Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
من نفس الحجاج قد غمرت أجسام الناس بالخوف والرهبة، ولكن السبب هو أن الناس كانوا يشعرون بشيء من الاستكانة أمام بطش عمر وجبروته، فاذا ما ذهبوا يحاولون النيل منه وتلمس سيئاته لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا، لأنهم يجدون فيه الرجل المتمسك بالشريعة الذي لا تصدر أفعاله عن هوى، وإزاء هذا الشعور بالعجز المضاعف أمام هذه الشخصية يحس الناس بشيء من الخشية المشوبة بكثير من التعظيم والإجلال. أما الحجاج فكان الناس يشعرون بكثير من الخوف والهلع أمام سيفه نتيجة لشعورهم بالعجز عن مجاراته في أسباب بطشه للسلطة المخولة له عليهم، ولكنهم من جهة أخرى كانوا يستطيعون إحصاء ما كان يقترفه من السيآت والمنكرات، وما كان يقدم عليه من الإجرام والظلم، وهكذا كانوا يخافونه ويرهبوا جانبه لشعورهم بالعجز عن مقاومته، ولكنهم كانوا في الوقت نفسه يكرهونه ويشتد مقتهم له لاعتقادهم بأنه متخلف عنهم في الرحمة والعدل والإنسانية، وبالجملة فإن عمر والحجاج لم تنبعث من نفسيهما أشعة تؤثر في الناس، ولكن الناس هم الذين خلقوا هذا التأثير بهذا الشعور السلبي الذي استولى على نفوسهم، ولو أن حياتهم الاجتماعية والسياسية كانت تصبغهم بغير هذه الصبغة، ولو أن شعورا بالقوة والعظمة والرفعة استولى على نفوسهم لما ملأت نفوسهم عظمة عمر وجلاله، ولما ضربت عليهم الذلة والمسكنة وانكمشت قلوبهم خوفا ورعبا من الحجاج وسيفه وصولته.
قال الأستاذ: (وحدثني من أثق به أن الأستاذ جمال الدين الأفغاني كان يرتطن عجمة ولم يكن فصيح اللسان، ولا سلس القول، ولكن تجلس فيشعلك نارا دونها فصاحة الفصيح وبلاغة البليغ، لأنها النفس مستودع كهربائي قوي يصعق أحيانا، ويضيء أحيانا، ويدفع للحركة أحيانا) وهذا أيضا ينضوي تحت لواء ما قلناه، فقد كان المصريون في أيام الأستاذ جمال الدين بعيدين عن هذه الحرية الفكرية الغربية، وإن كان بعضهم يطمح إليها ولا يجد في هذا الجو المصري الخانق الرجعي مسعفا له على بلوغ مأربه، فلما حط الأستاذ رحاله في هذا البلد، هرع إليه بعض من هذه الفئة العطشى، ولشعورهم بالعجز في مضمار الفلسفة وما إليها مما كان يلقيه عليهم الأستاذ جمال الدين، ولموقفهم منه موقف الطلبة من أستاذهم كانوا يشعرون برهبة ورغبة في مجلسه، وتبدو لأعينهم وقلوبهم هذه التعاليم الجديدة التي يتلقونها نارا تلهب النفس وتشعلها وتتأجج في جوانبها حتى لتدفع بها إلى
стр. 1507
الثورة، ولو كان فيهم رجل يأنس من نفسه قوة تدفعه إلى الوقوف مع الأستاذ موقف الند للند، لا الطالب أمام معلمه لتغيرت الحال وأحجم الأستاذ احمد أمين عن أن يضرب هذا المثل للتدليل على وجود هذا الإشعاع النفسي موضوع مقاله.
وأن اختلاف تأثير الخطيب باختلاف السامعين والممثلين باختلاف النظارة، لينهض دليلا على ما نزعمه من أن تأثير الأشخاص في بعضهم ليس مرجعه إلى قوة نفسية تشع من نفس إلى أخرى فتؤثر فيها تأثيرا قويا أو ضعيفا، حسنا أو سيئا، ولكن هذا يرجع إلى شعور النفس المؤثر فيها بتخلفها (بحكم طبيعتها أو العوامل المحيطة بها) عن النفس التي أثرت فيها في الخطابة أو الكتابة أو ما شاكل ذلك.
من هذا كله نستطيع أن نقول إننا لا نتأثر بعظيم فنرهبه ونرتعد من الخوف بين يديه، أو خطيب فنصفق له ونحمله على الأعناق، أو محدث فنرهف آذاننا له ونعجب به، إلا لأننا قابلنا العظيم وفي قرارة نفوسنا من شعور بسموه عنا، وسمعنا الخطيب ونحن نشعر بأننا عاجزون عن الوقوف مثل موقفه، والتعبير بمثل تعبيره، وأنصتنا إلى المحدث وقد غمرنا شعور بالقصور عن لباقته، أو مجاراته في حججه، أو الإتيان بمثل حديثه الذي يحمل بين طياته من المذاهب الجديدة والعلوم الحديثة ما نجهل. وليس هذا الأثر ناتجا من صدور أشعة من نفس العظيم أو الخطيب أو المحدث إلى نفوس الناس.
وخلاصة القول إننا لا نقول بحدوث تأثير المؤثر من قوة إيجابية تنبعث، ولكنه يكون بشعور سلبي أو قوة سلبية يحس بها المؤثر فيه حتى ليتوهم أنها آتية إليه من خارج نفسه، والحقيقة أنها تصدر عن نفسه وتنبع منها.
الإسكندرية - عبد الحليم محمد حمودة
(الرسالة)
من أين يأتي شعور العجز والضعة، وقد تلقى الرجل لأول مرة فيثير فيك شعور البطولة والإعجاب، بل قد تراه أو تسمعه وقد سبقت إلى أذنك أخبار وضعت من شأنه، وحطت من قدره، فما هو إلا أن تراه وتسمع له حتى يتغير رأيك ويختلف تقديرك. هل سمعت قول القائل: (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) أو هل علمت أن الناس لما رأوا الحجاج يصعد على المنبر أخذوا الحصى ليحصبوه، فما استهل خطبته حتى تساقط الحصى من أيديهم
стр. 1508
وهم لا يشعرون؟ ما ذلك إلا الإشعاع.
стр. 1509
لم لا تقول الشعر؟
للدكتور عبد الوهاب عزام
كتبت ألي أيها الأخ الكريم تسألني (لماذا صمتَّ بعد تغريد، ونضبت بعد فيض، وسكنت بعد المرح، واكتأبت بعد الفرح؟ وما هذا الوجوم والإطراق بعد التهلل والإشراق؟ أين قلبك الهدار، وقلمك المكثار؟ وأين شعرك الشاعر، ونظمك الساحر؟ ليت شعري، وقد أمكنك القول، لم لا تقول الشعر؟)
يا أخي بماذا اجيبك؟ لقيت الحياة مبتسما، ونشأت مرنما، أطالع تباشير الصباح مرحا كالأطيار، مترنحا مع الأشجار، تروقني ألوان الأفق، وتدهشني طلعة ذكاء في مواكب الضياء، أراقب الأضواء، في الصباح والامساء، وأساير الظلال، بالغدو والآصال. وأخلو إلى القمر أشرب ضياءه، وأحس في نفسي صفاءه، وأقول:
البر والبحر ذوبٌ من سنا قمر … تردد الطرف فيه فهو حيران
وأتأمل الأزهار في شعاعه، واقبِّل الورد في لآلائه وأساير النيل أجري مع مائه. واضطرب مع أمواجه، وأقف على البحر فرحا بآذيِّه المهتاج، معجبا بسلاسل الأمواج، أرقب العراك المتواصل، بين الماء والساحل.
وكم طربت لزقزقة العصافير في نور الصباح، وتنزيها على متون الرياح، وضحكت لبكور الغراب، سابحا في الضباب.
وكم فتنني الوجه الجميل والخلق النبيل فقلت:
في كل حسن أرى سراً يجاذبني … نفسي، ومالي بهذا السر عرفان
أرى الجمال فتطبعه زجاجة العين على صفحة القلب فاذا هو على لساني وقلمي. فانطلق قائلا معجبا. ومنشداً مطرباً.
وكل شيء يبعث الأمل، ويحدو إلى العمل، وكأن القضاء طوع الخيال، وليس في الدنيا محال. وكأن الإنسان يستطيع أن ينحت الجبال بقلمه، وينزف البحر بفمه. والمستقبل وضاء، وكل ما في العالم ضياء.
ثم نفذ إلى الفكر إلى ما وراء الظاهر، وتطلع إلى ما في السرائر، وجاوز القشر إلى اللباب، وخاض الضحضاح إلى العباب، وكشف المجاز عن الحقيقة، وطالع ضمائر
стр. 1510
الخليقة. فأنبهم العالم واستعجم، فاذا كل شيء مبهم، فالفكر فيما وراء الحجب جائل، وكل سر هنالك هائل. الضوء هنالك ضباب، والبصر حجاب.
فامحت الأشكال وخفيت الألوان، وعيّت الريشة في يد الراسم، وحار القلم في بنان الشاعر، وبُهِت المنطق دون البيان، وجمد اللفظ على اللسان. ويبقى السر المحجَّب آبيا على كل مطلب، أو يبصَّ من الحقيقة حاجب يعظم عن ضيق الألفاظ ويكبر على سلاسل القوافي والأوزان.
ورحم الله الشاعر سنائي إذ يقول: (رجعت عما قلت إذ ليس وراء الألفاظ معان، وليس لما ندرك من المعاني ألفاظ).
أهم بالأمر الصغير فإذا هو حلقة في سلسلة، وطريق إلى كل معضلة، وجزء من كل حقيقة هائلة.
وأحاول الأمواج فتنفتح عن الأعماق، فيضل الفكر وتزيغ الأحداق. وأعالج حمرة الشفق، فاذا وراءها خبيئات الأفق، وإذا الأفق صلة الأرض والسماء، وكيف بما فيهما من حقائق، وكيف بما أستسر من أسرار الخالق؟
وأهم بالكلام عن الحيوان فاذا أنا في لجة الحياة، وهي السر العجاب، وسطها فوق الأرض وطرفاها في التراب.
وأريد أن اصف الذرة فاذا هي والشمس سواء، باهرة الحقيقة رائعة الضياء. أنظر إلى الصغير فيكبر، وأعمد إلى الواضح فيستعجم.
والأمل تكسرت أمواجه على صخور الحقائق، وضل سرابه في صحاري الحياة.
يا أخي: ها أنا على ساحل المحيط الأعظم حائر الطرف بين اللجة والشاطئ، مقسم الفكر بين الظاهر والباطن. ولست أدري أأبقى صامتا مبهوتا، أو أهجم على الأهوال، وأغوص في الأعماق، ثم أبين عن عرفاني وجهلي، وإدراكي وعجزي، أو أرجع إلى العهد القديم أصف الألوان والأشكال والضياء والظلال. . . .؟
стр. 1511
الحمى داء ودواء
تحت هذا العنوان وفي العدد الرابع عشر من مجلة الرسالة الغراء عقد العالم البحاثة الدكتور النابغة احمد زكي وكيل كلية العلوم بالجامعة المصرية فصلا قيما وبحثا ممتعا. عن الحمى وفوائدها، قال في بدايته (الحمى من قديم الزمان عرض مخوف وطارق مرهوب وكثيرا ما كانت رسول الموت وقائد الحي تحدو ركبه إلى وادي الفناء. ولكن في هذه الأيام القريبة الماضية. نشأت فكرة أخذت تحل محلا ذا بال في رؤوس البحاثة من الأطباء أو في رؤوس القليل منهم الذين لا تزعجهم غرابة الخاطر، ولا يصرفهم عن أمره خروجه عن المألوف، ومحصول هذه الفكرة أن الحمى ذلك العدو القديم للحياة، قد تنقلب، أو يمكن تأليفها وقلبها إلى صديق نصير، فبدل أن تكون عونا على الداء، تصبح عونا على الشفاء، في بعض الأمراض التي عجز عنها الطب وحار فيها الأطباء).
