← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

في التلفون بين بتاح في عهد أحمس بطل استقلال مصر وعبد الجليل أحد متطوعي القرش. - ألو! ألو! من أنت؟ - أنا بتاح ومن أنت؟ - أنا عبد الجليل - في أي مدينة تكون وما جنسيتك. - أنا في البدرشين، أنا حيث تمثال رمسيس العظيم ملك مصر الفاتح، أنا في منف. . . العاصمة العظيمة التي امتلأت في عهدكم بالحكماء والقضاة ورجال العلم والفن فأين أنت؟ - أنا في نفس المدينة لكن يخيل إلى أن زمن ما يفصلنا. أنه يشبه الجبال العالية والصحارى المديدة الفسيحة. فأية أعجوبة هذه التي جعلت الأرواح تعبر الأزمان لقد أثار إعجابنا عجلاتنا التي تطوي الأرض طياً ولكن ها هو ذا شيء عجيب آخر يطوي الزمن لكن ماذا تفعل في منف. - أنا أعمل عملا جليلا. لو استطعت أن تمد يدك وراء الأجيال إلى يدي لشعرت بالدم يجري فيها حاراً ملتهباً إن الفرح الذي يملأ نفسي لتتضاءل أمامه كنوز العالم ومفاخره. - أن الذي تقوله عجيب. . . فأنت تصف ما أحس به تماما. فأني أنتفض سعادة وأني لأشعر أن الدنيا تصغر في عيني أمام هذا المبدأ العظيم الذي تخرج مصر لتحققه. فهل أنتم تفعلون ما فعلناه نحن منذ قرون. ماذا تفعل في منف؟ - أني هنا اجمع القرش - تجمعون القرش؟ ماذا تعني - أعني أننا نجمع من كل مصري شيئا يتبرع به. شيئا تافها من ثروته. فإذا جمعنا هذه الثروات الضئيلة جمعنا ثروة ضخمة - وماذا تفعلون بهذه الثروة الضخمة؟ لست أفهمك فلعل الاتصال الذي بني وبينك قد اضطرب، فان عقلي لا يستطيع أن يدرك من الذي يجمع هذه الثروات الصغيرة ولمن يجمعها - ثم لماذا. آه، لعلكم تخشون المجاعة فتجمعون اليوم ما يقيكم شرها غداً وليس هذا شيئا عجيبا. لا يا صديقي لسنا نجمع هذه الثروات الصغيرة

стр. 177

لشيء مما يجري في بالك. بل نجمعها لنشيد بها مصانع تخرج لنا ملابس نلبسها ومآكل نأكلها، وأثاثاً نؤثث به بيوتنا. ولكن من الذي يقوم بهذا الجمع؟ - الشعب، الشبان الذين أنا أحدهم. فأنا أترك العاصمة حيث الراحة والترف والهدوء. لأجوس خلال منف التي أصبحت قرية صغيرة فيصيبني التعب، وألقى أحيانا الأعراض، وأرى غالبا الفقر، فتذهب نفسي حسرات في الحالين ومع ذلك لست أيأس ولا أتقهقر. - أنه إحساس الأمة، بدأ غامضاً، ثم اتضح شعورا ثم استحال فكرة ثم تجسد عملا. - لا بد أن تكونوا شعبا ناضجاً جدا. أن القوة التي فيكم هي القوة التي خلقنا بها الفنون وأوجدنا العلم ولكن في نفسي سؤالا يضايقني فدعني أسألك إياه! ماذا كنتم تلبسون قبل هذه المصانع التي تريدون تشييدها. هل كنتم عراة. ثم ماذا كنتم تأكلون. هل كنتم في صوم؟ - لا، لقد كنا نشتري ثيابنا من غيرنا من الدول كذلك كنا نبتاع طعامنا. هل سمعت صرختي التي دوت. لقد أحسست بمثل مروق السهم في جسمي حين سمعتك تفوه بهذه الحقيقة المريرة. لقد شعرت بالألم، حين عرفت أن أحفادنا يعيشون متسولين لا يعرفون كيف يحيكون ثوبهم أو يصنعون طعامهم. . أنتم أهون من العبيد ماذا كنتم تفعلون لو منعوا عنكم الطعام، وحجزوا عنكم الثياب. - اطمئن، اطمئن يا أخي. فمصر اليوم من أولها إلى آخرها في ثورة على هذا الحال الأسود. وهو ينقشع وتبدو من بعد أضواء فجر جميل. فها أنا ذا قلت لك أننا نخرج فنؤسس مصانع تغسل عن كرامتنا هذه الإهانة التي جعلتك تصرخ. ومصر أنت تعرفها تستطيع أن تنتج لأبنائها كل شيء الثياب التي يلبسون، والطعام الذي يأكلون. ولكن أبناء أوروبا القارة التاجرة التي لم تعرفوها، عودونا أطعمة خاصة، وألواناً من الثياب بعينها، فأصبحنا لا نستطيع أن نعيش بدونها فاستوردناها منهم. ثم خلقوا لنا صنوفا من الزينة فاشتريناها منهم ودفعنا ثمنها غالياً. وبذلك تسربت أموالنا إلى جيوبهم. إن أشد أنواع الاستعباد استعباد الروح والفكرة. ففي بلادنا اليوم أعداء ولكنا لا نحس بهم لأن معتقداتنا ونظام حياتنا وأسلوب تفكيرنا، لم يصلوا إليها ولم يؤثروا عليها. فنحن أحرار ولكنهم هم أنفسهم المستعبدون فقد جاءوا إلى مصر فغيرت عاداتهم وأخلاقهم وجعلتهم أمة جديدة (لعلك أنت في منف لتحارب هؤلاء الأعداء) - نعم، أنا مع مئات الألوف من أبناء

стр. 178

مصر كل منا في صدره قلب لو وضعت يدك عليه لأحسست بعالم يهتز ويموج، في أيدينا سهامنا وأقواسنا وهي تشتعل حرارة هي حرارة هذه القلوب. ثم ترتفع من حناجرنا أهازيج هي أهازيج الفوز والانتصار. وأمامنا قائد هو أحمس تحيطه الأفئدة وتجري وراءه الأرواح، وتتابعه العيون. لا يقول شيئا إلا فعلناه ولا يشير بيده إلا أسرع إليه الشباب كله، في جسمه جروح لا تعد وفي جبينه شج هو خير من تاج. سنسير اليوم صفوفاً صفوفاً تحجب كثرتها قرص الشمس، وتسير أقدامنا تطرق الأرض طرقة متسقة موسيقية تطمئن لها الروح فتنشط لها النفس. ثم تتقدمنا العجلات الحربية فيها الشبان الذين كشفت ثيابهم عن أذرعهم القوية الجبارة، وصدورهم التي ترتفع وتنخفض انتظاراً للمعركة التييرتفع فيها اسم مصر، أني سعيد يا أخي، أني سعيد، فدعني أغني وأرقص. فان ساعة الفوز قادمة - ولكن ألا تفكر في أنك قد تموت! - أموت! ما أبدع وما أروع! وهل ثمة ميتة أعز من هذه الميتة؟ لقد مات في معركة أمس صديق لي فلما اقتربت منه أساعده وجدت شفتيه تضطربان وعليهما بسمة. ثم همس في أذني. . ما أسعدني ليهبك الله شرف هذا الموت! ولقد أصاب سهم جنب ابن عمي، فذاق عذابا لو نال الأهرام لذابت، ولكنه كان يغمض عينه ويضغط على شفتيه، وتملأ الصفرة صفحة وجهه وهو لا يكاد يئن. أنه يستعذب الألم، أنه يستطيب العذاب، ما دام ذلك من أجل هذا الوطن الذي نعيش فيه. إن مصر لتهب القوة والجلد والصبر. أنها لتخلق من الجبناء الضعفاء مغامرين أقوياء. دعني يا صديقي أغني فان ساعة المعركة قادمة، سنمضي مثلكم في جيوشنا السلمية: صفوف منظمة، أساليب محكمة وأيمان يملأ القلب. كل سنة نشيد مصنعاً تصنع فيه الكرامة المصرية العتيدة سليمة من جديد. وفي كل لحظة نبشر بمصر التي وهبت للدنيا الفن والحكمة، وعلمتها الزراعة والصناعة ورفعت للعالم مشعلا لم يرتفع له منذ آلاف السنين. سيد فتحي رضوان سرير رقم ٣٣ المستشفى الإسرائيلي ١٥ يناير سنة ٩٣٣

стр. 179

العَالم المسرحيّ والسِّينمائِي للأستاذ محمد توفيق يونس خاتمة الرواية الحديثة أصاب نقدي على رواية (بنات اليوم) شيء من البتر أثناء الطبع جعل قولي في خاتمة الرواية وحلها غير مفهوم فأحببت أن أوضح هذه الفكرة فأقول: قام على هذا الموضوع خلاف شديد بين أنصار المذهبين الرومانتيكي والواقعي. فهؤلاء يأخذون على أولئك ختامهم الروائي الذي ينتهي في المآسي بالذبح العام والقتل الشامل. وربما ادخلوا بعض أشخاص الرواية في هذه الرواية لأنها أسهل طريق للتخلص منهم. أما في الكوميديات فغالباً ما يسدل الستار على مكافآت عظيمة، وجوائز سنية، وعيش رغيد يبعد عن الحقيقة كل البعد. رأى الواقعيون أن المسرح وهو قطعة من الحياة يجب أن لا يفصل عنها. فليس من الفن والواقع في شيء أن يعامل المؤلف القطعة التي اختارها من الحياة كأنها كائن قائم بنفسه. لذلك كان من الواجب عليه، وهو يسير بروايته إلى الغاية، أن يترك في نفوس جمهوره أثراً بأن الدنيا لا تزال مستمرة الحركة فيخرجون وهم يشعرون (بعد أن كوفئت الفضائل، وعوقبت الرذائل، وحققت الرغائب) أن أشخاص الرواية لم يزيدوا ولم يقلوا عن كونهم آدميين سيجدون ولا شك أفراحا جديدة وأحزانا أخرى مكتوبة لهم في سجل القدر. أما في الروايات القديمة فقد كان المؤلف يجعل النهايات حاجزا بين الحاضر والمستقبل كأنما العالم بعد ختام روايته قد وصل إلى نهايته. الجامحة على مسرح بريتانيا رفع الستار وبدأت الرواية. الحوار شائق لذيذ، والعمل محكم جميل، والتحليل قوي دقيق، ولكنا نشعر كلما تقدمت الرواية ونما العمل بجو أجنبي، فالحادث غريب، والبيئة غريبة، والأشخاص غير مصريين وإن كان الكاتب (الأستاذ طاهر حقي) قد أعارهم أسماءنا وألبسهم ثيابنا. فليست الرواية مصرية في الواقع؛ وإذا كان الكاتب قد اقتبسها فكان ينبغي أن يعرضها في صيغة تلائم الذوق المصري، ويعنى فيها باللون المحلي حتى لا يجد

стр. 180

المشاهد نفسه في جو لا يحسه ولا يألفه ولا يتأثر به، وأمام أشخاص لا تدنيه بهم معرفة ولا تربطه بأحدهم صلة. وإذا كان التوفيق بين فكرة الرواية الأصلية والصبغة المحلية متعذرا فكان أجدر به ترجمة الرواية كما هي حتى لا يسئ الاقتباس، ويخطئ المغزى، ويخدع الجمهور. أما التمثيل فلم يكن في مجموعه صحيحا متسقا. ونجاح الرواية في الواقع يرجع إلى بطلتها السيدة فاطمة رشدي، فقد لبست دورها ببراعة وحذق وكانت في موقعها في ختام الفصل الثاني جديرة بالإعجاب حقا. الرواية السينمائية المصرية شهدت القاهرة هذا الأسبوع محاولتين جديدتين في سبيل إيجاد الرواية السينمائية المصرية الصحيحة، (الزواج) للسيدة فاطمة رشدي، ثم (كفري عن خطيئتك) للسيدة عزيزة أمير وهي أول من وضع الحجر التاريخي للسينما المصرية. وهذه حركة نقابلها بالغبطة، وإن كنا نلاحظ على روايتنا السينمائية بوجه عام عدم توفر الأصول الفنية فيها، وكثرة ما بها من نقائص وعيوب. ولن تقوم الرواية السينمائية المصرية وتنهض الا على أساس من المعرفة الصحيحة والدرس الطويل. ومن الضروري أن يعهد بها إلى فنيين زاولوا السينما وأدركوا دقائقها، وفهموا حقائقها، وعرفوا أسرارها. وإذا كانت جهود الأفراد تعجز عن القيام بما يتطلبه هذا الاستعداد من نفقات، فلدينا شركة قائمة هي شركة مصر للتمثيل والسينما تستطيع أن تسد هذا الخلل وتقضي هذه الحاجة. ولنا وطيد الأمل أن تدخل الميدان وتساهم في وضع أساس الرواية السينمائية المصرية فنستقدم الخبيرين نسترشد بفنهم ونهتدي بتجاريبهم حتى ينتظم العمل من وجوهه الفنية جميعا. ولقد رأينا ما كان لاشتراك المسيو روبير بدرويز المخرج بشركة جومون في رواية (كفري عن خطيئتك) من أثر جميل وتقدم محسوس فخرجت الرواية واضحة متسقة منتظمة. ولا يسعنا نحن إلا أن نرحب بهذه الخطوة الحميدة وأن نقابل بالتشجيع ونذكر بالخير مجهود عزيزة أمير والسادة أحمد الشريعي وتوفيق المردنلي ومحمد صلاح الدين وزكي رستم.

