← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

من طرائف الشعر غرام الشعراء الغيرة للشاعر الوجداني الأستاذ احمد رامي. من رواية ينظمها بهذا العنوان في هذا الموضوع (في دار الولادة بنت المستكفى بقرطبة. الشاعر أبو الوليد احمد بن زيدون يزور الدار أول مرة في صحبة صديقه أبي حفص بن برد. بعد التعارف والتفاهم تحتفل الولادة بقدوم ابن زيدون فتدعو القيان. بعد الرقص والعزف يقبل الوزير ابن عبدوس في رفقة نديمه خليفة لزيارة الولادة جريا على عادته) ابن عبدوس: وقد سمع آخر الغناء مخاطبا خليفة. مطبل وزامر … فمن يكون الزائر؟ خليفة: أحسبها توقعت … حضورنا نسامر وهذه تحية … ترسلها المزاهر أدخل فقد طاب الهوى … بما يحب الخاطر ابن عبدوس: (قد اجتاز الباب ورأى ابن زيدون) من أرى؟ الولادة: (مقدمة اليه) هذا ابن زيدون ابن عبدوس: وما لي أراه شارد اللب حزين! قد عرفناه طروباً ينثني … مرحا عند سماع العازفين ابن زيدون: (في لهجة حازمة) وأراني ربما أحزنني … من صدى الاوتار شدوٌ أو رنين ابن عبدوس: (في شئ من السخرية)

стр. 1437

هذه حال الذي أودى به … لاعج الأشواق أو مسُّ الجنون ابن زيدون: نعم أهوى ولا أخفي غرامي … ومن شرف الهوى أني صريح وأما إن سئُلت من اصطفتي … سكتّ فما استرحت وما أريح ابن عبدوس: ومن لك أن تقول صفا هواها … وقلب الغانيات مدى فسيح ابن زيدزن: وغّرك من عهد ولآدة … سراب تراءى وبرق ومض أراك تفوقْ سهم النضال … وترسلها لو أصبت الغرض! ولادة: وما هذا التراشق بالأحاجي … وما هذا التوثب للهجوم؟ أرى عينيكما رمتا شرارا … وأخشى النار ترعى في الهشيم! (بعد صمت) ألم يجمعكما سبب متين … على حفظ المودة والأخاء؟ ابن زيدون: وألفنا على الإخلاص عرشاً … نفدّيه ونخلص في الفداء ابن عبدوس: وهل أخلصت للعرش المفدى … وقمت على الرعاية والولاء؟ وأنت العمرَ تقضيه هباء … صريع الكأس أو خِلْبَ النساء ابن زيدون: خسئت فان لي الِقْدح المعلى … إذا خفّ الرجال إلى العلاء تأسس ملك قرطبة وقامت … دعائمه وكانت من بنائي وناولت ابن جهور صولجانا … على جنباته تجري دمائي ابن عبدوس: ومن بين الممالك لا يبالي … بهدم العرش أو هدّ اللواء

стр. 1438

ولادة: كفى ما قلتماه فان داري … مراح الشعر أو مغدى الغناء تباعَدَ نازلوها عن حوارٍ … يجر إلى القطيعة والعداء ومالي والسياسة وهي بحر … أتُّي الموج مربدّ السماء طغت أنواؤه فهوت بأهلي … وطاحت بالرفاق الأوفياء (بعد صمت) يا خليليّ أما كان لنا … نُدْحة عن ذلك القول الهراء! ابن زيدون: قد تحداني ولادة: وماذا قال لك؟ ابن زيدون: قال إني أصرف العمر هباء ابن عبدوس: بل تصدى لي ولادة: وماذا قال لك؟ ابن عبدوس: قال يغويني سراب في سماء ولادة: وهل الدنيا سوى أخيلة … من ظلام اليأس أو نور الرجاء وهل الأيام إلا ساعة … ينعم القلب بها حيث يشاء خلّياناالذي فات ولا … تذكرا الماضي إذا الماضي أساء وِصلا حبل التصافي واعلما … أن هذي الدار نادي الأصفياء ابن زيدون: (في لهجة المعاتب) درجنا مع الود منذ الصبى … وكانت رباه لنا ملعباً وألفنا أمنيات الشباب … زهت كوكباً وسمت مطلباً ومرت بنا عاديات الزمان … فكنا على غدره قُرَّبا ابن عبدوس: ومالك أنكرت مني الوفاء … وقد ذقته صافيا طيباً؟ ولادة:

стр. 1439

حنانيكما لا تطيلا الملام … ولا تسألا القلب من أذنبا بدت جفوة بين نفسيكما … ومرَّت كلمح شهاب خبا وما أجمل الود بعد العتاب … وأبقى الصديق إذا أعتبا! (تدخل عتبة وصيفة الولادة) عتبة: سيدتي! ولادة: ماذا جرى؟ عتبة: رسول ولادة: لمن؟ وممن ذلك الرسول؟ عتبة: من صاحب الأمر إلى الوزير ولادة: (في حيرة) أي الوزيرين عني الأمير؟ ومن يكون حامل الرسالة؟ عتبة: المكَّرى حاكم المدينة. ابن عبدوس: (في لهجة المتشفي) أحسبني أمنية ابن جَهْوَر … أتأذنين لي بلقيا المكري؟ يا خليفة! خليفة: أنا يا مولاي ما بين يديك ابن عبدوس: عد إلى الدار سريعاً … ربما احتجت اليك (ينصرف خليفة في شيء من اللؤم) إغفري لي أني أسأت إليكم … بحضوري فجاءة وذهابي نازعتني اليك نفسي فأقبلت … على خلوة من الأحباب لم أكد اقرأ التحية حتى … نالني منكم رشاش السباب (ينصرف ابن عبدوس غاضبا) ابن زيدون: هل تبينت كيف نمت عليه … نظرة الحقد في العيون الغضبان وسمعت الذي يعبر عما … ينطوي في ضميره المرتاب

стр. 1440

شهر الحرب عامدا وتصدى … يرسل اللوم في سياق العتاب ثم ولي يقول نحن بدأنا … هـ ولم نرع حرمة الآداب

стр. 1441

يوم التل للأديب فخري أبو السعود . . . وبعد فاني مرسل إليكم قصيدة نظمتها لمناسبة ذكرى الاحتلال الإنجليزي الذي يصدر عدد الرسالة القادم في مثل يوم ابتدائه بالقاهرة ١٥ سبتمبر وقد اعتاد الكثير من المصريين الاستحياء لذكرى يوم التل الكبير لأن الهزيمة أصابتنا فيه، والأسف لذكرى الثورة العرابية لأن الاحتلال الإنجليزي أعقبها، حتى قال شوقي بك في بعض ما قال: ولو أن يوم التل يوم صالح … لحماسة لجعلته إليادي وقد نظمت قصيدتي قصد القضاء على توهم العار في هذه الذكريات، وإبراز مواضع في تلك الحوادث والوقائع. وأقل ما في تلك الذكريات من مواضع الفخار أن الثورة كانت أول مظهر صحيح للقومية المصرية التي تنبهت في العصر الحديث، وأن موقعة التل كانت أول معركة قام بها جيش مصري صميم بالدفاع عن أرض مصر، وان المصريين فيها كانوا ينازلون أكبر قوة استعمارية عرفها التاريخ، وأن الإنجليز لم يطمئنوا إلى منازلة المصريين ولم يحرزوا عليهم النصر الا بعد أن استعانوا بكل حيلة. أعد ذكر ماضي النيل للجيل منشدا … فما أعذب المجد الأثيل مرددا وكم مفخر للنيل باق مخلد … إذا ذكر الأقوام فخرا مخلدا نتيه بماضينا القديم تفاخراً … وأحر بأن يروى الحديث فيحمدا ولم أر يوم التل عابا وسبة … ولم أره الا أغر ممجدا أنخجل ان قمنا نذود عن الحمى … ويسحب أذيال الفخار من إعتدى؟ تدفق من عبر المحيط مهدد … فما حفلت آباؤنا من تهددا أبو أن يدينوا للغالب عن يد … وتلقى مصر في الحوادث مقودا وقالوا شباة السيف دون عدونا … وإن يك عرض البر والبحر أيدا إباء تليد المجد قر له رضى … وقر له عظم الفراعين ملحدا وما شهدوا من قبلها عهدهم … بني مصر جميعا ينهدون إلى العدى فلما رآى سنوح فريسة … أقام زماناً دونها مترصدا

стр. 1442

ترامت على الثغر الأمين رجومه … تناصب عزلا في المدينة قعدا أثار عليهم مائج البحر مرغياً … وصب عليهم مارج النار مرعدا تهاوى له الانقاض أيان يرتمي … وتنتثر الاشلاء في حيث سددا تمازج لونا النار والدم عندها … وفار لهيب النار بالدم مزبدا ولم يألها حتى كساها غلائلا … من النار حمرا في السموات صعدا ولم يثنه في الشرق والغرب ضجة … لأمر أقام الأرض هولاً وأقعدا منى نالها فلتندب الأرض حسرة … على العدل ولتبك السماء تلددا رأت أمم في الشرق والغرب أمة … يجار عليها جهرة وتعمدا تعاقب أن قامت تحطم قيدها … وتبعث تاريخا قديما وسؤددا وتوأد حرياتها وحقوقها … ليحكم الاستعمار فيها معربدا ولما أحال الثغر جحرا مخربا … تقدم يبغي مستراداً ومهتدي فأبصر من دون السبيل بواسلا … جثيا على هام المسالك رقدا تصدى إليهم كرة بعد كرة … فأصلوه نيرانا فآب مبددا فيا من رأى أبناء مصر إذا انبروا … إلى غول الاستعمار صفا مجردا على حين ماجت خيله وسفينه … ولم يبصروا في الشرق والغرب مسعدا يساقونه كأس الحِمام وأهله … بمصر كرام في مراح ومغتدى فلما رأى وعر الطريق ولم يجد … كما ظن نهجا حيث سار معبدا تسلل من شرق البلاد محاذرا … هزيمته في الغرب أن تتجددا ومال إلى الأعراب والختل طبعهم … يريد لدى القوم اللصوص مؤيدا جرى تبره فيهم وسالت سفينه … تمزق عهداً للقناة مؤكدا وساق على الأحرار بالتل سفلة … أتى بهم من كل فج وأعبدا خميس يسير العار في خطواته … وتتبعه الأوباء في حيثما اهتدى كفته خيانات اللئام عدوه … وما بث من جند الفساد وأرصدا ولولا جنود الإثم تدفع دونه … لما مد رجلا للقتال ولا يدا كذلك كانت في السياسة حاله … وفي الحرب لم يبلغ به النبل مقصدا

