← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

العلوم اكتشاف الكواكب السيار التاسع بلوتو. للأستاذ عبد الحميد محمود سماحة تدل كلمة (كوكب سيار) في العربية كما تدل في الأصل اليوناني على صفة نوع خاص من الأجرام السماوية يتحرك في السماء وسط النجوم (الثابتة). وقد عرف المتقدمون من الكواكب السيارة عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل وتوهموا طويلاً أن الشمس والقمر كليهما من الكواكب السيارة لتشابه حركتها الظاهرية، فكان المجموع سبعة، وهو (العدد التام) الذي كان له شأن كبير في فلسفة فيثاغورس الرياضية. ويلاحظ أن اشتقاق أسماء أيام الأسبوع من أسماء الكواكب السيارة، فمثلاً في الإنكليزية يوم الشمس ويوم القمر، ويوم زحل، وما يشابه ذلك في اللغة الفرنسية. ولما توطدت دعائم نظرية (كبرنكس) عن مركزية الكون (وقد سبق أن تكلمنا عنها هنا في الرسالة) وتمكن السير اسحق نيوتن من تفسير حركة الكواكب السيارة على أساس نظرية الجاذبية المشهورة، تغير وجه المسألة، إذ ثبت أن الشمس ما هي إلا مركز المجموعة الشمسية، وأن الأرض أحد الكواكب السيارة التي تدور جميعها حول الشمس في مدارات دائرية تقريباً. وإلى ما قبل سنة ١٧٨١ لم يكن معروفاً من الكواكب السيارة سوى هذه الستة السالفة الذكر بما فيها الأرض، وفي مساء ١٣ مارس من هذه السنة رأى السير وليم هرشل أثناء رصده لبعض النجوم جسماً يختلف في شكله عنها، وسرعان ما تحقق أنه ليس من النجوم ولكنه من الكواكب السيارة، فأتم الفلكيون أبحاثهم عنه وحسبوا مداره وحركته في السماء وأسموه (أورانوس) غير أنهم بعد قليل من الزمن لاحظوا أن مواقع أرانوس في السماء تختلف اختلافاً طفيفاً مع ما توقعوه بالحساب على أساس نظرية الجاذبية ومع أن هذا الاختلاف لم يزد في أية حالة على دقيقتين قوسيتين إلا أنهم لم يستطيعوا أن يغمضوا أعينهم عليه، وكان لابد لتبرير وجوده من أحد أمرين لا ثالث لهما ثم يؤتى بالبرهان العملي عليه.

стр. 1612

الأول: أن يكون قانون الجاذبية العام الذي اكتشفه نيوتن والذي حسبت بمقتضاه مواقع اورانوس المستقبلة في السماء قانوناً غير طبيعي أو بعبارة أخرى غير صحيح. الثاني: أن يكون هناك جسم مادي غير معروف لنا يؤثر في حركة أورانوس بالجاذبية وهو مما لم يعمل حسابه عند حساب مواقع أرانوس المستقبلة. ومن غرائب المصادفات أن يفترض اثنان من نوابغ الرياضيين وهما جون أدمز الانكليزي، ولافرييه الفرنسي، مستقلا أحدهما عن الآخر، الأمر الثاني وأن يحسبا بمقتضى هذا الفرض مواقع هذا الجرم غير المعروف، ثم يتقدما في وقت واحد تقريباً (أواخر ١٨٤٥) الأول إلى الأستاذ (تشالز) مدير مرصد كمبردج والثاني إلى الأكاديمية الفرنسية بنتيجة بحثهما النظري. وفي رأيي أن العلوم الرياضية أو بالأحرى قانون الجاذبية العام لم يسجل في تاريخ البشرية فوزاً مثل هذا الفوز عندما أيدت الأرصاد الفلكية وجود هذا الجرم السماوي بالفعل، وفي نفس الموقع الذي أشار إليه كل من آدمز ولافرييه فقد رآه جال الفلكي المساعد بمرصد برلين في مساء ٢٣ سبتمبر ومن بعده بخمسة أيام الأستاذ تشالز بمرصد كمبردج وسمى الكوكب السيار الجديد (نبتون). كان من الطبيعي بعد معرفة مدار نبتون وحركته أن تراقب مواقعه في السماء ليرى هل هي تحقق المستنتج نظرياً فيكون هو آخر الكواكب السيارة، أو هي لا تحققه فيقتضي البحث عن السبب. وإذا وجد أن هناك اختلافا مثل الذي وجد في حالة أرانوس، أعتقد الأستاذ لويل بمرصد فلاجستاف أنه لابد أن يكون هناك كوكب سيار تاسع يؤثر في حركة نبتون. وفي سنة ١٩١٤ أتم الأستاذ لويل بحثه النظري وحسب مواقع هذا الكوكب السيار الموهوم في أزمنة مستقبلة عديدة غير أنه مات قبل اكتشاف هذا العالم الجديد، فأتم فلكيو فلاجستاف هذا البحث، وأخذوا صوراً متعددة في ليال متعاقبة لتلك المنطقة في السماء التي توهموا وجود الكوكب الجديد فيها، ثم اشتركت مراصد العالم المهمة في هذا البحث حتى تحقق وجوده، وأعلن اكتشافه في ١٢ مارس سنة ١٩٣٠ وسمي (بلوتو) لأن (بلوتو) في القصة اليونانية هو أخ كل من المشتري ونبتون وابن زحل وهذا الاكتشاف هو آخر الاكتشافات

