Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
(راجي عفو المنان، الشيخ ياقوت عثمان)!. .
ونفقت تجارته، واقبل الناس عليه. فهم يجدون عنده ما لا يجدون في حانوت القرية الآخر، وسرعان ما أخذ الناس يتحدثون عن جودة بضائعه وطرافتها. ويطرون ما عنده من تمباك ودخان. وسور مكتوبة، وأوراد، وتعاويذ تخاط في الاحجبة فتقي الناس شر العين وكيد الحسود!. . ولم ينس الشيخ أن يستحضر ألوانا مختلفة من المسهلات، والرشام فلم يعد يتكبد الممعود أو موجوع الرأس أو الأمعاء عناء الذهاب إلى المدينة لالتماس هذه الأشياء.
كان صاحب الحانوت الآخر مستبداً بأهل القرية لا يؤجل لهم ثمن ما يشترون على رداءة بضائعه وشحه، فلم يقو على منافسة الشيخ ياقوت فأدركه الإفلاس. والحق أن الشيخ كان دمث الأخلاق من أرباب السياسة والكياسة. وكان يسخو في البيع ويمهل في الدفع، وهو فضلا عن ذلك من حفظة القرآن فالشراء منه بركة، والتمسح به وهو من أصحاب المراكز فيه نفع لا مضرة. وهو يعطي المشتري المواظب من حين إلى حين شيئا من بخور السيدة الذي أحضره من القاهرة.
وعند الدكان مقعدان طويلان تجدهما أبدا مشغولين بالجلوس من المشترين الذين يرغبون البقاء لاستماع الشيخ وهو يقرأ الجريدة ويقص عليهم الأخبار وما يحدث في بلاد الكفار.
وقد كان اليهودي ينزل القرية بين الحين والحين يحمل بضائعه على كتفه ويصيح (شيت يا بنات. مناديل. روايح. حراير أمشاط. مرايات يا بنات. . .). لكن هذا الصوت قد اختفى ونفض اليهودي حذاءه من تراب القرية، فقد كرههم الشيخ ياقوت في معاملته، واستحضر لزوجته تلك البضائع. فكانت تبيعها في المنزل بالسعر المعتدل المقسط، وانتشر خبرها في القرية فأصابت من الرزق أكثر مما يصيب الشيخ من حانوته، واخذ الشيخ يكثر من تسبيح الله وترديد اسمه والثناء عليه، وابتدأت الحمرة تنتشر في وجهه. .
ومضى الحول فاذا به يخرج على الناس بمشروع جديد، فقد كبر عليه أن تظل القرية بلا كتاب، فشمر عن ساعد الجد، واشترى الخشب وكان في صباه نجارا فلم يلبث أن سواه مقاعد يجلس عليها صبية (الكتاب) الذي افتتحه.
وكان (الكتاب) بجوار الدكان في الطابق الأول من الدار فأخذ يوزع نشاطه بين العملين ويراوح بينهما في المجهود. وكانت بضائع الحانوت تنفق سريعا، فان أولاد النجوع
стр. 1542
المجاورة صاروا يعودون في المساء بعد الدرس بما يحتاج إليهم ذويهم من بضائع الشيخ. فاذا ما كان الصباح وابتدأ الدرس وأخذت عصا الشيخ ترقص في يده ذهبوا إلى الدكان يحاولون الإكثار من ابتياع الحلوى وما اليها ابتغاء مرضاته حتى تقصر عنهم عصاه.
وأثمرت جهود الشيخ الجديدة فصارت القرية تفاخر بعدد من الصبية حفظوا القرآن. وذاعت شهرة الكتاب فوفد إليه أبناء الكفور القريبة يتتلمذون على الشيخ ومضت الأيام فاذا بكتاب الشيخ ياقوت من كتاتيب الإعانة التي تتقاضى تسعة جنيهات في السنة!. .
فتح الله عليه أبواب الرزق فصار يتاجر، ويغامر، ويكسب، ويستأجر الأرض ويزرعها. وجعل يتغنى صباح مساء (وأما بنعمة ربك فحدث) غير أن هماً دفينا كان يقلق الشيخ ويقض مضجعه، فقد مضت خمس سنوات وزوجه لم تعقب له ولدا غير (حسان). وهو رجل يطمع في كثرة النسل ويريد أن يرى أنجاله يرتعون في هذا الرزق الواسع والخير العميم.
أما أن يمني بقلة الذرية فقد كان شيئا ثقيلا على نفسه. كان الناس يتهامسون رثاء له وإشفاقا. والأعداء يشمتون ويودون لو يخطف الموت حسانا فلا يبقى للرجل من زينة الحياة غير المال، والمال بلا بنين كالشجر بلا ثمر.
كلما مر بالشيخ ياقوت هذا الخاطر ارتاع وابتأس. وماذا يدعو إلى الارتياع أكثر من شماتة الأعداء نار الحساد التي لا تجد لها وقودا غير كارثة تلم به وبلاء يقع فيه!. .
كان يفكر أن يتزوج بأخرى، لكنه كان رجلا شهما، تأبى رجولته أن يتزوج على أم حسان، فيؤلم نفسها، ويجزي إخلاصها وصبرها شر الجزاء. كان يحبها حبا خالصا، ويجد فيها الزوجة الصالحة المطواع، والمرأة الجميلة الصبوحة.
كانت أم السعد تشعر بهذا الخطر الذي يهددها وبأيدي السوء التي تدأب على إفساد حياتها الزوجية ووضع النار في بيت هنائها، فكانت تصبر على وشايات أم الشيخ وأخواته اللواتي امتلكتهن رغبة محرقة في أن يتزوج الشيخ من بنت العمدة، فقد وصل رجلهم إلى الدرجة التي تؤهله إلى نيل هذا الشرف. . .
كانت أم السعد تداريهن، وتصبر على ما يصيبها منهن طمعا في أن تظل وحدها حليلة زوجها. أما هن فقد غلون في اضطهادها والإساءة اليها بعد أن عرفن موطن الضعف فيها،
стр. 1543
ووقفن على تلك الغيرة المستترة خلف قلبها. وأضحت لهن أمَة ضارعة ذليلة تفزع إذ يلوح لها شبح (الضرة) وتضع إصبعيها في أذنيها حين تسمع كلمة الطلاق، فقد كانت تعرف إنها سائرة إلى أحد الطريقين.
صارت تنذر النذور وتستصرخ الأولياء، وتهب إلى قبور الصالحين تستمد منها البركة. يأتي عليها الليل وينام القوم فتصعد إلى السطح وتكشف رأسها وتسخر كل قوى روحها في التوسل إلى الله أن يرزقها ولداً آخر. وقد تسترسل في بكائها وهي تتذكر آلام النهار والتعيير، والكيد، فلا تمسح دمعها حتى تظهر نجمة الصبح فتعود لتنام عند قدمي زوجها.
فإذا كان شهر رمضان صامته من غير سحور وبذلت الإحسان من غير حساب.
وبلغ حسان العاشرة من عمره والأم لم تظفر بالأمنية. . . ونفد صبر الزوج فخطب ابنة العمدة لنفسه.
وابتدأ البيت يمتلأ بالضوضاء ويستعد لاستقبال الأفراح والليالي الملاح. فكانت أم السعد تنسل إلى غرفتها كما ينسل إلى وكره حيوان مضطهد مجروح. . . كانت تعيش من فكرها في مأتم، وكلما اقترب يوم العرس انقطع بين يديها خيط من خيوط الهناء، حتى صارت تفتقد مسرات حياتها فلا تجد بين يديها إلا خرقة مهلهلة.
وماذا بقي لها بعد أن صارت المرأة المنبوذة؟! كيف تطيق أن ترى المرأة التي تتوج بدلها بعد أن كان التاج لها، تتخطر مزهوة مختالة يزري جمالها الفتي الجديد بجمالها الذي فقد الجدة والفتنة!. .
لقد شادت هي كل شيء وتعبت في كل شيء، فاذا بامرأة غريبة تتسلم البضاعة وتأمر وتنهي! ليتها لم تفعل شيئا. ليتها لم تدبر ولم تقتصد! كانت تشقى في حاضرها لتسعد بمستقبلها فاذا بالمستقبل يضيع وبالأمل يتحطم!. .
وحسان العزيز! إن أمره ليدمي فؤادها. لقد اشترى له أبوه أثوابا جديدة بمناسبة قدوم العروس، وأمرها أن تخيطها له! إن ثياب الحداد أولى به فقد دالت دولته. ولن يدلل فيما بعد! سيصبح ابن المرأة القديمة. . . . وسيتحول قلب أبيه عنه إلى أولئك الأطفال الصغار الذين طال إليهم اشتياقه. كيف تستطيع احتمال هذا؟ إنها لترسل بصرها في المستقبل فترى ابنة العمدة جالسة في رحبة الدار تخرج ثديها فخورة مباهية لترضع طفلها. كأنها تتعمد
стр. 1544
إغاضتها والحط من شأنها! وستنكس هي بصرها خجلا وسيندي جبينها خزيا! إن ثديها العاطل المحروم ليحن للإرضاع! بل انه ليهتز شوقا إلى طفل. وهي تخرجه في وحدتها وتتأمله بحسرة حرّى وعين أسيفة. وتعصره لعله يبض له بقطرة تكون نذيرا بالحمل!. . فلا تظفر بغير الخيبة، ولا يلوح على وجهها غير ظل ابتسامة كسيرة مهزومة. . .
مضى شهر على الزواج الجديد. . . وكانت أم السعد قد سئلت أن تخلي غرفتها للعروس، ووعدها زوجها أن يرد الغرفة اليها بعد أيام، لكنه حنث في وعده، وتركها تقيم مع أوعية اللبن والجبن في هذه الغرفة القائمة فوق السطح. . . وهي الآن جالسة تخطط في التراب وتحدق فيما تخط بعين ذاهلة. وقد مسح الحزن عن وجهها ضياءه وإشراقه. ولم يبق من محياها الجميل غير معارف امرأة محطمة، ناقمة، متجددة السخط والغضب.
وكيف لا يتجدد سخطها وغضبها!. . ها هي ضوضاء الدار تصعد إلى أذنيها فتنبئها أن القوم لاهون بينا هي وحدها تتعذب. والدخان يرتفع من أسفل فيضايقها ويؤذي رئتيها ويحمل إلى خاطرها صورة (الوليمة)، ووجه زوجها وهو يضحك في وجه العروس ويداعبها.
وإذا هي تعض أناملها، حانت منها التفاته فرأت أثواب حسان البيضاء التي غسلتها في الصباح تخفق تحت أشعة الشمس، فقامت اليها متثاقلة وجمعتها. وأخذت تخيط ما بها من ثقوب وفتوق.
وظلت تنتظر عودته من الكتاب لكنه لم يعد. ثم عضها الجوع فقامت إلى الطعام لكنها لم تصب منه غير قليل ثم عافته.
وصعد اليها حسان وفي حجره ألوان من الحلوى، وحدثها انه تناول الطعام مع العروس. . . وثارت نفس الأم، فلطمته ودفعته بعيدا، فتبعثرت حلواه وطفق يبكي. لكن حنانها عاودها فذهبت اليه، ومسحت دمعه وأجلسته في حجرها، وسألته ان يسمعها ما حفظ في يومه. فأنشأ الصبي يرتل، وأسارير الأم تنبسط كأن شعاعا من العزاء يتسلل إلى قلبها، ويبدد شيئا من ظلمته الحالكة.
وأخذه النوم فألقى رأسه الصغير إلى كتفها، وغلبها الحنان فتناولت كفه وأدنتها من شفتيها. لكنها عافت اليد الصغيرة عندما رأت عليها لون (الحناء) الذي أباحت جدة الصبي لنفسها
стр. 1545
أن تخضب به يدي حفيدها. فجفل صدرها بالغيظ، وملأ الحقد قلبها وملأ الدمع عينيها. . .
وتبكي الأم بحرقة. ويستيقظ الصبي مرتاعا، ويملأ الدمع عينيه البريئتين وهو يسأل أمه أن تكف، فتحاول لكن أساها يغلبها، فتعتذر إليه بأن هناك ناراً تسري في احشائها، وتعتلج في صدرها. وتحدثه وهي تحدق في وجهه بجزع وقد وقفت على شفتيها ابتسامة مشلولة: إنها لن تعيش طويلا. لأن تلك النار لم تبق شيئاً. .
من هذا اليوم سقطت أم حسان مريضة وتضافرت عليها أوجاع الجسد والروح. فأخذت تتقهقر من ميدان الحياة على عجل.
