى والثانية. وهو صاحب الأيادى البيضاء على الأقيانوغرافيا إذ ابتنى لها معهدا في قلب الحي اللاتيني بباريس. ومتحفا على صخرة موناكو العالية هو كعبة القاصدين، سواء من العلماء لدراسة مجموعاته النادرة أو من أهل اللهو فيمونت كارلو لمشاهدة الاكواريوم.
وسواء كانت روسيا بالسفينة (فتياز) التي طافت حول الأرض. أو النمسا بالسفينة (بولا) التي درست الحوض الشرقي للبحر الأبيض واخترقت قناة السويس وجابت البحر الاحمرأو نانسن على ظهر (فرام) في المحيط المنجمد الشمالي. أو الدانمارك بسفينتها (أنجولف) فلم ترض لنفسها دولة من الدول الحية (تلك الدول التي يعتقد كثير منا أننا ساويناها أو نكاد لبضع طرقات فتحناها أو مباني أقمناها أو أعلام وضعناها على غير مسميات) أن تتقاعس في القيام بواجبها نحو نفسها ونحو الإنسانية جمعاء. كلا لم تتريث بلجيكا عن توجيه بعثتها إلى القطب الجنوبي بين سنة ١٨٩٧ وسنة ١٨٩٩. ولم تتوسد ألمانيا أوراق غار هابل بل عادت إلى كتابة اسمها في تاريخ علوم البحار إذ وجهت (الفالديفيا) إلى الأطلانطيق والمحيط الهندي والمحيط المنجمد الجنوبي ما سمحت ثلوجه. كلا ولا هولندة التي أضافت جوهرة إلى تاج العلم ببعثتها على ظهر (السيبوجا) حول جزر الهند الشرقية (سنة ١٨٩٩ - سنة ١٩٠٠). وكما اختتم القرن الماضي بتلك الدول وهي في ميدان العلم أفراس رهان فقد افتتح القرن العشرين ببعثات أخرى تحمل أسماء مجيدة. ويكفينا ختاما لهذا المقال أن نذكر أسماء الدول التي اشتركت في دراسة المحيطات منذ أوائل هذا القرن. فهي هي موناكو وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة وإنجلترة والنرويج والد نمارك وهي هي دواما وتكرارا.
стр. 1377
القصص
إلى الواحات الخارجية
جنة الصحراء الغربية
(وجزيرة الناعمين) في عرف قدماء المصريين
من الأصقاع الجديرة بالزيارة في مصر الواحات الغربية تلك التي نجهل عنها كل شيء ولا نذكرها الا في مقام التشويه أو العقاب أو النفي كأنها شقة من الجحيم. فكرت في زيارة تلك الناحية المنبوذة لأرى ما فيها من رهبة ووحشة فإذا بي أنتقل إلى جنة يانعة هواؤها رائق عليل، وتمرها وافر عميم، وماؤها دافق غزير، يحف بكل أولئك كثبان من الرمل الناعم النقي تعلو ورائها نجاد صخرية تمتدإلى الآفاق مما جعل الواحة في ظني خير مزار في الربيع وشطر من الشتاء. أقلني إليها القطار من مصر إلى مواصلة الواحات في عشر ساعات وهناك انتقلت إلى قطار الواحات الصغير الذي سار بنا بين ست ساعات وسبع إلى الخارجة فأخذ ذاك القطار يشق طريقه وسط الحقول الزراعية مسافة هي دون خمسة كيلومترات بعدها بدأ يصعد تدريجيا وقد استحال الطمي الراسب على الأرض رمالاً. وعند الكيلو السادس وقفنا بمحطة: القارة وهي محطة عند اتصال الهضبة الصحراوية بالسهول الفيضية الخصبة. بعدها أوغل القطارفي الصحراء صاعدا وسط واد مجدب ظل يختنق تدريجيا وتقارب القطار جوانبه الصخرية المشرفة حتى إذا قاربنا الكيلو ٤٠ كنا فوق هضبة تنتثر بالحصى. وكلما قطعنا ثلاثين كيلو مترا كنا نقف في محطة موحشة ليأخذ القطار منها الماء ولا يقطنها من الآهلين نفر. وبعد نصف الهضبة دخلنا شبه وادي فسيح غير محدود الجوانب يسميه القوم (وادي البطيخ) لأنه يغص بكرات الصخر المسودة في أحجام مختلفة فتبدو وكأنها البطيخ. وعند الكيلو ١٤٦ بدأنا نهوي خلال مجرى جاف جوانبه رائعة وكان الهبوط سريعا وعرا حتى أن القاطرة حبست بخارها فكانت تهوى المسافة كلها بقوة انحدار ليس غير، ولبثنا نتلوى ليات متعاقبة وسط ذاك الصخر المجدب حتى خرجنا إلى سهل أدى بنا إلى محطة: المحاريق: عند الكيلو ١٦٥ وهي بدء الوهدة التي تتوسطها الواحات ولذلك كنا نبصر على بعد بقاعا تزينها الخضرة في شبح فاتر.
стр. 1378
والمحار يق محلة لابأس بمبانيها. كانت قد اتخذت مقرا للنفي الإداري وكان يرسل إليها المحكوم عليهم من كافة الطبقات حتى علية القوم من المغضوب عليهم وكانوا يتركون أحرارا بعائلاتهم يتجولون إلى حدود معينة ورائها يقف الهجانة لكيلا يتجاوز المجرمون الحدود، والفقير منهم كان يكلف عملا يؤجر عليه خمسة قروش في اليوم، لكن الحكومة رأت في النفي أداة للتشفي والانتقام وبخاصة من العمد الذين كانوا يسعون إلى نفي من يكرهون. هذا إلى المبالغ الطائلة التي تكلفتها الحكومة في الإنفاق على النفي لذلك قررت إلغاءه.
قمنا إلى محطة الشركة: وسميت كذلك لأنها كانت المستودع الرئيسي لشركة سكة حديد الواحات وكانت شركة إنجليزية سعت بمجهود كبير أن تبيع متاعها للحكومة لأنها خسرت خسائر فادحة ولم يسد الخط شيئاً يذكر من نفقاته وتمت الصفقة سنة ١٩٠٩ ودفعت الحكومة ربع مليون جنيه فأيدت بذلك ما يعلمه الأجانب عن سخائنا العميم. وهي لا تزال تخسر فيها كل عام، إذ من إيرادها البالغ أربعة آلاف جنيه يخص خط الواحات ألف جنيه وهذا المبلغ لا يذكر بجانب النفقات. وجل الإيراد وقف على البلح في شهور الصيف.
أخيرا عند الكيلو ١٩٥ دخلنا محطة الواحات الخارجة وقادني الغلام إلى نزل بديع ما كنت أتخيل وجوده في تلك الناحية النائية هو (فيلا) أنيقة تزينها الأشجار الباسقة وتحوطها كثبان الرمل الناعمة. يديرها مصري يدعى (مصطفي عمر) ويقوم على خدمة النزلاء والسائحين خير قيام، ولقد تصفحت سجل الزائرين عنده فكان من بينهم الكثير من الوجهاء، مصريين وأجانب وبينهم بعض الأمراء. على أني أسفت لما علمت أن الرجل لا يكاد يتكسب من وراء عمله هذا شيئاً ولا تكاد تساعده مصلحة السكة الحديد بشيء حتى ولا بزيادة الدعاية لمنطقة الواحات وتخفيض أجور السفر إليها كي يزيد إقبال السائحين عليها كما كانت الحال في عهد الشركة الإنجليزية التي كانت تروج للواحات فكان عدد من يؤمها يفوق المئات سنويا، أما اليوم فلا نكاد نحن المصريين نسمع عن الإقليم شيئاً رغم ما فيه من جاذبية كبيرة.
