← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

عثمان دخل في طاعة علي حتى جاء معه لمحاربة معاوية في صفين. ولكنه كان ممن ينظر إليهم بعين الريب في جيش علي. ولا يمكن أن يكون الأمر على غير ذلك لأن جيش علي كان لا يثق بأحد ممن كان يعمل لعثمان، على أن الأشعث كان يطمع في الصدارة والرياسة، وها هي فرصة تهيأت له فتقدم إليها مسارعا، فطلب إلى علي أن يخرجه لقتال القوم على الماء فأذن له علي في ذلك. واشتدت الحرب وتوالت الإمداد من الجانبين وانتصر علي وأصبحت الشريعة في يده، وارتدت جنود معاوية إلى مكان بعيد عن النهر، وتقدمت جنود علي فنزلت في ناحية من السهل الفسيح الذي كانت جيوش معاوية تحل فيه وتملك الانتقال خلاله. كثر تحدث الجنود والقواد بعد ذلك فيما يظنونه من صنع علي عقب انتصاره، فمن قائل إنه يقابل الإساءة بمثلها، ومن قائل إنه يتفضل على عادته في النيل، وقال عمرو بن العاص: (ما أظنه يمنعنا الماء كما منعناه من قبل. انه قد جاء لغير ذلك) وكان عمرو أصدق المتوقعين، فأن علياً أبى ان يمنع أحداً ورود الماء. وقد يسائل أحدنا نفسه: (ماذا كان يجب عليه أن يفعل؟) وقد يجيب بحسب ما يظنه الأمثل والأصلح، ولكن لا يشك أحد في وصف ما أتاه علي بأنه نبل. نزلت جنود علي في سهل صفين في أواخر ذي الحجة، فلما دخل المحرم اتفق الجيشان على الموادعة مدة الشهر الحرام، وكان علي يرجو أن يستطيع في أثنائه حسم الشر والوصول إلى توحيد كلمة المسلمين بغير حرب، غير أنه كان يعلم أن معاوية لا يقصد غير الملك، وما كانت الحجج لتستطيع أن تحوله عن مثل ذلك القصد. غير أنه كان يطمع في أن يستميل بالحجة أهل الرأي ممن مع معاوية، فكانت رسله تختلف إلى معاوية تحمل من الحجج ما هو أشبه بالدعاية السياسية منه بالمراسلة المعتادة بين رئيسي حزبين متعاديين، وكان ينتهز فرصة وفود رسل معاوية لكي يحاول أن يستميلهم بالحجة، وكان إذا وجد من هؤلاء الرسل انصرافا عن حجته وتمسكا بمعاوية أظهر أشد الأسف حتى ليقول مثلا: (انك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم أن تسمع الا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون) فلما رأى المحرم قد مضى وأيقن

стр. 1402

أن تلك المحاولات لم تفده شيئا، أمر أحد قواده أن يعلن استئناف القتال، ولم يرض أن يهاجم أعداءه حتى يعلن إليهم عزمه. فلما غربت شمس آخر يوم من المحرم نادى مناديه بإعلان الحرب معتذرا بأنهم أبوا الإذعان للحجة ولم يلبوا الدعوة إلى الإسلام. وابتدأت المصادمة على شكل مواقع جزئية، وذلك بأن ترسل كتيبة من جيش علي فتلقاها كتيبة من جيش معاوية فتتجاولان مدة نهار حتى يحجز بينهما الليل، وكانت القتلى في مثل هذه المجاولات قليلة العدد. وكان الناس إذا أقبل الليل يضعون السلاح ويدخل بعضهم إلى مخيم بعض فيتحادثون ويتسامرون ويسمع بعضهم قول بعض في غير قتال حتى تستأنف المعركة سيرها في اليوم التالي. وقد استمر الحال على ذلك مدة الأسبوع الاول من المعركة، ثم عزم على المقاتلة بكل جيشه في يوم الأربعاء الثاني مهن شهر صفر سنة سبع وثلاثين للهجرة. وكان الجيشان مرتبين حسب النظام المتبع حين ذلك. وهو أن يجعل لكل منهما قلب وجناحان، وكان الهجوم يحدث من الجناحين أو من أحدهما ويكون القائد في القلب ومعه أوثق جنوده يهجم بهم وقت الضرورة، أو يمد بهم من يحتاج إلى المدد من الجناحين. وقد بدأ علي الهجوم بجناحه الأيمن وجل جنوده من أهل اليمن، فهبطوا على جناح معاوية الأيسر، وكان قائد ميمنة علي أحد شجعان العرب وقرائهم وهو عبد الله بن بديل، فكانت الحملة الأولى تيارا قويا تزعزعت له ميسرة معاوية حتى اضطر إلى إمدادها بالشجعان الذين معه في القلب وهم الذين بايعوه على الموت، وعند ذلك قويت ميسرة معاوية وكرت على ميمنة علي حتى ردتها، ولم يبق ثابتا الا القائد مع مائتين أو يزيدون استماتوا في القتال أمام الجموع المتزايدة الجرارة التي تدفقت عليهم، فلما رأى علي أن ميمنته ارتدت هذا الارتداد السريع الذي لم يكن متوقعا عقب الانتصار الأول حاول أن يقابل الهجوم بمن معه في القلب وكانوا من مضر. فلم يستطيع أن يرد بهم ذلك التيار واضطر إلى أن ينحاز إلى ميسرته وكان جنودها من ربيعة. فلما رأت الميسرة ما حاق بالميمنة والقلب وانحياز الخليفة إليها ثارت فيها الحمية وثبتت ثباتاً عظيماً ووقف علي معهم يحارب بنفسه. رأى أحد قواد علي وهو الأشتر النخعي ما حاق بالميمنة من الهزيمة وكان يمنيا. فتارت روحه القوية وجاشت نفسه الباسلة فأسرع نحو المنهزمين وتمكن بقوة نفسه وشجاعة قلبه

стр. 1403

وفصاحة لسانه من أن يرجع كثيرا منهم ويذمرهم ويثير فيهم الحماسة حتى التف حوله عدد عظيم ممن كان انهزم من الميمنة. فعطف بهم إلى القتال فأدرك عبد الله بن بديل وهو بآخر رمق من الجهد يقاتل مع أصحابه القلائل المستميتين. فأعاد الكفة إلى الرجحان وما زال يقاتل حتى صار القتال متكافئا بين الفريقين، ولما رأى علي ذلك عاد إلى الميمنة وجعل يشجعهم ويذمرهم. وأقبل الليل والكفتان متراجحتان بعد، ولم يشأ أحد من الفريقين أن يقف القتال أثناء الليل إذ كان كل منهما يعض على النواجذ من أجل النصر. وأصبح الصباح فإذا بجنود علي في الميمنة لا يزالون منتصرين مع الأشتر النخعي حتى صرعوا صفوف المعقلين الذين التفوا حول معاوية وقد بايعوه على الموت وعقلوا أنفسهم بالعمائم حتى لا يستطيعوا الانصراف من حوله، وكانت الميسرة كذلك منتصرة قد أوشكت أن تبلغ إلى قلب جيش معاوية وجعلته يفكر في الفرار، وفيما كان الأمر على ذلك ارتفعت صيحة من ميمنة جيش معاوية وما زالت تتزايد حتى بلغت ميسرة جيش علي، فإذا الصيحة ترتفع فيها حتى تبلغ عليا ويأخذ قواده في المجادلة فيما بينهم، ثم تنتقل المجادلة حتى تصبح بينهم وبين الخليفة. وتلك هي صيحة تحكيم القرآن إذ رفع جند الشام المصاحف على الرماح وقالوا: (قفوا تلك الحرب الطاحنة، إلى متى يتطاحن المسلمون؟ لقد قرب المسلمون من التفاني. ومن يكون لحرب الفرس ومن يكون لحرب الروم إذا نحن تفانينا وقتل بعضنا بعضا؟) تردد عليّ في وقف الحرب وعلم أن تلك خدعة لجأ إليها عدوه عندما رأى كفة النصر تنصرف عنه. ولكن بعض قواده هدده بالثورة عليه. وكان أشدهم في ذلك الأشعث بن قيس صاحب الانتصار العظيم يوم الشريعة. فاضطر علي أن يبعث إلى ميمنته المنتصرة لوقف الحرب. وتردد الأشتر في ترك الحرب وقد وشك أن ينتصر. فأعاد الإمام أمره إلى الأشتر بوقف الحرب وأفضى اليه بنبأ ثورة قواد ميسرته، فاضطر إلى أن يرفع يده وعاد إلى علي محنقا ثائرا ساخطا على إفلات النصر من يده وكان قد ظنه قريبا. ولم يمض بعد ذلك زمن طويل حتى كتبت صحيفة التحكيم وانصرف الجيشان أولهما إلى الشام وهم فرحون اذ أفلتوا من هزيمة محقة، وثانيهما إلى العراق وهم يتلاومون ويتجادلون

стр. 1404

ويختلفون وفي قلوبهم أشد الأسى على ما أصابهم من الخذلان بعد وشك الانتصار. وإنا نسائل النفس عن علة هذا الفشل العجيب ولا نستطيع أن نقنع النفس بأن الحوادث الظاهرة كانت كافية لأحداثه. فأن أمر هذه الهزيمة كان شبيها بعود من الثقاب أشعلته فرأيت من إشعاله انفجارا مدمرا لم يكن ليخطر لأحد ببال. فإذا عزى الانفجار إلى عود الثقاب كان ذلك إهمالا لذلك الغاز الملتهب الذي كان خفيا عن الأعين فأحدث الانفجار المروع عندما اشتعل فيه ذلك العود الضئيل. إن الحرب هي الجهد الأعظم الذي ينتهي اليه الخصام بين حزبين. وفيه يبذل كل جانب أقصى ما عنده من الهمة ليفوز. وقد لا يتورع المحارب عن الكيد بالكذب والدس والتجسس، وقديما أباح الناس أمثال هذه الدنايا في الحروب مع تحريمهم إياها في المعاملة المعتادة.