стр. 181

العدد ٣ - بتاريخ: ١٥ - ٠٢ - ١٩٣٣

стр. 182

بين السوامر والصحف الرسالة وقراؤها: خرجت الرسالة إلى قرائها على الحال التي سمحت بها صعوبة البدء وأثالة العمل. فاستقبلوها إستقبالا ما وقع في الظن ولا تعلق به الأمل. ولا يزال البريد يحمل إلينا كل يوم رسائل الأصدقاء والقراء تفيض بحسن الظن، وجمال العطف، وكرم التعضيد، ومحض النصيحة. ومن هذه الرسائل الكريمة ما يستحق النشر لدقة ملاحظاته، أو رقة أدبه. أو سداد رأيه؛ ولكن دورانه على الثناء والتقريظيجعل في نشره إتهاما لخلق الرسالة. وقلما تجد أنبل عاطفة من رجل يعنى بعملك لذاته، ثم يحمِّل نفسه ووقته لجهد الكتابة إليك صفحات في تأييده وقدره، ثم لا يريد بعد ذلك أن يبوح لك باسمه!! فإلى هؤلاء تتقدم الرسالة بموفور الشكر على ما يرجون لها من خير، وما ينيطون بها من ثقة، وتسأل الله أن يؤكد بها أسباب التوفيق حتى تتحقق الظنون وتصدق الأماني. آراء القراء: من الكرام الكاتبين من يطلب إلى الرسالة المزيد في التعمق والإفاضة، ومن يرغب في شيء من الفكاهة والبساطة، ورأي الأولين أن تقصر على أدب الخاصة، ورأي الآخرين أن تستدرج ذوق العامة، والرسالة ترجو أن توفق بين الرأيين، بأن تتخذ طريقها بين بين، ثم تنشر الحين بعد الحين أعداداً خاصة بما تجمع لديها من البحوث المستفيضة والدراسات العميقة والقصص الضافية. لأشاغيل طرآنة: للأستاذ محمد بك مسعود أثر جميل على الثقافة العامة منذ زمن طويل. وعهد القراء بأسلوبه سائغ المورد مأنوس اللفظ فيما نشر من صحف وألف من كتب. ولكنه منذ توفر محاكاة الأستاذ وحيد في تحقيق اللغة. ومباراة شيخ العروبة في

стр. 183

تمحيص التاريخ، بدت على أسلوبه الصحيح أعراض الغرابة التي تلا زم اللغويين، والإعتداد الذي يساور العلماء. ولا نحب أن نعرض لهذه الروح المنبثة في المنظارة (الطرطوشية) وأمثالها. فإنها بين عالمين جليلين لا يجهلان أن المن يفسد العلم، وأن شهوة التغلب تظلم الحقيقة، إنما نرغب إلى الأستاذ مسعود أن يوافقنا على أن حياة اللغة في أحياء اللفظ الذي لا نظير له في مألوف الكلام، أما استبدال صيغة مهجورة بصيغة مشهورة كاستعمال أشاغيل بدل شواغل، وطرآنية بدل طارئة، وصروح مكان صراحة، وقدور في موضع قدرة، ومشيوخاء بدلاً من شيوخ، فأحياء شر من الموت، وبيان أغمض من العي!! التجديد والتقليد: صديقنا الهراوي على تجديده ينكر التجديد، ويزعم إن كلمتي قديم وجديد ينقصهما التحديد، وكنت أحب أن أكون في جانبه حين قرأ في الأهرام (نفثات شاعر) لصديقه وزميله الأستاذ نسيم، إذن لأخذت إعترافه بأن في الشعر جديداً وقديماً، وأن الحطيئة قد يسمى عبد المطلب وقد يسمى نسيماً: وإلا فإلى من كان ينسب هذا الشعر لو لم ينشر تحته أسم صاحبه؟ وما زعزعتني الحادثان كشامخ … رسا بهضاب فوقه واكام وللدهر مرنان رددت سهامها … وقابلتها من حعبتي بسهام فقدت صديقي اللذين تبوآ … من الشعر أعلى ذروة وسنام وأصبحت في جيل نبا بي ودهم … وساء ثوابي بينهم ومقامي وليس لهم غيري إذا جد جدهم … وخطب الرزايا حولهم مترام ولو شئت كانت لي زعامة شعرهم … وكنت لمن يأتم خير إمام شوارد تزري بالحطيئة هاجيا … وتعي جريرا في مديح هشام له الحمد ثم الحمد ما ذر شارق … وما در غيم بارق برهام وما ذرعت بطحاء مكة أينق … تحن بأرزام لها وبغام وما شدت إلا كوار فوق متونها … وقيدت بشزر محصد وزمام وبعد فأن الشاعر الذي يجعل للشعر جبلا وجملا ويتخيل الهضاب والآكام والجعاب والسهام

стр. 184

والأرزام والبغام، ويذكر بطحاء مكة وأكوار النوق وهو في رياض الجزيرة وعلى ضفاف النيل، ويزعم أنه موئل قومه وليس من الزعامة في كثير ولا قليل؛ لا يسوغ في العدل الأدبي أن يقيد على حساب هذا الجيل: إن تعدد الأساليب في العصر الواحد أثر طبيعي لاختلاف العوامل المؤثرة في كل شاعر؛ ولكن الأسلوب الذي لا ينسجم مع أمور الحياة؛ ولا يتصل بشعور الأحياء، لا يدخل في هذه الأساليب، ولا يدل وجوده على شاعر ولا أديب. الشبان والشيب: كتب الأستاذ إبراهيم المصري فصلا قيما في البلاغ عن (أدباء الشباب وأدباء الجيل الماضي) نعى فيها على هؤلاء إستئثارهم بالمجد وإحتكارهم للشهرة وإنكارهم في سبيل ذلك جهود الشباب. وخشى أن يكون ذلك الأئتمار المضمر بالأدب الشاب تخوفا من انهزام أدب أنتشر لخلوالميدان، وأشتهر بطول الإعلان، فلا يجلد بطبعه للتنافس والنقد. وقال أن شيوخ الكتاب في الغرب لإخلاصهم لرساتهم الأدبية وثقتهم بملكاتهم الفنية، يسددون خطى النبوغ الناشئ، ويرفعون ذكر الشباب الموهوب، ويمهدون السبيل لخلافة الجيل الحاضر، ثم يهيب بالعزائم الفتية أن تعلن الحرب المشروعة على هؤلاء القادة الذين كسبوا هذه العناوين من غير جهد، ونالوا هذه النياشين من غير حرب. والرسالة تقر الأستاذ المصري على رأيه وترى من الجناية على الأدب أن تطغى أثرة الكهول على هذا الطموح. وأن تكون الهيمنة على الصحافة وسيلة لكبت هذا الروح، وتعلن أنها بطبيعتها ومبدئها أن تكون ملتقى الوئام بين الجيلين، وسفير السلام بين الفريقين. العراق ومجمع اللغة العربية: ينام صديقانا الحصري والزهاوي ملء الجفون في قصريهما المتقابلين على طريق الأعظمية ولا يعلمان أنهما أقضا مضجع وزارة المعارف المصرية ليلة: فقد روت الصحف المحلية أن الأستاذين الكبيرين جميل صدقي الزهاوي وساطع بك الحصري رفضا ترشيحهما لعضوية المراسلة للمجمع وجرى في خلال ذلك ذكر لجنة التأليف والترجمة، فظنت السياسة أن هذا الترشيح كان إقتراحاً من لجنة التأليف والترجمة التابعة للمجمع،

стр. 185

وإذن يكون هذا الرفض تسفيها للوزارة من جهة، ودليلا على إعراض البلاد العربية للمجمع من جهة أخرى. فأخذ الوزارة من مقال السياسة المقيم المقعد، وأصدرت بلاغا رسميا تكذب فيه أن يكون منها عرض، ومن الأديبين رفض. ووجه الوفاق بين المعارف والسياسة أن لجنة التأليف والترجمة هذه ليست تابعة للمعارف المصرية وإنما هي لجنة من لجان المعارف العراقية، تنظر في تأليف الكتب العربية ونقل المؤلفات الغربية. أما كيف دخل في اختصاصها ترشيح الأعضاء، فذلك أمر تسأل عنه وزارة (الزوراء).

стр. 186

مسارح الأذهان الأدب والعلم للأستاذ أحمد أمين الأستاذ بكلية الآداب بالجامعة المصرية مرت كلمة الأدب والعلم في اللغة العربية في أدوار عدة، استعملوا كلمة الأدب أحياناً فيما يرقى الخلق ويهذب النفس واستعملوها بمعنى أوسع حتى عدوا أفحش شعر لجرير والفرزدق والأخطل أدباً، وعدوا خمريات أبي نؤاس وغلمانياته أدباً كما يعد الفنان بعض الصور فنا وإن كانت صورة لوضع مستهجن أو فعل فاضح، وكذلك الشأن في كلمة العلم، كانوا أحياناً لا يستعملونها إلا في العلم الديني، ثم توسعوا في معناها حتى شمل كل ما ينتجه العقل والفن. وفي العصور الحديثة فرقوا بين الأدب والعلم ورسموا لكل دائرة، ومن ثم كانت الصحيفة أو المجلةأحياناً أدبية، وأحياناً علمية، وأحياناً أدبية علمية، وأصبح من المضحك أن نقول علم الأدب لأنالعلم غير الأدب، وأصبح لدينا من يسمى (أديباً) فلا يكون عالماً، وعالماً فلا يكون أديباً، وقد يكون أديباً عالماً ولكن كلمة (عالم) الأزهرية إنما إشتقت من العلم بالمعنى الواسع الذي يشمل الأدب والعلم معاً. وبعد فما الفرق بين العلم والأدب وما الذي يجعل الأدب أدباً والعلم علماً؟ الحق إن كلمة الأدب والعلم من الألفاظ الغامضة التي نفهمها نوعاً من الفهم فإذا أردنا تحديدها حرنا في أمرها، كالجمال والعدل والخيال والحرية والعبودية، وإذا سألنا (حتى الخاصة) في معناها أجاب كل حسب ميوله وأغراضه وحسب طبيعة فهمه للكلمة. وهناك أشياء لا نشك في أنها علم أو أدب، فلو سئلت عن نظريات الهندسة وقانون اللوغارتمات وقوانين الحساب والطبيعة والكيمياء فذلك علم بالبداهة، وإذا سئلت عن قصائد بشار وأبي نؤاس والمتنبي ومقامات الحريري فذلك أدب لا علم، ولكن ما حدود الأدب وما حدود العلم؟ قد عودتنا الطبيعة أن الأضداد تفهم ما تباعدت، فإذا ما تقاربت حدودها صعب فهمها، ما أسهل ما تقول أن هذا ظل وهذا شمس، ولكن عند تقارب الظل من الشمس تجد خطوطاً يصعب أن تقول أهي ظل أم شمس، وما أسهل ما تقول إن هذا الماء حار أو بارد إذا