قمت أتجول في المدينة فبدأت بزيارة آثارها التاريخية فالواحة كانت عامرة أيام قدماء المصريين، وابان حكم الرومان ولعل اجل آثارها: معبد هيبيس الذي بناه دارا الأول في
стр. 1379
القرن الخامس قبل الميلاد تمجيدا لآمون، والمعبد عظيم الامتداد شامخ العمد فاخر البنيان يكاد يحاكي معابد الكرنك. وهناك مدافن رومانية قديمة بها بضع مئين من المقابر أقامها الروم من اللبن في قباب صغيرة تزينها في البعض صور القديسين وفي البعض الآخر أشباه البوائك والأعمدة. وسكان الواحات يمتون بصلة إلى المصريين القدماء وإلى الرومانيين، وقد لاحظت ذلك في سحنهم المصفرة وتقاطيعهم النحيلة الممطوطة، ولا يزال للعائلات الرومانية الصرفة هناك بقية في اثنتين: عائلة الصنديدية، عائلة الأدارسة. ويمتازون بأدمغتهم المنبطحة من نواصيها. والعجيب أن أهل البلاد اعتنقوا الإسلام جميعا فلا تجد منهم مسيحيا واحدا ويظهرانهم اسلموا مجبرين وكانوا يعتصمون بالصحراء هروبا من أراضى الريف وما أثقلها من ضرائب إبان حكم المماليك، وهم لا يزالون يحتفظون بالكثير من الشعائر المسيحية رغم انهم مسلمون، فمثلا شاهدتهم يعدون سعف النخيل الأبيض لضفره في أشكال عدة احتفالا (بحد الزعف) على نحو ما يفعل إخواننا الأقباط هنا. وبينهممسجد ذو مئذنة قصيرة كان من قبل كنيسة.
ومن أعجب ما راقني مباني القوم ومساكنهم فهي من طابق واحد أو أثنين تبنى باللبن وتتجمع كلها في كتلة واحدة تشقها سراديب سقوفها واطئة لا يستطيع الإنسان السير فيها الا منحنيا ولياتها من الأعاجيب، ولا تتخللها فتحات أو نوافذ قط، لذلك كانت حالكة الظلام في رائعة النهار، ومنها ناحية يسمونها (الهدرة) أرضها صخرية زلقة مغضنة وعرة. وسط ذاك الظلام الدامس زلقت قدماي فيها مرتين. ولقد كانت تلك السراديب وسيلة من وسائل الدفاع ضد غارات البدو والدراويش الذين طالما باغتوا البلاد بغاراتهم، فكان الواحد من الآهلين يعتصم بتلك المفاوز ليمنع العدو من اختراق حرمة داره، وفوق ذلك فهي تقيهم وهج الشمس المحرقة صيفا، ولما رأت مصلحة الصحة اليوم ما يخلفه ذلك الضيق والظلام من الأوساخ وخطر الأمراض، فتحت خلال الطرق كوى صغيرة في مسافات متباعدة أنارتها اليوم بعض الشيء على إني رغم ذلك كنت أسير في سراديب كأنها السرابيوم أو التيه ظلاما ووحشة، وكثيرا ما كنت اصطدم بالمارة خصوصا عند مفاجآت الثنيات العديدة لتلك المفاوز. وقد استرعى نظري السقامون وكلهم من مكفوفي البصر، يسيرون في تلك الطرق بخفة عجيبة وعلى ظهورهم قرب الماء، ولا يخطئون البيوت ولا تزل أقدامهم أبدا. ولقد
стр. 1380
أضافني رب بيت من تلك البيوت، فكنت أتوقع أن أوي إلى كوخ صغير أو قاعة وسط تلك المطاوي الحالكة، ثم دخلنا البيت من كوة صغيرة وأشد ما كانت دهشتي عندما رأيتني وسط بيت مشيد البناء طلي بالملاط ورصف بالبلاط على نحو ما نقطن هنا في مصر.
والعيون والينابيع منثورة في الواحات في كثرة لا يكاد يحصيها العد حتى قيل أن في الواحة الخارجة وحدها ثمانمائة عين بين صغير وكبير، وهذا الماء الغزير يتفجر من طبقة من الخراسان الرملي على عمق يتراوح بين ١٠٠و١٥٠مترا والواحات في وهدة متوسط ارتفاعها عن سطح البحر يزيد على خمسين مترا وتحف بها النجاد الجيرية والطباشيرية من جميع الجوانبتعلو في مدرجات أعلاها فوق أربعمائة متر وبخاصة ناحية الغروب وزرعتلك الواحة ٣٠٠ك م في الطول وبين ٣٠و٨٠ في العرض. ومن صدوع ذاك الصخرالجيرى تتفجر العيون العديدة، وغالب العيون كانت مستغلة في عهد الرومان فكانوا يحفرون حولالعين متسعا إلى عمق كبير ويضعون منقور الخشبوجذوع النخل في شكل الأنابيب لحصر الماء، ثم تطمر الحفرة، ويستدل القوم على وجود العيون كلما رأوا منخفضا رطبا يبدو نزر الماء فيه، وتجاوره ربوة.
стр. 1381
بلياس ومليزاند
للفيلسوف البلجيكي موريس ماترلنك
ترجمة الدكتور حسن صادق
بلياس - أخاف عليك السقوط. . . سأمسك يدك. . .
مليزاند - لا تفعل. أريد أن أغمس يدي في الماء. . . من ينظر إليهما، يظن أن بهما اليوم مرضا!
بلياس - أوه! أوه! حذار، حذار من الوقوع في الماء! مليزاند! أوه! شعرك!
مليزاند - (تنهض) لا أستطيع أن أبلغه!
بلياس - شعرك انغمس في الماء
مليزاند - نعم. انه أطول من ذراعي. . . انه أطول منى (سكوت)
بلياس - لقد وجدتك على حافة عين مثل هذه تبكين. أتذكرين؟
مليزاند - نعم
بلياس - وماذا قال لك؟
مليزاند - لاشيء. . . . لم أعد أذكر. . . نسيت كل كلماته
بلياس - وهل دنا منك؟
مليزاند - نعم. وأراد أن يقبلني
بلياس - وأنت؟ هل أرضيت رغبته؟
مليزاند - كلا
بلياس - ولماذا؟
مليزاند - أوه! رأيت في قاع الماء شيئاً يتحرك!
بلياس - كدت تسقطين في الماء!. . . بماذا تعبثين؟
مليزاند - بالخاتم الذي أعطاني إياه
بلياس - لا تلعبي به فوق هذا الماء العميق
مليزاند - يداي لا ترتعدان
بلياس - ما أشد بريقه! لا تقذفيه في الفضاء هكذا!
стр. 1382
مليزاند - أوه!
بلياس - هل سقط؟
مليزاند - سقط في الماء!
بلياس - أين هو! أين هو؟
مليزاند - لم أره أثناء وقوعه
بلياس - أعتقد أني أراه يشع في الماء بريقا
مليزاند - خاتمي؟
بلياس - نعم. نعم. . . انظري جيدا
مليزاند - أوه! إنه منا بعيد! لا. لا. ليس إياه. . . لقد فقد وغاب عن البصر. . . لم يعد إلا دائرة كبيرة على سطح الماء. . . ماذا نصنع الآن؟
بلياس - لا تجزعي من أجل خاتم. هذا أمر ضئيل الشأن. سنجده أو نجد غيره
مليزاند - كلا لننجده ولن نجد غيره أيضا! كنت أعتقد أنه في يدي. . . وكانت يدي حريصة عليه، ولكنه وقع في الماء على الرغم من هذا الحرص. . . قذفته في الفضاء بقوة شديدة كأني أردت له أن يبلغ الشمس!
بلياس - تعالي سنعود للبحث عنه في يوم آخر. . تعالي لقد حانالوقت. سيبحثون عنا بعد قليل. . . سمعت ساعة البرج تدق اثنتي عشرة مرة تعلن إلى الناس منتصف النهار، وقد سقط الخاتم في الماء قبل أن تتلاشى الضربة الأخيرة في الهواء!