стр. 1613

الفلكية الحديثة. وربما كان أهم الاكتشافات العلمية في القرن العشرين ولا يقلل من قيمة اكتشافه أن الطريقة التي اتبعت فيه من الوجهة الرياضية هي عينها التي اتبعت في اكتشاف نبتون ولاسيما وأن معرفته من بين النجوم العديدة على الألواح الفوتوغرافية كانت من أشق الأمور حقيقة نظراً لصغر حجمه، ويكفي للدلالة على ذلك أن نذكر أن أصغر النجوم التي ترى بالعين المجردة ألمع من بلوتو بمقدار الف وستمائة مرة. ويبعد بلوتو من الشمس بما يزيد على ثلاثة آلاف وخمسمائة مليون ميل، ويتم دورته حولها في ٢٥٠ سنة تقريباً، وقد حسب بعض الفلكيين درجة الحرارة على سطحه فوجدت حوالي مائتين تحت الصفر المئوي، ولم يعرف إلى الآن حجمه بالضبط، ولكن من المحقق أنه من أصغر الكواكب السيارة، وأن حجمه يقرب من حجم عطارد. ويرى بلوتو في الصورة إلى جانب النجمة الكبيرة رال التوأمين التي هي من القدر الرابع، وبمقارنة الصورتين نجد أن بلوتو وهو المشار إليه بالسهم قد تحرك بين النجوم (الثابتة) في ما بين ١٩ و ٢٤ مارس ١٩٣٠ وهكذا تمكنا من معرفته من بين النجوم العديدة الأخرى. ولا نستطيع أن نقطع من الآن برأي فيما إذا كان (بلوتو) هو آخر الكواكب السيارة أو أن هناك ما هو أبعد منه، غير أن الزمن كفيل بأن يقطع في هذه المسألة مرة أخرى.

стр. 1614

مواطن الحياة الأولى للأستاذ السر آرثر طمسن ترجمة بشير إلياس أللوس (١) المواطن الساحلية في وسعنا أن ننظر إلى عملية التطور السامية من ناحية جديدة، فقد سهلت للحيوان أن يخضع لسيطرته جميع الأماكن الملائمة للحياة، ويجعل المحيط خادماً لمصلحته ومصلحة نوعه. يظن أن العضويات الحية استوطنت السواحل البحرية أولاً لما في تلك المناطق من ظروف ملائمة للحياة، فهي قليلة الغور غنية بالنور والهواء والغذاء ولاسيما أن الأعشاب البحرية النامية في تلك الأماكن تجهز المواد الغذائية بمقياس واسع. إن هذه المناطق مأهولة في الوقت الحاضر بممثلي جميع أصناف الحيوانات تقريباً من النقاعيات إلى الطيور الساحلية واللبائن. (٢) المواطن البحرية إن الموطن البحري يشمل جميع سطوح المياه الغنية بالنور عدا المناطق الساحلية القحلة. ويظن أن الحيوانات استوطنت هذه الأماكن لتجانسها ووفرة ما فيها من خزيات مجهرية تصلح طعاماً لها. إن هذه النباتات المجهرية تستمكن في أجسام حيوانات دقيقة كالقشريات البحرية - التي تعتاش عليها الأسماك، وهذه بدورها تصبح طعاماً للسلاحف المفترسة والحيتان ذوات الأسنان. وبهذا الاعتبار يظن أن البحر المكشوف كان المواطن الأصلي للحياة. وقد يكون الأستاذ (شرش على صواب في تصوره أن الحياة البحرية تقدمت على الحياة الساحلية. (٣) أعماق البحار يظن أن قعر البحار العميقة كان موطناً ثالثاً للحياة؛ ففي ذلك المحيط البارد وفي ذلك الشتاء الدائمي والظلام الدامس الذي لا يضيء فيه غير بريق الحيوانات الفسفورية الضئيل، وتحت ذلك الضغط الهائل - طنان ونصف طن على البوصة المربعة الواحد في عمق ١٥٠٠٠ قدم - وبين ذلك السكون العميق وفي تلك الوحدة الرهيبة؛ أجل في تلك الظروف

стр. 1615

كانت الحياة تقضي شطراً من أدوارها. وربما جرى استعمار هذه اللجج العظيمة الغور في عصور حديثة العهد نسبة؛ لأن الحيوانات التي نعثر عليها في هذه الأماكن لا تشتمل أصنافاً قديمة جداً؛ ويرجح أن الحيوانات الساحلية هي التي استعمرت هذه الأماكن بتتبعها لبقايا الطعام خلال أجيال عديدة. (٤) المياه العذبة تشمل المياه العذبة جميع الأنهار والبحيرات والبرك والمستنقعات والغدران، وربما حصل استعمار هذه المياه بهجرة بعض الحيوانات بصورة تدريجية إلى مصبات الأنهار، أو بالزحف المباشر في ساحل البحر إلى الغدير. (٥) استيطان اليابسة قامت بعض الحيوانات الساكنة في البحر أو في المياه العذبة على مر العصور باستيطان اليابسة تدريجياً، ويجب أن نميز ثلاث غزوات كبيرة قامت بها الحيوانات وهي: أ - غزوة الديدان: ونتيجتها إخصاب الأرض ب - غزوة الحشرات: ونتيجتها تأسيس الرابطة بينها وبين الزهور. جـ - غزوة البرمائيات: ونتيجتها نشوء الحيوانات البرية الراقية ونمو الذكاء والحب العائلي. وهناك غزوات أخرى أقل من تلك شأناً ولكن جميعها تدلنا على أن الحيوانات المائية تميل إلى احتلال اليابسة وتحاول استعمارها بشتى الطرق. إن للنزوح إلى اليابسة مزايا عظيمة، ذلك لأنه كان بمثابة التوصل إلى محيط فيه مقدار من الأوكسجين أكثر مما هو مذاب في الماء. غير أن التسلط على أكسيجين الهواء أمر صعب نوعا ما، ولما كانت حياة اليابسة تكيف جسم الحيوان فتجعله أكثر صلابة وأفضل وقاية كان لابد من تكون سطوح داخلية في جوف الحيوان تمكن الدم من أخذ الأوكسجين وإيصاله إلى جميع أنحاء البدن وهكذا نشأت الرئتان. في أغلب الحيوانات يذهب الدم إلى السطوح المعدة لاتصال الأوكسجين، أما في الحشرات واتباعها فطريقة أخذ الأوكسجين إلى الدم أو إلى الأنسجة تختلف عن ذلك. ففي هذه الحشرات توجد أنابيب متشعبة تتوزع على جميع أنحاء البدن، ووظيفتها أخذ الهواء من المحيط. يفسر لنا هذا التنفس الكامل مغالبة هذه الحشرات التي تكون دمها نقياً