أما الشيخ ياقوت فيأبى أن يدعو الطبيب ويزعم انه خبير بدهاء النساء، ويتهم زوجته بأنها تتمارض، ويهددها بأن عصاه كفيلة بمداواة الغيرة التي تأكل قلبها، وينذرها بأنه لن يسمح لها أن تجعل بيته جحيما، وان كلمة (الطلاق) مختبئة خلف شفتيه يلفظها إن سولت لها نفسها الأمارة بالسوء إعادة هذه اللعبة المفضوحة للتنصل من الخدمة!. .
وتنسحق روح أم حسان تحت عبء هذه الكلمات كما تنسحق قطعة الفخار تحت ضربات المطرقة. وكأنها تؤثر ألا تضايق قرينها فتغادر الحياة بعد أيام قلائل!. .
كانت هناك نفس واحدة حزينة لفراقها هي نفس حسان، لكن حزنه إنجاب سريعاً كغمام الربيع. . .
لم يطل عهد حسان بالحلوى والتدليل، وتقدمت به الأيام فإذا به يلطم ويزجر! وتنكر له الجميع. وقوي إحساسه باليتم. واكتأبت روحه الظمأى للحنان فذبل كما يذبل لحظ النرجس من كثرة العطش. وفقد النصير. ولم يعد يملك إلا أن يطوف بمقبرة القرية يرمق منزل أمه فيها ويود لو تناديه اليها ليقيم معها.
أما الشيخ ياقوت فقد اطمأن إلى الثروة التي اجتمعت له فأغلق الدكان وأهمل الكتاب، وركن إلى حياة مترفة، لاهية، موزعة بين أحضان الزوجة ودوار العمدة. . .
ومضت الأعوام والزوجة لا تنجب ولداً ولا بنتاً، وثروة الشيخ تتبدد في الإنفاق على القابلات، والزلفى إلى أصحاب الكرامات. وكبر على ابنة العمدة أن تبقى عاقرا، وشعرت أن (أم السعد) وهي في القبر قد غلبتها وهي في الحياة. وخالت أن روح المرأة الشامتة تطوف بها، وتسخر منها!. .
стр. 1546
وذهبت تنشد غاية تفني فيها غيظها فلم تجد أمامها غير حسان، فأنشأت تضطهده وتسخره، وتنكل به.
ويستنصر حسان الأب فيخذله أبوه، وينصر المرأة الجميلة، وتضيق الدنيا في عيني الفتى ويطلب النجاة لنفسه فيهجر القرية.
وتمضي الأعوام ولكن الابن المفقود لا يعود. . . وتستيقظ روح الشيخ ياقوت فلا يجد بين يديه أطفالا يمرحون ويصخبون، ويبلغ به الأسى فيوشك أن ينادي (حسانا) ليعينه على الحياة لكن الكلمة تختنق فوق شفتيه. . .
وضاعت الثروة كما ضاع الشباب وأضحى رجلا مقلا، فلم تعد هناك حلقات ذكر ولا حفلات سمر، وإنما كانت أجنحة الخيبة ترفرف صامتة حول البيت.
فقد الرجل مركزه، فلم يعد الوجه محمرا، ولا الشاش مزهرا، ولا الجبة زاهية. . . ولم يعد الناس يقفون عندما يبدو في أول الطريق، بل صاروا يغمغمون بما يشبه التهكم: (مسكين. سي الشيخ)!. .
وكان هذا ينال من نفس الشيخ، ويدمي فؤاده، فلا يكاد يقطع الطريق حتى يتهالك على عتبة الدار.
ويطول به الجلوس وهو يتذكر الماضي ويخطط في التراب ويرسل بصره نحو (مقبرة القرية). . .
يوسف جوهر
стр. 1547
بلياس ومليزاند
للفيلسوف البلجيكي موريس ماترلنك
ترجمة الدكتور حسن صادق
مليزاند - إن شكلي بشع في هذا الموقف
بلياس - أوه مليزاند!. . . ما أجملك!. . . ما أروع منظرك في مكانك هذا!. . . أنحن. . . أنحن. . . دعيني أقترب منك أكثر من ذلك.
مليزاند - لا أستطيع أن اقترب منك اكثر مما فعلت. . . هذا آخر ما أستطيع من الانحناء.
بلياس - ليس في مقدوري أن أرفع نفسي إليك اكثر مما ترين. . . اعطني على الأقل يدك في هذا المساء. . . قبل ذهابي. . . إني راحل غداً. .
مليزاند - لا. لا. لا
بلياس - نعم. نعم. أني راحل غداً. . . اعطني يدك. . . يدك الصغيرة أضعها على شفتي
مليزاند - لا أجيب سؤالك إذا أصررت على الرحيل
بلياس - اعطني. . . أعطني. . .
مليزاند - أعدلت عن السفر؟
بلياس - سأنتظر. . . سأنتظر. . .
مليزاند - أرى وردة في جوف الظلام
بلياس - أين هي؟. . . أني لا أرى إلا أغصان شجرة الصفصاف التي تفوق في علوها البرج
بلياس - ليست بوردة. . . أني اذهب لأرى حقيقتها بعد هنيهة، ولكن اعطني يدك. . . يدك أولاً. . .
مليزاند - ها هي ذي. ألا تراها؟. . . لا أستطيع أن انحني اكثر من ذلك
بلياس - شفتاي تعجزان عن بلوغ يدك
مليزاند - لا أستطيع أن أنحني اكثر من ذلك. . . كدت اسقط. . . أوه! أوه! شعري، امتهدل على حائط البرج
(يسقط شعرها دفعة واحدة وهي منحنية ويقفز بلياس)
стр. 1548
بلياس - أوه! ما هذا؟. . شعرك يسعى إلى كل شعرك يا مليزاند سقط من البرج!. . . أني اقبض عليه بيدي. . . وأطبق فمي. . . وألف به ذراعي وعنقي. . . لن افتح يدي الليلة. . .
مليزاند - خل سبيله. . . أطلق سراحه. . . كدت تسبب لي السقوط!
بلياس - كلا. كلا. لم أر قط شعرا مثل شعرك يا مليزاند انظري! انظري! انه يأتيني من عل ويغمرني إلى القلب. . . لقد بلغ ركبتي. . . انه رائع عذب. . . عذب كأنه هبط علي من السماء لم أعد أرى السماء خلاله. أترين لم يعد في مقدور يدي القبض عليه. . امتدت شعرات منه حتى بلغت أغصان الصفصاف. . . انه حي في يدي كالأطيار. . . انه يحبني. . . يحبني أحسن منك ألف مرة!
стр. 1549
الكتب
عودة الروح
- ٢ -
ما أظن إننا نغالي إذا اعتبرنا قصة (عودة الروح) للأستاذ توفيق الحكيم مؤلف (أهل الكهف) القصة المصرية الأولى في أدبنا المصري الصميم، بل هي في الحقيقة لا نعددها ولا نجد مفرا من الاعتراف بها، فعودة الروح مصرية بأبطالها، بموضوعها، بما فيها من عادات وطباع وخلق مصرية صميمة، بذلك الطابع المصري الصميم الذي يطالعك في كل صفحة منها بل في كل سطر وكل كلمة تضمنتها. وانك لتحس إذ تقرأ هذه القصة وتمضي في القراءة وتمضي فيها انك تعيش في جو تألفه، وبين قوم سرعان ما تشعر بالرابطة القوية التي تربطك بهم، رابطة المصرية المتينة التي تحجبهم إليك وتجعلك تحسهم أحياء يتحدثون ويتحركون، لا أبطال قصة من صنع الخيال من ورائهم المؤلف يفتعل لهم المواقف، ويفتعل لهم الحديث والحركة، وانك لتهم أحيانا أن تشترك معهم في الحوار وتشاطرهم حياتهم ودنياهم الزاخرة بشتى الانفعالات المليئة بألوان من الشقاء واليأس حينا، والسعادة والأمل حينا آخر.
وهذه المصرية الصحيحة، وهذه الحياة القوية الفياضة، هما سمة هذه القصة وطابعها البارز، وهما قد جعلاها في الطليعة بين كل ما كتب من القصص المصري منذ عرف أدبنا القصة إلى اليوم.
يروعك من هذه القصة لأول وهلة دقة تصوير شخصياتها على اختلاف كبير بينهم في النشأة والعلم والاستعداد الشخصي، وانك لواجد في كل منهم شخصية تخالف الأخرى وتفترق عنها في الكثير والقليل، تجمعهم أحيانا وحدة الحادثة، ولكن ما أشد تباينهم تجاهها في الشعور والحس والإدراك الصحيح، وما أشد هذا التباين في الاندماج في الحياة والانفعال بمختلف ما تأتي به من خير أو شر، من رجاء أو خيبة، وتكاد تحس فيهم جميعا طيبة القلب، وسذاجة الفطرة، والتبسط في الحياة، وتقبل ما تأتي به صروفها من ألم أو أمل، في رضى واستسلام، أو في غضب هو بالرضى أشبه، ولكن كل وحده وكل له بعد ذلك خلقه البارز وطبعه المغاير وشخصيته الفذة التي تترسمها ولا تكاد تخفي على ناظريك
стр. 1550
طوال القصة في معالمها الكبرى واسطرها الواضحة، بل في تفاصيلها الدقيقة وما بين هذه الأسطر، وما بين تضاعيف القصة من حوادث وصروف.
كلهم يحب وكلهم يعمر بالأمل قلبه حتى (زنوبة) هذه العانس التي فاتها سن الزواج فما تجد حيلة إلا الاستعانة بالسحر والسحرة في خفاء وحذر، خشية أن يعلم أهلها عليها أمراً لا يناسب الوقار والاحتشام، وما يجب أن تتصف به من الرزانة والأدب، كلهم يحب حتى (مبروك) الخادم أو من هو كالخادم، وما أشبهه بزنوبة في بساطة العقل أو قل في تفاهته، وانه ليسرع في شراء (نظارة) لتتم له الصورة التي تخيلتها له الفتاة التي أحبها الجميع، وساهم هو في حبها ولو بقسط ضئيل. وهذا (محسن) بطلنا الأول، الطالب في مستهل دراسته الثانوية، الناشئ في مستهل شبابه، وفي أول خطى العمر الغض، ما أجدره بالحب وأخلق بقلبه الفتي أن يفتح مصراعيه لأول طارق وأن يصيبه السهم الأول فيدميه ويجرحه جرح الأبد. ذلك هو الجرح الأول الذي لا يفتأ على الأيام يؤلم ويدمي. (محسن) يحب ولكن على استحياء وخجل. وفي صمت وكتمان. فاذا لمح بادرة أمل راح والدنيا لا تتسع لنشوته. وإذا داخله اليأس أفعم نفسه وروحه وضاقت الدنيا في عينيه، لا يعرف مداخل الرجل إلى قلب المرأة، ولا يدري كيف يغزو الغزاة هذا الحصن ويحسنون الطرق على أبوابه حتى تتفتح لهم عن جنات ورياض من الأمل الباسم والسعادة الشاملة، وما أروع هذا الاستسلام يطغى على قلبه، وهذا الألم يحز في قرارة نفسه، وتجده في ضريح السيدة يمسك بقضبان الضريح النحاسية ولا تنفرج شفتاه إلا عن هذه الصرخة المكتومة والضراعة اليائسة وملؤها الرجاء والإيمان المطلق (يا سيدة زينب!) ثم يطفر الدمع من عينه ويبكي ما شاء الله له أن يبكي، وما شاء له الحب اليائس والنفس الحزينة، والأمل المقطوع. وما ادري كيف كان يمكن أن يشعرك المؤلف بكل ما يختلج في صدر محسن من ألم محض وأسى قتال بأكثر من أن ينطقه بهذا ولا شيء غيره. فنتضمن الجملة القصيرة أو هذه المفاجأة الرائعة إذا أردت، كل ما تسعه المخيلة القوية الوثابة من اليأس والرجاء، والأمل والفشل، ثم الإيمان الذي يعمر القلب ويتغلغل إلى أعمق نواحيه وأغواره.