مليزاند - ماذا نقول لأخيك (جولو) إذا سأل عنه؟
بلياس - الحقيقة، الحقيقة، الحقيقة! (يخرجان)
المنظر الثاني
(غرفة في القصر، جولو راقد على فراش ومليزاند جالسة بالقرب منه)
جولو - آه آه: خلي عنك الجزع فليس ما أصابني بذي خطر إني في حال حسنة ولن يكون لجراحي أثر سيئ. . . ولكن لا أستطيع تفسير ما حدث! كنت أصيد في الغابة مبتهجا هادئا. . . . ثم جمح جوادي دفعة واحدة دون أن أعرف السبب. . . هل رأى شيئاً غريبا مخوفا أدخل على نفسه الرعب والفزع؟. . سمعت ساعة البرج تدق اثنتي عشرة مرة تعلن
стр. 1383
إلى الناس منتصف النهار، وقبل أن تتلاشى الضربة الأخيرة في الهواء، أقبل الجواد فجأة وجرى كغرير مجنون. . . . وظل في عدوه حتى صدم شجرة غليظة. . . وقعت على الأرض، وأعتقد أن الجواد وقع على صدري. . شعرت في تلك اللحظة بأن الغابة كلها تثقل علي وتنتزع مني الحياة في ألم مبرح. . . وأيقنت أن قلبي يتمزق. . . ولكنه والحمد لله سليم في مكانه. . . لا تجزعي ولا تخافي. ستلتئم الجراح وتعود إليّ العافية الشاملة
مليزاند - أتشرب جرعة من الماء؟
جولو - ليس بي ظمأ. شكرا لك
مليزاند - أتريد مصدغة أخرى؟. . . أرى على هذه نقطة صغيرة من الدم
جولو - كلا. لست في حاجة إلى مصدغة أخرى
مليزاند - أصدقني القول يا جولو، هل تتألم من جراحك كثيرا؟
جولو - كلا. كلا. ليست هذه أول مرة تصيبني فيها الجراح. . . خلقت من حديد ودم
مليزاند - أغمض عينيك وتملق النوم. سأقضي الليل كله بجوارك
جولو - جنبي نفسك التعب فلست في حاجة إلى شيء. سأنام كالطفل الوديع. . . ماذا جرى؟ مليزاند! لماذا تبكين دفعة واحدة
مليزاند - (تستخرط في البكاء) إني. . . إني مريضة
جولو - مريضة؟! ماذا بك؟
مليزاند - لا أدرى. . . الحياة هنا تغمز على المرض. . . آثرت أن أقول لك ذلكاليوم. . . لست بسعيدة هنا
جولو - ماذا حدث؟! هل أساء إليك أحد؟
مليزاند - كلا. ليس هذا ما أعنيه. . .
جولو - إنك تخفين عني شيئاً في أغوار نفسك. أنفضي إلى جملة حالك. من الذي يكدر عليك صفو حياتك؟ أهو الملك، أم أمي أم أخي بلياس؟
مليزاند - لا أحد يكدر علي صفو الحياة. إنك لا تستطيع إدراك نفسي. . . شيء أقوى مني. . .
جولو - لا تسلمي زمام نفسك إلى أوهام تبلبل بالك وتشقيك. ماذا تريدين أن أفعل؟! هل
стр. 1384
عدت طفلة غرة تتلاعب بلبك أفكار الخيال؟! هل زهدت في زوجك ورغبت في هجره؟
مليزاند - أوه كلا. ليس هذا هو. . أتمنى أن أذهب معك. . . لا أريد أن أعيش هنا بعد اليوم. . . أشعر بأن عمري قصير ولن أستمتع بالحياة طويلاً!
جولو - ولكني أريد أن اقف على علة ذلك. . . سيعتقد الناس إذا سمعوا قولك، أنك فقدت رشدك، أو أنك طفلة يغرر بها حلم ساذج. تكلمي أهو بلياس الذي. . .؟ يقيني انه لا يتحدث إليك كثيرا
стр. 1385
الكتب
الفجر - مجموعة من الشعر
يا ويح مصر من الشعر والشعراء! يا ويحها من هذا الشعر الزائف الذي يملأ الصحف والدواوين! فكل من اهتزت في يده يراعة في هذا البلد يريد أن يكون شاعرا، حتى غصت بالشعراء حجرات المدارس!! الشعر في كل أقطار الأرض عبقرية لا يسمو إليها إلا الأقلون، أما في مصر، فهي ألعوبة اللاعب ولهو اللاهي.
عندي أنه إن لم يرتفع ديوان الشعر بقارئه إلى مستو أعلى من مستواه الشعوري والفكري، بحيث لو كان هائما في الأرض حلق به في السماء، وان كان القارئ في السماء الأولى، سما به الشعر إلى السماء السابعة، أقول إن لم يكن الشعر كذلك، فأولى به أن يحبس في صدور قائليه، فلا يجد سبيلا إلى المطابع والمكاتب ثم إلى رؤس القراء. أما هذا الهراء الذي يتردد كل يوم، في كل صحيفة وفي كل مجال، فيجب أن ينبذ، لأن الحياة أثمن من أن تضيع في مثله، وأقسم بالله لو أن الأمر بيدي، لأنزلت العقاب (العقاب الأبى على الأقل) بهذه الفئة المتشاعرة التي ضقنا بها ذرعا.
أقول ذلك بمناسبة الديوان الذي أطلق عليه صاحبه اسم (الفجر)، ودفعه إليَّ الأستاذ الزيات لأقرأه وأعلق عليه، فانطلقت أبحث فيه عن شعور قوي واحد أو فكرة عالية فلم أجد! فيم إذن قيل، وفيم طبع ونشر، لست أدري. استمع إليه حين يقول في استقبال صديق:
مرحبا، مرحبا، بخير صديق … غاب عنا عاما فخلناه دهرا
مرحبا، مرحبا، بخير صديق … كان من أصدقائه مزورا
رام بعدا عنا، ورام خصاما … فجفانا واستبدل الوصل هجرا
بينما نحن لا نطيق فراقا … لصديق، وان تباعد شهرا
وبعد فأنى أتوجه بالرثاء والاشفاق، لا إلى مؤلف الديوان ولكن إلى قرائه: فهو شعور ضعيف في لفظ ركيك، سيئ الطبع خشن الورق.
ز. ن. م
القصاص
стр. 1386
هذه القصة من تأليف الكاتب الإنجليزي المعروف جون جالزورثي وهي من أشهر قصصه إن لم نقل أنها أقوى قصة له على الإطلاق. وقد نقلها إلى العربية الأستاذان صالح بكتاش والسيد كامل الشرقاوي.
يهاجم المؤلف في هذه القصة العدالة كما تفهمها القوانين الصارمة التي لا تحتسب للمشاعر المختلفة والمواقف المتباينة حسابا. فهي مأساةتدور حول زوجة لاقت من زوجها الغليظ عيشة مريرة. ومع ذلك فلا يبيح لها القانون أن تنفصل عنه لتتزوج من شاب آخر أحبها وأحبته. كذلك انتقد المؤلف نظام السجون وبين كيف أنها أقرب إلى إفساد النفوس الطيبة منها إلى إصلاح النفوس الشريرة.
ونحب إن نلاحظ انحرافا في ترجمة عنوان القصة، فقد كان أولى ان يكون العدالة أو القضاء لأنهما أصدق تعريبا من هذا العنوان الحالي.
ز. ن. م
١. القوميات
٢. روح المبدأ والوطن
هما مجموعتان من الشعر نظمهما الأديب السوري حسن حفار وهما كما يدل عليهما العنوانان، يفيضان بحماسة الشباب وقوة الوطنية وسمو الطموح، فلا يسعك حين تلاوة ما يحويان من شعر الا أن تحس مع الشاعر نزعة وثابة إلى الحرية والعزة القومية كما تلمح حنينا ظاهرا إلى الأقطار العربية عامة.
ولكننا يجب أن نشير إلى ضعف في اللفظ يسود الكتابين. ونرجو أن يتاح لهذا الشعور المتدفق لفظ يناسبه قوة وجزالة.
ز. ن. م
١
стр. 1387
العدد ١٧ - بتاريخ: ١٥ - ٠٩ - ١٩٣٣
стр. 1388
الملك الشهيد٠٠٠!
في ليل يوم الجمعة الماضي سكت في (برن) قلب الملك فيصل! وما كان في حسبان أحد من دنياه أن هذا القلب الذي يجيش بالحياة، وينبض بالأطماع، ويستخف بالأمور الجسام، يسكت في وحدة الغريب ووحشة الليل الرهيب هذه السكتة المفاجئة!!
فلما نعاه البرق إلى الآفاق فزع الناس إلى الشك يدفعون به هول الخطب، ورجم بعضهم بالظنون يعللون بها بغتة الحادث، وتعذر على العقل أن يفهم الموت مقرونا إلى فيصل (صقر قريش) وقد كان إلى أمس يقطع بعزمه الجبار أجواء الشرق والغرب حاملا في يمناه العراق، وفي يسراه سورية، وفي قلبه (دولة العرب)!! ثم انجلى الشك وانجابت الظنون فإذا العراق وإذا سورية وإذا العرب أمام الفاجعة التي روعت النفوس وضرمت الأنفاس وقوضت حصون الأمل!!