стр. 1616

على الدوام. إن استيطان اليابسة أدى أيضاً إلى تكيف الحركة الانتقالية في الحيوان على النحو الذي نراه الآن. فصار الحيوان يدفع جسمه إلى الأمام مستنداً إلى الأرض، وتكونت في جسمه سلسلة من العتلات (الروافع) وهكذا تصلبت أجسام معظم الحيوانات البرية وأصبحت تستند إلى الأرض بمنتهيات صغيرة نسبياً (هي الأنامل) حتى لا تدع مجالا لانبطاح الجسم أو تدليه إلى الأرض، فحيوان كقنديل البحر - مثلاً يعيش في المياه ويستطيع أن ينتقل فيها بسهولة، ولكن يتعذر عليه أن يعيش في اليابسة لان تركيب جسمه لا يساعده على الحركة الانتقالية في البر. وربما تبادر إلى الذهن أن بعض الحيوانات البرية تشذ عن التكيف الذي تستلزمه حياة اليابسة - كديدان الأرض وأم الأربع والأربعين والأفاعي. إن شرح الحركة الانتقالية في هذه الحيوانات ليس بالأمر الصعب، فدودة الأرض تحفر طريقها في التربة كما يفعل اللولب، وجسم أم الأربع والأربعين يحمل على عدة أرجل قوية، كما أن الحية تدفع نفسها إلى الأمام بواسطة حراشف بطنية واسعة متصلة بمنتهيات عظمية متشعبة في العمود الفقري. الضرورة حب الاستطلاع ويهمنا أن نبحث الآن في مجازفات الحياة على اليابسة، لان ذلك يمكننا من فهم الدواعي التي حملت عددا عظيماً من الحيوانات البرية على حفر أوكارها في التراب، وعددا آخر منها على تسلق الأشجار، ولماذا رجع بعضها إلى الحياة المائية ولجأ البعض الآخر إلى الهواء، وربما تبادر إلى أذهاننا أن نتساءل لماذا استعمرت اليابسة رغما عما في ذلك من مجازفات ومخاطر عظيمة؟ الجواب على ذلك: (أن الضرورة وحب الاستطلاع هما أبوا الاختراع!) فقد تكون الدواعي التي حملت بعض الحيوانات على ترك الحياة المائية هي من قبيل جفاف الغدران أو ازدحامها بعدد لا تستوعبه من الحيوانات، أو الهرب من الأعداء الكامنة لها بالمرصاد، ولكن يجب ألا نتغاضى أيضاً عن غريزة حب الاستطلاع التي كانت ولم تزل عاملا مهما من عوامل التقدم. (٦) غزو الهواء وأخيراً لجأت الحيوانات إلى الهواء فنجحت في غزوه الحشرات والعضايا المجنحة القديمة

стр. 1617

والطيور والوطاويط وأخفقت غيرها في تلك المحاولة كما نرى ذلك جلياً في الأسماك الطائرة التي تقفز في المياه إلى علو بضع ياردات، تساعد على ذلك زعانف كبيرة تنشرها عند القفز، وهذا ما نجده أيضاً في الضفادع الطائرة التي تطير من غصن إلى آخر. وهناك كثير من أمثال هذه الحيوانات التي يستدل منها على محاولة الحيوان في الماضي التغلب على الهواء ذلك الأمر الذي أدركه الإنسان عن بعد بطريقة أوجدها من عنده. لاشك أن المقدرة على الطيران لها مزايا وفوائد عديدة، فالطير الذي يعتاش على ما في الأرض يستطيع أن يهرب من الكواسر الداهمة بارتفاعه السريع في الهواء، وفي وسعه أن يتتبع الأماكن التي يكثر فيها الطعام والماء مهما كانت بعيدة، وفي إمكانه أن يضع بيضه في مواقع أمينة لا تصل إليها أيدي الأعداء. وقد استطاعت بهجراتها أن تتغلب على الزمان والمكان فكثير منها لا يعرف شتاء طول حياته. نظام الطبيعة المتطور وللتطور صفحة واضحة أخرى وهي ميله لربط الأحياء بعلاقات حيوية مهمة، فالزهور مرتبطة بضيوفها من الحشرات ارتباطاً حيوياً وثيقاً فيه منفعة مشتركة للفريقين. وهناك طيور تعتاش على ثمر العليق فتنشر البذور. وهكذا يحافظ على نسل النيتة، ونعلم أيضاً أن الحلزون المائي النحيف يكون مأوى لدودة الكبد (التي توجد في الأغنام) في أدوار حداثتها، وأن البعوض يحمل جرثومة الملاريا وينقلها من شخص إلى آخر بواسطة اللسع. ونستطيع أن نجد علائم التعاون ظاهرة بين بعض الحيوانات المتشابهة فتكون مستعمرات أو طوائف أو متجمعات كما هو بارز في النحل والنمل واللبائن، وفي كل ذلك مصلحة مشتركة للأفراد المتعاونة. على أن هناك علاقات تكون فيها المصلحة لجهة واحدة كما هي الحالة في الحشرات التي تفسد العمليات التناسلية لبعض النباتات التي تحط عليها، وزيادة على ذلك أن الحلقات الغذائية تربط مجموعة من الحيوانات كما هي الحالة في سمك القد الذي يعيش على القوقع والقوقع على الدودة والدودة على البقايا العضوية في البحر. نسيج الحياة

стр. 1618

لقد أصبحت العلاقات المسيطرة على النظام الطبيعي متناهية في التعقيد، وكان التطور العامل المشجع الأكبر لذلك التعقيد. فأمست بنية الإنسان أعقد من جميع الكائنات الحية، ويتراءى لنا أن نظام التطور قضى على الوحدة والتشابه، وكون تنوعات جديدة ذات صفات ومؤهلات تختلف في بعضها باختلاف المحيط الذي تعيش فيه، وهكذا سجلت خطوات الارتقاء على لوحة الطبيعة وأصبحت الكائنات الحية في مأمن من النكوص على الأعقاب في سلم التطور.