стр. 187

إشتدت حرارته وبرودته ولكن ما أصعب ذلك إذا أخذ الحار يبرد والبارد يسخن فأنك تصل لا محالة إلى درجة يعسر عليك الحكم فيها بالحرارة أو البرودة. أكبر ظاهرة في التفريق بين الأدب والعلم إن الأدب يخاطب العاطفة، والعلم يخاطب العقل، فإذا قلت إن زوايا المثلث تساوي قائمتين فإنك تخاطب العقل ولا تمس العاطفة وإذا قال المتنبي: خلقت ألوفاً لو رحلت إلى الصبا … لفارقت شيبي موجع القلب باكياً فهو يمس العاطفة أولا، ومن أجل هذا كانت الجملة الأولى علماً وبيت المتنبي أدباً. العالم يلاحظ الأشياء يستكشف ظواهرها وقوانينها وعلاقتها بأمثالها وما يحيط بها، على حين إن الأديب لا ينظر اليها إلا من حيث أثرها في عواطفه وعواطف الناس، ينظر النباتي إلى شجرة الورد فيدرس كل جزء منها والتغيرات التي تطرأ عليها من وقت بذرها إلى وقت فنائها، ومن أية فصيلة هي، وما علاقتها بالفصائل التي تقرب منها، أما الأديب فينظر إلى أجزاء الشجرة منسقة متناسبة ويرى أنها لم تخلق إلا لزهرتها الجميلة، وأن بين الزهر وقلبه نسباً، يعجب بحمرة لونها على خضرة أوراقها ويذهب خياله في ذلك كل مذهب. أما النباتي فيبحث لم كانت الزهرة حمراء وأوراقها خضراء. عالم الحياة لا يرى في الفتاة المحبوبة إلا إنساناً خاضعا لكل أبحاث البيولوجيا أما الأديب فيرى في محبوبته شيئاً وراء كل ما يبحث عنه العالم، هي الحياة وهي الدنيا وهي النعيم إذا وصلت والبؤس إذا صدت، أو يقول مع القائل: ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت … وقع السهام ونزعهن أليم فالكلام إذا لم يثر عاطفة لم يكن أدباً فإذا هو خاطب العقل وحده كان علماً، وإذا أمعن في إثارة العاطفة كان أمعن في الأدب. وليس الأدب وحده هو لغة العاطفة فقد تفوقه في هذا الموسيقى فهي قادرة على أن تضحك وتبكي، وتسر وتحزن، وتسر سروراً حزيناً، وتحزن حزناًسارا وتؤلم ألما لذيذا، وتلذ لذة أليمة، وتثير الشجاعة حتى لتدفع إلى الموت، وتنفث الخمول حتى لتدعو إلى النوم، تقدر الموسيقى أن تفعل كل ذلك في العاطفة وهي اقدر من الأدب لأن الأدب يخاطب العاطفة بواسطة الكلام ومن طريقة أما الموسيقية فتخاطب العاطفة وجها لوجه من غير وسيط، تؤثر فيك أدوار العود والقانون والبيانو ولو لمتصخب

стр. 188

بكلام ولو لم تفهم أي معنى منها، بل تكره أن تفهمالا النغم وحلاوته والتوقيع وعذوبته. أما الأدب فلما أعتمد الكلام والكلام إنما يفهم بالعقل كان لا بد للقطعة الأدبية من قدر من العقلومن المعاني تستثار بها العاطفة وتهيجمنها المشاعر. وارتباط العاطفة بالأدب هو الذي منح الأدب (لا العلم) الخلود، فالنتاج الأدبي خالد أبدي لا النتاج العلمي، فقصائد أمريء القيس والنابغة وجرير والفرزدق وبشار وأبي نؤاسوالمتنبي كلها خالدة تقرؤها فتلتذ منها كما يلتذ منها من كان في عصرهم، فأن احتاج إلى شيء فتفسير ما غمض من الألفاظ والمعاني، وهو بعد يشعر بشعورهم ويسر كسرورهم، ثم القطعة الأدبية لا تمل، تقرؤها ثم تقرؤها فتسر منها في الثانية سرورك منها في الاولى، تتعشق تلاوتها وتكرارها، وليس ذلك هو الشأن في العلم فحقائق العلوم خالدة ولكن منتجات العلوم غير خالدة فما في كتاب أقليدس من نظريات هندسية خالدة ولكن الكتاب لايقرؤ الآن إلا من أراد أن يرجع إلى تاريخ الهندسة، وكل كتاب في الهندسة يموت بمرور سنين عليه ولا تعود له قيمة إلا القيمة التاريخية مهما حوى من نظريات جديدة وترتيب جديد، وكذلك كتب الحساب والجبر والطبيعة والكيمياء والفلك ليست خالدة وإن كانت الحقائق التي فيها خالدة، بل الطبعة الثانية من هذه الكتب تقضي على الطبعة الأولى بالفناء إذا دخلها تغيير، وليس طالب علم الآن يرجع إلى ما ألف من خمسين عاما إلا إذا أراد أن يؤرخ العلم ولكن طالب الأدب يرجع إلى ديوان المتنبي ليتذوق أدبه ويلذ مشاعره كما كان ذلك منذ ألف عام، وقد حفظت بعض قصائده ولا أزال أستمتع بترديدها ولكن إن أنت قرأت كتاباً في الرياضة وفهمت ما فيه لا تستطيع في الحال أن تعيد قراءته إلا على مضض. والسبب في هذا (على ما يظهر) أن عواطف الإنسان لم تتقدم كما تقدمت عقولهم، قد ترقى العواطف شكلاً فترى أن الإحسان إلى الفقير بإعطائه درهماً ليس خيراً ولكن خيراً منه بناء مستشفى وإنشاء ملجأ ونحو ذلك، ولكن العاطفة هي هي في أساسها، وقد ترقى عاطفة الحنو الأبوي فلا ترى مانعاً من دفع الأولاد إلى حرب الحياة وجوب الأقطار، ولكن العاطفة في أساسها واحدة. أما العقل فوثاب دائماً راق أبداً، في الشكل وفي الأساس يرى حلالا اليوم ما كان حراماً بالأمس ويرى حقاً الآن ما كان باطلاً من قبل ويخترع كل يوم جديداً ويصوغ حياته وفق الجديد. ومن أجل ذلك لا يلذ له أن يقرأ عقل السابقين إلا كما

стр. 189

يقرأ تاريخهم ولكن عواطفه هي هي ركزت وثبتت فتلذذ اليوم بما يمثل عواطف الأقدمين وإن كرت عليها الدهور وتوالت العصور، وليس الأمر بهذا القدر من السهولة في الفصل بين الأدب والعلم. فهناك أنواع يصعب الفصل فيها حتى على الخاصة أأدب هي أم علم، هناك أدب (معلم) وهناك علم (مؤدب) هناك تاريخ صيغ صياغة أدبية فلا يكتفي بسرد الحقائق وتعيين سبب وقوعها وإنما يضع ذلك في قالب يثير شعورك للإحتذاء والقدوة أو للحب أو الكراهة. وهناك فلسفة صيغت في قالب قصة، وهناك طبيعة وكيمياء صاغتها يد صناع ماهرة في الفن تحمل قلم أديب فأخرجت منها موضوعات شيقة تثير عاطفة الجمال وتستخرج الإعجاب بما في هذا العالم من إبداع وفن. هذه الموضوعات وأمثالها ليست أدباً خالصاً ولاعلماً خالصاً وإنما هي علم أدبي أو أدب علمي، هي أدب بمقدار ما تثير من عاطفة، وهي علم بمقدار ما فيها من حقائق. العلم لغة العقل، والأدب لغة العاطفة، ولكن لابد في هذه الحياة أن يلطف العلم بالأدب، والأدب بالعلم، فالعقل إذا جمح استخف بالشعور وجعل الحياة ثمناً للعلم، وهو إذا مزج بشيء من الأدب مس الحياة ورفّه على الناس، والعاطفة إذا شردت كانت ثوراناً وهياجاً. ألا ترى التعجب يزيد فيكون نباحاً، والعشق يهيم فيكون جنوناً؟

стр. 190

حظ الأديب في مصر للأستاذ عبد العزيز البشري خاض بعض أفاضل الكتاب في هذا الحديث فتظاهروا على أن الأدب لا يجدي في مصر على أهله، وإن هو أجدى بعض الأحيان ففي شح وتقتير، إذ هو في بلاد الغرب يعود بالغنى والثراء، وقد يعود بأوسع الغنى وأضخم الثراء. وراحوا يتشعبون مذاهب العلل والأسباب لهذه الحال: ومن بين هذه الأسباب قلة عدد المتعلمين في البلاد، وفتور هؤلاء عن اقتناء كتب العلم والأدب، وخاصة إذا استخرجت منه أثمانها، وانتشار الأدب الرخيص تنتضح به بعض المجلات الأسبوعية فيقبل عليه الشباب من المتعلمين ومن لا يزالون في طريق التعلم مطاوعة للشهوة، ولأنه لا يحتاج إلى كد ولا مطاولة. وكذلك أضافوا الأمر إلى أثرة الناشرين وإستغلالهم حاجة الأدباء وضعف وسائل هؤلاء إلى القيام بنشر آثارهم بأنفسهم. ثم إلى عدم عناية القادرين، من أي صنف كانوا، بالأدب الرفيع يذكونه بألوان المعونة والتشجيع. وكل هذه الأسباب لا تعدو في رأي الحق الواقع في كثير ولا قليل. وعلى ذلك لم أدفع القلم اليوم لمناقشتها والتماس سواها، وإنما لأسرد تاريخاً موجزاً لصلة الأدب بالمادة في بلادنا إبتداء من الجيل الذي شهدنا طرفه إلى غاية هذا الجيل الذي نعيش فيه. كان الأدب من بضع وخمسين سنة مجرد حلية وزينة يتكلفه المتأدبون إما للمفاكهة والتعابث والتظرف، وأما للزلفى طلبا للتمكين من المنصب أو الحظوة عند أولي الأمر، أو أستخراجا للإحسان. لم بكن الأدب، في الجملة، إذن يطلب غرضاً سامياً سواء من إمتاع النفس باطلاعها على ما في الكون من فتنة وجمال، أو معالجة القضايا العامة وملابسة الأسباب الدائرة بين الناس. فكان الشعر في الجملة أيضاً، يدور في المذاهب التي سلكها العرب الأقدمون من مدح وهجاء، وفخر وغزل ورثاء؛ على أنه، حتى في هذه الأغراض الضئيلة لم يكن أكثره على شيء من الخطر سواء في سمو المعاني أو في قوة الأداء. بل كان نسلاً ضعيفاً متزايل الأجزاء. وكيف يشعر لا يزيد على أنه نقض دارس مما أزل شعراء العهد العثماني: التماس المحسنات البديعية من جناس وتورية واستخدام، بالغة ما بلغت المعاني وواقعاً ما وقع نظم الكلام.

стр. 191

أما النثر، وأعني النثر الفني بالضرورة، فكان أشد نسولة وأبلغ تزايلا؛ كلام لا يكاد يجري لغرض أو يستشرف إلى غاية؛ إنما هو السجع يلتزم فيه كله فترى فيه السخن والبارد، والحلو والحامض. لم يكن من شأن هذا المقال أن يعرض للأسباب التي بعثت هذا الأدب القوي العالي الذي نذوقه اليوم، فذلك مبسوط في كتب تاريخ الأدب العربي. وإنما عقدنا هذا الكلام لأيراد موجز من تاريخ التكسب بالأدب عندنا في العصر الحديث كما ذكرنا في صدر هذا المقال. لقد كان التكسب بالشعراء، في الجملة، من طريق واحدة، هي أن طائفة ممن يتكلفون نظم الكلام كانت الحاجة تبعثهم إلى أن يرتصدوا إلى حكام البلاد وأعيانها وموسريها حتى إذا دخلت على أحدهم نعمة من أي لون كانت أو مات له ولد أو نسيب بادروا بأزجاء التهنئات يموهون حروفها بماء الذهب، أو المراثي يجللون رقاعها بالسواد، ولا يزالون يختلفون اليه في طلب العطية. وقد لا يظفرون، في الغاية ألا بتسريح بغير إحسان. ولقد أساء هؤلاء إلى الأدب إساءة بالغة، بحيث نشأت ناشئة الجيل الماضي وهي لا تكاد ترى في الأدب إلا الكدية، ولا في الأديب إلا أنه شحاذ! أما التكسب بالنثر فكان له طريق آخر أقبح من ذاك وأخزى. وذلك بأصدار صحف صغيرة حقيرة قد تظهر مرة في الأسبوع أو في الشهر أو في نصف العام. ومادة كسبها في الواقع من تخويف ضعاف النفوس بتشهيرهم وطلب معايبهم والتدسس إلى مكارههم إلى أن يشتروا أعراضهم، فأن فعلوا وإلا فلأمهم الهبل. ولقد إنتهى، والحمد لله، هذان الضربان من التكسب بالأدب ولم يبق لهما في بلادنا، على ما أرى، من أثر. ولعل ذلك راجع إلى تغير فهم الناس لمعنى الأدب، وإرتفاعهم به على ذلك الهوان، وإلى إنتشار الثقافة بوجه عام، وإلى خشية سطوة القانون بوجه خاص. وليس معنى هذا أنه لم يكن هناك لا أدب ولا أدباء، بل كان الشعراء وخيار الكتاب، إلا أنه لم يكن يتكسب أحد من هؤلاء (ما عدا الصحفيين المحترفين) بصنعة القلم. نعم كانت الصحافة بمعناها الصحيح، ولا زالت مهنة كريمة نبيلة تجدي على أصحابها وعلى المشتغلين بها ما يعودون به على شملهم، بل ما قد يغنيهم ويضيف إليهم الثروات الضخام. أما هواة البيان على حد التعبير الحديث، فلم يكن لهم من هذه الجدوى نصيب. ثم كانت (الجريدة) وقام على شأنها الأستاذ العلامة الكبير أحمد لطفي السيد بك، فرأى أن