لم يجزع العرب حين نعى إليهم فيصل على نفس كسائر النفوس
تغوص في لجج العدم، وانما جزعوا هذا الجزع الهالع على آمال أمة،
وجهود نهضة، ومستقبل فكرة؛ لأن ملك العراق كان مناط هذه الآمال،
ومبعث هذه الجهود، وعدة هذا المستقبل!
ومن العجيب أن يكون مصدر هذا الجزع كثرة الزعماء الأكفاء لا قلتهم! فِان هذه الكثرة كانت دائما وبالا على وحدة العرب إذا لم يقم على رأسها زعيم يعتمد في قيادتها على سلطان الدين وشرف النسب، وقد اجتمع الملك فيصل مع هاتين القوتين عقل كيس، وخلق نبيل، ونفس طموحة، وجاذبية قوية. فلا جرم أنه كان رجل الساعة لهذه الأمة الناهضة يجمع كلمتها حول رأيه، ويوحد وجهتها وراء خطاه!
عرفت جلالة ملك العراق أثناء مقامي ببغداد معرفة وثوق وخبرة. وكانت حال البلاد في ذلك الحين محنة ابتلت بها كفاية الملك النابغ: فالانتداب كان قبل الملكية يعمل في العلن ويحمل التبعة، فأصبح بعدها يعمل في السر ولا تبعة عليه، والحكومة كانت يومئذ بادية البلى ممزقة الجوانب لا تستطيع بخروقها أن تستر العرش، فالملك بحكم الوضع كان يستر الإنجليز، ولكن الوزارة بحكم الضعف كانت تكشفه. فكانت أوزار أولئك وأخطاء هؤلاء تحمل في رأي المعارضة والشعب على الملك، وكانت البطانة بعبثها تنفض ظالمة على جد
стр. 1389
البلاط ووقاره شيئا من العبث، والشعب العراقي على اختلاف منازعه وعقائده وأجناسه ناقد متمرد طموح لا يصبر على نقص، ولا يغفل عن خطأ. فقدر في نفسك كيف كان مصير الملك لو كان غير فيصل!
اضطلع الملك فيصل وحده بأعباء الملك والحكم والزعامة في هذه الحال المضطربة، فكفكف بحكمته من شرَّة الانتداب، وخفف بحنكته من عسف الوزارة، ولطف بحلمه من غضب الشعب، وصرَّف شؤون الدولة على قدر ما يسلم الرأي الحصيف من خبث الاستشارة وضعف الوزارة، ثم سهل حجابه لأمراء العشائر ورؤساء الطوائف وزعماء الأحزاب فاستل ما في صدورهم بالقول اللين والعتاب الهين والشخصية الجذابة، حتى كان الرجل منهم يدخل قصره وهو عليه، فلا يخرج منه الا وهو له! ثم نظر خارج العراق فرأى على حدوده دولا يتنزى في صدورها حقد الماضي وطمع الحاضر، فزار تركيا وفرنسا وإيران فأحال عداءها إلى صداقة وجفاءها إلى مودة! ثم اجتمع بملك الحجاز وأوفد إلى امام اليمن فأحكم أواخي المودة بينهما وبينه، ثم هداه تفكيره العملي المرن إلى أن يعالج الانتداب بالمصانعة والموادعة حتى انتهى به إلى نوع من الاستقلال يحفظ الكرامة ويعين على النهوض. دخل الملك فيصل العراق دخول الإمام الحسين! لا مال أمامه ولا جند خلفه! ولكن الحسين جرى على سياسة علي فهلك، وجرى فيصل على سياسة معاوية فملك! ثم اعتمد في تأثيل ملكه وإنهاض شعبه على الإخلاص العامل والجد النزيه، وتحامل في ذلك على دمه وعصبه وروحه حتى ذهب فيصل شهيد الواجب، كما ذهب الحسين شهيد الحق!!
كان الملك فيصل الأول ملكا من طراز خاص، ولعله كان أقرب إلى خلفاء الصدر الأول منه إلى ملوك اليوم! كان ناصع الظرف، جم التواضع، رحب الأناة، ظاهر الوداعة، زاهدا في أبهة الملك، عازفا عن مظاهر السلطان؛ فلا يخدج بتحية، ولا يمشي في حرس، ولا يتشدد في حجاب.
وكان من أجمل مظاهر ديمقراطيته الأصلية أن تراه غالبا في شارع الرشيد أو في طريق الصالحية يقود سيارته بيده، ويشق طريقه بنفسه، دون ربيئة من خلفه ولا طليعة بين يديه، فيسبقه أي سابق، ويزاحمه أي سائق!!
وقد تبكر ذات صباح إلى مدرستك أو ديوانك فتراه في ذرور الشمس قد طلع عليك بوجهه
стр. 1390
العربي المسنون، وقده السمهري الممشوق، ورشاقته الرياضية البارعة، فيسلم عليك ويتحدث اليك، ثم يتعهد المكان ويتعرف العمل، ويودعك بابتسامته الرقيقة، وملحوظته الدقيقة!
ودعا مرة مؤتمر المعلمين العراقيين إلى الشاي في حديقة قصره، فكان يجلس إلى كل منضدة من المناضد الكثيرة جلسة يفاكه أهلها بحلو الحديث، ويناقشهم في وجوه الاصلاح، ثم خطبهم في شؤون التعليم خطبة جامعة تمنى في سياقها أن يكون معلما مع المعلمين يؤدي إلى الأمة هذا الواجب المقدس. وفي صباح أحد الأيام غدا على المدرسة المأمونية الابتدائية فقضى ردحا من الزمن فيها، ثم سجل اسمه في ثبت مدرسيها! كان الملك فيصل في العراق ملك دولة، ورئيس حكومة، وزعيم أمة، وهو في الأقطار العربية مؤسس نهضة، وممثل فكرة، ورسول وحدة، وداعية سلام، ومعقد أمل! فإذا هفت النفوس جزعا لفقده، واستولى على العرب الوجوم والحيرة من بعده، فان في منطق الحوادث وطبيعة الأمور ما يسوغ هذا الجزع ويعلل هذه الحيرة. ألهم الله الأمة العربية على جلالة ملكها فيصل أجمل الصبر، وجعل لها في جلالة ملكها غازي خير العوض!
احمد حسن الزيات
стр. 1391
ظلم العدالة!
للأستاذ حسن جلال. القاضي بالمحاكم الأهلية ومؤلف حياة نابليون
والثورة الفرنسية
أصبح معنى العدالة في البلاد التي لها (قوانين) كمصر غير معناها في البلاد التي ليست لها قوانين مكتوبة كإنجلترا مثلا. ومعنى العدالة في مصر أن تطبق القوانين على الناس بالسواء. ولذلك أمكننا أن نسمع هنا من يقول (إن المساواة في الظلم عدل!) وكان ينبغي البحث عن وسيلة أخرى لضمان العدالة الحقيقية لا العدالة التي كل أساسها تساوي الناس ولو عند توزيع الظلم. لأن من القوانين ما لو طبق بحرفه لكان الظلم بعينه. وكل حالة من الحالات التي يراد تطبيق القانون عليها لها ظروف خاصة تجعلها تختلف عن غيرها من الحالات. فتطبيق نص القانون حرفياً على كلا الحالين دون مراعاة لهذهالظروف هو الإجحاف بعينه. وإن كان يتسير تحت اسم تطبيق العدالة باتباع نصوص القوانين. ولهذا السبب قال الفرنسيون وهم أئمة القانون المكتوب في العالم: ,
(القانون يقتل بحرفه ويحيي بروحه). والمعنى أن القاضي الذي يطبق نص القانون بالحرف دون مراعاة للظروف قد ينتهي إلى عكس النتيجة التي يصل إليها القاضي الذي ينظر إلى روح القانون ويراعي ظروف الأحوال.
هذه مقدمة جافة ربما كانت غير شائعة عند من لا يهمه الدخول في تفصيلات علمية. ولكني أسوق مثالا للإيضاح يتبين أنه معنى ما أردت أن أصل اليه:
رجل يبيع الفاكهة على عربة يدفعها بيديه يطوف بها الأسواق والطرقات. هذا رمان، وهذا بلح، وذاك عنب، وذلك غير ذا وهذا وذاك. والرجل له زوجة صغيرة السن لم تفرغ بعد من سلخ عقدها الثاني، وللزوجين طفلة رضيعة تحملها الأم على كتفها لأنها لا تزال في ذلك الدور الذي يكون فيه الأطفال أقرب إلى الطفيليات منهم إلى الكائنات الآدمية المستقلة.