ونحن نقول للدكتور الفاضل بكل تواضع واحترام إن هذه الفكرة التي انتهى اليها الباحثون والأطباء الغربيون اليوم. وقف عليها أطباء العرب من عشرات القرون الماضية، حينما كان آباء هؤلاء العلماء يسكنون المغاور، ويلجئون إلى الكهوف. فقد جاء في الصفحة الأولى بعد السبعين من كتب (زاد المعاد في هدى خير العباد للإمام الحافظ أبي عبد الله بن نعيم الجوزي) ما يأتي:
(وقد ينتفع البدن بالحمى انتفاعا عظيما لا يبلغه الدواء، وكثيرا ما تكون الحمى سببا لإنضاج مواد غليظة لم تكن تنضج بدونها وسببا لتفتح سدد لم تكن تصل اليها الأدوية المفتحة. وأما الرمد الحديث والمتقادم فأنها تبريء أكثر أنواعه برءا عجيبا سريعا، وتنفع من الفالج واللقوة والتشنج الامتلائي وكثير من الأمراض الحادثة عن الفضول الغليظة، وقال لي بعض فضلاء الأطباء أن كثيرا من الأمراض نستبشر فيها بالحمى كما يستبشر المريض بالعافية، فتكون الحمى أنفع فيه من شرب الدواء بكثير، فإنها تنضج من الأخلاط والمواد الفاسدة ما يضر بالبدن، فاذا أنضجتها صادفها الدواء متهيئة للخروج بنضاجها فأخرجها فكانت سببا للشفاء).
وفيما تقدم دليل جديد يشهد بما بلغه العرب في الطب من المنزلة العالية والمكانة التي لا تدانى، كما يشهد لهم بفضل السبق إلى كثير من نظرياته الحديثة التي ينسبها علماء اليوم إلى أنفسهم زورا وبهتانا، والفضل كل الفضل للمتقدمين.
стр. 1512
والقود. سودان
محمد محمود الجندي. طالب بالتجارة العليا بالقاهرة
стр. 1513
أعلام الفلسفة الفرنسية
تين
منذ سنوات خلت، نشرت الصحف خبر احتفال الفرنسيين في بهو السربون، بذكرى الفيلسوف الفرنسي الكبير (تين) وقد كان الاحتفال فخما للغاية، يناسب مكانة الفيلسوف العظيم؛ وقد رأسه المسيو إدوار هريو وزير المعارف والفنون الجميلة، وشرح بمحاضرته التي ألقاها منهج تين في النقد الأدبي، وفي العرض التاريخي. ويرى بعضهم أن مؤلفات تين خير ما أخرج التفكير الفرنسي في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، ويرون انه أبرع نقاده في ذلك القرن! وقد كان تين فوق ذلك فنانا بارعا يعشق فن الموسيقى، وأما نظرياته الفلسفية فإنها تميل على الأغلب إلى الناحية المادية.
العبقرية الحق هي التي تعمل ولا تشبع، وتجد في الألم لذة، وفي الموت من أجل العمل حياة، ولا تحسب يوماً أنها وجدت ما تنشد وتصبو إليه! كان تين لا يكل ولا يتعب، بل كان يقوم في الليل ليستأنف عمله، وكان (اسكوت) الكاتب الإنجليزي الكبير مصنوعاً من العمل، كما كان يقول، وحسب (بتهوفن) انه لم يبرز ما يصبو إليه، ومات (فولتير) وهو معتقد انه لم يعمل عملا واحدا يرضي ذوقه!
العبقرية الحق، هي التي تخلق وتنشئ وتنظر دائما إلى الممكن وإلى المستقبل، هي باذرة بذور الخير والحب والطيبة والجمال في الوجود، والطامحة دائما إلى الأحسن، والآخذة بالناس من الظلمات إلى النور، ومن العبودية إلى الحرية، ويخلد العبقري بقدر ما تترك رسالته من أثر على وجه البسيطة؛ فكلما كانت رسالة العبقري إنسانية كان الإعجاب بها شديداً والثناء عليها قويا.
ولد هيبوليت أدولف تين في ٢١ أبريل سنة ١٨٢٨ بفوزييه بمقاطعة الوارون في فرنسا، وكان أبوه من أسرة قليلة المال قصيرة الباع. وكان لأبيه (جان باتيست تين) اتصال بالقضاء، لذلك استطاع تين أن يتلقى عليه النظم والقوانين إلى جانب دراساته بمدرسة (مسيو بيرس) الصغيرة. حتى بلغ الحادية عشرة من عمره، وقد مرض أبوه فأرسله في سنة ١٨٣٩ إلى مدرسة دينية في (رتل) أقام بها ثمانية عشر شهراً، وبعد وفاة أبيه سافر إلى باريس فالتحق بمعهد (ماتيه) وكان طلاب هذا المعهد يدرسون بكلية بوربون وفيه
стр. 1514
ظهرت بوادر كفايته النادرة. لقد امتاز تين لأول دخوله المدرسة بمقدرة على العمل مدهشة، وبجلد متين لا يقل إثارة للدهشة، وكان كثير التحصيل، كثير التعليق على ما يحصل، كثير التفكير فيه، مما جعل له على أصدقائه جميعاً نفوذاً معترفاً به، اعترافهم بفضله ومقدرته على الكتابة نظماً ونثراً في اللغتين الفرنسية واللاتينية. وبعد انتهاء دراسته الثانوية انتقل إلى مدرسة المعلمين ' وفيها قرأ افلاطون، وارسطو، ودرس الإنجليزية فبرع فيها وأتقن آدابها. وقد لاحظ عليه أساتذته مبالغته في الحرص على السلوك بالمنطق مسلكا رياضياً والوصول به دائما إلى قاعدة ثابتة على نحو ما يصل الرياضيون في مسائل الحساب والهندسة والجبر. وقد تنبأ له أساتذته بمستقبل باهر، وقالوا سيكون تين أستاذاً ممتازاً، بل سيكون أكثر من ذلك، وسيكون عالما من الطراز الأول، وسيكون شعاره شعار سبينوزا (يعيش ليفكر).
ومع ما عليه تين من رقة في الخلق عظيمة، ومن طباع غاية في الطيبة، كان لذهنه قوة جبارة لا تلين لا يستطيع ان يكون لأحد على تفكيره أي تأثير. وجماع ما يقال عن (تين) انه ذهنية جبارة منقطعة النظير!
كان تين أقوى أثراً في نشر الفلسفة الواقعية من صاحبها اغست كونت نفسه، وبرغم تثبيته قواعد هذه الفلسفة الوضعية في ذهن أهل عصره والعصور التي خلقته، قد فتح لها ميادين جديدة في الفن وفي الأدب وفي الشعر، وفي صور نشاط العقل الانساني، وفي النفس الإنسانية، مما جعل للعلم الوضعي وللفلسفة الوضعية من متانة الأركان ما لا يزال حتى اليوم وطيدا قويا غاية القوة، برغم موجات الروحية (والتيوزوفية) وغيرها مما سبق الحرب وشجعته الحرب ومما لا يستطيع أن يقاوم (حتى في الميادين الفلسفية البحتة) تيار العلم الجارف، الذي يدل الناس كل يوم على أن العلم إذا اخطأ في تقرير نتائج معينة، فهو وحده قمين بإصلاح هذا الخطأ من طريق الاستقراء والملاحظة والتجارب، وما يترتب على هذه من تبويب ينتهي إلى استنباط القوانين العلمية الصحيحة التي يمكن أن تكون أساسا لارتكاز الفلسفة الواقعية الصحيحة، فهذا الرجل الذي حاول، ونجح في محاولته، هدم الفلسفة الكلامية التي كان الأستاذ فيكتور كوزون عميدها في عصره، والذي حاول ونجح في أن يقر إلى جانب التفكير الواقعي المذهب الجبري وأن يطلق هذا المذهب على
стр. 1515
النمسان ويخضعه له، بمقدار ما تخضع له الأفلاك والموجودات كلها، هذا الرجل كان صاحب أسلوب في الكتابة له من البهر ما يسحرك كما لو كنت تستمع إلى ألحان أركسترا بيتهوفن! ولعل أبرع ما كتبه تين في الناحية الأدبية، هو ما كتبه في الوصف والسياحة، ولقد بلغت براعة الوصف فيهما مبلغا قل أن يجاريه فيه كاتب.
وليس فضل تين مقصوراً على فلسفته وأدبه فحسب! فهو إلى جانب ذلك مؤرخ من أكبر المؤرخين لم يقتصر على كتابة تاريخ بلاده، بل تناول عصر ما قبل الثورة، وتناول عصر الثورة والعصور التي بعدها، وتناول بحوثا أخرى في التاريخ القديم وفي التاريخ الحديث، تناولها بدقة في العبارة، ودقة في البحث، وقوة في الأسلوب، جعلت له كل هذه المكانة التي تسنم ذروتها في عصره، وكل هذا المجد الذي يشهد له به اليوم حتى ألد خصوم نظرياته. ورسائله في التاريخ وفي النقد جعلته منه نقادة معترفاً بنبوغه وبفضله، وقد أقامت له مذهبا في النقد يتسق ومذهبه في الأدب، وفي التاريخ، وفي الفلسفة، وفي كل ما تناوله من مباحث؛ والذي يقرأ كتابه (الفلاسفة الإنشائيون في القرن التاسع عشر) وكتبه (رسائل في النقد وفي التاريخ) يرى اتجاه مجهوده العقلي في السنوات الخصبة من حياته، ويرى المجهود الهائل الذي تناول به بحث اليونانيين القدماء وكتاب فرنسا وفلاسفتها وكتاب إنجلترا ومفكريها، تناول ذلك في دقة وإحاطة قل نظيرهما. يعرض أمامك فكرة كل كاتب وفلسفته وأسلوبه ويحلل ذلك ويرده للبيئة وللجنس اللذين نشأ الكاتب فيهما، ويدلك على ما يراه النقاد ويراه هو في الكاتب وفكرته من قوة ومن ضعف، ومن كمال ومن نقص. ومن دقة في بلوغ الغاية التي قصد إليه الكاتب، أو اضطراب في نهج السبيل إلى تلك الغاية، وهذه طريقته التي سار عليها في النقد، وهي الطريقة العلمية الصريحة التي لا تعرف الميل ولا المواربة، ولا تعرف مذاهب الشك والتردد، والتي تقفك من كل كاتب ومن كل موضوع على خلاصة الموضوع وعلى صورة واضحة من الكاتب على نحو ما رآه تين؛ أول أستاذ (لتين) أثر في تفكيره أعمق الآثار وهو (كوندياك)، وتين لا يفهم كيف ينسى في فرنسا منهج كوندياك الذي هو (أحد المثل العليا للذهن البشري) ويستبدل بفتات الاقتباس والمزج، ثم هو يأخذ على كوزين وتلاميذه قبل كل شيء انحلال المنطق، لأنهم يرون انهم فلاسفة، ولكنه يرى انهم خطباء يعنون بالأثر الذي يحدثونه اكثر مما يعنون بالحقائق التي
стр. 1516
يبحثونها! ثم يقول: انه تجب العودة إلى كوندياك وهو ذهن لا نظير له في الاستنارة والدقة، وقد وهب كل المسائل العظيمة أجوبة ثارت عليها التقاليد الكلامية المبعوثة، ونظريات ما وراء الطبيعة الألمانية في فرنسا في بدء القرن التاسع عشر! بيد أنها سوف تعود بالرغم من كل هذا، ويعود (تين) بدوره قدوة في استئنافها والتمسك بها.
وكما أن تين كان تلميذاً لكوندياك كان كذلك تلميذاً لأسبينوزا وهيجل فقد شعر مثل (جيته) بسمو الفكرة الاسبينوزية، ورأى أن مفكراً لا يستحق أن يسمى بالفيلسوف ما لم تطبع نظريته الخاصة بطابعها. واسبينوزا هو الذي أوحى إليه باعتبار الوجهين: الوجه الطبيعي، والوجه الخلقي، صورتين لحقيقة جوهرية واحدة، وقال تين عن هيجل متحمساً: (ليس بين جميع الفلاسفة من سما إلى ما سما إليه (هيجل) أو من تدنو عبقريته من ذلك الصرح الشامخ! فهو مزيج من اسبينوزا وارسطو). وقد اتسع مدى عمل (تين) الفلسفي والتاريخي بالاستناد إليه.