стр. 1405

الشعر المرسل للآنسة سهير القلماوي. ليسانسييه في الآداب في مقال الأستاذ قدري لطفي الذي نشر بالعدد الخامس عشر من الرسالة أشياء كثيرة يحسن الاجابة عنها، لولا أني أحببت أن أكتب هذا المقال عن رأيي في الشعر المرسل لا في الرد على الأستاذ. ولكني لا أترك مقال الأستاذ هكذا بل سأطلعك على بعض فقرات ترى منها أني لم أهمل الاجابة عنه لأنها شاقة بل لأنها من السهولة بحيث يعرفها القارئ متى قرأ المقال. انظر إلى قوله مثلا: (أما تمام المعنى في البيت الواحد فلم يكن من خصائص الشعر العربي وإنما كان من خصائص الشعراء العرب). .!! وخبرني بعد معنى هذا القول ومدى نصيبه من الصحة. ثم أنظر إلى قوله (ولا أحسب أحدا يدعونا إلى ترك الشعر القديم وإهماله لنفسح المجال للشعر المرسل في غير حاجة ملحة ولا ضرورة ملجئة) وخبرني من ذا الذي يريد للفن أن يخضع للضرورات الملجئات والحاجات الملحات، وخبرني أيضا إذا دعونا إلى الشعر المرسل كان معنى هذا أن نهمل الشعر المقفى، لم لا يجوز وجودهما معا، وكلنا يعلم أن الشعر المرسل في كل لغة وجد فيها لم يمح الشعر المقفى وانما وجد بجانبه. وأمثال هذين المثلين كثيرة فليقرأ القارئ مقال الأستاذ فهو خير دليل على ما زعم. ولقد تورط الأستاذ أبان ثورته غيرةً على القافية في غير هذا النوع من الخطأ. فقد زعم أني قلت: (أني لا أشعر بفقد القافية ما دام المعنى كاملا في البيت)؛ زعم الأستاذ أني أريد بذلك حكما أو تأثيرا في الحكم على قصيدتي. وأنا وإن كنت لا ألوم الأستاذ على هذا النوع من الفهم لما يقرأ الا إنني أذكر له أني لو لم أدون فكرتي في هذا النوع من الشعر المرسل الذي نظمت به قصيدتي لأسأت إلى نفسي وإلى قارئي لأني أؤمن تماما أن من واجب الكاتب أن يصور للقارئ فكرته واضحة جلية، ولما كانت فكرتي شيئاً يتعلق بالحس فقد صورت للقارئ شعوري. ولكن الفرق بين طريقتي في التعبير وبين طريقة الأستاذ هو أني دونت شعوري ونسبته إلى نفسي، أما هو فقد دون شعوره وعممه متخذا نفسه مقياسا لكل قاريء، أنظر إلى قوله: (ولكن اصطدام القارئ بحروف متغايرة في أواخر الأبيات يشعره

стр. 1406

بفقدان الوزن في ثناياها!!) ولندع مقال الأستاذ لأدون رأيي في مسألة الشعر المرسل واضحا جليا حتى لا يتورط غير الأستاذ فيما تورط فيه. الجدال في الشعر المرسل لا يقوم على أساس، فالمسألة ليست من مسائل الحساب أو المنطق، وإنما هي مسألة حس. أنت تسمع نغما فيعجبك، وأنا أسمعه فلا يعجبني، فإذا تناقشنا أعواما ما استطاع أن يقنع أحدنا الآخر. أذني تستسيغ الشعر العربي مرسلا، وقد تكون أذني شاذة، ولكنك لن تقنعني بعدم استساغته. ستقول لي: ولكن المسألة ليست فوضى، فهناك الذوق العام، ولكني وإن كنت أحترم الذوق العام لا أقبل حكمه دائما، وفي كل الأحوال، فالذوق العام له تاريخ في مثل هذه الأحوال يجعلني أتشبث برأيي. فقد يستسيغ الذوق العام غدا ويشغف بما لم يطق سماعه بالأمس، وفي مسألة الشعر المرسل خاصة كان للذوق العام تاريخ يعيد نفسه منذ كان هذا النوع من الشعر بغيضا غير مستساغ أول ظهوره في كل لغة ظهر فيها، فلا ضير أن يكون كذلك في اللغة العربية أيضا. ثم هناك ناحية أخرى، فالذوق العام لا يستطيع اليوم أن يحكم حكما عادلا في الشعر المرسل لأنه لم يسمع منه الا القليل، وقد لا يكون في هذا القليل شئ جميل رائع كالذي في الشعر المقفى. وقد تقول لي أخيرا أن طبيعة اللغة العربية لا توافق مثل هذا النوع من الشعر، وأنا وإن كنت لا أستطيع التحدث عن طبيعة اللغة العربية بمثل هذه السهولة الا أني أزعم أنها قد تتحور قليلا فتقبله. وأنت إن استطعت الحكم على الماضي والحاضر فلن تستطيع الحكم على المستقبل. ولكن ما بال طبيعة اللغة قبلت تغيير القافية في القصيدة الواحدة إذا غيرتها كل خمسة أبيات مثلا، ولا تقبلها إذا غيرتها في كل بيت؟. ثم ما بال طبيعة اللغة قبلت تغيير القافية في كل بيت إذا ما راعيت القافية بين شطري كل بيت على حدة، ولا تقبل تغير القافية دون مراعاة الموافقة بين الشطرين؟ ثم ما بالها أخيرا قبلت تغير البحور في القصيدة الواحدة ولا تقبل تغير القافية ولزوم بحر واحد؟ ستقول ولكن في كل هذا نوعا من القافية كافياً لإحداث تلك الموسيقى المألوفة. إذن أصبحت تقتنع بشيء من القافية بعد أن كان الشعر العربي لا يقنع الا بالقافية كلها متبعة من أول القصيدة إلى آخرها. وإذا قبلت

стр. 1407

اللغة بعض التغير فاني أزعم أنها ستقبل التغير كاملا. وما رأيك في أني أرى في الشعر المرسل أنواعا جديدة من الموسيقى يعجز عنها بل قد يفسدها الشعر المقفى؟ الوزن في القصيدة ليس بالنغم الخافت الذي تسمعه الأذن، فهو عندي وأظن عندنا جميعاً أقوى موسيقى في الشعر، ثم هناك موسيقى الألفاظ وموسيقى الحروف، فهل من المحتوم وجود القافية المكررة المحركة بحركة معينة حتى نشعر بأن هناك موسيقى؟ والغريب أنه بينما نحن نتناقش في الشعر المرسل يتناقش الأدباء الأمريكيون الحديثون في الشعر الحديث الذي لا وزن له ولا قافية. ليطمئن قرائي فسيفنى عمري في الدعوة إلى الشعر المرسل، فهل يتيسر لي أن أدعوا إلى هذا الشعر الحديث الذي لا أستسيغه الآن؟ ولكني لا أعرف، فقد أستسيغه غدا. وأخيراً أرى كما أسلفت أن المجال ليس مجال جدال وإنما خير رد على خصوم الشعر المرسل هو أن أكتب وأن يكتب غيري من أنصار الشعر المرسل قصائد نستطيع أن نقنع بها الذوق العام الذي نحترمه جميعا، وأن نقنع بها أيضا من يهمنا إقناعهم.

стр. 1408

العالم يجري!! كل شئ يجري في هذا العصر، وكل شئ يسرع. والعالم في إسراعه للأمام، لا يكاد يتلفت يمنة ولا يسرة، وان كان يتجه إلى الخلف في أحيان قليلة، ليرى كم قطع من المسافات. فالبخار لم يعد يستطيع تلبية هذه الحاجة الملحة للسرعة فخلفه الطيران، والطائرات نفسها تكاد تعجز عن تلبيتها، فتزيد كل يوم في سرعتها، وتقوم المسابقات العالمية لهذا الغرض. والتليفون والبرق لم يعودا كافيين، فإذا بالراديو وإذا بالتلفزيون لنقل الأصوات ولنقل الصور، بل لنقل المناظر ذاتها لا صورتها. وإذا بالأفلام الناطقة تعرض الصوت والحركة، وتغني بالعين والسمع عن الوهم والخيال! هذه الظاهرة السيكلوجية الغربية، قد جرفت معها الأدب أيضا، وجرفت الفنون جميعا، وكان ذلك طبيعيا، لأن الفنون هي الظاهرة للنفس الباطنة. فالفن اليوم لمحات خاطفة، وملاحظات سريعة، لا يقف للدرس العميق، والتحليل الدقيق، لأن طبيعة العصر لا تمهله للوقوف، وإلا سبقته الحياة بآلاف الأميال. والمجلات العلمية اليوم تكاد تنعدم، والباقي منها أخذته نشوة السرعة أيضا فلم تعد بحوثه مركزة، ومع ذلك فهي لا تجد العدد الكافي من القراء فتضمحل وتذوي، وتدرج في زوايا النسيان. وأنا على يقين من تبدل هذه الحال، فالعالم الذي يجري الآن بكل قوته، لابد أن يدركه الكلال، ولابد أن تنقطع به هذه النشوة الطائشة، فيتمهل ليعرف ما يحيط به. وسيضحك العالم من نفسه يومئذ على تلك الحماقة التي ارتكبها، كما يرتكب الأطفال حماقاتهم، ركضا وجريا ووثبا ثم يفيقون من هذه الغمرة عندما يكتمل نضجهم، ويتوبون إلى الرشاد النشاط شيء، والعجلة شيء آخر؛ وإذا كان النشاط من مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، فليس للعجلة هذه المزية مطلقا، بل أن لها أضرارا، قد لا تعرف اليوم في أبان هذه النزوة الطائشة؛ وقد تعرف ولكنها لا ترد إلى أسبابها الحقيقية، ولا تعلم علاتها الأصلية! ويقيني أن هذه الأزمات التي يعانيها العالم اليوم من مالية وسياسية وأدبية واجتماعية، انما منشؤها هذه السرعة، هذا التسابق، هذا الجنون، الذي يعمي الإنسان عما حواليه، فلا يرى إلا الإمام. دون ما على الإيمان والشمائل. . وحتى حين يصطدم بما حواليه، فهو لا يقف

стр. 1409

ليتأمل، أو ليصلح ما أصابه من الاصطدام، بل ينطلق إلى الأمام أيضا، محتملا أثر الصدمة تلو الصدمة حتى يلحقه العطب الكامل. . . فتكون هذه الأزمات! إن السائق الذي يعرف كيف يسوق ولا يعرف كيف يقف: أو يدري كيف يسرع، ولا يدري كيف يبطيء، إنما هو سائق جاهل، غير مأمون على نفسه ولا على الركاب. وإذا كان للقيادة السريعة لذة في النفس والنشوة؛ فليس معنى هذا أنها أحسن القيادات وأولها بالاتباع وبعد ففي مصر اليوم دعوة حارة ومخطرة معاً، إلى تقليد الغرب، والجري وراء الغرب، وإن كان الغرب نفسه لا يعرف اليوم وجهته، وهو شارد كالضال في متاهات الحياة، فكأننا سنجري وراء من يجري وهو لا يعرف مبتغاه!!! وهذه الدعوة مفهومة من الوجهة (السيكلوجية) وقد عرف (ابن خلدون) أسبابها منذ قرون حيثما عللها. بأن المغلوب يميل بطبيعته لتقليد الغالب لاعتقاده أن غلبته له إنما كانت لخصائص فيه. والسيكلوجية الحديثة تقر ما ذكره ابن خلدون، وتضيف إليه العقل الباطن، إذ يندفع الإنسان في بعض الأحيان، إلى أمور لا دخل لإرادته فيها، ولا لتفكيره، بحكم اندساسها في العقل الباطن، من مخلفات مشاهداته، أو ملاحظاته أو تفكيره التي يغمرها النسيان. وهذه الدعوة مع أنها مفهومة وطبيعية. ليست مُسَلَّمة؛ ومن الواجب التحذير منها، وإبرازها للنور، بعيدا عن المؤثرات النفسية الغامضة. وإذا كانت الحرب العظمى قد أفقدت العالم الغربي اتزانه وطمأنينته؛ وبعثته من المكامن والخنادق وحفر الموت، مأخوذا، مشدوها، مجنونا. . . فليس من الواجب أن يفقد الشرق طمأنينته كذلك، ويجري وراء الغرب المأخوذ المشدوه، دون ما تأمل ولا تفكير! إن للشرق رسالة قد يكون الآن موعدها، ورسالته هذه ستقوم على خصائصه الأصلية فيه، وستصبح واجبة بل، أصبحت لأن الغرب يكاد يتهالك ضعفا وإعياء لفرط جريه، وكثرة اصطداماته. نحن لا نكره النشاط كما قلنا. ولكن نكره العجلة. ونريد أن يحتفظ الشرق بشيء من يقينه، ومن عمقه واتساعه، ومن سحره أيضا!، وألا يفرط في تقليد الغرب، ولا سيما والغرب يتخبط، ويئن، ويشكو من الصدمات ولم يوفق بعد لاتقائها، لأن النشوة لا تزال تطيف

