Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
فليس بعيداً أن يخترعوا آلة يتحكمون بها في الزمان. ماضيه ومستقبله.
فلا يرتبط رجل الغد بزمان أو مكان. قد يكون في شرق الأرض، فإذا به في غربها. قد يكون في السنة الحاضرة فإذا به قد تركها ليعيش في الماضي السحيق أو المستقبل البعيد.
ولن يرضيه وقد تخلص من قيود الطبيعة أن يستمر أسيراً لأغلال الجسد. فهو يركب غذاء يتمكن به أن يكون له من الجسم جباره ومن العضلات مفتولها، فلا يصيبه وهن ولا تعتوره شيخوخة.
وهو يتقدم الطب، وبقليل أو كثير من الرياضة يستطيع أن يتحكم في أعضاء جسمه. فلا يبقى منها على عضو لا فائدة فيه، ولا يدع عضواً نافعاً إلا قواه. فمعدته التي تجر عليه أمراضاً يحتاج لعلاجها إلى ألف طبيب وطبيب. لابد متخلص منها إلى معدة صناعية تقوم بوظيفة الهضم أحسن قيام! وأنفه هذا الذي كثيراً ما يصيبه بالزكام يجب أن يستبدل به أنفاً جديداً لا يتطرق إليه برد ولا تنزف منه دماء!
وهو قد يضايقه الخضوع للنظام الجنسي فتلهمه عبقريته طريقة للتناسل عن طريق غير طريق المرأة فلا يحتاج إليها ولا تحتاج إليه. وطبيعي بعد هذا أن تختفي لديه تلك العواطف الرقيقة من حب وشفقة وحنو. فهي كلها مظهر ضعف لا يليق به، وهو لن يعترف إلا بالعقل يدين له وبالمادة يؤمن بها. وبالقوة يخضع لها أو يناجزها.
سيكون إنساناً جباراً بكل معنى الجبروت، عظيم الخلقة، شديد الذكاء، قوي الإرادة، لا عواطف له ولا قلب. ثم لا مكان له ولا زمان. لا يعرف النوم، ولا بفهم الكلال، ولا يصيبه المرض! ثم ينتقل بك ويلز إلى رسم لا يقل غرابة لحالة المجتمع الذي يمكن أن يعيش فيه البشر غداً.
ولكنه يتأثر في هذا بآراء ماركس. وماركس هو هذا الألماني الذي زعم أن المال يجتمع في أيدي أفراد قلائل يتمتعون بأطايب العيش، بينما هناك ملايين من العمال محرومون لا يكادون يجدون ما يتبلغون به. ثم تنبأ بثورة هائلة تقوم بها الغالبية الساحقة من الطبقات الفقيرة يذبحون فيها الأقلية الضئيلة من أصحاب رؤوس الأموال.
وبذا يسدل الستار عن مأساة كبرى قد تكون خاتمة الحياة الإنسانية أو بدء حياة جديدة هانئة سعيدة.
стр. 1577
وقد كان لهذه النظرية أثر عميق في كتابات ويلز عن مجتمع المستقبل إلا أنه ذهب شوطاً أبعد، فزعم أن الفروق بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال ستتسع فلا تقتصر على نوع المعيشة بل سيتناول الجسم والعقل فينقسم البشر طائفتين متنابذتين متفاوتتين. طائفة قوية جبارة تسمو إلى أكثر ما يمكن أن يسمو إليه إنسان، فتكون نوعاً بذاته له مميزاته. ثم طائفة أخرى تنحط إلى أقصى حدود الإنسانية. مكانها تحت الأرض. وعملها آلة تديرها، ويكون من نتيجة المعيشة التي تعيشها أن يكيف عقلها فيصبح قاصراً محدوداً ويشوه جسمها فلا يصير قادراً إلا على حركة واحدة يأتيها.
ويشتد هذا الاختلاف وضوحاً. ويقوى هذا التباين ظهوراً، حتى تختفي أوجه التشابه بين الفريقين فلا تمازج بينهما ولا تزاوج ولا عاطفة هناك ولا علاقة، اللهم إلا تحكم قوي في ضعيف.
وهنا يتردد ويلز كثيراً. فهو لا يملك إلا أن يتساءل. أهذا هو الفصل الأخير من رواية الإنسانية؟ أم ذلك بداءة لثورة يثورها سكان ما تحت الأرض يحاولون فيها تخلصاً من ربقة العبودية الثقيلة؟
ويتحدث ويلز عن هذه الثورة ولكنه يتهرب من التكهن بنتيجتها الحاسمة، فهو في شك وأنت تعجب لهذا الشك. فكيف يمكن لقوم قد هزلت أجسامهم وضعفت عقولهم أن يصمدوا لطائفة لها من العقل أرقاه ومن الجسم أقواه؟
ولكن ويلز يعود فيعطيك صورة أخرى لهؤلاء الجبابرة من رجال الغد. فهم بعد أن استكشفوا ما في السماوات والأرض وبعد أن تسنموا الرقي حتى قمته لا يجدون ثمة عملاً يعملونه، أو معضلة يفكرون فيها، أو شاغراً يصرفون فيه ذكاءهم، فيلجئون إلى الرفاهية والتهتك ينهلون منها الكأس حتى الثمالة. وإلى الترف والخلاعة ينسون بها ما قد يلحقهم من سأم قتال، فتخبوا ملكاتهم وتضعف قواهم وتنحل عظمتهم
ولا شك أن حرباً تقوم بينهم وبين عمال الأرض السفلى هي حرب سجال!
لا يسعك وأنت تقرأ لويلز إلا أن تنسى نفسك فتتحمس إذا ما تحمس وتضحك معه إذا ما ضحك، وتتشاءم لتشاؤمه. وينسيك إعجابك بالقصة وبغرابة أفكارها وروعة خيالها. ينسيك موطن الضعف من ويلز.
стр. 1578
فهذه الصور التي صورها عن التطور البشري صور مغرية فيها بعض الحق وناحية من الصواب، ولكنه ليس كل الحق ولا معظم الصواب. فهو قد تجاهل عاملاً هاماً له أثره الخطير. تجاهل هذا التوازن الدقيق الذي نشاهده في قوى طبيعية. فلا يرتفع جزء من الأرض إلا انخفض جزء، ولا يهدم بناء إلا وقام بناء ولا يتشقق صخر إلا التأم آخر.
وهكذا لا يمكن أن يقوى العقل الإنساني إلا على حساب الجسم ولا تتاح للعضلات أن تضخم إلا إذا فقد العقل بعض قوته. وهذه الصورة التي أعطاها ويلز عن إنسان الغد مبالغ فيها إذ يختل فيها التوازن اختلالاً واضحاً.
فها هو الإنسان إنسان منذ العصور التاريخية وليس هناك من يزعم أن مقدرة العقل الإنساني أو قوة جسمه قد زادت زيادة تسمح لويلز أن ينسب لرجل الأجيال القادمة قوة عقل خارقة يصحبها قوة جسدية لا حد لها.
وهذا التوازن ينساه مرة أخرى في الصور التي يبدعها عن مجتمع الغد. فنظرية ماركس القائلة بأن الثروة مصيرها إلى التجمع في أيدي نفر قليل، والتي أخذ بها ويلز نظرية لا يتاح لها أن تتحقق، فالثروات اليوم تتجه إلى التوازن، وعامل اليوم يساهم في الشركات التي تقوم عليها الأمور، والمال يتبدد ويتوزع بين الأفراد، والأزمات المتلاحقة تهدد من كيان بيوت المال الضخمة، ومن كبار الأغنياء أكثر مما تقلل ثروة الفقير أو العامل الأجير.
لذلك نأبى تصديق ويلز فيما ذهب إليه من أن الإنسانية قد تنقسم طائفتين متباينتين. بل نرى عكس ذلك، فالعامل في رقي عقلي يساعده ما يجد من ساعات فراغ كان لا يجدها بالأمس، ويعاونه أتساع مجال الثقافة وانتشار التعليم انتشاراً سريعاً.
ثم أن الفروق الاجتماعية في طريقها إلى الزوال، فالكل قد تساووااليوم في الحقوق والواجبات، والكل قد يتساوون غداً في العلم والثروة. ونظام الطبقات الذي كان يضع فواصل من حديد بين الشريف والحقير هو في سبيله إلى الانهيار ان لم يكن قد أنهار منذ زمان.
ثم شيء آخر نوافق عليه ويلز ونخالفه فيه، نوافقه على ما يكتبه من تطور الإنسان الآلي وتقدمه في إخضاع عناصر الطبيعة. ولكنا نخالفه في أن هذا التطور قد يتجه بالإنسان إلى ناحية مادية لا يخضع فيها إلى قانون ولا يؤمن بدين ولا يعترف بخالق. إن ناساً كهؤلاء لا
стр. 1579
يستطيعون مكثاً في الأرض ولا مضياً. فهم بماديتهم وجشعهم وإسفافهم الخلقي لابد متقاتلون، متناجزون، فلا يبقي فرد منهم فردا.
ولا تحسب أن هذه الملايين من السنين التي مضت على تاريخ البشرية ستنتهي إلى مخلوقات ويلز البشعة. فنحن نؤمن أن الطبيعة التي طورت القرد إلى إنسان حسن التكوين، متناسق الصورة قوي الشعور، طبيعة فنانة ذكية عاقلة! وليست هي مجموعة من المصادفات الهوجاء.
ونحن نظن أن الإنسانية التي كانت تسير على غير هدى بالأمس قد أصبحت اليوم شاعرة عاقلة تحس نفسها وتتساءل عن مصيرها، ولقد شارفت الأفول شمس هذا اليوم الذي كان يسير الناس فيه عمياً لا يبصرون، ويخضعون ويتألمون ولا يدرون، لماذا يتألمون. وسيغرب هذا اليوم ليشرق غد عن الإنسانية أكثر استثارة، وأقل حيوانية وأنزع إلى الكمال، وأعرف بمواطن الضعف، وبطرق العلاج.
هذا ما يحملنا على الاعتقاد بأن هذه الناحية من كتابات ويلز الاجتماعي ليست بالناحية الخالدة وان كانت هذه الناحية هي التي برز فيها واشتهر بإتقانها.
لقد طرق ويلز موضوعاً آخر أبدع في علاجه إبداعا لا شك أنه رافع اسمه إلى الخلود.
وهذا ما يحدونا إلى الكتابة عنه مرة أخرى؟
стр. 1580
شخصية. . .
(لقد سئمت أن أكون على الدوام رجلاً عاقلاً)
(أوليفر جولد سميث)
يتكلف الصدق في أبريل ليصدقه الناس حين يكذبون العالم بأجمعه، ثم يطلق نفسه على سجيتها باقي شهور السنة، فيكذبه الناس حين يصدقون العالم بأجمعه.
وهو يحاول قدر طاقته أن يصوغ حقائقه المكذوبة صياغة صادقة، ولكن مقدرته الفنية على ذلك ليست كبيرة وإن كانت في نظره، ومن غير تصريح، عظيمة بالغة!!
وأؤكد أنه لو شك يوماً في مقدرته على سبك الأكاذيب، لخجل، وكف، واتزن.
ولكنه لأمر ما، غريزي ولا شك، يكذبك دون أن يشعر أنه يكذب حقاً، أو هو يتصور من فرط عنايته بالصياغة أنه يصدقك حين يتكلم إليك. أستطيع أن أفهم هذا من أنه يتألم إذا اتهمته بالكذب، ويغضب لكرامته غضب من يروي لك خبراً صادقاً وأنت تشك في روايته.