يقول (تين) عن الفلسفة الإنجليزية أنها قد انتهت إلى اعتبار الطبيعة اجتماعا للوقائع، أما الفلسفة الألمانية فترى فيها مجموعة من القوانين، فإذا كان ثمة مكان بين الأمتين فهو مكاننا نحن معشر الفرنسيين! لقد وسعنا الآراء الإنجليزية في القرن الثامن عشر، واستطعنا في القرن التاسع عشر أن نضبط الآراء الألمانية، ومهمتنا الآن هي تهذيب الذهنين أحدهما بالآخر ومزجهما في ذهن واحد، وأن نصوغهما في أسلوب يتذوقه العالم كله، وان نخرج منهما بذلك الذهن العام.
ولقد عين تين مدرساً في وزارة المعارف بمدرسة (نفير) في أول سنة ١٨٥١ الدراسية، لكنه لم يمكث في هذه المدرسة إلا شهوراً نقل بعدها إلى مدرسة دونها في الدرجة، وذلك لأغراض سياسية. ومن ثم نقل إلى (ابوانيه)، ومنها نقل مساعد مدرس إلى بزانسون في سبتمبر ١٨٥٢. وعلى رغم تنقلاته الكثيرة، قد وضع رسالة عن المشاعر ورسالة لاتينية تقدم بها إلى السوربون لنيل جائزة الفلسفة، ولما كانت هذه الجائزة قد ألغيت فقد أراد تين أن ينال جائزة الأدب العليا - ولكن رسالته لم تقبل، فوضع رسالة عن لافونتين فنال بها دكتوراه الآداب في ٣٠ مايو سنة ١٨٥٣، وعل أثر حصوله على الدكتوراه اقترحت الأكاديمية الفرنسية موضوعاً لجائزة تمنح في سنة ١٨٥٥ على احسن رسالة تكتب عن
стр. 1517
(تيت ليف) الكاتب والمؤرخ الروماني الكبير، فعرض لها (تين) وكتبها ثم تقدم بها فكانت الأولى بين كل الرسائل التي قدمت!
وكان تين قد رشح نفسه سنة ١٨٦٢ لتدريس الأدب في مدرسة الهندسة ولكن مسيو دي لموني انتخب بدلا عنه، على أن وزير الحربية عينه في مارس من السنة التالية ممتحنا في التاريخ وفي اللغة الألمانية بمدرسة سان سير - الحربية. وفي سنة ١٨٦٤ عين مدرسا لتاريخ الفن والجمال في كلية الفنون الجميلة؛ فكان تعاقبه في وظائف الدولة سببا في إثارة الخوف في نفس رجال الدين، مما دفع المونسينير دوبانلوا إلى كتابة منشور وجهه إلى الشبيبة وإلى الآباء يطعن فيه على تين ورنان ولتريه وندد فيه بنزعاتهم الإلحادية مما كاد يزعزع مركز تين لولا تدخل البرنسيس ماتيلدا وبسط حمايتها عليه. وفي سنة ١٨٦٤ قدم بعض كتبه إلى الأكاديمية ليحصل على جائزة بوردان. فانبرى له مونسينير دوبانلوا من جديد، واشترك معه آخرون ليحولوا بينه وبين الجائزة. على أن المسيو جيزودافع عن تين بكل إخلاص واستمرت المناقشة أمام الأكاديمية فيمن يستحق الجائزة ثلاثة أيام متوالية، استقر الرأي بعدها على أن الجائزة لا تمنح لأحد ما دامت لا تمنح لتين!. . . على أن هذه الخصومات المتتابعة وهذا التجني على ذلك الكاتب الفيلسوف لم يحل دون حصوله على وسام اللجيون دونور في سنة ١٨٦٦ وعل شهادة من جامعة اكسفورد بعد محاضرات ألقاها بها عن راسين وكورني في سنة ١٨٧١. وتزوج تين في سنة ١٨٦٨ فلم يغير زواجه شيئا من حياة الجد والعمل التي كان يحياها، على انه منذ سنة ١٨٧٠ على أثر الحرب الفرنسية الألمانية قد حز في نفسه ألم هزيمة بلاده فأجهد نفسه في أن يقف على أسباب ضعفها، وكان هذا هو الدافع الذي دفعه إلى وضع كتابه الأكبر (أصول فرنسا الحديثة) الذي عمل فيه منذ سنة ١٨٧٠ والذي اضطر من اجله أن يتخلى عن مهنة التدريس منذ سنة ١٨٨٤ لينقطع له انقطاعا تاماً. وقد توفي في الخامس من شهر مارس سنة ١٨٩٣ وهو في الخامسة والستين من عمره.
وقد ألقى الأستاذ ليفي بريل المحاضر بالسوربون خطابا في شرح نظريات تين الفلسفية بمناسبة الاحتفال المئوي لميلاد (تين) نترك الأستاذ نفسه يحدثنا عنه إذ يقول: لنذكر اليوم ألقاب مجده ومناحي نبوغه! ولئن كان علم النفس وعلم الاجتماع قد وصلا بفروعهما
стр. 1518
المختلفة في فرنسا إلى ما وصلا إليه من التقدم فان تين هو أحد الذين يرجع إليهم الفضل في ذلك، وقد كان من الممكن أن يترك عمله، ولكن الروح الذي بعثه ما زال يضطرم إلى اليوم، وكان الطريق الذي سنه هو طريق الإرشاد، وأن فضله ليبدو أشد بهاء، إذا ذكرنا الوسط الفلسفي الذي تخرج منه، ولكن تين غلبت عليه روح الفلسفة الحق فاعتزل أولئك المبشرين بأفقر ضروب التحكم، وبحث عن الحقيقة دون أن يعني بادئ بدء بما إذا كانت ستتفق وهذه العقيدة أو تلك، أو هذا الحزب أو ذاك. وبذا وصل تين بين التقاليد الفلسفية للقرن الثامن عشر، وهي التقاليد التي اعتقد الجيل الذي قبله أنها قطعت نهائيا. وهكذا كان مستحقاً لإعجاب كل مفكر حر في عصرنا، فلنحمده لأنه جاهد من أجل مثل أعلى للعالم والفلسفة النزيهة. ولعل هذا خير مديح كانت تتأثر به عزته. ولقد أبى أعز أصدقائه (أميل بوتمي) الذي ساعده على تأسيس المدرسة الحرة للعلوم السياسية والذي كان أمينا لأعمق اسراره، ان يكتب على قبره سوى هذه العبارة البسيطة: (أحب الحقيقة قبل كل شيء).
حلب. صبحي العجيلي
стр. 1519
٧ - بلاط الشهداء بعد ألف ومائتي عام
للأستاذ محمد عبد الله عنان
قال ابن عبد الحكم وهو من اقدم رواة الفتوح الإسلامية وأقرب من كتب عن فتوح الأندلس ما يأتي:
(وكان عبيدة (يريد والي أفريقية) قد ولى عبد الرحمن بن عبد الله العكي على الأندلس وكان رجلا صالحا فغزا عبد الرحمن إفرنجة وهم أقاصي عدو الأندلس فغنم غنائم كثيرة وظفر بهم. . ثم خرج إليهم غازيا فاستشهد وعامة أصحابه، وكان قتله فيما حدثنا يحيي عن الليث في سنة خمسة عشر ومائة). ولم يذكر الواقدي والبلاذري والطبري وهم أيضا من أقدم رواة الفتوح شيئاً عن الموقعة وقال ابن الأثير في حوادث سنة ثلاثة عشر ومائة مرددا لرواية ابن عبد الحكم (ثم إن عبيدة استعمل على الأندلس عبد الرحمن ابن عبد الله فغزا إفرنجة وتوغل في أرضهم وغنم غنائم كثيرة، ثم خرج غازيا ببلاد الفرنج في هذه السنة (اعني ١١٣هـ) وقتل سنة أربع عشرة ومائة وهو الصحيح، فقتل هو ومن معه شهداء) وينسب ابن خلدون الموقعة خطأ لأبن الحبحاب والي مصر وأفريقية فيقول: (وقدم معه (أي بعد الهيثم) محمد بن عبد الله بن الحبحاب صاحب أفريقية فدخلها (أي الأندلس) سنة ثلاثة عشر وغزا إفرنجة وكانت لهم فيهم وقائع وأصيب عسكره في رمضان سنة أربع عشرة، فولي سنتين) ولدينا من الرواية الأندلسية ما قاله صاحب (أخبار مجموعة) عند ذكر ولاة الأندلس وهو (ثم (أي وليها) عبد الرحمن ابن عبد الله الغافقي وعلى يده استشهد أهل البلاط الشهداء، واستشهد معهم واليهم عبد الرحمن) ونقل الظبي في ترجمة عبد الرحمن ما ذكره ابن عبد الحكم عن الموقعة. وقال ابن عذارى المراكشي (ثم ولي الأندلس عبد الرحمن ابن عبد الله الغافقي فغزا الروم واستشهد مع جماعة من عسكره سنة ١١٥ بموضع يعرف ببلاط الشهداء) وقال في موضع آخر، ثم ولي الأندلس عبد الرحمن هذا (أي الغافقي) ثانية وكان جلوسه لها في صفر سنة ١١٢، فأقام واليا سنتين وسبعة اشهر وقيل وثمانية اشهر، واستشهد في أرض العدو في رمضان سنة ١١٤. وقال المقري فيما نقل (ثم قدم عبد الرحمن ابن عبد الله الغافقي من قبل عبيد الله بن الحبحاب صاحب أفريقية فدخلها (أي الأندلس) سنة ثلاثة عشر وغزا الإفرنجة وكانت لهم فيهم وقائع وأصيب عسكره في
стр. 1520
رمضان سنة أربع عشرة في موضع يعرف ببلاط الشهداء وبه عرفت الغزوة (ونقل في موضع آخر) وذكر انه قتل (والإشارة هنا خطأ إلى السمح ابن مالك) في الواقعة المشهورة عند أهل الأندلس بوقعة البلاط، وكانت جنود الإفرنجة قد تكاثرت عليه فأحاطت بالمسلمين فلم ينج من المسلمين أحد. قال ابن حيان، فيقال أن الآذان يسمع بذلك الموضع إلى الآن (ونقل عن ابن حيان) قال دخل الأندلس (أي عبد الرحمن) حين وليها الولاية الثانية من قبل ابن الحبحاب في صفر سنة ثلاث عشرة ومائة وغزا الإفرنج، فكانت له فيهم وقائع جمة إلى أن استشهد وأصيب عسكره في شهر رمضان سنة ١١٤ في موضع يعرف ببلاط الشهداء، قال ابن بشكوال (وتعرف غزوته هذه بغزوة البلاط)
هذه الفقرات والإشارات الموجزة التي تكاد تتفق جميعها في اللفظ والمعنى هي ما ارتضت الرواية الإسلامية أن تقدمه إلينا في هذا المقام، وان كان في تحفظها ذاته ما ينم كما قدمنا عن تقديرها لرهبة الحادث وخطورته، وبعد آثاره. وإذا كان صمت الرواية الإسلامية تمليه فداحة الخطب الذي أصاب الإسلام في سهول تور فان الرواية النصرانية تفيض بالعكس في تفاصيل الموقعة إفاضة واضحة، وتشيد بظفر النصرانية ونجاتها من الخطر الإسلامي، وترفع بطولة كارل مارتل إلى السماكين. وتذهب الرواية النصرانية، ومعظم كتابها من الأحبار المعاصرين في تصوير نكبة المسلمين إلى حد الإغراق فتزعم أن القتلى من المسلمين في الموقعة بلغوا ثلاثمائة وخمس وسبعين ألفا في حين انه لم يقتل من الفرنج سوى الف وخمسمائة. ومنشأ هذه الرواية رسالة أرسلها الدوق أودو إلى البابا كريكوري الثاني يصف فيها حوادث الوقعة وينسب النصر لنفسه، فنقلتها التواريخ النصرانية المعاصرة واللاحقة كأنها حقيقة يستطيع العقل أن يسيغها. بيد أنها ليست سوى محض خرافة فإن الجيش الإسلامي كله لم يبلغ حين دخوله إلى فرنسا على أقصى تقدير اكثر من مائة الف والجيش الإسلامي لم يهزم في تور ولم يسحق بالمعنى الذي تفهم به الهزيمة الساحقة، ولكنه ارتد من تلقاء نفسه بعد أن لبث طوال المعركة الفاصلة يقاتل حتى المساء محتفظا بمراكزه أمام العدو ولم يرتد أثناء القتال ولم يهزم. ومن المستحيل أن يصل القتل الذريع في جيش يحافظ على ثباته ومواقعه إلى هذه النسبة الخيالية. ومن المعقول أن تكون خسائر المسلمين فادحة في مثل هذه المعارك الهائلة، وهذا ما تسلم به الرواية الإسلامية
стр. 1521
ولكن مثل هذه الخسائر لا يمكن أن تعدو بضع عشرات الألوف في جيش لم يزد على مائة الف. وأسطع دليل على ذلك هو حذر الفرنج وإحجامهم عن مطاردة العرب عقب الموقعة وتوجسهم أن يكون انسحاب العرب خديعة حربية، فلو أن الجيش الإسلامي انتهى إلى أنقاض ممزقة لبادر الفرنج بمطاردته والإجهاز عليه، ولكنه كان ما يزال من القوة والكثرة إلى حد يخيف العدو ويرده. على أن خسارة المسلمين كانت بالأخص فادحة في نوعها تتمثل في مقتل عبد الرحمن ونفر كبير من زعماء الجيش وقادته؛ بل كان مقتل عبد الرحمن أفدح ما في هذه الخسارة، فقد كان خير ولاة الأندلس وكان أعظم قائد عرفه الإسلام في الغرب، وكان الرجل الوحيد الذي استطاع بهمته وقوة خلاله أن يجمع كلمة الإسلام في إسبانيا فكان مقتله في هذا المأزق العصيب ضربة شديدة لمثل الإسلام ومشاريع الخلافة في افتتاح الغرب.