стр. 1443

وما نال إلا بالجريمة مغنما … ولا سل إلا في الظلام مهندا وأقبل يزهو بانتصار وإنه … لخزي له يبقى على الدهر سرمدا خصيمك أنقى في الهزيمة صفحة … وأكرم في ظلم الحوادث محتدا وزاد عروس الشرق في تاج ملكه … يتيه بها فخراً ويخطر سيدا رويدك لا تحمد مقامك بيننا … ولا تحسبنه ما أقمت ممهدا كما جئت في داج من النحس قائم … سترجع في داج يغشيك أسودا وأنحى على الأحرار يسكب مقته … وقد كاد يسقيهم بجهلته الردى ومن أحرق العذراء يوما تشفياً … فليس بمستثن مسناً وأمردا فأرهق بعض في السجون مكبلا … وفرّق بعض في البلاد مشردا سلام وريحان أبوتنا على … ثراكم سلاما ما يزال مجددا سلام على من قد تصلوا بنارها … وخاضوا لظاها فإثماً متوقدا سلام على من مات في حومة الوغى … ومن مات في قاص من الأرض مبعدا سلام على قيل تولى زمامها … أعف الورى قصداً وأنقاهم يدا أصاب بها نجحا فلما كبا بها … وأدركه منها العثار تجلدا وذيد عن الأوطان عشرين حجة … يبيت على شوق إليها مسهدا جريرته أن رام مصر عزيزة … وشاء لها أن تستقل وتسعدا ورام لها من طغمة الترك معتقا … وبعدا لعهد الترك أشأم أنكدا لتحيا كما تحيا الشعوب طليقة … بعصر يعاف العبد فيه التقيدا ستذكره مصر الفتية ما ابتغت … لدى الحق عهداً أو لدى المجد موعدا عسى ذكرنا رغم الهزيمة أحمدا … سيبعث فينا للغنيمة أحمدا

стр. 1444

في الأدب الشرقي من الأدب التركي الحديث احمد حكمت بك كان الأدب التركي القديم يرسف في اغلال الجمود ويقطع مراحل النهضة بتأخر وبطئ. فظهر أحمد حكمت بك ورفاقه أمثال توفيق فكرت، خالد ضيا، جناب شهاب الدين وغيرهم ممن احيوا الأدب التركي القديم، وكسروا قيود التعصب، وأغلال البطء، وأظهروا للناس تنائج أفكارهم وثمرات عقولهم التي اقتبسوها من المغرب، وألبسوا الأدب ثوبا جديدا بنشرهم المقالات الأدبية الطريفة ونظمهم القطع الشعرية الظريفة. ولكن اضطر هؤلاء أن يقفوا حينا بنهضتهم، ويخفضوا قليلا من أصواتهم، أمام جور السلطان عبد الحميد وظلمه. وما ظهرت شمس الدستور على يد مدحت باشا حتى قام أصحابنا بنهضتهم وشرعوا يتمون مشروعهم. يعتمد أحمد حكمت بك في كتابته على الحس أكثر من الخيال، أسلوبه رقيق، ومعانيه سهله، وأفكاره متينة. أكثر كتبه حافلة بالقصص والحكايات. يسعى حين الكتابة لإظهار حقيقة ما يكتب، وهو على عكس رفيقه خالد ضيا، قليل التكلف والصنعة. ولقد صور الأدب الغربي بصورة توافق لغته وبيئته. وله مؤلفات عديدة ومن أهم آثاره كتاب (خارستان وكلستان). وهذه قطعة من منثوره المثبوت بين كتبه القيمة، فان فقدت جمال الأسلوب وروعة الصنعة فجمال المعنى محفوظ على ما أظن: ساعةَ خَلْقَ الكَونَ كانت جلبة وقرقعة في ديجور الظلام الخانق، وكان انقلاب وانفجار وسط الغيوم السوداء المزبدة الحواشي تحيط بذلك الفضاء الواسع. وكانت الرياح تعصف، والأحجار تسيل. واللهب تنشر حرارتها وتذيب الصخر والجلمود. وكانت الجبال تنقلب والبحار تفرغ وتمتلئ، والغيوم تنفجر وتنشق فتولد المئات والألوف من النجوم التي تسبح في الفضاء كما تسبح اليراعات في الظلمات الحالكة، تارة تذوب. وأخرى تتصادم ثم تنعزل في ناحية من الفضاء اللانهائي. كانت الأمواه تعلو وتنخفض، تغلى وتزبد حول تلك اللهب المتعالية

стр. 1445

والنيران المتأججة. والكائنات تدور. . . . نعم كانت تدور. . . . وكانت طوائف الملائكة المكلفة بتنظيم الأرض تطير وتنتقل من طرف إلى آخر، منها من تمسك المياه المتجمدة من حوافيها، وتدفع الجبال بأرجلها، وترتب النجوم بأيديها، وتعيد الأنهار إلى فراشها، ومنها من كانت تجر (الدب الأكبر) من ذنبه، وتقود (برج الحمل) من قرنه. والكائنات تدور. . . . نعم كانت تدور. . . . بين تلك الغيوم والنجوم والدخان واللهيب كان ملك ضحى بنفسه يطير بسرعة البرق خلف كوكب جميل مضيء، خلف (الزهرة) الشاردة. وبينما يعيدها إلى محورها الأول وقع فوق الصخور الملساء على أثر صدمة قوية كانت سببا في فقده رشده. ولما استفاق من إغمائه سقطت دمعة من عينه انحدرت فوق الصخرة. لقد رأى الخالق الأعظم هذه التضحيات، ووافقته هذه الخدمات، فأراد الا تضيع ذكرى هذه الدمعة فخلق الرجل الأول (آدم). كانت دورة الأرض تنتظم قليلا قليلا، فالأنهار نامت في فراشها والبحار هدأت في أحواضها، والنجوم انتظمت في محاورها والبراكين خمدت في أماكنها. وكانت الشمس في كل يوم تبعث الحياة على اليابسة. وكانت الرياح بين آونة وأخرى تساعد الشمس في بعث الجمال والحياة وتطرية هذه الكائنات. وكانت بذور الورود تنتثر من الآفاق وباقات زهور الحب تساقط من الغيوم، وذرات النجوم المتناثرة في تلك القبة الزرقاء تشكل مروجا من زهور البابونج (باباتيه) وحاشية من حواشي قوس قزح تبدو للناظر ذيل طاووس بهيج. وقد وجدت هذه البدائع لتكون مكافأة للملائكة على جهودهم وخدماتهم. وكانت الحور يتمتعن من هذا الجمال والتجديد، تارة يسرن وأخرى يطرن، يسمعن أغاريد الطيور، ويبتهجن من أريج الزهور، ويتراكضن نحو ظلال الأشجار مرحات طربات، وكانت أجملهن وأصغرهن، وأتعبهن جالسة وسط زهرة فتحت صدرها وأوراقها لأشعة الشمس لتشعر بهذا الجمال اكثر من رفيقاتها، ولتتذوق هذه الحلاوة قبل صويحباتها. وهي كجميع المخلوقات تنتظر ظهور المعجزة برشفها أشعة الشمس المشرقة بشفتيها وعينها.

стр. 1446

بدا نور وجمال في شفتي تلك الحورية على اثر رؤيتها في كل عصفور ريشة منيرة، وفي كل زهرة لونا جديدا وفي كل شجرة ثمرة حلوة. كان هذا النور وهذا الجمال (الابتسامة الاولى). وقد رأى الخالق الأعظم هذه التضحيات ووافقته هذه الخدمات فأحب أن تدوم ذكرى هذه الابتسامة فخلق منها المرأة الاولى (حواء). وانتهى بذلك خلق الكون.

стр. 1447

في الأدب الغربي في ساحة علبين لأناتول فرانس رأيت نفسي فجأة في ديار خيم عليها ظلام وهبب صامت، برزت فيه صور وأشباح مبهمة ملأتني خوفا ورعبا، ولقد ألفت عيني بعد حين حلكة الظلام ورأيت بجانب نهر تنساب مياهه في هدوء شبح إنسان رهيب المنظر على رأسه قلنسوة أسيوية، ويحمل على كتفه مجدافا عرفت فيه أوديسيوس الخادع، وكان خداه غائرين وقد غطت ذقنه لحية بيضاء شعثاء سمعته يقول بصوت خافت ضعيف: إنني جوعان، وأحس بعيني مظلمتين ونفسي كأنها دخان ثقيل يسبح في الظلام؛ ألا من يعطيني جرعة من الدم الأسود لأستعيد ذكرى سفني المنقوشة وزوجتي الطاهرة وأمي! فلما سمعت هذه الكلمات عرفت إنني قد انتقلت إلى بقاع الجحيم، فحاولت أن أسترشد في خطوي بأوصاف الشعراء ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وذهبت إلى مرج قد أضاءه نور ضئيل. وبعد مسير نصف ساعة انتهيت إلى رهط من الأطياف قد اجتمعت في صعيد واحد وأخذت تتطارح الحديث وهي تضم نفوسا من كل عصر، فرأيت بينها الفلاسفة العظام بجانب الهمج الفقراء، ولقد اختبأت تحت ظلال شجرة من أشجار الريحان، وأنصت إلى حديثهم، فكان أول من سمعت (بيرهون) وهو يسأل في رقة وتوسل وقد أمسك بيديه قدومه كأنه بستاني بحق: ما هي النفس؟ فأجابته الأطياف التي حوله باهتمام وكلها يريد التكلم دفعة واحدة. قال أفلاطون وفي عينيه نظرة الرجاحة: ان النفس ثلاث، فلنا نفس نهمة في البطن، ونفس محبة في القلب، ونفس عاقلة في الرأس. والنفس خالدة، أما النساء فلهن نفسان وتعوزهن النفس العاقلة. فرد عليه شيخ من أعضاء مجلس ما كون قائلا: انك تتكلم يا أفلاطون كمن يعبد الأوثان، ففي سنة ٥٨٥ قرر مجلس مكون بكثرة الأصوات اعتبار المرأة ذات نفس خالدة، والمرأة هي الرجل لأن المسيح الذي ولد من عذراء يدعى في الإنجيل بابن الرجل.