وهو يواجه الناس بمقدرة عظيمة على دفع اتهامهم إياه، وينبري لهم ليرد عن نفسه سيل الانتقاد الجارف. وهو بارع في مواجهته لأكثر من شخص في الوقت الواحد.
وهو إذ يروي لك رواية، يهذبها قبل أن يلقيها إليك بقدر ما تسمح مقدرته على التهذيب، ثم هو يعود فيتدارك ما قد يكون فيها من تنافر وتضارب مع بعض الحقائق التي قد تسارع إلى رأس سامعه، فينتظر ريثما يفهم نوع استقبالك لحديثه واستساغتك له، فإذا لم يكن بد من الاستدراك، سارع إلى الاعتذار بقوله: (إنني لم أحسن التعبير) ثم يروح يفكر، ويفكر، ويزيد على الاعتذار السابق قوله: (إنني اقصد بالضبط أن أقول كذا وكذا)
وأنت مضطر إلى أن تقبل الاعتذار عن ضعف التعبير أولا، ثم عن ترقيع الرواية ثانياً، لأنه صديقك، وللصداقة حقها. ثم لسبب آخر غير الصداقة إذا كنت ممن يرون الحياة ثقيلة إذا ظلت دائبة على الصدق، وتحري الحقيقة. . ففي الكذب متسع عظيم للخيال الشارد والخيال المتزن، وفي الصدق تحقيق وتدقيق، وأخذ بأسباب الحقيقة، والحقيقة لا تتعدد، وصاحبنا من أنصار التنويع والتعدد، فهو بما يخترع من الروايات، وما يلفق من الأحاديث، ينتقل بك من الجد الثقيل على النفس إلى جد آخر، من صنعته هو! بلغ فيه عنده حد الإبداع في السبك وحسن الأداء، فإذا ضيقت عليه المسالك، وأخذته من كل ناحية، وأعلمت المنطق في قضاياه، وسلطت الحقيقة المرة على خياله الحلو، انحصرت عن
стр. 1581
صاحبنا كل مسعفة من حسن الأداة وبراعة الحبك، وتخلت عنه فجأة شياطين الأكاذيب التي اعتادت أن تواتيه بالهام كلما استلهمها، وفزع إليها.
والحق أن تلك الشياطين كانت أطوع له من بنانه، فلم تكن تشعر أن هناك فترة تمضي بين ضراعته إليها في أحرج مواقفه وبين استجابتها لضراعته، حتى لتكاد تعتقد أنها كانت تلازمه أينما أرتحل، متحفزة لكل نداء، متأهبة لكل تلبية.
وإن أعجب من شئ، فليس ببالغ عجبي من هؤلاء العباقر، ومن اجتماعها على خدمة هذا الرأس الصغير المستدير، ومن مقدرتها على تأليف الصور من الشتات المتنافر، وتركيب الأخيلة من الحطام المتناكر، ثم من عجزها وتخليها فجأة عن النهوض بأعباء المهمة التي أرسلت إليها، حين تهبط ملائكة الحق لتنقذ الموقف. . . فيتعذر إذن أن يجتمع ملاك وشيطان.
فإذا انجابت عن صاحبنا شياطين أكاذيبه، دق موقفه، وتحرج، فمال على محدثه يلتمس عنده المعذرة عن هذا الموقف المتجرد، لا بالقول بعبارة الأسف المألوفة، بل بالانضمام إلى محدثه دفعة واحدة، ومشايعته في رأيه، وفي منطقه، وفي حملته على هذه الأكاذيب الصريحة! حتى لكأنهما يحملان معاً على شخص ثالث!!
فإذا التفتّ إليه التفاتة ذات معنى، تقلص وقطب، ثم هش بغتة، واحمر، ثم غاض الدم من وجهه، وتهدلت شفته السفلى وغمغم، فإذا دققت، فهمت أنه يريد أن يقول ما مؤداه: (وماذا عليّ؟ إني ألفت الكذب ينجي في كثير من المآزق) وهذه هي خلاصة فلسفته التي يصارحك بها في الوقت المناسب.
تردد يوماً ما في قضاء إجازة قصيرة بين بلدته وبين القاهرة.
اعتزم أن يزور بلدته لأن فترة طويلة مضت دون أن يرى أهله وذويه.
واعتزم أن يزور القاهرة لأنه مل حياة الريف الرتيبة المملة، وتاق إلى حياة القاهرة الصاخبة بما تستحدث كل يوم من صنوف المسليات، وأراد أن (يشعر بالحياة) على حد تعبيره.
فلما أعتزم السفر إلى بلدته، كلف بأمر من الأمور التي تمت إلى حياة القرى بصلة.
فلما اعتزم السفر إلى القاهرة كلف من صديق له بأمر من الأمور التي لا يسهل قضاؤها
стр. 1582
من غير العاصمة. وحمل النقد الكافي لذلك.
ومضت الإجازة كأن لم تكن. وعاد صاحبنا إلى مقر عمله.
والتقى بمن كلفه مهمة البلدة فابتدره بقوله: (أنا آسف جد الآسف، لأني قد مضيت الإجازة كلها في القاهرة!)
فلما التقى بالآخر كان لزاماً عليه أن يعتذر عن تقصيره، فقال: (أرجو المعذرة إذ قد مضيت إجازتي كلها في البلدة، إذ وردتني رسالة برقية في آخر لحظة تستدعيني إليها على عجل لأمر عائلي).
وكان يلذ لي شخصياً اصطناعه لهذه الأحاديث (أحياناً) فأكون في نظره الصديق الذي ما بعده صديق! وأكون أقرب شخص إلى قلبه، وأقرب فكر إلى فكره، ويكون منطقي طبق الأصل من منطقه! (كذا)
وأنا حين أكون هذا الشخص أجري على حكمة أوليفر جولد سميث (لقد سئمت أن أكون رجلاً عاقلاً)
ولكني كنت أضيق بصاحبي ذرعاً، حين كانت نزعة الحقيقة والعقل تغلب عندي على كل خيال حلو تنتجه قريحة صاحبي، فأقف منه فجأة موقفاً يصفه هو بالعداء، وأصفه أنا بتحري الحقيقة والتزامها ليس غير.
فإذا بلغت الحال بنا هذا الحد من التحرج، بحثت لصديقي عن هنة من هناته التي تمتُّ إلى الكذب الصريح بصلة قريبة.
وحضرني في آخر موقف أن أعنفه على إهماله إرسال بطاقة (المعايدة) التي اعتاد الناس تبادلها في العيد، فابتدرني بهذا السؤال:
- أليس عنوان بيتكم رقم ١٩ شارع. . . . .؟
- قلت نعم (متخابثاً)
- قال لقد أرسلت لك المعايدة على هذا العنوان.
- قلت وما رأيك إذا كان رقم منزلنا ١٦ لا ١٩؟
- فسكت صاحبي سكوتاً أشفقت عليه منه، ومع ذلك لم يمنعني إشفاقي عليه من أن أذكره بفلسفته الخالدة: (إني ألفت الكذب ينجي من المآزق)!!!
стр. 1583
- وسألته: إلى أي حد تنطبق فلسفتك على هذا المأزق؟. . وكيف خلاصك منه؟. .
إبراهيم إبراهيم جمعة
(ليسانسييه)
стр. 1584
مطالعات في التصوف
عوارف المعارف، ماهية التصوف، أصل كلمة صوفي
- ٣ -
لعل حظ كل من البابين الخامس والسادس من الأهمية والقيمة العلمية
أكثر من حظ غيرهما. فهذان البابان يدلان دلالة واضحة مستقيمة لا
ليس فيها ولا اعوجاج على ماهية التصوف وكنهه وعلاقته بالفقر
والزهد، والفرق بينه وبين الفقر والزهد. هذا هو ما يتناوله الباب
الخامس من كتاب عوارف المعارف فيما قدم لنا فيه مؤلفه من تعريفات
متنوعة للتصوف. أما الباب السادس فأنه يظهرنا على مسألة ليست أقل
من سابقتها خطراً. ولكنها على العكس أبعد ما تكون أثراً على أعانتنا
على فهم التصوف وما مر به من أطوار فهماً مستقيماً. وأعنى بها
مسألة الأصل الذي صدرت عنه كلمة صوفي وتلك مسألة قد عرض
لها مؤلف عوارف المعارف في نهاية الباب الأول من كتابه فأشار
إشارة موجزة إلى أن هذه اللفظة لم تذكر في القرآن وإنما تركت وذكر
مكانها لفظ المقرب. وإذن فالمألوف يفصل في الباب السادس من كتابه
ما أجمل في الباب الأول. وهو يعرض علينا في شئ من الاستطراد
الآراء المختلفة التي رآها العلماء المختلفون في الأصل الذي اشتقت
منه هذه الكلمة. وهو ينتهي من هذه الآراء كلها على الرأي الذي يلائم
طبيعة الاشتقاق اللغوي من ناحية، ويدل دلالة صحيحة على طبيعة
الصوفية وماهية التصوف من ناحية أخرى. وبالجملة يمكننا أن نقول
أن هذين البابين من كتاب عوارف المعارف أقدر على إعطائنا فكرة
стр. 1585
عامة شاملة تستطيع أن تظهرنا على لب التصوف.
١ - ففي الباب الخامس يقدم إلينا المؤلف طائفة من التعريفات اختلفت في مبانيها واتفقت في معانيها. وهو يظهرنا من خلال هذه التعريفات على ماهية التصوف والفقر والزهد. ثم هو ينتهي من هذا كله إلى أن هناك فرقاً بين التصوف من ناحية وبين كل من الفقر والزهد من ناحية أخرى. كما أنه ينتهي إلى أن أساس التصوف وقوامه إنما هو الفقر. ولكي أكون لديك صورة صادقة لما أشتمل عليه هذا الباب لابد من أن أقف بك وقفة قصيرة تلم بها بأهم التعريفات التي عرضها علينا المؤلف لتتبين منها ماهية التصوف:
(١) قال رويم: (التصوف مبني على ثلاث خصال: التمسك بالفقر والافتقار. والتحقق بالبذل والإيثار. وترك التعرض والاختيار.)
(ب) وسئل الجنيد عن التصوف ما هو. فأجاب بقوله: (أن نكون مع الله بلا علاقة.)
(ج) وقال معروف الكرخي: (التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق. فمن لم يتحقق بالفقر لم يتحقق بالتصوف).