ويعلق النقد الحديث على هذا اللقاء الحاسم بين الإسلام والنصرانية أهمية كبرى، وينوه بخطورة آثاره وبعد مداها في تغيير مصاير النصرانية وأمم الغرب، ومن ثم تغيير تاريخ العالم كله. واليك طائفة مما يقوله أكابر مؤرخي الغرب ومفكريه في هذا المقام:
قال ادوار جيبون: (إن حوادث هذه الموقعة أنقذت آبائنا البريطانيين وجيراننا الغاليين (الفرنسيين) من نير القرآن المدني والديني، وحفظت جلال روما، وأخرت استعباد قسطنطينية، وشدت بأزر النصرانية، وأوقعت بأعدائها بذور التفرق والعطب).
ويعتبر المؤرخ آرنولد الموقعة (إحدى هاته المواقف الرهيبة لنجاة الإنسانية وضمان سعادتها مدى قرون).
стр. 1522
في الأدب العربي
من طرائف الشعر
آثار شوقية
- ١ -
كوميديتان لم تنشرا
بقي من المجموعة الشعرية لشاعر الخلود شوقي بك روايتان كوميديتان تهيئان الآن للطبع وهما: (الست هدى) و (البخيلة).
ومن قرأ الشعر الفكاهي للأمير يتصور الروح الخفيفة المرحة التي تشيع في هاتين الروايتين. وفيما يلي منظر من رواية البخيلة يلهب النفوس شوقا اليها:
(الست نظيفة وخادمها حُسْنى، حُسنى تدخل وبيدها شيء)
الست نظيفة: تعالَي يا ابنتي جيئي=بماذا جئتني حُسْنَى؟
حسنى: لقد جئتُ بفنجانٍ=خذيه جربي البُنَّا
السيدة: وهذا شُبُكي. هاتِ
حسنى:=اجل بالعود قد جيتُ
حُسنى: وفي الكيس مع الدخا_ن زنداني وكبريتُ
السيدة: سَلِمت حُسْنَى يداك =
حسنى: أنا مولاتي فِداكِ
السيدة: والآن هل آخذُ خَرْج النهار؟ =امضي خذيه إنه في الكرار
حسنى: هيأته سيدتي؟
السيدة: أجل!
حسنى: وما أخرجتِ لي؟
السيدة: رأسٌ من الثوم وخمسٌ من صغار البصل
حسنى: والسمن مولاتي تُرى
السيدة:=كأمس لم أُقلل
стр. 1523
أوقية
حسنى: والأرز؟
السيدة: لا. لا يدخلنَّ منزلي
لقد غلا سعراً ولا … يُعجبني السعرُ الغلي
حسنى: ليتكِ بالزيتِ افتكر_تِ والدقيق والعسل
السيدة: ولِمَ يا حُسْنَى؟ أرا_ك اليوم عادَكِ الخَبَلْ
نسيتِ أن ههنا … وتحت هذي الكنبَهْ
العشراتُ من قدي … م الكعك والغريِّبه
حسنى: لم أنس يا سيدتي
السيدة:=أنت إذن مخربة
حسنى: قد اشتهيتُ لقمة القاضي
السيدة:=اشتهتك عقربة!
السيدة: وما الذي اشتريت يا=حسنى لنا من الخُضَرْ؟
حسنى: الباميا! كأنها الزُ_مرُّدُ الخام الحجر
السيدة: الباميا منذ متى=هذا الخضار قد ظهر
حسنى: جديدة قلتُ عسى=سيدتي بها تُسَرَّ
نادى المنادون علي … ها منذ أسبوع غبَرْ
ترفُلُ من شوكتها … وفي شبابها النضر
السيدة: أجل لقد أكلتُها=في منزل الشيخ عمر
كالذهب الإبريز … والثومُ عليها كالدُرَرْ
حسنى: واليوم تأكلينها
السيدة:=أمر من طعم الصَّبِرْ
اشتريتْ غاليةً … مثل البواكير الأُخَرْ
حسنى: هدية تلك
السيدة: وممن؟
стр. 1524
حسنى:=من قريبٍ لي حضر
السيدة: من أين جاء ومتى؟
حسنى:=من الصعيد قد بكر
السيدة: وبم ترى جزيته؟ =بقبلةٍ مستعجلة!
حسنى: سيدتي!
السيدة: امضي اطبخي=دقّيةً مكمّلة
كأنها خليةً … من عسلٍ مجمّلَة
والثوم فيها لؤلؤ … وهي به مكللة
والعظم
حسنى: واللحم
السيدة: إحذري يتعبني أن آكله
حسنى: اللحم يا سيدتي في الباميا ما أسهله
السيدة: حُسنى انظري
حسنى: سيدتي
السيدة: على البلاط وسخُ
حسنى: الآن اغسلُ البلا_ط ثم امضي اطبخُ
(وتخرج حسنى الخادم)
- ٢ -
جبل الدروز
مشروع قصيدة لم تتم كان ينظمها المرحوم شوقي بك وهو بعالية من لبنان في أسود الجبل وقد اخرجوا من ديارهم ففروا بحريتهم وكرامتهم إلى الصحراء.
ألا بديارهم جنَّ الكرام … وشفَّهم بليلاها الغرام
بلادا أسفر الميلاد عنها … وصرَّحت الرضاعة والفطام
وخالط تربها وارفض فيه … رفات من حبيب أو عظام
بناء من أبوّتنا ألاوالي … يتمم بالبنين ويستدام
стр. 1525
توالى المحسنون فشيدوه … وأيدي المحسنين هي الدعام
وأبلج في عنان الجو فرد … كمنزلة السموءل لا يرام
يبيت النجم يقبس من ضياه … ويلمسها فيرتجل الجهام
له في الأعصر الأولى سمى … إذا ذكر اسمه ابتسم الذمام
كلا الجبلين حر عبقري … لدى محرابه ملك همام
أُزيلوا عن معاقلهم فأمسى … لهم في معقل الصخر اعتصام
الذكرى
مرت بي الذكرى فعا … ود قلبي المضني أساه
ولمحت عهدا خاليا … ووجدت في الذكرى شذاه
أيام روضُ اللهو غض … والهوى دان جناه
والعيش مُخضر الحوا … شي والمنى تُندى ذَراه
والقلب يمرح هائماً … نشوان ما يدري هداه
كم لذَّ تقبيل الخدو … د وشاقه لثم الشفاه
واليوم صوَّحه القنو … ط فشاخ منضورا صباه
في هدأة الذكرى وأح … لام الشباب بكى هواه
وطوى بساط اللهو في … شرخ الصبا وا لهفتاه!!!
أوَّاه من عبث الزما … ن وآه من كيد الحياة!
دمشق - حلمي اللحام
قلب!
لشاعر الشباب السوري أنور العطار
يا قلب! يا هيكل قدس الهوى … ويا مطاف الذكريات العِذاب
اضممُ على الحب شراع المنى … فهو طعام الروح وهو الشراب
تالله لولا حرمةٌ للهوى … لكنتُ أصليتك مُرُّ العذاب
أمضَّني حملك طفلاً وها … لما تزل طفلاً كثير الشغاف
стр. 1526
تملك أطراف السماء التي … لم يمتلكها الدهر، طيف التَّباب
تفتُّن في الضحك وما تأتلي … تلعب حتى يتعايا اللعاب
صبَّرت عنك الروح لكنما … أضجرها منك مرادٌ عُجاب
أضعت من أجلك زهو الصبا … فضاع ريحاني، وضاع الشباب
لم يبق لي من مأمل يرتجى … في راحة الأحلام غيرُ السراب
يَرِفُّ، والروح شديد الصدى … يُعِله في العمر ماء كذاب
قيثارتي تمعن في نوحها … ونوحها شطرُ فؤادي المذاب
أشعارها في ذي الدُّنى نفحة … تائهة في عالم من ضباب
تضيع في غيهب هذا الورى … ضيعة طفل في فسيح الرحاب
يا غيبُ! هذا الطفل جمُّ الرؤى … مفضض الأفياء، نضْر الشعاب
مُخْتَطَفٌ، شاردة روحه … وشارد الروح طويل الغياب
غلغل في دنيا الهوى فارتمى … حيران قد ضل سبيل المآب
خذه إلى ساحك تغنم به … أغرودة حالية بالرغاب
أيها النيل
أيها النيل أنت روح البلاد … ورسول المنى وكل المراد
لست ماء في أرضنا بل دماء … تتمشى بين الحشا والفؤاد
فاجْرِ يا نيل بالحياة إلينا … وابعث الخير في بطون الوادي
واملأ القطر من ترابك تبراً … وابق يا نيل رغم أنف العوادي
أيها النيل لن تذل مدى الده … ر وفينا ذخيرة للجهاد!
مصر تفديك بالدماء وبالنف … س إذا عز في الخطوب الفادي
فهي لولاك لم تكن منشأ النو … ر ومهد الحجى وكهف الرشاد
وهي لولاك لم تكن ذات مجد … ثابت الأس مستقر العماد
وهي لولاك لم تخلّد بذكر … في جميع العصور والآباد
وهي لولاك لم تكن منية الغر … ب حديثاً وكعبة القصاد
أيها النيل بلغ الغرب أنَّا … قد صحونا من الكرى والرقاد
стр. 1527
وسعينا إلى النهوض لنُحْيي … لك عهد الأبوة الأمجاد
محمد فريد عين شوكة
الوداع الأخير
أغداً يا هاجري موعدنا؟ … ردَّت الموعد أيامي عليك!
ها أنا الساعةَ في مُنعزلي … أُسلم الروحَ وأُزجيها إليكْ
كم تمنيتُ إذا أسلمتُها … لو أتَتْ خاتمتي بين يديكْ
يا ضنيناً باللقا. . . . حتى اللقا … ساعة الموت من الحرمان؟ ويْك!
أيها القاتل. . . . إني مشفق … لك (إن تلق الردى) من ملكيكْ!
بيَ أوجاع قد استعصت على … حكمة الآسِي. . وما استعصت عليكْ
في سرير الموت جسم دارس … ذو فؤاد ذائب من ناظريكْ
أيها القلب. . . . سألقَى خالقي … ما جوابي أن يسل عن قاتليك؟
لست بالخائف في أخراي من … لهبٍ ألفيْتُه برداً لديك
كنت في الدنيا مجوسياً صبَا … للهيبٍ موقد في وجنتيك
لكأني كنت مثلوجاً. . . . وكم … أدفأتني قبلةٌ من شفتيك!
يا شقيق الزهر والطير أما … سألت نفسك عني أخويك؟
أنا في روضك أرويه بما … فاض من دمعي مدى العمر عليك
في سرير الموت أغفَى شاعرٌ … عبقري. . . وحيهُ من مقلتيك
يا ضنيناً باللقا. . . حتى اللقا … ساعة الموت من الحرمان؟ وَيْك!