стр. 1619

القصص زنبل بقلم الأديب حسين شوقي إذا كان المسيو هريو الوزير الفرنسي الكبير قد أبدى لدى عودته من موسكو إعجاباً شديداً بروسيا الشيوعية في أحاديثه إلى مندوبي الصحف، فأنني أعرف كائنا ما كان ليشاركه في إعجابه لو كان حياً، وهذا الكائن هو قطتنا زنبل، لأن زنبل كانت أرستقراطية بحقيقة معنى الكلمة، ويحسبها نبلا أنها من مخدرات قصر يلدز. . وإني محدثك كيف آلت إلينا: كنا في الأستانة بعد خلع السلطان عبد الحميد، وكان أثاث القصر يباع يومئذ بالمزاد العلني، فذهبنا نشاهد ما عرض من طرائف التحف ونفائس الكنوز لأن شهرة يلدز بهذه العجائب لا تقل عند الناس عن شهرة مغارة (علي بابا) في الف ليلة ذهبنا إلى القصر على غير نية الشراء لأن والدي كان يعارض في ابتياع شيء من يلدز احتراماً لذكرى عاهلها المخلوع. وكان يجله ويرى فيه رمزاً لمجد الإمبراطورية العثمانية التي بدأ ظلها يتقلص فعلاً بعد سقوطه، ولكن ما كادت أبصارنا تقع على زنبل القطة الأنقرية الجميلة حتى وقفت لا تريم عنها انصرافاً. . وانقسمنا فريقين فريقاً من الصغار (نحن) يتمسك بالشراء، وفريقاً من الكبار يعارض فيه، وانتهى الخلاف طبعاً بانتصارنا، إذ كان لابد من إنقاذ زنبل من الحالة المهينة التي كانت عليها في تلك الساعة، فقد وضعت في قفص ضيق حقير ليشاهدها الرائحون والغادون. . فدفعنا الثمن خمسة جنيهات وحملناها معنا. . أما طرائف القصر الأخرى فكانت عادية لا تزيد على نظائرها في سائر القصور الملكية. ما زلت أذكر زنبل خلال ضباب الماضي البعيد، وهي جالسة على مقعد من القطيفة في الصالون الصغير بمنزلنا القديم بالمطرية، ترتل أناشيدها في هدوء وطمأنينة. . وكم كان شعر زنبل جميلا يحاكي بياضه الناصع الثلج الذي يجلل جبال الأناضول وطنها العظيم، وكانت نعومة شعرها أشبه شيء بنعومة الزنبق. أما عيناها فكانتا تعكسان ما تشاهده على ضفاف البوسفور من خضرة زمردية بديعة. . وكان لحم كفيها ناعماً طرياً إلى حد إننا كنا نجد لذة في القبض على تلك الأكف الظريفة. . كان صيد الفيران والصراصير من الأمور الحقيرة التي لا تتعرض لها زنبل، كما تفعل

стр. 1620

ذلك القطط الأخرى. . لأن تسلية زنبل الوحيدة كانت أن تسحب أمامها خيطاً فتجتهد هي أن تقفه بضربات يدها الصغيرة. . وطالما جررنا لها ذيلها لنوهمها انه خيط عادي فكانت المسكينة تصدق ذلك فتوسعه ضرباً. . وفي ذات يوم وقعت حادثة أدهشت من بالمنزل جميعاً وهي أن زنبل حامل! رباه! كيف زلت زنبل الأرستقراطية؟ كيف خالطت زنبل قطط الحي وهي كلها قطط عادية شعبية لا تمت لأنقرة بنسب؟ ولكن زنبل وكأنها شعرت بالخطيئة الكبيرة التي ارتكبتها ما كادت تضع حملها حتى هجرت صغارها، فاضطررنا أن نغذى هؤلاء الصغار تغذية صناعية. كانت زنبل على حق في هجر أطفالها لأن هؤلاء الصغار كن من الصعاليك لا يليق أبداً أن ينسبن إليها. .! بعد مرور عامين على هذا الحادث، وعودة زنبل إلى حياتها الأولى الهادئة، عزمنا على قضاء بضعة أشهر في الخارج، فعهدنا إلى أحد الخدم برعاية زنبل، والعناية بوجه خاص بغذائها، وهو دجاجة مسلوقة كل يوم، وكانت زنبل لا تأكل منها إلا اللحم. . . . ولكن لدى عودتنا من أوربا فوجئنا بخبر وفاة زنبل، على أثر مرض لم يمهلهما طويلا. . كما قال الخادم المكلف بخدمتها. . أما الحقيقة التي عرفناها بعد، فهي أن ذلك الخادم الخبيث كان يأكل دجاجة زنبل ويعطيها عظمها فترفضه زنبل. . وهكذا فقدت حياتها، ولكن في كرامة وأباء! كما يفعل الأرستقراطيون الأصلاء. . . كرمة ابن هانئ