وبعد أن ذكر المؤلف هذه التعريفات، تراه قد قدم لنا تعريفات أخرى للفقر والفقير اليك أهمها:
(أ) سئل الشبلي عن الفقر فقال: (ألا يستغني بشيء دون الحق)
(ب) وقال أبو الحسين النوري: (نعت الفقير الكون عند العدم. والبذل والإيثار عند الوجود)
وانتهى مؤلفنا من هذه التعريفات التي قدمت، إلا أن هناك اشتباهاً بين التصوف والفقر. فأنت ترى مثلا أن أشياء بعينها تذكر في معنى التصوف يذكر مثلها في معنى الفقر. وإن أشياء بعينها يرد ذكرها في معنى الفقر يرد ذكر مثلها في معنى التصوف. ومن هناك كان الاشتباه. ومن هنا أيضاً كان لابد من التحقيق الذي يكشف الفاصل بين كل من التصوف والفقر، والفرق الذي يميز ويحدد ماهية كل من التصوف والفقر، وفوق هذا فان الاشتباه ليس قاصراً على التصوف والفقر فحسب وإنما هو قد تجاوزهما إلى التصوف والزهد. وإذن فلابد من التمحيص والتدقيق الذي يبين الفرق بين التصوف والفقر من ناحية والتصوف والزهد من ناحية أخرى. بحيث نلمس الاشتباه الذي يمكن أن يكون بين كل من هذه الأشياء الثلاثة. ونميز الفرق بينها تمييزاً يحدد كلامنا تحديداً من شأنه أن يحول بين
стр. 1586
اندماج بعضها في بعض أو تشابه بعضها مع بعض. فأنت إذا أنعمت النظر ودققت الفكر في هذه المسألة تبين لك أن التصوف غير الفقر، وان الزهد غير الفقر، وان التصوف غير الزهد. وليس التصوف غير اسم جامع لمعاني الفقر والزهد بإضافة صفات ونعوت لابد منها لكي يكون الرجل صوفياً. فقد يكون الرجل زاهداً وقد يكون فقيراً ولكنه ليس صوفياً. ولكنه لكي يكون صوفياً لابد له بين أن يكون زاهداً وفقيراً.
وليس التصوف زهداً أو فقراً بإضافة صفات ونعوت فحسب، وانما هو شيء آخر أبلغ وأروع من هذا كله واقدر على تهذيب النفس، وتنقية القلب، وتصفية الضمير، هو كما قال أبو محمد الحريري: (الدخول في كل خلق سني، والخروج عن كل خلق دني).
وأهل الشام لا يميزون بين التصوف والفقر. فهم يذهبون إلى أن الله وصف الفقراء بالصوفية. وإلى أن الصوفية سموا كذلك لأنهم فقراء. ولكن مؤلفنا قد تناول هذه المسألة بالدرس والتحقيق فأوضح غامضها وكشف عن وجه الحقيقة فيها بحيث أظهر لنا في وضوح وجلاء الفروق بين التصوف والفقر. وأول هذه الفروق هو أن الفقير في فقره متمسك به، راض عنه، مطمئن إليه. وهو في هذا كله قانع بما سيجد عند الله من العوض. وهو كلما أمعن في التطلع إلى هذا العوض ازداد إعراضاً عما في الدنيا من أعراض زائلة وزخارف باطلة. وأما الصوفي فلا يرغب عن زخرف الدنيا وعرضها ابتغاء هذه الأعواض الموعودة ولكنه يفعل هذا من أجل الأحوال الموجودة. وثاني هذه الفروق هو أن الفقير حين يتمسك بفقره ويمعن في ترك الدنيا وإعراضها إنما يفعل هذا بإرادته واختياره على حين أنك ترى الصوفي قد تجرد من هذا الاختيار وهو الإرادة. فهو في جميع أحواله قد محيت فيه ملكة الاختيار وفنيت إرادته في إرادة الله فناءً تاماً بحيث لا يصدر في شئ الا عن إرادة الله. ولا يرى فضيلة ما في فقر أو غنى، ولكن الفضيلة عنده كائنة فيما أقامه الله فيه من حال. وليس أدل على أن الصوفي قد فنيت إرادته في إرادة الله، من قول الجنيد الذي عرف فيه التصوف بأنه. (هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به) فمن هذا ترى الفرق واضحاً بين التصوف والفقر. كما ترى أن التصوف قوامه ودعامته الفقر بمعنى أن الوصول إلى مراتب التصوف إنما يتوسل إليه بالفقر. على أن الفرق بين التصوف والفقر لا يقف عند هذا الحد، وانما هناك فرق ثالث يمكن تلخيصه في أن الصوفي هو من إذا
стр. 1587
استقبله حالان حسنان أو خلقان حسنان كان مع الأحسن. على حين أن الفقير والزاهد لا يميزان بين الحالين الحسنين أو الخلقين الطيبين. بل هما يختاران من الأخلاق ما هو ادعى إلى الترك والخروج عن شواغل الدنيا حاكمين بعلمهما. وعلى العكس من هذا ترى أن الصوفي يحكم على الأشياء ويستبين الأحسن بما أُلهم من عند الله مستعينا في ذلك بصدق التجائه وحسن إنابته وعلمه بربه. وبعبارة أخرى يمكنك أن تقول أن الصوفي لا يرى في الأشياء إلا ما يظهره الله عليه ولا يحكم عليها إلا بما أوحى إليه. فالتصوف على حد قول رويم ليس إلا استرسال النفس مع الله تعالى على ما يريد. أو هو كما قال بعضهم أوله علم وأوسطه عمل وآخره موهبة من الله تعالى. والصوفي - كما قال سهل بن عبد الله - هو: (من صفا من الكدر. وامتلأ من الفكر وانقطع عن البشر. واستوى عنده الذهب والمدر)
وخلاصة هذا كله هي أن الفقر أساس التصوف وقوامه. وأن التحقق بأحوال التصوف ومقاماته بني على الفقر والزهد فيما اشتملت عليه الدنيا من زخرف ومتاع. وقد قص علينا مؤلف عوارف المعارف قصة رويت عن ذي النون المصري، ولا بأس من إيرادها فهي تظهرنا على ما انطوت عليه نفوس الصوفية من تمسك بالفقر، وإمعان في الزهد، وإغراق في الإعراض عن ملذات الدنيا وشهوات النفس.
قال ذو النون: (رأيت ببعض سواحل الشام امرأة فقلت: من أين أقبلت؟ قالت: من عند أقوام تتجافى جنوبهم عن المضاجع، فقلت: وأين تريدين؟ قالت: إلى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. فقلت: صفيهم لي. فأنشأت:
قوم همومهم بالله قد علقت … فما لهم همم تسمو إلى أحد
فمطلب القوم مولاهم وسيدهم … يا حسن مطلبهم للواحد الصمد!
ما أن تنازعهم دنيا ولا شرف … من المطاعم واللذات والولد
ولا للبس ثياب فائق أنق … ولا لروح سرور حل في بلد
إلا مسارعة في أثر منزلة … قد قارب الخطو فيها باعد الأبد
فهم رهائن غدران وأودية … وفي الشوامخ تلقاهم مع العدد
فهذا الشعر وان كان ركيكا مهلهلا ضعيفا إلا أنه يصور لنا في وضوح نفوس الصوفية
стр. 1588
وقلوبهم وما احتوت عليه هذه القلوب وهذه النفوس من فناء في الله، وذكر له، واتحاد معه، بحيث أصبحت نفوسهم لا تفكر إلا فيه وقلوبهم لا تنزع إلا إليه. وبحيث انهم تجردوا عن كل شهوة، وخلصوا من كل لذة، وتحرروا من هذه القيود الجسمانية التي تفسد على الإنسان حياته الباطنية وتكدر صفاء سريرته النفسية.
وآية ذلك هي أن الصوفي دائم التصفية والتنقية لنفسه مما يشوبها من الأكدار. وهو فوق هذا دائم الحركة والاضطراب بدوام التجائه وافتقاره إلى ربه. والتجاؤه وافتقاره هما اللذان يهذبان قلبه وينقيان نفسه ويضيئان جوانب هذا النفس وهذا القلب بالمعرفة الصحيحة الصادقة التي تكشف له عن حقيقة الله وماهية الأشياء. وعلى هذا ترى انه لابد للصوفي من دوام الحركة والاضطراب بدوام الافتقار والالتجاء وحسن التفقد لمواطن إصابات النفس.
ولنترك الآن الباب الخامس بعد أن وقفنا عند أهم ما اشتمل عليه ولنعرض للباب السادس حيث يحدثنا السهروردي عن مسألة لها قيمتها العلمية وخطرها العظيم في تاريخ التصوف وفهم الأطوار التي مر بها فهماً صادقا مستقيما. وأعنى بهذه المسألة مسألة الأصل الذي صدرت عنه كلمة (صوفي) والمصدر الذي اشتقت منه ونسبت إليه، والمؤلف حين يحدثنا عن أصل كلمة صوفي يعرض علينا أهم الآراء التي رآها القدماء واختلفوا فيها اختلافاً تجاوزهم إلى المحدثين من المستشرقين وغير المستشرقين من علماء الشرق.
ولعل مؤلف عوارف المعارف أمّيل ما يكون إلى أن هذه الكلمة ليست إلا نسبة إلى الصوف. وهو يستمد في رأيه هذا إلى أن الصوف كان لباس الأنبياء فقد روي عن النبي (أنه كان يجيب دعوة العبد ويركب الحمار ويلبس الصوف. وحكي عن عيسى ﵇ أنه كان يلبس الصوف والشعر ويأكل من الشجر ويبيت حيث أمسى. فأنت ترى أن هذا الكلام إن صح كان طبيعياً أن يختار المتصوفة لباسهم من الصوف وكان بديهياً أن تكون نسبتهم إلى ظاهر لباسهم الذي ينسج منه. وهذا الرأي ملائم لما أخذ به الصوفية أنفسهم من زهد في ملذات الدنيا بصفة عامة وميل إلى اللباس الخشن وأعراض عن اللباس الرقيق الناعم بصفة خاصة ناهيك بأنه يلائم ملاءمة تامة طبيعة الاشتقاق اللغوي. فيقال تصوف الرجل إذا لبس الصوف كما يقال تقمص إذا لبس القميص. وفق هذا كله فانه نظراً لتقلب
стр. 1589
أحوالهم ومقاماتهم ودوام تنقلهم لم يكن هناك أمر يقيدهم ويجمع هذه الأحوال وهذه المقامات المتنوعة. ومن هنا كانت نسبتهم إلى ظاهر اللباس الذي اتخذوه مميزاً لهم مشيراً إلى ما يأخذون به أنفسهم من زهد وتقشف وورع. فكان ذلك أبين في الإشارة إليهم وأدل على حصر وصفهم. إذ أن ليس الصوف كان غالباً عليهم لتشبههم في ذلك بالأنبياء والمقربين. ومن هنا ترى أن نسبتهم إلى الظاهر أوفق وأقرب إلى الإقناع من نسبتهم إلى الباطن. فلو نسبوا مثلاً إلى حال ما، أو إلى مقام ما، كان ذلك أقل دلالة وأدنى إلى الغموض والإبهام في الإشارة إليهم.
فمما تقدم ترى أن نسبة الصوفية إلى الصوف أبين في تفهم حالهم وأدل على زهدهم وأقرب إلى التواضع منها إلى أي شيء آخر. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن تسمية الصوفية بهذا الاسم راجعة إلى نسبتهم إلى الصوفة وخلاصة هذا المذهب هي أنه لما كان الصوفية يؤثرون الذبول والخمول والانكسار والتواضع مثلهم في ذلك كمثل الصوفة الملقاة، كانت تسميتهم بهذا الاسم نسبة إلى الصوفة. وهذا الرأي فضلا عن انه ملائم للدلالة على ما انطوت عليه نفوس الصوفية من الإذعان والذلة والخضوع فانه ملائم أيضاً لطبيعة الاشتقاق اللغوي.
وهناك رأي آخر يتلخص في أن الصوفية سموا بهذا الاسم لأنهم في الصف الأول بين يدي الله لارتفاع هممهم وإقبال قلوبهم على الله تعالى.
