Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
الموضوع عن الشكل وليس لأحد منهما وجود فني في ذاته؟ فالقصة قبل أن تلبس اللغة لا تسمى قصة، والألفاظ قبل أن تؤدي المعاني لا تسمى لغة.
стр. 1472
العدد ١٨ - بتاريخ: ٠١ - ١٠ - ١٩٣٣
стр. 1473
فرعونيون وعرب!
عفا الله عن كتابنا الصحفيين! ما أقدرهم على أن يثيروا عاصفة من غير ريح، ويبعثوا حربا من غير جند!! حلا لبعضهم ذات يوم أن يكون بيزنطيا يجادل في الدجاجة والبيضة وأيتهما أصل الأخرى! فقال على هذا القياس: أفرعونيون نحن أم عرب؟ أنقيم ثقافتنا على الفرعونية أم نقيهما على العربية؟! نعم قالوا ذلك القول وجادلوا فيه جدال من أُعطى أزمةَّ النفوس وأعنة الأهواء يقول لها كوني فرعونية فتكون! أو كوني عربية فتكون! ثم اشتهر بالرأي الفرعوني اثنان أو ثلاثة من رجال الجدال وساسة الكلام فبسطوه في المقالات، وأيدوه بالمناظرات، ورددوه في المحادثات، حتى خال بنو الأعمام في العراق والشام أن الأمر جد، وأن الفكرة عقيدة، وان ثلاثة من الكتاب أمة، وأن مصر رأس البلاد العربية قد جعلت المآذن مِسلات والمساجد معابد والكنائس هياكل والعلماء كهنة.
مهلاً بنو قومنا لا تعتدوا بشهوة الجدل على الحق ورويدا بني عمنا لا تسيئوا بقسوة الظن إلى القرابة أن الأصول والأنساب عرضة للزمن والطبيعة؛ تواشج بينها القرون وتفعل فيها الأجواء حتى يصبح تحليلها وتمييزها وراء العلم وفوق الطاقة. فاذا قلنا فلان عربي أو فرنسي أو تركي فإنما نعنى بهذا النسبة انطباعه بالخصائص الثقافية والاجتماعية لهذا الشعب كاللغة والأدب والأخلاق والهوى والدين فبديع الزمان عربي وأصله فارسي وروسو فرنسي أصله سويسري والأمير فلان تركي وأصله مصري لان كلا من هؤلاء الثلاثة اصبح جزء من شعبه ينطق بلسانه ويفكر بعقله ويشعر بقلبه فبأي شيء من هذا يتمارى إخواننا الجدليون وهم لو كشفوا في أنفسهم عن مصادر الفكر ومنابع الشعور ومواقع الإلهام لرأوا الروح العربية تشرق في قلوبهم دينا وتسري في دمائهم أدبا وتجري على ألسنتهم لغة وتفيض في عواطفهم كرامة. لا نريد أن نحاجهم بما قرره المحدثون من العلماء من أن المصرية الجاهلية تنزع بعرق إلى العربية الجاهلية فان هذا الحجاج ينقطع فيه النفس ولا ينقطع فيه الجدل:. . وكفى بالواقع المشهود دليلا وحجة هذه مصر الحاضرة تقوم على ثلاثة عشر قرنا وثلثا من التأريخ العربي نسخت ما قبلها كما تنسخ الشمس الضاحية سوابغ الظلال. . . وذلك هو ماضي مصر الحي الذي يصبح في الدم ويثور في الأعصاب ويدفع بالحاضر إلى المستقبل ثابت الأساس شامخ الذرى عزيز الدعائم.
أزهقوا أن استطعتم هذه الروح وامحوا ولو بالفرض هذا الماضي ثم انظروا ما يبقى في يد
стр. 1474
الزمان من مصر هل يبقى غير أشلاء من بقايا السوط وأنضاء من ضحايا الجور وأشباح طائفة ترتل (كتاب الأموات) وجباه ضارعة تسجد للصخور وتعنو للعجماوات وقبور ذهبية الأحشاء ابتلعت الدور حتى زحمت بانتفاخها الأرض وفنون خرافية شغلها الموت حتى أغفلت الدنيا وأنكرت الحياة؟ وهل ذلك إلا الماضي الأبعد الذي تريدون أن يكون قاعدة لمصر الحديثة تصور بألوانه وتشدو بألحانه وتحيا أخيراً بروحه؟ ولكن أين تحسون بالله هذه الروح؟ أن أرواح الشعوب لا تنتقل إلى الأعقاب ألا في نتاج العقول والقرائح، فهل كشفتم بجانب الهياكل الموحشة والقبور الصم مكتبة واحدة تحدثكم عن فلسفة كفلسفة اليونان، وتشريع كتشريع الرومان وشعر كشعر العرب؟ أم الحق أن مصر القديمة دفين فنيت روحه مع الآلهة، وصحائف موت سرها مع الكهنة، والخامد لا يبعث حياة والجامد لا يلد حركة؟!
لا تستطيع مصر الإسلامية إلا أن تكون فصلا من كتاب المجد العربي، لأنها لا تجد مدداً لحيويتها، ولا سندا لقوتها، ولا أساساً لثقافتها ألا في رسالة العرب. أمَّا أنْ يكون لأدبها طابعه، ولفنها لونه، فذلك قانون الطبيعة ولا شان لمينا ولا ليعرب فيه: لأن الآداب والفنون ملاكها الخيال، والخيال غذاؤه الحس، والحس موضوعه البيئة، والبيئة عمل من أعمال الطبيعة يختلف باختلافها في كل قطر. فإذا لم يوفق الفنان بين عمله وعمل الطبيعة، ويؤلف بين روحة وروح البيئة، فاته (اللون المحلى) وهو شرط جوهري لصدق الأسلوب وسلامة الصورة. وقديما كان لون الأدب في الحجاز غيره في نجد، وفي العراق غيره في الشام. وفي مصر غيره في الأندلس، دون أن يسبق هذا التغاير دعوة ولا أن يلحق به اثر! انشروا ما ضمنت القبور من رفات الفراعين، واستقطروا من الصخور الصلاب أخبار الهالكين، وغالبوا البلى على ما بقى في يديه من أكفان الماضي الرميم، ثم تحدثوا وأطيلوا الحديث عن فخامة الآثار وعظمة النيل وجمال الوادي وحال الشعب، ولكن اذكروا دائماً أن الروح التي تنفخونها في مومياء فرعون هي روح عمرو، وان اللسان الذي تنشرون به مجد مصر هو لسان مضر، وان القيثار الذي توقعون عليه الحان النيل هو قيثار أمرىء القيس، وأن آثار العرب المعنوية التي لا تزال تعمر الصدور وتملأ السطور وتغذي العالم، هي أدعى إلى الفخر وأبقى على الدهر، وأجدى على الناس، من صفائح الذهب وجنادل
стр. 1475
الحجارة. إنما تتفاضل الأمم بما قدمت للخليفة من خير، وتتفاوت الأعمال بما أجدت على الإنسان من نفع. أليس (الخزان) خيراً من الكرنك، والأزهر افضل من الأهرام، ودار الكتب أنفس من دار الآثار؟ وبعد فان ثقافتنا الحديثة إنما تقوم في روحها على الإسلام والمسيحية، وفى أدبها على الآداب العربية والغربية، وفي علمها على القرائح الأوربية الخالصة. أما ثقافة (البردى) فليس يربطها بمصر العربية رباط، لا بالمسلمين ولا بالأقباط
أحمد حسن الزيات.
стр. 1476
عدل السماء
للأستاذ حسن جلال. القاضي بالمحاكم الأهلية
الفرق بين عدل السماء وعدل الأرض هو بعينه فرق ما بين السماء والأرض. .!
فأما أهل الأرض فقد سلك كل منهم طريقا لتحقيق العدل في بلاده. فهذه دولة محاكمها تطبق قوانينها على الناس كما هو الحال في فرنسا وفى مصر. وتلك دولة أخرى تجري محاكمها على سنن الأحكام التي أصدرتها المحاكم من قبلها كما هو الحال في إنجلترا. وهؤلاء قوم لهم عادات مقررة وعرف موروث فتنعقد مجالسهم كلما دعا الحال لتحكيم تلك العادات وذلك العرف بين المتقاضين، وهذا هو شأن العرب المقيمين في مناطق الحدود المصرية. وأولئك قوم غيرهم يلجئون إلى السحرة والكهان للفصل في قضاياهم كما هو الحال عند بعض قبائل أفريقيا الوسطى. . . وكل هذه الهيئات إنما تجرى على النظام الذي اختارته، لأنها تعتقد أنه اكفل الطرق للوصول إلى العدل. وليس من شك في أن كلا من هذه النظم له نقائصه. ولكنه على كل حال آخر ما وصلت إليه الهيئة التي اختارته في سبيل تحقيق العدالة بين أفرادها. والخلاصة أن الإنسان لم يصل بعد إلى درجة الكمال في تشريعه، وانه بحاجة إلى موالاة الجهود في سبيل بلوغ هذا الكمال. والسؤال الذي يجيش بالنفس بعد هذه المقدمة هو: هل يستفاد مما سبق أن الظلم يملأ هذا العالم. وان العدالة فيه مستحيلة التحقيق؟ الواقع غير ذلك! بل أن المشاهد في معظم الأحوال أن العدالة محققة في هذه الدنيا. وان الناس راضون عن طريقة توزيعها بينهم. ومهما يكن من أمر الحالات التي يدل ظاهرها أحيانا على إنها لم تتوفر فيها عناصر العدالة فان (عدل السماء) غلاب. وهو الذي يتولى في هذه الحالات إقامة الميزان بين الناس. وما ربك بظلام للعبيد!
حدثني أحد الزملاء المحامين قال: وقعت جناية قتل في البلدة التي أعمل فيها، واتهم في تلك الجناية شاب من خيرة شبانها. ينتمي إلى أسرة من كبار الأسر فيها. فجاءني عمه يوكلني بالدفاع عنه. وأقسم لي أغلظ الأيمان أن أبن أخيه بريء وان أهل القتيل اتهموه لضغينة قديمة بينهم وبين أسرته، وإن القاتل معروف في البلد. وإن أهل القتيل هم أول من يعرفه. ولكنهم إمعاناً في الانتقام يريدون أن يأخذوا في قتيلهم رجلين. . واحداً يأخذه لهم القضاء بحكمه. وواحداً يقتصون منه بانفسهم كما هي العادة عند معظم أهل الصعيد. ولما
стр. 1477
كان القاتل الحقيقي هينا عليهم فإنهم استبقوه لأنفسهم وتركوا أمر هذا الشاب للقضاء. قال صاحبي: فلما وقفت على هذه المعلومات حفزني الأمر إلى مضاعفة العناية بالقضية. فاطلعت على أوراقها بكل دقة ويقظة، فوجدت أدلة الاتهام فيها قوية ناطقة. ورأيت جملة من شهود الإثبات تطابقت أقوالهم في محاضر التحقيق، وقد عجز المحقق عن أن يحدث ثغرة فيهم تدل على تلفيقهم. إذ قرروا جميعاً انهم رأوا المتهم وهو يطلق النار على القتيل. وانهم شاهدوه عقب ذلك وهو يفر. ووصفوا اتجاه سيره أدق وصف، ونوقشوا في ألوان ملابسه وفى نوع سلاحه وفى غير ذلك من التفصيلات فكانت أقوالهم دائما واحدة لا تحريف فيها ولا تبديل! إزاء ذلك استولى اليأس على صاحبنا المحامى، ولم يبق له من القوة على الدفاع ألا قوة يقينه هو بان المتهم بريء بناء على تأكيدات عمه. . وحل موعد المحاكمة فتوجه إلى المحكمة. ونودي على القضية، وسئل المتهم عن تهمته فأنكرها بكل شدة. وسمعت أقوال الشهود فاذا هي نفس أقوالهم في التحقيق. فترافعت النيابة فقالت أن القضية لا تحتاج إلى نور جديد وأن أقوال الشهود قاطعة في الإدانة. ونهض الدفاع وحاول أن يثير ما استطاع من الشكوك حول موقف المتهم، ولكن الحكم صدر في النهاية بمعاقبة المتهم بالأشغال الشاقة المؤبدة. . . عاد المحامى في ذلك اليوم إلى مكتبه مكتئبا حزينا على ما حل بهذا الفتى التعس. ولقيه هناك عمه فألفاه على هذه الحال. فابتدره المحامى بالسؤال عن كيفية اتفاق الشهود على كل تلك التفصيلات التي شهدوا بها أن صح ما يدعيه هو من انهم ملفقون. فقال له الرجل: أن الشهود قد شاهدوا القاتل الحقيقي فعلا وهو يرتكب جريمته. واتفقوا فيما بينهم لارتباطهم بأسرة القتيل على أن يرووا كل ما شاهدوه ولكن منسوبا إلى المتهم الحالي بدل أن ينسبوه إلى فاعله الأصلي. ومن هنا جاءت أقوالهم كلها متطابقة، لأنهم إنما يقرون من الوقائع ما وقع فعلا تحت سمعهم وبصرهم! وهنا يقول صاحبي أن ثورة عنيفة أدركت نفسه ضد هؤلاء المزورين الذين تمكنوا من مخادعة القضاء إلى هذا الحد، والتوسل به إلى إنزال العقاب الذي يشاءون على من يشاءون. ولكنه آنس شيئاً من الاستسلام غير عادى يغلب على نفس عم المتهم، بينما هو يعانى من ثورة النفس شدتها وغليانها. فلم يكتم صاحبه ما يجول بخاطره. وهنا رفع عم الفتى رأسه وقال: الحق يا أستاذ أن الفتى يستحق العقاب الذي أنزله به القضاء فسأله المحامي في دهشة:
стр. 1478
وكيف يتفق ذلك مع ما قدرته الآن من أنه لا يد له في هذه الجريمة؟ فقال الرجل: إنه وان كان لا يد له حقيقة في هذه الجريمة ألا انه في الواقع هو الذي قتل (فلانا) من أهل البلدة المجاورة لبلدتنا، ولكنه ظل أمره مجهولا من رجال الحفظ حتى هذه الساعة! فإن كان القضاء قد أدركه اليوم فإنما هو (عدل السماء) قد حققته قدرة الله الذي هو من وراء كل شيء محيط، وبما تخفى كل نفس عليم!