ولو شئت أن اضرب لك الأمثال على قوة تصوير المؤلف لمواقف أبطال قصته، وعلى دقته في الصور التي يعرضها عليك لشتى ضروب انفعالات النفس الإنسانية، وعلى
стр. 1551
مهارته الحاذقة في استخلاص الصميم الرائع من حقائق الحياة الخالدة، وتعمقه في تحليل كل ذلك تحليلا صادقاً كل الصدق، دقيقاً بارعاً إلى ابعد حدود الدقة والبراعة، لو شئت أن اضرب لك مثلا على هذا لما تخيرت إلا هذا الموقف. وانك إذ تسمع (محسن) يقول هاتين الكلمتين في ذلك الوقت، تبرز أمام عينيك فجأة صورة ذلك المنكوب الحزين، ذلك اليائس كل اليأس، المكروب كل الكرب، ذلك الذي تألبت عليه النوب واصطلحت عليه الأرزاء، فيرفع رأسه في هدوء وتلمح على وجهه ما يروعك من آيات القنوط وتحس ما يجيش به صدره من الانفعالات ومختلف عوامل النفس الثائرة كأنها الأتون يصهر الحديد أو البركان يقذف بالحمم، ثم لا تسمع منه إلا كلمة (يا رب. . .) وعليها مسحة الإيمان الذي لا حد له ولا وصف يوصف به، وانك لمأخوذ بسحر هذه الكلمة، مأخوذ بروعتها في بساطتها وقصرها، وكأنها تعويذة فيها من الروعة والجلال ما يأخذ على الفكر مسالك الفكر، ولو استمعت إلى شكوى الناس طرا من عهد آدم إلى اليوم لما كان لذلك في نفسك بعض هذا التأثير أو بعض هذا السحر المبين.
وتلك ناحية من نواحي هذا الكاتب القدير توفيق الحكيم لا تخطئها في (عودة الروح).
وأحب لك أن تقرأ الفصل الثالث عشر من القصة عند وداع محسن لسنية فهو من أحسن فصول القصة، وهذا الموقف بين الاثنين من أروع المواقف واصدقها وأدقها٠ تصويراً، على أني لا أحب أن تفهم أني أفضل مشهدا في القصة على مشهد ولا فصلا فيها على فصل، فهي كلها قوية رائعة، وفيها كلها تلمس قوة الحبكة ودقة التصوير ومهارة الكاتب وخياله الخصب المؤاتي، وذلك التلوين العجيب لشخصيات أفراد القصة في مواقفهم العديدة المتباينة، ودونك الفصل الرابع والثلاثين عندما يتجه نظر سنية لقهوة الحاج شحاتة وتتأمل طويلا في مصطفى وما يختلج في قلبها من الانفعالات المختلفة المتضاربة، فليس أبلغ من قوة التحليل في هذا الفصل لقلب العذراء الخلي عندما يداخله الحب وينفعل بالجو الذي يحيطه في أول خطاه في هذه التجربة القاسية، فهو راض حينا، ساخط حينا آخر تتجاذبه عوامل الأمل واليأس، وتلمح كل هذا في الحركة المضطربة، وفي المفاجأة التي لا تترجم عنها الألفاظ، ولكن دقات القلب ونظرات العين ووجوم الوجه، وآية هذا الفصل أسطره الأخيرة التي تقدم لك لوحة من الفن بارعة كل البراعة صادقة كل الصدق، دقيقة أبلغ
стр. 1552
الدقة.
وبرغمي أن أترك حديث هذه الناحية من القصة لأتحدث إليك عن ناحية أخرى لا تقل عنها بروزا وقوة: وفيها الفكرة الكبرى التي أرادها المؤلف من كتابة قصته وعناها بتسمية القصة (عودة الروح) ودعك من ناحية تمجيده الفلاح، أو بمعنى آخر للمصري الصميم، وإنها لصفحة ناصعة خالدة من صفحات هذه القصة وانك لتحس في تضاعيفها حرارة المصري الصميم يمجد مصر وطنه ويمجد المصري ابن وطنه، ودعك من تلك الصور الصادقة واللوحات الفنية الرائعة عن الريف وأهل الريف وعن حياتهم وعاداتهم والاتحاد القوي المتين بين أفرادهم، وروح الجماعة التي تبرز في شخصياتهم واضحة منيرة، دعك من هذا ودونك فاسمع ما يقوله أوربي عن مصر وعن شعبها في الفصل الخامس والعشرين واقرأ هذه الفقرات وارجع إلى الفصل المشار إليه إذا أردت أن تقرأها كاملة.
(إن هذا الشعب الذي نحسبه جاهلا ليعلم أشياء كثيرة، ولكنه يعلمها بقلبه لا بعقله. . . . جيء بفلاح من هؤلاء واخرج قلبه تجد فيه رواسب عشرة آلاف سنة من تجاريب ومعرفة رسب بعضها فوق بعض وهو لا يدري. . . .)
(قوة أوربا الوحيدة هي في العقل تلك الآلة المحدودة التي يجب أن نملأها نحن بإرادتنا، أما قوة مصر ففي القلب الذي لا قاع له)
(إن هذا الشعب المصري الحالي ما زال محتفظا بتلك الروح. . . روح المعبد. . . إن القوة كامنة في هذا الشعب ولا ينقصه إلا شيء واحد. . . المعبود. . . نعم ينقصه ذلك الرجل منه، الذي تتمثل فيه كل عواطفه وأمانيه ويكون له رمز الغاية. . . . عند ذاك لا تعجب لهذا الشعب المتماسك المتجانس المستعذب والمستعد للتضحية إذا أتى بمعجزة أخرى غير الأهرام)
فاذا انتقلنا إلى الفصل الثالث والأربعين قرأنا (في شهر مارس. . مبدأ الربيع. . فصل الخلق والبحث والحياة. . اخضرت الأشجار بورق جديد وحبلت وحملت أغصانها الأثمار. .
(كذلك مصر أيضاً. . حبلت، وحملت في بطنها مولوداً هائلاً. وها هي مصر التي نامت قرونا تنهض على أقدامها في يوم واحد. لأنها كانت تنتظر ابنها المعبود ورمز آلامها
стр. 1553
وآمالها المدفونة يبعث من جديد. . وبعث هذا المعبود من صلب الفلاح)
وتبرز أمامك فجأة صورة رائعة لثورة مارس سنة ١٩١٩، وامض في القراءة.
(ما غابت شمس ذلك النهار حتى أمست مصر كتلة من نار. وإذا أربعة عشر مليونا من الأنفس لا تفكر إلا في شيء واحد. الرجل الذي يعبر عن إحساسها. . والذي نهض يطالب بحقها في الحرية والحياة، قد أخذ وسجن ونفي في جزيرة وسط البحار)
وتبرز أمامك صورة رائعة للمولود الهائل. . . للمعبود رمز الآلام والآمال. . للمعبود الذي بعث من صلب الفلاح. . لسعد
(كذلك اوزوريس الذي نزل يصلح أرض مصر ويعطيها الحياة والنور أخذ وسجن في صندوق ونفي مقطعا إربا في أعماق البحار. . .)
هذه مصر، وهذه ثورتها أو معجزتها الثانية بعد الأهرام، وهذا سعد رمز العبود والقدس، بعض ما يبرزه لك توفيق الحكيم إبرازا قويا واضحا فتكاد يستخفك مجد تليد وتاريخ مجيد فتصيح وتهتف بحياة مصر، الوطن العزيز المفدى، وتكاد من فرط ما يشملك من الفخار والعزة أن تدمي هذه الصفحات المقدسة تقبيلا وإجلالا، وهاك فاسمع ما يقول المؤلف عن لسان ذلك الأوربي، وأن أربعة عشر مليونا ليرددون هذه الجملة وأنها لتصبح وتمسي نشيدهم المختار ومثلهم الأعلى.
(بلد أتت في فجر الإنسانية بمعجزة الأهرام لن تعجز عن الإتيان بمعجزة أخرى. . . أو معجزات!! بلد يزعمون أنها ميتة منذ قرون، ولا يرون قلبها العظيم بارزا نحو السماء من بين رمال الجيزة! لقد صنعت مصر قلبها بيدها ليعيش الأبد. . . . .)
أجل. . . لقد عاشت مصر الأبد، وتخطت القرون والعالم يظنها هامدة ميتة، والنار كامنة تحت الرماد، وما هي إلا نفخة أو شبهها حتى ظهرت النار متأججة، تصهر الحديد وتكوي الجباه، وحتى قام ذلك الفلاح المستكين وأعلن غضبته للعالم أجمع والتفت العالم وأنصتت الدنيا.
وهذا ابن لمصر بار، هذا مصري صميم، هذا توفيق الحكيم جاء فسجل مجد تلك الثورة وأشاد بذكرها.
وبعد، فلنذكر للمؤلف الفاضل هذا الجهد البارز، وهذا العمل الخالد ولنعترف مخلصين بما
стр. 1554
بذل وما أوتي من مقدرة فائقة واستعداد هو مبعث التقدير والإجلال.
محمد علي حماد
стр. 1555
العدد ١٩ - بتاريخ: ١٥ - ١٠ - ١٩٣٣
стр. 1556
القرية أمس واليوم. . .
كان أكتوبر في الزمن السعيد يقبل على القرية إقبال الربيع، يفَّتق لوز القطن في الحقول، ويشِّقق ورد الصبى في الخدود، ويفتَّح نوّار المنى في القلوي، ثم يمر بيده الذهبية على نصب الفلاح فيزول، وعلى هم المدين فينفرج، وعلى غمرة المكروب فتنجلي، ويرسل الخصب مدراراً على المنازل الجديبة فيرتاش المقلُّ، وينعم البائس، ويتزوج الأعزب!
كنتَ في أكتوبر، شهر الغنى والزواج، ترى مزارع القطن رفَافة الوجوه، بسامة الصور، تنساب بين خطوطها البيض أسراب الغيد بجنين الثمرة الغالية، وهن يغنين الأغاني الجميلة، ويحلمن الأحلام اللذيذة، ويتخيلن هذا القطن الذي يجمعنه الآن بأناملهن، ويضعنه في أحضانهن، وقد اصبح الثوب الزاهي الذي اشتهينه، والقُرط الذهبي الذي ابتغينه، والزوج الحبيب الذي طالما تمنينه! فإذا جئت القرية وجدتها زَّخارة بالحياة، مَّوارة بالحركة، تمرح بحماس الشباب، وتموج بأطياف الحب، وتهزج بأناشيد الأعراس، وتتلقى جزاءها الأوفى على جهادها الصابر طول العام في فلاحة الأرض وخدمة المالك، وإعانة الحكومة.
فالطرق الآتية إليها من الغيط تسيل بالعذارى الأوانس يصفقن بالأكف المخضوبة ويحدون بالأصوات الندية، (والخواجات) يخرجون متعاقبين من بيت إلى بيت يساومون على (المحصول) بالأثمان المغرية، والشباب المرحون يسمرون إلى موهن الليل على الرباب والأرغول في بيوت الأفراح القريبة، وأشعة الخريف الفاترة تبعث في قلوب هؤلاء الخليين طلاقة العيش وجمال الوجود، فلا يشغلون بالهم بالزروع التي تذبل، والأوراق التي تسقط، والطبيعة التي تموت!
ذلك حديث القرية المصرية بالأمس، فهل أتاك حديثها اليوم؟ لم يعد وا أسفاه للقطن تلك القوى السحرية التي كانت ترد البؤس نعيما وتجعل النار جنة! ولم تعد الطرق السالكة إليه شادية بالغناء، ولا الأنامل التي تجنيه مخضوبة بالحناء، ولا الدور التي تحويه ألاقة بالذهب! فقد القطن ولواحقه من سائر الغلات معنى الرخاء فأصبح علاجها عناء خالصا لا روح فيه، وسعيا باطلا لا رجع منه!! وكان الفلاح قد أقام بيته وأدار حياته على هذا الحاصل، فكان يأكل حبوب الأرض ثم يرصده وحده لقضاء الدين وأداء الضريبة ووفاء القسط وسداد العوّز وأكلاف السنة، فلما بخست قيمته الظروف القاسية تزعزع البيت،
стр. 1557
واضطربت الحياة، وانتشرت الحال، واستحكمت الازمة، فألحف الدائن في الطلب، وأعنف الصراف في التحصيل، وأسرف البنك في الحجز، حتى انتقص لهم من قوُته، واقتطع لهم من ثوبه، ونزل لهم عن جهده، ولم يغن كل ذلك شيئاً عن بيع ملكه!
تبدلت القرية غير القرية، فلا ليلى تطمح في زينة، ولا أخوها يطمح إلى زواج، ولا أبوهما يفكر في حج! وأصبحت الطريق الذاهبة إلى المدينة تجئ بالمرابي والصراف والمحضر، بعد أن كانت تجئ بالشاعر والزامر والمغني، وغاضت بشاشة العيش في وجوه الشباب فعادت القرية جديبة كالقفر، كئيبة كالقبر، لا يعقد فيها اجتماع لأنس، ولا يقام بها احتفال لعرس! وما أبعد هاتين الكلمتين اليوم عن قوم ندر عندهم الكبريت (الأصفر) حتى اتخذوا الزناد، وغلا عليهم التبغ حتى اشترك ثلاثة في سكارة!!