стр. 1621

الحارس لجى دوموباسان بعد أن فرغنا من تناول الغداء، كان قد بدأ صديق لنا قديم وهو السيد (بونيفاس) يسرد علينا حوادث ومخاطرات جرت له أثناء الصيد، وهو مشهور بالصيد وشرب الخمر، جلد، بشوش، ذو تفكير ناضج، وشعور حي، وله فلسفة تهكمية تظهر بها نفسيته عند المداعبة القارصة، ولا تظهر أبداً إذا تكلم بحزن. قال لنا فجاءة: إنني أعرف حادثة صيد، أو بالأحرى مأساة صيد فريدة في بابها، لا تشبه أبداً الحوادث التي نعرفها، وإنني أعلم أني لم أقصها عليكم من قبل ولا على غيركم، لأنها لا تسلي أحداً، فهي ليست عاطفية، أريد أن أقول أنه ليس لها هذا النوع من اللذة التي تشوق السامع أو التي تسحره، أو التي تذهله، وهاكم الحادثة: كان عمري آنئذ يناهز الخامسة والثلاثين، وكنت اصطاد بقوة الشباب، وكنت قد اقتنيت في ذلك الوقت قطعة أرض منعزلة في إحدى الضواحي محاطة بالغابات وهي مأوى طيب للأرانب. ذهبت إليها مرة وقضيت فيها وحدي أربعة أيام أو خمسة لأنني لم أتمكن من اصطحاب أحد الأصدقاء. مكثت هناك كالحارس أو كشرطي متقاعد شجاع شديد البأس على باب قلعته، وكنت لا أخاف شيئاً. وكان بالقرب من أرضي بيت صغير منعزل أو بالأحرى كوخ يتألف من غرفتين سفليتين ومطبخ وغرفة للطعام، وغرفتين علويتين، إحداهما صغيرة لا تتسع لأكثر من سرير ومرآة وكرسي وهي التي استأجرتها، وكان يشغل الثانية (كافالييه) الهرم، وقد قال لي أنه وحيد في مسكنه. فأقمت عنده باسم مستعار ثم أسكن معه حفيده. وهو من الأشقياء تبلغ سنة أربعة عشر عاماً كان يذهب من حين إلى آخر إلى القرية التي تبعد ثلاثة كيلومترات وكان يساعد الكهل في أشغاله اليومية. كان لهذا الشقي الطويل الهزيل المحدودب قليلا، شعراً أصفر اللون خفيف يشبه ريش الدجاجة المقصوص، حتى ان من يراه يحسبه أصلع، وله كذلك قدمان ضخمتان ويدان جبارتان كيدي المارد، عينه حولاء قليلا، وكان إذا مشى لا يرى أحداً فهو إلى الحيوانات أقرب منه إلى الإنسان لأنه يشبه الثعلب. كان ينام في ثقب صغير في أعلى الدرج وكان يدعى (ماريوس) ولكنه تخلى عنه أثناء

стр. 1622

إقامتي هناك لامرأة مسنة تدعى (سيليست) كان الكهل قد أتى بها لصنع الطعام. قد علمتم الآن الأشخاص والمكان فهاكم الحادثة: نحن في ١٥ أكتوبر سنة ١٨٥٤ وهو التاريخ الذي لا أنساه أبداً. خرجت ذات صباح من روان ممتطياً صهوة جوادي يتبعني كلبي (بوك) ذو الصدر الواسع واللسان الحاد والأسنان القوية، التي تخترق الأشواك. وكنت مردفاً حقيبة سفري وبندقيتي، وكان يوماً شديد البرد، عاصف الهواء رطبه، كثيف السحاب مسرعة، وكنت أرى من الشاطئ وادي السين الواسع الذي يمتد ماؤه حتى الأفق ماراً بأوكار الثعابين على ضفتيه، وكان النظر يمتد على الضفة اليمنى حتى يقف على الشواطئ البعيدة المستورة بالغابات، ثم اجتزت غابة رومار، مبطئاً تارة ومهرولا أخرى حتى كنت في الساعة الخامسة تقريباً أمام البيت حيث كان الكهل والعجوز ينتظرانني. وبعد عشر سنوات من نفس التاريخ ذهبت بنفس الهيئة وسلمت على نفس الوجوه بنفس الكلمات. - أهلاً وسهلاً أيها السيد، كيف صحتك؟ ألا تزال جيدة؟ وكان الكهل لم يتغير منظره أبداً، فقد كان يقاوم الزمن كالشجرة المسنة، ولكن (سيليست) كانت قد تغيرت ملامحها منذ أربعة أعوام لا أكثر حتى أنني لم أعرفها لأول وهلة. غيرها الزمان ولكنها مازالت نشيطة. وكانت تمشي بجسمها الطويل منحنية إلى الأمام حتى أن رجليها كانتا تشكلان تقريباً زاوية قائمة. وكانت هذه المرأة تبذل جهدها في عملها، وكانت تدهش عندما تراني وكانت تقول لي عند كل ذهاب: - هل هذه هي المرة الأخيرة التي أراك فيها يا عزيزي؟ حقاً أن وداع هذه الخادمة محزن، وأن قنوطها أمام الموت الذي لا مفر منه كان يظهر جلياً في وجهها وعينيها حتى أن وداعها كان يؤلمني ويشعرني بحالة نفسية غريبة. نزلت عن ظهر الجواد إلى الأرض وكان الكهل الذي صافحته يقود الجواد إلى المأوى الصغير الذي يصلح أن يكون اصطبلا، ثم تبعت سيليست إلى المطبخ الذي يصلح أن يكون غرفة طعام.