صالح جودت
стр. 1528
في الأدب الشرقي
من أحدث الشعر التركي
قصيدة لمحمد عاكف بك
للدكتور عبد الوهاب عزام
كنت عزمت على أن أنتقل من الشعر التركي الحديث إلى موضوع آخر من الشعر الشرقي، ولكنني حينما عدت إلى حلوان في آخر الشهر الماضي وجدت الصديق الفاضل محمد عاكف بك قد فرغ من نظم قصيدة طويلة من روائع شعره يتجلى فيها بعض ما يحسه عظماء الشرق، من الآلام والأحزان في أيامنا الحاضرة، فاستحسنت أن اجعلها ختاماً للكلام عن الشعر التركي وكان من توفيق الله أن ظفرنا بمثل هذه الخاتمة.
الفنان
قصة، سمعتها منذ ثلاث سنين فلعل لها سامعاً واعياً.
. . . . فصَل القطار من بوستون بعد الزوال بخمس دقائق. وتفرق المودعون، وآوى إلى المقاصير المسافرون. فها أنا مستبدٌّ بهذه المقصورة الثمانية وقد أمكنت الراحة فما يمنعني أن استلقي فأريح فكري وجسدي. لتدر السماء والأفق والأرض وجداً فلست أبالي ما استقرت بي هذه الزاوية.
لله أي أشجار من الزمرد!. . وأي لجج من المروج!. . أزهور هذه أم قصور؟. . ما هذه القرى في حلل المدن وأبهتها؟. . ما أجمل الطريق وما أبهر مناظرها!. . . وما أكثر هذه المصانع!. . . .
أخذتني سنة فانمحت هذه الخاطرات كلها. وبينما أطفو وأرسب في آفاق النوم إذا أنا مشارك في مقصورتي: وإذا كوكب في ميعة الصبا قد طلع أمامي. كلما طمح البصر إليها أزاغه لألاؤها فخر ساجدا على قدميها. وإلى جانبها (ولا ريب انه حبيبها) رجل نجيب، محبب إلى الرائي، طويل القامة، رزين، مهيب، تشهد كل أسارير وجهه أنه فنان.
أشفقت أن أروع هذين القمريين، فعلقت أنفاسي ولبثت قابعا في زاويتي. ثم شرعت أرقبها إذ لم أر حاجة إلى هذا الإشفاق: أما الفتاة فكانت عيناها الذاهلتان مستغرقتين في حبيبها
стр. 1529
حتى لتحسب أن لو انقضَّت أجرام السماء لم تفق ولم تشعر. وأما العاشق (وقد غشى الحزن أسارير جبهته الوقور) فقد غابت نظراته العميقة في اجواز الفضاء البعيدة. كيف يحسَّ ظلَّ وجودك وهو يرمي الغيوب بعينيه وبجانبه ليلاه، وأمامه صورة المستقبل الذي طمحت إليه عيناه؟ فانس نفسك ثم انظر ماذا تقول الفتاة:
أيها الأمير! أرأيت ثلاث القطع الأخيرة؟ إنها لساحرة جدّ ساحرة. ما أصاخ المسرح في حياته إلى مثل هذه البدائع، أرأيت شمس الصيف حين تطعن بأشعتها في السحب فتحرق السماوات نيران البروق الخاطفة؟ كذلك كانت أصابعك التي لم تضرب، بل أحرقت العود النائح تحت خطوات الضياء! لو علمت كيف أنَّت تلك الصدور التي كانت أمامك! ربّ! ماذا كانت هذه النوَّحات الداخنة لحناً بعد لحن كما تدمى وتحترق مئات من قلوب البلابل وأنت تصب شآبيب اللهب على الأوتار كلها جملة واحدة! إن هذا النفس المنبعث إلينا من قلب الصحراء المحترق (هذا الخطاب الذي يحشر الأجيال كأنه نفخة الصور هو أوّل ما سمعه غربنا المدنيِّ، علم الله لقد كنت، وصواعق المضراب تتساقط، أتمثل سراب الماضي، ماضي مصر والعراق، وإيران والحجاز، واليمن وغزنة وبخارى، والسند والهند) كنت أتمثل هذا السراب صاعداً من كل خربة دخاناً بعد دخان!
- ولكن كيف يحتمل عجزي هذه الكلمات؟ إني لأخجل أن أشكرك.
- ماذا تقول؟ إن للتواضع حداً فاعرف قدرك.
- أنا لا أعرف إلاّ قدري:
كلا كلا! حتَّام تخفي نبوغك؟ ألم تر إلى الذين استمعوا لعزفك اليوم؟ وهم شياطين الصناعة في هذا العصر بلا ريب ألم ترهم جميعاً قد أحنوا رءوسهم إكبارا وإعجابا. ولا سيما مشاركة غودسكي في عصفات التصفيق الثائرة بين الحين والحين، وتهنئته إياك وقوله: (أيها الأمير! لا أدري أين نظير هذا الاعجاز، ما أبهر عزفك! أني بك جد مفتون، وإنك اليوم فوق كل ثناء) إنها كلمات أخذت أنفاس الحاضرين.
- لأنه يحب الفقير.
- كلا. إن هذه الديار، ما لم تغير شعارها، لا تحب الفقير أبدا، وإنما تحب الدولار، ولست أعرف ديارك، ولعلها على غير هذا.
стр. 1530
- إن يكن بيننا فرق فمقدار رأس فرس في حلبة الرهان.
- نحن إذن شركاء في الفاقة، وأنها لبليَّة.
- ولكن ما كان ينبغي أن يغض من قدر غودسكي، فإن كل قريب يعرف شرف نفسه؛ دع عبقريته التي سيطرت على كل بعيد. فان لم يكن في صدره قلب حساس فانشري على الخليقة كلها كفناً من المعدات.
- حسن! والآخرون؟ أهم كذلك أصدقاؤك؟
- لا!
- هل نسيت ما قالوا: (أيها الأمير! ما سمعنا قط فيولنسل كهذه، قد تسخّر العبقريات الكبيرة، هذه الآلة الثائرة المستعصية التي تزلزل العبقريات الصغيرة، ولكن المعجزة في عودك هذا. نعم إن فيولنسل عندنا آلة أبيَّة مرهفة ولكنها كملت على مر الزمان. وما هكذا عودك، انه آلة ساذجة تأبى كل كمال. إن هذه الأصوات الزاخرة كالشلال لا تفيض من مثل هذا الصدر. كنا نظن هذا فاذا بك قد أخرست الفضاء وظهر بين الحين والحين عودك اللانهائي. . .) أهذه مجاملة؟
- أليست مجاملة؟
- رحماك! أني لأخشى أن يكون تواضعك أشبه بالرياء! لقد آن أن نعترف بنبوغك.
- إن مقاربة الكمال بعيدة عن آمالي فدعي النبوغ الآن!
- ما هذه النغمة الباردة المعادة؟ وهذا القرار المكرر؟
- ذلك إن الفنان لا يعلو بذراعيه، ولا بد للنبوغ من جناح، ولا جناح لي.
- أأنت لا جناح لك! اجهر بصوتك فما فهمت! انك منذ قليل جاوزت شواهق الصناعة ثم حلقت حتى تخطيت حدود الإمكان، أنَّى اهتديت إلى هذه السبل المختلفة للإيغال في هذا الطيران؟ لا ريب انك لم تطوِّف في عالم اللانهاية راجلا. وأن لك في هاتين الآلتين الخافقتين في ذكراي جناحين آخرين. فليت شعري أفي العالم عبقرية كهذه تسمو بها أربعة أجنحة باحثاً خيالها في سماء الالهام؟ إن الدم الذي في عروقك لمن دم الأنبياء، وأن غلياناً في هذا الدم لجدير أن يبعث في الشرق أزكى حماس؛ إن وراءك جدوداً قد تصرف بالدهر سلطانهم، وأن أمامك ذكراً قد ضمن لك المستقبل منذ اليوم، فهل جاء أحد إلى هذه الديار
стр. 1531
في هذه السعادة؟
- أهكذا السعادة؟ كلا! لا تخدعي نفسك بالسراب. أجل نشأت في طفولة سعيدة أتبجح في دار كأنها الفردوس. ولكن اكفهر الجو منذ تخطيت عتبة الدار؛ أحاط اللهيب والدخان بالشرق الممزق، وكيف ينهض من تلقفت داره النار فانقضت في التراب كل مفاخره حتى لم تبق خربة من هذا الماضي المجيد؟ وبينما تململ تحت هذه المصائب تقطعت الديار فذهبت واحدة بعد أخرى، فلما نظرت ورائي لم أر داراً ولا ديَّاراً: ذهبت بها جميعاً أيدي الأجانب! فلم يبق في هذه القبة إلا يأس أمة خاسرة!
- أليس هو اليأس الذي كان يئن به عودك؟
كلا! لو أنَّت الكائنات كلها بَلْهَ العود ما ترجم النواح عن ألم متقد في الجوانح. يقول شاعر الهند الفيلسوف محمد إقبال: (احترقت من نغماتي المضطربة قلوب الأصدقاء، وإنما يحترق قلبي من النغمة التي يعجز عنها الغناء.) وكذلك أنا. فما سمع بعد من لسان مضرابي صوت الألم الذي يدوي في قلبي الخرِب! ذلك سموم، فكيف تبين عنه بضع آهات؟ نعم لم تبن عنه فما كنتِ الآن عارفة أمري إذ تغنيت بأغاني سعادتي! فلا تغضبي إن عجبت لظنك بي. لا تغضبي واعلمي أني نِضْو مصائب، أجالد هذه الأحداث التي تسمى القضاء. وقد عيَّ رأسي وذراعي بالجلاد المحتدم ليل نهار، لا أزال أتحامل وانهض. ولكن الشباب قد انهدم! وا حسرتاه! على أي حين قد انهدم: حين يئست من الظفر ونأى عني أمل النجاة وذهب الهلاك بكل خطوة خطوتها إلى المستقبل. وإلا فأية بلية لم تنل مني؟ أصورة وطني الذي انقلب كثباناً من الرماد؟ أم تعاسة أمتي الهائمة بغير وطن؟ أم عشي اليتيم الذي عصفت به ريح الخريف؟ أم أسرتي المرزأة، التي ذرتها الرياح في الأرجاء؟ أم معابدي ومقابري التي طمسها البلى؟ أم حرم كعبتي الذي أقفر إقفار البيداء؟ أم ديني الذي دمى قلبه دهراً حتى وقع؟ أم نعيب البوم على هذه الخرائب خرائب الإحساس؟
وبعد فأية فاجعة لم أصل بنارها؟ لست اعلم ما طواه لي الغد فهو الآن سر محجب، ولكن إن تسأليني عن مصائب اليوم فأليك إجمالها:
ارتمت بي في اليم سفينة بالية. فاكبر ظني أن لن أعاود الحياة، وكنت أعزي نفسي حين أرى أساطين عشيرتي بجانبي تتقلب بنا الخطوب معاً. فثارت العاصفة ومزقت أضلاع
стр. 1532
السفينة وتفرقت الأمواج بالألواح، فلتصارع القضاء هذه السفينة التي انقلبت خيالاً، بل لم يبق منها الخيال! لماذا أكافح أنا في هذا البحر؟ قد اعتصمت بلوحين تعسين، وما بقاؤهما في مصارعة جبال من الموج؟ والسماء تحجبها ظلمات من السحب متراكمة: ويجثم على الفضاء اشد الليالي حلكا وهولاً، فأكوام الظلام عن يميني وشمالي وأمامي وخلفي. لا أعرف المكان ولا الغاية ولا الجهة ولا الوجهة، أضطرب يائساً وأدور التمس الفروج فلا أظفر بها، فأراني مسكينا يدفع إلى القبر حياً! حينا تقذفني الأمواج الثائرة! وحينا تهبط بي هوة جهنمية يرعد بها الفضاء! وحينا تنشق السحب عن البرق الخاطف يمزق أحشاء الظلام، فاذا مرأى هائل لا يذر للحياة الرجاء! أقول مرة: (إن القضاء لا يصارع. فان لم يكن من الأجل بُد فما تمسكي بهذين اللوحين؟ حسبي جلاداً وكفاحاً!) وأقول أخرى: (كلا! لا أستسلم! لأصدم برأسي الصخرة ولا أصدم به الانتحار!) ثم أمضي طافياً راسباً.