стр. 1448

فهز أرسطو كتفيه ورد على أستاذه بلهجة الحزم والوقار قائلا: من المرجح عندي يا أفلاطون إن لنفس الإنسان والحيوان خمسة أنواع: النفس الغذائية، والنفس الحساسة، والنفس الدافعة، والنفس الشهوانية، والنفس العاقلة؛ والنفس هي العنصر الذي يتكون منه الجسم، فإذا أهلكت هلك بهلاكها وطرحت آراء أخرى كل واحد منها يعارض الآخر أوريجن: ان النفس مادية وهي شئ رمزي سنت أوجستين: كلا، ليست النفس مادية وهي خالدة هيجل: إن النفس ظاهرة طبيعية شوبنهور: ان النفس مظهر وقتي للإرادة رجل من بولينيزا: إن النفس هي نفس الريح، ولما رأيت أن نفسي صاعدة ضغطت على أنفي لأحفظها داخل جسدي، ولكنني لم أستطع أن أضغط الضغط الكافي فمت. امرأة هندية: من فلوريدا: لقد قضيت نحبي وأنا في مهد طفلي، فوضعوا يده على شفتي ليمسك نفس أمه من الصعود، ولكن جاء هذا متأخرا فقد انسابت نفسي بين أصابع الطفل البريء ديكارت: لقد أثبت أخيرا ان النفس كانت شيئا معنويا، أما عن مصيرها فارجعوا إلى الأستاذ ديجي الذي كتب في هذا الموضوع. لامتري: أين ديجي هذا؟ أحضروه. مينوس: أيها السادة سأبحث عنه في كل بقاع الجحيم، البرنس ماجتاس: عندنا ثلاثون دليلا على فناء النفس، وستة وثلاثون على خلودها، فهناك أكثرية ستة أصوات بجانب الخلود صانع أحذية: إن روح السيد الشجاع لا تموت لا هي ولا غدارته ولا غليونه رابي ميمونديس: لقد كتب من قديم ان الرجل الشرير سيبيد ولن يبقى منه شيء سنت أوجستين: انك مخطئ يا رابي ميمونديس، فقد كتب إن المذنب سيذهب إلى النار وسيخلد فيها أبدا. أوريجين: نعم إن ميمونديس مخطئ، فالرجل الشرير لن يبيد ولكن سيتقلص حتى يصبح

стр. 1449

ضئيلا جدا فلا يمكن تبينه، ويجب أن تعلم هذا ممن حلت بهم لعنة الله، أما عن نفوس القديسين فسيكون نصيبها الامتزاج بالله دنس اسكوتس: إن الموت يجعل الكائنات تمتزج بالله مرة اخرى كأنها صوت يغيب في الهواء بوسويه: ان أوريجن ودنس اسكوتس يخطئان هنا، فأن ما روي في الكتب المقدسة عن عذاب الجحيم يجب أن يفهم بمعناه الدقيق الحرفي، وهو أن الأشرار سيظلون أبدا تتنازعهم الحياة والموت، وسيخلدون في العذاب لأنهم سيبقون أقوياء لا يموتون، وضعفاء لا يحتملون، ولن يبرحوا يئنون على مقعد من النار مغمورين في مض من الألم لا شفاء لهم منه. سنت اوجستين: نعم يجب أن نفهم هذه الحقائق بمعناها الحرفي، ونعلم أن أجسام الأشرار هي التي ستعذب في النار، ولن ينجو من هذا العذاب الشديد الأطفال الذين يموتون عند ولادتهم، أو حتى في بطون أمهاتهم، فهكذا قضت العدالة الإلهية، فإذا رأيت أنه يتعذر عليك تصديق أن الأجسام التي تلقى في النار لن تهلك أبداً فهذا نتيجة الجهل المحض، فأنت لا تعلم أن هناك أنواعاً من اللحم تحفظ في النار كلحم الديك البري، وقد جربت هذا في هدهد، إذ هيأ لي طاه أحد هذه الطيور وخصص نصفه لغذائي، وبعد أسبوعين طلبت النصف الآخر فكان لا يزال صالحا للأكل، فظهر لي أن النار حفظته كما ستحفظ أجسام الأشرار. سمنجالا: إن كل ما سمعته من أنواع الفلسفة إلى الآن مظلم كظلام الغرب الدامس، والحقيقة أن الأرواح تحل في أجسام مختلفة قبل أن تمتزج بالنيرفانا المباركة التي تضع حداً لشرور الحياة، فقد حل (جوتاسا) في خمسمائة وخمسين شكلا قبل أن يصير (لودا) فكان ملكاً ثم عبداً ثم قرداً ثم فيلاً ثم ضفدعة ثم شجرة من أشجار الدلب وهكذا قسيس: إن الناس يموتون كما تموت دواب الحقل، ومصيرهم كمصيرها، وكما يموت الناس تموت البهائم أيضا، وكلاهما يتنفس هواء واحدا وليس للناس شئ لا تملكه البهائم. تاسيتوس: ان هذا الكلام يكون مقبولا مفهوما لو نطق به يهودي خلقت نفسه للعبودية، أما أنا فاني أتكلم كروماني فأقول: إن أرواح الوطنيين المشهورين لا تفنى ويجب أن نؤمن بذلك إيمانا صحيحا، ولكننا نتهم عظمة الآلهة إذ نحسبها تهب الخلود لأرواح العبيد

стр. 1450

والعتقى. شيشرون: وا أسفاه يا بني أن كل ما يروون لنا عن بقاع الجحيم انما هو نسيج من الاباطيل، وأني لأسأل نفسي أهناك طريق آخر يكفل لي الخلود الا ذكر عهد قنصليتي الذي سيبقى إلى الأبد؟ سقراط: أما أنا فاني أومن بخلود الروح، فهو فرصة يحسن انتهازها، وأمل يعلل به كل إنسان نفسه فكتور كوزان: يا عزيزي سقراط إن خلود النفس الذي أوضحته بجلاء لا بد منه للأخلاق والآداب، لأن الفضيلة موضوع مناسب للحطباء، ولو لم تكن النفس خالدة لما كان للفضيلة ثواب. سنيكا: واعجبا يا فيلسوف الغالي! أهذه مبادئ رجل حكيم؟ ألا فاعلم أن جزاء الأعمال الصالحة هو في تأديتها وإلا فجزاء تثاب به الفضيلة يكون غريباً عن الفضيلة ذاتها. أفلاطون: ولكن هناك ثواباً وعقاباً إلهياً، فعند الموت تصعد روح الرجل الشرير لتحل في جسم حيوان حقير كحصان أو عجل بحر أو امرأة، أما روح الحكيم فتمتزج بالآلهة. باببنيان: إن ما يعني أفلاطون هو أن العدل الإلهي سيتولى في الحياة الأخرى إصلاح أخطاء العدالة الإنسانية، والأمر على النقيض من ذلك، فخير للأفراد الذين أصابهم في الدنيا عقاب لا يستحقونه، قضى عليهم به قضاة معرضون في الواقع للزلل برغم جدارتهم بمناصبهم وخبرتهم بالقضاء، أن يظلوا يقاسون الآلام والعذاب في عالم الأرواح، وهذا ما تعني به العدالة الإنسانية التي قد يضعف من شأنها أن تضعها إلى جانب الحكمة الإلهية. قزم: ان الله يحسن إلى الأغنياء ويسيء إلى الفقراء، لأنه يحب الأولين ويبغض الآخرين، ولحبه الأغنياء سيرحب بهم في جنانن، ولبغضه الفقراء سيصليهم بناره. صيني بوذي: اعلم ان لكل إنسان نفسين: إحداهما خيرة وهي التي ستمتزج بالله، والأخرى شريرة وهي التي سيحل بها العذاب. عجوز من تارنت: أيها الحكماء أفتوا شيخا يحب البساتين، هل للحيوانات نفس؟ ديكارت دماليبرانش: كلا، انها آلات أرسطو: بل هي حيوانات ولها نفس مثل ما لنا، وهذه النفس تتصل بأعضائها

стр. 1451

ابيقور: أجل يا أرسطو لقد كان مما مهد لها سبيل سعادتها وهناءتها ما بين نفسها ونفسنا من شبه، فكلتاهما قابلة للفناء معرضة للموت. أما أنت أيتها الأطياف فانتظري في هذه الحدائق الوقت الذي تفقدين فيه الحياة نفسها وبؤسها مع الرغبة فيها ولا الولوع بها، ولتريحوا أنفسكم بالتأمل والتفكير في هدوء لا يكدر صفوه مكدر. بيرهون: ما الحياة.؟ كلود برنارد: الحياة هي الموت فسأله بيرهون قائلا: وما الموت؟ فلم يجبه أحد، واختفت الأطياف في سكون كأنها سحاب يفر من الرياح وحسبتني تركت وحيدا على العشب حتى لمحت منيبوس وقد عرفته بابتسامته التهكمية فقلت له: كيف تتحدث هذه الجماعة عن الموت يامنيبوس كأن لم يكن لها به عهد؟ وكيف يجهلون مصائر الإنسان كأنهم ما زالوا على الأرض. قال لا ريب أن هذا يرجع إلى أنهم ما زالوا إنسانيين وفانين إلى حد ما، فإذا ما ولجوا باب الخلود فلن يتكلموا ولن يفكروا، إذ سيصبحون كالآلهة. حنفي غالي

стр. 1452

العلوم النسل للدكتور احمد زكي منذ شهرين قامت ضجة في بلد من بلدان أوربا الوسطى وصل اضطرابها إلى أطراف العالم الحي. ذلك أن حكومة ذلك البلد قاضت جماعة من الأطباء قاموا بطريقة منظمة على تعقيم كل ذَكَر لا يرغب في الانسال، أو أنسل ولم يعد له رغبة في المزيد، أو له رغبة في المزيد تأباها عليه الضائقة الحاضرة، بثت هذه الجماعة دعايتها بين الفقراء من العمال والفقراء من الزراع، ولم تكن غايتها الكسب، فان أجرة العملية كلها على ما أذكر كانت جنيهين ونصفا في ذلك أجرة الطريق أو أجر السفر، وانما كانت غايتها منع النسل عن غير القادرين على رعايته، وتجويد نوع المواليد بالإقلال منهم، على قاعدة أن المائة من الجنيهات قد تنفق على اثنين وقد تنفق على أربع، ولكن إن هي أتتك في الحالة الأولى برجلين فهي تأتيك في الحالة الثانية بأربعة أنصاف من الرجال، وحيث أن الدنيا ضاقت بالعدد الذي لا يجد عملا، فأولى بالناس أن ينصرفوا عن العدد إلى الجودة، وعن الكم إلى الكيف. ولكن الحكومة التي رفعت الدعوى عليهم رأت أن في العدد سلام الدولة، وان للكم الغلبة بين الأمم. ومهما يكن من رأي هؤلاء أو أولئك فالذي نريد أن نسجله دعوى جديدة تدعيها هذه الرفقة، وهي أنهم يقطعون بمشرطهم حبلا فيقطعون ما بين الرجل وذراريه، ثم يصلون بملقط ما قطعوه، فيعود الرجل إلى إنتاجه القديم. ونريد أن نسجل أن بهذا المشرط ولا سيما بالملقط ستحدث أحداث غريبة في العالم ستأتي على رغم الكراهات وبرغم القوانين ولو أبطأت بها الأيام الإنتاج من قديم فخر الرجل والعقم عاره، ولكن كان هذا والأيام تسير الهوينى والأرزاق كأنها تتنزل من السماء على أنفس قنوعة راضية، أما المدنية الحاضرة مع بوائقها وضوائقها وانعدام العصبية الأسرية فيها إلى حد كبير، فلا تكاد تبقي للإنسان فخارا بخلف أو عاراً من عقم، ولا سيما عقما لا يذهب بمشاعر الحيوانية من الإنسان، دليل ذلك أن الكثيرين يتعقمون اختيارا، وفي مصر من هؤلاء عدد يذكر تعقموا في وضح النهار على سمع الناس وأبصارهم. ولكنهم مهما كثروا قليلون إلى جانب من يرغبون في حبس النسل