стр. 1410

برأسه فيجري، وينهكه الجري، ولكنه لا يكف عن الجريان! سيد قطب

стр. 1411

مطالعات في التصوف الإسلامي عوارف المعارف. منشأ علوم الصوفية وفضلها وقفت بك في نهاية الفصل الماضي عند ترجمة موجزة لحياة شهاب الدين السهروردي مؤلف كتاب (عوارف المعارف) وأحب أن أقف بك في هذا الفصل عند الباب الأول والثالث من هذا الكتاب حيث يحدثنا المؤلف عن منشأ علوم الصوفية وعن فضل هذه العلوم وما تمتاز بها على غيرها من فروع المعرفة الإنسانية. ولكني أحب قبل هذا أن أعطيك صورة عامة مقاربة لأبواب هذا الكتاب في جملتها. يقع (عوارف المعارف)، في نيف وستين بابا منها المطول المسهب ومنها المختصر الموجز. وفيها الدقيق المسرف في القوة والدقة. والضعيف المهلهل الذي لا يشتمل على فكرة منظمة ولا منطق منسجم بريط أجزاءه ويلم شعث عناصره. ولكن الكتاب في جملته خصب حقا ممتع نافع حقا. وهو من هذه الناحية أقدر على أن يعطينا صورة قوية شاملة لما احتوى عليه التصوف من وجدانيات وإشارات وأحوال ومقامات. ولعل من أنفع أبوابه وأوفاها هذه الأبواب التي تناول فيها المؤلف بيان منشأ علوم الصوفية وفضلها. وماهية التصوف. وسبب تسميتهم بهذا الاسم وأخلاقهم ومعرفتهم لأنفسهم ومكاشفاتهم في ذلك. وشرح الحال والمقام والفرق بينهما. تلك هي أهم الأبواب وأكثرها حظاً من الدقة والغناء. فلنترك إذا هذا الضرب من الكلام العام لنقف عند الباب الاول الذي أبان فيه المؤلف عن منشأ علوم الصوفية. والباب الثالث الذي أظهرنا فيه على فضل هذه العلوم وذكر نماذج منها استهل مؤلف (عوارف المعارف) الباب الاول من كتابه بهذا الحديث الشريف: (انما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء. فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبت طائفة منهم فاصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق) ثم عقب على هذا الحديث بحديث آخر هو أبلغ في الدلالة على ما قصد اليه وهذا الحديث هو: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً. فكانت طائفة منها طيبة قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير. وكانت منها طائفة أخاذات أمسكت الماء فنفع الله

стр. 1412

بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا. وكانت منها طائفة أخرى قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم. ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) والغرض الذي يرمي اليه المؤلف من إيراد هذين الحديثين هو أنه أن يستخلص منهما القيمة المعنوية لنفوس الصوفية والإبانة عن أن هذه النفوس كانت أكثر قابلية من غيرها لما جاء به ودعا اليه من الهدى والنور رسول الله (. وان حظها من صفاء السرائر ونقاء الضمائر وذكاء القلب أوفر من حظ غيرها، فنفوس العلماء الزاهدين زكت. وسرائرهم صفت، وقلوبهم صقلت وتهيأ لها من العلم حظ لم يتهيأ لغيرها من النفوس. وبعبارة أخرى كانت هذه النفوس كأوعية للعلوم كما قال مسروق عن أصحاب رسول الله. وقلوب الصوفية واعية لأنهم زهدوا في الدنيا بعد أن أحكموا أساس التقوى. ومن هنا زكت نفوسهم بالتقوى وصفت قلوبهم بالزهد. فكانت تقواهم عونا لهم على أن تصقل مرايا سرائرهم وتجلى صفحات ضمائرهم. وكان زهدهم عونا لهم على أن ينصرفوا عن الدنيا وعلى أن يقبلوا على الدين اقبالا من شأنه أن يقربهم من الله ويوحدهم معه ويفنيهم فيه. يأخذ المؤلف بعد هذا في إظهارنا على مكان العلوم الصوفية بين العلوم الإسلامية الاخرى. فذكر من هذه العلوم التفسير والحديث والفقه وأصول الفقه والخلاف والجدل. ثم أخذ يعرض علينا تفاسير مختلفة للآية الكريمة (أنزل من السماء ماء) وانتهى من هذه التفاسير إلى تطبيق ما اشتملت عليه الآية بالنسبة إلى العلماء الذين تخصص كل منهم في فرع من هذه العلوم التي ذكرها آنفا. ثم انتهى من هذا كله إلى أن الماء الذي أُنزل من السماء هو العلم وإلى أن أوعيته هي القلوب، فمن هذه القلوب ما سال واديه بالتفسير فكان علم التفسير. ومنها ما سال بحفظ رواية الحديث وسنده وتمييز صحيحه من سقيمه فكان علم الحديث. وعلى هذا النحو من التأويل والفهم يمكنك أن تقول في غير علمي التفسير والحديث ما قيل في كل من التفسير والحديث، وأما علوم الصوفية فنشأت من أن نفوسهم قد أحكمت أساس التقوى وزهدت فيما اشتملت عليه الدنيا من عرض زائل وزخرف حائل. فسالت أودية قلوبهم بما انصب منها من مياه العلوم التي اجتمعت فصارت هذه القلوب أخاذات.

стр. 1413

أخذ الصوفية حظاً من علم الدراسة فأفادهم هذا الحظ من ناحية انه أظهرهم على الأحكام الظاهرة للعبادات فعلموها وعملوا بها. ثم تميزوا على غيرهم من علماء الدين بعلم آخر خاص بهم قاصر عليهم هذا العلم هو علم الوراثة. وعلم الوراثة هو علم العالم الزاهد المنقى الذي فقه الدين فقها أبان له عن قواعده وأصوله بحيث يتعرف المعنى الحقيقي للدين. وليس الدين شيئا آخر غير الانقياد والخضوع فهو مشتق من الدون. وكل شئ تضع فهو دون. فعلى هذا يصبح الدين عبارة عن أن يخضع الإنسان نفسه لربه وينقاد لما أمر به. وأفضل مراتب العبادة الفقه في الدين، فمن كان أفقه في الدين وأعرف بأصوله كانت نفسه أسرع اجابة وقلبه أشد انقيادا لمعالم الدين وأصوله. فأنت ترى من هذه الملاحظات التي ذكرها السهروردي في هذا الباب أن علم الشريعة قد انقسم إلى قسمين متمايزين: قسم اختص به الفقهاء وأهل الفتيا للأحكام العامة والعبادات والمعاملات. وقسم اختص به الصوفية وأهل الباطن اشتمل على ما يتعلق بهم من مراقبات ومحاسبات، ورياضيات ومجاهدات، وأحوال ومقامات. وما إلى ذلك من الأمور الكثيرة التي نراها منبثة في تضاعيف علومهم ومعارفهم. كتب الفقهاء كتبهم فدونوا فيها الأحكام التي استخلصوها من القرآن والحديث. وكتب الصوفية كتبهم فدونوا فيها مكاشفاتهم ومواجدهم التي انتهوا إليها عن طريق القرآن والحديث، ولكن هناك فرقاً بين فقه الفقهاء وتصوف الصوفية. ذلك أن الفقه هو علم الأحكام الظاهرة للعبادات والمعاملات على حين أن التصوف هو علم المواجد القلبية، والرياضات النفسية، والأحكام الباطنية. وإذن فقد سمي الفقه بعلم الظاهر وسمي التصوف بعلم الباطن. ويظهرنا مؤلف (عوارف المعارف) بعد ما قدم على كيفية نشأة الشر وكيف أصبحت النفس مأوى لهذا الشر وكيف امتازت نفوس الأنبياء والأولياء على نفوس غيرهم. فذكر هذه القصة التي تتلخص في أن الله بعث جبرائيل وميكائيل ليقبضا قبضة من الأرض فلما أبت بعث عزرائيل فقبضها، وكان إبليس قد وطيء الأرض بقدميه فأصبح بعضها بين قدمين وبعضها الآخر بين موضع أقدامه. ومن هذه المواضع التي مستها أقدام إبليس خلقت النفس فصارت مأوى للشر. ولكن هناك جزءاً من الأرض لم تصل اليه أقدام إبليس ومن هذا الجزء أصل الأنبياء والأولياء. ولما كانت ذرة رسول الله موضع نظر الله من قبضة

стр. 1414

عزرائيل لم يمسسها قدم ابليس، ولهذا لم يصبها الجهل، وانما كان رسول الله على العكس موفور الحظ من العلم، والنور، ومن هنا بعثه الله تعالى بالعلم والهدى فانتقل هذا العلم من قلبه إلى القلوب، وانتقل هذا، الهدى من نفسه إلى النفوس. ومن هنا كانت العلاقة بين رسول الله وبين الذين دعاهم إلى الأخذ بما بعثه الله به. وبعبارة أخرى كانت هذه العلاقة بنسبة طهارة الطينة. فمن كان أقرب مناسبة بنسبة طهارة الطينة كانت نفسه أكثر استعدادا لقبول ما جاء به رسول الله. وقلوب الصوفية أقرب مناسبة من هذه الناحية، وهي لهذا قد ظفرت بحظ كبير من العلم فأصبحت بواطنهم أخاذات فعلموا وعلموا، مثلهم في ذلك كمثل الأخاذ الذي يسقي منه ويزرع منه. وهم بعد هذا ومن أجل هذا اجمعوا بين فائدة علم الدراسة وفائدة علم الوراثة بأحكام أساس التقوى. ولما أن صقلت مرايا قلوبهم وصفت صفحات نفوسهم ظهرت لهم الأشياء على حقيقتها وماهيتها. فبانت لهم الدنيا بما فيها من قبح فأعرضوا عنها، وبدت لهم الآخرة بما فيها من حسن فاقبلوا عليها. وختم المؤلف هذا الباب بملاحظة لها قيمتها وخطرها في فهم التصوف فهما صحيحا مستقيما. هذه الملاحظة هي التي يظهرنا فيها على المعنى الذي تدل عليه لفظة الصوفي. فالصوفي عنده بمعنى المقرب. وهذه اللفظة لم يرد ذكرها في القرآن ولكنها تركت ووضع مكانها لفظة مقرب. ولا يعرف في بلاد الإسلام هذا الاسم لأهل القرب. وانما يعرف للمترسمين. فهناك نفر كبير من المقربين في بلاد المغرب وتركستان وما وراء النهر لا يسمى باسم الصوفية لأن أفراده لا يتزينون بزي الصوفية، ومن هنا انتهى مؤلف (عوارف المعارف) إلى أنه لا يقصد حين يتكلم عن الصوفية في كتابه الا المقربين. وهناك ملاحظة ختامية أخرى ذكرها المؤلف في نهاية هذا الباب، هذه الملاحظة لها قيمتها وخطرها أيضا إذ هي تظهرنا على الفرق بين الصوفي والمتصوف. فالمتصوف هو من تطلع إلى مقام المقربين من جملة الأبرار ما لم يتحقق بحالهم. والصوفي هو من تطلع إلى مقام المقربين حيث يتحقق بحالهم. وأما من هو دون المتصوف والصوفي ممن تميز بزي ونسب إلى الصوفية أو المتصوفة فهو متشبه. ولنمض الآن إلى الباب الثالث حيث يحدثنا السهروردي عن فضيلة علوم الصوفية والإشارة إلى أنموذج منها. ذكر المؤلف في مستهل هذا الباب الحديث الشريف الذي أمر فيه النبي ﷺ بطلب العلم والذي جعل فيه طلب