لا تزال القرية كما كانت في القرون الخوالي أكواخا متلاصقة من الطين غرقى في المناقع والدِّمن، لا تبصر الشمس، ولا تنشق الهواء، ولا تعرف النظافة، تكومت في قاعها أرواث البهائم وزرق الدجاج، وتراكم على سطحها حطب الوقود وعلف الماشية، وتقاسم الإنسان والحيوان المضاجع في هذه الحظائر المشتركة! ثم راض الفلاح نفسه مرغماً على الطعام الوخيم والشراب الكدر والملبس الرث والقناعة المزرية، حتى مات في حسه إدراك الجمال، وتفه في ذوقه طعم الوجود!
ذلك والعواصم المصرية تعيش في القرن العشرين تأخذ بمدنيته، وتقبس من نوره، وتنعم برفاهه، كأن الصلة بين القرية والمدينة هي الصلة التي كانت بين العبد والسيد، يملك ولكن ملكه لمولاه، وينتج ولكن إنتاجه لسواه!!
تغلغلت المدينة في الأمم الأوربية حتى انتظمت قمم الجبال وبطون الأودية وأطراف السهوب، وسوَّت بين بنيها في مُتَع العيش وحقوق الإنسان، ثم تشوفت إلى الآفاق الغائمة في الشرق تريد أن تهديها طريق الحضارة، ونحن لا نزال قاصرين عن إنقاذ قرانا من الجهل والمرض والفاقة، وهي مصادر القوة وموارد الإنتاج تعول الموظفين بالضرائب، وتغذي الجيش بالجنود، وتمد الحواضر بالأرزاق، وتعين الأحزاب بالمال، وتقيم (الحفلات) بالتبرع إن الفلاح المسكين الساذج يسمع بالوزارات تسقط وتقوم، وبالأحزاب تختصم وتحتكم، وبالمجالس تنتثر وتنتظم، وبالدواوين تفتح وتغلق، وبالأموال تجرى وتنفق،
стр. 1558
فيسائل نفسه سؤال الجاهل الذاهل. إلى من هذه الأعمال والأموال إذا لم يكن لي من ثمارها نصيب؟؟
لقد اشترينا بأقوات الريف أبهة العاصمة، وبنينا بأنقاض القرية
قصور المدينة، وغسلنا بعرق الفلاح أقدام المترفين، فكنا كمن
حفر الجداول، وخطط الحقول، ونثر البذور، وشيد الأهرام، ثم
طمر في سبيل ذلك فوهة الينبوع!! احمد حسن الزيات
стр. 1559
حول قصيدة
للدكتور طه حسين
في مساء يوم من أيام سنة ١٩٢٠ دخل الأديب الفرنسي جاك ريفير على صديقه الشاعر العظيم بول فاليري، فرأى أمامه صورا مختلفة لقصيدة أنشأها، أو قل لقصيدة كان ينشئها. فاختلس صورة من هذه الصور، ثم خرج فنشر هذه الصورة في مجلة من المجلات الفرنسية الكبرى.
وهذه القصيدة هي (المقبرة البحرية) ويجب أن تعلم أن بول فاليري لا يتمأثراً من آثاره الفنية وإنما يتركه. وهو يفسر لنا هذا حين يتحدث إلينا في بعض ما كتب من الفصول، بأن الشعراء وأصحاب الفن في العصور القديمة، لم يكونوا يتمون أثراً من آثارهم، وإنما كانوا يعملون فيه ينقحونه، ويهذبونه، ينقصون منه، ويضيفون إليه، ويلائمون بين أجزائه، يبتغون الكمال ما وجدوا إلى ابتغائه سبيلا. حتى إذا أكرهوا على تركه أسلموه إلى النار أو أسلموه إلى الجمهور. فالنار والجمهور عند بول فاليري وعند أصحاب الفن الأقربين سواء. كلاهما يميت الأثر الفني بالقياس إلى مبدعه لأنه يختص نفسه بهذا الأثر فيحرقه تحريقاً ويقطع الصلة بينه وبين صاحبه، ويجعله ملكاً لنفسه، يتمثله كما يشاء أو كما يستطيع ويذوقه، ويفهمه كما يريد، أو كما تمكنه ملكاته الخاصة من الفهم والذوق. وبول فاليري حريص على هذه السّنة الفنية القديمة، فهو لا يتم كما قلت قصيدة من الشعر، ولا فصلا من النثر، وإنما يمضي فيه مصلحاً مهذبا، ساعياً إلى هذه الغاية القريبة التي لا تدرك وهي الكمال. حتى تضطره الظروف إلى أن يدع قصيدته أو فصله أو كتابه لصديق مختلس كجاك ريفير أو لناشر ملح، أو لأي ظرف من الظروف التي تذيع آثار الشعراء والكتاب، وتخرجها من أيديهم إلى أيدي القراء.
وكذلك فرضت هذه القصيدة في صورتها المعروفة على صاحبها فرضاً، ولعله لو خير لاختار صورة أخرى من هذه الصور التي كانت بين يديه، ولكنه نظر ذات يوم، فإذا المجلة الفرنسية الجديدة تنشر له قصيدة (المقبرة البحرية) فلم يكن له بد من التسليم والإذعان.
على أن من العسير جدا أن تظفر في التاريخ الأدبي الفرنسي، بقصيدة كثر حولها الحوار
стр. 1560
وأشتد فيها الجدال، وتشعبت فيها الخصومة، كهذه القصيدة التي لا تزيد على أربعة وأربعين ومائة بيت. فقد انفق النقاد الفرنسيون أعواماً يدرسونها، ويحللونها، ويلتمسون معانيها، وأغراضها، ومظاهر الحسن ودخائله فيها. ثم لا يتفقون على ذلك بل لا يتفقون على شيء من ذلك، يل يبلغ بهم الاختلاف أقصاه. فإذا بعضهم يرفع القصيدة إلى أرقى منازل الآيات الشعرية الخالدة وإذا بعضهم ينزل بها إلى حضيض السخف الذي لا ينبغي الوقوف عنده ولا الالتفات إليه. وإذا الأمر يتجاوز المجلات والصحف الأدبية إلى الصحف اليومية الكبرى، ثم يشتد الخلاف وتنظم الخصومة حتى يضطر ناقد من كبار النقاد إلى ان يبدأ بحثا دقيقاً وتحقيقاً بعيد الأمد، فيختار قطعتين من هذه القصيدة، ويعرضهما على الأدباء والنقاد المعروفين يسألهم عما يفهمونه منهما، وما يرونه فيهما من الرأي، ويدعوه ذلك إلى أن يسألهم عن أصل من أصول الفن الشعري، ظهر أنهم لم يكونوا يتفقون عليه بحال من الأحوال، وهو الوضوح أهو ضرورة من ضرورات الشعر الجيد، أم هو شيء يمكن ان يستغني عنه هذا الشعر؟ وإذا شئت الدقة والجلاء فقل أيجب أن يكون الشعر الجيد واضحاً جلياً يفهمه من قريب من سمعه أو قرأه، أم يستطيع الشعر أن يكون جيداً وإن حال الغموض بينه وبين فهم القارئين والسامعين. ولا يكاد يبدأ هذا التحقيق حتى يعود الخلاف حول القصيدة وصاحبها كما كان حاداً عنيفاً متشعباً. وكان بول فاليري في أثناء ذلك قد انتخب عضوا في المجمع اللغوي الفرنسي. فيثير انتخابه حقد الحاقدين وحنق المحنقين، ويزيد الخلاف حدة وعنفاً. وتستطيع أن تقول غير مبالغ ولا مسرف أن المثقفين الفرنسيين جميعاً قد شغلوا بهذه القصيدة وصاحبها أعوام ١٩٢٧ و ٢٨ و ٢٩
وانتهى أمر هذه القصيدة إلى السوربون، وما أقل ما تعنى السوربون بشعر المعاصرين، وإذا أستاذ من أساتذة الأدب فيها هو مسيو جوستاف كوهين يتخذها موضوعا لدرسه في تفسير النصوص الأديبة، وإذا هو يتخذها موضوعاً لكتاب سماه محاولة لتفسير المقبرة البحرية. كل هذه الحركة العنيفة والشاعر صامت لا يقول شيئا، ساكن لا يأتي شيئاً، أو هو لا يقول ولا يأتي شيئاً يمس هذا الخلاف العنيف حتى اضطر صاحب التحقيق الذي أشرت إليه آنفاً أن يكتب إليه ينبئه بأن كثرة الذين أجابوا إلى ما ألقي إليهم من الأسئلة يعترفون بأن لقصيدته معنى ولكنهم لا يتفقون على هذا المعنى، وإنما يختلفون اختلافا شديداً في
стр. 1561
تحصيله، ويسأله أن يبين ما أراد ليقطع الشك ويزيل الخلاف، فلا يجيب الشاعر ويضطر كاتب آخر إلى أن يطالبه في صحيفة من الصحف الكبرى بأن يبين للناس ما أراد أن يقول في هذه القصيدة، ليظهر من أخطأ من النقاد ومن أصاب، ويصفه بالكبرياء، والحرص على أن يغيظ النقاد، ولكنه على ذلك كله لا يجيب حتى إذا ظهر كتاب أستاذ السوربون، نظر الناس، فإذا الشاعر قد قدم بين يدي هذا الكتاب بمقدمة بديعة ممتعة، يصفها بعضهم بأنها مثيرة للدوار، لكثرة ما تشتمل عليه من المعاني والآراء في وضوح لا يكشف الحجاب عنها كل الكشف، وفي غموض لا يريح القراء من التأمل وإطالة البحث والتفكير. فإذا قرأت المقدمة البديعة الممتعة المثيرة للدوار، لم يتبين فيها القارئ جواباً لهذه الأسئلة الملحة التي ألقاها النقاد على الشاعر يتمنون عليه فيها أن يبين لهم ما أراد، وإنما يجد القارئ في هذه المقدمة آراء موئسة من الوصول إلى تحصيل المعاني التي أراد إليها الشاعر حين نظم قصيدته. فهو يقول مثلا: إن الناس يسألونني ماذا أردت أن أقول؟ فأنا لم أرد أن أقول شيئاً وإنما اعمل شيئاً، ورغبتي في هذا العمل هي التي قالت ما يقرئون، وهو يقول مثلاً إن الأثر الفني الذي يصدره الشاعر أو الكاتب أو غيرهما من أصحاب الفن لا يكاد يخرج من يد منشئه حتى يصبح أداة من الأدوات العامة يصرفها الناس كما يريدون أو كما يستطيعون. ومعنى ذلك أن القصيدة إذا أذيعت بين الناس، فلكل واحد منهم أن يفهم منها ما أراد أو ما استطاع. فإما ما أراد الشاعر فأمر مقصور عليه حين نظم، ولعله قد نسيه أو انصرف عنه إلى غيره من المعاني فلا ينبغي أن يسأل عنه ولا أن يطالب بتبيينه للناس.
وأظرف وأطرف أن الشاعر يثني على الكتاب الذي يفسر قصيدته فيقول: انه قرب هذه القصيدة إلى الشبان من تلاميذه، وأحاط بخصائصها التي تتصل بما فيها من الموسيقى والانسجام. ولكنه يقول: أوفق الأستاذ الشارح إلى تحقيق المعاني التي قصد إليها الشاعر أم أخطأه هذا التوفيق؟
كل هذه الآراء وآراء أخرى للشاعر العظيم في هذه المقدمة الممتعة إن لم تبين المعاني التي أودعها قصيدته فهي تبين شيئاً آخر أظنه أقوم وأجلّ خطراً من هذه المعاني، وهو مذهب الشاعر في فن الشعر، وما ينبغي له من الارتفاع عن هذا الوضوح الذي يفسد الفن افساداً، ويقربه من الابتذال، فهو يرى مثلاً إن جمال الشعر يأتي من أنك تحدد اللذة الفنية
стр. 1562
في نفسك، كلما حددت قراءته ومن أنك تستكشف في القراءة الثانية من فنون الجمال ما لم تستكشفه في القراءة الاولى، بل تجد في كل قراءة فنوناً جديدة من الجمال لم تجدها في القراءات التي سبقتها، وأنت لا تجد هذه اللذة المتصلة المتنوعة إلا لأنك خليق أن تستكشف في كل قراءة معنى جديداً يثير في نفسك شعوراً جديداً بالجمال، وهو يرى مثلاً أن للشعر صفات تعصمه من الموت أو تعصمه من الموت القريب، وهذه الصفات تتصل بوزنه وقوافيه وبهذه الصور الخاصة التي لا تجدها في النثر. وموت الأثر الفني عنده يأتي من فهم الناس له، فأنت إذا قرأت كتاباً وفهمته فقد قتلته وقضيت عليه. فهناك إذا جهاد عنيف بين القارئ والمقروء، فإذا فهم القارئفقد غلب. وإنما الأثر الفني الخليق بهذا الاسم هو الذي يغلب قارئه ويعجزه، ولكن دون أن يضطره إلى اليأس والقنوط. ومن هنا يرى شاعرنا العظيم أن النثر بطبيعة تكوينه أقرب إلى الموت وأدنى إلى الفناء، لأنه أقرب إلى الفهم، وأدنى إلى الهضم، لا تعصمه هذه الدروع المتقنة التي نسميها الوزن والقافية، والموسيقى والصور.