стр. 1453

أو تقليله، ولكن تأبى نفوسهم وتثور حفائظهم وتقشعر أبدانهم أن تنتزع الرجولة منهم وتقتل الذكورة فيهم، أما الآن وقد وعد الطب بوصل ما يقطع، فلم تعد الرجولة تنتزع ولا الذكورة تقتلع، وانما يقطعان إلى وصل، ويطويان إلى نشر، وفي هذا من الأغراء ما فيه. ومن الممتع اللذيذ للعالم الاجتماعي أن يتابع عن كثب هذا الأثر الجديد للمشارط والملاقط في حياة الأسر، وطاقات الطوائف والأمم، فهما أداتان للخير والشر على السواء، لابد من ضبطهما بأيدٍ مسئولة، ولا سبيل إلى تركهما لأهواء الأفراد طيلة انتسابهم إلى مجتمع منتظم هم من نتاجه واجتمعت الجمعية الطبية البريطانية اجتماعها السنوي في (دبلن) من أسابيع قليلة عقب الثائرة التي أثارتها تلك القضية، فرأينا أصداءها تتردد حتى في هذه القيعان، فقد قام جماعة من الأطباء ذوي اسم ومكانة ينصحون بتدخل الجمعية في تحديد عدد السكان في الجزر البريطانية وإباحة تلك العملية واتخاذها أداة لمنع الأضرار الاجتماعية التي تتسبب في الأوساط الفقيرة عن ارسال حبل الإنسان على غاربه، ولا سيما في مناطق التعدين حيث الفقر مدقع والبطالة لا أمل في العثور على علاج لها لا في الحاضر ولا في مستقبل الأيام. وقامت معارضة هادئة الا أنها من صنف المعارضات التي تنجح وتتلقاها آذان السكسونيين دائما بالقبول. قام معارض فقال: إن للمسألة وجوها غير طبية، فلها وجه اجتماعي ووجه آخر خلقي، وليس الطبيب بأهل ان يبحث في الاجتماع أو أن يرسم للناس كيف يتخلقون. وقام طبيب الملك فقال: إن من أنجع الطرق في وقف سير حركة جديدة أو تعطيل اعتناق الناس لمذهب طريف، أن تتدخل فيه بالعنف الرسمي، سواء أكان ذلك بتحكيم القانون أم بتقرير جماعة مسئولة كجماعتنا هذه. كل حركة جديدة أو مذهب طريف، لابد أن يتأهل له الناس. وما التقنين الا صياغة لرغبة عامة وتتويج لإرادة شاملة، فلندع جمهور الأمة يفكر في صمت، في المجالس الخاصة وبين فترات العمل، في راحة ما بعد الغداء، أو اضطجاعة ما بعد العشاء، وفي أثناء التروض على الحشيش الأخضر أو على رمل الساحل، أعطوا الجمهور الزمن ليفكر. ولا تسبقوا أحداث الوجود، فعندئذ يأتيكم هذا الجمهور يطلب منكم النصيحة، وعندئذ تعطونه إياها نصيحة ناجعة سهلة، تصل بكم إلى الغرض بسرعة كبيرة تعوضكم عن الإبطاء الذي كان لابد منه لتفكير الناس واقتناع

стр. 1454

الجماهير، وكان هذا فصل الخطاب. أما في ألمانيا الهتلرية فقد جرى النقاش في الموضوع وتقرر القرار وصيغ القانون في ليلة وضحاها. والواقع أننا لم نكد نسمع الا بالقانون وقد صدر، وهو يضيء بالتعقيم الإجباري لكل مريض بمرض يمكن توريثه. وعددوا تلك الأمراض فكان منها ضعف العقل وبعض صنوف الجنون والصرع والتشنج المفصلي والعمى والصمم الموَّرثان، وكل عاهة يمكن توريثها، وكذلك إدمان المسكرات إذا بلغ حد المرض. وتنصب لجان للتقرير عن حالة المرضى. وللمريض أن يستأنف، فأن قضى الاستئناف بالتعقيم أنفذ بالقوة في مصحات الحكومة. وتقع نفقة كل هذا من قضاء أو تعقيم على أولي الأمر، ويتعهد كل من يتصل بشيء من ذلك بالتكتم والتستر حتى لا يعرف من تعقم. لم يسمح القانون بإجراء العملية على الأصحاء لأسباب اجتماعية مهما كانت تلك الأسباب. ونسمع انهم سيخرجون في القريب العاجل قانونا خاصا بتعقيم المجرمين. هذه البداية، ولسنا ندري ما النهاية. حرموا النسل على المرضى لخير المجتمع. أو لما يرون فيه خير المجتمع، وفرضوه على الأصحاء لخير المجتمع كذلك أو لما يرون فيه الخير للمجتمع. والروح السارية في هذا كله تقضى بالتضحية بالحرية الفردية لصالح الجماعة، وهي روح تلتئم مع روح العصر المَكنَّى فالجماعة مَكَنَة والأفراد قِطَعها، فهي إن دارت تدور بسرعات مختلفة وفي اتجاهات متباينة، ولكنها جميعا متناسقة متوافقة، تؤدي إلى نتيجة محتمة واحدة. هي دوران المكنة على الدوام وبانتظام. فان شذت قطعة من القطع عن ذلك كان مصيرها رُكام القمائم. لندن في ١٧ أغسطس.

стр. 1455

دائرة المعارف الإسلامية (ألفها كبار المستشرقين في ثلاثين عاماً، ونقلها إلى اللغة العربية لفيف من خريجي الجامعة المصرية، وكتب الشروح والتعليقات والردود أعلام الفكر في مصر والعالم العربي) دائرة المعارف الإسلامية أوفى المراجع للباحثين في الإسلاميات ويعرف المطلعون على ما ظهر من أجزائها أن الكثير من فصولها قد جمع إلى سعة العلم ودقة البحث حسن الطريقة والإرشاد إلى المصادر المعتمدة قديمها وحديثها على وجه يستحق الإعجاب كله والثناء، ولقد همت من قبلكم طائفة من أهل العلم أن تعرب هذا الأثر العظيم فتخاذلت هممهم دونه على عرفانهم لجليل نفعه وتقديرهم لما يعود على النهضة العملية عندنا من فائدة. أما أنتم فيسعدكم شباب في عنفوانه وشوق إلى الدرس والمجد يحده الذكاء ويمده الأمل ويمده فوق ذلك كله الإخلاص في العلم والإخلاص في العمل. مصطفى عبد الرزاق. أستاذ الفلسفة الإسلامية بالجامعة المصرية. في رأيي أن هذا عمل جليل تستحقون عليه الثناء لأني أرى من الواجب الاطلاع على آراء المستشرقين وغيرهم من الأجانب في الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية فما كان منها صحيحا تقبلناه بقبول حسن وما كان مخالفا للدين أو للحقائق التاريخية رددنا عليه وبينا خطأه ليكون القوم على بينة من أمرنا وليعرفوا ديننا وتاريخنا حق المعرفة وليعلموا أن بيننا رجالا قادرين على الرد عليهم إذا أخطئوا وعلى إرجاعهم إلى الحق إذا زاغوا. عبد المجيد اللبان. شيخ كلية أصول الدين بالجامعة الأزهرية أما وقد شرعتم بنقل (معلمةالإسلام) فالعمل عظيم والفائدة محققة. والواقع أن هذه المعلمة من أجمع ما كتب على بلاد الإسلام ورجاله في هذا العصر. . . وفي المعلمة من المقالات الجيدة ما لم يكتب بالعربية حتى اليوم مثل مقالات الكرد، القبط، مصر، الهند، بلاد العرب، المقوقس، مسجد، منبر، محراب الخ. ومن البلاد التي وصفت والرجال الذين ترجم لهم ما يتعذر إيجاد مصادر له في الشرق العربي. محمد كرد علي. رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق

стр. 1456

أنه لعمل جدير بالتقدير والإعجاب عمل لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية المقدمة على إخراج هذا السفر الجليل إلى اللغة العربية. وإني أترقب باكورة هذا العمل المجيد كما يرقب الصائم هلال العيد. يوسف رزق الله غنيمة. وزير مالية العراق سابقا. إذا كانت أمم الشرق الأدنى نامت نوما عميقا في القرون المتأخرة فها هو ذا صبحها أخذ يتنفس وطفقتم أيها الأبناء البررة تبنون بالعلم ما هدم الجهل من مجد قديم تعيدون سيرة آبائكم الأقدمين بإشراق شمس المعارف الإسلامية بعد غروبها. وإن في ترجمة دائرة المعارف الإسلامية القيام بثلاثة واجبات واجب ديني وواجب وطني وواجب مدرسي لمعهدكم الشريف. طنطاوي جوهري

стр. 1457

القصص إلى الواحات الخارجة جنة الصحراء الغربية (وجزيرة الناعمين) في عرف قدماء المصريين للأستاذ محمد ثابت ولا تكاد تفتح عين جديدة الا رأيت آثار الرومان فيها فيجددون حفرها. والعين ملك لمن جد في البحث عنها وقام بتطهيرها، ويساهم كل فيها بنسبة ما بذل من مجهود ومال، وعلى هذه النسبة يستنبت جزء مما جاورها من الأرض، والحكومة لا تتقاضى الضرائب على مساحة الأرض المنزرعة فالناس أحرار يزرعون ما أرادوا منها، لكن الضريبة تجبى على طاقة العين بغض النظر عما يزرع حولها. فإذا ما ظهرت عين جديدة تشكل لجنة حكومية ثم يسوى مكان عند منفذ العين توضع في نهايته عارضة خشبية بعرض القناة فتعترض الماء الذي يطغى عليها ويتدفق فوقها ثم يقاس عمق هذا الماء فوقها وبحسب غزارته تقدر قوة العين قيراطا أو بعض قيراط والضريبة نصف جنيه عن كل قيراط، ومن العيون ما هو أقل من قيراط ومنها ما يبلغ عشرات القراريط. وفي ناحية باريز أكبر عيون الواحات وقوتها من ٥٨ إلى ٦٠ قيراطا، ويقال انها وحدها تستطيع ري مئات الفدادين، لكن أصحابها لا يستطيعون استغلالها كما يجب، لذلك تجمع من مائها الفائض مستنقع يمتد عشرات الكيلومترات كثر به البط والطير المائي، ولذلك يقصده الكثير وبخاصة الموظفين للهو والصيد. وتقسيم ماء العين بين الشركاء عجيب أيضا، فان كان الملاك ثلاثة قسموا القناة الخارجة من منفذ العين ثلاثة أقسام، يجب أن تكون متلاصقة خيفة تبدد الماء بالرشح فيجري نصيب كل مالك إلى أرضه التي يشترط أن تكون مجاورة لأرض باقي الشركاء، وألا تزيد متراً واحدا عنهم، ويجب أن يزرع الجميع نوعا واحدا من الغلات، وإذا لم يسعف ذاك التقسيم كل حقل قسموا الري بالساعات، ففلان يروي عددا من الساعات مناسبا لنصيبه، وبعد ذلك يجيء دور صاحبه، وهكذا وإذا أقبل المساء وقف الري خيف على الماء الدافق من التبديد