стр. 192

يدعو نفراً من كبار العلماء والكتاب إلى تغذية الجريدة من وقت لآخر بالمقالات المتخيرة المنتقاة في مختلف أسباب الحياة، واجتعل لهم ذلك الجعالات. ولعله في ذلك كان متهدياً بسنة الصحافة في الغرب. على أنه لما إشتدت قوة الصحافة في مصر وعظم انتشارها بحكم إطراد الحضارة وكثرة المتعلمين، وإزدياد تتبع الجمهرة للأسباب العامة وشدة إهتمامهاً بها (اضطرت) كبريات الصحف، بنوع خاص، إلى العناية بتجويد تحريرها، وإغزار مادتها، حتى لقد جردت بعض صفحاتها لطريف البحوث في شتى العلوم والفنون، وفوق أنها أضعفت وظائف محرريها أضعافاً. فقد جعلت كذلك تؤجر الكاتبين فيها من غير محرريها بما لم يكن يحلم به أحد من عشر سنوات خلت. هذه حقيقة للأدباء أن يغتبطوا بها، وإذا كان المدى بين حظوظهم وبين حظوظ رصفائهم في الغرب لا يزال فسيحاً، فلهم من الأمل في القريب مزيد إن شاء الله. بقى الحديث في التكسب بالأدب من طريق نشر الكتب ودواوين الشعر. والذي شهدناه من أعقاب الجيل الماضي ولا نشهد غيره إلى اليوم. أن الكسب من هذه الطريق يكاد يكون مكسوراً على جماعة الوراقين كما قال بحق بعض كبار الكاتبين على إنني أرجو منه أن يأذن لي في إستثناء أصحاب الكتب المقررة للتدريس، فاؤلئك وحدهم المجدودون، أو الذين كانوا مجدودين إلى وقت قريب. لقد كان الأدب عندنا، ولعله لا يزال عند الأكثرين إلى الآن ينتظم في سمط الكماليات، والكماليات عند أكثر الناس ليست حقيقة بأن يخف المرء اليها، اللهم إلا إذا واتته عفواً، أو بغير مشقة ولا جليل إنفاق. فبات بديهاً ألا تنفق كتب الأدب حتى تعود على أصحابها بنفقات طبعها بله الثروة وكرائم الأموال. أما كتب العلم، فأن العلم يطلب في بلادنا على أن يفضي إلى إحراز شهادة رسمية تقلد محرزها منصباً حكوميا، ً فإذا لم يكن الأمر على هذا فلا كان علم ولا كان تعليم! هذه حقيقة واقعة أرى إن إنكارها ضرب من الغش والتدليس مشايعة لهوى الجمهور، والعياذ بالله! لعل واحداً في كل ألف من الذين ختموا دروسهم في بلادنا هم الذين يشقون كتاباً علمياً لا تدعوهم إلى شقه حاجة المهنة. نعم لعل في الألف من المتعلمين واحداً أو دون الواحد هم الذين يطلبون العلم ويراجعون مدوناته ليكملوا أنفسهم، وليتزيدوا من

стр. 193

معارفهم، ويفسحوا في ملكاتهم. العلم عسير الهضم، يكد الذهن ويجهد النفس، ففيم مكابدته وشدة المطاولة في تحصيله ما لم تقض بتحصيله ضرورة ملحة قاسية، من إرهاق الولي أو إلحاح الحاجة، أو جموح الشهوة إلى المنصب يعرض الجاه، ويعز في الأهل والصحاب!. فكيف تريدون أن تنفق عندنا كتب العلم للعلم؟!. . . . . . أما الكتب المقررة للتدريس فهي التي كانت إلى وقت قريب، تدر على أصحابها الكثير بل الذي يستطيعون أن يكاثروا به أعلى مؤلفي الغرب قدراً وأبعدهم صوتاً! ولا أحسب أن هذا الأجداء كله يرجع إلى فضل المؤلفين وحده وعظم تجويدهم لما يخرجون من فنون الكتب، بل لعل شيئاً من ذلك يعود إلى أن هذه الكتب مفروضة فرضاً على العديد الأكبر من تلاميذ المدارس تشتريه وزارة المعارف لهم أو تريدهم على شرائه، وإلا خذلوا في الإمتحان وأفلتتهم الإجازات، أو على الأصح فاتهم التأميل في المناصب الحكومية، ولا حول ولا قوة إلا بالله! الواقع أن أكثر الكتب المقررة موف على الغاية من التجويد والإحسان، ولكنها غير مدينة في رواجها إلى هذا التجويد والإحسان. بل هي مدينة في ذلك، مع الأسف الكثير، لأنها مفروضة على التلاميذ فرضاً، ولو قد عدل عنها ما أخرجت المكتبات عشر ما خرج منها على أسخى تقرير. وهذه الحقيقة المرة القاسية ترينا مبلغ حظ العلم والأدب في هذه البلاد. ومهما يكن من شيء فأن لنا أن تغتبط، ولو قليلاً، إذا نحن قسنا حاضرنا بماضينا القريب، فبين مؤلفينا من يستردون من أثمان مؤلفاتهم ما أخرجوا لطبعها، وفيهم من تفضل عليهم من الربح الكثير أو القليل. وكل الذي نرجو أن تطرد همم الشباب في تحصيل العلم الصحيح، وتتجرد عزائمهم في طلب الأدب العالي، معرضين عن إلتماس هذا الأدب الهين الرخيص. هنالك تنبعث في البلاد الحياة القوية العزيزة، وهناك يجازى العلماء والأدباء بما يكافئ الجهد العظيم.

стр. 194

أثر الثقافة العربية في العلم والعالم بقلم أحمد حسن الزيات (٢) فرغ العرب من رسالتهم الدينية بانقضاء الفتوح، ولم يكد الأمر يستوثق لهم والنظام يستقر بهم وظلال الامن ترف عليهمحتى أخذوا يبلغون العالم رسالتهم العلمية بذلك العزم الذي لا ينكل عن خطة ولا يقف دون غاية. وكان مهبط الوحي بتلك الرسالة بغداد لأنها البلد الأول الذي رفرف ﵍ وتدفق فيه الغنى واشتد به الخلاط وتجمعت لديه شتى الوسائل. ومن خير هذه الوسائل التي حققت هذا الشرف للعراق أن علماء النساطرة الذين نفوا إليه من الممالك الرومانية الشرقية لأسباب دينية، كانوا قد أنشأوا في إديسة من بين النهرين مدرسة تنشر علوم اليونان والرومان، ولما أغلقها الأمبراطور زينون الأوزريالي لأسباب دينية أيضاً، لاذوا بأكناف بني ساسان فلقوهم لقاء جميلاً، وأقام لهم أنوشروان في جنديسابور مدرسة وصلت ما انقطع من تلك الحركة. وكان الأمبراطور جستنيان يومئذ قد فتح باب الجور على أساتذة المدارس الأفلاطونية في أثينا والإسكندرية فألجأهم للجلاء والشراد فما اعتصموا منه إلا بفارس. وأخذ هؤلاء وأولئك ينقلون إلى السريانية والكلدانية كتب أرسطو وسقراط وجالينوس وأقليدس وأرخميدس وبطليموس، فكان ما ترجموه من العلوم ومن خرجوه من العلماء نواة صالحة لهذه النهضة المباركة التي نهد لها الخلائف الأولون من بني العباس. كان أول من تلقى وحي هذه الرسالة الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور فأنشأ المدارس للطب والشريعة واستقدم جرجيس بن بختيشوع رأس أطباء جنديسابور ونفراً من السريان والفرس والهنود فترجموا له كتباً في الطب والنجوم والأدب والمنطق. ثم حملها من بعده الرشيد فنفخ فيها من روحه ونشرها في العالم بروحه وترجم في زمنه ما وجد من كتب الطب والكيمياء والفلك والجبر والنبات والحيوان. فلما تلقاها المأمون لم يبق من كتب العلوم والفنون والصناعة شيء في العبرانية واليونانية والسريانية والفارسية والهندية إلا نقل إلى العربية. ولم يقف العرب عند الدرس في هذه المترجمات وإنما أقبل بعضهم على تحصيل اليونانية واللاتينية ليرجعوا بهما إلى بعض تلك الأصول. وفي مكتبة الاسكوريال ما يثبت ذلك من

стр. 195

قواميس عربية يونانية وأخرى عربية لاتينية قد ألفها العرب للعرب. ثم أقبل الناس في الشرق والغرب على هذه العلوم يعالجونها بالشرح والتحليل حتى اجتازوا سراعاً دور التلمذة والتقليد إلى دور الابتكار والتجديد، فهبوا ينشئون المدارس ويقيمون المراصد ويمحصون المسائل ويؤلفون الرسائل ويؤسسون المكاتب، وقد جروا في ذلك إلى أبعد الغايات. ذكر (بنيامين دتودليه) أنه رأى في الاسكندرية عام ١١٧٣م عشرين مدرسة، فما ظنكم ببغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة وأشبيلية وطليطلة وغرناطة وقد كان فيهن عدا العدد الوفر من مدارس الثقافة العامة جامعات للثقافة الخاصة وما يتبعها من وسائل البحث كالمعامل والمراصد والمكاتب؟ وأنكم لتكبرون ما بذله العرب من الجهود الجبارة في سبيل المدنية والعلم إذا قستموه بما خلفوه من البحوث وما ألفوه من الكتب. فقد تناولوا أصول المعارف الإنسانية بالتقصي الدقيق والغوص العميق حتى فرعوها إلى ثلاثمائة علم أحصاها طاشكبرى زاده في كتابه مفتاح السعادة. ثم استنزفوا الأيام في معاناة التأليف على صعوبة النسخ وكثرة المؤونة وقلة الجدوى، فتركوا للعالم ذلك التراث الضخم الذي اشتملت عليه مكاتبهم في الشرق والغرب. فقد ذكر (جيبون) في كتابه عن الدولة الرومانية أنه كان في طرابلس على عهد الفاطميين مكتبة تحوي ثلاثة ملايين مجلد أحرقها الفرنج سنة ٥٠٢هـ، وقال المقريزي انه كان في خزانة العزيز بالله الفاطمي مليون وستمائة ألف مجلد نزل بها ما نزل بمصر من الأحداث فأغرقت في النيل أو ألقيت في الصحراء تسفى عليها الريح حتى صارت تلالاً عرفت بتلال الكتب! وروى المقري انه كان بخزانة الحكم الثاني بقرطبة أربعمائة ألف مجلد فيها أربعة وأربعون للفهرس، وأبلغها الأستاذ جوستاف لوبون إلى ستمائة ألف، ولاحظ بهذه المناسبة أن شارل الحكيم الذي اعتلى عرش فرنسا سنة ١٣٦٤ أي بعد خلافة الحكم بأربعمائة سنة، لم يستطع أن يجمع في المكتبة الأهلية بباريس حين أسسها إلا تسعمائة مجلد كتب ثلثها في علوم الدين. ناهيكم بالثمانين ألف مجلد التي دمرها (كيمينيس) في ساحات غرناطة وبما أحرقه التتار في بخارى وسمرقند وأغرقه هلاكو ببغداد عاصمة العلم والعالم في ذلك العهد! ويلوح لي أنه ليس في ذلك كثير من المبالغة، فأن في المؤلفين من تبلغ تصانيفه بضع مئات، وإن في المؤلفات ما يقع في عشرات المجلدات، فلأبي عبيدة مائتا كتاب، وللكندي واحد وثلاثون ومائتان، وللرازي