فإذا أضفت إلى هذه المقدمة ما كتبه شاعرنا العظيم في مواضع مختلفة، وظروف مختلفة حول الشعر والنثر والأدب عامة استطعت أن تلخص مذهبه في الشعر الخالص أو في الشعر العالي كما يقولون. فالشعر عنده كلام، ولكنه كلام ممتاز، وامتيازه لا يجب أن يأتيه من معناه وحده بل، يجب أن يأتيه من صيغته قبل كل شيء، فحقيقة الشعر إنما تلتمس في صيغته وشكله، تلتمس في وزنه الذي يجب أن يبهر السمع ويؤثر فيه، تلتمس في انسجامه الذي يجب أن يثير في النفس لذة الموسيقى، أو لذة أرقى من لذة الموسيقى لأنها تمس العقل والشعور والسمع جميعاً، ثم تلتمس في صوره التي تروع الخيال وتروع معه الحسن أيضاً ثم تلتمس قبل كل شيء وبعد كل شيء في هذه الصفة التي لا أدري كيف أسميها أو أحددها، والتي تضطرك إلى البحث والتفكير وإلى جهاد ما تقرأ في غير ملل ولا يأس.
وطبيعي بعد أن ثار هذا الخلاف العنيف الطويل حول هذه القصيدة أن تتجاوز حدود فرنسا، ويعنى بها النقاد الأجانب كما عني بها الفرنسيون، كما يعنون بكل ما يصدر هذا الشاعر من الآثار. فقد ترجمت هذه القصيدة أربع مرات في اللغة الإسبانية، وثلاثاً في اللغة الإنجليزية، وثلاثاً في اللغة الألمانية ولكن الغريب أنها ترجمت في اللغة الفرنسية نفسها
стр. 1563
شعراً. ترجمها الكولونيل جودشو، وأرسلها إلى الشاعر، فكتب إليه الشاعر يقول: اشكر لك خالص الشكر ما أرسلت إليّ من ترجمة المقبرة البحرية إلى لغة أقرب إلى الوضوح. وسأضيف هذه الترجمة إلى التراجم الإسبانية الأربع، وإلى التراجم الإنجليزية الثلاث، وإلى التراجم الألمانية الثلاث، وإلى تراجم أخرى لهذه القصيدة قد وقعت إلى. وقد أعجبني جداً ما بذلت من الجهد لما ظهر فيه من الحرص على أن تحتفظ ما استطعت ببعض الأصل، وإذا كنت قد استطعت أن تترجم هذه القصيدة فليست هي إذن من الغموض بحيث يقال. فان قصيدة مظلمة حقاً تحتاج إلى تغيير أعمق من هذا التغيير الذي أحدثته لتصبح ترجمتها أمراً ميسوراً. فأنا مدين لك بهذا الدليل الواضح على أن المقبرة البحرية شيء يمكن فهمه إذا عنى القارئ بعض العناية بقراءتها ورغب بعض الرغبة في فهمها.
وأظن أن السخرية في هذا الكتاب أوضح من أن تحتاج إلى أن أدل عليها، ولعلك تسألني أن أترجم لك هذه القصيدة كلها أو بعضها، ولكني معتذر من ذلك لأمرين. الأول: أني أجد في قراءة القصيدة لذة راقية قوية حقاً، ولكني لا أستطيع أن أقول أني أفهمها على وجهها، وليس على من ذلك بأس ما دام النقاد والأدباء الفرنسيون وهم أعلم مني طبعاً بلغتهم وأدبهم يختلفون في فهمها إلى هذا الحد. والثاني: أن بول فاليري نفسه يرى أن ترجمة الشعر إلى النثر قتل لهذا الشعر، وتمثيل به ومحو لآيات الجمال فيه، وأعوذ بالله أن أقترف هذه الجناية أو أتورط في هذا الأثم، ولكن في مصر شعراء أو أنا أرجو أن يكون في مصر شعراء يحسنون الفرنسية فهل لهم أن يستبقوا في ترجمة هذه القصيدة شعراً عربياً، وهل لأصدقائنا أصحاب الرسالة أن يجعلوا للفائز في هذه المسابقة من الشعراء جزاء يلائم ما سيبذله من الجهد الذي سيكون عنيفاً حقاً، ولكنه سيضع أمام قراء اللغة العربية نموذجاً من أرقى وأروع نماذج الشعر الحديث.
стр. 1564
الرأي والعقيدة
للأستاذ أحمد أمين
فرق كبير بين أن ترى الرأي وأن تعتقده، وإذا رأيت الرأي فقد أدخلته في دائرة معلوماتك، وإذا اعتقدته جرى في دمك، وسرى في مخ عظامك، وتغلغل إلى أعماق قلبك.
ذو الرأي فيلسوف، يقول إني أرى الرأي صواباً وقد يكون في الواقع باطلاً، وهذا ما قامت الأدلة عليه اليوم، وقد تقوم الأدلة على عكسه غداً، وقد أكون مخطئاً فيه، وقد أكون مصيباً، أما ذو العقيدة فجازم بات لا شك عنده ولا ظن، عقيدته هي الحق لا محالة، هي الحق اليوم وهي الحق غداً، خرجت عن أن تكون مجالاً للدليل، وسمت عن معترك الشكوك والظنون.
ذو الرأي فاتر أو بارد، أن تحقق ما رأى أبتسم ابتسامة هادئة رزينة، وإن لم يتحقق ما رأى فلا بأس، فقد احترز من قبل بأن رأيه صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيره خطأ يحتمل الصواب، وذو العقيدة حار متحمس لا يهدأ إلا إذا حقق عقيدته. هو حرج الصدر، لهيف القلب، تتناجى في صدره الهموم، أرَّق جفنه وأطال ليله تفكيره في عقيدته، كيف يعمل لها، ويدعو إليها، وهو طلق المحيا مشرق الجبين، إذا أدرك غايته، أو قارب بغيته.
ذو الرأي سهل أن يتحول ويتحور، هو عبد الدليل، أو عبد المصلحة تظهر في شكل دليل، أما ذو العقيدة فخير مظهر له ما قاله رسول الله: (لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أدع هذا الذي جئت به ما تركته) وكما يتجلى في دعاء عمر: (اللهم إيماناً كأيمان العجائز) شعر جديد لقد رووا عن (سقراط) أنه قال (إن الفضيلة هي المعرفة) وناقشوه في رأيه، وأبانوا خطأه، واستدلوا بأن العلم قد يكون في ناحية، والعمل في ناحية، وكثيراً ما رأينا أعرف الناس بمضار الخمر شاربها، وبمضار القمار لاعبه. ولكن لو قال سقراط إن الفضيلة هي العقيدة، لم أعرف وجهاً للرد عليه، فالعقيدة تستتبع العمل على وفقها لا محالة، قد ترى أن الكرم فضيلة ثم تبخل، والشجاعة خيراً ثم تجبن، ولكن محالة أن تؤمن بالشجاعة والكرم ثم تجبن أو تبخل.
العقيدة حق مشاع بين الناس على السواء، تجدها في السذج، وفي الأوساط، وفي الفلاسفة. أما الرأي فليس إلا للخاصة الذين يعرفون الدليل وأنواعه، والقياس وأشكاله. والناس يسيرون في الحياة بعقيدتهم، أكثر مما يسيرون بآرائهم، والمؤمن بعقيدته يرى ما لا يرى
стр. 1565
الباحث برأيه، قد منح المؤمن من الحواس الباطنة والذوق ما قصر عن إدراكه القياس والدليل.
الناس إنما يخضعون لذي العقيدة، وليس ذوو الرأي إلا ثرثارين لا يعملون، عنوا بظواهر الحجج أكثر مما عنوا بالواقع، لا يزالون يتجادلون في آرائهم حتى يأتي ذو العقيدة فيكتسحهم.
قد يجود الرأي وقد ينفع، وقد ينير الظلام وقد يظهر الصواب، ولكن لا قيمة لذلك كله ما لم تدعمه العقيدة، وقلَّ أن تؤتي أمة من نقص في الرأي، ولكن أكثر ما تؤتي من ضعف في العقيدة، بل قد تؤتى من قبل كثرة الآراء أكثر مما تؤتى من قلتها.
الرأي جثة هامدة، لا حياة لها ما لم تنفخ فيها العقيدة من روحها، والرأي كهف مظلم لا ينير حتى تلقى عليه العقيدة من أشعتها، والرأي مستنقع راكد يبيض فوقه البعوض، والعقيدة بحر زاخر لا يسمح للهوام الوضيعة أن تتولد على ظهره، والرأي سديم يتكون، والعقيدة نجم يتألق.
ذو الرأي يخضع للظالم وللقوي، لأنه يرى أن للظالم والقوي رأيا كرأيه، ولكن ذا العقيدة يأبى الضيم ويمقت الظلم، لأنه يؤمن أن ما يعتقده من عدل وإباء هو الحق ولا حق غيره، ومن العقيدة ينبثق نور باطني يضيء جوانب النفس، ويبعث فيها القوة والحياة، يستعذب صاحبها العذاب، ويستصغر العظائم، ويستخف بالأهوال، وما المصلحون الصادقون في كل أمة إلا أصحاب العقائد فيها.
الرأي يخلق المصاعب، ويضع العقبات، ويصغي لأماني الجسد، ويثير الشبهات ويبعث على التردد، والعقيدة تقتحم الأخطار، وتزلزل الجبال، وتلفت وجه الدهر، وتغير سير التاريخ، وتنسف الشك والتردد، وتبعث الحزم واليقين، ولا تسمح إلا لمراد الروح.
ليس ينقص الشرق لنهوضه رأي، ولكن تنقصه العقيدة، فلو منح الشرق عظماء يعتقدون ما يقولون لتغير وجهه وحال حاله، واصبح شيئاً آخر، وبعدُ، فهل حُرِم الأيمان مهبط الإيمان؟
стр. 1566
حياة الإنسان
للأستاذ بول جانيت. الأستاذ بالسربون
حياة الإنسان منقسمة إلى أربعة أطوار: الطفولة والشباب، والرجولة والشيخوخة، ولطالما أشتد الجدل وما يزال يشتد بين البشر لمعرفة أي هذه الأطوار يكون الإنسان فيه أسعد حالا وأهدأ بالا وأشد تفاؤلا؟ ويلوح لنا أن الناس يجمعون أو يكادون يجمعون على تفضيل الرجولة على الشيخوخة، والشباب على الرجولة، والطفولة على الجميع، والحق الذي لا مراء فيه أن لكل طور من أطوار الحياة لونا من السعادة يناسبه ويلائمه، ولكل طور نظر إلى الحياة مغاير. . وهب أن ليس هناك ما هو أهنأ من الطفولة المرحة فمن منا يود أن يظل طيلة حياته طفلاً؟ فنحن الذين نغبط الأطفال هناءهم ونذكر في أسى تلك السعادة البريئة الماضية التي تفيأنا ظلالها وأحتسينا راحها ونعمنا بزنبقها وآسها أيام كنا أطفالا نرتع ونلعب، لنرمق في حزن عميق أولئك التعساء الذين تطول بهم الطفولة إلى غير نهاية، وإن سرورهم نفسه ليحرك فينا عاطفة الرحمة والإشفاق. نحن نرثى لهم لأنهم لما يلمسوا ما هم فيه من بؤس وشقاء، فهذه السذاجة التي يطول عمرها، وهذه الغرارة، وهذه الغباوة، وهذا الاستخفاف بآلام الغير ليبدو لنا أعظم الآلام. فليست السعادة منحصرة في قيام لذة او في انعدام ألم، ولكنها في استغلال القوى التي خص بها الإنسان استغلالا مشرفاً معقولاً. .!!