стр. 1415

العلم فريضة على كل مسلم فقد قال رسول الله: (اطلبوا العلم ولو بالصين فان طلب العلم فريضة على كل مسلم). ذكر بعد هذا الحديث الشريف آراء العلماء من المتقدمين واختلافهم في هذه الآراء حول هذا العلم الذي أمر رسول الله بتحصيله وجعل طلبه فريضة على كل مسلم. وقد اختلف القدماء اختلافا قويا حول هذا العلم ماذا عسى أن يكون. فمنهم من قال هو علم الإخلاص ومعرفة آفات النفوس. (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين). ومنهم من قال هو معرفة الخواطر وتفصيلها، لأن هذه الخواطر هي مبدأ الفعل وأصله ولا يمكن حدوث فعل إذا لم يسبقه خاطر. وذهب فريق إلى أنه علم الوقت. وانتهى فريق آخر ومنه سهل بن عبد الله إلى انه علم الحال أي حكم حال العبد الذي بينه وبين الله تعالى في دنياه وآخرته. ورأت طائفة أنه علم الحلال أو أنه علم الباطن الذي يستفاد من مصاحبة العلماء الزاهدين والأولياء الصالحين. وطائفة أخرى أنه علم البيع والشراء، والنكاح والطلاق، أو أنه علم التوحيد. وقد رأى أبو طالب المكي إن هذا العلم هو علم الفرائض الخمس التي بني عليها الإسلام. تلك هي الآراء المختلفة التي رآها القدماء في هذا العلم الذي طلبه فريضة على كل مسلم والتي استعرضها مؤلف (عوارف المعارف) في شيء من الإسهاب كثير، وانتهى من هذه الآراء كلها إلى أنه أميل ما يكون إلى رأي أبي طالب المكي، وإلى رأي من قال بان العلم الواجب تحصيله على كل مسلم هو علم البيع والشراء، والنكاح والطلاق إذا أراد الدخول فيه. ومن هنا يستخلص السهروردي ان العلم المقصود في حديث رسول الله انما هو علم الأمر والنهي. والمأمور في علم الأمر والنهي هو ما يثاب على فعله، وما يعاقب على تركه. والنهي في هذا العلم هو ما يعاقب على فعله ويثاب على تركه. والنتيجة التي خرج بها المؤلف من هذا الكلام المستفيض هي أن علماء الصوفية عرفوا العلم المفترض على المسلمين فأقاموا دعائم علم الأوامر والنواهي بترسمهم خطى رسول الله في الاستقامة، مستعينين على إقامة هذا العلم وتدعمه بما منحوا من زهد في الدنيا وحب للآخرة وصفاء في السرائر ونقاء في الضمائر، والاستقامة التي رفع الصوفية لواءها وأثلوا بناءها هي سبيل المجتهد الصادق، والصوفية

стр. 1416

حين كرمهم الله بالنهوض بواجب هذه الاستقامة رزقوا سائر العلوم كعلم الحال، وعلم القيام، وعلم الخواطر، وعلم اليقين، وعلم الإخلاص، وعلم النفس، وأخلاقها وشهواتها وما إلى غير ذلك من العلوم المتعددة التي ظفر بها الصوفية وحرمها غيرهم من علماء الدنيا. وهذه العلوم كلها ذوقية وجدانية يستعان في تحصيلها بالذوق والوجدان. وكم كنت أحب أن أقف وقفة قصيرة عند اختلاف القدماء في أمر هذا العلم المفترض أبين فيها حظ هذه الآراء من الصواب أو الخطأ. ولكن حسبي أن أوجز لك الآن ما اعتزمت إيجازه من أبواب الكتاب إيجازاً يعطيك صورة مقاربة له، على أن أتناول مناقشة بعض ما ورد فيه من آراء مناقشة نقدية سوف اعرض لها في مقال ختامي. وبعد أن عدد المؤلف أنواع العلوم التي ظفر بها الصوفية. قارن بين علمي الوراثة والدراسة مقارنة تتلخص في أن علوم الوراثة مستخرجة من علم الدراسة. مثلها في ذلك كمثل الزبد الذي يستخرج من اللبن الخالص. فلو لم يكن لبن لم يكن زبد. ثم عرض السهروردي إلى علوم الإسلام فقال ان للإسلام علوما هي علوم مبانيه. والإسلام بعد الأيمان نظر إلى مجرد التصديق: ولكن للإيمان فروعا بعد التحقق بالإسلام. وهذه الفروع مراتب كعلم اليقين الذي يعطيه لنا الدليل. وعين اليقين وهو ما تعطيه المشاهدة، وحق اليقين وهو ما حصل من العلم بما أريد به ذلك الشهود. وهذه قد تقال للتوحيد والمعرفة والمشاهدة. وللإسلام في كل فرع من فروعه علوم، وبالجملة فانك ترى أن علوم الإسلام هي علوم اللسان، وان علوم الإيمان هي علوم القلوب. ولعلوم القلوب هذه وصفان أحدهما عام والآخر خاص. فأما الوصف العام فهو أن علم اليقين يتوصل اليه بالنظر والاستدلال. ومن هنا اشترك في هذا الوصف كل من علماء الصوفية وغيرهم من علماء الدنيا. وأما الوصف الخاص فهو هذه السكينة التي أنزلها الله على قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا على إيمانهم. ومن هنا ترى أن علوم الصوفية اشتركت مع علوم غيرهم في مرتبة اليقين، وهي المرتبة الاولى ثم امتازت عليها بالمرتبتين الأخريين وهما مرتبة عين اليقين ومرتبة حق اليقين. ويقسم المؤلف الناس طبقات انقسموا بالنسبة إلى نفوسهم وقلوبهم وأرواحهم. فمنهم من كانت نفسه ظاهرة على قلبه. وهذا الفريق يدعوه الله بالموعظة. ومنهم من كان قلبه ظاهرا

стр. 1417

على نفسه وهذا يدعوه الله بالحكمة. فأجاب الأبرار الدعوة بالموعظة بذكر الجنة والنار. وأجاب المقربون الدعوة بالحكمة وهي الدعوة بمنح القرب وصفو المعرفة. ولما وجدوا التلويحات بهذا القرب أجابوا بأرواحهم وقلوبهم ونفوسهم. وهم حين يتابعون الأعمال يجيبون بقلوبهم. وحين يتحققون بالأحوال يجيبون بأرواحهم. فأنت ترى من هذا الفرق بين الصوفية وبين غير الصوفية. فهؤلاء يجيبون بالبعض وأولئك يجيبون بالكل. والصوفية حين يجيبون بالكل يتهيأ لهم بالعلم والمعرفة حظ لم يتهيأ لغيرهم. ومن هنا كانوا أقدر من غيرهم على الوصول إلى اليقين الذي لا يحيطه شك. اليقين يكشف لهم عن حقيقة الذات الإلهية ويظهرهم على ماهية الأشياء. بحيث ينتهون من هذا كله إلى الاتحاد مع الله والفناء فيه اتحاداً يضمن لهم السعادة، وفناء يكفل لهم السلام. محمد مصطفى حلمي. ماجستير في الآداب

стр. 1418

صور من الأدب العربي سيبويه المصري للأستاذ احمد أمين شخصية غريبة كانت في مصر في عهد الدولة الإخشيدية قبل بناء القاهرة، وكان يدوي اسمها في الفسطاط والقطائع وما بينهما قبيل مجيء الفاطميين، كانت شخصية ترهب وتحب، ويضحك منها، ويعتبر بها، إن شئت علما فعالم. أو شعراً فشاعر، أو أدباً فأديب، أو وعظاً فواعظ، أو فكاهة ففكه، أو نقداً مقذعا فناقد، أو جنوناً فمجنون. ولد بمصر سنة ٢٨٤هـ وعاش أربعا وسبعين سنة وأتقن النحو حتى لقب بسيبويه ألطف ما فيه لوثة (لحسة) كانت بعقله، هي سر عظمته فقد جرأ على ما لم يجرؤ عليه أحد في عصره، كان معتزلياً يقف في المسجد وفي الشارع فيصرح بآرائه في الاعتزال، ويصيح بأن القرآن مخلوق فيقولون مجنون. ويتركونه يقول ما شاء حيث لا يقول أحد شيئا من ذلك الا همساً أو من وراء حجاب، ويتعرض للناس بالقول اللاذع سواء في ذلك كافور الإخشيد أو وزيره، أو العلماء أو التجار، فيتضاحكون منه ويتقون لسانه ببره والإهداء اليه، سراً وجهراً. كانت نوادره كثيرة، تتلقفها الألسن، ويتناقلها الرواة، فتشيع في الناس وتكون سلوتهم ومثار ضحكهم. وقديماً عرف المصريون بالفكاهة الحلوة والنادرة اللطيفة كما عرفوا بالإعجاب بها والجد في طلبها والإمعان في الضحك منها. من أجل هذا ألف ابن زولاق المصري كتابه اللطيف في نوادر سيبويه، لم يذكر فيه الا قليلا عن علمه ولم يذكر شيئاً عن نحوه ولا عن جده، وانما ملأه كله بفكاهته ولوثته. حذا ابن زولاق هذا حذو مؤلفي العراق في تدوين حوادث ظرفاء الممرورين. وابن زولاق نفسه يقول (لو كان سيبويه بالعراق لجمع كلامه، ونقلت ألفاظه، ولو عرف المصريون قدره لجمعوا عنه أكثر مما حفظوه). عرف منذ شب بهذه اللوثة، تظهر في حركاته ورمش عينه، وزادت بترديه في بئر أمام بيته، وتهيج أحيانا فيطرح ثيابه ويمشي عريان في الطريق على عورته خرقة، وعلى