стр. 1479
في الخريف
كل شيء في الكون ران وقرا … وسرى في جوانح النفس سحرا
أسفر الجو وانجلت صفحة الأف … ق وفاحت مناكب الأرض نشرا
في ربوع يطول عمر شتاها … إذ يوافي ويقصر الزهر عمرا
نحمد الشمس يوم تطلع فيها … بضياء، ونحمد الله عشرا
رف فيها الخريف حسنا وطيباً … فتسامى على الربيع وأزرى
نفضت نومها الحياة وقامت … بعد طول الحجاب ترفع سترا
أبرزت من جمالها وحلالها … كل سر فما تكتم سرا
ذهبت تنثر الجمال فلم تس … تثن في الماء أو على الأرض شبرا
نثرته بلا نظام فأرضى ال … فن فوضى واعجب العين نثرا
أودعت سحرها هواء وحصبا … ءً وماءً يسرى وعشباً وصخرا
يسرح الطرف حيث شاء فما يس … رح ألا من فتنة صوب أخرى
مزج حسن ورقة وبهاء … الفته لونا وضوءاً وعطرا
هو في العين ما أرقّ وأندا … هـ وفي الصدر ما ألذّ وأطرى
ترتوي الروح منه نهلاً وعلا … فهي نشوى أنى تنقل سكرى
كست الأرض خضرةً وتغشت … ربوةً ربوة ًوغوراً فغورا
فزكا النبت في تلاع وقيعا … ن توالى في الأفق طياً ونشرا
راق منه ما تهادى على الأر … ض نديا وما تشامخ كبرا
وذكاء وسط الفضاء توارى … خلف غيم يمر في الجومرا
ثم تبدو فتغمر الكون إينا … ساً إذا الغيم عن سناها تفرى
في سماء نقية تاخذ العي … ن إغتراقاً وتفعم الكون بشرا
معرض النور سرت فيه الهوينى … مطلقاً في الخيال نفسي حيرى
تتملى بدائع الكون أو تن … ظم في صفحة الخواطر شعرا
عند نهر عذب التسلسل ماتا … بعته بالمسير ألا اسبطرّا
حفه العشب كاسياً ضفتيه … مطلعاً حوله قتاداً وزهرا
أرسل العين تجتلى الحسن صفواً … أو تقصى من سالف العمر ذكراً
стр. 1480
فهي في مسرح الطبيعة جذلى … آنة أو مع التذكر عبرى
ورفيقي في السير سفر بكفي … لم أطالع مما يحدث سطرا
من تهادي سفر الطبيعة مبسو … طاً إليه فكيف يحفل سفراً؟
فخري أبو السعود. أكسترا. إنجلترا.
стр. 1481
ثروة تضيع
للأستاذ أحمد أمين
هي ما خلفها لنا الجيل الماضي القريب، وتسلمناها منه يداً بيد، ولست اعني ما خلفه من شعر ونثر وكتب في مختلف العلوم والآداب، فهذه قد حفظناهاونشرنا بعضها وعنينا بها إلى حد ما، إنما أعنى ما صدر عنهم من قول وعمل، وما كان يدور في مجالسهم من حديث طريف أو نافع، وما وقع لهم من أحداث، وكيف تصرفوا فيها، وأنماط مجالسهم وأحاديثهم ومجتمعاتهم، ونحو ذلك مما يدلنا على حقيقة شخصيتهم، ويفيدنا في تعرف مجتمعهم، ويعين المؤرخ بعد على رسم صورة صحيحه صادقه لحال المجتمع في ذلك العصر وقدر نابغيه كان لعلى باشا مبارك (صالون) كبير في بيته بشارع المضفر يغشاه عظماء الرجال والشبان وطلبه المدارس. وكان يدور فيه كل ليله من ألوان الحديث وشتى المقترحات ما ينبغي أن يسجل، ومثل ذلك في منزل عبد الله باشا فكري ومحمد باشا قدري ورفاعه بك ومثالهم، وكان نوع أحاديثهم ومباحثاتهم شيقاً ممتعا يصور عصرهم خير تصوير، ثم كان صالون كصالون الأميرة نازلي هانم (بعابدين) يختلف إليه قاده الفكر وعظماء الرجال في العصر القريب، يتحدثون فيه عن الشرق والغرب، وتثار فيه أفكار لها قيمتها وخطرها، وكان نمطهم في أحاديثهم يخالف ما كان عليه رجال على باشا مبارك وأمثاله. وكان غير هذه الصالونات مجتمعات وأحاديث ونوادر وفكاهات في البيئات المختلفة من بيئة فلسفيه كبيئة السيد جمال الدين، أو دينية اجتماعية كبيئة الشيخ محمد عبدة، أو فكاهية كبيئة الشيخ حسن الآلاتي، أو بيئة المغنين أمثال الحامولي ومحمد عثمان، وكان يجري في جميعها أقوال وأفعال هي أدل على الذوق المصري والخلق المصري من كل ما خلفوا من مؤلفات ومجلات وصحف. هذه الثروة التي لا تقدر، آخذه مع الأسف الشديد، في الضياع، وليس يدون منها فيما أعلم شيء يذكر، واكثر الذين عنوا بترجمة هؤلاء الرجال أساءوا إليهم والى التاريخ كل الاساءة، اذكانت ترجمتهم (ترجمة رسمية) اقتصروا فيها على اسم المترجم له والمولد وتاريخ الولادة، والمعاهد التي تعلم فيها والأعمال التي تولاها، والكتب التي ألفها وغير ذلك مما يعد من الأغراض، فأما الجوهر، واما شخصية الرجل، وأما حياته الاجتماعية التي تدلنا على من هو من قومه، ومن هو في نفسه، فلا يعرضون لها بشيء.
стр. 1482
وقد كان السابقون الأولون على تقدم عصورهم، اصح نظراً، وأحسن أداء، وأوفى للتاريخ فبين يدي الآن جزء من كتاب الأغاني فتحته حيثما اتفق فوقع نظري على ترجمة إبراهيم الموصلي، فذكر نسبه ونشأته، وذكر حكايات عدة حدثت له مع غلمانه وجواريه وأصحابه، وما وصل إليه من الأموال وما ورثه أهله، وأحاديث عن مروءته، وأحداثا حدثت له مع الرشيد ويحيى بن خالد، وكيفية تعليمه الغناء للجواري، واتصاله بالخلفاء وسيرته معهم، وعدد الأدوار التي غناها، وعشقه ومن عشق، وأثر أصواته في الناس، إلى آخره مما يستطيع الأديب أو المؤرخ أن يضع له صورة دقيقة تمثله، ويضع لمجتمعه رسماً واضحاً يبينه، وبين يدي كذلك الجزء الأول من كتاب جامع التواريخ المسمى (نشوار المحاضرة) للتنوخي، يقول في سبب تأليفه: انه قد اجتمع قديماً مع مشايخ فضلاء، علماء أدباء، قد عرفوا أحاديث الملل، وأخبار الملوك والدول، وأحاديث البخلاء والظرفاء، والعلماء والفلاسفة، والأغبياء وقطاع الطرق والمتلصصين، (وعدد كل أصناف الناس)، وكانوا يوردون كل فن من تلك الفنون على حسب ما تقتضيه المحادثة، وتبعثه المفاوضة، فلما تطاولت السنون، ومات المشيخة الذين كانوا مادة هذا الفن، ولم يبق من نظرائهم ألا اليسير الذي إن مات ولم يحفظ عنه ما يحكيه، مات بموته ما يرويه، عمد من أجل ذلك إلى تدوين هذه الأحاديث في كتابه، والتزم أن يذكر فيه فقط ما يدور في المجالس مما لميذكر في كتاب ويقرؤه القارئ فيجده يصور عصره أجمل تصوير، وكتب الجاحظ لم تترك صغيرة ولا كبيرة من أخبار عصره وأحداثه، الاجتماعية من الخصيان والغلمان، والبخلاء والظرفاء، والنبات والحيوان، ألا أحصته وشرحته في دقة وإسهاب، ومالنا نذهب بعيداً والعصر الذي نسميه مظلماً أنتج مثل (الجبرتي) الذي دون من الأحداث وتاريخ الرجال في عصره ما لم نفعله نحن لعصرنا أما كتبنا نحن فقد عمدت إلى خيرها وأخرجت منه ترجمه رفاعه بك، فوجدته يسرد ولادته وتاريخها والمدارس التي دخلها ورحلته إلى أوربا، والوظائف التي تولاها بعد عودته، وأسماء الكتب التي ألفها أو ترجمها، وسنة وفاته ولكنك تتساءل بعد قراءتها: من رفاعه بك؟ ما معيشته الاجتماعية؟ ما شخصيته؟، ما علاقته بقومه؟ فلا تجد شيئاً من ذلك. هذا حال رفاعه بك الذي ملاْ اسمه كل مكان، فما بالك بأمثال المغمورينظلماً، أمثال الشيخ حسن الطويل والشيخ حسين المرصفي وأمثالهما بل بالأمس القريب مات
стр. 1483
حافظ إبراهيم، وكانت حياته الاجتماعية أغنى ما تكون حياة، كل ليلة، يغشى جمعا أو يغشى بيته جمع، فيملاْ المجلس بأحاديثه العذبة، وفكاهته الحلوة، وهى في كثير منها تفوق ما دونه الأقدمون من ملح ونوادر، ولعلها أن جمعت ودونت أفادت تاريخ الاجتماع اكثر ما يفيده ديوانه، ومع هذا لم ينشط أحد لتدوينها، ولم يلتفت لقيمتها، وسيعفى عليها الزمن الذي عفى على ملح المويلحي والبابلي، وفي ذلك خسارة لا تقدر. ولقد حدثت بعض الأدباء في ذلك ورجوته في هذا العمل، فاعتذر بأن أكثر النوادر إنما تحسن ذا أديت باللغة العامية، وتفقد قيمتها إذا حكيت باللغة الفصحى، ولكن ما هذا الكبر على اللغة العامية، والسابقون من أعلام الأدب لم يكونوا يتحرجون من ذكر النادرة الحلوة باللغة العامية، إذا لم يحسن الأداء إلا بها، كما فعل الجاحظ في البيان والتبيين، وابن زولاق في أخبار سيبويه، والابشيهي في المستطرف. أن في ذمتنا للجيل القادم عهداً أن نسلم إليه تاريخه كاملاً متصل الحلقات كما تسلمناه، فاذا نحن لم نفعل فقد أضعنا الأمانة وخنا العهد، وفينا بحمد الله رجال شهدوا الجيل الماضي، وكان لهم من المنزاة ما استطاعوا معها أن يخالطوا البيئات المختلفة، ويطلعوا على خفاياها ودخائلها، ولهم من الذكاء وحسن النظر وصدق الرواية وقوة الحافظة وبلاغة اللسان والقلم، ما يمكنهم من الأداء على أحسن وجه، أمثال الهلباوي ولطفي السيد في نوع من الأوساط، والنجار والسكندري في نوع آخر، والسيد محمد الببلاوي وكبار علماء الأزهر في أوساطهم، وهكذا، فهل يشاركوننا في الشعور بما لديهم من ثروة حافلة، وفي الشعور بما عليهم من تبعة، فيقدمون للجيل الحاضر والقادم أثمن عمل تاريخي؟ فأن لم يفعلوا فهل للشبان أن يدركوا قيمة ما عندهم فينشطوا للاتصال بهم، وتدوين ما يأخذون عنهم، قبل أن تضيع الثروة، وتفلت الفرصة، أطال الله في أعمارهم.