ورأي رابع ذهب فيه أصحابه إلى أن تسمية الصوفية بهذا الاسم راجعة إلى نسبتهم إلى (الصَّفة) التي كانت لفقراء المهاجرين في عهد النبي. على أن هذا الرأي وإن كان صحيحاً من ناحية المعنى إلا إنه لا يستقيم من ناحية الاشتقاق اللغوي. فالصوفية يشبهون (أهل الصفة) من حيث أنهم فقراء مؤتلفون في الله مجتمعون في الله. وأصحاب الصفة هؤلاء كانوا نحوا من أربعين رجلاً لم تكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر. كانوا يصرفون بياض النهار محتطبين ويقضون سواد الليل متعبدين. آثرهم النبي بحبه لهم وعطفه عليهم وبره بهم حتى انه كان يأكل معهم ويحث الناس على مواساتهم. هم الذين نزلت فيهم الآية الكريمة. (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) والذين نزلت في أحدهم وهو ابن أم مكتوم هذه الآية الشريفة: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى.) فكان ذلك عتاباً
стр. 1590
للنبي ويقال انه كانت توجد في بلاد خراسان طائفة من أهل الصفة لجأت إلى المغاور والكهوف ولم تسكن المدن والقرى. كان يسميهم أهل خراسان (شكفتية) لأنهم يطلقون على الفار لفظة (شكفت) فنسبوهم إليها. أما أهل الشام فكانوا يسمونهم (جوعية).
تلك هي أهم الآراء التي ذكرها السهروردي في أصل كلمة صوفي وقد أخذ بعدها في إظهارنا على أن هذه الكلمة تجمع المتفرق في الأسماء التي ذكرها الله في القرآن وسمى بها طوائف الخير المختلفة فقد سميت طائفة بالأبرار وأخرى بالمقربين وثالثة بالصابرين ورابعة بالصادقين الخ. . . وأنت إذا أمعنت النظر فيما اشتملت عليه قلوب الصوفية من بر وصبر وصدق وذكر لرأيت أن لفظة الصوفي قد احتوت كل ما تدل عليه أسماء هذه الطوائف.
ويختم المؤلف هذا الباب بذكر موجز لتاريخ كلمة صوفي فيقول أنها لم تعرف في زمن النبي وانما عرفت في زمن التابعين. وأثبت هذا بذكر كلام روي عن الحسن البصري قال فيه: (رأيت صوفياً في الطواف فأعطيته شيئاً فلم يأخذه وقال: (معي أربع دوانيق يكفيني ما معي) على هذا ذهب بعضهم إلى أن هذا الاسم لم يعرف إلى المائتين من الهجرة. فكان أصحاب رسول الله يسمون الرجل صحابياً حتى إذا انقضى عهد النبي سمي من أخذ العلم عنهم تابعيا. ولما أن تقادم عهد النبوة وانقطع الوحي وأقبل الناس على الدنيا وتهافتوا على زخرفها انفردت طائفة بالعبادة والتقوى وأعرضت عن الدنيا فكانت هذه الطائفة هي الصوفية (الاسم سمتهم. والعلم بالله صفتهم والعبادة حليتهم. والتقوى شعارهم. وحقائق الحقيقة أسرارهم).
محمد مصطفى حلمي. ماجستير في الآداب
стр. 1591
بلاط الشهداء بعد ألف ومائتي عام
- ٨ -
ويقول السير إدوارد كريزي: (إن النصر العظيم الذي ناله كارل مارتل على العرب سنة ٧٣٢ وضع حداً حاسماً لفتوح العرب في غرب أوربا، وأنقذ النصرانية من الإسلام، وحفظ بقايا الحضارة القديمة وبذور الحضارة الحديثة، ورد التفوق القديم للأمم الهندية الأوربية على الأمم السامية) ويقول فون شليجل في كلامه عن الإسلام والإمبراطورية العربية: (ما كاد العرب يتمنون فتح أسبانيا حتى تطلعوا إلى فتح غاليا وبورجونيا. ولكن النصر الساحق الذي غنمه بطل الفرنج كارل مارتل بين تور وبواتيه وضع لتقدمهم حدا، وسقط قائدهم عبد الرحمن في الميدان مع زهرة جنده، وبذا أنقذ كارل مارتل بسيفه أمم الغرب النصرانية من قبضة الإسلام الفاتكة الهدامة إلى الذروة) ويقول رانكه: (إن فاتحة القرن الثامن من أهم عصور التاريخ، ففيها كان دين محمد ينذر بامتلاك إيطاليا وغاليا، وقد وثبت الوثنية كرة أخرى إلى ما وراء الرين، فنهض إزاء ذلك الخطر فتى من عشيرة جرمانية هو كارل مارتل، وأيد هيبة النظم النصرانية المشرفة على الفناء بكل ما تقتضيه غريزة البقاء من عزم، ودفعها إلى بلاد حديثة). ويقول زيلر (كان هذا الانتصار بالأخص انتصار الفرنج والنصرانية، وقد عاون هذا النصر زعيم الفرنج على توطيد سلطانه لا في غاليا وحدها ولكن في جرمانيا التي أشركها في نصره): (على أن هناك فريقاً من مؤرخي الغرب لا يذهب إلى هذا الحد في تقدير نتائج الموقعة وآثارها، ومن هذا الفريق المؤرخان الكبيران سسموندى وميشليه. فهما لا يعلقان كبير أهمية على ظفر كارل مارتل. ويقول جورج فنلى: (إن أثرة الكتاب الغاليين قد عظمت من شأن تغلب كارل مارتل على حملة ناهبة من عرب أسبانيا، وصَّورته كانتصار باهر ونسبت خلاص أوربا من نير العرب إلى شجاعة الفرنج في حين أن حجابا ألقي على عبقرية ليون الثالث إمبراطور (قسطنطينية) وعزمه مع أنه نشأ جنديا يبحث وراء طالعه ولم يكد يجلس على العرش حتى احبط خطط الفتح التي أنفق الوليد سليمان طويلاً في تدبيرها) ونحن مع الفريق الأول نكبر شأن بلاط الشهداء أيما إكبار، ونرى أنها كانت أعظم لقاء حاسم بين الإسلام والنصرانية، وبين الشرق والغرب، ففي سهول تور وبواتيه فقد العرب سيادة العالم بأسره وتغيرت مصائر العالم القديم كله وارتد تيار الفتح الإسلامي أمام الأمم الشمالية كما ارتد قبل ذلك بأعوام أمام أسوار
стр. 1592
قسطنطينية وأخفقت بذلك آخر محاولة بذلتها الخلافة لافتتاح أمم الغرب وإخضاع النصرانية لصولة الإسلام، ولم تتح للإسلام المتحد فرصة أخرى لينفذ إلى قلب أوربا في مثل كثرته وعزمه واعتزازه يوم مسيره إلى بلاط الشهداء. ولكنه أصيب قبل وبعد بتفرق الكلمة، وبينما شغلت إسبانيا المسلمة بمنازعاتها الداخلية، إذ قامت فيما وراء البرنيه إمبراطورية فرنجية عظيمة موحدة الكلمة تهدد الإسلام في الغرب وتنازعه السيادة والنفوذ.
محمد عبد الله عنان
المستشرق برجستريسر ٥ أبريل سنة ١٨٨٦ - ١٨
أغسطس سنة ١٩٣٣
للدكتور إسرائيل ولفنسون. مدرس اللغة العبرية بكلية الآداب
وقع نظري أثناء مطالعتي في الجرائد اليومية التي وصلتني من ألمانيا على خبر لم يوضع في مكان بارز كأنه ليس من الأهمية في شيء، ورد فيه نعي جوتهلف برجستريسر أستاذ اللغات السامية بجامعة ميونيخ، سقط أثناء رحلة رياضية في جبال الألب من قمة جبل جلوكنر إلى هاوية توفى فيها على الفور، لو وقع هذا الحادث منذ سنوات قليلة لكان قد وضع في مكان أبرز، وعلى حالة تلفت القراء أكثر مما هو في جرائد هذه الأيام، لأن ألمانيا الحالية ليس فيها من يعبأ كثيراً بمن توفي من العلماء المستشرقين، ولكني روعت لهذا الخبر الذي أدمى قلبي وملأه حزناً وأسى.
كان علم الاستشراق قد قطع شوطاً بعيداً في أواخر القرن الماضي في جامعات أوربا على العموم، وفي ألمانيا خاصة حتى وصل ببحوث نولدكه وجولدسيهرويت ويستنفلد وليتش وغيرهم إلى أوج مجده ثم أخذ بعد انتهاء الحرب العظمى ينحدر من قمة الجبال إلى بطون الوهاد ويتضاءل شيئا فشيئا.
ويجب أن يلاحظ أن الحرب العالمية قد أدت إلى انحطاط العلم على العموم في أوربا، لأن التفكير الجدي والقراءة الدقيقة انقطع عنهما الشباب الذي أخذ يميل إلى البحوث السطحية وإلى اكتساب العلم عن طريق الراديو والسينما، كما انتشر في الجامعات توغل جمهرة الطلبة في الشؤون السياسية والحزبية اكثر من توغلهم في البحوث العلمية.
стр. 1593
وقد توفي من خيرة الأساتذة المستشرقين (جولدسهر ونولدكه شبيجلبرج وبيجر وهورديتس) دون أن يأتي غيرهم فيملأ الفراغ الذي تركوه في شتى العلوم التي كانوا يضحون حياتهم في سبيلها. وأما الآن فنجد عدداً غير قليل من الأساتذة يملئون أروقة الجامعات في ألمانيا وهم من الذين يناصرون الحزب الذي يقبض الآن على ناصية الحكم في البلاد. . . هذه الأفكار أخذت تقلق بالي في تلك اللحظات التي قرأت في الجرائد الألمانية عن وفاة العالم برجستريسر.
نشأ الأستاذ برجستريسر في أسرة ألمانية مسيحية بروتستانتية وكان أبوه وجده قسيسين في مدينة بلون
من أعمال زكسن بألمانية، ومن هنا يسهل فهم سبب عناية والديه بتربيته الدينية في المدرسة الابتدائية والثانوية، إذ أراد أن يحقق أمنيتهما حتى يكبر تقياً ويصبح صالحاً لرداء الكهنوت ويكون خير خلف لخير سلف، ولكن جوتهلف برجستريسر مال عن هذه الرغبة إلى البحث في اللغات السامية والعلوم الإسلامية حين دخل في جامعة ليبزيج في سنة ١٩٠٤ وقد درس آداب اللغة العربية عند العالم أوجست فيشر الذي يعتبر إلى يومنا الحالي من قادة النقاد لدى جمهرة المستشرقين، وقد أثرت روح النقد في جستريسر حتى أضحت على كر الزمن من مميزاته البارزة لا في الكتابة وإلقاء المحاظرات فحسب، بل أثناء محادثاته العادية مع محدثيه، كانت لا تفوته كبيرة أو صغيرة دون أن يتعرض لها إذا وجد مجالا للمعارضة أو الانتقاد.