стр. 1419

أكتافه خرقة، وبيده عصا ومصحف ويروح إلى الجامع وهو على هذا الشكل يعظ ويتزهد، وأحياناً تهدأ ثائرته فينادم الأمراء والوزراء ويعجبون بلطفه وظرفه، وتقول زوجه انه انما كان يهيج إذا لم يأكل اللحم والدسم فإذا أكلهما هدأ. قلت لن لوثته سر عظمته، فإذا هو هدأ سكت ولكنه إذا هاج أتى بالنوادر الطريفة والكلم السيار، ولذلك قالوا فيه أنه (إذا لم يكن له من يهيجه لم يخرج علمه). سب مرة خازن الإخشيد أو وزير ماليته فأخذه وعذبه ثم أطلقه وأجرى عليه الرزق فكان الصبيان أحيانا إذا رأوه يتصايحون (يا خازن اخرج عليه) فيهيج ما به وينطق بالقول اللطيف. كان يقول القول عل سجيته لا يرهب أحداً، قد أدخل مرة مستشفى المجاذيب ثم أخرجه كافور الإخشيد، فلما مثل بين يديه قال له سيبويه (ما مثلك يصطنع بعشرين ألف دينار ولا بثلاثين ألفاً إذا كنت عادلا، فأما إذا كنت جائرا فأسود بعشرة دنانير يقوم مقامك) وكان أكثر قوله سجعاً، ومن ثم كان أكثر دورانا على الألسنة وأسهل حفظاً. لقى المحتسب وبين يديه أجراسه فقال: (ما هذه الأجراس يا أنجاس، والله ما ثَم حق أقمتوه، ولا سعراً أصلحتموه، ولا جان أدبتموه، ولا ذو حسب وقرتموه، وما هي إلا أجراس تسمع، لباطل يوضع، وإقفاء تصفع، وبراطيل تقطع، لا حفظ الله من جعلك محتسباً، ولا رحم لك ولا له أماً ولا أباً). وكان مخشي اللسان يهرب الوجهاء والأعيان إذا سمعوا صوته من بعيد، حتى لا يقذفهم بقذيفة من لذعاته تسير في الناس، وكان كافور يعجب كيف يسكت المصريون على سبه ويقول: (سبحان من سلط سيبويه عليكم ينتقم منكم وما تقدرون على الانتصار). وما السبب في هذا الا أنه كان يعمد إلى الرؤساء فيصب عليهم كلماته القارسة تصيب منهم مقتلا، ويسر الشعب من هذا لأنه يعبر عما في نفوسهم، وينتقم من خصومهم ويجرؤ بجنونه على ما لم يجرؤ عليه عقلاؤهم، وكان يستطيع بلسانه أن يصل إلى ما يتحرج من ذكره المتدينون. لقد كان يوماً يؤاكل ابن المادراني الوزير، وعنده هارون العباسي فقدمت هريسة فقال هارون: أكثر منها ياسيبويه فانها تذهب بالوسواس من رأسك، فكف سيبويه عن الطعام وأخذ يفكر، فقالوا فيم تفكر؟ قال أفكر في امتناع إبليس من السجود لآدم، والآن

стр. 1420

ظهر عذره: علم ابليس أن هذا في صلب آدم فلم يسجد له، ولو عرض على كلاب اليهود أن تسجد لنسمةٍ هذا في ظهرها ما فعلت. ونحو هذا من أنواع الهجاء القاسي. وهو مع هذا أديب ظريف له نظرات في الأدب جميلة يقول: إن أفضل الكلام ما اعتدلت مبانيه، وعذبت معانيه، واستسلس على ألسن ناطقيه، ولم يستأذن على آذان سامعيه. وقد هجا بعض الناس شيخا من شيوخه فقال سيبويه: ما يضر البحر أمسى زاخرا … أن رمى فيه صبي بحجر وسمع بيت المتنبي: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى … عدواً له ما من صداقته بد فقال هذا كلام فاسد، لأن الصداقة ضد العداوة ولو قال: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى … عدوا له ما من مداراته بد. . لكان أحسن وأجود وبلغ المتنبي هذا النقد فذهب إلى سيبويه وسمعه منه فتبسم وانصرف، فصاح سيبويه: انبكم! ومع هذا فلما سمع قول المتنبي: ما كنت آمل قبل نعشك أن أرى … رضوى على أيدي الأنام تسير. . الخ صاح سيبويه لبيك لبيك! أنا عبد هذه الأبيات. مما يدل على ذوق حسن ونقد صحيح وتقدير للأدب. ولقد كان عالي النفس، دقيق الحس، يرى الناس كلهم دونه، فلا يذل لعظيم، ولا يهين لكبير، طلبة أنوجور بن الإخشيد أمير مصر لينادمه، فقال على شرط أن أنزل حيث تنزل، وأركب حيث تركب، وأجلس متكئا، فأجابه إلى شرطه. وكان سيبويه يحدث عظيما فجاء خادم يسر حديثا إلى هذا الجليس فسمع له وقطع الاستماع لسيبويه. فقام سيبويه مغضبا، فسأله إلى أين؟ قال لا تجالس من لا يرى مجالستك رفعة، ولا تحدثن من لا يرى حديثك متعة، ولا تسألن من لا تأمن منعه، ولا تأمرن من لا تأمن طوعه. ولما ماتت أم سيبويه حضر في جنازتها كل كبير في مصر الا ابن المادراني الوزير، وعاد

стр. 1421

والناس حوله، فأخذ سيبويه يطلق لسانه في هجاء أبن المادراني، وما نجاه من لسانه إلا أن لقيه في الطريق يأتي مسرعا ليدرك الجنازة. على الجملة كان سيبويه طرفة مصر في عصره، علماً وأدباً وفكاهة وجنوناً - كان يقوم فيهم مقام العالم والواعظ والأديب، ومقام الجريدة السيارة الناقدة اللإذاعة، وكان منظره بديعاً، يدور في الأسواق على حماره أو حمار غيره، وما أكثر من كان يتقي لسانه بتقديم حماره! فبحق قال (جوهر الصقلي) لما دخل مصر وذكرت له أخباره (لو أدركته لأهديته إلى مولانا المعز في جملة الهدية) وبحق لما سمع به (فاتك) ممدوح المتنبي قال: ذكروني به فلعلي أستدعيه فانه نزهة.

стр. 1422

في الأدب المصري القديم النيل والحضارة المصرية (ملخص فصل من كتاب) للأستاذ (آ. موريه) وهنا نجوى تبسط لنا شيئا من الحياة الزوجية، يرددها زوج يبكي فقد امرأته، وامرأته، كما يبدو، ما زالت روحها أتبع له من ظله. قال يناجيها: (لماذا أشقيتني حتى غلبت عليَّ هذه التعاسة؟ ماذا صنعت حتى رفعتُ يدك علي دون أن أباديك بشيء؟ سأرفع دعواي لآلهة المغرب التسعة، حتى يفصلوا بيننا. ماذا صنعت؟ كنت امرأتي حين كنتُ أخطر في برد الشباب ما أزعجتك وما مسستك بسوء. اذكريني عندما كنت عريفاً بين المحاربين في جيش فرعون، تركتهم لأجئ اليك. حاملا اليك منهم هدايا ثمينة، وأنا لم أَحفِ عنك سرا طيلة حياتك، ولم أدخل منزلا غير منزلك (بعد الطلاق). وعدما رهنوني في الموطن الذي أنا فيه الآن وجعلوا رجوعي اليك مستحيلا، أرسلت إليك زيتي وخبزي وأثوابي؛ ولم أبعث بها إلى أحد سواك. وعندما مرضتِ جئتك بطبيب، فوصف العلاج، وأتى بكل ما قلت عنه؛ وعندما وجب علىَّ أن أرافق فرعون في رحلته إلى الجنوب لبثت أفكاري متوزعة عندك، وقضيت ثمانية شهور حليف الأسى لا يلذ لي طعام، ولا يسوغ لي شراب. وبعد وفاتك عدتُ إلى ممفيس، ورجوت من فرعون الذهاب إلى بيتك، وهناك وقفت باكياً، وأسعفني أصحابي على البكاء، وأعطيتهم ثيابا للف جثمانك. واليوم وقد تعاقب ثلاثة أعوام وأنا قابع في عزلتي، ما دخلت منزل أجد، ولا عرجت على أخت من الأخوات اللابثات في البيت). ثم نشأت قصص صغيرة مشبعة بالروح الشعبية التي تجلت فيها، أضف إلى ذلك مقطوعات غزلية عاطفية، تمثل لنا الحياة الوجدانية والعقلية للمصريين القدماء. ومن هذه القطع مقاطيع بعنوان (أغاني لغبطة القلب) وهي أغاني يجب أن تكون مصحوبة بآلات الطرب، على أن الموسيقى المصرية ظلت مجهولة برغم آلاتها الشائعة عندهم. وجل هذه المقطوعات محاورات بين رجل يدعو المرأة (يا أختي)، وامرأة تدعو الرجل (يا أخي) وكلاهما يتجاذب الأغاريد بلهجة جذابة رقيقة. وتلوح على هذه المقطوعات بعض ملامح

стр. 1423

مصرية وأخلاق مصرية تثبت ما قصه علينا المؤرخ هيرودوت إذ قال: (ان المصريات كن أحراراً في مسالكهن وتصرفاتهن في تجارة الحياة وفي مزدحم الأعياد الدينية، وهن اللواتي كن يخرجن من بيوتهن لتدبير البيت والإنفاق عليه، والرجال يقومون بالخدمة المنزلية خلال تغيبهن. وهذه القبور الطيبية تطلعنا على حياة المرح عندهن، وكثير من الحكايات الشعبية تدلنا على أخلاقهن وما أتسمن به من صفات الجرأة، وهذه الجرأة قد تبدو في هذه المقطوعة الغزلية، إذ نرى العاشق كالمتغاني، والعاشقة هي التي تتكلم: يقص علينا العاشق هبوطه إلى ضفاف النيل بحوار ممفيس. وهناك شاهد (أخته) في حديقة طيبة الأريج، (إذا هو لثم شفتيها كان نشوان بغير نبيذ) هو يدنو منها كالعصفور الذي ينقض بنفسه على الشرك (شرك الحب). ولكن حميا الحب أقوى من حميا الخمر. يقول العاشق: (نزلت المنحدر، وأنا أحمل على كتفي حزمة قصب. وبلغت ممفيس وقلت (لباتا) سيد العدالة أعطني أختي هذه الليلة، فالنهر من خمر، (وباتا) قصبه. و (سبكميت) سدرته، (وأريت) يراعه، و (ينقرنوم) أزهاره. هذا هو الفجر ومففيس كأس من ثمر، مصفوفة أمام الإله باتا ذي الوجه الجميل. سأنام في بيتي، وأغدو عليلا، وسيهرع جيراني إلى عيادتي، وإذ ذاك تجئ أختي معهم، وتريني للأطباء لأنها عارفة بدائي. أرى (أختي) مقبلة، وقلبي يستفزه الطرب وذراعاي تنبسطان لعناقها، وقلبي يخفق في موضعه عندما تجيء. إذا عانقتها وفتحت لي ذراعيها، كأني ألقيت بنفسي في (بونت) مدينة الطيوب. وإذا لثمت فاها وتفتحت لي شفتاها. فأنا سعيد سكران بدون نبيذ. أما العاشقة فهي سهلة المأخذ، تنطلي عليها الأساليب المغرية، حبها الدقيق أدنى إلى الندب والشكوى، في حالة الاتنظار، تبدي كل مظاهر الدلال، وتقيس ذراعاً كلما قاس العاشق إصبعاً، وهذه (صائدة الطيور) لا تنصب الشباك لمجرد اللذائذ وانما تصبو من وراء الحب إلى اتحاد الروحين بالزواج وإلى السهر على خيرات عاشقها كأنها صاحبة بيته. تقول العاشقة: (يا أخي المحبوب! إن قلبي يسعى وراء حبك، انظر ماذا اصنع! قد نصبت فخي بيدي، إن