هؤلاء الثلاثة هم أشخاص القصة. . .
أما القصة فتبدأ كما يأتي:
تقدمت للمحكمة هذه الأسرة بأفرادها الثلاثة وتهمتها أن الأبوين أحرزا مادة مخدرة (أفيون) بدون مسوغ قانوني، وطلبت النيابة فيما طلبت تطبيق نص المادة ٣٥ من قانون المخدرات
стр. 1392
الجديد الذي قصد به محاربة المخدرات حربا رادعة
ونص المادة المذكورة هو كما يأتي:
(يعاقب بالحبس مع الشغل من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من ٣٠٠ جنيه إلى١٠٠٠ جنيه. . . كل شخص ليس من الصيادلة أو من الأشخاص المرخص لهم بالاتجار بالجواهر المخدرة يكون قد حاز أو أحرز أو اشترى جواهر مخدرة ما لم يثبت أنه يحوز هذه الجواهر بموجب تذكرة رخصة أو تذكرة طبية بموجب أي نص من نصوص هذا القانون)
أما الوقائع فتتلخص في أن جماعة من رجال البوليس الملكي خرجوا على عادتهم يجوسون خلال الأسواق والطرقات يبحثون عمن يتجر في المخدرات أو يتعاطاها لضبطه واتخاذ الاجراءات القانونية قِبَلهَ. فصادفوا الزوج يتغنى ببلحه ورمانه وفاكهته فدهموه إذ كان يعلم أحدهم أنه ممن يشتبه في أمرهم لسابقة ضبطه ومعه مقدار من الأفيون. وأخذوا يفتشونه فتولى بعضهم شخصه وملابسه. وتولى آخرون أقفاصه وبضاعته. وبينما هم في عملهم إذ أبصر أحدهم زوج الرجل مقبلة من بعيد. فلما رأتهم محدقين بزوجها يفتشونه عادت أدراجها مسرعة، فأوجس رجل البوليس منها ريبة وتبعها في تلصص، حتى دخلت بينها اقتحمه عليها فإذا هي تلقي من يدها شيئا فالتقطه، فإذا هو قطعة من الأفيون فضبطها هي الأخرى وعاد بها إلى زوجها وطفلها على كتفها. واقتيدت الأسرة إلى مركز الشرطة حيث حرر ضدها (المحضر اللازم) وتحدد يوم للمحاكمة، وأحيل المتهمان على المحكمة (بعد أن القي القبض على الزوج وأفرج عن الزوجة بالضمان).
ظاهر القصة بنادي بأن الزوج وهو صاحب المنزل يحرز الأفيون المضبوط، إما لاستعماله الشخصي وإما لأنه يتجر فيه، ولا سيما وقد سبق للرجل أن حكم عليه بسبب إحرازه أفيونا في قضية أخرى.
وكانت المحاكم تجري في أحكامها على إدانة الرجل في مثل هذه الأحوال، وتبرئة الزوجة التي ينحصر كل عملها في محاولة تفادي الاتهام، وهو عمل مشروع من حق كل إنسان أن يأتيه، وفي السعي لتخليص زوجها ورب بيتها من مأزق وقع فيه وتوشك بسببه أن تحرم من حمايته ومعاشرته ورعايته. . .
ولكن محكمة النقض والابرام، وهي القوامة على قضاء المحاكم جميعها، فسرت نص المادة
стр. 1393
٣٥ المذكورة تفسيرا آخر أخذت فيه بحرفية القانون، ولها عذرها فيما فعلت: إن الشخص يجب أن يعتبر محرزا تنطبق عليه نصوص المادة ٣٥ متى امتدت يده إلى المادة المخدرة، ولا عبرة بعد ذلك بالباعث له على تناولها، ويستوي في ذلك أن يكون إحرازه لها بقصد تعاطيها، أو الاتجار فيها. أو العمل على إخفائها لتفادي ضبطها معه أو مع شخص آخر قريب اليه.
وزاد الحالة حرجا أن هناك مادةأخرى هي المادة ٤٠ من ذلك القانون الصارم ونصها كالآتي:
(لا يجوز الحكم بإيقاف تنفيذ الحبس لمن يحكم عليه في جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، وتكون الأحكام واجبة التنفيذ فورا ولو مع حصول استئنافها. ويحرم المحكوم عليه بناء على هذا القانون من استعمال حقوقه السياسية والانتخابية لمدة خمس سنوات تبتدئ من انتهاء مدة العقوبة)
يعني أن من يحكم عليه بسبب إحرازه مخدرا لا سبيل إلى استعمال الرحمة معه، فالحكم يقع عليه نافذا فورا. ولا يمكن تعليق تنفيذه أو إيقافه بحال من الأحوال، مع أن السارق والمزور وخائن الأمانة والنصاب كل أولئك وغيرهم أيضا تستطيع المحاكم أن توقف تنفيذ العقوبة التي تحكم بها عليهم إذا وجدت مبررا لذلك من جنس أو سن أو نحوهما.
وقد عرضت تلك القضية التي نحن بصددها على المحكمة فلم يكن أمام قاضيها الا طريق واحد: وهو أن يأخذ الزوجة بإحرازها المادي لقطعة الأفيون المضبوطة، فقضى عليها بالحد الأدنى للعقوبة المقررة وهي حبسها سنة واحدة مع الشغل وتغريمها٢٠٠ جنيه وشمل حكمه أيضا بالنفاذ. أما الرجل فلما كان لم يضبط معه شيء وكان قضاء محكمة النقض يفيد قصر العقوبة على المحرز أياً كان السبب في إحرازه فقد قضت المحكمة ببراءته!
وهكذا انقلب الوضع!
فأصبح الرجل بريئا، وهو الذي ضبط الأفيون في بيته، والذي يفترض فيه الإحراز بحكم جنسه وبحكم السابقة التي له. أما الزوجة، تلك الصبية الغريرة الساذجة، التي هالها أن ترى زوجها بين يدي الشرطة يوشك أن يمنع من العودة إليها وإلى طفلته. والتي خشيت أن تمتد أيديهم إلى ما في منزل زوجها فأسرعت إليه تخفيه عن أعينهم. والتي لا يفترض
стр. 1394
فيها تعاطي الأفيون ولا الاتجار فيه بحكم جنسها وبحكم سنها، والتي كانت يدها وهي تمدها إلى الأفيون المضبوط يدا عارضة لا يقصد بها إحراز ولا حيازة ولا تعاط ولا اتجار، فهي التي أودعت السجن هي وطفلتها تبعا لأنها جزؤها الذي لا يتجزأ. وهي التي سوف تخرج من السجن بعد عام مدموغة بأنها (من أرباب السوابق) وكل ذلك باسم العدالة وباسم القانون!!
ان الإنسان ليفكر مرتين قبل أن يقرر أن القوانين قد كفلت العدالة.
стр. 1395
القلب
للأستاذ أحمد أمين
رمتني آنسة في جريدة الأهرام (بأن لا قلب لي، وان كان فليس يخفق) لأني كتبت موضوعا في مجلة الرسالة عنوانه (أدب القوة وأدب الضعف) سميت فيه الأدب الذي يضعف النفس ويمرض العاطفة أدبا ضعيفا مائعا
لك الله يا آنسة أفتدرين أن أشنع سُبّة يسب بها إنسان: أنه لا قلب له؟
وهل المرء ألا قلبه؟
ليس الإنسان جسما بعضه القلب لكنه، قلب غلافه الجسم. لقد قالوا: (إن المرء بأصغريه قلبه ولسانه) ولكنهم بقولهم قد رفعوا من شأن اللسان حتى قرنوه بالقلب، ووضعوا من قيمة القلب إذ قرنوه باللسان، وهل اللسان إلا حاك بكى لأحط حركات القلب وانفعالاته؟ وكيف يعبر المحدث عن القديم؟ أم كيف يحيط المحدود باللامحدود؟ وأين يقع معجم اللغة من معجم العالم؟
إن القلب يقرأ ما رسمه الله على السماء والأرض من أشعار، ولا يسمح منها للسان الا بالقليل التافه، وما الشعر الملفوظ بجانب الشعر المحسوس؟
القلب لا يكذب أبدا واللسان لا يصدقُ الا قليلا، لعلك يا آنسة فتشت عن أعجب ما خلق الله من السماء وفي الأرض لم تجدي أعجب ولا أروع ولا أدق ولا أجمل من قلب الإنسان، تصلح أوتاره فيفيض رحمة وشفقة وحبا وحنانا، ومعاني لطافاً وشعورا رقيقا، حتى يتجاوز في سموه الملائكة المقربين، وتفسد أوتاره فينضج قسوة وسوءا حتى يهوى إلى أسفل سافلين
حوى على دقته كنه العالم! فما أدقه وأجله وما أصغره وأعظمه! يكبر، ولا نرى كبره، فيتضاءل أمامه كل كبير، وسيصغر ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل صغير.