ونذكر بهذه المناسبة إن فيشر، شيخ النقاد، كان على الدوام ينتقد بكل شدة مؤلفات المستشرقين حتى هابه عظماء العلماء في العصر الحاضر، على إن فيشر لم يؤلف المؤلفات الكبيرة كما فعل العلماء الذين انتقد مصنفاتهم بل كان يكتفي بوضع المقالات، وأخذ بعض العلماء يهزءون به ويقولون أن فيشر لا يحب أن ينشر كتبا خوفا من شبح النقد وانتقام النقاد، ومن أكبر عيوب أوجست فيشر أنه بدأ يدون جملة كتب في موضوعات شتى منذ سنين كثيرة ولم ينته منها، إذ من المعلوم انه يعمل منذ ثلاثين سنة في تأليف قاموس عربي علمي دقيق للشعر العربي القديم لم يطبع إلى الآن، وكذلك بدأ في مراجعة جملة مخطوطات لكتاب المغازي للواقدي منذ أمد بعيد وإلى الآن لم ينته منه أيضاً. وكان
стр. 1594
كاتب هذه السطور قد التقى بالأستاذ فيشر في مدينة فينا في مؤتمر المستشرقين في سنة ١٩٣٠ فعرض عليه أن يتم مراجعة بقية الأجزاء من كتاب المغازي للواقدي، فلما سمع فيشر اقتراحه بدا اضطراب على وجهه وسكت طويلا كأنه لم يتمكن من أن يبوح بكلمة، ثم أجاب بعد تفكير طويل: أمهلني حتى أفكر ملياً في هل أكمل الكتاب أم أقدمه إليك مع جميع المخطوطات والصفحات التي بدأت بمراجعتها. . . فلما قصصت حكاية المقابلة مع فيشر للأستاذ يرجستريسر ابتسم ابتسامته الحلوة قال: فيشر لن يرسل إليك الصفحات التي راجعها أبداً كما لن يخبر أنه عزم على أن لا يتم الكتاب. . .
على أن فيشر كان قد درب في جامعة ليبزيج تحت أشرافه عددا لا يستهان به من العلماء حتى أصبحوا من فحول المستشرقين فيما بعد، وكان بينهم الأستاذ جوتهلف برجستريسر.
وبعد أن أتم برجستريسر دراسته الجامعية وقدم رسالة عن حروف النفي وأسماء الاستفهام في القرآن الكريم في سنة ١٩١١ قام برحلة إلى الأقطار الشرقية في سنة ١٩١٣ فزار الأناضول وسورية وفلسطين ومصر وما كاد يصل إلى ألمانيا من هذه الرحلة المباركة حتى بدأت الحرب العظمى فدعي إلى ساحة القتال، وظل متنقلا مع الجيش الألماني في أرض بلجيكا وفرنسا إلى أن دعته الحكومة التركية في سنة ١٩١٥ لإلقاء محاضرات في جامعة الأستانة، وكان أول عهده يلقب أستاذ، وقد بلغ حينئذ العام الثلاثين من حياته، ولما ذاع صيته دعي لإلقاء محاضرات في جامعات ألمانيا في العلوم الإسلامية واللغات السامية كانت أولها جامعة كونسبرج في سنة ١٩١٩ وفي عام ١٩٢٢ انتقل إلى جامعة برسلو ومنها إلى جامعة هيدلبرج في سنة ١٩٢٤ ثم دعي إلى مدينة ميونيخ، سنة ١٩٢٦ التي ظل يدرس بها إلى أن أدركته المنية.
تنقسم مؤلفات برجستريسر إلى أربعة أنواع أصلية، نوع يشتمل كتبه عن اللغة العربية وعلم اللغات السامية، ونوع آخر يبحث في الآرامية ولهجاتها، ونوع ثالث يحتوي على مصنفاته ومطبوعاته في الآداب العربية والعلوم الاسلامية، وأما النوع الرابع فيشمل مقالاته عن علوم اللغة التركية.
على العموم تمتاز كتابة برجستريسر بدقة الجمل القليلة في ألفاظها، الكثيرة في معناها، يعبر عما يجول في خاطره بعد تفكير طويل، وبعد إحاطة بالموضوع من جميع نواحيه،
стр. 1595
وإلمام شاق بجميع المراجع الكبيرة والصغيرة مع استعمال الأدلة العلمية الدقيقة، مما يجعل القارئ يحتاج إلى قراءة الكتاب بأناة حتى يقف على النظريات الغزيرة.
ومن أهم ما دون برحستريسر في حياته: كتابه عن قواعد اللغة العبرية، ومما لا شك عندنا أنه اخطر كتاب في موضوعه منذ بدأ البحث في علوم الأمم الشرقية على الطريقة العلمية المألوفة عند الإفرنج، وقد أظهر المؤلف في هذا المصنف أنه وقف على جميع النظريات التي الفت في هذه المادة في جميع العصور بين كتب ومقالات معروفة ومهجورة، وهذا المام يندر أن يوجد بين علماء اليهود أنفسهم.
ومع أن كتابه هذا وضع لجمهرة الطلبة في الجامعات فانه لم يستعمل كثيراً بين هؤلاء لأنهم لم يتمكنوا من فهمه وإدراكه حق الإدراك، لذلك اصبح كتاباً للأساتذة والمدرسين في المعاهد العليا كما هو شأن جميع كتب برحستريسر التي انحصر تداولها بين أيدي الذين نضجت عقولهم وتمرنوا على مطالعة الموضوعات العويصة والكتب الفنية الدقيقة.
وله كتاب آخر سمى المدخل إلى اللغات السامية ويجب أن يلاحظ أنه بعد أن نشر مصنف نولدكه عن اللغات السامية، وكتاب بروكلمان الكبير عن الموازنة بين قواعد اللغات السامية جاء برجستريسر وأضاف كتاباً جديداً في هذه المادة، وكان الناس يتوقعون أنه لا يأتي بجديد، ولكن ظهور الكتاب أزال كل أثر لتلك المخاوف، إذ جاء جديداً في اسلوبه، فياضاً في نظرياته، ثائراً على القديم، يلقي أحكامه الجديدة ويهدم قضايا مألوفة ومعروفة.
وله كذلك كتاب في جغرافية اللغة في سورية وفلسطين وضعه لاغراض عملية لرجال الجيش الألماني في البلدان العربية أثناء الحرب العظمى.
وقد ذكرنا رحلة الأستاذ برجستريسر إلى البلدان الشرقية، وكان قد أقام مدة من الزمن في دمشق بحث فيها بحثاً علمياً دقيقاً عن اللهجة العامية في دمشق، كما وجه عناية شديدة إلى البقية الباقية من الأرهاط السريانية التي تقطن في المعلولة وهي ضاحية من ضواحي دمشق. وصنف رسالتين إحداهما عن اللهجة السريانية عند أهل معلولة والأخرى عن الروايات الخرافية الجديدة عند الآراميين.
على أن الأستاذ برجستريسر وجه جل عنايته إلى البحث في العلوم الإسلامية والعربية، وكانت باكورة مصنفاته في هذه المواد رسالته عن حنين بن اسحق ومدرسته، ومما لا شك
стр. 1596
فيه أن اللذين يكتبون عن الفلسفة اليونانية وأثرها في الفلسفة الإسلامية وعن حركة الترجمة والنقل من اليونانية إلى العربية بواسطة السريان، يجدون في هذا السفر مادة غزيرة لا يمكنهم أن يستغنوا عنها مطلقاً.
وله كتاب آخر وهو عظيم الخطر في العلوم الإسلامية أعني به ما كتبه عن مصاحف القرآن الكريم. كان الأستاذ نولدكه قد ألف في أواسط النصف الثاني من القرن التاسع عشر كتاباً عن تاريخ القرآن كان له الدوي العظيم والأثر البعيد في أندية العلماء في أوربا، ولما احتاج الكتاب إلى تنقيح وزيادات وكان الأستاذ نولدكه قد توغل في بحوث أخرى تناوله الأستاذ شوللى واخرج الطبعة الثانية من كتاب تاريخ القرآن الكريم مع زيادات وملاحظات كثيرة، ولم يكن الكتاب كمل بعد، لذلك أتم برجستريسر ما بدأ به نولدكه وشوللي فدون الجزء الثالث من تاريخ القرآن الكريم وهو كتابه عن المصاحف، وقد رأى الأستاذ برجستريسر أن يبحث في قراءات القرآن وهي مادة لم يكن ليشتغل فيها غيره من كبار المستشرقين، فقضى سنين طويلة يراجع بصبر وأناة كل ما دون في أمهات المصنفات الإسلامية في هذه المادة من كتب مطبوعة ومخطوطة، وكانت نتيجة هذه الأبحاث الطويلة أنه طبع (١) كتاب غاية النهاية في طبقات القراء لشمس الدين أبي الخير محمد الجزري المتوفى سنة ٨٣٢ هـ (٢) كتاب شواذ القراءات لابن خالويه (٣) رسالة باللغة الألمانية عن القراءات القرآنية الشاذة في كتاب المحتسب لابن وهو آخر مصنف وضعه الأستاذ برجستريسر في حياته، ومما يلفت الأنظار أن هذا الكتاب مقدم إلى الدكتور طه حسين.
ويجب ألا يغيب عن البال إن الأستاذ برجستريسر قد أتقن ما عدا اللغات السامية: الفارسية والتركية أيضاً، وقد وضع جملة مقالات عن آداب هاتين اللغتين نشرت في مجلات المستشرقين في مناسبات شتى كان الأستاذ أنوليتمان
المستشرق الشهير صاحب المدونات عن الكتابات العربية قبل الإسلام، المعروفة بالخطوط الثمودية واللحيانية (راجع كتاب تاريخ اللغات السامية لكاتب هذه السطور ص ١٧٥ - ١٨٨) بعد أن ألقى محاضرات في الجامعة المصرية في السنة الدراسية ١٩٢٨ - ١٩٢٩ ولم يستطع الرجوع إلى الجامعة بعد ذلك الحين أشار على الهيئات الرسمية بالجامعة
стр. 1597
المصرية بأن يدعو الأستاذ برجستريسر لإلقاء محاضرات في الجامعة المصرية.
وقد قوبل الاقتراح ولبى الأستاذ برجستريسر دعوة الجامعة وحضر إلى القطر المصري وكان مجيء برجستريسر حادثاً خطيراً في حياة الجامعة المصرية إذ كان الأساتذة والمدرسون يقبلون عليه ويحضرون مع الطلاب محاضراته النفسية، وكان يلقي في ذلك العام (١٩٣٠) محاضرات عن التطور النحوي للغة العربية. وكان في محاضراته الأولى كثير العجمة والإبهام في لغته العربية، وكان يقرأ المحاضرة من الورقة المكتوبة التي كانت أمامه، ثم أخذ بعد جملة أسابيع يتحرر شيئاً فشيئاً من الكراس، وأخذ يرتجل الجمل ارتجالاً ويفصح في الكلام افصاحاً، ثم رجع في سنة ١٩٣٢ إلى مصر وألقى محاضراته عن اللهجات العامية في الموصل. كان يفيض كالبحر الزاخر بلغة عربية فصيحة كانت مفهومة واضحة لجمهرة الطلبة ويجب أن يقال بكل صراحة إن عدد الحاضرين عند برحستريسر كان في بادئ الأمر كبيراً، ثم أخذ ينقص على كر الزمان إلى أن انحصر الحاضرون في طلبة قسم اللغات السامية فقط، والسبب في ذلك يرجع إلى أن محاضرات برجستريسر كانت فنية قبل كل شيء أي إن الذين لم يدرسوا اللغات السامية لم يفهموا كثيراً مما كان يلقي الأستاذ، وفوق ذلك فأن عقلية برجستريسر كانت دقيقة وعميقة وكانت محاضراته موجهة إلى أصحاب الثقافة الراقية قبل كل شيء.