стр. 1424

عصافير (بونت) هبطت على مصر مخالبها مفروكة بالصبر، والعصفور الذي نزل، في البدء، قد التقط طعمي. هو ناقل عطره من (بونت)، ومخالبه مفعمة بالصبر الطيب، أرغب منك أن تعمل على إفلاته من الفخ، حتى تصغي أنت إلى أنين هذا العصفور المطيب بالصبر. ما أجمل وجودك معي عندما أنصب الفخ! الوزة (العاشق) تشكت عندما ما علقت. وذاك حبك يستهويني اليك دون أن أستطيع الإفلات منه، يجب علي أن أهجر (حبائلي). ولكن ماذا أقول لأمي عمن أغدو اليه كل يوم وأنا مثقلة بعصافيري!!! أنا سجينة حبك! وقبلتك وحدها هي التي تحيي قلبي. قد وجدت من أحبه، فليت شعري هل يقدر (آمون) على أن يعطيني إياه إلى الأبد. .؟ يا صديقي الجميل! أود ان أرعى خيراتك كصاحبة بيتك؛ وذراعي مسندة إلى ذراعك. سأقول في نفسي عندما يعاودني حبك؛ أن أخي الكبير بعيد عني هذه الليلة. ما أشبهني بالأموات، لأنك أنت عاقبتي وكل حياتي). وهذه عاشقة أخرى تلوم شاة أيقظتها عند الصباح وهي لا تود أن تستيقظ: (ناجتني الشاة قائلة لي: هذا هو الفجر فاستيقظي، الا تهمين بالخروج؟ لا لا! يا شاتي: أنت تسيئين إلي! قد وجدت أخي يتمطى في سريره، فطرب قلبي له وقال لي: لن أتركك أبداً، وهذه يدي في يدك، سنطوف معا كل مكان يحسن فيه التنزه. اتخذ مني خليلته الأولى. وهو لن يحمل أي هم إلى قلبي). وبعد هذا الحب كله يضعف الهوى وتهب الشكوك ثم تتصاعد أنات العاشقة لخيانة صاحبها إياها واستبداله غيرها بها، فأصبح حب المرأة أدنى إلى العاطفة وأغنى (هوى) من الحب الذي أعلنه الرجل بلسانه. والشاعر يزين نفثاته بالأساليب الغزلية الرقيقة، فالعاشقة تطوف في حديقة غنية الأزهار والأعشاب، فما من نبتة أو ثمرة الا تذكر بشيء من محاسن المحبوبة أو ترمز إلى سعادتها المتلاشية. الأشجار تتكلم: فهي التي تؤوي إلى أفيائها العاشقين، وتخفي عن العيون فصول غرامهم، فهنا شجرة رمان تشكو وتتوعد من أهملها، وهناك سدرة غرستها كف عاشقة تعلن

стр. 1425

رضاءها عن القدر، وهنالك جميزة صغيرة سعيدة بمواقف العاشقين تحتها. وهي تراقب الأزواج بعين خبيثة ولكنها تكتم أسرارهم. وثمت شيء من الشعر الذي يصف ألوان الجمال النسائي. وهذه هي أهم صفات هذا الجمال المنشود (شعر حالك كالليل، وأسنان اسطع من لمعان الصوان، وقامة رشيقة، وصدر صلب طافح). وإذا قارنت هذا الجمال بما جاء في تماثيلهم وصورهم عرفت أن المصريين قد أهملوا رقة الصور والأشكال في الجمال، فكانوا على نقيض الشرقيين المعاصرين الذين يحبون (الخط الأهيف في الجمال الفتي) الذي يعدهم في العالم الثاني بامرأة لها شباب خالد. وفي هذا الأثر الأدبي الذي أبقى عليه الزمن، ترى عمل المخيلة الصافية فيه مهملا، وتعاليم الفن والعلم والأدب التي وضعت لخدمة الدين والدولة جاءت غنية الخطوط، طابعة الحضارة المصرية بطابعها. أما مصر القديمة فلم تكن الا في القليل النادر بلد البراعة المنزهة عن الغرض، والتي جاءتها من أجل الفن. فعلمها للعلم المجرد، وتفكيرها للتفكير المطلق، وأدبها للأدب النفسي، وأعمالها العظيمة المجهولة الاسم قد وضعها أربابها بدقة ومهارة في سبيل خدمة مذهب فني يسمو إلى غايات اجتماعية ودينية. وهكذا ضيق الجمال المصري باكراً ساحة الإبداع على المبدعين القادرين، ولكنه لم يهن ولم يقصر في تحليل كل ما يقدسه الشعب ويجله من تعاليم السلطة والصلاح والأدب. فكان أعظم ميزاته وأسمى سماته تمثيله بالرموز معنى النسل. وسهولة فهم مثله الأعلى الشريف، وكل ذلك بأسلوب يستحيل التقليد فيه، وعلاء يصعب السمو اليه. خليل هنداوي

стр. 1426

بلاط الشهداء بعد ألف ومائتي عام للأستاذ محمد عبد الله عنان (لما علم الفرنج وسكان بلاد الحدود الإسبانية بمقتل عثمان بن أبي نسعة وسمعوا بضخامة الجيش الإسلامي الذي سير اليهم، استعدوا للدفاع جهدهم وكتبوا إلى جيرانهم يلتمسون الغوث. وجمع الكونت سيد هذه الأنحاء (يريد أودو) قواته وسار للقاء العرب ووقعت معارك سجال. ولكن النصر كان إلى جانب عبد الرحمن بوجه عام فاستولى تباعا على كل مدن الكونت. وكان جنده قد نفخ فيهم حسن طالعهم المستمر فلم يكونوا يرغبون الا في خوض المعارك واثقين كل الثقة في شجاعة قائدهم وبراعته) (وعبر المسلمون نهر الجارون وأحرقوا كل المدن الواقعة على ضفافه وخربوا جميع الضياع وسبوا جموعا لا تحصى؛ وانقض هذا الجيش على البلاد كالعاصفة المخربة فأجتاحها، وأذكى اضطرام الجند نجاح غزواتهم واستمرار ظفرهم وما أصابوا من الغنائم). (ولما عبر عبد الرحمن نهر الجارون اعترضه أمير هذه الأنحاء ولكنه هزمه ففر أمامه وامتنع بمدينته. فحاصرها المسلمون ولم يلبثوا أن اقتحموها وسحقوا بسيوفهم الماحقة كل شيء. ومات الكونت مدافعا عن مدينته واحتز الغزاة رأسه. ثم ساروا مثقلين بالغنائم في طلب انتصارات أخرى، وارتجت بلاد الفرنج كلها رعباً لاقتراب جموع المسلمين، وهرع الفرنج إلى ملكهم قلدوس في طلب الغوث، وأخبروه بما يأتيه الفرسان المسلمون من العبث والسفك وكأنهم في كل مكان، وكيف أنهم احتلوا واجتاحوا كل أقاليم أربونة وتولوشة وبردال وقتلوا الكونت. فهدأ الملك روعهم ووعدهم بالغوث العاجل. وفي سنة ١١٤ سار على رأس جموع لا تحصى للقاء المسلمين. وكان المسلمون قد اقتربوا عندئذ من مدينة تور، وهناك علم عبد الرحمن بأمر الجيش العظيم الذي سيلقى. وكان جيشه قد دب اليه الخلل لأنه كان مثقلا بالغنائم من كل صوب. ورأى عبد الرحمن وأولو الحزم من زملائه أن يحملوا الجند على ترك هذه الأثقال والاقتصار على أسلحتهم وخيولهم ولكنهم خشوا التمرد أو أن يثبطوا عزائم الجند واستسلموا لرأي الواثقين المستهترين. واعتمد عبد الرحمن على شجاعة جنده وحسن طالعه المستمر. ولكن الاضطراب خطر خالد على سلامة الجيوش. صحيح أن الجند يحملهم ظمأ الغنم أن يأتوا جهودا لم يسمع بها فطوقوا

стр. 1427

مدينة تور وقاتلوا حصونها بشدة رائعة حتى سقطت في أيديهم أمام أعين الجيش القادم لإنقاذها وانقض المسلمون على أهلها كالضواري المفترسة وأمعنوا القتل فيهم. قالوا ولعل الله أراد أن يعاقب المسلمين على تلك الآثام، وكان طالعهم قد ولى). (وعلى ضفاف نهر الأوار (اللوار) اصطف رجال اللغتين والتقي المسلمون والنصارى وكلاهما جزع من الآخر، وكان عبد الرحمن ثقة منه بظفره المستمر هو البادئ بالهجوم فانقض بفرسانه على الفرنج بشدة وقابله الفرنج بالمثل. ودامت المعركة ذريعة مروعة طوال اليوم حتى جن الليل وفرق بين الجيشين. وفي اليوم التالي استؤنف القتال منذ الفجر بشدة، وشق بعض مقدمي المسلمين طريقهم إلى صفوف العدو وتوغلوا فيها. ولكن عبد الرحمن لاحظ والمعركة في أوج اضطرامها أن جماعة كبيرة من فرسانه غادرت الميدان بسرعة لحماية الغنائم المكدسة في المعسكر العربي، لأن العدو أخذ يهددها. فأحدثت هذه الحركة خللا في صفوف المسلمين، وخشي عبد الرحمن عاقبة هذا الاضطراب فأخذ يثب من صف إلى صف يحث جنوده على القتال، ولكنه ما لبث أن أدرك أنه يستحيل عليه ضبطهم فأرتد يحارب مع أشجع جنده حيثما استقرت المعركة، حتى سقط قتيلا مع جواده وقد أثخن طعانا. وهنا ساد الخلل في الجيش الإسلامي وأرتد المسلمون في كل ناحية ولم يعاونهم على الانسحاب من تلك المعركة الهائلة سوى دخول الليل) (واستفاد النصارى من هذا الظرف فطاردوا الجنود المنهزمة أياما عديدة، واضطر المسلمون أثناء انسحابهم أن يحتملوا عدة هجمات واستمر الصراع بين مناظر مروعة حتى أربونة). (وقد وقعت هذه الهزيمة الفادحة بالمسلمين وقتل قائدهم الشهير عبد الرحمن سنة١١٥ هـ، ثم إن ملك فرنسا حاصر مدينة أربون. ولكن المسلمين دافعوا بشجاعة متناهية حتى أرغم على رفع الحصار وارتد داخل بلاده وقد أصابته خسائر كبيرة) وأورد المؤرخ كاردون من جهة أخرى في كلامه عن الموقعة فقرة، ذكر أنه نقلها عن ابن خلكان جاء فيها: (لما استولى العرب على قرقشونة خشي قارله (كارل) أن يتوغلوا في الفتح فسار لقتالهم في الأرض الكبيرة (فرنسا) في جيش ضخم وعلم العرب بقدومه وهم في لوذون (ليون) وأن جيشه يفوقهم بكثرة، فعولوا على الارتداد. وسار قارله حتى سهل