العام الدراسي الجديد
مما أملاه علينا أساتذتنا في دروس التربية انه كان الغرض من إنشاء المدارس في مصر أعداد الموظفين الذين تحتاج إليهم الحكومة في دواوينها.
فلهذا أنشئت وعلى هذا كان نهجها. ولقد نجحت مدارسنا في ذلك نجاحا مشكورا.
تخيلت لها الحكومة الموظف الذي ترجوه. فأعدت المدارس للحكومة التلميذ الذي يكون منه ذلك الموظف، تخيلت الأولى في موظفها أن يكون في عمله من غير بصر ولا سمع ولا
стр. 1484
إحساس، فجاءت الثانية إلى عين التلميذ ففقأتها. والى أذنه فاصمتها. والى إحساسه فأماتته. حتى أنه ليسير في طريقه على أعين الناس وأفئدتهم، وبين أنينهم وعويلهم ثم تسأله: ماذا رأيت أو سمعت؟ فلا يكاد يذكر لك شيئاً. ذلك لأن مدرسته أخذته بالانقطاع عن كل شيء مهما صادفه. وهو يرجو أن يكون عندها محمودا.
تخيلت الأولى في موظفها حينذاك أن يكون غمرا خاملا جبانا، يرى في رئيسه ما يراه الجهلاء في آلهتها. فجاءت الثانية بحولها وطولها تفرغ فيه كل هذه، إفراغا، مرة باسم الأخلاق! وأخرى بالقهر والعسف. حتى تم لها ما أرادت، وأمتعت تلك الحكومات بهذا النوع من الموظفين. والآن وقد غصت الدواوين بالموظفين وفاض المتخرجون في المدارس، حتى أصبحوا عيالاً على ذويهم. وكلاّ على أهليهم إلا القليل منهم ممن اشتغل بعمل ما كان يخطر له على بال. فهل آن لرجال التربية والتعليم أن يعلنوا انقضاء أجل ذلك الغرض. وينادوا بالغرض الصحيح الذي يقّوم الأخلاق والعقول والأجسام ليأخذ الأبناء قسطهم من الحياة كاملا، ويؤدوا ما عليهم لبلادهم أحسن أداء؟؟ ذلك ما ننتظره.
إيرادات الدقهلية. إبراهيم مصطفى ناصف
стр. 1485
الرسالة الثانية:
من الأستاذ توفيق الحكيم إلى الدكتور طه حسين
عزيزي الدكتور
قرأت الرد، ومرة أخرى أتأمل ما بيمينك. هذه العصا عجيبة التركيب، إنك لا تلمس شيئاً حتى ينقلب إلى الحق، حق كبير يبتلع كل رأي، ويلقف كل حجة. تلك عصا الأستاذية. ما كنت اجهل أنك حاملها في هذا العصر. نحن متفقان. ولا خلاف بيننا في الغاية. وهو مطلبنا. هنالك تفاصيل افترق فيها عن الدكتور ولن أعود اليها. فأنا أفزع من النظر إلى الوراء، خشية أن أتحول إلى تمثال من الملح، أو حتى إلى تمثال من الذهب. نفسي تصدف أحيانا عن الفكرة الجامدة مهما تكن خالدة، ويحلو لي أحيانا أن انثر الأفكار عابثا من نافذة قطار. أن رسائلنا في حقيقتها لا تعني أكثر من إثارة الغبار في أرض ناعمة مفروشة بالحصى. لسنا نصدر أحكاما بهذه الكتب السريعة. إنما نحن نطرح مسائل ونلقى بفروض سوف يلتقطها ويجمعها الباحثون المنقطعون يوم تستيقظ الأجيال. اتفقنا إذن. أو ينبغي لنا أن نتفق على أي حال، حتى ننصرف إلى شيء جديد. أن البحث عن الجديد هو الخليق عندي بالمجهود. ولقد فتح لنا اليوم باب الجديد الأستاذ احمد أمين. قال لي ذات مساء أنه يضع كتابا في أصول النقد، ويود أن يوليني شرف المشاركة في البحث من بعض وجوهه. النقد؟ لفظ رن في أذني. وذكرت للفور أن رسالتي الأولى للدكتور كان موضوعها (الخلق). وقلت في نفسي ما يمنع من إتمام الكلام في رسالة ثانية يكون موضوعها (النقد) وإذا الأمر ينكشف لي عن قضية كبيرة: أنعد النقد كالخلق خاضعا لسلطان التيارات الفكرية الثلاثة التي ذكرها الدكتور: التيار المصري القديم، والتيار العربي، والتيار الأوربي؟ أم نعد النقد كالعلم لا يخضع لمثل هذه المؤثرات؟ أما أنا فلن أجيب عن فوري عن هذا السؤال. فأنا أكتب ولا أدري أين يحط بي القلم. دعني أولا أنشئ على هذا النغم بعض (تقاسيم) دون أن أعني الآن بالغاية. أن الغاية أحيانا رخيصة بجانب الوسيلة على الأقل في نظر الفن. لأن الغاية في الفن لا تبرر الوسيلة. الحياة كذلك، تلك القطعة الفنية التي أبدعها الخالق، أهي شيء غير وسيلة متينة التكوين؟ ألها معنى في غير ذلك الطريق المبين الذي أوله ضباب وآخره ضباب؟ خط هندسي رسم على لوح الوجود، كيف أبتدأ، كيف انتهى؟ لا يعنى ذلك
стр. 1486
علم الهندسة. انه خط بين نقطتين وكفى. ليس لنا أن نسأل عن غاية الحياة، ولا عن غاية الفن، ولا عن غاية العلم. أن الغاية لا تهم. إنما المعنى كله في الوسيلة. الحياة هي الطريق. العلم هو الطريقة. الفن هو الأسلوب. أما الغاية فلا غاية. وهل يترجى من العلم أو من الفن أو من الحياة غاية مطلقة يوما من الأيام؟ محال. ما نحن ألا أسلوب الخالق. ما الكون ألا أسلوب. الأسلوب كل شيء عند كل خالق وفي كل خلق. أن الخالق اعظم من أن يحبس إرادته الخالدة في حدود، غاية، لفظ يدل بذاته على معنى الانتهاء. في اعتقادي أن كلمة (غاية) هي من صنع العقل البشرى الصغير. هذا العقل المحدود الذي يضع كل شيء دائماً داخل حدود، ويأبى ألا أن يكون لكل شيء أول وآخر. إنما الخلود في الأسلوب. لأن الأسلوب لا أول له ولا آخر، فهو شيء كائن دائماً، لا علاقة له بالزمن. أن رجل الفن، وهو المقلد الأصغر للمبدع الأكبر، يدرك أن الفن لا يعيش بالغاية. لأن الغاية فانية كاسمها. وانما يعيش الفن بالأسلوب. لقد انقضت الغاية من تشييد الأهرام، وفنيت الغاية من بناء البارتينون. دفن الموتى أو عبادة الآلهة الغابرين غاية قد ماتت وبقى أسلوب الفن وحده خالداً في الأهرام والبارتينون. خدمة الإنسانية غاية العلم في نظر البسطاء. لو سئل عالم في ذلك لابتسم: (مالي وللإنسانية! إنما أنا أبحث عن سر أسلوب الصانع الأعظم. إنما هي لذة البحث وحدها. إنما هي طريقة البحث وأسلوبه. ولولا ذلك السرور الذي يملأ نفسي إذ ينكشف لعيني الباحثة عن جمال أسلوب الله لما تجشمت النصب في سبيل العلم، ولما كان للعلم هذا المعنى الرفيع.) المخترعات كذلك ليست غاية العلم. هي تطبيق للعلم. إنما العلم هو البحث الخالص المجرد عن كل غاية وعن كل استغلال. لقد كان الإغريق يبحثون ولا يطبقون. فيثاغورس مثل من أمثلة الأسلوب الخالد للعلم الخالص. الأسلوب إذن هو محور النقد كما هو عماد الخلق، وكلمة الأسلوب رحبة عميقة كالبحر، في جوفها كل كنوز المعرفة التي يصبوا اليها البشر. ولعل كل ما أوتيه الإنسان من سليقة سامية منذ أول الأزمان ليس ألا انعكاس أسلوب الخالق في نفس الإنسان. هذا المنطق الذي نشأنا عليه، ونرجع إليه في كل حياتنا، هذا الإحساس بالنتيجة والسبب، هذا الشعور بالتناسق والتناسب، هذا الإدراك للصلة التي تربط الشيء بالشيء، من أين جاءنا هذا نحن البشر؟ أهناك مصدر آخر غير أسلوب الخالق؟ فتحت البشرية عينيها فالفته حولها. فهو موجود
стр. 1487
قبلها وقبل الخليفة كما يوجد الرسم والتصميم قبل البناء. أن أسلوب المبدع في صنع الخليقة هو وحدة المنبع الأزلي لهذه الصفات كلها: المنطق، ارتباط السبب بالنتيجة والشيء بالشيء. والجزء بالكل، والتناسق والتناسب. صفات هي بعينها صفات الأسلوب السليم لكل عمل فني عظيم. أسلوب الله هو المعلم الأول والأخير. وما أول صورة رسمها الإنسان على الأحجار وعظام الحيوان سوى إعلان شعوره الخفي بتلك الصفات، أن رجل الفن الأول هو أول إنسان عرف (المنطق) صفة فنية بعد أن كان المنطق سليقة سامية تسبح في أنحاء نفسه ولا يعرف ما هي. أن المنطق الذي شيد الأهرام صورة محكمة لهو المنطق الذي شيد الكون. ما المنطق؟ ما معنى المنطق؟ سره في تلك المرآة العظيمة الصافية التي تحيط بنا كالجدران: الوجود، أجمل مثال للمنطق في الأسلوب ينبغي لرجل الفن والأدب والعلم أن يطيل فيه النظر. كل شيء في هذا الوجود مصنوع على طريقة واحدة وعلى قاعدة واحدة. ما القاعدة التي بني عليها الوجود؟ هي القاعدة التي بنيت عليها الأهرام. هي قاعدة كل بناء: التماسك بين الأجزاء في كل واحد متسق. هذا التماسك ما علته وكيف يكون؟ قانون أستطيع أن أفرغه كما يفعل الرياضيون في صيغة بسيطة من لفظين: (الأخذ والعطاء). كل شيء في هذا الوجود يحيا على نمط واحد. وكل حياة في هذا الوجود لها مظهر واحد: اخذ وعطاء في حركات متصلة متشابهة: زفير وشهيق عند الإنسان والأحياء، اكتساب وإشعاع عند النجوم والأشياء. الأخذ والعطاء قانون التماسك والاتصال في حياة الفرد والمجتمع والأمة والأمم. وفى حياة الأخلاق والسياسة والاقتصاد. وفي حياة المادة والروح. وفي حياة الأرض والأجرام والسدم. ليس في الوجود شيء لا يأخذ ولا يعطى. وليس في الوجود شيء يعطى ولا يأخذ. كل شيء يعتمد على كل شيء في هذا الكون. بنيان مرصوص يشد بعضه بعضا.