اتحد شكل القلب واختلفت معانيه، فقلب كالجوهر الكريم صفا لونه، وراق ماؤه، يتلقى الإشعاع ويعكسه وهو على أشد ما يكون ضوءا ولمعانا، وقلب كالصخر قوي متين، ينفع ولا يلمع، وقلب هواء، خف وزنه، وحال لونه، وقلب. . . وقلب. . . مما لا يحصيها الا خالقها، إن اتحدت عيون الناس وآذانهم ووجوههم ورءوسهم نوعا من الاتحاد فأن لكل
стр. 1396
إنسان قلبا وحده، ينبض بنوع من حب وكره، وقسوة وحنان، وإعظام واحتقار، ورفعة وانحطاط، لا يشركه فيه قلب آخر وبهذا، وبهذا وحده. اختلفت قيم الناس وتعددت مراتبهم.
يموت القلب ثم يحيا، ويحيا ثم يموت، ويرتفع إلى الأوج، ويهبط إلى الحضيض، وبينما هو يسامي النجوم رفعة، إذا به قد لامس القاع ضعة، وهكذا يتذبذب في لحظة بين السماء والأرض، والطول والعرض، وخير الناس من احتفظ برفعة قلبه، وسمو نفسه.
هو إن شئت فردوس، وإن شئت جحيم، هو إن شئت ملك، وإن شئت شيطان، هو إن شئت نار تتقد بالحب
هل الوجد الا ان قلبي لودنا … من الجمر قيد الرمح لاحتقر الجمر
هل الحب الا زفرة بعد زفرة … وحر على الأحشاء ليس له بَرْد
وفيض دموع العين يا مي كلما … بدا عَلَم من أرضكم لم يكن يبدو
وإن شئت سلا فكان برداً وسلاما
وقلت لقلبي حين لج به الهوى … وكلفني مالا أطيق من الحب
الا أيها القلب الذي قاده الهوى … أفق لا أقر الله عينك من قلب
القلب مركز العاطفة، والرأس مركز العقل، وما العقل لولا العاطفة؟ إن العقل أكثر ما ينفع للهدم، والقلب أكثر ما ينفع للبناء، إن القلب يؤمن، والعقل يلحد، والقلب يحب والعقل يحذر
نصحتك علما بالهوى والذي أرى … مخالفتي فاختر لنفسك ما يحلو
القلب يؤسس العالم، والعقل يسكنه، والقلب يخلق الشيء والعقل يغصبه، سلي التاريخ أليس أعظم بناة العالم قد امتازوا بكبر القلب، وصدق الشعور، وقوة الإرادة، أكثر مما امتازوا بسعة العقل وقوة الإدراك؟
القلب بنى البناء والعقل نقده، والقلب أحيا الشعور والعقل حدَّة، هل تعلمين يا آنسة أن من وجد كل شيء وفقد قلبه لم يجد شيئا، وان من جرد من قلبه لا يعرف صداقة ولا يدين بوطنية ولا يشعر بحنان، ولا ينطوي على إيمان؟
أو تعلمين أن من سُلِب القلب فقد سُلِب الفن والأدب، لأن الفن مناطه القلب، والعلم مناطه العقل؟ وقد سئل مصور ماهر كيف تمزج ألوانك؟ فقال: أمزجها بدم قلبي. وكذلك الأدب الحق، هو ما كان ذوب القلب.
стр. 1397
يا آنسة لقد رميت فأصميت، ولشد ما خفق قلبي لسُبتك، كأنه يريد أن يثبت وجوده!
стр. 1398
قبر مفقود
للدكتور عبد الوهاب عزام
قال صاحبي: هذا مسجد النبي دانيال، فولجنا إلى الفناء فإذا جماعة من السؤَّال جالسين إلى الجدار كأنهم موتى أعوزتهم القبور، قال صاحبي: وهذا البناء مقبرة. فملنا ذات اليمين إلى رجل واقف بباب البناء عرفنا من موقفه وأوامره أنه قيِّم المقبرة
- السلام عليكم
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هل من حاجة؟
- يا سيدي: شاعر من شعراء الترك ووزير من وزرائهم قدم إلى مصر أيام محمد علي باشا ومات بهذه المدينة ودفن بجوار النبي دانيال. فهل تعرف عن قبره خبراً؟
- أكان وزيراً في مصر؟
- كلا، ولكنه مر بمصر حاجاً ثم عاد إليها بعد الحج فمات بالإسكندرية
- هذه مقبرة لأسرة الأمير عمر، يا محمد! اذهب معهما إلى المقبرة القديمة، أليست مفتوحة؟
- لا يا سيدي ولكن فتحها يسير. فهناك إبراهيم
سرنا وراء الرجل يسلك بنا مضايق في فناء المسجد حتى انتهى إلى زقاق ضيق يفضي إلى باب مرتفع، فنادى إبراهيم وكلمه فجاء يحمل المفتاح، وتقدم نحو الباب ففتحه ثم ألقى خشبة ضخمة على كوم من الحطب أمام الباب فارتقى عليها ودخل فاتبعناه:
سور قصير يحيط بعرصة واسعة فيها ارتفاع وانخفاض وأكوام من التراب وأكداس صغيرة من الأحجار، يبدو بداخلها قبران إلى اليمين عليهما نُصبان من الرخام، وإذا أنعم النظر تبين قبرين دارسين او ثلاثة في أرجاء أخرى
قال إبراهيم: ليس هنا الا القبران اللذان ترى، فتأملت كتابة تركية فقرأت ما في سطور الفناء من عظات وتواريخ وأسماء، فإذا اسمان آخران ودفينان مضى عليهما زهاء ثمانين عاما. فجلت في أرجاء المقبرة فرأيت قبرا عليه نصب واقع يتضمن اسما آخر، ثم مررت بقبر لا نصب عليه، وبنصب لا قبر له: بطشت يد الزمان العسراء، ببقايا الفناء!
تتخلف الآثار عن أصحابها … حينا ويدركها الفناء فتتبع
стр. 1399
لبثت حينا أسائل القبور والأحجار فلم تحر عن الشاعر جوابًا. فرجعت إلى إبراهيم فقال: كانت هذه الأرض كلها قبور فذهب بها الحفر، قلت أي حفر؟ قال: قلبوا الأرض يفتشون عن قبر الاسكندر. وقد أخرجوا ما ضمنته الأرض من أحجار وعظام إلى عشرين مترا فلم يظفروا بشيء. قلت انها لتعزية: إن فقدنا قبر شاعرنا فقد ضل في ثنايا الأرض وظلمات التاريخ قبر الملك العظيم الفاتح الاسكندر بن فليب، انها لتعزية!
رجعنا إلى صاحبنا الذي أشار بالذهاب إلى المقبرة القديمة فقال:
- هل عثرتم على القبر المنشود؟
- لا. رأينا قبورا قليلة، وقرأنا ما وجدنا من أنصاب فلم نجد قبر عاكف باشا
- هنا مقبرة سعيد باشا. أيمكن أن يكون مدفونا هنالك؟
- ليس بعيدا فقد حدث التاريخ أن محمد علي باشا أحسن وفادته وبالغ في الحفاوة به. فليس بدعا أن يكون قد أمر بدفنه بين قبور الأمراء.
- يافلان (قيّم مقبرة سعيد باشا) وكان بجانبه، أدخل بهما لعلهما يجدان القبر، فأحسبني رأيت هذا الاسم على بعض القبور
- عندي أوراق فيها أسماء القبور كلها فتفضلا معي.