لم يكن برجستريسر أكبر الأساتذة سنا، ولكنه كان أعلاهم مقاما وأغزرهم علما وكانوا يوجهون إليه الأسئلة حتى يقفوا على آرائه في كثير من الموضوعات ومن هنا ادخل برجستريسر في هيئة التحرير في المجلة العلمية الشهيرة في أدبيات وكان مدة من الزمن رئيس التحرير في المجلة الألمانية للعلوم السامية. كان الأستاذ برجستريسر يسرف في إجهاد نفسه حتى أضناه العمل لأنه كان فوق البحث والفحص لتنظيم محاضراته لطلبة الجامعة المصرية، يمضي ثلاثة أيام كاملة من الصباح إلى الغروب في المكتبة الملكية يجلس إلى مائدة في غرفة منفردة ويراجع مخطوطات في قراءات القرآن، ثم اضطر إلى ملازمة الفراش، فعنفه الأطباء على اجتهاده المفرط الذي ينذر بالخطر وأشاروا عليه بترك العمل في المطالعة والتأليف ولكنه لم يحفل بهم.
وكان برجستريسر يحب الجبال، والرياضة في الجبال، يتنزه أسابيع كاملة على خلوة
стр. 1598
بنفسه، وفي اليوم الثاني عشر من شهر أغسطس المنصرم صعد جبل جلوكز الشامخ فحدثت الفجيعة العظمى إذ زلت قدماه من ذروة الجبل الشاهق وسقط إلى هاوية فتوفي على الأثر وكان قد بلغ الثامنة والأربعين من عمره حين قضى نحبه.
стр. 1599
في الأدب العربي
ابن خلدون ومكيافيللي
للأستاذ محمد عبد الله عنان
بعد وفاة ابن خلدون بأكثر من قرن، وضع نيكولو ميكافيللي المؤرخ والسياسي الإيطالي كتاباً يتبوء في التفكير الغربي مكانه كتلك التي تتبوأها مقدمة ابن خلدون في التفكير الإسلامي. ذلك هو كتاب (الأمير) وهو كأثر ابن خلدون قطعة بديعة من التفكير السياسي والاجتماعي، تمتاز بكثير من القوة والطرافة والابتكار الفائق. وإذا لم يك بين الأثرين كثير من أوجه الشبه المادي، فان بينهما كثيراً من أوجه الشبه المعنوي، وبين الذهنين بالأخص مشابهة قوية من حيث الظروف والبيئة التي تكون كل فيها، ومن حيث فهمه للتاريخ والظواهر الاجتماعية، ومن حيث قوة العرض والاستدلال بشواهد التاريخ.
ونستطيع أن نرجع كثيراً من أسباب هذه المشابهة بين المفكرين العظيمين إلى تماثل عجيب في العصر والظروف السياسية والاجتماعية التي عاش كل منهما فيها. فقد كانت الإمارات والجمهوريات الإيطالية التي عاش ميكافيللي في ظلها تعرض في إيطاليا نفس الصور والأوضاع السياسية التي تعرضها الممالك المغربية أيام ابن خلدون، من حيث اضطرام المنافسات والخصومات فيما بينها، وطموح كل منها إلى افتتاح الاخرى، وتقلب إماراتها ورياساتها بين عصبة من الزعماء والمتغلبين. وقد اتصل ميكافيللي بهذه الدول، وقضى عصراً في خدمة إحداها وهي وطنه فلورنسا (فيرنتزا) وانتدب لمهام سياسية مختلفة؛ واستطاع أن يدرس عن كثب كثيراً من الحوادث والتطورات السياسية التي تعاقبت في عصره، وان يجعل من هذا الدرس مادة لتأملاته عن الدولة والأمير، كما جعل ابن خلدون من الحوادث التي عاصرها واشترك فيها مادة لدرسه وتأملاته.
على أن المفكر المسلم أغزر مادة وأوسع آفاقاً من المفكر الإيطالي. ذلك أن ابن خلدون يتخذ من المجتمع كله وما يعرض فيه من الظواهر مادة لدرسه، ويحاول أن يفهم هذه الظواهر وأن يعللها على ضوء التاريخ، وأن يرتب على سيرها وتفاعلها قوانين اجتماعية عامة. ولكن ميكافيللي يدرس الدولة فقط، أو يدرس أنواعاً معينة من الدول، هي التي يعرضها التاريخ اليوناني والروماني القديم، وتاريخ إيطاليا في عصره، ويدرس شخصية
стр. 1600
الأمير والمتغلب الذي يحكم الدولة، وما يلحق بها من الخلال الحسنة أو السيئة، وما يعرض لها من وسائل الحكم. وهذه الدراسة المحدودة المدى تكون جزءاً صغيراً فقط من دراسة ابن خلدون الشاسعة، وهو الفصل الثالث من الكتاب الأول من المقدمة، وهو الذي يدرس فيه أحوال الدولة العامة والملك والمراتب السلطانية. وحتى في هذا المدى المحدود يتفوق ابن خلدون على ميكافيللي تفوقاً عظيماً. ويبتدع هنا نظرية العصبية، ونظرية إعمار الدول، ويتناول خواص الدولة من الناحية الاجتماعية وإن كان ميكافيللي من جهة أخرى يتفوق على ابن خلدون في سلاسة المنطق، ودقة العرض والتدليل، ورواء الأسلوب.
كتب ميكافيللي كتابه (الأمير) سنة ١٥١٣ وأهداه إلى لورنزو دى مديتشي (الأفخم) أمير فلورنسا، وهو يشير إلى غرضه من وضع كتابه في قوله للأمير في خطاب الإهداء: (ومع أني أعتبر هذا المؤلف غير خليق بمطالعة محياك، فإني اعتمد جل الاعتماد على عطفك ورقتك في قبوله، فلست أستطيع في إهدائك خيراً من أن اقدم إليك فرصة لتفهم في أقصر الأوقات كل ما عرفته خلال أعوام طويلة، وفي غمار من المتاعب والأخطار) وفي قوله: (فتناول يا ذا الفخامة هذه الهدية الصغيرة بنفس الروح الذي أرسلها به، وإنك إذا قرأته بإمعان وتأمل، فسوف تعرض خالص رغبتي في أن تظفر بهذه العظمة التي يمنى بها حسن الطالع وتمنى بها خلالك) وإذن فقد أراد ميكافيللي أن يقدم كتابه (الأمير) مرشداً لأمراء عصره يرشدهم إلى أمثل طرق الحكم، وأمثل الوسائل لسيادة الشعوب التي يحكمونها. وميكافيللي يستمد آراءه ونظرياته من حوادث التاريخ القديم. وبالأخص من حوادث عصره التي شهدها وخبرها. ويرتب عليها أحكاماً وقواعد عامة، كما يرتب ابن خلدون مثل هذه الأحكام والقواعد على دراسته للمجتمع. ويبسط ميكافيللي دراسته في بحوث موجزة ويبدأ بالحديث عن أنواع الإمارات، ووسائل اكتسابها، وعن الوسائل التي تحكم بها المدن أو الإمارات التي كانت تعيش في ظل قوانينها قبل أن تغلب، وعن الإمارات التي تقوم بالفتح وكفايات الأمير الشخصية، وعن تلك التي تغنم على يد آخرين أبطرق الحظ، أو تلك التي تغنم بالغدر والخيانة. وعن الإمارات المدنية والدينية، وعن أنواع الجيوش والجنود المرتزقة، وما يجب أن يعرفه الأمير عن فن الحرب. ثم يتناول بعد ذلك شخصية الأمير، وما يحمد فيه من الخلال وما يذم، وعن الكرم والشح، والرأفة
стр. 1601
والقسوة
وعن الطريقة التي يجب أن يحفظ بها الأمراء وعودهم، وعما يجب عليهم لتجنب بغض الشعب واحتقاره، وما يجب عليهم لاكتساب الشهرة والمجد، وأخيراً يتحدث عن حجاب الأمير (سكرتارية) وعن وجوب تجنب الملق، وعن الأسباب التي فقد بها أمراء إيطاليا دولهم، وعما يمكن أن يؤديه حسن الطالع في سير الشؤون البشرية؛ ثم يختتم بالحث على تحرير إيطاليا من نير الأجانب أو غزوات البرابرة كما يسميهم.
تلك هي المباحث التي جعلها ميكافيللي قوام فلسفته عن الدولة والأمير. ويبدو بالأخص مما كتبه عن (الأمير) انه يعالج موضوعاً عالجه المفكرون المسلمون قبل ابن خلدون بعصور طويلة، هو موضوع (السياسة الملكية) وهو موضوع يجري منذ القرن الثالث الهجري في التفكير الإسلامي مع بحث أو علم خاص هو علم السياسة على نحو ما بينا في فصل سابق. وقد رأينا مما تقدم أن (السياسة) كانت تفهم عند العرب في العصور الأولى بمعنى ضيق جداً هو شرح الخلال الحسنة التي يجب أن يتصف بها الأمير، والعيوب التي يجب أن يبرأ منها لكي يصلح لرآسة الدولة وتبوء الملك؛ ولكي يستطيع الحكم بأهلية وكفاية. ثم توسع المفكرون المسلمون في فنهم معنى (السياسة) وقسموها إلى عدة أنواع؛ وتناولوا (السياسة الملكية) من الناحية الفقهية وكذا من الناحية الإدارية وبحثوا مركز الأمير من الناحية الشرعية وتحدثوا عن الخطط السلطانية، وظاهر ما يتناوله المفكر الإيطالي من خواص الأمير وخلاله وواجباته هو ضرب مما تناوله المفكرون المسلمون منذ أواخر القرن الثالث الهجري. ومن ذلك ما كتبه ابن قتيبة في كتاب (عيون الأخبار) والماوردي في كتاب (الأحكام السلطانية) والطرطوشي في كتاب (سراج الملوك) والغزالي في كتاب (التبر المسبوك)، ثم ابن الطقطقي في كتاب (الآداب السلطانية). وهو موضوع تناوله ابن خلدون فيما تناوله من أحوال الدول العامة والملك، إذ يتحدث هنا عن حقيقة الملك وأصنافه، وعن معنى الخلافة والامامة، وعن مختلف المذاهب والآراء في حكم الإمامة ثم عن الخطط السلطانية، وحديثه في ذلك يمتاز عن حديث أسلافه بما يتخلل بحثه وتدليله من الملاحظات والتأملات الاجتماعية التي لم يوفق إليها باحث قبله.
على أن ميكافيللي يمتاز في بحثه بروح عملية جافة. وبينما يتحدث المفكرون المسلمون
стр. 1602
عن الأمير أو الحاكم كما يجب أن يكون، وعن خلاله المثلى كما يجب أن يكون، إذا بالمفكر الإيطالي ينظر إلى الأمير الأمثل نظرة عملية محضة. فيصفه كما هو في الواقع، ويتصور خلاله المثلى فيما هو حادث بالفعل، ويرتب تدليله ونتائجه على ما أحرز الأمير وأحرزت خلاله من النجاح أو الفشل دون تأثر بما إذا كانت هذه الصور والخلال تتفق مع مبادئ الأخلاق المثلى كما فهمت خلال العصور. ومن هنا تستمد فلسفة ميكافيللي لونها القاتم، وتوصم آراءه ونظرياته السياسية بتلك الصرامة والقسوة والخبث التي جعلتها حتى عصرنا مضرب الأمثال للسياسة الغادرة التي لا ضمير لها ولا وازع، والتي جردت من كل نزاهة وعفة، وتغاضت عن كل المثل الإنسانية والأخلاقية. وإلى القارئ بعض نماذج من تلك الآراء التي طبعت فلسفة ميكافيللي، وأميره الأمثل بذلك الطابع الأسود.