стр. 1428

أنيسون دون أن يلقى أحدا. إذ احتجب العرب وراء الجبال امتنعوا بها، فطوق هذه الجبال دون أن يدري العرب ثم قاتلهم حتى هلك عدد عظيم منهم وفر الباقون إلى أربونة. فحاصر قارله أربونة مدة ولم يستطع فتحها فارتد إلى أراضيه وأنشأ قلعة وادي رذونه (الرون) ووضع فيها حامية قوية لتكون حدا بينه وبين العرب). ونعود بعد ذلك إلى الرواية الإسلامية فنقول ان المؤرخين المسلمين يمرون على حوادث هذه الموقعة الشهيرة أما بالصمت أو الإشارة الموجزة. ويجب أن نعلم بادئ بدء أن موقعة تور تعرف في التاريخ الإسلامي بواقعة البلاط أو بلاط الشهداء لكثرة من أستشهد فيها من أكابر المسلمين والتابعين. وفي هذه التسمية ذاتها، وفي تحفظ الرواية الإسلامية، وفي لهجة العبارات القليلة التي ذكرت بها الموقعة، ما يدل على أن المؤرخين المسلمين يقدرون خطورة هذا اللقاء الحاسم بين الإسلام والنصرانية، ويقدرون فداحة الخطب الذي نزل بالإسلام في سهول تور. ويدل على لون الموقعة الديني ما تردده الأسطورة الإسلامية من أن الآذان لبث عصوراً طويلة يسمع في بلاط الشهداء. ونستطيع أن نحمل تحفظ المؤرخين المسلمين في هذا المقام على أنهم لم يروا أن يبسطوا القول في مصاب جلل نزل بالإسلام ولا أن يفيضوا في تفاصيله المؤلمة، فاكتفوا بالإشارة الموجزة اليه، ولم يكن ثمة مجال للتعليق أيضا، ولا التحدث عن نتائج خطب لا ريب أنه كان ضربة للإسلام ولمطامع الخلافة ومشاريعها. وإذا استثنينا بعض الروايات الأندلسية التي كتبت عن الموقعة في عصر متأخر، والتي نقلناها فيما تقدم فان المؤرخين المسلمين يتفقون جميعا في هذا الصمت والتحفظ. وهذه طائفة من أقوالهم وإشاراتهم الموجزة: قال ابن عبد الحكم وهو من أقدم رواة الفتوح الإسلامية واقرب من كتب عن فتوح الأندلس ما يأتي: -

стр. 1429

في الأدب العربي نابغة من شعراء مصر الخشاب الشاعر للأستاذ محمد كامل حجاج هذا النابغة الذي سأحدثك عنه كان ثاني النيرين وأحد الفرقدين في عصره اذ لم يكن لهما ثالث يجاريهما في حلبة القريض، أو يدانيهما في مضمار الأدب. ولقد خان الحظ شاعرنا في عصرنا هذا حتى أصبح نسيا منسيا لدى الجمهور ولو انه معروف بين الخاصة من الطبقة الراقية في الأدب. ولقد جنت عليه المطابع المصرية إذ لم تنشر ديوانه، وطبعته مطبعة الجوائب بالأستانة مع مجموعة كبيرة أصبحت نادرة جدا. خدم الحظ البهاء زهير فطبع ديوانه في أوربا ومصر عدة طبعات بيع بعضها بقرشين حتى انتشر وحفظ منه الفقهاء والمنشدون والمغنون كثيرا وغنوه في الحفلات حتى شاع وملأ الأصقاع مع أنه لا يذكر بجانب شاعرنا المترجم به. وكان ثاني النيرين العالم العلامة والشاعر المجيد الذي ضرب بسهم في مختلف العلوم والفنون الشيخ حسن العطار شيخ الجامع الأزهر. وقد ارتحل عن مصر وقت هجوم الفرنسيين عليها وتجول بين ربوع الشام واشقودره، ولما آب من رحلته مازج المترجم به وخالطه، ورافقه ووافقه، فكانا كثيرا ما يبيتان معا ويقطعان الليل بأحاديث أرق من نسيم السحر، وكثيرا ما كانا يتنادمان في دار صديقهما الحميم الوفي الشيخ الجبرتي ويطرحان التكلف ثم يتجاذبان أطراف الكلام فيجولان في كل فن جولة، وكانت تجري بينهما منادمات أرق من زهر الرياض، وافتك بالعقول من الحدق المراض، وهما حينئذ فريدا عصرهما، ووحيدا مصرهما لم يعززا بثالث في ذاك الوقت. كان والد المترجم به نجارا ولما راجت صناعته فتح مخزنا لبيع الأخشاب بجانب تكية الكلشني بالقرب من باب زويلة، وأرسل ابنه إلى الكتاب لحفظ القرآن، ثم طمحت نفسه إلى طلب العلم فذهب إلى الأزهر ولازم حضورالسيد علي المقدسي وغيره من أفاضل الوقت فانجب في فقه الشافعية والمعقول بقدر الحاجة، وشغف بمطالعة الأدب والتاريخ والتصوف

стр. 1430

حتى أصبح نادرة عصره في المحاضرات والمحاورات واستحضار المناسبات. ولدماثه أخلاقه، ولطف سجاياه، وكرم شمائله، وخفة روحه صحبه كثير من أرباب المظاهر والرؤساء والكتاب والأمراء وكبار التجار يقول لنا الجبرتي إن شاعرنا السيد الشريف أبا الحسن إسماعيل ابن سعد بن إسماعيل الوهبي الحسيني الشافعي كانت له قوة استحضار في إبداء المناسبات حسبما تقتضيه حال المجلس، فكان يجالس ويشاكل كل جليس بما يدخل عليه السرور ويأسر لبه بلطف سمره ومنادمته الجذابة الخلابة ولما دخل الفرنسيون مصر عين المترجم له محررا لتاريخ حوادث الديوان وقرر له الجنرال جاك منو في كل شهر سبعة آلاف نصف فضة. علق المترجم به شابا من رؤساء كتاب الفرنسيين وكان جميل الصورة لطيف الطبع عالما ببعض العلوم العربية ويحفظ كثيرا من الشعر، فلتلك المجانسة في الميول، مال كل منهما إلى الآخر حتى كان لا يقدر أحدهما على مفارقة صاحبه، فكان المترجم له تارة يذهب إلى داره وطورا يزوره هو ويقع بينهما من لطيف المحاورةما يتعجب منه، وهو الذي نفح الشاعر بهذه النفحات العظيمة والغزل الفائق. لم يزل المترجم به على حالته ورقته ولطافته مع ما كان عليه من كرم النفس والعفة والنزاهة والولع بمعالي الأمور والتكسب وكثرة الإنفاق، وسكنى الدور الواسعة، وكان له صديق يسمى أحمد العطار باب الفتوح توفي فتزوج شاعرنا امرأته وهي نصف، وأقام معها نحو ثلاثين سنة ولها ولد صغير من زوجها المتوفى فتبناه ورباه ورفهه بالملابس وأشفق عليه إشفاق والد بولده، ولما ترعرع زوجه وأقام له مهرجانا فخما، وبعد سنة من زواجه مرض اشهرا أنفق فيها كثيرا من المال عليه، ثم قضى الغلام نحبه فجزع عليه جزعا شديدا وأقام له مأتما عظيما، واختارت أمه دفنه بجامع الكردي بالحسينية ورتبت له رواتب وقراء واتخذت مسكنا ملاصقا لقبره أقامت به نحو الثلاثين سنة، وهي مداومة على عمل الشريك والكعك بالعجمية والسكر وطبخ الأطعمة للمقرئين والزائرين كل جمعة على الدوام، وشاعرنا طوع أمرها في كل ما طلبته. وكان كل ما وصل إليه من مال أو كسب ينفقه عليها وعلى أقاربها وخدمها لا لذة له في ذلك حسية ولا معنوية. لأنها في ذاتها عجوز

стр. 1431

شوهاء وهو نحيف ضعيف الحركة جدا، ومرض بحصر البول مع الحرقة والتألم وطال عليه حتى لزم الفراش أياما ثم توفي في يوم السبت ثاني الحجة سنة ١٢٣٠ بمنزله الذي استأجره بدرب قرمز، وُصلي عليه في الأزهر في مشهد حافل ودفن عند ابنه المذكور بجامع الكردي. وقد اهتم الشيخ حسن العطار بجمع ديوان الخشاب في حياته سنة ١٢٢٧ لإعجابه الشديد برقته وبلاغته وسمو خياله، أي قبل موته بثلاث سنين، ويؤيد ذلك التاريخ الذي وضعه ناسخ الديوان محمد صالح الفضالي الواقعي المصري إذ انتهى من نسخه في يوم الأحد ١١ شوال سنة ١٢٢٧. وقد عاش المترجم بعد جمع ديوانه ثلاث سنين، ولا يبعد انه نظم فيها شيئا ليس بالقليل، ولأنه لم يترك عقبا امتدت يد الشتات إلى نظمه الأخير. لا نعرف بالضبط التاريخ الذي بدأ فيه بمعالجة القريض. وأقدم تاريخ في ديوانه سنه ١٢٠١ يؤرخ به ميلاد ابن أبي الأنوار السادات، ومن ذلك يعلم انه مكث يقرض الشعر أكثر من ثلاثين سنة طرق الشاعر عدة أنواع من الشعر وهي الغزل والخمريات والمدح والرثاء والتهاني والوصف والموشحات والأدوار. وإن القينا نظرة عامة في شعره وجدناه صادق الوصف منسجم السياق رشيق الأسلوب يحسن اختيار الالفاظ، موسيقي الأوزان، خفيف الروح فخم التراكيب، مسلسل المعاني متصلها، ولم نر في جميع ديوانه شيئا من الهجو، وهذا مما يدل على سمو أخلاقه. ولغزله المكانة الأولى ولا سيما ما قاله في صديقه الفرنسي الذي سبق الكلام عنه، فانه يتأجج بعنيف العواطف والصراحة في القول ورقة التعبير ورشاقة الوصف. ومن أرق قوله فيه: أدرها على زهر الكواكب والزهر … وإشراق ضوء البدر في صفحة النهر وهات على نغم المثاني فعاطني … على خدك المحمر حمراء كالجمر وموه لجين الكأس من ذهب الطلا … وخضب بناني من سنا الراح بالتبر وهاك عقوداً من لآلي حبابها … فم الكأس عنها قد تبسم بالبشر إلى أن قال في آخر القصيدة::

стр. 1432

وفوق سنا ذاك الجبين غياهب … من الشعر تبدو دونها طلعة البدر ولما وقفنا للوداع عشية … وأمسى بروحي حين جد السرى يسرى تباكي لتوديعي فأبدى شقائقا … مكللة من لؤلؤ الطل بالقطر وقال فيه أيضا: علقته لؤلؤي الثغر باسمه … فيه خلعتُ عذاري بل حلا نسكي ملكته الروح طوعا ثم قلت له … متى ازديارك لي أفديك من ملك فقال لي وحميا الراح قد عقلت … لسانه وهو يثني الجيد من ضحك: إذا غزا الفجَر جيشُ الليل وانهزمت … منه عساكر ذاك الأسود الحلك فجائني وجبين الصبح مشرقة … عليه من شغف آثار معترك في ُحلة من أديم الليل رصَّعها … بمثل أنجمه في قبة الفلك فخلتُ بدراً به حفت نجوم دجى … في حندس من ظلام الليل محتبك وافى وولى بعقل غير مختبل … من الشراب وستر غير منهتك ومن أروع ما قال فيه موشحه الذي عارض فيه موشح الشيخ حسن العطار الذي مطلعه: أما فؤادي فعنك ما انتقلا … فلم تخيرت في الهوى بدلا (فأعجب). وهذا الموشح الذي يسيل رقة ورشاقة مخمس ومرفل. قال ﵀: يهتز كالغصن ماس معتدلا … أطلعَ بدراً عليه قد سدلا (غيهب) ريم يصيد الاسود بالدعج يسطو بسيف اللحاظ في المهج يزهو لعيني بمظهر بهج فكيف أبغي بحبه بدلا … وليس عنه جار او عدلا (مهرب) وضاح نور الجبين أبلجه وردي خد زها توهجه اليه شوقي يزيد لاعجه فلست أصغي عذلا … وعنه والله لا أتوب ولا (أرغب) ألمي شهي الرضاب واللعس