وكل خلق بنيان. ولا بنيان بغير وحدة شاملة، ولا وحدة شاملة بغير تضامن بين الحجر والحجر، وبين الجزء والجزء. هذا التضامن وليد ذلك القانون: (الأخذ والعطاء) وليس هذا كل المنطق في صنع الوجود وانما المنطق في تركيب ذلك القانون. ما قوام الأخذ والعطاء؟ هل يكون اخذ وعطاء إلا بين كائنات متشابهة؟ ما الحال لو أن الخالق أبدع في وجودا آخر على أسلوب آخر، فصنع أناسا يعيشون بالزفير ولا يعرفون الشهيق، ومخلوقات تأكل ولا
стр. 1488
تصرف، وأجراما تكتسب الحرارة والضوء ولا تشع؟ أي اتصال يمكن أن يقوم بين كائنات خلقت على غير أسلوب واحد؟ لا اتصال، وحيث لا اتصال لا بناء. لا خلق ولا بناء. أي اتصال بيني وبين أخي وابني لو أن الخالق صنعني من عناصر غير عناصرهما فجعلني من يابس ورطب وجعلهما من نور ونار وغاز وبخار؟ أي ارتباط لو انه جعل كل مخلوق منفردا بمادته وهيئته وعناصره عن كل مخلوق. وأي هرم يمكن أن يشيد بأحجار، أحدها من صخر، وآخر من عجين، والثالث من ورق، والرابع من طين؟ لا ارتباط من غير تشابه وتماثل. ولا تضامن بين أجزاء غير متجانسة في التركيب. إن كل ما نحس بوجوده يتحد معنا في بعض العناصر. بغير هذا ما كنا نعترف له بوجود. إنا نعرف الأجرام لأن أجسامنا تعرف الحرارة والضوء والحديد. التشابه شرط الأخذ والعطاء. الاختلاف كذلك شرط آخر. هل يقوم آخذ وعطاء إلا بين كائنات مختلفة؟ ما الحال لو أن الخالق صنع كل شئ ككل شئ، فجعل كل رجل ككل رجل، وكل جرم ككل جرم؟ طبع واحد، ومنظر واحد، وحجم واحد. أليس هذا التشابه المطلق ينفي الشخصية؟ وحيث لا شخصية فلا أخذ ولا عطاء، ولا تماسك ولا اتصال، وهل من صلة بيني وبين غيري إلا الاختلاف شخصه عن شخص وما عنده عما عندي؟ وهل رابطة الأجرام إلا اختلافها في الأحجام؟ الجاذبية، الحب، هل علتهما اختلاف النسب في القوى والأشكال؟ أن مثل هذا الكون المتماثل لا يمكن كذلك أن يشيد أو يوجد. مثله مثل قصة تمثيلية أشخاصهم لهم عين الاسم والجسم والطبع والحظ، يتكلمون عين الكلام، ويتحركون عين الحركات، ويتصرفون عين التصرفات! أي علاقة يمكن أن تنشأ بين هذه المخلوقات؟ وهل يشعر أحدهم بوجود الآخر؟ وهل يدرك أحد منهم معنى كلمة (أنا)؟ لا بد من بعض الاختلاف بين الكائنات حتى يتميز كل كائن من الآخر. ومتى تميزت الأشخاص والأشياء والأجزاء نشأ بينها الأخذ والعطاء، سر تماسك في كل بناء. . . ها هنا إذن قوام التناسق: (التشابه لا كل التشابه، الاختلاف لا كل الاختلاف!) بيتهوفن الذي كشف لي منذ ست سنوات عن سر التأليف بين صوتين في عين الوقت. لاحظت انه يجمع بين صوتين متشابهين لا كل التشابه مختلفين لا كل الاختلاف. وأدركت انه لا تناسق بغير هذا. فلو انه جعل الصوتين متشابهين كل التشابه لفنى أحدهما في الآخر. وما يميزنا شيئاً غير صوت واحد. ولو انه جعلهما مختلفين كل
стр. 1489
الاختلاف لاستحال على الأذن أن تصل بينهما وهما متباعدان متنافران. فأساس (التناسق) في الموسيقى والفن كأساس التناسق في الحياة والكون: ائتلاف بين الأجزاء لا كل الائتلاف واختلاف بينهما لا كل الاختلاف. ملاحظة أخرى داخل القوسين: كلامي عن المصرية والعربية في رسالتي الأولى ليس ألا رغبة مني في فرز خصائص أمم هذا العالم العربي الذي أخشى انحلال آدابه إنما الحب والتضامن في اختلاف ما عندنا عما عند إخواننا الجيران بعض الاختلاف. إن التشابه مضمون باللغة الواحدة والتراث الواحد. فليبحث كل منا عن شخصيته المميزة في ماضيه الطويل بأكمله. المصري في مصر القديمة وما بعدها من عصور. والسوري في فينيقيا وما بعدها. والعراقي في بابل وما بعدها وما قبلها من تواريخ الخ الخ. . . كل يستخرج من بطن الأرض التي يحيا عليها كل محاسن طبيعتها وكل كنوز ماضيها. أن الفن أبن الأرض. الولد للفراش والفن للأرض. أني أقول بالمصرية والعراقية والسورية الخ الخ لا للانفصال بل للاتصال، لا للتعصب بل للحب. أن اليوم الذي تزهو فيه لكل منا شخصية قوية هو اليوم الذي يكثر فيه التعامل بيننا والارتباط. أما فناؤنا جميعا في شخصية العرب الغابرين فأمر لا يمكن أن يكون، لأنه مخالف لطبيعة الأشياء. أن لكل ارض صفات من التاريخ سابقة على عهد العرب. ماذا نفعل بهذه الصفات؟ أنمزقها كما يصنع البرابرة المتوحشون أم نطالعها ونستخرج منها ما يفيد الإنسانية؟ لا بد أن يكون لكل ارض لون. ولكل ارض اسم ورسم وجسم. ولقد كان الأمر كذلك حتى أيام دولة العرب. فكانت الشام غير العراق غير مصر غير الأندلس. والفن والشعر والأدب اظهر دليل على وجود الفروق الجلية، وعلى صدق ذلك القانون: تشابه بين تلك الأقطار لا كل التشابه. واختلاف بينهما لا كل الاختلاف. فكيف يكون الأمر غير ذلك؟ ونغضب إذ تكون هناك مصر وهناك شام وهناك عراق؟ مثل ما كانت دولة العرب أمس. ينبغي للعالم العربي اليوم أن يكون: (وحدة شاملة وكتلة بنيان في شئون السياسة والذود والدفاع، وشخصيات منوعة الألوان في شئون الفن والخلق والإبداع.) جملة القول عندي أن أسلوب الله في صنع الكون هو وحده منبع الفن، هو وحده مصدر ذلك الإدراك الإنساني للجمال منذُ مبدأ الأجيال. أما نقاد القرن التاسع عشر فلا احسبهم رفعوا أبصارهم إلى هذا الأسلوب مستلهمين. إنما هم قد خروا أمام تمثال العلم ساجدين، أنظارهم
стр. 1490
خاشعة ترنو في رجاء إلى شعاعين من الكهرباء صادرين من عدسات عينيه الجامدتين. القرن التاسع عشر قرن تأليه العلم. فلقد بهر العلم العالم بانتصارات حاسمات متواليات، فاذا الأدب والفن والفلسفة كلها تهرع إليه تقرى له بالغلبة والسلطان. وإذا كل شئ يطلب إلى العلم تفسيرا. وإذا العلم في نشوة الظافر وبسمة الواثق لا يأبى أن يقضى فيما يعنيه وفيما لا يعنيه. وإذا العلم وهو علم المادة يريد أن يتحدث في شئون الروح. وإذا سئل عن الروح قال دونكم هذا الطريق وأشار إلى عين الطرائق التي أدت إلى الفوز في شئون المادة: التحليل والتركيب والتجربة والقياس والاستنتاج والاستقراء الخ. بهت العالم لنظرية النشوء والارتقاء. وآمن الناس أن أصلنا من ماء وخلايا حية وحيوان ظل يسمو في المرتبة على مدى الأزمان حتى بلغ القرد جد الإنسان! نظرية جميلة، خلب جمالها اللب على الرغم من بشاعة ذلك الجد الغول. أما صدقها فجائز من حيث المادة والأجسام. وهنا تبدو قضية: أتصدق هذه النظرية على الروح أيضا وشئون الروح؟ الإحساس بالجمال: أيخضع أيضا للنشوء والارتقاء؟ نعم، نعم، نعم. كذلك قالت المدرسة الإنجليزية (سبنسر، جرانت الن، رسكن). وكان لا بدلهذه العقول التي فتنتها نظرية التطور في المادة أن تبرز للإنسان نظرية التطور في الجمال.