- ألم أقل الآن أيها الأمير! أن الذي يتحكم في نفسك دم الأنبياء؟
أجل، أطفو وأرسب وأخالني لا أتقدم، بهذين اللوحين اللذين سميتهما جناحين! بهذين اللوحين وهما البقية من أنقاض شبابي المهدَّم إن تكن له بقية!
- أما كنا نريد أن نشهد الغروب منذ حين؟ واأسفاه قد ذهبت حتى حمرة الشفق! وجثم على الآفاق اليتيمة حزن المساء فانقلبت صدراً حزيناً. ألا تراها؟
- هذه (الآفاق اليتيمة) تمسح عليها الآن يد الشفق؛ فاذا انطفأ الشفق مسحت عليها أيدي النجوم. واما (الصدر الحزين) فان غده مشمس. ولكن آفاق ليلي ليس لها من هذه القبة ضوء ولا صدى، وانما حظها هذا الظلام الصامت، هذا الظلام السرمدي! كلما هبطت إلى ساحة قلبي أخذتني الرعدة والوجل: أرى في كل خطوة أثر غروب. نعم أثر غروب، ولكنه عميق كالعدم! فإنما موعد شموسي الغاربة يوم المحشر!
- ولكن ما هذا الحزن وما هذه الدمعة على وجهك؟ لا تختمي بتعذيب مسافرك أيتها الرفيقة الجميلة! يعلم الله لو أن قلباً قدَّ من صخر ما احتمل انهمار هذه الشآبيب الغائمة في عينيك! لا! لا! إنه ليحرقني أن تحسي آلامي. فدعيني أبكي وتنحي عني! قد قاسيت مصائب الدنيا جميعاً، ولكن دعيني أمضي دون أن أرى هذه الدموع!
стр. 1533
العلوم
عيد الكهارب
للدكتور احمد زكي
امتلأت الطرقات وسدت المسالك بالمشاة والراكبين وتكدست العربات الخاصة والعامة من فوق الأرض وتحتها بحمولاتها الإنسانية وكلها وجهتها اوليمبيا، ذلك القصر الواسع في الحي الغربي من لندن حيث يقام كل عام مهرجان كبير، يعرض فيه كل جديد في عالم اللاسلك، وما انتصف النهار حتى أخذ البهو الكبير من القصر السقيف يضيق بمن فيه، وأخذت الخطوات تقصر قي سبيلها بين المعروضات حتى كادت تنعدم الحركة، ولما بلغ الداخلون خمسين ألفا صدر الأمر إلى الأبواب أن تمنع الدخول، وكان على الأبواب الألوف من الناس في صفوف كالجند منتظمة، كل ينتظر دوره واقفا، لا يزحم رجل امرأة ولا يافع شيخا، ونمت الصفوف ذيولا، وتفرعت الذيول وطال الانتظار، ونفد الصبر، وكان اليوم مشمسا حاراً، فأخذت تشيع في الجمهور الصامت بطبيعته أصوات القلق، وأخذ يتبدل النظام السائد بالهرج، وتبدل الهرج بزئاط صارخ واحتجاج منذر، دوت على أثره في داخل القصر الشاسع ثلاثمائة من نواعق اللاسلك ترجو ممن أتم طوافه بالمعروضات أن يغادر بسلام، وخرج من المعرض ممثلون وممثلات من المشهورين في عالم الراديو والمشهورات يعرضن على أرصفة الطريق من ألعابهن وأغانيهن ما يسلي الجمهور ويطيب خاطره، ولكن القدر كان قد غلى وأوشك أن يفور. وبدرت بوادر العنف. فلما تحطمت ألواح الزجاج من بعض المداخل تُلْفِن البوليس فجاء لساعته بركبه ورجله وملك ناصية الموقف في دقائق، واحتبس رجل واحد. وعُدَّ من بخارج البناء عدا تقريبيا فكانوا خمسا وعشرين ألفا.
دخلنا البناء حيث المعرض فوجدناه يتألف من الصالة الكبرى قد بعد طولها، وامتد عرضها، وسما ارتفاعها، وعلى أرضها موائد متطاولة عليها أجهزة اللاسلكي الكاملة قد صفت في خطوط متوازية تستطيل تارة وتستعرض أخرى، وبينها الناس يسيرون كالنمل في بطء وكثرة. وفي الوجه المقابل للداخل سلم عريض قد تغطى بالزائرين وهم في طريقهم إلى الدهاليز العليا، والشرفات الجانبية حيث اكثر المعروضات للقطع المفردة التي
стр. 1534
تتألف منها الأجهزة الكاملة. وقد راعى المنسقون والعارضون جميعا في تفريق الأماكن وتخصيص المناضد، وكذلك في المعروضات وأنواعها وأحجامها وألوانها وزينتها، أن تتألف من الجميع وحدة كاملة جميلة تسترعي عين الزائر وهو لا يزال على الاعتاب، وكأنهم خشوا أن يكون جمال التنسيق ضعيفا فاترا فرسموا بأنابيب الكهرباء الحمراء في قبالة الداخل على الجدار العريض العالي الذي يهيمن على الدار رسما كبيرا عظيما رائعا يجمع إلى الجمال القوة والفتوَّة. وبلغ عدد العارضين نحوا من ثلاثمائة، وبلغت المبيعات نحوا من ثلاثة ملايين من الجنيهات ستجعل المصانع في شغل شاغل مدى أشهر الشتاء القادم.
وامتنع العارضون عن إدارة الأجهزة والتقاط أمواج الأثير خشية أن يتصدع الجمهور بمئات الأبواق فلم يكن لغير الفني في المعروض مأرب، إلا أن يستمتع ببريق الصمامات وجِدَّة المكثفات وسواد الحُوَيَّات ودقة النجارة في صناعة الأبواق والخزانات. أما الفني فلم يكن هناك حد لنهمه فقد امتاز هذا العام بتقدم في كل قطعة من مستقبلات الراديو أفسد على الكثيرين اغتباطهم بالأجهزة القديمة التي لديهم، وحركهم وسيحركهم لا شك، أما إلى استبدال قديم بجديد، وأما إلى الاقتصار على الترقيع لتنال أجهزتهم حظا من الجدة. ولكن في كثير من الأحوال يتناول التجديد أساس الجهاز من حيث النظام الذي بني عليه ونوع الأجزاء التي تستخدم فيه. ففي هذه الحالة قد يتكلف الترقيع أكثر من شراء الجديد. ولعل هذا هو السبب في أن كثيرا من مخازن لندن كانت تعرض قبيل ابتداء المعرض أجهزة كثيرة هي لا شك من الطرازات القديمة بأثمان بخسة بلغت النصف فما دونه. وهذه حال لا تسر مقتني الراديو. ومن المؤسف إنها ستتجدد كل عام ما فتئ العلماء يبحثون وما ظلت الشركات وهي عديدة وغنية تتنافس في تجويد المحصول. إلا أن صنفا من المستهلكين لا يفتأ يجد لذته في هذا التغيير والتبديل بحلول كل عام جديد. ذلك فريق الهواة الذين يركبون أجهزتهم بأنفسهم، ويفقهون كيف تعمل فهؤلاء يرحبون بكل جديد للمتعة التي يجدون في الحل والربط وفي ترقب التحسن الناشئ في استقبال للأثير أدق. والتقاط للكلام والنغم أصفى وأروق. ومن الغريب أن كثيرا من الهواة هَوَاهُم يقف عند هذا الحد. أو إن هو تعداه أصبح رغبة عادية لا يتحرق لها إرَم ولا يغلي معها دم. هواهم في الآلة المعدنية الزجاجية
стр. 1535
الخشبية التي تلعب فيها أصابعهم وفي النتائج التي تأتي به من حيث الأداء. أما ما يحمله الأثير من جملة بديعة أو نغمة مشجية فله عندهم المحل الثاني. ولكم سر الزائر الغريب للمعرض أن يرى شبانا هواة لم يعدوا بعد العشرين ينسلون كالسحالي من خلال هذا الزحام يجمعون في أكياس من الورق بأيديهم نشرات العارضين وكتيباتهم وقد حوت كل طريف حادث.
وتتناول التحسينات المعروضة الاستقبال وحده، أي تحسين الآلة من حيث حسن أدائها، وحمايتها من البيئة التي تعمل فيها. مثال ذلك أن حسّ الآلة زاد، أي أنها تستطيع أن تلتقط أضعف الموجات في الأثير وان تكبرها دون أن تفقد منها شيئاً لا من النغم العالي ولا النغم الواطئ، أو دون أن يضعف هذا أو ذاك، فان قيمة ذلك كبيرة في إذاعة الموسيقى، ولو انه ليس له مثل هذا الخطر في إذاعة الكلام. كذلك زادت في الآلة القدرة على الاختيار، فكثيرا ما أراد الإنسان مناغمة محطة فهوّشت عليه محطة أخرى موجتها قريبة من تلك، فاصبح الآن يستطيع أن يحجب المحطة التي يريد حجبها. كذلك كان السامع يستمع إلى المحطة التي يشاء في اغتباط وهدوء فلا يلبث أن يرى الأصوات تضعف حتى تكاد تنعدم ثم تهجم على أذنه في قوة ثم تتقهقر فلا تترك في نفسه لذة من سماع، فاصبح بالآلات الجديدة في مأمن من هذا يستمتع لنغم ذي قوة مضطردة واحدة. كذلك كانت الآلات تتأثر بما في البيت أو الطريق من الكهرباء، كأن يكون بالمسكن مصعد أو بالشارع ترام، أما الآن فقد حاطوا الآلة (أو الأصوب بعض أجزاءها) بما يصد عنها كل هذا الأذى. حدثني صديق انه الآن لا يجد للمصعد هذا الأذى مع أن جهازه لا يفصله عنه غير سمك حائط. كذلك كنت تتطلب استماع محطة فتدير اللولب فيمر بك على محطات أخرى منها القريب القوي الذي يصرخ في البوق ذلك الصراخ المؤلم المعروف، أما الآن فتضبط الآلة كل هذا من نفسها. بل من الآلات ما لا تسمع له صوتاً وأنت تدور باللولب تطلب المحطة التي تريد. وانما ترى مصباحاً ينير ويظلم كلما مر بمحطة، فاذا أضاء عند موجة المحطة التي تريدها خفضتَ زرا فجاءك النغم والصوت على أشده، هذا إلى كثير من التغييرات التي لا يمكن ذكرها دون الدخول في معقدات الفن، ودون ذلك حوائل منها اللغة العربية، ولقد جازفت في هذا المقال فقلت (المكثف) و (الحَوِيَّة) و (المناغمة) و (المستقبِل) وفي نفسي شك كبير فيم يفقه
стр. 1536
القارئ من ذلك.
أما من حيث أحجام الأجهزة وشكلها فلم تبق الشركات رغبة لراغب إلا قضتها، فالجهاز الكبير الذي يملأ الحائط كأنه قطعة من الأثاث موجود، والجهاز الصغير الذي تربطه إلى قائم عجلة الإدارة من سيارتك موجود، والجهاز الذي تستقي له من كهرباء المنزل موجود، والذي تستقي له من كهرباء البطاريات موجود، ومهما شئت من أشكال أو ألوان لخزانة الجهاز تتوافق مع شكل الحجرة التي تضعه فيها ولونها فموجود كذلك، ما وُجدت في كيسك الجنيهات. أما الذي خُيِّبت آمالنا فيه بحق فالأجهزة التي تنقل لك صور الرجل المذيع وهو يتكلم أو يمثل أو يغني فقد أقامت شركة ماركوني جهازا كبيرا من تلك الأجهزة عرفناه من بعيد لأنه كان حجر عثرة في سبيل سيل الزحام المتدفق لأنه كان ينجمد هناك. وصبرنا حتى بلغناه وإذا بوسطه لوحة سوداء طولها قدمان في مثلهما عرضا هي التي تركزت اليها الأنظار. أخذنا ننظر مع الناس فلم نر شيئا، وكنا على ساحل الصخرة الآدمية في قبالة اللوحة، وبعد لأي ضُغطنا من حيث لا ندري إلى مكان أحب واقرب، فعندئذ تبينا أشباح الممثلين وتتبعنا حركاتهم وهي متصلة حقا كاتصالها على شاشة السينما، إلا أننا خلناهم من ظلمة المنظر يلعبون في ليلة مقمرة قد حجب بدرها سحاب قاتم. على أنها بادرة حسنة وأول الغيث قطر ثم ينهمر.