стр. 1623

ثم تبعنا الحارس، وقد لاحظت للوهلة الأولى أن وجهه ليس كالمعتاد فأن القلق والضيق يظهران عليه فقلت له: - هل تريد أيها الشيخ أن يسير كل شيء في العالم حسب رغبتك؟ فقال بصوت هادئ: - إن ما حدث لي اليوم، سبب لي هذا الضيق فقلت: ماذا حدث لك أيها الكهل؟ هل لك أن تقص عليّ ذلك فأومأ برأسه سلباً، وقال: - لا، لم يحن الوقت أيها السيد، إنني لا أريد أن يحصل مثل هذا بعد الآن، فألححت عليه، ولكنه رفض أن يبدأ بها قبل الغداء فعلمت أنها قصة مؤثرة. ثم قلت له قطعا للصمت: - وهذه الجعبة؟ هل لنا فيها شيء؟ - فقال: نعم، ستجدون ما تشاءون، الحمد لله! لقد كان نصيبي اليوم وافراً. قال هذه الكلمات بشجاعة، ولكنها شجاعة حزينة تبعث على الضحك، فان شاربيه الضخمين الرماديين كانا على وشك السقوط من فوق شفته. ثم أخبرتهما فجاءة أنني لم أر الحفيد إلى الآن فقلت: - وماريوس؟ أين هو؟ لماذا لا يظهر الآن؟ فاعترت الحارس رجفة خفيفة ثم التفت ألي بسرعة وقال: - أريد إذن أن أقص عليك الآن أيها السيد كل شيء، أجل إنني أفضل ذلك، وأن الذي أطويه في سري يتعلق بماريوس. فقلت أين هو الآن؟ فأجاب: - إنه بالإسطبل يا سيدي، وأنا أنتظر الساعة التي يظهر بها، فقلت وماذا يصنع هناك؟ قال: - اسمع أيها السيد. . . ثم تردد برهة وتغير صوته وارتجف وظهرت على وجهه تجاعيد الشيخوخة ثم قال: - اسمع، لاحظت في هذا الشتاء أن هناك سارقاً في الغابة ولكنني لم أتمكن من القبض عليه. فقضيت هناك بضعة ليال ولكني لم أجد شيئاً. وفي هذه الأثناء أخذ يتزايد المسروق من الغابة؛ فانفجرت غيظاً وحنقاً وطفقت أبحث عن المجرم، ولكن عبثاً. وفي أحد الايام؛ عندما كنت أنظف سروال ماريوس وجدت في جيبه أربعين قرشاً، فقلت

стр. 1624

في نفسي من أين لهذا الغلام بها؟ ولبثت ثمانية أيام أفكر، ثم رأيته يخرج كل يوم عندما أرجع إلى البيت لأستريح، فعندما أخذت أراقبه، ولكن دون أن يرتاب بي. وفي ذات صباح رأيته يستعد للذهاب فنهضت على خلاف عادتي وتبعته وليس أحد يجاريني أيها السيد في التتبع. ثم قبضت عليه. قبضت على ماريوس الذي كان يسرق من أرضك أيها السيد! نعم هو حفيد حارسك فغلى الدم في رأسي وفكرت في أن أقتله في مكانه بضربة من يدي، آه. نعم ضربته وقلت له أذهب، وأوعدته أنك عندما تكون هنا سأضربه مرة أخرى عقاباً له لأردعه، وقد أثر فيّ الحزن فهزلت كما ترى وأنك تعلم عقاب مخالفة كهذه المخالفة. ولكن ماذا كنت تعمل غير هذا؟ أنه ليس له أب ولا أم وليس من أسرته إلا أنا؛ فكنت أراقبه ولا أقدر أن أطرده، على أني أنذرته أنه إذا عاد إلى هذا العمل فإن خاتمته سوف تكون على يدي. ولن أرحمه أبداً، فهل صنعت حسناً أيها السيد؟ فقلت له ماداً إليه يدي. - نعم ما فعلت أيها الشيخ! إنك رجل شجاع. فقال: شكراً أيها السيد، وسأذهب الآن فأدعوه اليك؛ فيجب أن تؤدبه أنت أيضاً ليرتدع. وكنت أعلم أنه ليس من اللائق أن أرد هذا الشيخ عن قصده، فتركته يفعل ما يشاء، فذهب يبحث عن الشقي ثم رجع به يجره من أذنه. وكنت جالساً على كرسي من القش بهيئة المستعد للحكم. فظهر ماريوس أمامي أكبر سناً وأكثر قبحاً من السنة الفائتة، وظهرت يداه الكبيرتان ضخمتين، فدفعه عمه أمامي وقال بصوت المربي: - اعتذر لصاحب الأرض! فلم ينبس الغلام ببنت شفة فقبض عليه عمه من إبطيه ورفعه عن الأرض وأخذ يضربه بقسوة اضطرتني إلى أن أستشفع له فأخذ الولد يصيح - شكراً، شكراً أعدك أن. . . ثم ألقاه الشيخ على الأرض وأخذ يضربه على كتفيه وركبته قائلا له: - اعتذر

стр. 1625

فقال الشقي أخيراً بصوت متهدج وطرف خاشع: أعتذر، وعندئذ رفعه عمه وأطلقه بركلة دحرجته فوق الأرض فنجا، ولم أعد أراه في المساء. ولكن ظهر على الشيخ أنه تعب فقال: إن أخلاقه سيئة. وقال ونحن على مائدة الغداء. - إنني أحزن له أيها السيد، أنت لا تعلم كم يشجيني أمره. فحاولت أن أسليه ولكن عبثاً. . . ونمت باكراً استعداداً للصيد، وكان كلبي نائماً عند رجل سريري حين أطفأت شمعتي. استيقظت نصف الليل على صياح الكلب، ولاحظت أن غرفتي ملأى بالدخان، فقفزت من فراشي وأشعلت النور وهرولت نحو الباب ففتحته فدخل تيار من الدخان، وكان البيت يلتهب! فأقفلت الباب بسرعة ولبست سروالي وأنزلت أولا كلبي من النافذة بواسطة حبل مربوط في سترتي، ثم ألقيت ثيابي وسكيني وبندقيتي ونزلت أخيراً بالواسطة نفسها. وأخذت أصيح بكل قواي: كافالييه! أيها الشيخ! كافالييه!. ولكن الشيخ لم يستيقظ، بل كان نائماً نوم الضباط العميق، وفي هذه الأثناء رأيت من أعلى النافذة أن الطابق الأسفل كالأنون المستعر، ولاحظت أنه مملوء بالتبن الذي أشتعل لتقوية الحريق. . وعاودت الصياح بشدة قائلاً: كافالييه. . ثم مر خاطر برأسي، فصوبت بندقيتي إلى النافذة وأطلقت رصاصتين فانكسرت الألواح الستة، وفي هذه المرة سمع الكهل ولما رأى النار اعتراه ذهول ودهش فصحت به: بيتك يحترق، ألق نفسك من النافذة، اسرع، اسرع. . وكان الدخان يخرج من النوافذ السفلية، موازياً الحائط ثم يزحف إلى الشيخ ويحيط به، فألقى بنفسه فسقط على رجليه كالهرة. ثم مضى وقت، وصار السقف يفرقع وكان الدرج أشبه بمدخنة طويلة، وكان لسان النار طويل يتصاعد في الجو ويتمدد، وكانت الشرارات تتناثر حول البيت فقال الشيخ بذهول: - كيف حصل هذا؟ فأجبت: وضعت النار في المطبخ فقال: من تظن أنه وضعها؟ فقلت فجاءة: ماريوس! ففهم الشيخ وقال: آه ولأجل هذا لم