وعجب الناس لنظريات علم طبقات الأرض وعلم الحيوان وعلم الحياة وأبحاث (لامارك) في تأثير البيئة والمناخ وظروف الحياة على طبيعة الأجسام، فقامت المدرسة الفرنسية (هيوليت تين) تخرج للفكر والأدب نظرية للجمال والفن: الوحي فيها والإلهام مقاييس الحرارة وموازين الأحجام! بل إني لأرى إصبع العلم قبل ذلك بقرن يقود المدرسة الألمانية إلى نظريتها في الجمال. ولم يكف العلم هذا التوجيه والتأثير بل تناول بيديه في هذا العهد الحديث جسم الجمال: واعمل فيه المشرط والمسبار (علم النفس الحديث) قضى الأمر، وخرج الجمال من حدائق الفلسفة إلى معامل العلم. .! لست ارزى على طرائق العلم. فهي وسائل البشرية التي لا تملك غيرها. واذكر يوم كنت ارصد وقتا للتفكير في هذه المسائل أني بسطت أمام نفسي هذا السؤال الساذج: الحيوان ما علمه بالجمال؟ حصان بين مهرتين أحدهما جميلة مليئة شهباء والأخرى قبيحة هزيلة عرجاء، إلى أيتهما يميل؟ ما ترددت يومئذ أن أقول في ثقة واقتناع: (إلى الجميلة يميل، ما وجه الترجيح؟ لست أدري، وحبذا
стр. 1491
التجربة فهي الحكم الفصل!). لكنى يومئذ كنت أفكر تفكيرا صرفا في قهوة صاخبة اعتقدت أن آوى اليها للتفكير الهادئ، فأين لي بالخيول والأفراس أجري عليها التجاريب؟ فهاأنذا أقر بأن التجربة وسيلة بشرية طبيعية للوصول إلى المعرفة. واقر باني شعرت يوما بالحاجة إلى ممارستها في شئون الجمال. غير أني على الرغم من هذا لا احب أن اعتقد ببساطة أن نظريات العلم في شئون المادة تصدق دائما في شؤون الروح. لا شيء يستطيع أن يقنعني بأن إحساس الجمال وليد تطور ونشوء. بي رغبة أن أصيح بغير دليل في يدي أن إدراك الجمال ولد كاملا في قلب الإنسان منذ رفع بصره وبصيرته إلى أسلوب الله فرعاه. إني أخشى أن نقع في الغلط إذ نطبق نظرية المادة في مسائل الروح، وهل يستطيع الدكتور أن يجيز قول رسكن وجرانت الن في الإلياذة: (. . . ما كان يعنى الأقدمون بالطبيعة ولا بجمالها ألا حين يتصلان بعيش الإنسان. ففي الإلياذة ما كان يوصف منظر طبيعي لذاته، بل لنفعته للإنسان، كان يكون مكانا خصيبا يفيض بالحنطة أو تكثر فيه الجياد. ما كانت الطبيعة سوى إطار للحوادث والاشخاص، لا انها لذاتها محل للوصف. أن الطبيعة لم تحب لذاتها ألا في العصر الحديث، حيث استيقظ الإحساس بها، إحساس صافي خالص لا تشوبه شائبة النفع أو المصلحة. . .) ماذا أقول في هذا الكلام؟ اهو جهل بمشاعر الأقدمين؟ أم تورط في تطبيق نظرية التطور والنشوء؟ أنصدق حقا أن الشعور الرفيع بجمال الطبيعة لم يعرفه القدماء خالصا لدنوهم من الحيوانية؟ أنصدق أن (هومير) لم يحس جمال الطبيعة لذاتها؟ أهذا رسكن يقول هذا الكلام أما أنا فقد مضى كلامي في الطبيعة والقدماء. ورأيي الذي أبديته في رسالتي الأولى أن الأقدمون كانوا أقرب منا إلى الطبيعة والى فهمها. لقد كان الأقدمون يحسون إنهم جزء من الطبيعة ونغم من أنغامها. أما رسكن وألن أو الإنسان الحديث فلا يحس ألا ذاته الآدمية منفصلة عن الطبيعة وعن كل شئ. دليلي فن القدماء من مصريين وإغريق. أهذا فن قوم لا يحسون الطبيعة لذاتها ولا يدركون قوانينها وأساليبها؟! إلى هذا الحد يصل الانقياد إلى النظريات؟ من اجل هذا لا أريد التمكين للعلم حتى يجلس على عرش النقد دون شريك. احب طرائق العلم. لكنى أخشى نتائج العلم. فلنرتفع بالروح قليلا. لست أريد أن أضع الروح تحت مبضع العلم، رهبة منى أن يشقها فيجدها غلافا أجوف. وإني لا أنسى يوم شاهدت تشريح جثة آدمي
стр. 1492
للمرة الأولى. أي قلق يومئذ مزق إيماني بقيمة الإنسان! كلا. أني كرجل من رجال الروح لا أريد أن افجع في خير ما أعيش به وله. يريح نفسي دائما أن أقول أنى عقل العلم لا يكفي. ولا بد دون إدراك الجمال والروح من العودة إلى القلب. أريد ألا يخرجني العلم من ذلك الإيمان الذي كان يضيء في قلوب المصريين القدماء إيمان قربهم من الخالق، فإذا هم ببصائرهم العميقة العجيبة أول آدميين استطاعوا فهم أسلوب الله والنفوذ إلى قوانين إبداعه. أن أقصى العلم الإيمان. احب ذلك العلم المؤمن الشاعر الذي عرفه أيضا الفلكيون العظام في القرنين السادس عشر والسابع عشر: كوبرنيك، وجاليليه وكبلر، آخر قطرة من ذلك العلم الممزوج بالإيمان كانوا ينظرون إلى الكواكب كما نظر اليها من قبل المصريون الأقدمون. لا بعين العقل، بل بعين القلب أيضا. كانت السماء والنجوم في نظرهم مخلوقات حية. كانوا أيضا يحسون في كتلة النجوم وفي هذا الكون بأكمله الروح الخالقة ويد المبدع الأعظم. ما أروع هذه العبارة من كبلر، فيها تلخيص جميل لكل ما يملأ نفسي: (. . . كل الخليقة ليست إلا سمفونية عجيبة في مجال الروح والأفكار كما هي في مجال الأجسام والأحياء. كل شئ متماسك مرتبط بعرى متبادلة لا تنفصم. كل شئ يكون كلا متناسقا. أن الله قد خلقنا على صورته، وأعطانا الإحساس بالتناسق. كل ما يوجد حي متحرك، لأن كل شئ متتابع متصل. كل كوكب وكل نجم أن هو ألا حيوان ذو نفس. أن روح النجوم هي سر حركتها، وسبب ذلك الحب الذي يربط بعضها إلى بعض وتعليل ذلك النظام الذي تسير عليه الظواهر الطبيعية. .) أولئك رجال ساروا في بيداء العقل دون أن ينسوا دليل القلب. أولئك هم العلماء العظام! أرى الدكتور قد استشف رأيي بعد هذا التمهيد. نعم ولا أخشى أن أجيب ألان عن السؤال فأقول أن التيارات الثلاثة التي ذكرها الدكتور تصدق أيضا في النقد. كما تصدق في الخلق. أما التيار الأوربي في النقد فهو المرتكز على العلم. ولقد وصل إلينا هذا التيار بالفعل وتأثرنا به. وإن بعض كتب النقد التي طهرت في مصر الحديثة تنم على هذا الاتجاه العلمي. وهو أمر لا بأس به، بل هو واجب محتوم، على شريطة أن نقرن به. نظيف إليه عناصر جديدة ووسائل أخرى مستخرجة من أرضنا وتراثنا إذا أردنا أن ننشئ لآدابنا طريقة شخصية كاملة في النقد. فأما التيار المصري القديم فهو النقد المعتمد على الذوق، أي سليقة المنطق والتناسق. وهو عند المصريين القدماء
стр. 1493
سليقة المنطق الداخل للأشياء والتناسق الباطن أي القانون الذي يربط الشيء بالشيء. أي جمال للأهرام غير ذلك التناسق الهندسي الخفي وتلك القوانين المستترة التي قامت عليها تلك الكتلة من الأحجار! جمال عقلي داخلي. كذلك أسلوب الخالق لا يعني بالجمال الظاهر وحده في خلق الطبيعة. فأي جمال للثعبان والجعران؟ أن الجمال الظاهر نسبي لا يقدره غير الإنسان. إنما المنطق الداخليللأشياء هو كل جمالها الحقيقي. هذا المقياس المصري القديم للجمال ما احسبه قد أثر بعد في حياتنا الفكرية أو في أحكامنا الفنية. أما التيار العربي القديم فهو النقد الذي قوامه ذوق الحس. أي سليقة المنطق الظاهر والتناسق الخارجي. الجمال عند العرب هو الجمال الظاهر الذي يسر العين ويلذ الأذن. أنستطيع أن نتخيل العرب تبني الأهرام أو تقدر فيها جمالا؟ لقد جاء العرب مصر وتحدثوا بجمال نيلها وأرضها وسمائها ولم يروا في الأهرام ألا شيئا قد يحوي نقودا مخبوءة، أما بناؤه فشيء لا يحسب في الفن. إنما الحسن عند العرب حسن الهيئة قبل كل شيء. المساجد كالعرائس تكاد تخطر حسنا بزخارفها، زينة للناظرين. بغير هذا فلا عمارة ولا فن. الشعر رنين لذيذ، وخيال جميل، ومعان لطيفة، وألفاظ مختارة ظريفة، بغير هذا فلا شعر ولا فن. الجمال عند العرب جمال إنساني. والفن عندهم شيء صنعه الإنسان لنفسه وللذته. الفن العربي القديم فن إنساني دنيوي. والفن المصري القديم فن إلهي ديني. لهذا اختلفت المقاييس في الجمال بين الفنين. أحدهما يعنى بالتناسق الذي يروق الإنسان، والثاني يعنى بالتناسق الخفي بغير التفات إلى الإنسان. ولعل المقياس العربي القديم هو في مصر المنفرد حتى اليوم بالحكم في قضايا الشعر والأدب. ولعل اقرب مثل إلى الذاكرة ذلك الحكم الذي أصدره الدكتور على بيت للأستاذ العقاد:
هي كأس من كؤوس الخالدين … لم يشبها المزج من ماء وطين، ألم يكن مقياس الدكتور في
التقدير ذلك الذوق الحسي وذلك المنطق الخارجي الذي يربط الألفاظ، فوجد اتصالا غير متسق بين الكؤوس والطين سمع له شيئاً كالطنين يشوب صفاء الرنين؟ هذا المقياس العربي ذو الإبرة الدقيقة عجيب في تسجيل كل انحراف عن منطق الألفاظ. إنما هنالك في اعتقادي منطق آخر مستتر أمره يعنى المقياس المصري. ترى لو أن الدكتور رجع إليه أما كان يحكم لبيت العقاد لا عليه؟ أما كان يرى فيه تناسقا داخليا محكما هو كل ما عنى بأدائه
стр. 1494
الشاعر؟ إني يوم قلت بمزج الروح بالمادة في آدابنا. كان يجب على أيضاً أن أقول بوضع المقياس المصري في النقد بجانب المقياس العربي. وبعد، فإني ولا ريب قد استأثرت منك ومن وقتك مقدار لاحق لي فيه. غير أنى لولاك ما وضعت أفكاري في رسائل. إنما أنا اكتب لك. أي ضمان أنت في الشرق لحياة الفكر والبيان! وهل أستطيع أن أنسى ما كنت لي وما تكون؟ إني أضع بين يديك كل إخلاص؟
كوم حمادة في ١٤ سبتمبر سنة ١٩٣٣. توفيق الحكيم
стр. 1495
من فخري بك البارودي. عضو مجلس النواب
بدمشق
إلى الأستاذ احمد أمين
(والضحى والليل) (يا احمد أمين) … أنت في التاريخ ذخر الباحثين
أنت في الآداب ركن ثابت … أنت في (الأخلاق) نور المهتدين
أنت مهدت سبيلا واضحا … كان وعراً مرهقاً للسالكين
أن ما جئت به معجزة … ذكرتنا معجزات المرسلين
(فجرك) الباسم أحيا أملا … كاد يذوى في صدور الناشئين
(وضحاك) الضاحك اليوم بدا … مثل بدر في ليالي التائهين
قل لعبادي وطه تمما … نشر أجزائكما للقارئين
أن وعد الحر دين فإلى ال … وعد واشفوا غلة المرتقبين
نحن والإخوان في الشام على … مثل حر الجمر في المنتظرين
стр. 1496
البطل في صورة ملك
للمهندس الشاعر على محمود طه
تألق كالبرقة الخاطفة … وجلجل كالرعدة القاصفة
مبين من الحق في صوته … صدى البطش والرحمة الهاتفة
يخوض الغمار دماً أو لظى … ويركب للمأرب العاصفة
يطير على صهوات السحاب … ويمشى على اللجنة الراجفة
ويقتحم الموت في مأزق … ترى الأرض من هوله واجفة
تمزق في جانبيه الرياح … وتنفطر السحب الواكفة
وتشتجر الرجم الهاويات … وتعتنق الظلم الزاحفة
عشية لا القلب طوع النهى … ولا العقل تأسره العاطفة
ولكنها وثبات الجريء … على عثرات المنى الخائفة
شعوب تعالج أصفادها … وتأبى الحياة بها راسفة
صحت بعد إغفاءة الحالمين … على لجة الزمن الجارفة
وحسبك بالدهر من منذر … كرب يعاقب من خالفه
رأيت السفينة في بحره … تنازعها اللجج القاذفة
مددت يديك فأرسلتها … أماناً من الغمرة الخائفة
وخلفك من (يعرب) أمةٌ … إلى النور فازعةٌ شاعفة
نضَت (فيصلاً) من صقال السيوف … يُقبِّل فيه الضحى شارفة
أعدت لها مجدها المجتبى … وبواتها الذروة الشائفة
بناء من السؤدد العربي … دعمت بتالده طارفه
جلت فيه (بغداد) عهد الرشيد … وأحيت لياليها السالفة
وارسلتها بعد نسيانها … حديث النباهة والعارفة
فوا أسفا كيف روعتها … بفقدك في الليلة السادفه
صحت (برن) منك على نبأة … تسيل البروق بها راعفه
رمى الغرب بالشرق إيماضها … فرد الشموس به كاسفه
стр. 1497
أناخ على سروات العراق … فقصف أفنانها الوارفه
طوى فجرها بسمات المنى … واسكت أوتارها العازفه
ومصطبحين هوت كأسهم … حطاماً على الشفة الراشفه
أفاقوا على حلم رائع … كأن بهم فزع الآزفه
يردون بالشك صوت اليقين … وتصدقه الأعين الذارفه
وأني لأسمع ما يسمعون … صدى الويل في صخب العاصفه
وكيف؟ وقد كنت نجم الرجاء … إذا قيل ليس لها كاشفه
وما عرفوا عنك نقص التمام … بيع الصحيحة بالزائفه
تحفك ابهة المالكين … ونفسك عن زهوها صادفة
سرت بالوداعة في بأسها … سرى النسيم في الليلة الصائفه
وتحمل عنهم من العبءِ ما … تخر الجبال له خاسفه
وتهزأ من صرعات الردى … وتمسى على أمرهم عاكفه
إلى أن طوتها وأودت بها … غوائل تطوى الدجى خاطفه
فراحت ترف على كفها … رفيف الندى في اليد القاطفه
وما هي ألا دموع الأسى … همت من جراحاتها النازفه
وما نسيت (دجلةٌ) إنها … بشطيه حائمة طائفه
تباركهم من سماء الخلود … وتدعو (لغازيهم) هاتفه.