يجهل الطفل الحياة جميعها ولا تكاد تنصب رغائبه إلا على التافه من الأغراض، ومع إننا نعجب بهذا الطور وما حواه من سذاجة ومرح وتدلل فنحن لا نأسف عليه أسفاً حقيقياً، ولا نرضى عن طواعية واختيار أن نستعيده ثانية، ويحب الشباب من الحياة ما يحبه الرجل، ولكنه لا يتبع سبيله، ولا يسلك منهاجه، ومعرفته وآراؤه قريبان من معرفة الرجل وآراؤه، وليس الفرق بينهما عظيماً كما نراه بين الطفولة والشباب، وميزة الشاب عن الرجل أن رغائبه ما تزال في نضارتها وقشوبها، فالمستقبل مفتر له باسط ذراعيه، والأمل لابد ماليء جوانب قلبه، وناشر على أحزانه النادرة طبقة من السرور على أهبة أن تسفر وتتلألأ، وإذ لا عهد له بعقبات الحياة وتكاليفها، فهو أبداً سخي وشجاع، وما لم يكن قد خدع إلا نادراً كان ناصح الدخيلة، سليم الطويلة، يصدق الرواة ويثق بالظروف، ولما كان عمله في المعهد
стр. 1567
أو المصنع لا يتجاوز بضع ساع من النهار كان لديه وقت من الحرية والفراغ طال أو قصر يتسنى له خلاله أن يتذوق لذة الاستقلال قبل أن ينوء به عبء التبعة. . . غير أن زمن اللذة قد ولى وأدبر وبدأت حياة الجد والكفاح، وحتى هذا الوقت لم تكن آراء الشباب إلا قضايا عقل وخلجات نفس ينبغي أن تستحيل إلى عقائد وقيود! كان ميله هوى، وصداقته مسلاة، وحبه تلهية من تلاهي الخيال قبل أن يكون حاجة من حاج القلب وضرورة من ضروراته، وكانت علاقاته بالعالم لذة لحظة أو ملال لحظة، ثم استحالت إلى سلاسل وأغلال لا يستطيع المرء أن يتحرر منها دون خطر، ثم تتجمع حول الرجل الكامل المنافع والغايات والحاجات والمنافسات. وتحيط به وتنبسط أمامه فلاة بلقع ليس فيها سوى أهراس وعواسج ومهاو، وقد كان الشاب لا يرى فيها إلا سهولا منبسطة تغطيها رياض بها أطيب الزهر وأشهى الثمر! كل هذا حق، وهل يمكن أن يقال أكثر من هذا في مدح الشباب وذم الرجولة؟ ولكن لم خلق الإنسان؟ خلق ليكون رجلاً يكافح ويناضل، أما السلام فليس من أطوار هذه الحياة، إن نشدته وجدته أبعد من الفرقدين واعسر من رد أمس الدابر. إن هذه الحياة جهاد ونضال، وحري بالرجل أن يكون كالربان في بحر تحفه الأهوال، وليس أدعى إلى السخرية من شاب في سن الرجولة أو في سن الشيخوخة مثل ذلك الشاب الأبدي يدعو إلى حزننا ورثائنا، وليس الذي نرثى له من أجله هو ذلك التناقض المادي والمعنوي، أو الجسدي والروحي في الشخص الواحد، ولكن ذلك النقص المعيب والخمول المزري، وتلك القوة المعتلة ثم ذلك الوقار الضائع والأهلية المفقودة. . كل هذا ليس إلا ضعفاً هرمياً قبل الأوان، فالطبيعة تثأر لنفسها بشيخوخة مبكرة طافرة مع من لم يعرف كيف يتلقاها ويرحب بها ويتأهب لها وهي تدنو منه في رفق وتريث واتئاد. . .
يَبذُّ الشاب الرجل ببهجته ونضارته وجماله، أي يبذه بشيء ليس إلا عرضاً زائلاً، وعثاً بالياً، وزينة أحرى أن تفاخر بها المرأة، ويبذه الرجل بقوته واحتماله، وعلمه وحزمه ووقاره. يريد الرجل فيعمل، وينتوي فينفذ، ويعد فيصدق، ويكافح فلا ينثني له عنان ولا تلين له قناة. ويقف الشاب من مسرح الحياة موقف المتفرج بينما يلعب الرجل فوقه دوراً تافهاً أو عظيماً. ولربما تطلب أتفه الأدوار جهداً فوق الذي يتطلبه أعظمها، فعول أسرة أشق غالباً من تأسيس مملكة.
стр. 1568
يجهل الطفل شؤون الحياة، ولا يكاد يعرف منها كثيراً ولا قليلاً، ويعرفها الشاب أو يعرف منها الكثير فتستهويه وتستميله، غير أنه لا يساهم فيها، ولكن الرجل يمتزج بها ويحاول أن يغيرها، تحنكه التجارب وتوقره الحوادث، ويروضه الزمان ويثقفه الجديدان، وتشحذ قوته العقبات. وتعلى مكانته التبعات، وتوقظ مشاعره الآلام النبيلة، والعبرات الصادقة. . هذا عصر الإنتاج المثمر، والكفاح المجدي، والعزائم التي تولد من عناصر الضعف قوة، ومن ظلام اليأس نور أمل. هذا عصر القيادة والزعامة والابتكار، هذا عصر المجد والنور بل هذا عصر الإنسانية الحقيقي!!
في الطفولة عذوبة وسحر، وفي الشباب نظرة وجمال، ولكن كليهما ليس فيه غناء، لا لصاحبه ولا لوطنه ولا للإنسانية جمعاء، فالأطفال والشبان يعيشون في هذه الحياة كلا على الرجل، فالرجولة وحدها هي التي يؤمل لها أن تبلغ الغاية القصوى، والمثل الأعلى، وهي التي يحق لها أن تطمح إلى الخلود إن كان لشيء في هذه الحياة خلود!!
أما الشيخوخة فمتى كانت مدعمة بالرزانة والحزم، ومجردة من الهوى والأثم، وكان معها توبة من الذنوب وإقلاع عن المعاصي أضحت للذابل طلا وندى، وللفائت ترجيعاً وصدى، وما أشبهها بأصيل يوم ربيعي رق وصفا!
لينسَ الشيخ المعمر لحظة ما وسع من أحزان وآلام، وما أبتلى به من أوصاب وأسقام، وما نزل به من خصاصة، وما حضره من إملاق، وما لقي من عنت وإرهاق، وما صادفه من تعثر وإخفاق، ولينس مع هذا وقبل هذا أن قناته قد اعوجت، وأن عظمه قد وهن، وأن الدهر عاضه من نضارة عوده ذبولاً، ومن سواد عِذَاره قتيراً، وإن استطاع فلينس أيضاً أنه متى حان حينه طوى بساط عيشه، ووافاه حمامه فكحله بمروده. ولفه في مئزره، وأنتزعه من بين ابنة له وابن، ووالدة وخدن. وصاحبة وناي ودن، ليواريه في حفرة قد ضاقت مساحتها وأحلولكت جوانبها. . . فان فعل، وحري به أن يفعل، فثم قصيدة فيها سحر وجمال ومتاع سوف يخلقها له خياله. . قصيدة تبدأ بألاعيب الطفولة المرحة الطروب يتضوع منها شذا الوداعة والعذوبة والإيناس، ويفج منها نور السذاجة والبراءة والعفاف، ويغرد من فوقها البلبل والورقاء والحسون!! وتتصل بها آمال الشباب وأمانيه وأناشيده وأغانيه وتأملاته ونجواه ولياليه وليلاه. . . ثم تعقبها الرجولة بما أخذت من تبعة واحتمال،
стр. 1569
وما اضطلعت به من أعباء ثقال، وما بذلت من جهود ونضال، وما ذللت من عقبات، وما جابت من فياف وقفار، وما قضت من لبانات وأوطار، وما نالت من مجد وفخار، وما أنعمت به من زوج وولد وصحاب، وما احتملت من وقدات الهجير ولفحات الزمهرير في طلب رزق أو استجلاء سر، أو ذياداً عن وطن. وتختمها الشيخوخة وقد توسدت الراحة وأخلدت إلى الدعة واعتصمت بالحلم والأناة وارتسمت على وجهها آيات الرضا، وانبعثت من مقلتها أشعة الهدى. فراحت تتفيأ ظلال الذكرى، وكأنما في سني الطفولة والشباب والرجولة تحيا!!
ترجمة: رسلان عبد الغني البنبي
стр. 1570
الموسيقى في مصر
للأستاذ محمد كامل حجاج
لا ريب أن الموسيقى من أعظم الفنون الجميلة التي أصبحت من
الضروريات عند كل الطبقات، وقد بلغت أوجها عند الأمم الراقية،
وتمشت مع التمدن حتى أصبحت معيار المدنية والرقي.
الموسيقى الراقية كالشعر بل هي متممة له، لأن كثيراً من الحالات النفسية العميقة لا يستطيع الكلام أن يعبر عنها، وإني أضرب لك مثلاً سهلاً:
إذا قرأت أمام أمي جاهل مرثية من أروع الشعر الجاهلي فهل يظهر عليه أي تأثر؟
أعد الكرة أمام الرجل نفسه وأسمعه مرثية موسيقية راقية فلا ريب أنها تهزه وتحزنه حتى تقرأ علامات الحزن على وجهه ولربما لا يقوى على ضبط نفسه فيتأوه أو يخونه الدمع إن كان رقيق الشعور.
إن لم تكن الموسيقى واصفة ومصورة لكل ما تقع عليه العين من محاسن الطبيعة، ومعبرة كالشعر عن أسمى العواطف وأرق الشعور والوجدان، فأولى بها أن تسمى لغطاً وجلبة تصدع الرؤوس وتسئم النفوس.
لقد اهتمت مصر بالعلوم والآداب والفنون وأحرزت نصيباً يقارب الضروريات، ولكنها متقهقرة في الموسيقى. ولم نر واحداً من أبناء الأغنياء أولع بهذا الفن وحاول أن يدرسه دراسة تامة تؤهله لخدمة الموسيقى والنهوض بها إلى أوج الكمال. ولا يتأتى بلوغ هذه الغاية إلا بدراسة الموسيقى الإفرنجية، ثم العربية مع نصيب كاف من الثقافة العامة ولاسيما الآداب وتاريخ الفنون الجميلة، لأنهما يثقفان الذوق ويشحذان الخيال ويرهفان العواطف.
إننا بدراسة الموسيقى الإفرنجية بفروعها من سولفيج وأرموني وكونتريوان وتوزيع الموسيقى على الآلات نتمكن من إتقان الإملاء الموسيقي بأن نكتب موسيقى الدور أو القطعة بمجرد سماعها، ونرقى في التلحين إذا نبغنا في الارموني واستطعنا أن نسترشد بها لوضع أرموني تتناسب مع موسيقانا العربية. أما الكونتريوان فأنها تتمشى مع موسيقانا ولا تتنافر معها ولا تحدث فيها أية شائبة.
стр. 1571
إن موسيقانا لا تتعدى على الجملة: الضروب والمقامات، وهي لا تؤهل الإنسان للتلحين ما لم يكن الموسيقار قد وهب استعداداً طبيعياً وموهبة فنية وذوقاً سليماً كالشيخ سلامة حجازي وعبده الحمولي ومحمد عثمان، وبهم أسترشد ومنهم اقتبس جميع ملحنينا العصريين. المشتغلون بالموسيقى في مصر هم المحترفون والهواة وصبية رياض الأطفال وصبيات السنتين الأولى والثانية من مدارس البنات الابتدائية والجيش والبوليس والملاجئ وسنتكلم عن كل طائفة منهم.
إن المحترفين من عازفين ومفنين ومنشدين وملحنين يقنعون بالوصول إلى درجة متوسطة أو دونها، وليس عند أغلبهم ميل إلى الفن، والغاية التي ينشدونها هي كسب العيش بدرجة يغبطون عليها من القناعة، والهواة من الشبان يكتفون بحفظ بعض البشارف والسماعيات وجانب من المارشات والأدوار دون أن يهتموا بقواعد الفن وأصوله. وأما الفتيات فأغلبهن يتعلمن منهاج المرحومة ماتيلدة على البيانو، ويقلقن به الجيران إلى ما بعد منتصف الليل، ولا يعزفن نوتة واحدة ويستثنى منهم أفراد قلائل من الشبان والفتيات بلغن غاية عظيمة ويقولون دائماً هل من مزيد؟ ولكن لا يتجاوز عددهم أصابع اليد. اغتبطنا حين رأينا مدة انعقاد المؤتمر الموسيقي أطفال رياض الأطفال ومدارس البنات الابتدائية يمثلون قطعاً استعراضية تمثيلية غنائية في غاية من الرواء والإتقان، ويمثلون أدوارهم برشاقة واسترسال ويغنون ألحانها غناءاً صحيحاً شجياً، وقد أعجب بهم أعضاء المؤتمر أيما إعجاب. ويسرنا أن نرى وزارة المعارف مهتمة بتنفيذ قرارات المؤتمر الذي أوصى بنشر التعليم الموسيقي في المدارس الابتدائية والتجهيزية، إذقررت الوزارة في هذا العام تعليم بنات السنة الثانية من المدارس الابتدائية.