стр. 1626

يرجع بعد ولكن فكرة رهيبة خطرت لي فقلت: وسيليست، سيليست؟! فلم يجب، ولكن المنزل كان ينهار أمامنا كتلاً من الأحجار لامعة دامية، وكانت المرأة المسكينة قد صارت حجراً أحمر، من اللحم البشري. إننا لم نسمع صياحاً، ولكن عندما انتقلت النار للسقف المجاور لسقفنا فكرت في جوادي وركض الشيخ ليخلصه. وتمكن بمشقة من فتح باب الإسطبل فشاهد جسما خفيفاً سريعاً مر بين رجليه ولطمه في أنفه، وكان هذا ماريوس هارباً بكل قواه، فنهض الشيخ ليقبض على الشقي، ولكنه عرف انه لا يمكنه اللحاق به، وأصابه جنون شديد، ولما رأى انه لا يستطيع القبض عليه تناول بندقيتي الموضوعة على الأرض قريباً منه فوضعها تحت إبطه قبل أن تبدو مني حركة واحدة، وأطلقها وهو لا يعرف أن فيها رصاصات عديدة، فأصيب الهارب في ظهره وسقط على الأرض مضرجاً بدمه، فأخذ ينكث الأرض بيديه ورجليه كأنه يريد أن يركض على أربع كالأرانب الجريحة حين ترى الصياد قادماً إليها. فتألمت، وأخذ الغلام ينازع ثم قضى قبل أن ينطفئ الحريق دون أن يقول كلمة. وكان كافالييه واقفاً بقميصه وساقيه العاريتين، لا يتحرك وعندما أتى رجال القرية حملوا حارسي وهو كالمجنون. ذهبت إلى المحكمة شاهداً وسردت الحادث بتفاصيله دون أن أبدل شيئاً، فبرئ، كافالييه، ولكنه ترك البلدة في اليوم نفسه ولم أعد أراه. هذه قصة صيدي أيها السادة.! محمد ناجي الطنطاوي

стр. 1627

بلياس ومليزاند للفيلسوف البلجيكي موريس ماترلنك ترجمة الدكتور حسن صادق مليزاند: خل سبيلي. . . قد يباغتنا أحد. . . بلياس: كلا، كلا، لن أطلق سراحك الليلة، أنت سجينتي، وستظلين كذلك الليل كله. . . مليزاند: بلياس! بلياس! بلياس: لن تستطيعي الفكاك بعد ذلك. . . إني أربط شعرك حول الأغصان. . . لم أعد أتألم وسطه. . . أتسمعين قبلاتي ترقص على امتداده؟ إنها تتسلقه، ويجب أن تحمل كل شعرة إليك قبلة. . . أنظري. . . أستطيع الآن أن أفتح يدي. . . أترين؟ هاتان يداي مفتوحتين طليقتين، ومع ذلك تعجزين عن هجري والابتعاد عني! (يخرج من البرج يمام ويطير حولهما) مليزاند: أوه! آلمتني. . . ما هذه الطير التي تحوم في الفضاء حولي؟ بلياس: اليمام خرج من البرج. . لقد أفزعته فطار مليزاند: أنه يمامي يا بلياس! اذهب من هنا ودعني وحدي لن يعود إلي يمامي! بلياس: ولماذا؟ مليزاند: سيضل في الظلام. . . دعني أرفع رأسي. . . إني، أسمع وقع أقدام. . . اتركني بربك. . . إن (جولو) مقبل علينا! أعتقد أنه هو! لقد سمع حديثنا. . بلياس: انتظري! انتظري! شعرك عالق بالأغصان. . وقد اشتبك في سواد الليل. انتظري! انتظري!. . . التف الكون بالظلام. . . (يدخل جولو من الطريق المستديرة) جولو: ماذا تصنع هنا؟ بلياس: ماذا أصنع هنا؟. . . إني. . . جولو: أنتما طفلان. . . مليزاند، لا تنحني هكذا على النافذة. . ستسقطين. . . أنسيتما أن شطراً كبيراً من الليل قد تردى في هوة الماضي؟. . . كاد الليل أن ينتصف. . . لا يجوز أن تلعبا في الظلام كما تفعلان الآن. . . أنتما طفلان. . . (ثم يقول في انفعال شديد) أي