стр. 1498
مناظر من موقعة صفين
للأستاذ محمد فريد أبو حديد
وكان معاوية معروفا بالمغالاة في التوسل بهذه المكائد في سبيل الانتصار، فاذا أردنا أن نعرف سبب نجاح مكيدة المصاحف فلا بد لنل من أن نفترض أن صفوف علي لم تكن خالية من عيون معاوية، وليس التدليل على ذلك ببعيد المنال. فقد ارتفع في أثناء القتال صوت بعد صوت يحاول إحداث الفشل في صفوف المقاتلين. غيران الظروف لم تكن قد تهيأت لذلك بعد. فقد قام شيخ من شيوخ الأزد في أثناء المعركة فجعل يرثى قبيلته وينعى من مات منها في سبيل نصرة على وجعل يقول: (والله ما هي إلا أيدينا نقطعها بأيدينا وما هي إلا أجنحتنا نجذها بأسيافنا. . . الخ) غير أن صيحته اضمحلت في حماسة إخوانه وماتت في جلبة المعركة. وكان رئيس ربيعة متهما بالميل إلى معاوية، وقد حدث في أثناء القتال أن انهزم بعض الضعفاء من ربيعة مع ثبات أهل الرايات والشجعان. وقد انصرف ذلك الرئيس منهزما عندما شهد فرار أول المنهزمين، فلما رأى ثبات سائر أصحابه عاد واعتذر عن هربه قائلا انه كان لا يريد إلا إرجاع المنهزمين. فلا بد لنا من أن نفترض وجود هذه التيارات الخفية التي كانت تعمل في جيش على حتى تستقيم الصورة وتصبح ملائمة لطبيعة الأمور. وكان علي لا يحفل بالبحث عن مثل هذه الدسائس. بل لقد كان إذا عرفها ورأى عند صاحبها شبهة البراءة لم يمد إليه يدا بسوء. وكان علي من الشجاعة والاستهانة بالموت في المحل المعروف، وكانت شجاعته هذه تجعله يرتفع عن أن يعبأ بكشف هذه المكائد أو مقابلتها بمثلها. فقد كان رجل كفاح صريح. على أن هذه التيارات الخفية لم تكن بأدعى إلى فشل علي من اضطراب الأهواء تعصف ببعض قلوب من معه، وكان مسلكه الحر لا يكبح هذه الأهواء بل كان يكتفي بأن يشير إلى المبدأ السامي الذي يسعى إليه، ويحض الناس على التمسك به، ويكلهم بعد ذلك إلى نفوسهم ومقدار ما فيها من الإيمان والحرص على الحق. فكان بعض قواده يتنافسون فيما بينهم فلا يعبأ بأن يلتفت إلى تلك المنافسة، بل يحاول أن يصرف حماستهم إلى مقصدهم الأسمى. وإنا ضاربون هنا مثلا بصاحبين من أصحابه كان بينهم تنافس خفي أدى إلى نتائج جليلة في وقعة صفين، ونعني بهذين: الأشعث بن قيس والأشتر النخعي وهو مالك بن الحرث. وكان الأشعث بن قيس
стр. 1499
كما تقدم حاكما على أذربيجان في مدة خلافة عثمان، فلما قتل عثمان وتولى علي لم يخرج عليه، بل بقى على عمله وأخذ البيعة له، واما الأشتر فقد كان من أهل العراق وكان رئيسا له شهامة وفيه صرامة، وقد غضب على حكام العراق في أيام عثمان وثار بهم حتى كان يمنعهم من الاستقرار والحكم، ثم سار إلى المدينة مع جماعة من أصحابه فكان من رؤساء الثوار الذين حاصروا عثمان بالمدينة. ولما قتل عثمان كان هو متكلم القوم والساعي في اختيار الخليفة الجديد حتى اختير علي، فكان من أكبر قواده، وكان الأشتر من اصلب قواد علي عودا وأحصفهم رأيا ولعله كان من أكبرهم إخلاصا في رغبة الإصلاح العام والعدل في حكومة الدولة العربية. غير أنه كان صارما لا يقبل هوادة، ولا يداري في رأيه. وكان يأخذ على علي إنه قدم الأشعث بن قيس وجعله من قواده. لأنه كان من أكبر رؤوس الثوار على عثمان فلا يثق فيمن سبقت لهم ولاية الحكم في أيام عثمان. فلما كانت موقعة صفين تقدم الأشعث في يوم القتال على الماء فأبلى أحسن البلاء حتى تصايح الجنود أن الأشعث هو صاحب الفخر في ذلك اليوم، وكان المنتظر بعد ذلك أن نراه في طليعة القوم في كل المواطن. غير إنا لا نكاد نسمع له بعد ذلك ذكرا في مدة القتال العظيم بين الجيشين وقد دام اكثر من عشرة أيام، في حين إنا نجد بطل القتال هو الأشتر مالك بن الحرث، نراه في يمين القتال وقلبه، وأنى سار نجد النصر والحماسة. أكان هذا عفوا غير مقصود؟ إذن فاسمع ذلك الانفجار الذي حدث بين الأشتر والأشعث لتعلم مقدار ما كان في أعماق نفسيهما من الحقد والكراهية. لما رفعت المصاحف وطلب معاوية التحكيم انقسم الرأي في جيش علي. ولسنا بسبيل عرض هذا المنظر وإنما نقصد أن نقول أن الأشعث بن قيس كان من أول القواد الذين رضوا بالتحكيم وإيقاف الحرب، وسعى في ذلك سعيا كثيرا إلى حين كان الأشتر قد قرب بجنوده من قلب جيش معاوية حتى أصبح على وشك الوصول إلى شخصه، وحتى فكر معاوية في الانهزام والهرب، وقد اضطر علي عندما رأى انقسام أصحابه وفشله إلى أن يرسل إلى الأشتر يأمره بإيقاف القتال والانصراف عن العدو، وقد آبى الأشتر وتردد ثم اضطر إلى الطاعة وهو كاره ساخط، فلما عاد الأشتر إلى علي ورأى ما رأى من سعي الأشعث في تضييع النصر من يده ثارت حفيظته وكان بينه وبين الأشعث منظر عاصف. قال الأشتر (أو لستم قد رأيتم الظفر لو لم تجمعوا على الجور؟)
стр. 1500
فقال الأشعث حانقا (إنك والله ما رأيت ظفرا ولا جورا) ثم تدارك الأمر بعد ذلك وعلم انه قد أنكر أمرا عرفه الجميع. فخاطب الأشتر موادعا. قال (هلم إلينا فانه لا رغبة بك عنا) فقال الأشتر غاضبا (بلى والله لرغبة بي عنك في الدنيا للدنيا والآخرة للآخرة. ولقد سفك الله بسيفي هذا دماء رجال ما أنت عندي خير منهم ولا أحرم دما) فسكت الأشعث (وكأنما قصع على انفه الحمم) غير إنه استمر على سعيه في إيقاف القتال حتى تم الأمر وأعلن للجند، وكان الأشعث هو الذي سار في إعلانه. ثم أن الأشعث كان له صولة أخرى عند كتابة الصحيفة التي كتب فيها التعهد، والتي ذكر فيها اسم الحكمين، وموقفه ذلك يدل على ما كان في قلبه من الحقد والحفيظة على علي والأشتر. أراد علي أن يختار عبد الله ابن عباس ليكون الحكم المختار من جانب علي فثار الأشعث ومعه جماعة فقالوا لا نرضى بغير أبي موسى الأشعري وهو رجل غير موال لعلي، وليس من الذين نهضوا معه إلى حرب معاوية. فراجعهم علي في ذلك وقال إذا لم ترضوا بابن عباس فأني اختار الأشتر. فثار الأشعث عند ذلك ثورة عظيمة وقال (وهل سعر الأرض غير الأشتر؟ وهل نحن إلا في حكم الأشتر؟) قال علي مراجعا: (وما حكمه؟) قال: (أن يضرب بعضنا بعضا بالسيوف حتى يكون ما أردت وما أراد) لم تكن هذه لغة الأشعث يوم القتال على الماء. فما أشد ما حقد على علي والأشتر في أثناء الإقامة عند صفين. أليست الحرب جهد المستميت؟ وهل يستميت مثل الأشعث إذا كان قلبه مليئا بمثل هذا الغيظ؟ لا نستطيع أن نقول أن الأشعث باع نفسه إلى لمعاوية على إحداث ما كان، ولكنا لا نستطيع ألا أن نلمح ما تولد في قلبه من الحقد والكراهية، فأما حقده فعلى ذلك المنافس الناجح وهو الأشتر، أما الكراهية فكانت للخليفة الذي لم يتح له فرصة التصدر والرياسة بعد أن اطمع في ذلك منذ يوم القتال على الماء. لقد كانت صفين مسرحا لعوامل خفية. وأهواء قوية، لم تذهب هذه العوامل وتلك الأهواء سدى، بل قد عصفت بحزب علي في اشد المواقف وأحرجها.