стр. 1603
من طرائف الشعر
آثار شوقية
- ٣ -
منظر من رواية الست هدى
السيدة هدى وجارتها زينب تتحدثان في إحدى حجرات منزل السيدة هدى المطل على مسجد أبي الليف بحي السيدة زينب، وقد أخذت السيدة هدى تقص على صديقتها حياتها مع أزواجها التسعة إلى أن قالت عن آخر زوج لازال معها:
الست هدى:
ثم اقترنت بمحام عاطل … شريب خمر يحتسيها في الضحى
قلَّت دعاويه وقلّ ماله … وأصبح المكتب منه قد خلا
(عبد المنعم المحامي زوج الست هدى وهو سكران يصعد السلم)
عبد المنعم (منادياً:)
هدى! ضلالْ! أين أنت يا هدى؟ … أين العجوز؟ أين جدتي هدى
وانكدا زينب! واداهيتاه! … أتى ولا أعرف من أين أتى
يشتم في السلم:
زينب! خليه دعي … لا تفرضيه غير سكران هَذَي
رأيته
الست: وكيف؟
زينب: من تحت وقد … كان من السقف أطل وانحنى
وكانت الحارة منا امتلأت … فأرسل القيء علينا ورمى
الست: القيء! ماذا قلت؟
زينب: قلت ما رأت … عيني وما مر على رأسي وما. . .
عبد المنعم وهو بالسلم:
هدى! عجوز النحس، أنتِ قردةٌ … خطوطك الوحل وكحلك العمى
سمعتِ يا زينب؟
стр. 1604
خليه دعي … لا تفرضيه غير سكران هذى
زينب:
ومرة جاء أبا الليف ضحى … أذنَّ في الناس يصلون العشا
فضيحةٌ في الخُطّ
الست: وا فضيحتاه! … ما شهدوا في الحنفيِّّ مثلها
عبد المنعم ولا يزال في السلم:
هدى تعالي يا عتيقة اظهري … عندي لكِ النعلُ وهذه العصا
الست: سمعتِ يا زينب
زينب: خليه دعي … لا تفرضيه غير سكران هذى
الست: دعيه يهذي ما شاء=غداً ترين، زينب
ففي غد لي وله … شأن، غدا يؤدب
زينب: وما الذي عزمت يا=حبيبتي أن تصنعي
الست:
أقذف في القسم به … وأشتكي وأدعي
إن رجال القسم وال … نائب والقاضي معي
الست لزوجها:
لتندمن يا لكع … يا من يقوم ويقع
عبد المنعم وقد سمع صوتها:
ماذا سمعت؟ صوتها! … أأنت بومتي هنا؟
الآن يا حميزة ال … خُطِّ أريك من أنا
زينب:
هدى حبيبتي اسمعي … تعالي اهزلي معي
الست: أنا؟
زينب: اسمعي دعيه
الست: لا
стр. 1605
زينب: دعيه يا هدى دعي
زينب:
لا تغضبيه إنه … ممتلئ ليس يعي
عبد المنعم:
هدى! هدى! أين هدى! … أين العجوز البالية
خدّّاك ضفدعان قد أسنَتَّا … وأذناك عقربان من قنا
وحاجباك والخطوط فيهما … كدودتين اكتظتا من الدما
وبينَ عينيكِ نفارٌ وجفا … عينٌ هناك خاصمت عينا هنا
الست:
دعيني أقطع عليه الحذاء … وأجز الوَقاح على ذنبه
دعيني أضربه حتى يفيق … فلابد زينبُ من ضربه
زينب:
قد جاء. . هيّا نتقي … جنونه وهَوَسه
ففي يمينه العصا … وفي الشمال المكنسة
الست:
سكران يُضرِب … إذن لنهرب هلم زينب
هذه حجرة نومي … أسرعي زينب فيها
نحن يا زينب لا نكب … ح سكران سفيها
(تدخلان الحجرة وتستتران وراء الباب وعبد المنعم يدخل مترنحا)
стр. 1606
في الأندلس
أبيات مبعثرة نظمها أمير الشعراء في الأندلس
- ٤ -
. . . ويوم من صبا آذار حلو … فقدناه وما بلغ الشبابا
تصوَّر من حلى النيروز وجهاً … وجمَّع من زخارفه إهابا
فراق صباحُه صحواً وزهواً … ولذّ ضحاه حاشية وطابا
تناثر في البطاح حُلى وأوفى … على الآفاق فانتظم الهضابا
وسالت شمسه في البحر تبراً … على مثل الزمرد حين ذابا
كأن نسيمه َنَفس العذارى … طعمن الشهد أو ذقن الخبابا
تمناه ابن عبّاد صبوحاً … إذا حدثَّ المزاهر والشرابا
وما قَّدرت أن يسجن ظهراً … ولم تكن القيامة لي حسابا
تشَّعث لمة واغبَّر وجهاً … ودلَّى مشفراً وافتَّر نابا
وبَّدل حسن ذاك السمت قبحاً … وأصناف النعيم به عذابا
وضج البحر حتى خيل موسى … أتى بعصاه أو فرعون آبا
وأبرق في العباب كأن سراً … بأسطول الجزيرة قد أهابا
كأن شعاعها في الثلج نارٌ … لفارس حولها ضربوا القبابا
أو الحسناءُ يوم العرس جنَّت … فمزقت الغلائل والنقابا
فمن سَحَرَ السماء فأمطرتنا … فكان الدر والذهب الذهابا
تروق العين من بيضاء حال … كما َترَّبت بالتبر الكتابا
منادف عسجد ظفرت بقطن … فما تألوه ندفاً وانتهابا
وقطعت الثلوج لكل روض … وكل خميلة منها ثيابا
فمن صور مجلَّلة فراءً … وولدان مسربلة جبابا
стр. 1607
فتنة الحسن
للشاعر الوجداني احمد رامي
نازعتني إلى اجتلاء الجمال … فتنة الحسن في بديع المثال
غرة كالصباح رفت عليها … طرة في سواد جنح الليالي
وعيون تشع بالأمل العذ … ب وتلقى سحر الهوى والدلال
وفم تبسم الملاحة فيه … ببريق اللمى وظلم اللإلى
وقوام مهفهف القد ممشو … ق تهادى في رفق خطو الغزال
طالعتني وكنت أخلس منها … خطرة الطيف في سنوح الخيال
ثم مرت كما يمر نسيم ال … روض عبر الغدير بين الظلال
وقضى الله أن أراها أروى … ناظرى من بهاء تلك المجالي
وسمت الحديث من فمها المفترّ … عن بسمة الندى في الدوالي
فإذا خفة القطاة إذا اختا … لت على الماء ساعة الآصال
وإذا رقة النسيم إذا بث … شكاة المهجور عند الوصال
стр. 1608
الأصل والمثال
عجباً أحق ما أحس وما أرى … أفهذه أنت انبعثت من الثرى؟
هل يرجع الموتى إلى الدنيا ولم … ينفخ لهم في الصور أو يفن الروى؟
أم صح زعم القوم أن زماننا … دور تسلسل في العصور مكررا؟
وحياتنا فيه مواسم ثبته … لا تختفي حتى تعود فتظهرا
لكن، أدار بك الزمان فريدة … وسها عن الماضين قبلك وازدرى؟
أم قوة الإيحاء بين قلوبنا … أحيتك، أم هذا خيالك في الكرى؟
لا، لا، فليس يعود من قد ضمه … قبر ولست بحالم فيما أرى
ولو أن إيحاء يعيدك بيننا … لاسطاع دفع الموت عنك وأخرا
أفلم تكوني مهبط الإيحاء من … ألبابنا والموضع المتخيرا؟
ما هذه إلا شبيهتك استوى … فيها كيانك يوم طاب وأزهرا
طرأت على كطائر متغرب … لم أدر من أي النواحي قد سرى
أففتنة أخرى ولما استعد … أمني وقد مال الصبا وتحدرا؟
إن كنت أنت اليوم أنت فأنني … غيري تداولني الزمان فغيرا
وأعتضت من مرح الصبا هبوبه … حذرا وتمحيصاً إذا أمر عرا
من ذا الذي دفع الفتاة لموضعي … لأراك فيها عنوة وتجبرا؟
وأرى عهودك حلوها ومريرها … بينا المرير بهن كان الأكثرا
هل ضاق وجه الأرض حتى لم تجد … من أشبهتك سوى طريقي معبرا؟
كم من فراسخ بين قطبيها وكم … بيدا توارى المشبهات وأبحرا؟
ولم انتحتنى بالرنو ولم أكن … أعلى الشهود صوى وأروع مظهرا؟
أفليس في هذا دليل تعمد … لولا مما تك كنت أنت المصدرا؟
ومن الذي يدري؟ فرب إرادة … للميت فينا دون أن نستشعرا!!
ولعلنا يوماً سنسمع في الثرى … صوتا ونفهم منه معنى آخرا!!
والآن يا وجها رأيت بضوئه … آفاق ماض بالظلام تسترا
كن بعض ذا الماضي البعيد ووقني … ضوءا يضر بمقلتي فتقطرا
محمود عماد
стр. 1609
الورقاء
ونائحة من بنات الهديل … تبث إلى الروض أحزانها
عراها من الدهر غُلْبُ الخطوب … فهبت تودع بستانها
وفي الصدر من وجدها حسرةٌ … تكاد تفتت جثمانها
وعز عليها فراقُ الغصون … وما يملك القلب هجرانها
ففيها مغارس عهد الصبا … سقتها الغمائم هَتّّانها
وفيها سرير الهوى ما يزال … يحنُّ فيرجِعُ الحانها
فأذرَت مدامعها الغاليات … وقد خضَّب الدمع أجفانها
وأهوت على النهر تُخفي الدموع … وتودع جنبيه تحنانها
مواجع تقرؤها في الضلوع … وتلمح في العين عنوانها
أطافت بها زُمَرُ القانصين … وأفقدها الدهر أعوانها
فضمت إلى صدرها أفرخا … أثار التفرق إرنانها
وراحت تؤم فسيح الغياض … وتبكي مدى العمر أوطانها
دمشق. أنور العطار
стр. 1610
دمر!. . .
دُمَّرٌ ماؤها على الدر يهوى … كمرايا تكسرت من لُجين
سكر الصحب بالمدام وأنى … نلت بالماء والهوا سكرتين
فحفيف الغصون شاب خرير … الماء لحناً فألفَّا جوقتين
جلست حول نهر دمر غيد … صرن والدوحَ حوله جنتين
بردى ما رأيت قبلك نهراً … يُنبت الغانيات في الشاطئين
ليس عيناي لي بكافيتين … فوق عيني أبتغي ألف عين
عن يميني وعن شمالي وخلفي … كل حوراء بضة الساعدين
صرت من دهشتي أدير برأسي … أتوخى بنظرة نظرتين
دمشق. أحمد الصافي النجفي
стр. 1611
العلوم
اكتشاف الكواكب السيار التاسع بلوتو.
للأستاذ عبد الحميد محمود سماحة
تدل كلمة (كوكب سيار) في العربية كما تدل في الأصل اليوناني على صفة نوع خاص من الأجرام السماوية يتحرك في السماء وسط النجوم (الثابتة).
وقد عرف المتقدمون من الكواكب السيارة عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل وتوهموا طويلاً أن الشمس والقمر كليهما من الكواكب السيارة لتشابه حركتها الظاهرية، فكان المجموع سبعة، وهو (العدد التام) الذي كان له شأن كبير في فلسفة فيثاغورس الرياضية.