لندن في ٣٠ أغسطس ١٩٣٣
стр. 1537
القصص
ابن فرعون يتعلم
للأديب حسين شوقي
كان الأمير الصغير (مري آمون) ولي عهد فرعون (ولم تكن سنه تربو على العاشرة) يتلقى دروسه الدينية في حجرته. . وكان معلمه الكاهن الكبير (حوتيب) يشرح له الأسرار السماوية العميقة في أوراق البردي المنثورة أمامه. . وكانت لحية الكاهن الطويلة تروح وتغدو في الفضاء كلما تكلم، كأنها الآلة الكهربائية التي تمسح زجاج السيارة أمام السائق في أيام المطر حتى لا يحجب عن نظره الطريق.
كان الكاهن يقص على الأمير كيف تكون العالم وكيف خلق الإله رع هذا الفضاء، ثم الأرض، ثم السماء، ثم النيل، ثم التربة الخصبة، ولكن مري آمون كان يستمع إلى معلمه في سآمة وضجر، ويود لو شارك الأطفال الذين شاهدهم من النافذة يمرحون في الحقول طلقاء سعداء في مرحهم ولهوهم، بينما هو يقضي العمر سجينا بين جدران أربعة! فاذا ذكر الكاهن جهنم وأخذ يصف الشياطين المكلفين فيها بعذاب من أذنب في الحياة الدنيا، أحس مري آمون برعدة تسري في جسمه الضئيل. . وكان الكاهن يرمقه بابتسامة صفراء كأنه مغتبط لخوف الأمير. . كم ود مري آمون في تلك اللحظة لو دق عنق معلمه!.
وفي أثناء ذلك، ازداد ضجيج الأطفال في الخارج، فنظر الأمير إليهم مرة أخرى من النافذة، فإذا بهم يطاردون جحشاً فر من صاحبه. . عندئذ استولت الحماسة على قلب الأمير، واشتدت به الرغبة في الانضمام إلى أولئك الصبيان، فصاح بمعلمه قائلا: سيدي أرجو منك أن تدعني أهب لمساعدة هؤلاء الأطفال في القبض على الجحش الهارب. . فكان جواب الكاهن أن غلق النافذة واستمر في القراءة كأن لم يقع شيء. .
تقلب الأمير المسكين في سريره تلك الليلة، ولم تذق عينه النوم لأنه كان جد غضبان. . ولو نظر مري آمون وجهه في المرآة في ذلك الحين لشاهد تلك الحمرة الجميلة التي علت خدوده ذات الصفرة الذهبية من جراء انفعاله!. . حقا! لقد مل الأمير الحياة، وسئم استبداد معلمه! صحيح أن بالقصر أطفالا كثيرين من أبناء الأشراف يستطيع الأمير مشاركتهم في ألعابهم، ولكن هؤلاء لا يعاملونه معاملة الند للند بل يهابونه ولا يخاطبونه إلا في كلفة
стр. 1538
وحياء!.
رب كيف يتخلص الأمير من نير الكاهن حوتيب؟ انه طالما شكاه إلى فرعون والملكة في الأوقات القصيرة التي يسمح له فيها بمقابلتهما ولكن من غير جدوى. . فقد كانا يردانه دائما خائبا كأنه ارتكب جرما. . لم لا يرفع الأمر إلى الآلهة الفخام وهم من أقاربه كما يزعمون؟ ولكن هؤلاء هل يعينونه؟ انه يشك في ذلك، انظر إلى صورهم المخيفة!. ذاك (سوبك) اله الماء، له صورة التمساح الذي يخطف الأطفال على ضفاف النهر، وذلك (أنوبيس) في شكل الذئب وقد أكل في العام الماضي غزال الأمير المحبوب. . وتلك (هاتور) على هيئة بقرة، فهي لا شك بلهاء لا تستطيع نصرته. . إذن من يخف منهم لنجدته؟ ايزيس؟ أجل! هي الأم البرة. كم مرة سكب الأمير دموع الرحمة والحنان إزاء تمثالها وهي جالسة تضم إلى صدرها ولدها المحبوب هوروس! وفي تلك الليلة نفسها دعاها الأمير لنصرته فاستجيب دعاؤه! ربما تكون ايزيس بعيدة النظر في استجابتها دعاء الأمير؛ أليس مري آمون ولي عهد الملكة؟ لو آل إليه الملك بعد موت أبيه إذن سوف يتذكرها فيفضلها على سائر الآلهة ويبني لها شاهق القصور ويقيم لها أعظم التماثيل، ويغدق عليها الهدايا والقرابين. واليك كيف استجابت دعاء الأمير:
لاحظ الأمير أن من عادة الكاهن ملازمة حجرته في كل احتفال ديني يقام بالقصر، فكثيرا ما بحث عنه الأمير بنظره في مكان الاحتفال فلم يجده فيه، بينما يحضر هذه الاحتفالات الملك والملكة والكهنة الآخرون، وجميع رجال القصر. . فكان مري آمون يتعجب من أمر معلمه ولا يفهم سبب احتجاب الرجل وتخلفه عن حضور مثل هذه الاحتفالات العظيمة. . وفي يوم عيد دفع الأمير حب الاستطلاع إلى أن يختبئ في حجرة الكاهن حتى يدرك السر، ففعل ذلك قبل وصول الكاهن إلى حجرته بقليل، وما كاد حوتيب يدخل ويغلق خلفه الباب حتى ضغط على زر في الحائط فانفتح فيه ثقب دخله الكاهن على الفور. . وقد أراد الأمير أن يتبع حوتيب في الثقب ولكنه أحس الخوف يتملكه، فعاد مهرولا إلى حجرته الخاصة. . وفي المرة الثانية تغلبت الرغبة على الخوف فاستطاع الأمير اتباع الكاهن داخل الثقب فاذا به في دهليز مظلم انتهى منه إلى مكان ضيق يقع خلف الحائط المستند إليه تمثال آمون الكبير القائم في قاعة الاحتفالات، وإذا بالكاهن يقف خلف التمثال المذكور
стр. 1539
ويتناول من الأرض بوقاً ثم يتكلم منه بصوت متغير مقلداً صوت التمثال، فيردد الألفاظ التي طالما سمعها الأمير في تلك الاحتفالات بنصها، وكان يظن هو وسائر الحاضرين بطبيعة الحال، إنها صادرة عن الإله. . حقاً! إن دهشة الأمير كانت عظيمة بمقدار خوفه، لذلك هرول مسرعا إلى الخارج. . ولكن قلبه كان يفيض سرورا لاكتشافه العظيم الذي سوف يشتريه منه الكاهن بثمن غال. . وفي اليوم التالي انتهز الأمير فرصة غياب الكاهن عن القصر فقصد حجرته، وهناك ضغط الزر ثم دخل في الثقب وعاد منه بالبوق. . بعد ذلك، عندما أزفت ساعة الدرس واقبل المعلم يتهادى في رزانته المعتادة، دنا الأمير منه قائلا:
سيدي أظن انك فقدت هذا البوق في الثقب! عندئذ أحمر وجه الكاهن حتى عاد (كالطماطم) ثم مد يده ليأخذ البوق صائحا في غضب: أعطني هذا البوق!
ولكن الأمير وضع يده خلف ظهره وقال في ابتسامة الظافر: سوف افعل يا سيدي إذا أذنت لي في اللعب حيث أشاء ومع من اختار من الرفاق. . فتردد الكاهن ملياً ثم قال في يأس، وهو يطأطيء رأسه: لك يا بني ما تريد!.
стр. 1540
قصة مصرية
الطامع. . .
لقد واتاه الحظ، ومشى إليه السعد، وحفلت حيلته الجديدة بما تحفل به
حياة رجل عظيم!. لم يعد الشيخ (ياقوت) رجلاً عادياً في القرية، بل
أضحى رجلاً مرموقاً. فأنت ترى الجلوس في آخر الطريق ينهضون
على أقدامهم عندما يبدو في أوله في جبة من الجوخ. وقفطان من
السكروتة، وعمامة متقنة يبدو شاشها دائماً ناصعاً مزهراً. وبين أنامله
مسبحة من الكهرمان متألقة الحبات، وشفتاه لا تفتران عن تسبيح
الخلاق القدير فتنيران وجهاً جميلاً مشرباً بالحمرة.
وإن منظرته لتحفل بالأضياف في الشتاء وتذكو في موقدها جمرات الأثل ويشرق من سقفها على الجالسين نور جميل يرسله مصباح في (فانوس) من الزجاج الملون. وفيها يشيع صوته الحلو الحنون يردد آي القرآن أو فقرات الحديث، وأصوات الأضياف ترتفع بتلك الجملة الأبدية: صدق الله العظيم. . . ﷺ !
فأذا ما حل الصيف أنتقل المجلس إلى (المصطبة) المستندة إلى واجهة الدار حيث يحلو السمر تحت ضوء القمر، وحيث جرت العادة أن تعقد حفلات الذكر والختان، وحيث كان أصحاب الربابة والمزمار. ومنشدو أبي زيد، والقصاصون يجلسون فيطربون حلقة المستمعين من شيب وشبان، وسيدات جالسات، خلف الأبواب ووراء النوافذ.
لم تكن للشيخ ياقوت هذه المكانة في أول الأمر. كان في المبدأ مأذوناً للقرية. فاذا ما كان يوم الجمعة واجتمع الناس في المسجد وعظهم بلسان فصيح وكلمات زاجرات، وأراهم الطريق إلى الجنة ورغبهم فيها، والطريق إلى النار وحذرهم منها. . . فإذا ما انتهت الصلاة تقدم إليه الجمع يستفتيه في أمور الدين والدنيا ويستلهمه النصح والإرشاد.
ولقد أهم الشيخ ياقوت ضيق رزقه وقلة ما تجديه عليه وظيفته فتفتق ذهنه عن فكرة صائبة. وسرعان ما ظهر في القرية دكان مزين الجدران ترتفع فوق بابه لوحة كتب عليها
стр. 1541
(راجي عفو المنان، الشيخ ياقوت عثمان)!. .
ونفقت تجارته، واقبل الناس عليه. فهم يجدون عنده ما لا يجدون في حانوت القرية الآخر، وسرعان ما أخذ الناس يتحدثون عن جودة بضائعه وطرافتها. ويطرون ما عنده من تمباك ودخان. وسور مكتوبة، وأوراد، وتعاويذ تخاط في الاحجبة فتقي الناس شر العين وكيد الحسود!. . ولم ينس الشيخ أن يستحضر ألوانا مختلفة من المسهلات، والرشام فلم يعد يتكبد الممعود أو موجوع الرأس أو الأمعاء عناء الذهاب إلى المدينة لالتماس هذه الأشياء.
كان صاحب الحانوت الآخر مستبداً بأهل القرية لا يؤجل لهم ثمن ما يشترون على رداءة بضائعه وشحه، فلم يقو على منافسة الشيخ ياقوت فأدركه الإفلاس. والحق أن الشيخ كان دمث الأخلاق من أرباب السياسة والكياسة. وكان يسخو في البيع ويمهل في الدفع، وهو فضلا عن ذلك من حفظة القرآن فالشراء منه بركة، والتمسح به وهو من أصحاب المراكز فيه نفع لا مضرة. وهو يعطي المشتري المواظب من حين إلى حين شيئا من بخور السيدة الذي أحضره من القاهرة.
وعند الدكان مقعدان طويلان تجدهما أبدا مشغولين بالجلوس من المشترين الذين يرغبون البقاء لاستماع الشيخ وهو يقرأ الجريدة ويقص عليهم الأخبار وما يحدث في بلاد الكفار.
وقد كان اليهودي ينزل القرية بين الحين والحين يحمل بضائعه على كتفه ويصيح (شيت يا بنات. مناديل. روايح. حراير أمشاط. مرايات يا بنات. . .). لكن هذا الصوت قد اختفى ونفض اليهودي حذاءه من تراب القرية، فقد كرههم الشيخ ياقوت في معاملته، واستحضر لزوجته تلك البضائع. فكانت تبيعها في المنزل بالسعر المعتدل المقسط، وانتشر خبرها في القرية فأصابت من الرزق أكثر مما يصيب الشيخ من حانوته، واخذ الشيخ يكثر من تسبيح الله وترديد اسمه والثناء عليه، وابتدأت الحمرة تنتشر في وجهه. .