دراسة في التصوف
الأصل في دراستي لهذا الموضوع، هو الإعجاب المطلق، ولقد أدى بي هذا الإعجاب، ومبعثه شوق روحي غامض إلى إجتلاء بعض الحقائق السامية، إلى التفرغ لدراسة التصوف الإسلامي في كتب عدة لبعض أئمة الصوفيين وأخص بالذكر منهم الأمام أبا حامد
стр. 1501
الغزالي والاطلاع على بعض الديانات الهندية وأهمها الديانة الوثنية التي يمثلها نبيهم كرشنا، ولمذهب كرشنا وتعاليمه (بنوع خاص) أثر بارز في دراستي لأصول التصوف. وينحصر مذهب كرشنا في أن الإنسان، يعزف عن الخير لمجرد الوهم والخداع في الدنيا وينصرف إلى الدنيا لأنه لا يعني كثيرا بحقيقة الآخرة. وهو يدعو إلى محاسبة النفس، والقيام بالواجب بدون هوى ذاتي، ومجاهدة الروح، والفناء في محبة الله، وهو يشبه الجسم للروح بالثوب للجسم، ومعنى هذا انه يؤيد فكرة التناسخ. ويقول بأن الروح تنتزع نفسها من الجسم المتداعي إذ لا يعود صالحا لها. لتنتقل إلى جسم جديد، ومعنى هذا أن الروح خالدة. وهو يعزو أعمال الإنسان إلى الروح , ويرى أن ثمة قوة عليا هي التي تحرك الإنسان. . وتسيره، أي أن كل ما يفعله الإنسان مسوق إليه بقدرة الله، وأرادته العالية، ولذلك فأن الإنسان يجب أن يؤدي واجبه دون أن يفكر فيما إذا كان هذا الواجب سيجلب إليه الخير والشر. ولقد عمدت أيضا إلى دراسة الديانة السيخية وأود أن أذكر أن اهتمامي هذا كان مبعثه الأول إلى دراسة التصوف، إحساس روحي عميق، في داخل نفسي، كان يذهب حينا، ثم يعود قويا متجددا فلما تناولت بعض المسائل الروحية بالدرس والتجربة واطلعت على آفاق جديدة في الثقافة الآسيوية، وهي في جملتها روحية أصيلة ألفيت نفسي مقودا إلى استكمال وسائل البحث والدرس. . . وقد يبدو مثل هذا الولع بدراسة المسائل المتعلقة بالروح، شيئا يناهض معنى المدنية القائمة اليوم، وهذا ظن خاطئ فأن المدنية التي ترتكز عظمتها على الآلات ليست كل شيء في سبيل إسعاد الإنسان كما يقول الفيلسوف الروسي ليون شستوف. وهذا الرجل يندد بمساوئ المدنية الحديثة لما فيها من الاندفاع المطلق نحو اجتناء اللذات المادية، حتى صار الإنسان في بعض البيئات الصناعية أشبه بالآلة أو الحيوان أن تجرد من الصفات العليا. وشستوف يدعو إلى تنمية العواطف الإنسانية الكريمة، وتذكية الروح في سبيل الارتفاع بالإنسان، والحيلولة بينه وبين طغيان الشهوات الدنيا والمطامع الوضيعة حتى لا تفسد روحه وتخمد المشاعر السامية في نفسه. والواقع أن هذه الدعوة ليست سوى ترديد لما يعتلج في صدور الكثيرين ممن سئموا طغيان المادة على الحياة، وعادوا يحنون حنينا قويا إلى العناية بالروح، كما يعني بالجسم؛ فأن الإنسان ليكاد لفرط ما يحفه من مظاهر الترف والإغراء يعبد الجسد عبادة وثنية. وحدث
стр. 1502
منذ عامين تقريبا أن اهتممت بالطريقة الروحية التي غاندي في جهاده الوطني، وهي التي يسميها السياسيون بالطريقة السلبية، أقول: إن اهتمامي بفلسفة غاندي جعلني أتجرد لمعرفة قوة الروح والاطلاع على ما يتصل بها وبالجسم. ومن هذه الأشياء التي سبقت، مجتمعة، تكونت عندي فكرة قوية لمعالجة هذا الموضوع، راجيا أن أكون قد وفقت فيه بعض التوفيق بقدر ما يتسنى ذلك في رسالة قصيرة، ولست أستطيع أن ادعي إنني بلغت فيه كل ما أرجو، فأن هذا الادعاء لا قيمة له لنفسي ولا للقارئ، فأنني متصل بهذه الحياة كالآخرين، اتصالا ماديا، هذا الاتصال الذي اشعر بثقله كلما رأيت الإنسان كم يكذب ويخدع، ويحتال، وينافق. . لكي يعيش. أو بمعنى آخر إن قوة المدنية ومادياتها قد طغت على أرواحنا طغيانا جارفا، فأفسد اكثر النواحي الإنسانية فينا، ونمت الروح الحيوانية في سائر أعمالنا، أو كما يقول برناردشو في كتابه الأخير: (مخاطرات الفتاة السوداء) أصبح الإنسان الحديث عبد الخمر والبندقية. ولست في ذلك بالجاحد لقيمة المدنية، فأن التطور الاجتماعي الذي نلمسه في القرن العشرين كنتيجة لجهود العلماء المتصلة لخير الإنسانية قد أفاد الإنسان في حياته فوائد جليلة، ولكن الانتفاع شيء والاستمتاع شيء آخر. . وإطلاق الشهوات هو طريق الانحدار والانحطاط، وأننا لنرى أكثر علماء هذا العصر قد شغلوا جميعا على الرغم من اختلاف اتجاههم في البحث وتباين ثقافتهم بتوحيد القوى الإنسانية، والتغلب على الشهوات التي تثير في النفس التطلع إلى القهر والإذلال والاستعمار والاستغلال والتمرد على الأمم الصغيرة الوادعة كما يتمرد الرأسمالي على العامل. أن التصوف رياضة نفسية عنيفة، وليس من السهل أن يروض الإنسان نفسه عليها، بل أن وضع المدنية لا تكاد يجعلنا نرى في الصوفية المطلقة كل الخير، وخاصة لما تقتضيه الحياة أن يعيش فيها كعضو عامل منتج، إنما يعني اكثر المشتغلين بالتصوف في هذا العصر بإنقاذ الروح كجوهر. وقد قسم العلاقة توماس باتريك هيوز صاحب الموسوعة الإسلامية حدود الصوفية إلى تسعة أقسام أهمها: أن الله في كل شيء، وكل شيء مستمد منه ، وأن كل شيء مرئي أو غير مرئي خاضع لقدرة الله، وان هناك مقاومة بين الروح والجسد ينهيها الموت. فيذهب الجسم، أما الروح فتبقى. وأساس الاعتقاد عند الصوفيين أن الخلود للروح. ولهذا فأنهم يسلكون طريق التعبد والرياضة النفسية تزكية
стр. 1503
للنفس والخلق، وتحسينا للشمائل وتبغيضا في الدنيا، واستعداد للرحيل إلى الدار الباقية. . حتى تصفو العقيدة وتنقى السريرة وتصفى من أكدار التكلف والنفاق. ومثل هذه الرياضة تتطلب الخلوة والعزوف عن الأشياء البراقة ومجاهدة النفس وتصعيد الغرائز والارتفاع بالفكر إلى أسمى مكانة، وقد قال الإمام الغزالي في ذلك: (ثم دخلت الشام وأقمت فيه قريباً من سنتين لا شغل لي ألا الغزالة والخلوة والرياضة والمجاهدة اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب لذكر الله تعالى، كما كنت حصلته من علم الصوفية، وكنت اعتكف مدة بمسجد دمشق اصعد منارة المسجد واغلق بابها على نفسي، ثم تحرك بي داعية فريضة الحج والاستمداد من بركات مكة والمدينة وزيارة النبي ﷺ بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله عليه وسلم، ثم سرت إلى الحجاز ثم جذبتني الهمم ودعوات الأطفال إلى الوطن، وعاودته بعد أن كنت ابعد الخلق عن أن ارجع إليه) وللتصوف مراحل لا بد أن يجتازها الصوفي مرحلة وراء مرحلة، وليس من السهل اجتياز كل منها فأنها تحتاج إلى جهد فائق، وجلد كبير، وقوة مدخرة، وأهم تلك المراحل: العبودية والعشق والزهد والمعرفة والوجد والحقيقة والكشف والوصول إلى الفناء. فأذا أشرقت روح الصوفي، ارتفعت به إلى حيث تكشف له السعادة المطلقة، فيبلغ مرتبة الفناء المطلق للفكرة، وتفهم سر الحياة والموت، والصوفي الذي يجتاز تلك المراحل هو الكامل في إخلاصه وتعبده، وقلما يصل اليها متصوف، بل أننا لا نكاد نحصى ألا طائفة صغيرة ممن استطاعوا السمو إلى هذه المنزلة أولئك الذين خلت نفوسهم من الشوائب وتخلصوا وتطهروا وأقاموا حاجز منيعا بين رغباتهم المادية وغايتهم الروحية العليا. وهناك وسائل يتبعها المجتهدون في التصوف أهمها ثلاث: الانجذاب والعبادة والعروج، ومن يقرأ الشعر الصوفي يذهل لفرط ما يرى. فأن الشعراء الصوفيين يصورون حالتهم النفسية تصويرا رائعاً، ففي شعرهم من الهيام والوجد والعشق ما يكاد يحسبه القارئ لأول وهلة لشاعر أغرم اغراما أفلاطوينا بفتاة. والواقع أن انحدار تلك المعاني لا يكاد يختلف عند الاثنين في شيء ما، فبينما نرى الصوفي يتجه مخلصا نحو ذكر الله بالتوسل والدعاء والابتهال، نرى الآخر يقدس الجمال في معناه الأسمى. لا شك أن الصوفي المنصرف عن الدنيا بكل ما فيها. المتجه إلى الآخرة اتجاها تاما إنما يبالغ في فكرته إلى حد الفناء في اعتناق الفكرة
стр. 1504
فإذا أردنا أن ندرس التصوف على انه تزكية للروح وتنقية له من الشوائب فأن هذا حسن، ولكن من الخطأ أن يكون الإنسان سلبيا بحتا، فأن الحياة قوامها العمل والكتب السماوية كلها تحث على العمل والمثابرة والاجتهاد في سبيل العيش بينا نرى التصوف بمعناه الدقيق يدعو إلى الزهد المطلق والانكسار في جهة ضيقة للتعبد والتقشف، وهذا ما في رأينا إخلاص إلى حد الجنون بالفكرة والتعصب لها، فأننا لنرى النبي الكريم ﵊ وهو روح الحب والحنان والتسامح قد حمل مصباح الهدى ومشعل الحق وجاهد في سبيل الله بلسانه ويده حتى عمت دعوته، لقد كان النبي الكريم يشتغل بالتجارة ولكن ذلك لم يصرفه عن استخلاص نفسه والتوجه نحو الخالق بالعبادة والصلاة دون أن يعتكف في مكان ضيق من الأرض.
وإننا لنرى العلماء اليوم وخاصة من تشربوا بالثقافة السلافية، يدعون الناس مخلصين إلى تطهير نفوسهم وعدم الانغماس في ملذات المدنية تنزيها لجوهر الروح عن الفساد وخوفا على البشرية من الانزلاق في مهاوي الشهوات والترف كما ذهبت في الماضي بعض المدنيات العريقة طعمة لجنون الشهوات والطمع والفساد الاجتماعي.
محمود عزت موسى.
стр. 1505
حول الإشعاع النفسي
قرأت بإعجاب هذا المقال الممتع الذي دبجه أستاذنا الكبير أحمد أمين عن النفوس وإشعاعاتها الغامضة المعقدة التي تشعر بها وقد لا نستطيع التعبير عنها، والتي تختلف باختلاف النفوس وتتعدد بتعدد نواحيها وطبائعها، فملك علي هذا البحث مشاعري وألقى بي في ذلك العالم الروحي الذي يقوم وراء هذا الحجاب الكثيف من المادة، حتى خلت نفسي أسبح في عالم من الأرواح أو أن حجرتي كما يقول الأستاذ (ملايين وأكثر من الملايين من إشعاعات نفسية تشع من السماء ومن الأرض ومن النفوس البشرية ومما لا يعلمه إلا الله).
على أنني ما كدت أعود إلى هذا العالم المادي وأقرأ المقال بعين الناقد المتدبر وأتحلل من هذا التأثر العميق بشخصية الأستاذ الكبير حتى أدركت السبب الحقيقي لهذا الأثر النفساني الذي يعزوه الأستاذ إلى أشعة تنبعث من النفوس والعقول لا تقل جمالا عن (إشعاعات النجوم والكواكب) وتختلف في القوة، اشد من اختلاف المصابيح الكهربائية، يقول الأستاذ: (إن هذا الإشعاع هو السر في أنك تلقى عظيما فيملؤك أثرا ويملؤك قوة بهيئته، بنبرات صوته، بطريقة تعبيره، بنظراته، بإشاراته، بهزة رأسه، بحركة يديه، فكأن في كل عمل من هذه الأعمال يوصل بينك وبينه تيارا كهربائيا قويا يهزك هزا عنيفا، قد لا يحدثك طويلا وقد لا يكون لكلامه في الواقع قيمة ذاتية، ولكنه يوقظ نفسك ويحيي روحك وتبقى رنات كلماته في الأذن الأيام والليالي تعمل عملها في هدوء حينا وعنف حينا)، كلام بديع يستهوي اللب ويخلب العقل ولكنك إذا أعملت فيه الروية والعقل وباعدت بين نفسك وبين أسلوب الأستاذ الأخاذ وشخصيته الجذابة أدركت غير ما يدرك، ووقفت على سبب آخر لهذا الأثر النفسي الذي يسميه الأستاذ إشعاعا ونسميه نحن: (شعورا بالعجز والضعة)، وذلك إن الإنسان لا يتأثر بعظمة عظيم، ولا خطابة خطيب، ولا حديث محدث، إلا لسبب واحد لا ثاني له، وهو شعور بعجز نفسه وانحطاطها عن مستوى هذا العظيم، وهذا الخطيب وهذا المحدث، قد يكون عاجزا أو ضعيفا، وقد يكون قويا أو رفيعا، ولكن شعوره بعجزه وضعته هو على كل حال السبب الوحيد في إكباره للعظيم وتقديسه للخطيب وإنصاته للمحدث وتأثره بغيرهم من الناس.