ودخل إلى بهو به مكتب، فأخرج ورقتين فيهما أسماء معظّمة لأمراء وأميرات، أسماء كانت عناوين حياة حافلة بالعظمة والرفاهية، مليئة بخطوب الزمان، ونوب الأيام، وما هي الآن إلا أسماء قبور. ما وجدت (عاكف باشا) بين الأسماء، فشكرت الرجلين وانصرفت.
قال صاحبي: لم تعثر عليه
قلت: أجل، ولكني أعلم أنه في باطن الأرض، فان يكن لابد لشاعرنا من قبر،! فهب الأرض كلها قبره: يا أخي، انما يخلد الناس بالآثار، لا بهذه الأحجار. وقد صدق جلال الدين الرومي إذ قال:
بعد أزوفات ما درزمين مجوى … درسينه هاي مردم عارف مزار ماست
فلا تطلبين في الأرض قبري فإنما … صدور الرجال العارفين مزاري
إسكندرية ٢٣ أغسطس سنة ١٩٣٣. عبد الوهاب عزام
стр. 1400
مناظر من موقعة صفين
للأستاذ محمد فريد أبو حديد
اجتمع في سهل صفين جمعان من العرب لم يشهد تاريخ ذلك الشعب اجتماع مثلهما في موقعة منذ الزمن القديم المعروف في التاريخ، فقد كانت المواقع القديمة لا تزيد على أن تكون معارك بين بضع مئات، فلما كان الإسلام سمعنا عن موقعة حنين وقد أعجبت المسلمين كثرتهم إذ كانوا عشرة آلاف. فلما خرج العرب إلى حروب الروم والفرس زاد عد الجنود فصار إلى عشرات الآلاف. فكان عدد العرب مثلا في اليرموك ستة وأربعين الفا، وكان عددهم في القادسية ثلاثين ألفا، وفي نهاوند كذلك ثلاثين ألفا. واما في صفين فلم يكن جيش علي بأقل من سبعين ألفا. ولم يكن جيش معاوية بأقل من تسعين ألفا.
وكان معاوية السابق إلى النزول في سهل صفين، فاختار لجيشه سهلا فسيحا متصلا بنهر الفرات في مكان يسهل الاستقاء منه. ولم يكن في ذلك الجزء من نهر الفرات الأعلى مكان غيره يمكن الشرب منه، إذ ان النهر يجري هناك في إقليم الجبال فيغلب على مجراه أن يكون عميقا قائم الجوانب سريع التيار.
ولعل معاوية كان يريد السبق إلى اختيار ذلك المكان ليكسب الموقعة قبل أن يلتحم الجيشان. فلما اقبل علي في جيشه رأى عدوه نازلا في خير المنازل وقابضا على ناصية الشريعة، وقد وقفت كتيبة من جيشه لتدافع عن مورد الماء إذا حاول عدوه أن يصل اليه.
كانت خطة علي في حروبه أن يأمر جنده بالكف عن القتال حتى يحاول حل الخلاف بالحجة والمسالمة. حقا لم تفده هذه الخطة في كثير من المواطن، ولكنه لم يخرج عنها مرة واحدة في حرب من حروبه. وقد كان في هذه الموقعة جاريا على عادته هذه، فانه أمر أصحابه ألا يتعرضوا لأحد من جيش معاوية حتى يراسله فيما جاء له. ولكن العطش ألح على أصحابه، فالتمسوا مكانا على النهر يستطيعون أن يشربوا منه فلم يستطيعوا، فأرسل علي إلى معاوية يطلب اليه إباحة الماء لأصحابه. فلم يكن بد من القتال على الماء قبل محاولة المفاوضة فيما جاء له الجيشان.
وكان بطل القتال في ذلك اليوم الأول رجلا أسمه الأشعث ابن قيس، كثر تردد اسمه فيما بعد في آخر الموقعة. وقد كان من قبل خلافة علي عاملا لعثمان علي أزربيجان، فلما قتل
стр. 1401
عثمان دخل في طاعة علي حتى جاء معه لمحاربة معاوية في صفين. ولكنه كان ممن ينظر إليهم بعين الريب في جيش علي. ولا يمكن أن يكون الأمر على غير ذلك لأن جيش علي كان لا يثق بأحد ممن كان يعمل لعثمان، على أن الأشعث كان يطمع في الصدارة والرياسة، وها هي فرصة تهيأت له فتقدم إليها مسارعا، فطلب إلى علي أن يخرجه لقتال القوم على الماء فأذن له علي في ذلك. واشتدت الحرب وتوالت الإمداد من الجانبين وانتصر علي وأصبحت الشريعة في يده، وارتدت جنود معاوية إلى مكان بعيد عن النهر، وتقدمت جنود علي فنزلت في ناحية من السهل الفسيح الذي كانت جيوش معاوية تحل فيه وتملك الانتقال خلاله.
كثر تحدث الجنود والقواد بعد ذلك فيما يظنونه من صنع علي عقب انتصاره، فمن قائل إنه يقابل الإساءة بمثلها، ومن قائل إنه يتفضل على عادته في النيل، وقال عمرو بن العاص: (ما أظنه يمنعنا الماء كما منعناه من قبل. انه قد جاء لغير ذلك) وكان عمرو أصدق المتوقعين، فأن علياً أبى ان يمنع أحداً ورود الماء. وقد يسائل أحدنا نفسه: (ماذا كان يجب عليه أن يفعل؟)
وقد يجيب بحسب ما يظنه الأمثل والأصلح، ولكن لا يشك أحد في وصف ما أتاه علي بأنه نبل.
نزلت جنود علي في سهل صفين في أواخر ذي الحجة، فلما دخل المحرم اتفق الجيشان على الموادعة مدة الشهر الحرام، وكان علي يرجو أن يستطيع في أثنائه حسم الشر والوصول إلى توحيد كلمة المسلمين بغير حرب، غير أنه كان يعلم أن معاوية لا يقصد غير الملك، وما كانت الحجج لتستطيع أن تحوله عن مثل ذلك القصد. غير أنه كان يطمع في أن يستميل بالحجة أهل الرأي ممن مع معاوية، فكانت رسله تختلف إلى معاوية تحمل من الحجج ما هو أشبه بالدعاية السياسية منه بالمراسلة المعتادة بين رئيسي حزبين متعاديين، وكان ينتهز فرصة وفود رسل معاوية لكي يحاول أن يستميلهم بالحجة، وكان إذا وجد من هؤلاء الرسل انصرافا عن حجته وتمسكا بمعاوية أظهر أشد الأسف حتى ليقول مثلا: (انك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم أن تسمع الا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون) فلما رأى المحرم قد مضى وأيقن
стр. 1402
أن تلك المحاولات لم تفده شيئا، أمر أحد قواده أن يعلن استئناف القتال، ولم يرض أن يهاجم أعداءه حتى يعلن إليهم عزمه. فلما غربت شمس آخر يوم من المحرم نادى مناديه بإعلان الحرب معتذرا بأنهم أبوا الإذعان للحجة ولم يلبوا الدعوة إلى الإسلام. وابتدأت المصادمة على شكل مواقع جزئية، وذلك بأن ترسل كتيبة من جيش علي فتلقاها كتيبة من جيش معاوية فتتجاولان مدة نهار حتى يحجز بينهما الليل، وكانت القتلى في مثل هذه المجاولات قليلة العدد. وكان الناس إذا أقبل الليل يضعون السلاح ويدخل بعضهم إلى مخيم بعض فيتحادثون ويتسامرون ويسمع بعضهم قول بعض في غير قتال حتى تستأنف المعركة سيرها في اليوم التالي. وقد استمر الحال على ذلك مدة الأسبوع الاول من المعركة، ثم عزم على المقاتلة بكل جيشه في يوم الأربعاء الثاني مهن شهر صفر سنة سبع وثلاثين للهجرة.