стр. 1458

لذلك يرسل الماء إلى مستودع فسيح يدخر فيه إلى الصباح حين يروي الشركاء منه على النظام السالف إلى أرضهم المنخفضة عن مستوى ذاك المستودع، والأراضي حول العيون مدرجة الانحدار كي يصبح الري ممكنا، وكثيرا ما كنت أرى المجاري المتقاطعة يسير فيها الماء بعضه فوق بعض مسافات طويلة كل يستمد من عين خاصة به وكلما مضت السنون على العين ضعفت لكثرة ما يتجمع حولها من رمال فيعاد تطهيرها، وكثيرا ما تقارب العين النضوب او ينفذ ماؤها، والعادة انه كلما خرج نبع جديد أغاض ماء غيره أو أنضبه. واهم الزراعات: الأرز عماد غذاء الأهلين وهو صغير الحب أسمر اللون لكنه ألذ طعما من رزنا، وهو في الطبخ ينتفخ فيزيد حجمه كثيرا، ولعل أكبر مميزاته محصوله الوفير فمتوسط غلة الفدان بين ٢٠و٣٠ أردبا، وفي الأرض الجيدة يغل أربعين، على أنه يمكث في الأرض سبعة شهور، ولعل جودة ذاك المحصول العجيب راجعة إلى كثرة الجهد الذي يعانيه القوم في خدمته، فزراعته تتطلب عناء عظيما من ذلك: بلّ البذور بالماء الساخن وبذرها ونقل النبت وهو صغير من بؤرة في الأرض إلى غيرها وتلك العملية تتطلب المثابرة حتى يقارب النضج، أضف إلى ذلك استئصال الطفيليات، وفي الشهر السابع يبدأ الحصاد وخلال كل أولئك ينشر الفلاح السماد على الأرض أولاً من روث البهائم، وأخيرا من فضلات المراحيض، فتراهم جميعا يوالون رمي رماد (الفرن) في مرحاض البيت كل يوم وإذا ما انتهى العام جمع كل ذلك سمادا قويا يعاون على إنبات الأرز. وكلما حسنت الخدمة زاد طول السنبلة فحوت بين ٩٠و١١٠ حبة وضوعف المحصول وقد يبلغ الخمسين أردبا ولذلك يجري على ألسنتهم جميعا المثل القائل: (قل زرعك وأكرمه). وبعد تمام ري الأرز ينصرف الماء إلى المنخفضات لاستخدامه في ري القمح وهو الغلة التي تزرع بعد الأرز في الأرض الجيدة وحولها في الأراضي الرديئة يزرع الشعير ومحصولهما محصول أرض الريف. ولما كانت زراعة الأرز أساسية ومدته طويلة وهو يتطلب ريا مستديما كثرت لذلك النقائع أغلب العام، فعاون ذلك على نشر البعوض وبخاصة في أغسطس وهدد بالملاريا التي كثيرا ما تنتشر هناك، ولذلك حاولت الحكومة منع زراعته والاستعاضة عنه بالأرز

стр. 1459

السبعيني لقصر مدته، ولما جربه القوم أنكروه بتاتا وذلك لقلة محصوله. وكم أعجبت بنزعة القوم إلى التعاون في جل أعمالهم! ففي الزراعة مثلا لا يلجأون إلى إستئجار العمال خصوصا في موسم الحصاد؛ بل ترى فريقا يتنقل بكامل عدده إلى حقل الفريق الثاني وينجزون أعمال الحصاد متعاونين، وهؤلاء يقومون بدورهم في معاونة الفريق الأول إذا حل ميعاد العمل في منطقتهم، وتلك طريقة اقتصادية تبعث على العمل بنشاط وسرعة لا تتوافر في المأجورين، والناس هناك هادئو الطباع معروفون بالأمانة حتى أن صاحب النزل كان يترك الفندق مفتوحا بغير حراس رغم وحشة الليل وبعد المكان عن المدينة لأنه واثق أن ليس بين الناس من يحاول السرقة غذاؤهم ومشربهم: وعماد القوم في الغذاء الأرز يأكلونه مسلوقا ويضع الفقير عليه الزيت والغني المسلى وأحيانا يدق الزيتون كله ثم ينخل ويخلط سائله الزيتي الأسمر بالأرز فيكسبه لونا أسود وطعما لذيذا، وكثيرا ما يطبخ الأرز باللبن والملح. والأرز أساس وجبة الإفطار في الصباح والعشاء مساء. وهذه أهم الوجبات لديهم. يطهى في أوان كبيرة من الفخار أو النحاس. أما الخبز فلطعام الغذاء وهي أقل الوجبات أهمية يتناولونها في الحقول خارج بيوتهم. ومن أشهر الأشياء لديهم الشاي والسكر والطباق. فهم يبتاعونها بالغلال عند بدء حصدها، والتجار يختزنون تلك الغلال ليبيعوها للقوم ثانية إذا نضب معينها عندهم ولقد أسرفوا في تلك العادة حتى قيل أن الشاي أتلف كثيرا من صحتهم ومالهم لأنهم إذا شربوا عمدوا إلى الماء المغلي فصبوه على الشاي الذي يشغل بين نصف القدر (الغلاية) وثلثيه لذلك يصبح منقوعه أسود غليظا ثقيلا ويتناوله حتى صغار الأطفال. وتتكرر تلك العملية في مجلس الشاي ثلاث مرات، والناس يتناولون الشاي أربع مرات في كل يوم: عقب الأكلات الثلاثة مباشرة، والمرة الرابعة عند الأصيل، ولا يروقهم الشاي الخفيف قط، لذلك ترى الواحد منهم يضع قطرة منه على ظفره ثم ينكسه فان سقطت نفر منه ولم يشربه فهو لا يستملحه الا إذا حاكى العسل الاسود، والعجيب انهم يحلون ذلك بمقادير كبيرة من السكر. وأذكر أني أخذت صورة عجوز وناولتها قرشا فرجتني أن اشتري لها به بعض الشاي والسكر بدل النقود وأرسلت صبيها ليحمل ذلك إليها.

стр. 1460

وأجمل مناظر الواحة تتجلى في بساتينها اليانعة تحيط بها أسوار وطيئة من الطين تحفها من أعلاها قحوف النخيل وتتخللها أبواب من الجريد صغيرة وبين تلك البساتين تمتد الطرق وتنساب قنوات الماء الدافق من العيون المجاورة، وأعظم غلات البساتين البلح والمشمش وكذلك البرتقال وهو من أحسن الأنواع حجما وطعما. ومن أخطر ما يعانيه القومطغيان الرمال على البيوت والبساتينوالينابيع، لذلك تراهم يحتالون لمقاومتها، فالعيون يقام حولها بناء أسطواني، أو في زاوية مدببة حتى لا يتجمع الرمل خلفها ويطمرها. ويغلب أن يزرعوا خلفها صفا من الشجر وبرغم ذلك يغلبهم الرمل، وكلما أحاط بالشجر أو النخل استمر هذا في نموه السريع وعلا حتى إذا ما بلغ نهاية نموه طمرته الرمال فاختفى وعندئذ يهاجر القوم إلى ناحية أخرى، وكثيرا ما حدث ذلك في ناحية (جناح) من بلدانهم، وقد يطغى الرمل على البيت فأن قارب نهاية علوه فتح صاحبه في جداره بعض النوافذ فيتسرب الرمل إلى داخل البيت ويسده ثم يبني الرجل طابقا جديدا فوق الأول ليسكنه، وقد يتكرر ذلك إلى الطابق الخامس والسادس. وقص علي القوم أنه حدث مرة أن سيدة في المكس من قرى باريز أنامت طفلتها داخل البيت ولما عادت وجدت الرمال قد تسربت من ثقب فوقها فطمرتها وماتت. وهناك بعض الكثبان الزاحفة على المدينة قاس الناس سرعة تقدمها فكانت متراً في كل شهر. ومن الحشرات المخيفة هناك العقارب، فهي توجد بكثرة مروعة على أن ضررها قليل ويظهر أن سمها أخف من سم العقارب التي في بلاد الصعيد، وفي بعض القرى هناك كالمكس لا تكاد ترفع قطعة من الطوب الا وترى أسفلها قد افترش بالعقارب، لذلك ترى الأهلين جميها إذا اقبل الليل خرجوا إلى كثبان الرمل العالية وأمضوا ليلتهم فيها ولا يجرؤ أحدهم أن يدخل الدار طيلة الليل خشية لدغاتها ومما هو جدير بالذكر وبالاغتباط ما شاهدته من عناية محافظ الواحات بصوالح الناس، فهو دائما يفكر في خدمتهم وزيارة مواردهم، وقد أنشأ قسما مستحدثا في المدينة طرقه نظيفة مرصوفة تحفها الأشجار، وقد افتتح الطريق إلى أسوان لأول مرة، وعاون على فتح الطريق إلى أسيوط فقطعته السيارة في سبع ساعات وهناك طريق معبد إلى الواحات الداخلة تقطعه السيارات في ست ساعات، وآخر يسير شمالا إلى مرسى مطروح.