стр. 196

مائتان، ولأبن حزم أربعمائة، وللقاضي الفاضل مائة. وجاء في نفح الطيب أن مؤلفات عبد الملك بن حبيبعالم الأندلس قد بلغت الألف. على أن توالي الفتن والمحن على العالم الإسلامي لم يبق للعصر الحديث من هذا الكنز المذخور والمجد المسطور إلا ثلاثين ألفاً وزعت على مكاتب العالم! يزعم بعض المتعصبين من العلماء الأوربيين أن العرب إنما كانوا في العلم حميلة على اليونان ونقلة عنهم، فليس لهم أصالة فكرية ولا عقلية فلسفية، ولو لم يكن للعرب على زعمهم من الأثر إلا أنهم أنقذوا هذه الكتب من عدوان الأرضة، وحفظوا تلك العلوم من طغيان الجهالة، حتى أدوها صحيحة نقية إلى العصور الحديثة لكان لهم بذلك وحده الفخر على الدهر والفضل على الحضارة. فكيف والواقع غير ما يدعون بشهادة المنصفين منهم؟ فأن ملايين الكتب التي دمرتها بربرية أسلافهم في الغرب، وأشباه أسلافهم في الشرق، لم يكن ما نقل منها عن خوالي الأمم إلا بضع مئات كانت أساساً لبناء باذخ ضخم شاده العرب، ونواة لدوحة باسقة ظليلة رواها وغناها الإسلام. فالطب قد أخذوا أصوله عن أبقراط وجالينوس وبعض السريان والهنود، ولكنهم نقوا هذه الأصول من الشعوذة، ورقوها بالترتيب، ونموها بالتجربة، وانتقدوا مذاهب القدماء في تعليل بعض الدواء، استحدثوا في التشخيص والعلاج نظريات وعمليات ووسائل أطبق الباحثون على إنها لم تعرف من قبلهم، ولم تنسب إلى غيرهم، ككشفهم علاج اليرقان والهيضة، وأحذ المرضى بالصفد والتبريد والترطيب في الفالج والحمى واللقوة على غير ما ألف الأقدمون. فعل ذلك صاعد بن بشر ببغداد فنجح تدبيره فأقتدي به سائر الأطباء بعده. وهم أول من أستعمل المُرْقد في الطب، والكاويات في الجراحة، وصب الماء البارد لقطع النزيف. وقد فطنوا إلى عملية تفتيت الحصاة، وعين أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي المعروف عند الفرنح (بالبوكاريس) موضع البضع لإخراجها، وهو ماعينه متأخرو الجراحين من الفرنج. وأبو القاسم هذا هو الذي قال فيه الأستاذ هالير: (إن كتبه كانت المنهل العام الذي نهل منه جميع الجراحين بعد القرن الرابع عشر) وأبو بكر محمد بن زكريا الرازي أول من كتب في أمراض الأطفال، وألف في الجدري والحصبة، وأستعمل الكحول والحجامة في الفالج. والرئيس أبو علي بن سينا أمير الأطباء وجالينوس العرب كما يلقبه الفرنج وضع كتابه القانون فكان شريعة الطب في العالم زهاء ستة قرون. وكان عمدة التدريس في

стр. 197

جامعات فرنسا وإيطاليا ولم ينقطع تدريسه في جامعة مونبلييه ألا أواسط القرن التاسع عشر. وقد تعرض فيه بالتفصيل الدقيق إلى علم الصحة وقرر نظرية (الهجين) الرياضي وهي نظرية كان المظنون أنها من ثمرات العلم الحديث. ومن الأقوال المأثورة أن الطب كان معدوماً فأحياه جالينوس، وكان متفرقاً فجمعه الرازي وكان ناقصاً فأكمله ابن سينا. وإذا مضينا نذكر أمثلة مما جدد سائر الأطباء العرب كإبن زهر وإبن رشد وإبن باجة وإبن طفيل إستبحر القول والتاث علينا تحديده وحصره. وفي كتاب طبقات الأطباء لأبن أبي اصيبعة وتراجم الحكماء لأبن القفطي وتاريخ الطب العربي للكلركما ينقع غلة المستزيد. وللعرب القدم الأولى واليد الطولى في الصيدلة والكيمياء والنبات، وهي في رأيهم شعب من علم الطب أو لواحق به، فهم واضعوا أصول الصيدلة وأول من مارس تحضير العقاقير واستنباط الأدوية. وكذلك هم أول من ألف في الأقرباذين على هذا النمط، وأقام حوانيت الصيدلة على هذا الوضع. وظل العرب معتمدين في المارستانات والصيدليات. على أقراباذين وضعه سابور بن سهل في منتصف القرن الثالث من الهجرة حتى نسخه أقرباذين ابن التلميذ المتوفي سنة ٥٦٠ ببغداد. ولا تزال أسماء العقاقير التي أخذها الفرنج عن الشرق في كتبهم على وضعها العربي المرتجل أو المنقول. ولا نزاع اليوم في أن علم الكيمياء الصحيح إنما يؤرخ وجوده بجهود العرب فيه. فأنه في سبيل العثور على الإكسير أو إنكاره هدوا إلى عمليات أساسية ومركبات كيميائيةكان لها الأثر الظاهر في تأسيس هذا العلم. والإفرنج يعترفون للعرب بأنهم عرفوا التقطير والترشيح والتصعيد والتذويب والتبلور والتكليس، وإن جابر بن حيان وأخلافه قد استنبطوا طائفة من الأحماض التي تستعمل اليوم. كذلك برع العرب في علم النبات وبخاصة ما يتصل منه بالطب، فقد استفادوا مما كتبه دسقوريدس وزادوا عليه ما وفقوا اليه من شتى الأنواع ومختلف الشكول. والعلماء لسان واحد في أنه لم يأت بين دسقوريس اليوناني ولِنييه السويدي المتوفي سنة ١٧٠٧ أطول باعا ولا أوسع اطلاعا في هذا العلم من أبن البيطار المالقي. فأنه درس كتاب دسقوريدس ثم رحل إلى بلاد اليونان وأقصى ديار الروم فحقق أنواع النبات بنفسه، وأتصل ببعض من يعانون ذلك فاستعان بفهمه على فهمه، وأضاف علمهم على علمه، ثم عبر إلى المغرب فقام بمثل ذلك، وطلب منابت العشب في مصر والشام فدرسها حق

стр. 198

الدراسة ثم وضع بعد طول الدرس وسعة الخبرة كتابه الموسوم بجامع مفردات الأدوية والأغذية فكان أجمع الكتب في فنه، ومرجع الأوربيين في موضوعه. ولا يقل عن ابن البيطار في التفوق والفضل معاصره ومآزره رشيد الدين بن الصوري المتوفيسنة ٦٣٩ فقد من إتقانه أنه كان يخرج إلى الأودية والفلوات في درس النبات ومعه مصور قد أستكمل آلته وأصباغه، فيشاهد النبات ويحققه ويريه المصور في أبان نباته وفي وقت كماله ثم في حال ذراه ويبسه، فيعتبر لونه ومقدار ورقه وأغصانه وأصوله ثم يصوره في كل طور من أطواره بالدقة. وذلك غاية ما بذلته الأمانة العلمية اليوم من الكمال. أما أثر العرب في العلوم الرياضية والطبيعية والفلكية فبحسبنا أن نشير إلى أنهم أول من نقل الأرقام الهندية إلى أوربا، وأول من أستعمل الصفر في معناه المعروف، وأن كلمة الجورتمي اللاتينية مشتقة من أسم الخوارزمي محمد ابن موسى المتوفي سنة ٢٢٠هـ وأن الجبر بأسمه العربي يكاد يكون علماً عربياً بعد أن وضع الخوارزمي كتابه في الجبر والمقابلة. وقد قال (كاجوري) في كتابه تاريخ الرياضيات: (إن العقل ليملكه الدهش حينما يقف على أعمال العرب في الجبر.) وفي مادة المثلثات من دائرة المعارف البريطانية أن العرب أول من أدخل المماس في عداد النسب المثلثية. وهم الذين استبدلوا الجيوب بالأوتار وطبقوا الجبر على الهندسة وحلوا المعادلات التكعيبية. وفي الفيزياء أو علم الطبيعة كشفوا قوانين لثقل الأجسام جامدها ومائعها، وبحثوا في الجاذبية وقالوا بها. وكان أبو الحسن علي بن إسماعيل الجوهري أول من وضع مبادئ الضوء وأوضح أسباب انعكاسه عن النجوم، وأصلح الخطأ الشائع يومئذ من أن الأشعة تنشأ في العين ثم تمتد إلى المرئيات. وتشهد دائرة المعارف البريطانية في مادة الضوء أن بحوث العرب فيه هدت العلماء إلى اختراع المنظار. وفضل العرب على الفلك من البينات المسلمة، فقد رصدوا الأفلاك وألفوا الأزياج وابتكروا آلات الرصد وصححوا أغلاط اليونان والهند وحسبوا الكسوف والخسوف ورصدوا الأعتدالين الربيعي والخريفي وقالوا باستدارة الأرض ودورانها على محورها. وذكر (سكوت) في كتابه المملكة الأندلسية أن عالماً من طليطلة رصد أربعمائة رصد ونيفا ليحقق أبعد نقطة في الشمس عن الأرض ولم يختلف حسابه في ذلك عن أدق المباحث الحديثة إلا بجزء من الثانية. ويقول (كاجوري) أن اكتشاف بعض الخلل في حركة القمر يرجع إلى أبي الوفاء

стр. 199

الفلكي الزرجاني لا إلى تيخوربراهي. وقد عد لالاند الفلكي الفرنسي البتَّاني في العشرين فلكياً المشهورين في العالم كله ولا تزال طائفة الاصطلاحات العربية في الفلك مستعملة في كتب الفرنجكالسمت والنظير والمناخ والمقنطر والسموت فضلا عن أسماء النجوم والعربي منها لا يقل عن النصف. وأما أثرهم في الفلسفة المدرسية فأن الكندي والفارابي وإبن سينا في الشرق، وإبن باجة وإبن طفيل وإبن رشد في الغرب، قد توفروا على فلسفة اليونان بالدرس والشرح والتمحيص حتى جددوا دارسها وجلوا طامسها وكملوا ناقصها ووسموها بسمة الحرية والعبقرية والنضوج. وقد أثار أبن سينا بتفكيره الحر المنظم، وعقله القوي المنطقي، مسائل من العلم تشغل أذهان الباحثين اليوم. ووضع إبن طفيل قصته الفلسفية (حي بن يقظان) فأبان عن قوة نادرة في التفكير، وموهبة عجيبة في التصوير، واستيعاب موجز للأفلاطونية الحديثة. وقد نقل هذه القصة إلى اللاتينية (إدوار بوكوك) سنة ١٦٧١ فظهر أثرها سريعاً في قصة (روبنسون كروزويه) وشهد رينان لأبن رشد في كتابه عنه (أنه أعظم فلاسفة القرون الوسطى ممن تبع أرسطو ونهج سبيل الحرية في الفكر والقول) ودخلت العالم المسيحي فلسفة إبن رشد وفلسفة أرسطو فكان الاعتراض عليهما شديداً والإعجاب بهما أشد. وكان اللاهوتيون في القرون الوسطى يعجبون بأبن رشد وسعة علمه ودقة فهمه ونفاذ بصيرته ولكنهم كانوا يخشون أثر رأيه الجريء في العقائد. وتجدون (دانتي) في الملهاة القدسية قد جعل أبن رشد وأبن سينا في المقام الذي جعل فيه عباقرة الرجال من جهنم. تلك يا سادتي إشارات مبهمة مجملة إلى جهود العرب في العلم وآثارهم في الفكر تجدون بيانها وتفصيلها في تاريخ هذه العلوم، عرضتها بهذا الأِجمال على سبيل المثال لنقول لأصحاب ذلك الرأي الظنين الأفين أن التجديد في العلم يستلزم الاستقصاء البالغ والتمثيل التام والفكر المستقل، وإن العرب كما قال البارون (كارادفو) لم يكونوا نقلة للعلوم فحسب. ولكنهم بذلوا الجهد في إصلاحها وتحقيقها، وأفرغوا الوسع في بسطها وتطبيقها، حتى أدوا أمانتها إلى العصر الحديث.

стр. 200

فلسفة شوبنهور للأستاذ زكي نجيب محمود عصره: سادت في أوروبا روح التشاؤم في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتملك النفوس يأس قاتل، وارتفعت بذلك أصوات الشعراء والفلاسفة في كل ناحية من نواحيالقارة: بيرون في إنجلترا، ودي موسيه في فرنسا، وهيني وشوبنهور في ألمانية. ولقد يقف المرء امام هذه الظاهرة العجيبة وقفة لا تطول كثيراً حتى يجد اسباب ذلك في طبيعة ذلك العصر وظروفه التاريخية: فقد انفجرت الثورة في فرنسا ودوت في أرجاء أوروبا دوياً اهتزت من حوله عروش، وكان لصوتها صدى في كل الصدور وأثر عميق في كل النفوس، فمن أشراف ناقمين ساخطين، إلى زراع يهللون لها ويكبرون. . . ثم كانت واقعة وترلو فخفت ذلك الصوت الداوي، وعزل نابليون على صخرة سنت هيلانة الصامتة الموحشة في عرض المحيط، وعاد (البوربون) إلى ملكهم في فرنسا، وعاد في ذيلهم أشراف الإقطاع يطالبون بأملاكهم، وانتشرت في أوربا حركة رجعية تعمل على طمس معالم الثورة والتجديد. كم من ملايين الشباب زهقت نفوسهم عبثاً، وكم من عامر الأرض بات خراباً بلقعاً. . . فكنت لا ترى على وجه أوربا إلا آثاراً خربة وأنقاضاً هنا وهناك، ذلك لأن الجيوش النابليونية الجرارة من ناحية، وأعداءها من ناحية أخرى، أخذت تروح وتجيء اكثر من عشرين سنة قضت فيها على الأخضر واليابس، وخلفت القرى والمدائن ينتابها فقر مدقع وبؤس شامل. ماتت الثورة الفرنسية وكأنما انتزعت معها روح الحياة من أوربا، لأن قلوب الشباب الطامح في كل بقعة من بقاعها كانت قد صغت إلى الجمهورية الناشئة وعاشت في ظلال الأمل الوارفة حيث أملت في مستقبل ذهبي سعيد، فما هي إلا أن وقعت الواقعة في وترلو حتى تحطمت كل هذه الآمال وتبدلت بمأساة سنت هيلانه ومؤتمر فينا فدبت في النفوس روح اليأس التي ملكت على الناس شعب الحياة، وأثَّر ذلك في النزعة الدينية أثرين مختلفين: أما الطبقة الفقيرة الجاهلة فقد التجأت إلى الدينتجد في كنفه السلوى والعزاء، وأما