ويلاحظ أن اشتقاق أسماء أيام الأسبوع من أسماء الكواكب السيارة، فمثلاً في الإنكليزية يوم الشمس ويوم القمر، ويوم زحل، وما يشابه ذلك في اللغة الفرنسية.
ولما توطدت دعائم نظرية (كبرنكس) عن مركزية الكون (وقد سبق أن تكلمنا عنها هنا في الرسالة) وتمكن السير اسحق نيوتن من تفسير حركة الكواكب السيارة على أساس نظرية الجاذبية المشهورة، تغير وجه المسألة، إذ ثبت أن الشمس ما هي إلا مركز المجموعة الشمسية، وأن الأرض أحد الكواكب السيارة التي تدور جميعها حول الشمس في مدارات دائرية تقريباً.
وإلى ما قبل سنة ١٧٨١ لم يكن معروفاً من الكواكب السيارة سوى هذه الستة السالفة الذكر بما فيها الأرض، وفي مساء ١٣ مارس من هذه السنة رأى السير وليم هرشل أثناء رصده لبعض النجوم جسماً يختلف في شكله عنها، وسرعان ما تحقق أنه ليس من النجوم ولكنه من الكواكب السيارة، فأتم الفلكيون أبحاثهم عنه وحسبوا مداره وحركته في السماء وأسموه (أورانوس) غير أنهم بعد قليل من الزمن لاحظوا أن مواقع أرانوس في السماء تختلف اختلافاً طفيفاً مع ما توقعوه بالحساب على أساس نظرية الجاذبية
ومع أن هذا الاختلاف لم يزد في أية حالة على دقيقتين قوسيتين إلا أنهم لم يستطيعوا أن يغمضوا أعينهم عليه، وكان لابد لتبرير وجوده من أحد أمرين لا ثالث لهما ثم يؤتى بالبرهان العملي عليه.
стр. 1612
الأول: أن يكون قانون الجاذبية العام الذي اكتشفه نيوتن والذي حسبت بمقتضاه مواقع اورانوس المستقبلة في السماء قانوناً غير طبيعي أو بعبارة أخرى غير صحيح.
الثاني: أن يكون هناك جسم مادي غير معروف لنا يؤثر في حركة أورانوس بالجاذبية وهو مما لم يعمل حسابه عند حساب مواقع أرانوس المستقبلة.
ومن غرائب المصادفات أن يفترض اثنان من نوابغ الرياضيين وهما جون أدمز الانكليزي، ولافرييه الفرنسي، مستقلا أحدهما عن الآخر، الأمر الثاني وأن يحسبا بمقتضى هذا الفرض مواقع هذا الجرم غير المعروف، ثم يتقدما في وقت واحد تقريباً (أواخر ١٨٤٥) الأول إلى الأستاذ (تشالز) مدير مرصد كمبردج والثاني إلى الأكاديمية الفرنسية بنتيجة بحثهما النظري.
وفي رأيي أن العلوم الرياضية أو بالأحرى قانون الجاذبية العام لم يسجل في تاريخ البشرية فوزاً مثل هذا الفوز عندما أيدت الأرصاد الفلكية وجود هذا الجرم السماوي بالفعل، وفي نفس الموقع الذي أشار إليه كل من آدمز ولافرييه فقد رآه جال الفلكي المساعد بمرصد برلين في مساء ٢٣ سبتمبر ومن بعده بخمسة أيام الأستاذ تشالز بمرصد كمبردج وسمى الكوكب السيار الجديد (نبتون).
كان من الطبيعي بعد معرفة مدار نبتون وحركته أن تراقب مواقعه في السماء ليرى هل هي تحقق المستنتج نظرياً فيكون هو آخر الكواكب السيارة، أو هي لا تحققه فيقتضي البحث عن السبب.
وإذا وجد أن هناك اختلافا مثل الذي وجد في حالة أرانوس، أعتقد الأستاذ لويل بمرصد فلاجستاف أنه لابد أن يكون هناك كوكب سيار تاسع يؤثر في حركة نبتون.
وفي سنة ١٩١٤ أتم الأستاذ لويل بحثه النظري وحسب مواقع هذا الكوكب السيار الموهوم في أزمنة مستقبلة عديدة غير أنه مات قبل اكتشاف هذا العالم الجديد، فأتم فلكيو فلاجستاف هذا البحث، وأخذوا صوراً متعددة في ليال متعاقبة لتلك المنطقة في السماء التي توهموا وجود الكوكب الجديد فيها، ثم اشتركت مراصد العالم المهمة في هذا البحث حتى تحقق وجوده، وأعلن اكتشافه في ١٢ مارس سنة ١٩٣٠ وسمي (بلوتو) لأن (بلوتو) في القصة اليونانية هو أخ كل من المشتري ونبتون وابن زحل وهذا الاكتشاف هو آخر الاكتشافات
стр. 1613
الفلكية الحديثة. وربما كان أهم الاكتشافات العلمية في القرن العشرين ولا يقلل من قيمة اكتشافه أن الطريقة التي اتبعت فيه من الوجهة الرياضية هي عينها التي اتبعت في اكتشاف نبتون ولاسيما وأن معرفته من بين النجوم العديدة على الألواح الفوتوغرافية كانت من أشق الأمور حقيقة نظراً لصغر حجمه، ويكفي للدلالة على ذلك أن نذكر أن أصغر النجوم التي ترى بالعين المجردة ألمع من بلوتو بمقدار الف وستمائة مرة.
ويبعد بلوتو من الشمس بما يزيد على ثلاثة آلاف وخمسمائة مليون ميل، ويتم دورته حولها في ٢٥٠ سنة تقريباً، وقد حسب بعض الفلكيين درجة الحرارة على سطحه فوجدت حوالي مائتين تحت الصفر المئوي، ولم يعرف إلى الآن حجمه بالضبط، ولكن من المحقق أنه من أصغر الكواكب السيارة، وأن حجمه يقرب من حجم عطارد.
ويرى بلوتو في الصورة إلى جانب النجمة الكبيرة رال التوأمين التي هي من القدر الرابع، وبمقارنة الصورتين نجد أن بلوتو وهو المشار إليه بالسهم قد تحرك بين النجوم (الثابتة) في ما بين ١٩ و ٢٤ مارس ١٩٣٠ وهكذا تمكنا من معرفته من بين النجوم العديدة الأخرى.
ولا نستطيع أن نقطع من الآن برأي فيما إذا كان (بلوتو) هو آخر الكواكب السيارة أو أن هناك ما هو أبعد منه، غير أن الزمن كفيل بأن يقطع في هذه المسألة مرة أخرى.
стр. 1614
مواطن الحياة الأولى
للأستاذ السر آرثر طمسن
ترجمة بشير إلياس أللوس
(١) المواطن الساحلية
في وسعنا أن ننظر إلى عملية التطور السامية من ناحية جديدة، فقد سهلت للحيوان أن يخضع لسيطرته جميع الأماكن الملائمة للحياة، ويجعل المحيط خادماً لمصلحته ومصلحة نوعه.
يظن أن العضويات الحية استوطنت السواحل البحرية أولاً لما في تلك المناطق من ظروف ملائمة للحياة، فهي قليلة الغور غنية بالنور والهواء والغذاء ولاسيما أن الأعشاب البحرية النامية في تلك الأماكن تجهز المواد الغذائية بمقياس واسع. إن هذه المناطق مأهولة في الوقت الحاضر بممثلي جميع أصناف الحيوانات تقريباً من النقاعيات إلى الطيور الساحلية واللبائن.
(٢) المواطن البحرية
إن الموطن البحري يشمل جميع سطوح المياه الغنية بالنور عدا المناطق الساحلية القحلة. ويظن أن الحيوانات استوطنت هذه الأماكن لتجانسها ووفرة ما فيها من خزيات مجهرية تصلح طعاماً لها. إن هذه النباتات المجهرية تستمكن في أجسام حيوانات دقيقة كالقشريات البحرية - التي تعتاش عليها الأسماك، وهذه بدورها تصبح طعاماً للسلاحف المفترسة والحيتان ذوات الأسنان. وبهذا الاعتبار يظن أن البحر المكشوف كان المواطن الأصلي للحياة. وقد يكون الأستاذ (شرش على صواب في تصوره أن الحياة البحرية تقدمت على الحياة الساحلية.
(٣) أعماق البحار
يظن أن قعر البحار العميقة كان موطناً ثالثاً للحياة؛ ففي ذلك المحيط البارد وفي ذلك الشتاء الدائمي والظلام الدامس الذي لا يضيء فيه غير بريق الحيوانات الفسفورية الضئيل، وتحت ذلك الضغط الهائل - طنان ونصف طن على البوصة المربعة الواحد في عمق ١٥٠٠٠ قدم - وبين ذلك السكون العميق وفي تلك الوحدة الرهيبة؛ أجل في تلك الظروف
стр. 1615
كانت الحياة تقضي شطراً من أدوارها. وربما جرى استعمار هذه اللجج العظيمة الغور في عصور حديثة العهد نسبة؛ لأن الحيوانات التي نعثر عليها في هذه الأماكن لا تشتمل أصنافاً قديمة جداً؛ ويرجح أن الحيوانات الساحلية هي التي استعمرت هذه الأماكن بتتبعها لبقايا الطعام خلال أجيال عديدة.
(٤) المياه العذبة
تشمل المياه العذبة جميع الأنهار والبحيرات والبرك والمستنقعات والغدران، وربما حصل استعمار هذه المياه بهجرة بعض الحيوانات بصورة تدريجية إلى مصبات الأنهار، أو بالزحف المباشر في ساحل البحر إلى الغدير.
(٥) استيطان اليابسة
قامت بعض الحيوانات الساكنة في البحر أو في المياه العذبة على مر العصور باستيطان اليابسة تدريجياً، ويجب أن نميز ثلاث غزوات كبيرة قامت بها الحيوانات وهي:
أ - غزوة الديدان: ونتيجتها إخصاب الأرض
ب - غزوة الحشرات: ونتيجتها تأسيس الرابطة بينها وبين الزهور.
جـ - غزوة البرمائيات: ونتيجتها نشوء الحيوانات البرية الراقية ونمو الذكاء والحب العائلي.
وهناك غزوات أخرى أقل من تلك شأناً ولكن جميعها تدلنا على أن الحيوانات المائية تميل إلى احتلال اليابسة وتحاول استعمارها بشتى الطرق. إن للنزوح إلى اليابسة مزايا عظيمة، ذلك لأنه كان بمثابة التوصل إلى محيط فيه مقدار من الأوكسجين أكثر مما هو مذاب في الماء. غير أن التسلط على أكسيجين الهواء أمر صعب نوعا ما، ولما كانت حياة اليابسة تكيف جسم الحيوان فتجعله أكثر صلابة وأفضل وقاية كان لابد من تكون سطوح داخلية في جوف الحيوان تمكن الدم من أخذ الأوكسجين وإيصاله إلى جميع أنحاء البدن وهكذا نشأت الرئتان. في أغلب الحيوانات يذهب الدم إلى السطوح المعدة لاتصال الأوكسجين، أما في الحشرات واتباعها فطريقة أخذ الأوكسجين إلى الدم أو إلى الأنسجة تختلف عن ذلك. ففي هذه الحشرات توجد أنابيب متشعبة تتوزع على جميع أنحاء البدن، ووظيفتها أخذ الهواء من المحيط. يفسر لنا هذا التنفس الكامل مغالبة هذه الحشرات التي تكون دمها نقياً
следующие страницы →