стр. 1461

والمحافظ جاد في بناء مسجد فاخر فسيح الرحاب أحاطه بالمنتزهات. والمستمد العام لماء الشرب نبع أحاطته الحكومة بالبناء تتخلله الأنابيب والصنابير وذلك محافظة على نظافة الماء أن تلوثه الأوساخ وتعبث الأيدي، يملأ منه السقاءون قربهم والفتيات جرارهم وهي مستطيلة الشكل كي تحملها الفتيات تحت أذرعهن لا فوق رؤسهن. والأواني من أخص صناعتها، وكذلك ضفر الأطباق والآنية من سعف النخيل يزينه نقش من الوبر والصوف الملون الجميل. ومجهود القسم الطبي هناك عظيم، يقوم الطبيب بالعلاج وبصرف الدواء مجانا ويعالج المرضى في مستشفى كبير زود بأحدث الوسائل وهو في ناحية من المدينة بولغ في تجميلها وتنسيق حدائقها. ذلك بعض ما شاهدته في الواحات الخارجة التي ستظل ماثلة أمامي أذكرها بالخير دائما. ولقد أسفت لأني لم أستطع زيارة الواحات الداخلة التي يقول عنها جيرانها بأنها أعم خيرا وأفسح مدى، سكانها يناهزون ثمانية عشر الفا، أعني ضعف سكان الخارجة وأني لأرجو أن أوفق زيارتها في يوم قريب. محمد ثابت

стр. 1462

بلياس ومليزاند للفيلسوف البلجيكي موريس ماترلنك ترجمة الدكتور حسن صادق مليزاند: بل يتحدث إلي في بعض الأوقات: إنه لا يحبني وقد قرأت في عينيه. ولكنه يبادلني الحديث حين يقابلني في طريقه جولو: لا تحقدي عليه ياميلزاند: إن في طبعه بعض الشذوذ والغرابة. . سيغير الزمن هذا الطبع. . . إنه في معية الصبا وزهرة العمر. . . مليزاند: ليس هذا إياه. . . جولو: إذن ماذا؟ أتعجزين عن رياضة نفسك على السكون إلى الحياة التي نحياها في هذا القصر؟ أحقا انه عتيق معتم يخيم عليه سكون رهيب، والطبيعة حوله حزينة صامتة، والغابات الكثيفة تحجب عنه نور السماء، ولكن الإنسان يستطيع بالإرادة الحسنة أن يألفه ويطمئن اليه. . ابتهلي كل فرصة لإدخال الإنس على نفسك وابتهجي بالحياة كما هي. وتكلمي وأفصحي عن رغبتك. سأسير على حكمك وأقف عند مشيئتك مليزاند: أني لم أر قط السماء صافية. . . لقد رأيتها لأول مرة في هذا الصباح جولو: أهذا هو الذي أبكاك يا زوجي العزيزة؟! أتستخرطين في البكاء لأنك لا ترين السماء؟! كيف ذلك؟! لست في العمر الذي يبكي الإنسان فيه على مثل هذه الأشياء التافهة. . . جاء الصيف أو كاد، وسترين السماء في كل يوم. . . وفي العام المقبل. . . هاتي يدك. . . أعطني يديك الصغيرتين (يمسك يديها) أوه انهما صغيرتان أستطيع سحقهما كما أسحق الأزهار الرقيقة. . . آه! أين الخاتم الذي أعطيتك إياه؟ مليزاند: الخاتم؟ جولو: نعم. خاتم العرس أين هو؟ مليزاند: اعتقد. . أعتقد أنه سقط جولو: سقط؟: أين؟ هل فقد؟ مليزاند: لقد وقع. . ولكني أعرف أين هو جولو: أين؟

стр. 1463

مليزاند: أتعرف الكهف القائم على شاطئ البحر؟ جولو: نعم أعرفه حق المعرفة مليزاند: الخاتم فيه. . . لابد أن يكون هناك. . . نعم أذكر أذكر الآن شيء. ذهبت اليه في هذا الصباح لأجمع بعض القواقع لأنيولد الصغير. . . في الكهف منها أنواع ذات شكل وجمال. . وأثناء ذلك انزلق الخاتم على إصبعي ووقع في البحر. . . وحان وقت رجوعي إلى القصر فغادرت الكهف قبل أن أجد الخاتم. جولو: هل توقنين أنه حيث تقولين؟ مليزاند: نعم. نعم. شعرت به وهو ينزلق جولو: يجب أن تذهبي إلى الكهف للبحث عنه في الحال مليزاند: آوه! الآن؟ وفي الحال؟! ألا ترى الظلام الحالك؟! جولو: اذهبي في الحال وفي هذا الظلام الحالك. أحب إليّ ان أفقد كل ما عندي من أن أفقد هذا الخاتم! انك لا تعرفين قيمته ولا تدرين من أين جاء. . . سيعلو البحر الليلة ويبلغ جدار الكهف ثم يستحوذ على الخاتم دونك. . . أسرعي مليزاند: لا أجرؤ. . . لا أجرؤ على الذهاب وحدي جولو: اذهبي. . . استصحبي معك أي إنسان. . . أسرعي. . . تقدمي إلى بلياس أن يصحبك مليزاند: بلياس؟! أأذهب إلى الكهف مع بلياس؟! ولكنه لن يقبل. . . جولو: سيعمل كل ما تسألين إياه. إني أعرف بلياس أحسن منك، اذهبي وأسرعي. لن أنام حتى استرد الخاتم مليزاند: آوه! لست سعيدة! ما أعظم شقائي (تخرج باكية) المنظر الثالث (أمام كهف. يدخل بلياس ومليزاند) بلياس: (يتكلم وهو مضطرب الأعصاب إلى حد كبير) نعم. إنه هنا. لقد بلغنا غاية السرى. الظلام حالك يحجب عن الأبصار مدخل الكهف، وكأني به قطعة من الليل البهيم. والنجوم لا تطل على هذه الناحية المتلفعة بالظلمة الداجية. فلننتظر حتى يمزق القمر عن نفسه ستر

стр. 1464

هذا السحاب الكثيف، وينير الكهف بأشعته الباسمة، فنستطيع الدخول آمنين. ولا يغرب عن بالك أن من الأمكنة ما هو شديد الخطر، والمستدق ضيق وعمر يقع بين بحيرتين لم يسبر غورهما بشر. . . ولم يخطر ببالي أن أحمل معي مشعلا أو سراجا منيرا. . . ولكني أعتقد أننا سنجد على ضوء مسماء هدى. . ألم تلجي هذا الكهف يوما؟ مليزاند: كلا بلياس: فلندخل. . . يجب أن تملئ عينيك بالمكان الذي فقدت فيه الخاتم كما قلت له ليتسنى لك وصفه إذا سألك عنه. . . إن الكهف كبير فسيح، ورائع بهيج، تموج فيه ظلمات تضرب إلى الزرقة بعضها فوق بعض. وإذا أشعل إنسان فيه مصباحا صغيرا خيل اليه أن القبة مغطاة كالسماء بنجوم وكواكب. . . لا ترتعدي هكذا! خلي عنك الخور فليس هنا من خطر، وسنقف في اللحظة التي يغيب عنا الضوء المنبعث من اليم. ما الذي يفزع جنانك؟ أهو صوت الهواء الضارب في بطن الكهف؟ أتسمعين عجاج البحر خلفنا؟ كأني به غير سعيد الليلة!. . . آه! ها هو ذا النوء!. . (في هذه اللحظة ينير القمر مدخل الكهف وجزء من داخله، ويرى فيه ثلاثة شيوخ بيض الشعور في أسمال بالية، ينامون على الأرض متلاصق ورؤسهم متكئة على صخرة كبيرة) مليزاند: آه! بلياس: ماذا جرى؟ مليزاند: أرى. . . أرى. . . (ثم تشير بإصبعها إلى الفقراء الثلاثة) بلياس: نعم. لقد رأيتهم أنا أيضا مليزاند: هلم نخرج. . . لنذهب من هنا، بلياس: انهم ثلاثة شيوخ نيام استبدت بهم الفاقة. . . لماذا فزعوا إلى الكهف يستعدون فيه النوم على الألم؟ بالبلاد قحط ألم. . . مليزاند: تعال معي نغادر هذا المكان! بلياس: سكني روعك وتكلمي بصوت خافت حتى لا يستيقظ هؤلاء المساكين. . . إنهم ناعمون في نوم عميق. . . تعالي مليزاند:. . . دعني، أفضل المسير وحدي. . .

стр. 1465

بلياس: سنعود في يوم آخر. . . (يخرجان) الفصل الثالث - المنظر الأول: (أحد أبراج القصر تطل احدى نوافذه على طريق مستديرة) مليزاند: (في النافذة تغني وهي تمشط شعرها المرسل) شعري الطويل يتدلى حتى يصل إلى أسفل البرج شعري ينتظر مقدمك مسبلا على الحائط طول النهار أقسم بالقديس دانيال وزميله ميشيل بالقديس ميشيل ومثيله القديس روفائيل إني ولدت حقا يوم أحد يوم أحد عند منتصف النهار (يدخل بلياس من الطريق المستديرة) بلياس: هيه! هيه! مليزاند: من المنادي؟ بلياس: إني بلياس. . . هأنذا. . . ماذا تفعلين في النافذة. وأنت تغنين كطير ليس من هذه الناحية؟ مليزاند: أرتب شعري استعدادا لليل بلياس: أهو هذا الذي أراه على الحائط؟. . . ظننت انه شعاع من نور. . . مليزاند: فتحت النافذة لأن الحر شديد في البرج. . . ما أجمل الجو الليلة! بلياس: أرى في السماء نجوما كثيرة. . . لم أر قط مثل هذا العدد الوفير الذي أراه في هذا المساء! ولكن مالي لا أرى البدر؟. . إنه ما يزال مطلا على البحر. . . ابتعدي عن الظل يامليزاند وانحني قليلا حتى أرى شعرك المحلول (تنحني مليزاند على النافذة)