أما موسيقى الجيش والبوليس والملاجئ فقد ترقت كثيراً في السنوات العشر الأخيرة، ولاسيما موسيقى البوليس فأنها تعزف كثيراً من القطع الإفرنجية ومنتخبات الأوبرات المشهورة فضلاً عن القطع العربية الراقية، كما أنهم اهتموا بتوحيد طراز آلاتهم حتى يكون فيها انسجام. وهم يعزفون عليها بلباقة وحسن تعبير ورقة لم تكن موجودة فيما مضى وإني أورد مثالين يظهران شدة الاهتمام بالموسيقى والتضحية العظيمة في سبيلها.
كلنا نعرف هكتور برليوز أعظم موسيقي أنجبته فرنسا، وكان من أول أمره طالباً في
стр. 1572
مدرسة الطب، وكان أبوه طبيباً فلم يجد الولد في نفسه ميلاً إلى الطب ورجا والده أن يدخله في معهد الموسيقى فرفض وهدده بقطع مرتبه، ولم يستطع الابن أن يستمر في الطب فدخل الكونسرفاتورا. فما كان من والده إلا أن قطع مرتبه، فأضطر أن يعطى دروساً موسيقية بفرنك واحد للدرس، واستمر في دراسته وهو يغالب الزمن للحصول على قوته حتى نبغ، وهو الذي ابتدع الرومانتيزم في الموسيقى في فرنسا.
والمثال الثاني يبين لنا اهتمام الهمج بالموسيقى بدرجة لا تجدها في المصريين.
كنت في صغري أقضي عطلة المدارس في قريتنا بين أهلي، وكان منزلنا في ربوة عالية تشرف على جميع القرية، وكان في الحي الذي يلينا بيت تسكنه فئة من العبيد يحيون الليل جميعه في الغناء والعزف والرقص إلى أن تطلع الشمس، ثم يذهبون إلى عملهم وهو التجوال في القرى لجمع (البجم) من أشجار الأثل بقصبة طويلة بطرفها شص كبير وهو يستعمل في الصباغة.
كنت في الصغر طلعة أحب الوقوف على كل شيء، وكنت أرقب هذا البيت الصادح الباغم من الأصيل بمنظار، فكنت أرى النساء يكنسن فناء الدار ثم يرشونه ويفرشون الحصر ويصفون الآلات الموسيقية من دلوكات وطبول مختلفة الأنواع والكستلوفون الفطري المصنوع من قطع الخشب الرنانة المختلفة الاحجام، والكيزان الصفيح المحشوة بالحصى الصغير يحملونها في أيديهم ويهزونها لتحدث (دوكة) مخصوصة وقت التوقيع. وحينما يقبل رجالهن بعد الغروب يهيئن لهم ثريد العدس، ثم يصف أقداح البوظة، ثم يدخنون ويتسامرون ساعة إلى أن يأتي وقت الموسيقى فينشطون لها ويأخذ كل منهم آلته الموسيقية ويتهيأ الباقون للرقص والغناء، ويستمرون في لهوهم إلى مطلع الشمس دون أن يناموا، ثم يذهبون إلى عملهم ويقنعون بأن يقيلوا ساعتين بعد الغداء في ظل شجرة.
إن الموسيقى الشرقية كنز زاخر بالجواهر واللآلئ واليواقيت، ولكننا لا نعرف كيف نستخرجها ونبريها بذوق سليم حتى تليق لأن نزين بها تيجان الملوك. إن للموسيقى العربية مائة نغمة (مقام) أو اكثر من مائة وزن (الضروب) ولكن اين النابغة المثقف الذي يحسن التأليف والتلحين.
إن بعض الملحنين ينزعون في تلحينهم إلى اختطاف ألحانهم من الإلحان القديمة، ثم
стр. 1573
يخلطونها بشيء من الموسيقى الإفرنجية المنحطة التي تسمعها في أفقر المقاهي الإفرنجية ويضنون لسذاجتهم انهم جددوا الفن ونهضوا به، وما دروا انهم شوهوه وفضحوه وهذا جرم كبير لا يغتفر، عيّرنا به كثير من المستشرقين.
كانت الموسيقى المسرحية قد خطت أول خطوة في سبيل النجاح. ولكن القائمين بأمرها لم يحسنوا إدارتها، وكان ينقصهم الحزم والتدبير والذوق الفني، فلذلك فشل المشروع في عامه الثاني واستمرت الموسيقى المسرحية في التمثيل الهزلي، والحمد لله قد نشطت هذه المسارح وسارت في سبيل الرقى لولا ما يصادفها من عقبة لم تذلل وهي ندرة المطربين والمطربات الحائزين للأصوات الجميلة القوية الرنانة والثقافة الموسيقية الصحيحة.
إننا معشر المصريين مقصرون في تجميل بيوتنا وإنعاشها بالفنون الجميلة حتى نسكن إليها بعد عناء العمل، ونجد فيها من وسائل السرور والأنس ما ينسينا آلامنا وينعشنا ويجدد قوانا.
نجد الأسر الإفرنجية تهتم بتعليم أبنائها الموسيقى، وتعنى ربة الدار بنظام الحديقة وتنسيقها حتى تصبح جنة مصغرة ترتاح إليها النفوس المتعبة، وفي المساء تجتمع الأسرة فتحيي حفلات موسيقية ترقص لها القلوب وتنسى فيها الهموم والآلام.
أما بيوتنا التي تجردت من جميع مظاهر الجمال والأنس حتى نفرت منها النفوس ولم يطق الأبناء أن يطيلوا المكث فيها فينصرفون إلى المفاسد من تجوالهم ومعاشرة ذوي الأخلاق الضعيفة فلا يلبثون أن تتسرب إليهم عدوى الرذائل ويضحون في عداد الحشرات المؤذية.
أن الموسيقى لغة القلوب ومهذبة الأخلاق، ومرفقة الطباع ومبددة الهموم والأشجان، وخير لنا أن نهتم بها في أوقات فراغنا ونسعى في رقيها حتى نعيد عصر زرياب وأسحق الموصلي.
стр. 1574
مستقبل الإنسانية
للكاتب الاجتماعي هـ. ج.
تحليل وتعليق شهدي عطية الشافعي
كان عجباً حقاً أن يتخرج ويلز في كلية العلوم الملكية حيث الهندسة والجبر والميكانيكا ليصبح روائياً له مكانته العالمية.
وكان غريباً وهو رجل العلوم والرياضيات أن يتخطى السنين فيحلق على أجنحة الخيال ليكتب عن القمر وسكانه والمريخ وسبيل الوصول إليه. ثم يهبط إلى الأرض فيوجه إلى المجتمع الحديث بما فيه من نظم وأوضاع قارص النقد وشديد اللوم. تثقف ويلز ثقافة علمية صحيحة، وأمعن في القراءة لدارون وآمن بنظريته في النشوء والارتقاء إيماناً لا يتطرق إليه الشك. وتتبع محاظرات هكسلي تلميذ دارون بشغف لا مزيد عليه. والتهم معظم مؤلفات سبنسر. وكان إعجابه شديداً بوليام جيمس عالم النفس المعروف والفيلسوف التجريبي.
. . . . . ولكنه مع كل هذا كان رجل الخيال الرائع والأحلام الذهبية قبل أن يكون رجل المعضلات الحسابية والنظريات الهندسية، وكان لابد أن يتضارب الخيال مع الواقع. وإن تتناقض الدروس التي تلقاها في علم الكائنات الحية وغرامه بالروايات والقصص.
ولكن ويلز كان عقلية خصيبة من هذه العقليات التي تهضم كل شيء حتى لتستطيع أن تمزج الخيالات والحقائق، وتخلط التشريح والعواطف، وتوفق بين الروح العلمية والروح الشاعرة.
ولذا تجده في كتاباته يحيطك بشباك من حقائق علمية لا يمكنك إنكارها. ثم يجرك في رفق وهوادة إلى أشد ضروب الخيال إغراقاً في الخيال، وأكثرها بعداً عن العقل، ولكن لا يسعك إلا أن تسلم بما يقول وتوقن بما يكتب.
إن الإنسان بكل ما فيه من جمال وكل ما وهب من عقل لم يكن يوماً من الأيام إلا قرداً ممسوخاً لا جمال فيه ولا عقل له. هكذا كانت الصيحة التي فوجئ بها البشر من فم رجل قبيح الوجه عرفه الناس باسم دارون.
ولم يكن في هذه الصيحة من جديد. فقد سبقه إليها العالم (لامارك) ولكن دارون زعم أن
стр. 1575
هناك سنّة للحياة لا محيد عنها. وقانوناً صارماً لا سبيل للهروب منه: هو قانون تنازع البقاء.
فهذه الحياة تضطرب بملايين من المخلوقات تتباين في نموها وتختلف في تركيبها، ولكن لا تلبث الحياة أن تضيق ذرعاً بها فتقدر لها أن تشتبك في قتال وحشي، ثم لا يبقى منها حياً إلا أقواها وأصلحها.
وإذا كانت القرود قد تمخض عراكها عن إنسان بسود اليوم وجه الأرض. فأي مخلوق جديد سيكشف لنا عنه الغد! تساؤل تملك ويلز تملكاً قوياً وكان محوره: وإلى أين هذه الإنسانية؟ وأي فئة من البشر مقدر لها البقاء؟ وأيها محكوم عليه بالفناء؟
ولقد زعم ويلز إنه مستطيع أن يهتك اللثام عن وجه هذا الغد المجهول فيصور لنا تصويراً دقيقاً رجل المستقبل، جسمه وعقله ونفسيته والمجتمع الذي يعيش فيه! ولكنه كان في كتابه حذراً. فهو يستند دائماً إلى الحقائق الثابتة، ويسترشد بماضي التطور الإنساني، ويعتمد على مجريات الحوادث. مما رفع به إلى مصاف كبار المفكرين. وجعل لرواياته الشيقة صبغة علمية محترمة.
فتراه يدرس الماضي ويحاول أن يستشف منه المستقبل، يستنتجه استنتاجاً ومقدماته في ذلك فروض علمية صحيحة.
واليك مثلاً هذه المحاولة الكبرى من جانب الإنسان في سبيل التحرر من قيود الطبيعة. فها هو قد فك عن نفسه الثقل الذي يربطه إلى سطح الأرضفارتفع في الهواء. وها هو قد تغلب على مضطرب الأمواج، فامتطى البحار، وعلى صعب الأرض فشق في جوفه المسالك والطرقات.
وإذن فمن الطبيعي أن يستمر تطوره في هذه الناحية قوياً. فهو لابد يوماً متخلص تخلصاً تاماً من جاذبية الأرض ليصعد إلى القمر وليسبح منه إلى المريخ وليهبط منه إلى زحل!
وما دام الإنسان قد أستغل بعض عناصر الطبيعة من كهرباء وبخار فسخرها في أدارة آلاته وتسيير قاطراته، فليس عجيباً ألا يدع عنصراً إلا استخدمه غير تارك في ذلك موج بحر أو نور شمس أو حرارة في جوف أرض.
وما دام البشر قد تغلبوا على بعد الشقة وطول المكان بما أوجدوه من سريع الطيارات،
стр. 1576
فليس بعيداً أن يخترعوا آلة يتحكمون بها في الزمان. ماضيه ومستقبله.
فلا يرتبط رجل الغد بزمان أو مكان. قد يكون في شرق الأرض، فإذا به في غربها. قد يكون في السنة الحاضرة فإذا به قد تركها ليعيش في الماضي السحيق أو المستقبل البعيد.
ولن يرضيه وقد تخلص من قيود الطبيعة أن يستمر أسيراً لأغلال الجسد. فهو يركب غذاء يتمكن به أن يكون له من الجسم جباره ومن العضلات مفتولها، فلا يصيبه وهن ولا تعتوره شيخوخة.