وكان الجيشان مرتبين حسب النظام المتبع حين ذلك. وهو أن يجعل لكل منهما قلب وجناحان، وكان الهجوم يحدث من الجناحين أو من أحدهما ويكون القائد في القلب ومعه أوثق جنوده يهجم بهم وقت الضرورة، أو يمد بهم من يحتاج إلى المدد من الجناحين. وقد بدأ علي الهجوم بجناحه الأيمن وجل جنوده من أهل اليمن، فهبطوا على جناح معاوية الأيسر، وكان قائد ميمنة علي أحد شجعان العرب وقرائهم وهو عبد الله بن بديل، فكانت الحملة الأولى تيارا قويا تزعزعت له ميسرة معاوية حتى اضطر إلى إمدادها بالشجعان الذين معه في القلب وهم الذين بايعوه على الموت، وعند ذلك قويت ميسرة معاوية وكرت على ميمنة علي حتى ردتها، ولم يبق ثابتا الا القائد مع مائتين أو يزيدون استماتوا في القتال أمام الجموع المتزايدة الجرارة التي تدفقت عليهم، فلما رأى علي أن ميمنته ارتدت هذا الارتداد السريع الذي لم يكن متوقعا عقب الانتصار الأول حاول أن يقابل الهجوم بمن معه في القلب وكانوا من مضر. فلم يستطيع أن يرد بهم ذلك التيار واضطر إلى أن ينحاز إلى ميسرته وكان جنودها من ربيعة. فلما رأت الميسرة ما حاق بالميمنة والقلب وانحياز الخليفة إليها ثارت فيها الحمية وثبتت ثباتاً عظيماً ووقف علي معهم يحارب بنفسه.
رأى أحد قواد علي وهو الأشتر النخعي ما حاق بالميمنة من الهزيمة وكان يمنيا. فتارت روحه القوية وجاشت نفسه الباسلة فأسرع نحو المنهزمين وتمكن بقوة نفسه وشجاعة قلبه
стр. 1403
وفصاحة لسانه من أن يرجع كثيرا منهم ويذمرهم ويثير فيهم الحماسة حتى التف حوله عدد عظيم ممن كان انهزم من الميمنة. فعطف بهم إلى القتال فأدرك عبد الله بن بديل وهو بآخر رمق من الجهد يقاتل مع أصحابه القلائل المستميتين. فأعاد الكفة إلى الرجحان وما زال يقاتل حتى صار القتال متكافئا بين الفريقين، ولما رأى علي ذلك عاد إلى الميمنة وجعل يشجعهم ويذمرهم.
وأقبل الليل والكفتان متراجحتان بعد، ولم يشأ أحد من الفريقين أن يقف القتال أثناء الليل إذ كان كل منهما يعض على النواجذ من أجل النصر.
وأصبح الصباح فإذا بجنود علي في الميمنة لا يزالون منتصرين مع الأشتر النخعي حتى صرعوا صفوف المعقلين الذين التفوا حول معاوية وقد بايعوه على الموت وعقلوا أنفسهم بالعمائم حتى لا يستطيعوا الانصراف من حوله، وكانت الميسرة كذلك منتصرة قد أوشكت أن تبلغ إلى قلب جيش معاوية وجعلته يفكر في الفرار، وفيما كان الأمر على ذلك ارتفعت صيحة من ميمنة جيش معاوية وما زالت تتزايد حتى بلغت ميسرة جيش علي، فإذا الصيحة ترتفع فيها حتى تبلغ عليا ويأخذ قواده في المجادلة فيما بينهم، ثم تنتقل المجادلة حتى تصبح بينهم وبين الخليفة. وتلك هي صيحة تحكيم القرآن إذ رفع جند الشام المصاحف على الرماح وقالوا: (قفوا تلك الحرب الطاحنة، إلى متى يتطاحن المسلمون؟ لقد قرب المسلمون من التفاني. ومن يكون لحرب الفرس ومن يكون لحرب الروم إذا نحن تفانينا وقتل بعضنا بعضا؟)
تردد عليّ في وقف الحرب وعلم أن تلك خدعة لجأ إليها عدوه عندما رأى كفة النصر تنصرف عنه. ولكن بعض قواده هدده بالثورة عليه. وكان أشدهم في ذلك الأشعث بن قيس صاحب الانتصار العظيم يوم الشريعة. فاضطر علي أن يبعث إلى ميمنته المنتصرة لوقف الحرب. وتردد الأشتر في ترك الحرب وقد وشك أن ينتصر. فأعاد الإمام أمره إلى الأشتر بوقف الحرب وأفضى اليه بنبأ ثورة قواد ميسرته، فاضطر إلى أن يرفع يده وعاد إلى علي محنقا ثائرا ساخطا على إفلات النصر من يده وكان قد ظنه قريبا.
ولم يمض بعد ذلك زمن طويل حتى كتبت صحيفة التحكيم وانصرف الجيشان أولهما إلى الشام وهم فرحون اذ أفلتوا من هزيمة محقة، وثانيهما إلى العراق وهم يتلاومون ويتجادلون
стр. 1404
ويختلفون وفي قلوبهم أشد الأسى على ما أصابهم من الخذلان بعد وشك الانتصار.
وإنا نسائل النفس عن علة هذا الفشل العجيب ولا نستطيع أن نقنع النفس بأن الحوادث الظاهرة كانت كافية لأحداثه. فأن أمر هذه الهزيمة كان شبيها بعود من الثقاب أشعلته فرأيت من إشعاله انفجارا مدمرا لم يكن ليخطر لأحد ببال. فإذا عزى الانفجار إلى عود الثقاب كان ذلك إهمالا لذلك الغاز الملتهب الذي كان خفيا عن الأعين فأحدث الانفجار المروع عندما اشتعل فيه ذلك العود الضئيل. إن الحرب هي الجهد الأعظم الذي ينتهي اليه الخصام بين حزبين. وفيه يبذل كل جانب أقصى ما عنده من الهمة ليفوز. وقد لا يتورع المحارب عن الكيد بالكذب والدس والتجسس، وقديما أباح الناس أمثال هذه
الدنايا في الحروب مع تحريمهم إياها في المعاملة المعتادة.
стр. 1405
الشعر المرسل
للآنسة سهير القلماوي. ليسانسييه في الآداب
في مقال الأستاذ قدري لطفي الذي نشر بالعدد الخامس عشر من الرسالة أشياء كثيرة يحسن الاجابة عنها، لولا أني أحببت أن أكتب هذا المقال عن رأيي في الشعر المرسل لا في الرد على الأستاذ. ولكني لا أترك مقال الأستاذ هكذا بل سأطلعك على بعض فقرات ترى منها أني لم أهمل الاجابة عنه لأنها شاقة بل لأنها من السهولة بحيث يعرفها القارئ متى قرأ المقال.
انظر إلى قوله مثلا: (أما تمام المعنى في البيت الواحد فلم يكن من خصائص الشعر العربي وإنما كان من خصائص الشعراء العرب). .!! وخبرني بعد معنى هذا القول ومدى نصيبه من الصحة.
ثم أنظر إلى قوله (ولا أحسب أحدا يدعونا إلى ترك الشعر القديم وإهماله لنفسح المجال للشعر المرسل في غير حاجة ملحة ولا ضرورة ملجئة) وخبرني من ذا الذي يريد للفن أن يخضع للضرورات الملجئات والحاجات الملحات، وخبرني أيضا إذا دعونا إلى الشعر المرسل كان معنى هذا أن نهمل الشعر المقفى، لم لا يجوز وجودهما معا، وكلنا يعلم أن الشعر المرسل في كل لغة وجد فيها لم يمح الشعر المقفى وانما وجد بجانبه.
وأمثال هذين المثلين كثيرة فليقرأ القارئ مقال الأستاذ فهو خير دليل على ما زعم.
ولقد تورط الأستاذ أبان ثورته غيرةً على القافية في غير هذا النوع من الخطأ. فقد زعم أني قلت: (أني لا أشعر بفقد القافية ما دام المعنى كاملا في البيت)؛ زعم الأستاذ أني أريد بذلك حكما أو تأثيرا في الحكم على قصيدتي. وأنا وإن كنت لا ألوم الأستاذ على هذا النوع من الفهم لما يقرأ الا إنني أذكر له أني لو لم أدون فكرتي في هذا النوع من الشعر المرسل الذي نظمت به قصيدتي لأسأت إلى نفسي وإلى قارئي لأني أؤمن تماما أن من واجب الكاتب أن يصور للقارئ فكرته واضحة جلية، ولما كانت فكرتي شيئاً يتعلق بالحس فقد صورت للقارئ شعوري. ولكن الفرق بين طريقتي في التعبير وبين طريقة الأستاذ هو أني دونت شعوري ونسبته إلى نفسي، أما هو فقد دون شعوره وعممه متخذا نفسه مقياسا لكل قاريء، أنظر إلى قوله: (ولكن اصطدام القارئ بحروف متغايرة في أواخر الأبيات يشعره
следующие страницы →