стр. 201

الطبقة المفكرة فطغت على قلوبهم موجة إلحادية، ولم تعد عقولهم تسيغ أن يكون ثمة مدبر أعلى لهذا الكون. فأما فريق العقيدة والدين فقد أقتنع بأن هذه النكبات ليست إلا إذلالاً للنفوس جزاء وفاقاً بما نزعت إليه من الإعتزاز بحكم العقل ونبذ العقائد وراء الظهور. وأما فريق الإلحاد فقد ارتأى أن اضطراب أوربا ينهض دليلاُ قوياً على فوضى الحياة وعبثها، وعلى رأس هؤلاء بيرون وهينيوشوبنهور. فلسفته: ١ - العالم فكرة يرى شوبنهور أن الوساطة الوحيدة بين الإنسان والعالم الخارجي هي الحواس والمشاعر، فأنت إذا رأيت شجرة انطبعت صورتها في ذهنك، وهذه الصورة إنما انتقلت عن طريق عدسة العين، فقد تكون مطابقة لحقيقتها الخارجية وقد لا تكون، وقل مثل ذلك في كل معلوماتك عن أجزاء الوجود، فالصورة التي كونهاذهنك عن هذه الدنيا هي فكرة خلقتها حواسك ولا يتحتم أن يكون لها حقيقة واقعة مطابقة لها وإذن فالإنسان كما يقولون دنيا نفسه، وأن في الوجود من الدنى بمقدار ما فيه من عقول بشرية. يخلص شوبنهور من هذا بأن الواجب الأول هو دراسة العقل قبل البدء بدراسة المحسوسات، لأن في دراسة العقل المفتاح الذي نصل به إلى حقائق الوجود الخارجي. ٢ - العالم إرادة يكاد يجمع الفلاسفة على أن كنه العقل وجوهره هما الشعور والفكر، إلا أن شوبنهور يرفض ذلك رفضاً، ويقول بأن الشعور إن هو إلا قشرة خارجية لعقولنا لا يعرف على وجه الدقة ما تحويه في باطنها، فهذا الغلاف المفكر يخفي وراءه إرادة لا شعورية، لا يخمد لها نشاط، ولا تنتهي لها رغبات وآمال، وهي التي تملك زمام الإنسان في كل حركاته وأعماله، أما هذا المنطق الذي نحتكم إليه في كثير من شئوننا، والذي يخيل إلينا أنه نابع من العقل الواعي، هو في الواقع ملجم بهذه الإرادة الباطنية، فنحن لا نريد الشيء لأن هناك من الأسباب المنطقية ما يدفعنا إلى ذلك، ولكننا نخلق الأسباب خلقاً إذا كنا نريده إرادة لا شعورية. فالأسباب نتيجة لا مقدمة!! بل نستطيع أن نذهب إلى أبعد من هذا الزعم

стр. 202

فنقول: إننا إنما نخلق الفلسفات ونبتدع الديانات لنخفي في طياتها رغباتنا الخفية. ابحث في كل نواحي النشاط الإنساني، تجد دوافعه مشتقة من الإرادة اللاشعورية، لا من العقل والشعور. فهذا التنافس والتناحر على أسباب العيش من طعام ولذات، إنما ينبع من (إرادة الحياة) التي يبطنها كل كائن في طوايا نفسه، حتى شخصية الفرد لا تتكون من أعماله العقلية ولكن من نزواته اللاشعورية التي يندفع اليها بإرادته الخفية؛ ومن هنا كانت الديانات على اختلافها تعد الجنة للإرادة الطاهرة (أي القلوب) ولكنها لا تعترف بالعقول الكبيرة ولا تحسب لها في جناتها حساباً. وليست سيطرة الإرادة مقصورة على الحياة الفكرية، بل تتعداها إلى الدائرة الفسيولوجية. فإرادة الحياة خلقت أوعية يجري فيها الدم، وإرادة المعرفة خلقت مخاً يصل إلى شتى المعارف، وإرادة القبض على الأشياء خلقت الأيدي، وهكذا نشأ كل عضو بعد نشوء إرادة وظيفته، فحركات الجسم هي في الواقع إرادات مجسمة بل الجسم كله إرادة متبلورة. إذن فالارادة، لا العقل، هي كنه الإنسان بل كنه الكائنات الحية جميعاً، هذه الإرادة التي نتحدث عنها هي رادة الحياة، وليس الحياة أياً كان لونها، ولكن (إرادة الحياة الكاملة). وليست هذه الإرادة مقسمة بين الأفراد، أعني ليس لكل فرد إرادته المستقلة تعبث به كيف شاءت، ولكنها إرادة واحدة تتناول الحياة بأسرها كتلة واحدة وشيئاً لا يقبل التجزئة، فالفرد ليس حقيقة في ذاته ولكنه ظاهرة لحقيقة، فهو جزء من كل متماسك، ومحتوم عليه بحكم إرادته أن يسير في طريق مرسوم حتى لا يضطرب نظام ذلك الكل المتحد. ومن هنا نشأت رغبة التناسل مثلا، فهي ليست رغبة فردية، ولكنها رغبة الحياة بأسرها وهي وحدها التي تسخر الأفراد لصالحها بل أن هؤلاء الأفراد الصورة المحسة التي تظهر فيها إرادة الحياة. يقول سبينوزا: لو أن حجراً ألقي في الهواء وكان لديه شعور وإدراك لظن أنه إنما يتحرك بمحض إرادته الحرة وأنه هو الذي يختار الزمان والمكان اللذين يقع فيهما. وما أشبه الإنسان في حياته بذلك الحجر الملقى: كلاهما تدفعه قوة خارجية وكلاهما يتوهم أنه حر لا سلطان على إرادته. نعم، إرادة الحياة في عمومها حرة التصرف لأنه ليس هناك إرادة تحد تصرفها ولكن كل

стр. 203

قالب من قوالب الحياة، أي كل جسد مادي يدب فيه جزء من الحياة، محدود ولا ريب بتلك الإرادة الكلية سواء أكان ذلك القالب الحي نوعاً أم فرداً أم عضواً من فرد. ٣ - العالم شر ما دامت الإرادة أساس الحياة فالحياة شر كلها. ذلك لأن الإرادة مبعث لسلسلة من الرغبات لا تنقطع. والرغبة عادة تمتد إلى أكثرمما يستطيع الإنسان تحقيقه: وهكذا يظل الإنسان مدفوعا في حياته بآلاف الدوافع من الآمال التي إن تحقق بعضها فمعظمها خائب فاشل، وهو أمام هذا الفشل الذي يغمره في كل خطوة يخطوها يستحيل عليه أن يتذوق في حياته سعادة مطلقة، ثم هو لا مناص له من هذه الرغبات التي يسوق بعضها بعضاً، لأن جوهر الإنسان إرادة كما بينا، فإذا هو تخلص من إرادته فقد تخلص من نفسه؛ ولابد لهذه الإرادة أن تعيش وتتغذى، وهذه المطامع المستمرة في حياة الفرد هي الوقود الذي تخلقه الإرادة لنفسها. والحياة كلها شر كذلك، مادامت الآلام هي طبيعة مادتها التي تتكون منها، وليست السعادة إلا حالة سلبية يقف فيها تيار الآلام. وما اصطلحنا على تسميته بالسعادة إنما هي الحالة التي ينعدم فيها وجود الألم، أعني أن ليس ثمة سعادة إيجابية. وقد أشار أرسطو إلى هذه الحقيقة بقوله أن الحكيم لا يجوز له أن يبحث عن السعادة، بل يجب عليه أن يسعى وراء التخلص من آلامه. وفوق هذا كله، فالحياة شر كلها لأنها عراك دائم، فأينما سرت صادفت تناحراً وتنافساً وجهاداً، فكل نوع يقاتل في سبيل المادة والزمان والمكان. نعم لا ريب أن الحياة قاسية مؤلمة، وليس يعجب شوبنهور إلا من متفائل يبتسم لهذا العالم ويقول لو أن أشد الناس تفاؤلا طاف بالمستشفيات والسجون وساحات الحروب ليشهد ألوان الألم والعذاب، ولو أنه رأى البؤس الذي يتوارى خجلاً في اركان الأكواخ المظلمة. نعم لو أبصر هذا وذاك وما هو شر من ذلك جميعاً لأنقلب متشائماً يئوساً على الفور. وإلا فحدثني بربك من أين اشتق دانتي صورة جحيمه إلا من هذا العالم الذي نعيش فيه، ومع ذلك فقد كونها صورة ما أهولها من صورة!! ثم انظر كيف اصطدم بمشكلة سقطت أمامها عبقريته عجزاً وإعياء عندما أراد أن يصور جنة سعيدة لأنه التمس من الحياة أجزاء الصورة التي

стр. 204

يريد فعز عليه المثال!! ٤ - الفلسفة رأينا كم يدفع المرء من الشقاء ثمناً باهضاً لأنفاسه! وعلمنا أن الحياة بما تحوي من شر تجارة خاسرة لا تساوي ثمنها!!. ولكن ألا نستطيع أن نرسم طريقاً للسعادة؟ ذلك ميسور إذا تغلب جانب العقل والمعرفة على جانب الإرادة والرغبة من الإنسان. فأنت عاجز عن إدراك السعادة إذا تملكت الإرادة منك الزمام، وأنت عاجز عن إدراك السعادة بالمال والجاه، وهي على قاب قوسين منك إذا أسلمت قيادك إلى العقل واستطعت أن تضغط على الإرادة حتى تحصرها في حيز ضئيل. ويعتقد شوبنهور أن الإعجاز لا يكون في إخضاع العالم بأسره بقدر ما يكون في إخضاع الإرادة. . . . . . إذن فالفيلسوف وحده هو الذي يستطيع أن يتغلب على شقاء الحياة. لأنه صورة من المعرفةغير المقيدةبالإرادة، وإذا استطاع الفكر أن يتخلص من قيود الرغبة والهوى أمكنه أن يرى الأشياء على حقيقتها المجردة. فالفلسفة هي عبارة عن النظر المجرد عن الارادة، هي إنكار الذات عند النظر إلى مظاهر الوجود واعتبارها حقائق في ذاتها دون أن تربطها بالحياة البشرية. ٥ - الفن نحن إذن ننشد تحرير المعرفة من استعباد الإرادة، ننشد إنكار الشخص لنفسه عند نظره للأشياء، وليس هذا المنشود إلا الفن في أصح معانيه. فالفنان العبقري يحاول أن يرى الأشياء من وجهة صفاتها العامة لا يعبأ كثيراً بالأشباح المادية التي تمثل تلك الصفات فموضوع الفن هو تجسيد الكلي العام في جزئي من الجزيئات والصورة الفنية يجب أن تكون المثل الأعلى للشيء المصور، ومعنى ذلك أن صورة البقرة مثلاً لكي تكون من آيات الفن الرفيع، يجب أن يتجمع فيها كل مميزات هذا النوع وما يتعلق به من صفات، كأن نوع البقرة كله قد تركز في هذه البقرة الواحدة. وصور الأشخاص يجب أن تقصد لا إلى الدقة الفوتوغرافية، بل إلى عرض كل ما يمكن عرضه من صفات الإنسان عامة في ملامح الشخص المصور، إذ الواقع أن الفنان سيصور صفات، وليست الأجسام إلا وسائل فقط لإبراز تلك الصفات. ولنوجز هذا في عبارة أخرى: نقول أن الصورة الفنية لشيء ما يجب أن تكون عبارة عن