ومضى الحول فاذا به يخرج على الناس بمشروع جديد، فقد كبر عليه أن تظل القرية بلا كتاب، فشمر عن ساعد الجد، واشترى الخشب وكان في صباه نجارا فلم يلبث أن سواه مقاعد يجلس عليها صبية (الكتاب) الذي افتتحه.
وكان (الكتاب) بجوار الدكان في الطابق الأول من الدار فأخذ يوزع نشاطه بين العملين ويراوح بينهما في المجهود. وكانت بضائع الحانوت تنفق سريعا، فان أولاد النجوع
стр. 1542
المجاورة صاروا يعودون في المساء بعد الدرس بما يحتاج إليهم ذويهم من بضائع الشيخ. فاذا ما كان الصباح وابتدأ الدرس وأخذت عصا الشيخ ترقص في يده ذهبوا إلى الدكان يحاولون الإكثار من ابتياع الحلوى وما اليها ابتغاء مرضاته حتى تقصر عنهم عصاه.
وأثمرت جهود الشيخ الجديدة فصارت القرية تفاخر بعدد من الصبية حفظوا القرآن. وذاعت شهرة الكتاب فوفد إليه أبناء الكفور القريبة يتتلمذون على الشيخ ومضت الأيام فاذا بكتاب الشيخ ياقوت من كتاتيب الإعانة التي تتقاضى تسعة جنيهات في السنة!. .
فتح الله عليه أبواب الرزق فصار يتاجر، ويغامر، ويكسب، ويستأجر الأرض ويزرعها. وجعل يتغنى صباح مساء (وأما بنعمة ربك فحدث) غير أن هماً دفينا كان يقلق الشيخ ويقض مضجعه، فقد مضت خمس سنوات وزوجه لم تعقب له ولدا غير (حسان). وهو رجل يطمع في كثرة النسل ويريد أن يرى أنجاله يرتعون في هذا الرزق الواسع والخير العميم.
أما أن يمني بقلة الذرية فقد كان شيئا ثقيلا على نفسه. كان الناس يتهامسون رثاء له وإشفاقا. والأعداء يشمتون ويودون لو يخطف الموت حسانا فلا يبقى للرجل من زينة الحياة غير المال، والمال بلا بنين كالشجر بلا ثمر.
كلما مر بالشيخ ياقوت هذا الخاطر ارتاع وابتأس. وماذا يدعو إلى الارتياع أكثر من شماتة الأعداء نار الحساد التي لا تجد لها وقودا غير كارثة تلم به وبلاء يقع فيه!. .
كان يفكر أن يتزوج بأخرى، لكنه كان رجلا شهما، تأبى رجولته أن يتزوج على أم حسان، فيؤلم نفسها، ويجزي إخلاصها وصبرها شر الجزاء. كان يحبها حبا خالصا، ويجد فيها الزوجة الصالحة المطواع، والمرأة الجميلة الصبوحة.
كانت أم السعد تشعر بهذا الخطر الذي يهددها وبأيدي السوء التي تدأب على إفساد حياتها الزوجية ووضع النار في بيت هنائها، فكانت تصبر على وشايات أم الشيخ وأخواته اللواتي امتلكتهن رغبة محرقة في أن يتزوج الشيخ من بنت العمدة، فقد وصل رجلهم إلى الدرجة التي تؤهله إلى نيل هذا الشرف. . .
كانت أم السعد تداريهن، وتصبر على ما يصيبها منهن طمعا في أن تظل وحدها حليلة زوجها. أما هن فقد غلون في اضطهادها والإساءة اليها بعد أن عرفن موطن الضعف فيها،
стр. 1543
ووقفن على تلك الغيرة المستترة خلف قلبها. وأضحت لهن أمَة ضارعة ذليلة تفزع إذ يلوح لها شبح (الضرة) وتضع إصبعيها في أذنيها حين تسمع كلمة الطلاق، فقد كانت تعرف إنها سائرة إلى أحد الطريقين.
صارت تنذر النذور وتستصرخ الأولياء، وتهب إلى قبور الصالحين تستمد منها البركة. يأتي عليها الليل وينام القوم فتصعد إلى السطح وتكشف رأسها وتسخر كل قوى روحها في التوسل إلى الله أن يرزقها ولداً آخر. وقد تسترسل في بكائها وهي تتذكر آلام النهار والتعيير، والكيد، فلا تمسح دمعها حتى تظهر نجمة الصبح فتعود لتنام عند قدمي زوجها.
فإذا كان شهر رمضان صامته من غير سحور وبذلت الإحسان من غير حساب.
وبلغ حسان العاشرة من عمره والأم لم تظفر بالأمنية. . . ونفد صبر الزوج فخطب ابنة العمدة لنفسه.
وابتدأ البيت يمتلأ بالضوضاء ويستعد لاستقبال الأفراح والليالي الملاح. فكانت أم السعد تنسل إلى غرفتها كما ينسل إلى وكره حيوان مضطهد مجروح. . . كانت تعيش من فكرها في مأتم، وكلما اقترب يوم العرس انقطع بين يديها خيط من خيوط الهناء، حتى صارت تفتقد مسرات حياتها فلا تجد بين يديها إلا خرقة مهلهلة.
وماذا بقي لها بعد أن صارت المرأة المنبوذة؟! كيف تطيق أن ترى المرأة التي تتوج بدلها بعد أن كان التاج لها، تتخطر مزهوة مختالة يزري جمالها الفتي الجديد بجمالها الذي فقد الجدة والفتنة!. .
لقد شادت هي كل شيء وتعبت في كل شيء، فاذا بامرأة غريبة تتسلم البضاعة وتأمر وتنهي! ليتها لم تفعل شيئا. ليتها لم تدبر ولم تقتصد! كانت تشقى في حاضرها لتسعد بمستقبلها فاذا بالمستقبل يضيع وبالأمل يتحطم!. .
وحسان العزيز! إن أمره ليدمي فؤادها. لقد اشترى له أبوه أثوابا جديدة بمناسبة قدوم العروس، وأمرها أن تخيطها له! إن ثياب الحداد أولى به فقد دالت دولته. ولن يدلل فيما بعد! سيصبح ابن المرأة القديمة. . . . وسيتحول قلب أبيه عنه إلى أولئك الأطفال الصغار الذين طال إليهم اشتياقه. كيف تستطيع احتمال هذا؟ إنها لترسل بصرها في المستقبل فترى ابنة العمدة جالسة في رحبة الدار تخرج ثديها فخورة مباهية لترضع طفلها. كأنها تتعمد
стр. 1544
إغاضتها والحط من شأنها! وستنكس هي بصرها خجلا وسيندي جبينها خزيا! إن ثديها العاطل المحروم ليحن للإرضاع! بل انه ليهتز شوقا إلى طفل. وهي تخرجه في وحدتها وتتأمله بحسرة حرّى وعين أسيفة. وتعصره لعله يبض له بقطرة تكون نذيرا بالحمل!. . فلا تظفر بغير الخيبة، ولا يلوح على وجهها غير ظل ابتسامة كسيرة مهزومة. . .
مضى شهر على الزواج الجديد. . . وكانت أم السعد قد سئلت أن تخلي غرفتها للعروس، ووعدها زوجها أن يرد الغرفة اليها بعد أيام، لكنه حنث في وعده، وتركها تقيم مع أوعية اللبن والجبن في هذه الغرفة القائمة فوق السطح. . . وهي الآن جالسة تخطط في التراب وتحدق فيما تخط بعين ذاهلة. وقد مسح الحزن عن وجهها ضياءه وإشراقه. ولم يبق من محياها الجميل غير معارف امرأة محطمة، ناقمة، متجددة السخط والغضب.
وكيف لا يتجدد سخطها وغضبها!. . ها هي ضوضاء الدار تصعد إلى أذنيها فتنبئها أن القوم لاهون بينا هي وحدها تتعذب. والدخان يرتفع من أسفل فيضايقها ويؤذي رئتيها ويحمل إلى خاطرها صورة (الوليمة)، ووجه زوجها وهو يضحك في وجه العروس ويداعبها.
وإذا هي تعض أناملها، حانت منها التفاته فرأت أثواب حسان البيضاء التي غسلتها في الصباح تخفق تحت أشعة الشمس، فقامت اليها متثاقلة وجمعتها. وأخذت تخيط ما بها من ثقوب وفتوق.
وظلت تنتظر عودته من الكتاب لكنه لم يعد. ثم عضها الجوع فقامت إلى الطعام لكنها لم تصب منه غير قليل ثم عافته.
وصعد اليها حسان وفي حجره ألوان من الحلوى، وحدثها انه تناول الطعام مع العروس. . . وثارت نفس الأم، فلطمته ودفعته بعيدا، فتبعثرت حلواه وطفق يبكي. لكن حنانها عاودها فذهبت اليه، ومسحت دمعه وأجلسته في حجرها، وسألته ان يسمعها ما حفظ في يومه. فأنشأ الصبي يرتل، وأسارير الأم تنبسط كأن شعاعا من العزاء يتسلل إلى قلبها، ويبدد شيئا من ظلمته الحالكة.
وأخذه النوم فألقى رأسه الصغير إلى كتفها، وغلبها الحنان فتناولت كفه وأدنتها من شفتيها. لكنها عافت اليد الصغيرة عندما رأت عليها لون (الحناء) الذي أباحت جدة الصبي لنفسها
стр. 1545
أن تخضب به يدي حفيدها. فجفل صدرها بالغيظ، وملأ الحقد قلبها وملأ الدمع عينيها. . .
وتبكي الأم بحرقة. ويستيقظ الصبي مرتاعا، ويملأ الدمع عينيه البريئتين وهو يسأل أمه أن تكف، فتحاول لكن أساها يغلبها، فتعتذر إليه بأن هناك ناراً تسري في احشائها، وتعتلج في صدرها. وتحدثه وهي تحدق في وجهه بجزع وقد وقفت على شفتيها ابتسامة مشلولة: إنها لن تعيش طويلا. لأن تلك النار لم تبق شيئاً. .
من هذا اليوم سقطت أم حسان مريضة وتضافرت عليها أوجاع الجسد والروح. فأخذت تتقهقر من ميدان الحياة على عجل.
أما الشيخ ياقوت فيأبى أن يدعو الطبيب ويزعم انه خبير بدهاء النساء، ويتهم زوجته بأنها تتمارض، ويهددها بأن عصاه كفيلة بمداواة الغيرة التي تأكل قلبها، وينذرها بأنه لن يسمح لها أن تجعل بيته جحيما، وان كلمة (الطلاق) مختبئة خلف شفتيه يلفظها إن سولت لها نفسها الأمارة بالسوء إعادة هذه اللعبة المفضوحة للتنصل من الخدمة!. .
وتنسحق روح أم حسان تحت عبء هذه الكلمات كما تنسحق قطعة الفخار تحت ضربات المطرقة. وكأنها تؤثر ألا تضايق قرينها فتغادر الحياة بعد أيام قلائل!. .
كانت هناك نفس واحدة حزينة لفراقها هي نفس حسان، لكن حزنه إنجاب سريعاً كغمام الربيع. . .
لم يطل عهد حسان بالحلوى والتدليل، وتقدمت به الأيام فإذا به يلطم ويزجر! وتنكر له الجميع. وقوي إحساسه باليتم. واكتأبت روحه الظمأى للحنان فذبل كما يذبل لحظ النرجس من كثرة العطش. وفقد النصير. ولم يعد يملك إلا أن يطوف بمقبرة القرية يرمق منزل أمه فيها ويود لو تناديه اليها ليقيم معها.
أما الشيخ ياقوت فقد اطمأن إلى الثروة التي اجتمعت له فأغلق الدكان وأهمل الكتاب، وركن إلى حياة مترفة، لاهية، موزعة بين أحضان الزوجة ودوار العمدة. . .
ومضت الأعوام والزوجة لا تنجب ولداً ولا بنتاً، وثروة الشيخ تتبدد في الإنفاق على القابلات، والزلفى إلى أصحاب الكرامات. وكبر على ابنة العمدة أن تبقى عاقرا، وشعرت أن (أم السعد) وهي في القبر قد غلبتها وهي في الحياة. وخالت أن روح المرأة الشامتة تطوف بها، وتسخر منها!. .
следующие страницы →