وهو يتقدم الطب، وبقليل أو كثير من الرياضة يستطيع أن يتحكم في أعضاء جسمه. فلا يبقى منها على عضو لا فائدة فيه، ولا يدع عضواً نافعاً إلا قواه. فمعدته التي تجر عليه أمراضاً يحتاج لعلاجها إلى ألف طبيب وطبيب. لابد متخلص منها إلى معدة صناعية تقوم بوظيفة الهضم أحسن قيام! وأنفه هذا الذي كثيراً ما يصيبه بالزكام يجب أن يستبدل به أنفاً جديداً لا يتطرق إليه برد ولا تنزف منه دماء!
وهو قد يضايقه الخضوع للنظام الجنسي فتلهمه عبقريته طريقة للتناسل عن طريق غير طريق المرأة فلا يحتاج إليها ولا تحتاج إليه. وطبيعي بعد هذا أن تختفي لديه تلك العواطف الرقيقة من حب وشفقة وحنو. فهي كلها مظهر ضعف لا يليق به، وهو لن يعترف إلا بالعقل يدين له وبالمادة يؤمن بها. وبالقوة يخضع لها أو يناجزها.
سيكون إنساناً جباراً بكل معنى الجبروت، عظيم الخلقة، شديد الذكاء، قوي الإرادة، لا عواطف له ولا قلب. ثم لا مكان له ولا زمان. لا يعرف النوم، ولا بفهم الكلال، ولا يصيبه المرض! ثم ينتقل بك ويلز إلى رسم لا يقل غرابة لحالة المجتمع الذي يمكن أن يعيش فيه البشر غداً.
ولكنه يتأثر في هذا بآراء ماركس. وماركس هو هذا الألماني الذي زعم أن المال يجتمع في أيدي أفراد قلائل يتمتعون بأطايب العيش، بينما هناك ملايين من العمال محرومون لا يكادون يجدون ما يتبلغون به. ثم تنبأ بثورة هائلة تقوم بها الغالبية الساحقة من الطبقات الفقيرة يذبحون فيها الأقلية الضئيلة من أصحاب رؤوس الأموال.
وبذا يسدل الستار عن مأساة كبرى قد تكون خاتمة الحياة الإنسانية أو بدء حياة جديدة هانئة سعيدة.
стр. 1577
وقد كان لهذه النظرية أثر عميق في كتابات ويلز عن مجتمع المستقبل إلا أنه ذهب شوطاً أبعد، فزعم أن الفروق بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال ستتسع فلا تقتصر على نوع المعيشة بل سيتناول الجسم والعقل فينقسم البشر طائفتين متنابذتين متفاوتتين. طائفة قوية جبارة تسمو إلى أكثر ما يمكن أن يسمو إليه إنسان، فتكون نوعاً بذاته له مميزاته. ثم طائفة أخرى تنحط إلى أقصى حدود الإنسانية. مكانها تحت الأرض. وعملها آلة تديرها، ويكون من نتيجة المعيشة التي تعيشها أن يكيف عقلها فيصبح قاصراً محدوداً ويشوه جسمها فلا يصير قادراً إلا على حركة واحدة يأتيها.
ويشتد هذا الاختلاف وضوحاً. ويقوى هذا التباين ظهوراً، حتى تختفي أوجه التشابه بين الفريقين فلا تمازج بينهما ولا تزاوج ولا عاطفة هناك ولا علاقة، اللهم إلا تحكم قوي في ضعيف.
وهنا يتردد ويلز كثيراً. فهو لا يملك إلا أن يتساءل. أهذا هو الفصل الأخير من رواية الإنسانية؟ أم ذلك بداءة لثورة يثورها سكان ما تحت الأرض يحاولون فيها تخلصاً من ربقة العبودية الثقيلة؟
ويتحدث ويلز عن هذه الثورة ولكنه يتهرب من التكهن بنتيجتها الحاسمة، فهو في شك وأنت تعجب لهذا الشك. فكيف يمكن لقوم قد هزلت أجسامهم وضعفت عقولهم أن يصمدوا لطائفة لها من العقل أرقاه ومن الجسم أقواه؟
ولكن ويلز يعود فيعطيك صورة أخرى لهؤلاء الجبابرة من رجال الغد. فهم بعد أن استكشفوا ما في السماوات والأرض وبعد أن تسنموا الرقي حتى قمته لا يجدون ثمة عملاً يعملونه، أو معضلة يفكرون فيها، أو شاغراً يصرفون فيه ذكاءهم، فيلجئون إلى الرفاهية والتهتك ينهلون منها الكأس حتى الثمالة. وإلى الترف والخلاعة ينسون بها ما قد يلحقهم من سأم قتال، فتخبوا ملكاتهم وتضعف قواهم وتنحل عظمتهم
ولا شك أن حرباً تقوم بينهم وبين عمال الأرض السفلى هي حرب سجال!
لا يسعك وأنت تقرأ لويلز إلا أن تنسى نفسك فتتحمس إذا ما تحمس وتضحك معه إذا ما ضحك، وتتشاءم لتشاؤمه. وينسيك إعجابك بالقصة وبغرابة أفكارها وروعة خيالها. ينسيك موطن الضعف من ويلز.
стр. 1578
فهذه الصور التي صورها عن التطور البشري صور مغرية فيها بعض الحق وناحية من الصواب، ولكنه ليس كل الحق ولا معظم الصواب. فهو قد تجاهل عاملاً هاماً له أثره الخطير. تجاهل هذا التوازن الدقيق الذي نشاهده في قوى طبيعية. فلا يرتفع جزء من الأرض إلا انخفض جزء، ولا يهدم بناء إلا وقام بناء ولا يتشقق صخر إلا التأم آخر.
وهكذا لا يمكن أن يقوى العقل الإنساني إلا على حساب الجسم ولا تتاح للعضلات أن تضخم إلا إذا فقد العقل بعض قوته. وهذه الصورة التي أعطاها ويلز عن إنسان الغد مبالغ فيها إذ يختل فيها التوازن اختلالاً واضحاً.
فها هو الإنسان إنسان منذ العصور التاريخية وليس هناك من يزعم أن مقدرة العقل الإنساني أو قوة جسمه قد زادت زيادة تسمح لويلز أن ينسب لرجل الأجيال القادمة قوة عقل خارقة يصحبها قوة جسدية لا حد لها.
وهذا التوازن ينساه مرة أخرى في الصور التي يبدعها عن مجتمع الغد. فنظرية ماركس القائلة بأن الثروة مصيرها إلى التجمع في أيدي نفر قليل، والتي أخذ بها ويلز نظرية لا يتاح لها أن تتحقق، فالثروات اليوم تتجه إلى التوازن، وعامل اليوم يساهم في الشركات التي تقوم عليها الأمور، والمال يتبدد ويتوزع بين الأفراد، والأزمات المتلاحقة تهدد من كيان بيوت المال الضخمة، ومن كبار الأغنياء أكثر مما تقلل ثروة الفقير أو العامل الأجير.
لذلك نأبى تصديق ويلز فيما ذهب إليه من أن الإنسانية قد تنقسم طائفتين متباينتين. بل نرى عكس ذلك، فالعامل في رقي عقلي يساعده ما يجد من ساعات فراغ كان لا يجدها بالأمس، ويعاونه أتساع مجال الثقافة وانتشار التعليم انتشاراً سريعاً.
ثم أن الفروق الاجتماعية في طريقها إلى الزوال، فالكل قد تساووااليوم في الحقوق والواجبات، والكل قد يتساوون غداً في العلم والثروة. ونظام الطبقات الذي كان يضع فواصل من حديد بين الشريف والحقير هو في سبيله إلى الانهيار ان لم يكن قد أنهار منذ زمان.
ثم شيء آخر نوافق عليه ويلز ونخالفه فيه، نوافقه على ما يكتبه من تطور الإنسان الآلي وتقدمه في إخضاع عناصر الطبيعة. ولكنا نخالفه في أن هذا التطور قد يتجه بالإنسان إلى ناحية مادية لا يخضع فيها إلى قانون ولا يؤمن بدين ولا يعترف بخالق. إن ناساً كهؤلاء لا
стр. 1579
يستطيعون مكثاً في الأرض ولا مضياً. فهم بماديتهم وجشعهم وإسفافهم الخلقي لابد متقاتلون، متناجزون، فلا يبقي فرد منهم فردا.
ولا تحسب أن هذه الملايين من السنين التي مضت على تاريخ البشرية ستنتهي إلى مخلوقات ويلز البشعة. فنحن نؤمن أن الطبيعة التي طورت القرد إلى إنسان حسن التكوين، متناسق الصورة قوي الشعور، طبيعة فنانة ذكية عاقلة! وليست هي مجموعة من المصادفات الهوجاء.
ونحن نظن أن الإنسانية التي كانت تسير على غير هدى بالأمس قد أصبحت اليوم شاعرة عاقلة تحس نفسها وتتساءل عن مصيرها، ولقد شارفت الأفول شمس هذا اليوم الذي كان يسير الناس فيه عمياً لا يبصرون، ويخضعون ويتألمون ولا يدرون، لماذا يتألمون. وسيغرب هذا اليوم ليشرق غد عن الإنسانية أكثر استثارة، وأقل حيوانية وأنزع إلى الكمال، وأعرف بمواطن الضعف، وبطرق العلاج.
هذا ما يحملنا على الاعتقاد بأن هذه الناحية من كتابات ويلز الاجتماعي ليست بالناحية الخالدة وان كانت هذه الناحية هي التي برز فيها واشتهر بإتقانها.
لقد طرق ويلز موضوعاً آخر أبدع في علاجه إبداعا لا شك أنه رافع اسمه إلى الخلود.
وهذا ما يحدونا إلى الكتابة عنه مرة أخرى؟
стр. 1580
شخصية. . .
(لقد سئمت أن أكون على الدوام رجلاً عاقلاً)
(أوليفر جولد سميث)
يتكلف الصدق في أبريل ليصدقه الناس حين يكذبون العالم بأجمعه، ثم يطلق نفسه على سجيتها باقي شهور السنة، فيكذبه الناس حين يصدقون العالم بأجمعه.
وهو يحاول قدر طاقته أن يصوغ حقائقه المكذوبة صياغة صادقة، ولكن مقدرته الفنية على ذلك ليست كبيرة وإن كانت في نظره، ومن غير تصريح، عظيمة بالغة!!
وأؤكد أنه لو شك يوماً في مقدرته على سبك الأكاذيب، لخجل، وكف، واتزن.
ولكنه لأمر ما، غريزي ولا شك، يكذبك دون أن يشعر أنه يكذب حقاً، أو هو يتصور من فرط عنايته بالصياغة أنه يصدقك حين يتكلم إليك. أستطيع أن أفهم هذا من أنه يتألم إذا اتهمته بالكذب، ويغضب لكرامته غضب من يروي لك خبراً صادقاً وأنت تشك في روايته.
وهو يواجه الناس بمقدرة عظيمة على دفع اتهامهم إياه، وينبري لهم ليرد عن نفسه سيل الانتقاد الجارف. وهو بارع في مواجهته لأكثر من شخص في الوقت الواحد.
وهو إذ يروي لك رواية، يهذبها قبل أن يلقيها إليك بقدر ما تسمح مقدرته على التهذيب، ثم هو يعود فيتدارك ما قد يكون فيها من تنافر وتضارب مع بعض الحقائق التي قد تسارع إلى رأس سامعه، فينتظر ريثما يفهم نوع استقبالك لحديثه واستساغتك له، فإذا لم يكن بد من الاستدراك، سارع إلى الاعتذار بقوله: (إنني لم أحسن التعبير) ثم يروح يفكر، ويفكر، ويزيد على الاعتذار السابق قوله: (إنني اقصد بالضبط أن أقول كذا وكذا)
وأنت مضطر إلى أن تقبل الاعتذار عن ضعف التعبير أولا، ثم عن ترقيع الرواية ثانياً، لأنه صديقك، وللصداقة حقها. ثم لسبب آخر غير الصداقة إذا كنت ممن يرون الحياة ثقيلة إذا ظلت دائبة على الصدق، وتحري الحقيقة. . ففي الكذب متسع عظيم للخيال الشارد والخيال المتزن، وفي الصدق تحقيق وتدقيق، وأخذ بأسباب الحقيقة، والحقيقة لا تتعدد، وصاحبنا من أنصار التنويع والتعدد، فهو بما يخترع من الروايات، وما يلفق من الأحاديث، ينتقل بك من الجد الثقيل على النفس إلى جد آخر، من صنعته هو! بلغ فيه عنده حد الإبداع في السبك وحسن الأداء، فإذا ضيقت عليه المسالك، وأخذته من كل ناحية، وأعلمت المنطق في قضاياه، وسلطت الحقيقة المرة على خياله الحلو، انحصرت عن
следующие страницы →