стр. 205

(المثل الأفلاطوني) لذلك الشيء، وبقدر ما تقرب الصورة من ذلك المثل الخيالي تكون قيمتها الفنية. فطربنا لجمال الطبيعة أو الشعر أو التصوير إنما يصدر عن تأمل الأشياء في حقيقتها الواقعة دون أن يمتزج ذلك التأمل بوجهة النظر الشخصية. فسواء لدى الفنان أن يرى غروب الشمس من قصر منيف أو من كوة في سجن مظلم. فالفن يمحو بؤس الحياة وعللها بأن يعرض علينا صوراً خالدة من وراء هذه الصور الفردية الزائلة. ٦ - الدين وإذا كانت الفلسفة وسيلة لاتقاء شرور الحياة بما تستطيعه من إخضاع الشهوة لحكم العقل، وإذا كان الفن عاملاً من عوامل السعادة لأنه لا يعبأ بالأشباح المادية التي تتحرك أمامنا وإنما يعنى بحقائق هذه الأشياء الخالدة، فالدين طريق ثالث يؤدي إلى سعادة النفس وطمأنينتها لأنه بدوره عبارة عن إخضاع الإرادة لحكمة العقل، فالصيام الذي تفرضه الأديان جميعاً يقصد منه تدريب النفس على قهر إرادتها أو شهوتها. ٧ - حكمة الموت وبعد، فما أعجب أن تكون الحياة كما هي شروراً وآلاماً، ومع ذلك تتخذ لها من أنفسنا عوناً على الانتشار والذيوع!! يصيح شوبنهور بأعلى صوته أن الحياة سوء وشر ويجب أن نقضي عليها قضاء مبرماً. ولكن كيف؟ الحل عنده بسيط وهو أن نهجر النساء هجراً جنسياً لأنهن أس البلاء بما يقدمن للرجال من فتنة وأغراء. وهو يتساءل: إلى متى تدفعنا الحياة أمامها دفع الخراف وهي لا تحوي إلا شقاء وعناء؟ متى نستجمع كل ما نملك من قوة وشجاعة لنصيح في وجهها أن الحياة أكذوبة وخدعة. أن نجاة الإنسان وخلاصه إنما هو الموت! -

стр. 206

لماذا ترجمت فرتر (إلى الصديق الذي سألني هذا السؤال وهو طليق الحرية في بغداد فأجبته وهو سجين في كركوك) تسألني لماذا ترجمت فرتر. . . والجواب عن هذا السؤال حديث، والحديث غداً سيكون قصة، وليس يعنيك اليوم منها إلا ما نجم عنها: قال ((جوت) يوماً لصديقه (اكيرمان): (كل امرئ يأتي عليه حين من دهره يظن فيه أن (فرتر) إنما كتب له خاصة) وأنا في سنة ١٩١٩ كنت أجتاز هذا الحين!: شباب طرير حصره الحياء والانقباض والدرس ونمط التربية وطبيعة المجتمع في دائرة ليس فيها من الواقع غير وجوده،. . . وإحساس مشبوبيتوقد شعوراً بالجمال، وقلب رغيب يتحرق ظمأ إلى الحب، ونوازع طماحة ما تنفك تجيش، وعواطف سيالة ما تكاد تتماسك. . . . .! فالطبيعة في خيالي شعر، وحركات الدهر نغم، وقواعد الحياة فلسفة!. . وكان فهمي لكل شيء وحكمي على كل شخص يصدران عن منطقأفسد أقيسته الخيال، وزور نتائجه المثل الأعلى. ثم غمر هذه الحال التي وصفت هوى دخيل هادئ ولكنه مُلِحّ، فسبحت منه في فيض سماوي من النشوة واللذة، وأحسست أن وجودي الخالي قد امتلأ، وقلبي الصادي قد ارتوى، وحسي الفائر قد سكن، وتخيلت أن حياتي الحائرة قد أخذت تسير في طريق لاحِب تنتثر على مدارجه نواضر الورود، وترف على جوانبه نوافح الريحان، وتزهو على جوانبه ألوان عبقر، وترقص على حفافيه عرائس الحور!. . ورحت أسلك هذا الطريق السحري محمولاً على جناح الهوى كأنني (فوست) على جناحي (ميفستوفاليس) حتى ذكرني الزمان الغافل فأقام فيه عقبة أصطدم عندها الخيال بالواقع، والحبيب بالخاطب، والعاطفة بالمنفعة!! على أنني بقيت على رغم الصدمة حياً ولا بد للحي أن يسير!! تطلعت وراء العقبة أنظر الطريق فإذا الأرض قفر والورد عوسج والريحان حمض، والعرائس وحوش. فشعرت حينئذ بالحاجة إلى الرفيق المؤنس!. . ولكن أين أنشد ما أبغي وحولي من الفراغ نطاق مخيف، وأمامي على أسنة الصخور أشلاء وجثث!!؟ هذه أشباح صرعى الهوى تتراءى لعينيَّ، وهذه أرواح قتلاه تتهافت عليّ، وهذه سجلات مصارعهم بين يدي، فلم لا أحدو بأناشيدهم رواحلي، وأقطع بمناجاتهم مراحلي، وألتمس في مواجعهم لهواي عزاء وسلوة؟؟

стр. 207

قرأت هيلويز الجديدة، ورينيه، وأتالا، وأدولف، ودومينيك، وماريون دلورم، ومانون ليسكو، وذات الكميليا، وجرازيلا، ورفائيل، وجان دكريف، وتوثقت بأشخاصها صلاتي، وتصعدت في زفراتهم زفراتي، وتمثلت في نهايتهم المحزنة نهايتي. ولكنهم كانوا جميعاً غيري، نتفق في الموضوع ولكن نفترق في الوضع، كالنساء النوادب في مناحة، تندب كل واحدة منهن فقيدها وموضوع الأسى للجميع واحد هو الموت!! فلما قرأت (آلام فرتر) سمعت نواحاً غير ذلك النواح، ورأيت روحاً غير هاتيك الأرواح، وأحسست حالاً غير تلك الحال!! كنت أقرأ ولا أرى في الحادثة سواي، وأشعر ولا أشعر إلا بهواي، وأندب ولا أندب إلا بلواي، فهل كنت أقرأ في خيالي أم أنظر في قلبي، أم هو الصدق في نقل الشعور والحذق في تصوير العاطفة يظهران قلوب الناس جميعاً على لون واحد؟؟ كنا يومئذ في مايو والطبيعة تعلن عن حبها بالألوان والألحان والعطر، ونفسي تحاول أن تعلن عن هواها بالدموع والشعر، فآلامي تجيش في عيني، وعواطفي تتنزَّى على لساني وبلابلي تتوثب في خاطري، وكلها تطلب السبيل إلى العلانية، (والشكوى في الحب كالطفح في الحمى كلاهما عرض ملازم) فلما قرأت (فرتر) تنفس جواي المكظوم، واستغنى عن البيان هواي المكتوم، لأنني لو كنت صببت مهجتي على قرطاس لما كانت غير (فرتر)، وهل فرتر إلا قصة الشباب في كل جيل؟ رجل شديد الحس قوي العاطفة يتقسم الخيال (والايديال) نواحي نفسه، ورجل آخر بارد الطبع عملي الفكر يعرف دائماً كيف يجر النار إلى قرصه، وامرأة بينهما يجذبها إلى الأول طبعها الغزلي وقلبها الشاعر ويربطها بالثاني عقلها المادي ووعدها المأخوذ. . . هذا هو موضوع آلام فرتر وهو عينه موضوع آلامي. . . فلم لا أنقله إذن إلى لغتي لينطق عن لساني كما ترجم صادقاً عن ضميري؟؟ فنيت في (جوت) وقادني إلهامه وروحه، وأهَبْتُ بلغة القرآن والوحي أن تتسع لهذه النفحات القدسية فأسعفتني ببيانها الذي يتجدد على الدهر ويزهو على طول القرون. ثم أصبح فرتر بعد ذلك لنفسي صلاة حب ونشيد عزاء ورُقْيَة هم!! كأنما كان (جوت) يناديها من وراء الغيب حين يقول في تقدمته لفرتر: (وأنت أيتها النفس. . . إذا أشجاك ما أشجاه من غصة الهم وحرقة الجوى فاستمدي الصبر والعزاء من آلامه وتلمسي البرء والشفاء في

стр. 208

أسقامه، واتخذي هذا الكتاب صاحباً وصديقاً إذا أبى عليك دهرك أو خطؤك أن تجدي من الأصدقاء من هو أقرب اليك وأحنى عليك؟؟ أ. الزيات

стр. 209

كسوف حلقي للشمس يقع في يوم فبراير سنة ١٩٣٣ للأستاذ عبد الحميد سماحة. مفتش مرصد حلوان (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) (حديث شريف) حسبنا أن يكون في ذلك دليل مفحم للذين يتقولون القول وينسبون إلى الكواكب سعادة قوم وشقاء آخرين، وهي بريئة من هذا وذاك. ولكن أنى لنا أن نقنعهم وفريق يتخذها وسيلة للكسب، وفريق آخر يتخذها رجاء وسلوة. لقد انقضى ذلك العهد الذي حسب الناس فيه أن بين الكواكب وبين الأفراد والشعوب في سعادتهم أو شقوتهم وانتصارهم أو هزيمتهم ارتباطاً. وتقدمت الدراسات الفلكية في القرنين الماضيين تقدماً عظيماً، وأصبح في استطاعة الفلكيين أن يقيسوا درجة حرارة النجوم كما يقيس الطبيب درجة حرارة المريض، واستبانوا أبعادها وأحجامها وأوزانها وتركيبها! ولم تعد الظواهر الفلكية منذرة بالحروب والبلاء، أو مبشرة بالسعادة والرخاء بل أصبحت تجربة علمية كبيرة تجربها الطبيعة فيستغلها العلماء إلى أقصى حد فيما لا يتيسر لهم تجربته على ظهر الأرض. فهناك مثلاً كثافة السديم نراها أدنى مليون مرة من كثافة أية مادة تصل إليها أيدينا بينما هي في بعض النجوم أعلى بمقدار مليون من كثافة أية مادة على الأرض! فليت شعري كيف يتسنى لنا أن نعرف طبيعة المادة من التجارب التي نجريها في المعمل ولا يزيد مدى كثافة المواد التي بين أيدينا على واحد في مليون المليون من المدى الكلي لكثافة المادة في الطبيعة؟؟ لقد أصبح من الصعب إيجاد الحد الفاصل بين أنواع العلوم الطبيعية؛ وتقدمت الاكتشافات العلمية وهي سلسلة الحلقات، فمن إلكترونات أقطارها كسور من ملايين الملايين من البوصة، إلى سدائم تقاس بمئات الآلاف من ملايين الملايين من الأميال! فكل زيادة في معلوماتنا الفلكية تزيد حتماً في معلوماتنا في الطبيعة والكيمياء والعكس بالعكس.

стр. 210

لهذا كان اهتمام العلماء بالظواهر الفلكية عظيماً، فهم يستغلونها في أبحاثهم، ويقيسون عليها نظرياتهم، وكثيراً ما كانت الأرصاد الفلكية سبباً لاكتشافات عظيمة كان للبشرية منه نفع مادي جليل الشأن. مثال ذلك غاز الهليوم أكتشف أولاً في تحليل طيفي للشمس أثناء كسوفها في عام ١٨٦٨. وهذا الغاز كما نعلم عظيم المنفعة لأنه الغاز الوحيد الصالح لملء المناطيد. ونحن إنما نذكر هذا الحادث العظيم على سبيل المثال للذين يزنون العلوم بمقدار ما يمكن أن تدر عليهم أو على البشرية من نفع مادي؛ ولكن الغاية الأولى من الدراسات الفلكية هي البحث وراء الحقائق العلمية وحدها ولذاتها، وهي غاية تدافع عن نفسها بنفسها. لقد أصبح كل طالب يعرف أن الأرض ومثلها الكواكب السيارة الثمانية الأحرى إنما تدور حول الشمس في مدارات دائرية، وأن القمر يدور حول الأرض بمدار دائري أيضاً. وأنه إذا توسط القمر بيننا وبين الشمس حجب أشعتها عنا فتنكسف الشمس؛ ولكن يجب أن نضيف هنا أن مدار القمر حول الأرض يميل بمقدار خمس درجات على مدار الأرض حول الشمس، فالثلاثة لسن في مستوى واحد على الدوام، ولولا ذلك لحدث كسوف للشمس كلما كان القمر في المحاق حيث يتوسط وقتئذ بين الأرض والشمس. لقد حسب الفلكيون أن كسوفاً حلقياً للشمس سيشاهد في القطر المصري في يوم الجمعة الموافق ٢٤ فبراير سنة ١٩٣٣ يبتدئ في الساعة الثالثة والدقيقة ٤٣ مساء، وينتهي في الخامسة والدقيقة ٢٩ مساء من نفس اليوم. أجل ستنكسف الشمس في ذلك اليوم، وبين هذين الزمنين المحددين بالضبط لا محالة، ولكن لا سبيل في ذلك إلى التفاؤل ولا إلى التشاؤم، فليست الشمس والقمر والأجرام السماوية المختلفة الأخرى إلا آيات بينات لأولي الألباب.