стр. 1433

يزري غصون الرياض بالميس يختطف اللب خطف مختلس لو يحل الخصر نبتني أسلا … من رام يوما اليه أن يصلا (يحجب) قطع قلبي بحبه إربا وصد عني فلم أنل إربا أواه أواه منه واحربا! أصلي فؤادي بخده وقلا … وذبت وجداً به ولي قتلا (فاعجب) مجوهر الثغر يلفط الدررا بدمي فؤادي وخده نظرا علّم عيني البكاء والسهرا فانهل دمعي كالوبل وانهملا … بالدم خدي عندما هطلا (خضب) مولاي رفقاً بصبك الدنف قد كدت أقضي عليك من أسف تلاف روحي فقد دنا تلفي من ريقك العذب اروني انتهلا … وهات كأسي وطف بها ثملا (واشرب) راحا سناها يضيء كاللهب تبسم عن رطب لؤلؤ الحبب عطر مازج ثغرك الشنب بين رياض ومسمع غزلا … على المثاني إذا شدا رملا (اطرب) والورق من حسن صوتها الغرد تميل قضب الرياض بالميد وتوج الدوح لؤلؤ البرد تاجاً من الدر نظمه كملا … فكن من اللهو سالكاً سبلا (وادأب) ومن درر نظمه خمريته: أدر السلاف على صدى الألحان … ودع العذولَ بجهله يلحاني

стр. 1434

واستجل بكر الراح في ظل الربى … بين الرياض تزف والعيدان شمس لها من فوق خد مديرها … شفق الصباح إذا بدا الفجران نور ولكن من سنا لآلائها … في الخد نارُ فؤادها الولهانِ نار لها في وجنتيه وكفه … لهب به أعشو إلى النيران من كف معتدل القوام كأنه … قمر يلوح على غصين البان نشوان من سكر الشباب يهزه … من خمر فيه وراحه سكران ومهفهف ماء الحياء بوجهه … يزري بهي شقائق النعمان إلى أن قال: ليث العرين له تلفت جؤذر … يفتر عن در على مرجان متلأليء تحت الشعور جبينه … كحسامة في غيهب الميدان عربي لفظ أعجمي المنتمى … هندي لحظ صائل بيمان غصب النجوم فصاغهن أسنة … وبفيه نظمها عقود جمان والقصيدة طويلة والجزء الغزلي فيها يرجع إلى صديقه الفرنسي. ومن الطف قوله قصيدته التي يمدح بها السادات وصلتك واضحة الجبين المسفر … من بعد طول تمنع وتستر قامت فخالست ازديارك قومها … وتربصت سحراً هجوع السمر وأنت ترنح كالغصين أماله … نفس الصبا وتجر فضل المئزر هيفاء يخجل لحظها وقوامها … بيض الصفاح وكل لدن أسمر ما أنس لا أنسى ليالي وصلها … بين الرياض وحسن نغم المزهر إلى أن قال: من سادة ورثوا النبي وجاهدوا … في دينه حق الجهاد الأكبر من خير بيت من ذؤابة هاشم … من معشر أكرم به من معشر والقصيدة طويلة. ومن أروع شعره قصيدة فقد مسودتها وراجعه فيها الشيخ حسن العطار فذكر له منها أحد عشر بيتا من وسطها ونسي الشاعر مطلعها وآخرها.

стр. 1435

ولرب ليل قد أبيتُ بجنحه … أطوى هضاب فدافد ووهاد بأغر أجردٍ ضامر لكنه … جلد العزائم عند كل جلاد متعودا وطء الأسّنة في الوغى … متجشما في الروع هول طراد ظن السيوف جداولاً وعوامل … المران أغصان النقا المياد إلى أن قال: متقلدا عَوَض السيوف عزائمي … متسربلا بدل الدروع فؤادي حتى بلغت أخا السماحة والندى … وابن السراة السادة الأجواد لقد فات الجبرتي أن يخبرنا عن ارتباط شاعرنا بعصر المماليك قبل دخول الفرنسيين وفترة الأربع سنين التي تولى الحكم فيها ولاة الأتراك، والعصر الذي عاشه في عهد ساكن الجنان محمد علي باشا. وللمترجم له من النثر بعض مراسلات وتقاريظ مسجعة كعادة أهل عصره ﵀ رحمة واسعة وألهم المصريين تخليد ذكره وإعلاء شأنه.

стр. 1436

من طرائف الشعر غرام الشعراء الغيرة للشاعر الوجداني الأستاذ احمد رامي. من رواية ينظمها بهذا العنوان في هذا الموضوع (في دار الولادة بنت المستكفى بقرطبة. الشاعر أبو الوليد احمد بن زيدون يزور الدار أول مرة في صحبة صديقه أبي حفص بن برد. بعد التعارف والتفاهم تحتفل الولادة بقدوم ابن زيدون فتدعو القيان. بعد الرقص والعزف يقبل الوزير ابن عبدوس في رفقة نديمه خليفة لزيارة الولادة جريا على عادته) ابن عبدوس: وقد سمع آخر الغناء مخاطبا خليفة. مطبل وزامر … فمن يكون الزائر؟ خليفة: أحسبها توقعت … حضورنا نسامر وهذه تحية … ترسلها المزاهر أدخل فقد طاب الهوى … بما يحب الخاطر ابن عبدوس: (قد اجتاز الباب ورأى ابن زيدون) من أرى؟ الولادة: (مقدمة اليه) هذا ابن زيدون ابن عبدوس: وما لي أراه شارد اللب حزين! قد عرفناه طروباً ينثني … مرحا عند سماع العازفين ابن زيدون: (في لهجة حازمة) وأراني ربما أحزنني … من صدى الاوتار شدوٌ أو رنين ابن عبدوس: (في شئ من السخرية)

стр. 1437

هذه حال الذي أودى به … لاعج الأشواق أو مسُّ الجنون ابن زيدون: نعم أهوى ولا أخفي غرامي … ومن شرف الهوى أني صريح وأما إن سئُلت من اصطفتي … سكتّ فما استرحت وما أريح ابن عبدوس: ومن لك أن تقول صفا هواها … وقلب الغانيات مدى فسيح ابن زيدزن: وغّرك من عهد ولآدة … سراب تراءى وبرق ومض أراك تفوقْ سهم النضال … وترسلها لو أصبت الغرض! ولادة: وما هذا التراشق بالأحاجي … وما هذا التوثب للهجوم؟ أرى عينيكما رمتا شرارا … وأخشى النار ترعى في الهشيم! (بعد صمت) ألم يجمعكما سبب متين … على حفظ المودة والأخاء؟ ابن زيدون: وألفنا على الإخلاص عرشاً … نفدّيه ونخلص في الفداء ابن عبدوس: وهل أخلصت للعرش المفدى … وقمت على الرعاية والولاء؟ وأنت العمرَ تقضيه هباء … صريع الكأس أو خِلْبَ النساء ابن زيدون: خسئت فان لي الِقْدح المعلى … إذا خفّ الرجال إلى العلاء تأسس ملك قرطبة وقامت … دعائمه وكانت من بنائي وناولت ابن جهور صولجانا … على جنباته تجري دمائي ابن عبدوس: ومن بين الممالك لا يبالي … بهدم العرش أو هدّ اللواء

стр. 1438

ولادة: كفى ما قلتماه فان داري … مراح الشعر أو مغدى الغناء تباعَدَ نازلوها عن حوارٍ … يجر إلى القطيعة والعداء ومالي والسياسة وهي بحر … أتُّي الموج مربدّ السماء طغت أنواؤه فهوت بأهلي … وطاحت بالرفاق الأوفياء (بعد صمت) يا خليليّ أما كان لنا … نُدْحة عن ذلك القول الهراء! ابن زيدون: قد تحداني ولادة: وماذا قال لك؟ ابن زيدون: قال إني أصرف العمر هباء ابن عبدوس: بل تصدى لي ولادة: وماذا قال لك؟ ابن عبدوس: قال يغويني سراب في سماء ولادة: وهل الدنيا سوى أخيلة … من ظلام اليأس أو نور الرجاء وهل الأيام إلا ساعة … ينعم القلب بها حيث يشاء خلّياناالذي فات ولا … تذكرا الماضي إذا الماضي أساء وِصلا حبل التصافي واعلما … أن هذي الدار نادي الأصفياء ابن زيدون: (في لهجة المعاتب) درجنا مع الود منذ الصبى … وكانت رباه لنا ملعباً وألفنا أمنيات الشباب … زهت كوكباً وسمت مطلباً ومرت بنا عاديات الزمان … فكنا على غدره قُرَّبا ابن عبدوس: ومالك أنكرت مني الوفاء … وقد ذقته صافيا طيباً؟ ولادة:

стр. 1439

حنانيكما لا تطيلا الملام … ولا تسألا القلب من أذنبا بدت جفوة بين نفسيكما … ومرَّت كلمح شهاب خبا وما أجمل الود بعد العتاب … وأبقى الصديق إذا أعتبا! (تدخل عتبة وصيفة الولادة) عتبة: سيدتي! ولادة: ماذا جرى؟ عتبة: رسول ولادة: لمن؟ وممن ذلك الرسول؟ عتبة: من صاحب الأمر إلى الوزير ولادة: (في حيرة) أي الوزيرين عني الأمير؟ ومن يكون حامل الرسالة؟ عتبة: المكَّرى حاكم المدينة. ابن عبدوس: (في لهجة المتشفي) أحسبني أمنية ابن جَهْوَر … أتأذنين لي بلقيا المكري؟ يا خليفة! خليفة: أنا يا مولاي ما بين يديك ابن عبدوس: عد إلى الدار سريعاً … ربما احتجت اليك (ينصرف خليفة في شيء من اللؤم) إغفري لي أني أسأت إليكم … بحضوري فجاءة وذهابي نازعتني اليك نفسي فأقبلت … على خلوة من الأحباب لم أكد اقرأ التحية حتى … نالني منكم رشاش السباب (ينصرف ابن عبدوس غاضبا) ابن زيدون: هل تبينت كيف نمت عليه … نظرة الحقد في العيون الغضبان وسمعت الذي يعبر عما … ينطوي في ضميره المرتاب

стр. 1440

شهر الحرب عامدا وتصدى … يرسل اللوم في سياق العتاب ثم ولي يقول نحن بدأنا … هـ ولم نرع حرمة الآداب
следующие страницы →