стр. 1466

الكتب عودة الروح بين العامية والعربية - ١ - أشهد أن الأستاذ توفيق الحكيم مؤلف متعب وكاتب ليس بالسهل ولا باليسير، وما عليك أن لم تلحق غباره أو تلم بجميع نواحيه، ويخيل إلي أنه كقمة افرست الشامخة ترسل إليها البعثات من آن لآن، ويرتادها الرواد من شتى جنباتها يحاولون الوصول إلى ذلك السمو وارتقاء ذلك الارتفاع الشاهق، ويهيئون لذلك الوسيلة ويأخذون للأمر أهبته وعدته، ثم يعودون ليكتبوا عنها المجلدات الضخمة ويضعون في وصفها الأسفار المسهبة. وما يزال أكثرها مجهولا في طي الخفاء، بعيدا عن الثابت من اليقين الذي لا يقبل الشك، وتضيع كل الجهود أمام ذروة هذه القمة هباء أثارت (أهل الكهف) للأستاذ المؤلف ما أثارت، وأوسع لها النقد الرحاب وهتف لها اكبر الكتاب وأئمة النقاد في البلد، وارتفع توفيق الحكيم كالطود الشامخ في مثل لمح من البرق خاطف، وأصبح اسمه ملء الأسماع والأبصار، ولما يقدم الا رواية واحدة أو قل كتابا واحدا من مجموعة ضخمة يخايل بها الناس ويضن عليهم بها. ثم نشر قصته (عودة الروح) فدلت على ناحية جديدة من نواحي كفاية هذا الشاب المؤلف، وعلى معين جديد يغرف منه توفيق الحكيم في حكمة ومهارة. ودقة واستنباط، لست تدري كيف تصفها ولا كيف تصورها، صورتها الحق من الجمال والفن و (أهل الكهف) و (عودة الروح) كتابان جد مختلفين، فالأول قصة قديمة، أو قل أقصوصة دينية صاغها المؤلف في حذق ومهارة وأتى فيها بكل طريف مبتكر مما قدره النقد وجعله يرفع الكاتب لأول وهلة إلى عليين. لأنه لم يكن بد مما ليس منه بد. والثاني شد ما يختلف عن الأول كل الاختلاف ويفترق عنه في جوهره ولبابه، وإن شابهه في تفصيله وحبكه، فعودة الروح قصة مصرية، عريقة في مصريتها، كتبها توفيق الحكيم عن الأشخاص الذين تراهم كل يوم أو تسمع بهم مطلع كل شمس، فقدمهم اليك في صورتهم الحقة التي تعرفها، أو تحسها ولا تكاد تنكرها، بل ما تراها حتى تتعرف إليها وترى فيها الصورة الصادقة التي تتخيلها، وهي ليست الا أشخاصا من صميم المجتمع المصري أدار المؤلف قصته

стр. 1467

حولهم، وقدمهم اليك في لباقة ومهارة ونفث فيهم من روحه القوي المؤاتي. كما نفث في أهل الكهف من قبل، وإذا بهم أحياء يسعون ويتحركون، يتعاطون من ألوان الحياة ويعانون من ضروبها ما يمر بالكائن الحي كل ساعة وكل يوم، فإذا هم ليسوا تصوير المخيلة ولا هم القريحة بل أناس من لحم ودم، محببين اليك، مقربين منك، لأنك لا تجهلهم ولست بالغريب عنهم، بل لطالما رأيتهم وتحدثت إليهم وسمعت من أنبائهم وأخبارهم الكثير، وكل ما هناك أن المؤلف انتزعهم من اللحم والدم وضمنهم كتابا من أسطر وكلمات، ولكن ما نزع منهم الروح ولا حرمهم الحياة، فانهم ليحيون حياة موفورة ناضجة، بل انهم استمتعوا بدنياهم مرتين، مرة في الحياة الحقة ومرة بين جلدتي كتاب. وما ندري أي الحياتين كانت عليهم أجدى ولذكرهم أخلد وأبعد أثرا. على أن (عودة الروح) أثارت لغطا وأثارت نقدا هجاها ونال أو حاول النيل منها. أو قل على الأصح أن لغة (عودة الروح) هي التي أثارت هذا اللغط وأثارت هذا النقد، فما قرأنا حتى اليوم كلمة هجاء أو قدح في الرواية ذاتها، ولعلها فوق أن يتناولها الناقد بالذات، أو أنها تسمو في صميمها عن اللغط، فما كان بد لمن أراد ذلك أن يتناول المظهر ويترك الأصل والجوهر، فلا يطرق بابا يعلم انه لا يستطيع ان يلجه في سهولة ولا في عسر، مهما جهد أو وسعت له الحيلة. على أن هذا اللغط الذي أثارته القصة كان خليقا أن يثير مناحي من التفكير ليست في الحق جديدة، وليست مما لم يتناوله الكتاب بأقلامهم قبل اليوم، ولكنها تعاد اليوم في صورة رحبة فسيحة الجنبات، وتنتهز لها فرصة هي ولا شك أفشل الفرص وأقربها إلى خيبة المسعى، وأدناها إلى قطع الرجاء. وعندي ان أنصار العامية (وما أعرف موقفي منهم على وجه الدقة) ما كانوا يرحبون بفرصة عارضة كهذه الفرصة السعيدة، تثار فيها قضية العامية والعربية من جديد ويكون مثار النزاع ومركز الشجار حول (عودة الروح) قرأت هذه القصة منذ شهرين فما طلعت شمس يوم الا وفي نيتي ان أكتب عنها، وما دخل ليل الا وقد هيأت الورق والقلم، ولكن تمر الأيام والليالي وأنا متهيب أو كالمتهيب أن آخذ في حديث عن هذا الكنز فأغفل عن درة من درره، أو تفوتني جوهرة من جواهره، أو كأني وقد شغلني حديث (أبطال القصة) محسن وسنية وسليم وعبده وحنفي وزنوبة ومبروك

стр. 1468

طوال هذا الزمن. استطبت الحياة مع هؤلاء الأصدقاء الجدد. واستعذبت حديثهم واسترحت إلى ما يعرضون عليّ من قصتهم وحوادثهم، وألوان شخصياتهم الطريفة البديعة، فنسيت معهم كل شي. أو حرصت على هذا النسيان ولم أشأ لنفسي ان أحرمها هذا الحلم الجميل، فطال وطال حتى لم يكن بد من يقظة ولو مؤخرة. وكان لزاما عليّ أن أحدث القراء حديث هؤلاء الأبطال وما وقع لهم بالتمام والكمال. . . ولكن هذا اللغط الذي أثار حول لغة الرواية لم يكن ليمر دون أن يثير، كما قلنا، كثيرا من التأمل وكثيرا من التفكير، وكان أولى أن يتقدم فيه القول قبل ان ندلي برأي او كلمة في القصة نفسها، وإني لأسأل على دهش مني وعجب ليس بالقليل: أيهما أحق بالالتفات والنقد. . . المظهر أم الجوهر؟ الثوب أم لابسه؟ القصة أم لغتها؟ أفهم أن يتناول كاتب قصة، ينقدها ما شاء له النقد، ويمدحها أو يهجوها ما ساء له المدح او الهجاء. وما شاء له ذوقه الشخصي وكفاياته وإطلاعه ومقاييسه الأدبية، أفهم هذا وأستسيغه، وإذا ما انتهى الناقد من القصة ذاتها وشاء ان ينقد لغتها وأسلوبها من حيث اللغة نفسها فلا جناح عليه، بل لعله المقصر إن لم يفعل إن كان من الخبيرين بهذه الناحية المشهود لهم بالإحسان فيها، أما أن أدع القصة جانبا فلا أتناولها بخير ولا بشر، ولا أقول فيها كلمة لينة أو عسيرة، ثم أقفز قفزة، يالها من قفزة، فآخذ بتلابيب المؤلف لأنه كتب بالعامية ولم يكتب بالعربية، فهذا الذي لا يفهم ولا يستساغ ولا يكاد الإنسان يلوكه في فمه ويجد له طعما أو مذاقا أيهما الأصل؟ القصة أم لغتها؟ وأعني اللغة التي كتبت بها القصة كائن حي خارج عن دائرة اللغة لانها أي (القصة) موجودة لها كيانها وذاتيتها كتبت ام لم تكتب، وهذه الحياة التي أحياها أنا وأنت وغيرنا من خلق الله لا يستطيع إنسان (على ما أظن) أن ينكرها، وليست هذه الحياة الا قصة من مئات الملايين من القصص، لا ينقص وجودها ولا يقل من ذاتيتها كتابتها باللغة العامية أو العربية أو الفرنسية أو الإنجليزية أو أية لغة من لغات العالم ولا أستثني الهيروغليفية، فقصة (عودة الروح) ليست الا احدى قصص هذه الحياة التي تزخر بالملايين من شبيهاتها فهل نمحوها من الوجود وننكر الاعتراف بوجودها لأنها لم تلبس لنا ثوب اللغة الفصيحة.

стр. 1469

وما قيمة هذه الحياة (هذه الحياة التي تتمثل في أقصوصة) إذا كنا لا نتعرف إليها ولا نعترف بها الا في اسموكنج أو الفراك؟! فإذا طالعتنا في زيها الحق، في ذلك الجلباب الفضفاض والسروال العريض أنكرناها ومررنا بها سراعا غير آبهين أو ملقين النظر؟ ان في حوانيت الحائكين آلافا من هذه البذلات الأنيقة الموشاة بالحرير والدمقس ولكن يعيينا أن تلمس في طياتها حياة أو في أردانها قصة؟! وما علينا بالله لو عنينا بالقصة في ذاتها فهي ليست مما يستطيعه كل إنسان وتركنا هذه البذلة وهي مما في مقدور كل حائك؟! ما الأصل. . . القصة أم لغتها؟ وندور لنعود إلى سؤالنا الأول. القصة هي الموهبة وهي الخلق، أعني انها نتاج الموهبة وهي الثمرة أي الخلق الذي ينتهي اليه الفنان الموهوب، واللغة اكتساب وتحصيل وأنت واصل بالدرس والمران إلى هذه اللغة ولو طالت الشقة، ولكنك لن توجد من العدم موهبة ولن تخلق من العظام الرميم حياة ولن تهشم رأس إنسان لترفع عقلا سقيما وتضع مكانه عقلا خالقا ولو جهدت ولو استعديت كل قوى البشر، أفما كان الأجدر بك والأمر كما ترى أن تنظر إلى الموهبة لتقدرها قدرها أولاً ثم تنظر بعد ذلك في الاكتساب والتحصيل؟! وهل تحرم على هذا العامي الجاهل يأتيك من عرض الطريق بمحض الفطرة والعقل الخالق بما لا يستطيعه العالم الجهبذ بعد الجهد والإعياء؟! نقول هل تحرم على الأول الخلق لمجرد انه جاءك في ثوبه الطبيعي ولم يحاول أن ينمقه بيد الصناعة؟! وهل تأخذ عليه انه ينبيك الخبر كما وقع ويحدثك بالأمر على لسان أهله كما تحدثوا به؟ لست أتحدث هنا عن مذاهب الفن المتعددة فيما نحن بصدده، وقد أعلم أن الأستاذ توفيق الحكيم قد يحتج بانه ينقل الحياة كما هي ويرد عليه بان الفن ليس في نقل الصور نقلا فوتغرافيا وان يكن لهذا جماله ووقعه، وقد يحتج الأستاذ المؤلف بان أشخاص قصته لم يكن لهم ليتحدثوا غير هذه اللغة التي أراد الحوار عليها لأنها لغتهم الطبيعية، بل ولأن هذه هي اللغة التي تحدثوا بها بالفعل لا أكثر ولا أقل، ويكون من العسير أن تناقش المؤلف في هذا القول، لندع كل هذا الآن ولنحصر الجدل في قضية واحدة فإننا إذا تفرعنا بالقول هنا وهناك ذهب الاصل، واشتبكنا في فروع وفروع للفروع لا نهاية ولا آخر لها، وضعنا وضاع الحق بيننا. وهذه الدائرة التي نريد أن نحصر فيها القول يجمعها هذا السؤال