قد تكون درة عمر أهيب من سيف الحجاج لدى الناس، ولكن السبب في ذلك لا يرجع إلى أن أشعة قد انبعثت من نفس عمر فغمرت الناس بموجة من الجلال والعظمة. وأن أشعة
стр. 1506
من نفس الحجاج قد غمرت أجسام الناس بالخوف والرهبة، ولكن السبب هو أن الناس كانوا يشعرون بشيء من الاستكانة أمام بطش عمر وجبروته، فاذا ما ذهبوا يحاولون النيل منه وتلمس سيئاته لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا، لأنهم يجدون فيه الرجل المتمسك بالشريعة الذي لا تصدر أفعاله عن هوى، وإزاء هذا الشعور بالعجز المضاعف أمام هذه الشخصية يحس الناس بشيء من الخشية المشوبة بكثير من التعظيم والإجلال. أما الحجاج فكان الناس يشعرون بكثير من الخوف والهلع أمام سيفه نتيجة لشعورهم بالعجز عن مجاراته في أسباب بطشه للسلطة المخولة له عليهم، ولكنهم من جهة أخرى كانوا يستطيعون إحصاء ما كان يقترفه من السيآت والمنكرات، وما كان يقدم عليه من الإجرام والظلم، وهكذا كانوا يخافونه ويرهبوا جانبه لشعورهم بالعجز عن مقاومته، ولكنهم كانوا في الوقت نفسه يكرهونه ويشتد مقتهم له لاعتقادهم بأنه متخلف عنهم في الرحمة والعدل والإنسانية، وبالجملة فإن عمر والحجاج لم تنبعث من نفسيهما أشعة تؤثر في الناس، ولكن الناس هم الذين خلقوا هذا التأثير بهذا الشعور السلبي الذي استولى على نفوسهم، ولو أن حياتهم الاجتماعية والسياسية كانت تصبغهم بغير هذه الصبغة، ولو أن شعورا بالقوة والعظمة والرفعة استولى على نفوسهم لما ملأت نفوسهم عظمة عمر وجلاله، ولما ضربت عليهم الذلة والمسكنة وانكمشت قلوبهم خوفا ورعبا من الحجاج وسيفه وصولته.
قال الأستاذ: (وحدثني من أثق به أن الأستاذ جمال الدين الأفغاني كان يرتطن عجمة ولم يكن فصيح اللسان، ولا سلس القول، ولكن تجلس فيشعلك نارا دونها فصاحة الفصيح وبلاغة البليغ، لأنها النفس مستودع كهربائي قوي يصعق أحيانا، ويضيء أحيانا، ويدفع للحركة أحيانا) وهذا أيضا ينضوي تحت لواء ما قلناه، فقد كان المصريون في أيام الأستاذ جمال الدين بعيدين عن هذه الحرية الفكرية الغربية، وإن كان بعضهم يطمح إليها ولا يجد في هذا الجو المصري الخانق الرجعي مسعفا له على بلوغ مأربه، فلما حط الأستاذ رحاله في هذا البلد، هرع إليه بعض من هذه الفئة العطشى، ولشعورهم بالعجز في مضمار الفلسفة وما إليها مما كان يلقيه عليهم الأستاذ جمال الدين، ولموقفهم منه موقف الطلبة من أستاذهم كانوا يشعرون برهبة ورغبة في مجلسه، وتبدو لأعينهم وقلوبهم هذه التعاليم الجديدة التي يتلقونها نارا تلهب النفس وتشعلها وتتأجج في جوانبها حتى لتدفع بها إلى
стр. 1507
الثورة، ولو كان فيهم رجل يأنس من نفسه قوة تدفعه إلى الوقوف مع الأستاذ موقف الند للند، لا الطالب أمام معلمه لتغيرت الحال وأحجم الأستاذ احمد أمين عن أن يضرب هذا المثل للتدليل على وجود هذا الإشعاع النفسي موضوع مقاله.
وأن اختلاف تأثير الخطيب باختلاف السامعين والممثلين باختلاف النظارة، لينهض دليلا على ما نزعمه من أن تأثير الأشخاص في بعضهم ليس مرجعه إلى قوة نفسية تشع من نفس إلى أخرى فتؤثر فيها تأثيرا قويا أو ضعيفا، حسنا أو سيئا، ولكن هذا يرجع إلى شعور النفس المؤثر فيها بتخلفها (بحكم طبيعتها أو العوامل المحيطة بها) عن النفس التي أثرت فيها في الخطابة أو الكتابة أو ما شاكل ذلك.
من هذا كله نستطيع أن نقول إننا لا نتأثر بعظيم فنرهبه ونرتعد من الخوف بين يديه، أو خطيب فنصفق له ونحمله على الأعناق، أو محدث فنرهف آذاننا له ونعجب به، إلا لأننا قابلنا العظيم وفي قرارة نفوسنا من شعور بسموه عنا، وسمعنا الخطيب ونحن نشعر بأننا عاجزون عن الوقوف مثل موقفه، والتعبير بمثل تعبيره، وأنصتنا إلى المحدث وقد غمرنا شعور بالقصور عن لباقته، أو مجاراته في حججه، أو الإتيان بمثل حديثه الذي يحمل بين طياته من المذاهب الجديدة والعلوم الحديثة ما نجهل. وليس هذا الأثر ناتجا من صدور أشعة من نفس العظيم أو الخطيب أو المحدث إلى نفوس الناس.
وخلاصة القول إننا لا نقول بحدوث تأثير المؤثر من قوة إيجابية تنبعث، ولكنه يكون بشعور سلبي أو قوة سلبية يحس بها المؤثر فيه حتى ليتوهم أنها آتية إليه من خارج نفسه، والحقيقة أنها تصدر عن نفسه وتنبع منها.
الإسكندرية - عبد الحليم محمد حمودة
(الرسالة)
من أين يأتي شعور العجز والضعة، وقد تلقى الرجل لأول مرة فيثير فيك شعور البطولة والإعجاب، بل قد تراه أو تسمعه وقد سبقت إلى أذنك أخبار وضعت من شأنه، وحطت من قدره، فما هو إلا أن تراه وتسمع له حتى يتغير رأيك ويختلف تقديرك. هل سمعت قول القائل: (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) أو هل علمت أن الناس لما رأوا الحجاج يصعد على المنبر أخذوا الحصى ليحصبوه، فما استهل خطبته حتى تساقط الحصى من أيديهم
стр. 1508
وهم لا يشعرون؟ ما ذلك إلا الإشعاع.
стр. 1509
لم لا تقول الشعر؟
للدكتور عبد الوهاب عزام
كتبت ألي أيها الأخ الكريم تسألني (لماذا صمتَّ بعد تغريد، ونضبت بعد فيض، وسكنت بعد المرح، واكتأبت بعد الفرح؟ وما هذا الوجوم والإطراق بعد التهلل والإشراق؟ أين قلبك الهدار، وقلمك المكثار؟ وأين شعرك الشاعر، ونظمك الساحر؟ ليت شعري، وقد أمكنك القول، لم لا تقول الشعر؟)
يا أخي بماذا اجيبك؟ لقيت الحياة مبتسما، ونشأت مرنما، أطالع تباشير الصباح مرحا كالأطيار، مترنحا مع الأشجار، تروقني ألوان الأفق، وتدهشني طلعة ذكاء في مواكب الضياء، أراقب الأضواء، في الصباح والامساء، وأساير الظلال، بالغدو والآصال. وأخلو إلى القمر أشرب ضياءه، وأحس في نفسي صفاءه، وأقول:
البر والبحر ذوبٌ من سنا قمر … تردد الطرف فيه فهو حيران
وأتأمل الأزهار في شعاعه، واقبِّل الورد في لآلائه وأساير النيل أجري مع مائه. واضطرب مع أمواجه، وأقف على البحر فرحا بآذيِّه المهتاج، معجبا بسلاسل الأمواج، أرقب العراك المتواصل، بين الماء والساحل.
وكم طربت لزقزقة العصافير في نور الصباح، وتنزيها على متون الرياح، وضحكت لبكور الغراب، سابحا في الضباب.
وكم فتنني الوجه الجميل والخلق النبيل فقلت:
في كل حسن أرى سراً يجاذبني … نفسي، ومالي بهذا السر عرفان
أرى الجمال فتطبعه زجاجة العين على صفحة القلب فاذا هو على لساني وقلمي. فانطلق قائلا معجبا. ومنشداً مطرباً.
وكل شيء يبعث الأمل، ويحدو إلى العمل، وكأن القضاء طوع الخيال، وليس في الدنيا محال. وكأن الإنسان يستطيع أن ينحت الجبال بقلمه، وينزف البحر بفمه. والمستقبل وضاء، وكل ما في العالم ضياء.
ثم نفذ إلى الفكر إلى ما وراء الظاهر، وتطلع إلى ما في السرائر، وجاوز القشر إلى اللباب، وخاض الضحضاح إلى العباب، وكشف المجاز عن الحقيقة، وطالع ضمائر
стр. 1510
الخليقة. فأنبهم العالم واستعجم، فاذا كل شيء مبهم، فالفكر فيما وراء الحجب جائل، وكل سر هنالك هائل. الضوء هنالك ضباب، والبصر حجاب.
فامحت الأشكال وخفيت الألوان، وعيّت الريشة في يد الراسم، وحار القلم في بنان الشاعر، وبُهِت المنطق دون البيان، وجمد اللفظ على اللسان. ويبقى السر المحجَّب آبيا على كل مطلب، أو يبصَّ من الحقيقة حاجب يعظم عن ضيق الألفاظ ويكبر على سلاسل القوافي والأوزان.
ورحم الله الشاعر سنائي إذ يقول: (رجعت عما قلت إذ ليس وراء الألفاظ معان، وليس لما ندرك من المعاني ألفاظ).
أهم بالأمر الصغير فإذا هو حلقة في سلسلة، وطريق إلى كل معضلة، وجزء من كل حقيقة هائلة.
وأحاول الأمواج فتنفتح عن الأعماق، فيضل الفكر وتزيغ الأحداق. وأعالج حمرة الشفق، فاذا وراءها خبيئات الأفق، وإذا الأفق صلة الأرض والسماء، وكيف بما فيهما من حقائق، وكيف بما أستسر من أسرار الخالق؟
وأهم بالكلام عن الحيوان فاذا أنا في لجة الحياة، وهي السر العجاب، وسطها فوق الأرض وطرفاها في التراب.
وأريد أن اصف الذرة فاذا هي والشمس سواء، باهرة الحقيقة رائعة الضياء. أنظر إلى الصغير فيكبر، وأعمد إلى الواضح فيستعجم.
والأمل تكسرت أمواجه على صخور الحقائق، وضل سرابه في صحاري الحياة.
يا أخي: ها أنا على ساحل المحيط الأعظم حائر الطرف بين اللجة والشاطئ، مقسم الفكر بين الظاهر والباطن. ولست أدري أأبقى صامتا مبهوتا، أو أهجم على الأهوال، وأغوص في الأعماق، ثم أبين عن عرفاني وجهلي، وإدراكي وعجزي، أو أرجع إلى العهد القديم أصف الألوان والأشكال والضياء والظلال. . . .؟
следующие страницы →