стр. 211

في الأدب العربي العوامل المؤثرة في الأدب (١) ليس الأدب إلا التعبير القوي الصادق عن مشاعر المرء وخواطره وأخيلته، وهذه تتأثر بأحوال العيش وأنواع العقائد وأطوار المجتمع وأنظمة الملك وتقلبات السياسة، ومن المفيد الإلمام بهذه العوامل المؤثرة في الأدب لتكون دستور المؤرخ وشريعة الأديب ونبراس الباحث فيما يصدر عن الإنسان من كد الأذهان وفيض القرائح. فمن هذه العوامل (طبيعة الإقليم ومناخ البلد) وأثرهما في حياة الناس وسلائل الأجناس معلوم في بدائه العقول. فأحوال الإقليم هي التي تنهج لساكنيه سنن معاشهم ونظام اجتماعهم. وتكون الكثير الغالب من أخلاقهم وطباعهم، ومناظره هي التي تربي ذوق أبنائه، وتغذي كتابه وشعراءه، فالشعر الجاهلي مثلاً صورة صادقة لطبيعة البادية وحياة البدو: فألفاظه خشنة كالجبل، ومعانيه وحشية كالأوابد، وأساليبه متشابهة كالصخر، وأخيلته مجدبة كالقفر، ولن تجد في غير الجزيرة العربية أمثال الشنفري وتأبط شراً والسليك بن السلكة من هؤلاء الشعراء الصعاليك الذين تغنوا بحياة البادية ومناظرها وأباعرها وغزلانها وكثبانها وأطلالها وجبالها بشعر متين الحبك صادق الوصف جاف اللفظ عنجهي الخيال. وقد أختلف الشعر في شبه الجزيرة نفسها باختلاف الأماكن: فهو في نجد غيره في الحجاز، وهو في أهل الوبر غيره في أهل المدر. ولهذا العامل وحده نعزو انقراض الأراجيز وهي أقدم الأطوار لشعر البادية حين إرتحل ناظموها من الصحارى المجدبة إلى سواد العراق وريفه. وفي حواشي العراق وظلاله، وخمائل نجد وجباله، أخضر عود الشعر واستقام وزن القصيد ومن ثم قال القدماء أن امرأ القيس ومهلهل بن ربيعة وعمرو بن قميئة هم أول من قال الشعر وأطال القصائد، وما كانوا في الواقع إلا زعماء النهضة الأدبية في هذه البلاد. وظل عامل الطبيعة يفعل فعله في الأدب خلال القرون، فخالف بين الشعر في عواصم الشرق وبينه في الأندلس فقد وجد

стр. 212

الشعراء العرب في أوربا ما لم يجدوه في آسيا من الأجواء المتغيرة والمناظر المختلفة والأمطار المتصلة والجبال المؤزرة بعميم النبت، والمروج المطرزة بألوان النور، فهذبوا الشعر وتأنقوا في ألفاظه ومعانيه، ونوعوا في أوزانه وقوافيه، ودبجوه تدبيج الزهر، وسلسلوه سلسلة النهر، وسلكوا به مسلك التنوع والتجديد. وهذا العامل هو الذي يخالف اليوم بين الأدب في مصر وبينه في الشام والعراق. فالطبيعة المصرية تكاد أن تكون نائمة: فالجو معتدل في جميع الفصول لا يكاد يختلف، وحقول الوادي الحبيب لا تعرى من الزهور والزروع، والسماء السافرة والصحراوان الوسيعتان لا تكاد مناظرهما تتغير. فإذا لم تكن طبيعة بلادنا نائمة فهي على الأقل مسالمة، لأنها لا تزعجنا بالزلازل العنيفة، ولا تهزنا بالعواصف الرعن، ولا تخزنا بالبرد القارس والحر اللافح، فطبعت أهلها على الوداعة والفكاهة والبشاشة والكسل والمحافظة على القديم من العادات والأخلاق والآداب فلا تتطور هذه الأمور في مصر إلا بمقدار. ولذلك تجد شعرنا منضد اللفظ جيد السبك بطيء التجدد هادئ الأسلوب لين العطف لا يأخذ الأمور إلا بالملاينة والرفق. بينما تجد الشعر في الشام شديد الحركة كثير التنوع سريع التجدد قلق الأساليب لتعدد المناظر واختلاف الصور وتقلب الطبيعة ونشاط الحياة. وهو في العراق قوي أبي ثائر ساخط متوثب منتشر على ألسنة الخاصة والعامة لالتهاب المخيلة وتوقد الشعور وصفاء الحس من إفراط الطبيعة في الحر والبرد وغلبة الحياة البدوية على كثرة السكان. على أن هذا العامل قد أخذ يضعف منذ أواسط القرن الماضي لسهولة المواصلات وكثرة المخترعات وانتشار المدنية، فيستطيع الإنسان أن يعيش في آسيا وأفريقيا كما يعيش في أوربا، وسيزداد ضعفاً في المستقبل دون أن يمحي ويبيد. ومنها (خصائص الجنس) فشعر العرب يختلف عن شعر اليونان في المذهب والخيال والغرض، وشعر ابنالرومي يختلف عن شعر ابن المعتز وقد نشأ في بلد واحد وعصر واحد، لأن الجنس الآري أميل إلى الاستقصاء والتفصيل والتحليل والتعمق، والجنس السامي لذكاء قلبه وحدة خاطره يفهم الشيء في لحظة، ثم يلخصه في لفظة، فهو أميل إلى التعميم والأجمال والبساطة. ومنها (دوام الحرب بين جنسين أو أمتين لفتح بلاد أو صد عاد أو تحرير وطن). فأن هذه الحروب تتمخض عادة عن أبطال ينمون في الخيال، ويعظمون

стр. 213

في الصدور، ويكبرون في الزمن، حتى تنسب إليهم الخوارق، وتخلع عليهم المحامد، فتسير بذكرهم الرواة، وتتحدث بأفعالهم القصاص، وتنتقل شهرتهم من فم إلى فم ومن جيل إلى جيل، وهي في خلال ذلك تتسع وتفيض حتى تصبح سيرهم لدى الشعب حديثاً وطنياً يجب أن ينشر، وتراثاً قومياً يحرصعلى أن يزيد، فيقيض الله لهذه السير المتجمعة على طول الدهور شاعراً سمح القريحة فينظمها بأسلوب شائق ونمط جميل، كذلك دارت الإلياذة الإغريقية على حروب اليونان لأهل طروادة. ومهابهاراته الهندية على الحرب التي نشبت بين نيدهو وبني كرو، والشاهنامة الفارسية على تاريخ الأكاسرة ووصف الحرب التي اشتعلت بين أهل إيران وأهل طوران، وقد كانت تلك الحروب مفخرة الفرس الأولين ورمزاُ للخلاف الدائم بين ألهي الخير والشر (وكذلك دارت أغاني رولان الفرنسية على حروب الفرنج لعرب الأندلس. وهذا هو الشعر القصصي أو الملاحم الذي خلا منه الشعر العربي لأسباب لا يتصل ذكرها بموضوع اليوم) على أن عامل الحروب قد أثر في النثر العربي والشعر العامي وأن لم يؤثر في الشعر الفصيح. فأن نشوب الحروب الصليبية قد اقتضى تدوين بعض القصص الحماسية كقصة عنترة وسيرة بني هلال والأميرة ذات الهمة إثارة للنفوس وتحميساً للشعب وتفريجاً من الهم. ومنها (طبيعة العمران وتوزع الثروة وما يتصل من ذلك من حال الاجتماع) فأن تقدم الحضارة ورخاء العيش ونماء الثروة تؤثر في الذوق، وتزيد في الصور؛ وتساعد على نشر العلوم، وتنوع في معاني الشعر وأساليب الكتابة. وشاهد ذلك أن مدن الحجاز حينما زخرت بالمال ونعمت بالفراغ منذ خلافة عثمان إلى أواخر القرن الأول للهجرة تدفق أهلها في اللهو وعكفوا على الغناء وألقوا أزمتهم في يد الصبابة وانقطع شعراؤها إلى الغزل فافتنوا فيه وتصرفوا في معانيه وأغفلوا سائر أنواع الشعر الأخرى كعمر بن أبي ربيعة وجميل بن معمر وكثير عزة. وشاهد آخر على تأثير الأحوال الاجتماعية في الفنون الأدبية هو شيوع البذاء والفحش في شعر بعض البغداديين على عهد الرشيد والمأمون. فقد حدث شئ من ذلك في الجاهلية وفي العصر الأموي حين كان الفرزدق وجرير ومن لف لفهما يتجاوبون بالفحش ويتهاجون بالبذاء، إلا أن ذلك لم يكن مقصوداً لذاته، وإنما كان يقال هجاء للعدو وسباباً للخصم. أما الفحش في شعر أبي نؤاس ومطيع بن أياس وحسين

стр. 214

الضحاك وابن سكرة الهاشمي وابن الحجاج فقد كان صادراً عن خلق وناقلا عن طبع ومعبراً عن حالة. فالشعراء يقولونه ويفعلونه، وأهل البيوتات وذوو الثمالة يسمعونه ولا ينكرونه، فيما ذا نعلل ذلك الفساد الذي نال الطباع العربية الحرة فجعلها تمتهن الكرأمة وتلقي شعار الحشمة؟؟ إذا عللناه بمفاسد الترف حين تطغى الحضارة ويثور البطر كان هذا التعليل وحده غير فاصل ولامقنع. فأن أكثر أمم التمدن الحديث اليوم قد غرقوا في اللهو وشرقوا بالنعيم وأمعنوا في الخلاعة، ثم لا تجد النوابغ من شعرائهم وكتابهم يجرءون على أن ينعوا أنفسهم بالفواحش أو يجهروا في كتبهم بالفضائح، وناهيك بما حدث لفكتور مرجريت حين نشر قصة لاجرسون. إنما الأشبه بالحق أن هناك سبباً آخر يساعد هذا السبب وهو كثرة الرقيق، وتأثير الرقيق إنما حدث من جهتين: أولاهما قيام العبيد على تربية الأحداث في كرائم الأسر، وفي كثرة العبيد دناءة في الطباع ووقاحة في القول فأفسدوا النشء وعودوهم هجر القول وفحش الحديث، وأخراهما إقحام الجواري والسراري خدور العقائل فأعدينهن من أخلاقهن بالمجانة، فسقطت المرأة من عين الرجل فأخذها بالعنف وضرب عليها الحجاب وأقام عليها الخصية على عادة الفرس وأقصاها عن تربية الولد وتدبير البيت وأتخذها للمتاع واللذة، فكان من ذلك أن فشت في الخاصة أخلاق العبيد والأماء فتنادروا بالفحش وأكثروا الشعر في الأحماض والمجون. وإليك شاهداً آخر على تأثير الأحوال الاجتماعية والأمور المادية في فنون الآداب: ظهر أدب العامة أو الشعر باللغة العامية في بغداد والأندلس في عصر واحد، ففي بغداد ظهر المواليا على لسان صنائع البرامكة من العامة، وظهر نوع آخر ذكره ابن الأثير صاحب المثل السائر قال: (بلغني أن قوماً ببغداد من رعاع العامة يطوفون بالليل في شهر رمضان على الحارات وينادون بالسحور ويخرجون ذلك في كلام موزون على هيئة الشعر وان لم يكن من بحار الشعر المنقولة من العرب، وسمعت شيئاً منه فوجدت فيه معاني حسنة مليئة وأن لم تكن الألفاظ التي صيغت بها صحيحة) ولكن الشعراء والأدباء استخفوا به واحتقروه فلم يقلدوه ولم يدونوه ولم يأبهوا لأربابه. وحاول أحد الأطباء الأدباء وهو محمد بن دانيال الموصلي أن يبتكر نوعاً جديداً من الأدب أقتبسه من ألعاب خيال الظل فألف كتاباً سماه طيف خيال فحبط عمله.

стр. 215

وأما في الأندلس فأبتدع عبادة بن ماء السماء القزار الموشح، وأبتكر أبو بكر بن قزمان الزجل، فطرب الناس لهما وأعجبوا بهما وأقبل أمراء القريض وزعماء الأدب على نظمهما وجمعهما فنبغ فيهما النوابغ واشتملت على روائعهما الكتب. فم السبب إذن في استهجان البغداديين لأدب العامة وعزوفهم عنه، واستحسان الأندلسيين له ونبوغهم فيه؟ السبب يعرفه المؤرخ الباحث في بغداد وهو أن بغداد كانت شديدة الأرستقراطية لأنها موطن الأشراف وذوي الأحساب والمثالة والثروة، فكانوا يترفعون عن الشعب ويستخفون بأدبه وذوقه وذكائه. ويجدون من الغضاضة أن يتحلوا بحليته ويجروا على أسلوبه؛ ولكن الأندلس كانت ديمقراطية غنية كأمريكا اليوم، فلم يعتز أحد فيها بالنسب لتساويهم فيه، ولا بالثروة لعموم الرخاء فيهم، وحسن توزيع الثروة بينهم، فكانت منازل الخاصة والعامة متصاقبة. وأذواقهم وآدابهم متقاربة. لذلك لم يتأبه الشعراء والأدباء عن تقليد الأدب العامي وتدوينه.
следующие страницы →