стр. 1470

ولنكرره للمرة الثالثة ولو أعدناه للمرة الثالثة بعد المليون ما ضجرنا. أيهما الأصل. . . القصة؟ أم لغتها؟ إن كانت القصة هي الأصل وهي الجوهر وهي مدار الحديث وجب أن تكون عناية النقد موجهة إليها، وان كانت القصة القشور واللغة الجوهر فهذه مسألة أخرى. ولنفرض يا سيدي ان لغة (عودة الروح) كانت هي الإنجليزية أو الفرنسية أو الفارسية، فماذا؟ ماذا بالله يا أبا الأسود الدؤلي؟ هل أخذت (احتكارا) باللغة العربية فما يكتب إنسان إلا بها ولا يدور حوار ما بين القطبين الا على أوزانها وضروبها ونحوها وصرفها؟ ولنفرض أن العامية من العربية كالفرنسية أو الإنجليزية منها أفلو أن توفيق الحكيم كتب (عودة الروح) بأية لغة من لغات العالم كنا نرفضها ونأبى ان نعترف لكاتبها بجهد أو فضل لمجرد انه كتب قصته بهذه اللغة أو بتلك؟ أفلا نقرأ القصص في لغات العالم فنعجب بها وهي ليست باللغة العربي؟ لست اسأل هازلا أو متندرا بل إني لجاد كل الجد، فإذا كنا نفعل ذلك فما بالنا نقف من قصة بالعامية هذا الموقف؟ ولنفرض يا سيدي أن توفيق الحكيم لا يعرف اللغة العربية أفنكسر هذا القلم الذهبي ونخرس هذا اللسان الحكيم ونقبر هذا العقل الخلاق لمثل هذا السبب؟ بل ولألف سبب مثل هذا السبب؟! وأي أديب سلمت لغته من الشوائب وها هو أحد أئمة النقد يصف أسلوب أحد أئمة الكتاب بانه لا يسلم من الابتذال وكاتب آخر ينال من كاتب معروف ويقول فيه ما لم يقل عشر معشاره في توفيق الحكيم؟! وأيهما أجدى على الدنيا وأجدى على الأدب، كاتب ذخيرته ألفاظ وكلمات ام كاتب ملء أهابه الحياة وملء جعبته الدنيا يخرج لنا منها عقله الموهوب زادا دسما وطعاما لنا فيه شبع وري؟ لو اجتمع الكاتبان لكانا أمل الدنيا وأنشودة العالم فإذا لم تشأ حكمة أزلية الا أن تفرق بينهما فأيهما نأخذ وأيهما ندع؟ ان الأدب غاية، واللغة وسيلة، وحرام ان نهدم الغاية من أجل الوسيلة، ونغالي من قدر هذه الوسيلة حتى ليتعذر علينا بلوغ هذه الغاية محمد علي حماد (الرسالة): - كلام الأستاذ أشبه شيء بالدعابة، فان أكثره لا يجري على قواعد الأدب ولا أصول الفن، ولعمري كيف نستطيع أن نفصل المعنى عن اللفظ أو القصة عن اللغة أو

стр. 1471

الموضوع عن الشكل وليس لأحد منهما وجود فني في ذاته؟ فالقصة قبل أن تلبس اللغة لا تسمى قصة، والألفاظ قبل أن تؤدي المعاني لا تسمى لغة.

стр. 1472

العدد ١٨ - بتاريخ: ٠١ - ١٠ - ١٩٣٣

стр. 1473

فرعونيون وعرب! عفا الله عن كتابنا الصحفيين! ما أقدرهم على أن يثيروا عاصفة من غير ريح، ويبعثوا حربا من غير جند!! حلا لبعضهم ذات يوم أن يكون بيزنطيا يجادل في الدجاجة والبيضة وأيتهما أصل الأخرى! فقال على هذا القياس: أفرعونيون نحن أم عرب؟ أنقيم ثقافتنا على الفرعونية أم نقيهما على العربية؟! نعم قالوا ذلك القول وجادلوا فيه جدال من أُعطى أزمةَّ النفوس وأعنة الأهواء يقول لها كوني فرعونية فتكون! أو كوني عربية فتكون! ثم اشتهر بالرأي الفرعوني اثنان أو ثلاثة من رجال الجدال وساسة الكلام فبسطوه في المقالات، وأيدوه بالمناظرات، ورددوه في المحادثات، حتى خال بنو الأعمام في العراق والشام أن الأمر جد، وأن الفكرة عقيدة، وان ثلاثة من الكتاب أمة، وأن مصر رأس البلاد العربية قد جعلت المآذن مِسلات والمساجد معابد والكنائس هياكل والعلماء كهنة. مهلاً بنو قومنا لا تعتدوا بشهوة الجدل على الحق ورويدا بني عمنا لا تسيئوا بقسوة الظن إلى القرابة أن الأصول والأنساب عرضة للزمن والطبيعة؛ تواشج بينها القرون وتفعل فيها الأجواء حتى يصبح تحليلها وتمييزها وراء العلم وفوق الطاقة. فاذا قلنا فلان عربي أو فرنسي أو تركي فإنما نعنى بهذا النسبة انطباعه بالخصائص الثقافية والاجتماعية لهذا الشعب كاللغة والأدب والأخلاق والهوى والدين فبديع الزمان عربي وأصله فارسي وروسو فرنسي أصله سويسري والأمير فلان تركي وأصله مصري لان كلا من هؤلاء الثلاثة اصبح جزء من شعبه ينطق بلسانه ويفكر بعقله ويشعر بقلبه فبأي شيء من هذا يتمارى إخواننا الجدليون وهم لو كشفوا في أنفسهم عن مصادر الفكر ومنابع الشعور ومواقع الإلهام لرأوا الروح العربية تشرق في قلوبهم دينا وتسري في دمائهم أدبا وتجري على ألسنتهم لغة وتفيض في عواطفهم كرامة. لا نريد أن نحاجهم بما قرره المحدثون من العلماء من أن المصرية الجاهلية تنزع بعرق إلى العربية الجاهلية فان هذا الحجاج ينقطع فيه النفس ولا ينقطع فيه الجدل:. . وكفى بالواقع المشهود دليلا وحجة هذه مصر الحاضرة تقوم على ثلاثة عشر قرنا وثلثا من التأريخ العربي نسخت ما قبلها كما تنسخ الشمس الضاحية سوابغ الظلال. . . وذلك هو ماضي مصر الحي الذي يصبح في الدم ويثور في الأعصاب ويدفع بالحاضر إلى المستقبل ثابت الأساس شامخ الذرى عزيز الدعائم. أزهقوا أن استطعتم هذه الروح وامحوا ولو بالفرض هذا الماضي ثم انظروا ما يبقى في يد

стр. 1474

الزمان من مصر هل يبقى غير أشلاء من بقايا السوط وأنضاء من ضحايا الجور وأشباح طائفة ترتل (كتاب الأموات) وجباه ضارعة تسجد للصخور وتعنو للعجماوات وقبور ذهبية الأحشاء ابتلعت الدور حتى زحمت بانتفاخها الأرض وفنون خرافية شغلها الموت حتى أغفلت الدنيا وأنكرت الحياة؟ وهل ذلك إلا الماضي الأبعد الذي تريدون أن يكون قاعدة لمصر الحديثة تصور بألوانه وتشدو بألحانه وتحيا أخيراً بروحه؟ ولكن أين تحسون بالله هذه الروح؟ أن أرواح الشعوب لا تنتقل إلى الأعقاب ألا في نتاج العقول والقرائح، فهل كشفتم بجانب الهياكل الموحشة والقبور الصم مكتبة واحدة تحدثكم عن فلسفة كفلسفة اليونان، وتشريع كتشريع الرومان وشعر كشعر العرب؟ أم الحق أن مصر القديمة دفين فنيت روحه مع الآلهة، وصحائف موت سرها مع الكهنة، والخامد لا يبعث حياة والجامد لا يلد حركة؟! لا تستطيع مصر الإسلامية إلا أن تكون فصلا من كتاب المجد العربي، لأنها لا تجد مدداً لحيويتها، ولا سندا لقوتها، ولا أساساً لثقافتها ألا في رسالة العرب. أمَّا أنْ يكون لأدبها طابعه، ولفنها لونه، فذلك قانون الطبيعة ولا شان لمينا ولا ليعرب فيه: لأن الآداب والفنون ملاكها الخيال، والخيال غذاؤه الحس، والحس موضوعه البيئة، والبيئة عمل من أعمال الطبيعة يختلف باختلافها في كل قطر. فإذا لم يوفق الفنان بين عمله وعمل الطبيعة، ويؤلف بين روحة وروح البيئة، فاته (اللون المحلى) وهو شرط جوهري لصدق الأسلوب وسلامة الصورة. وقديما كان لون الأدب في الحجاز غيره في نجد، وفي العراق غيره في الشام. وفي مصر غيره في الأندلس، دون أن يسبق هذا التغاير دعوة ولا أن يلحق به اثر! انشروا ما ضمنت القبور من رفات الفراعين، واستقطروا من الصخور الصلاب أخبار الهالكين، وغالبوا البلى على ما بقى في يديه من أكفان الماضي الرميم، ثم تحدثوا وأطيلوا الحديث عن فخامة الآثار وعظمة النيل وجمال الوادي وحال الشعب، ولكن اذكروا دائماً أن الروح التي تنفخونها في مومياء فرعون هي روح عمرو، وان اللسان الذي تنشرون به مجد مصر هو لسان مضر، وان القيثار الذي توقعون عليه الحان النيل هو قيثار أمرىء القيس، وأن آثار العرب المعنوية التي لا تزال تعمر الصدور وتملأ السطور وتغذي العالم، هي أدعى إلى الفخر وأبقى على الدهر، وأجدى على الناس، من صفائح الذهب وجنادل

стр. 1475

الحجارة. إنما تتفاضل الأمم بما قدمت للخليفة من خير، وتتفاوت الأعمال بما أجدت على الإنسان من نفع. أليس (الخزان) خيراً من الكرنك، والأزهر افضل من الأهرام، ودار الكتب أنفس من دار الآثار؟ وبعد فان ثقافتنا الحديثة إنما تقوم في روحها على الإسلام والمسيحية، وفى أدبها على الآداب العربية والغربية، وفي علمها على القرائح الأوربية الخالصة. أما ثقافة (البردى) فليس يربطها بمصر العربية رباط، لا بالمسلمين ولا بالأقباط أحمد حسن الزيات.
следующие страницы →