стр. 1628

طفلين، أي طفلين! (يخرج مع بلياس) المنظر الثاني: (كهوف تحت القصر. يدخل جولو وبلياس) جولو: أحترس. . . من هنا من هنا. . . ألم تلج قط هذا المكان؟ بلياس: بلى، مرة واحدة. . . وقد مضى على ذلك زمن طويل جولو: إذن أنتظر. . . ها هو ذا الماء الراكد الذي حدثتك عنه. . أتشم رائحة الموت التي تنبعث منه؟ هلم نتقدم حتى نبلغ آخر الصخرة المطلة على الماء، ثم انحنى عليها قليلاً. . . ستهب عليك الرائحة وتصدم وجهك. . انحنى ولا تخف، سأشد أزرك. . أعطني لا. لا. . لا أريد يدك. . أخشى أن تفلت من يدي. . أعطني ذراعك. . . أترى الهاوية؟ بلياس؟ بلياس؟ بلياس: نعم. أعتقد أني أرى قاع الهاوية. . . أهو النور الذي يهتز هكذا؟. . . أنت. . . جولو: نعم. إنه المصباح في يدي يهتز. . انظر، إني أحركه لأنير الجدر. . بلياس: إني أختنق في هذا المكان. هلم نخرج جولو: لك حكمك (يخرجان في صمت) المنظر الثالث: (شرف عند مخرج الكهوف) بلياس: آه! الآن أتنفس بعد ضيق. . . اعتقدت، لحظة؛ أن الدوار سيصرعني في هذه الكهوف الهائلة. . كنت على وشك السقوط. . في ذلك المكان المخوف هواء رطب ثقيل كأنداء من الرصاص، وظلمات كثيفة كعجين مزج بالسموم. . وهاأنذا أملأ رئتي بهواء البحر كله!. . إني لأجد نسيما منعشاً نضيراً، كزهرة تفتحت في هذه اللحظة وسط أوراق صغيرة خضراء. . آه! لقد سقيت منذ قليل الأزهار المغروسة أمام الشرف، والنسيم يحمل إلينا رائحة العشب المبلل ويفوح بشذى الأزهار وعطرها. . حان وقت الظهر أو كاد، وآية ذلك أن ظل البرج قد أدرك الأزهار. انتصف النهار، لأني أسمع دق النواقيس وأرى

стр. 1629

الأطفال يجرون نحو شاطئ البحر للاستحمام. آه! أنظر. أمنا وميلزاند في إحدى نوافذ البرج جولو: نعم إنهما لجأتا إلى ناحية الظل يعصمهما من حرارة الشمس. . وبمناسبة ميلزاند أقول لك إني سمعت ما جرى وما قيل أمس مساء. إنه حديث أطفال يلعبون، وأعرف ذلك جد المعرفة ولكن يجب ألا تعودا إلى ما كنتما فيه من حديث ولعب. إنها رقيقة الحس ورقيقة الأعصاب، وحالها تتطلب معاملة فيها حسن السياسة ولطف الكياسة، لأنها فوق ما ذكرت تحمل في أحشائها جنيناً وستصبح أماً في القريب العاجل. وأقل انفعال قد يصيبها بمكروه. وليست هذه بأول مرة أرى فيها ما يجعلني أظن أن بينك وبينها أشياء. . إنك أكبر منها سناً، ويكفي أن أقول لك ذلك. . تجنبها ما استطعت، ولكن في غير تصنع. . أسمعت؟ في غير تصنع (يخرجان) المنظر الرابع: (أمام القصر. يدخل جولو وولده إينيولد الصغير) جولو: تعالي نجلس هنا يا إينيولد. تعالي. على ركبتي. سنرى من هذا المكان ما يجري في الغابة. لم أعد أراك يا بني منذ أيام كثيرة. أنت أيضاً تهجرني وتزوَّر عني معرضاً! إنك في كل حين عند أمك الصغيرة (يعني مليزاند). . . آه! ها نحن أولاء نجلس تحت نوافذها مصادفة. . لعلها في هذه اللحظة تؤدي صلاة المساء. . ولكن دعنا من هذا وقل، يا بني: إنها تقضي أكثر وقتها مع عمك بلياس، أليس كذلك؟

стр. 1630

الكتب دار المعارف الإسلامية الأستاذ احمد أمين لعل أكبر عمل قام به المستشرقون هو تأليف دائرة المعارف الإسلامية، قصدوا بها أن يجمعوا بحوثهم ومعلوماتهم في كتاب جامع مرتب على حروف الهجاء، يتكلمون فيه عن البلدان والموضوعات التاريخية والفقهية والنحوية واللغوية الخ ويترجون فيه للأعلام. وقد بدأوا عدتهم في ذلك بنشر الفكرة بين علماء الاستشراق سنة ١٨٩٩ على ما أذكره، وأخذوا يجمعون المواد ويرتبونها ويوزعونها على العلماء من هولنديين وألمان وإنجليز وفرنسيين وإيطاليين وغيرهم من الشرقيين، وظلوا في هذا الأعداد نحو عشر سنوات، ثم أصدروا الأعداد تباعاً باللغات الثلاث الإنجليزية والفرنسية والألمانية، كل عدد يقع في نحو ثمان وستين صفحة بالخط الدقيق. واعتزموا إخراج هذا المعجم في أربعة مجلدات ضخام كل مجلد يقع في أكثر من ألف صفحة، وقد أخرجوا إلى الآن مجلدين وأعداداً من المجلدين الثالث والرابع وقد عنوا بتوزيع الموضوعات على المختصين فيها فكثير من الموضوعات المتعلقة بالفقه والأصول كان يكتبها جولذ زيهبر والأدبية (هوار) وهكذا. ولم يستوفوا في كتابتهم كل ما يجب أن يكتب حول الموضوع وإنما اقتصروا على أهمه ووكلوا الإفاضة في ذلك إلى المراجع التي يذكرونها عقب كل مادة ثم يذيلونها باسم من كتبها، ولهم إلى الآن نحو خمسة وعشرين عاماً يوالون إخراج أعدادها، وربما كان أمامهم نحو عشر سنوات أخرى لإتمامها، فهم في كل عام يخرجون عددين أو ثلاثة، وكلما انقرضت طبقة من العلماء والناشرين حلت محلهم طبقة أخرى ينهجون منهجهم ويسيرون في طريقهم وان كان الرعيل الأول أمتن وأعمق من الرعيل الذي خلفه، والكتاب في جملته من أهم الكتب التي تفيد الباحث وترشده إلى أهم ما قيل في الموضوع وتدله على خير الكتب العربية والإفرنجية التي يصح أن يرجع الباحث إليها للاستزادة منها.

стр. 1631

وكثيراً ما فكرت لجنة التأليف والترجمة والنشر في تعريبها حتى ينتفع بها قراء العربية في الممالك الشرقية ولكن أكثر ما كان يعوقهم أمور: (الأول) إن العمل لم يتم بعد، وقد سار المؤلفون في ترتيبها مراعين الكلمة العربية بحروفها الإفرنجية فوضعوا مثال كلمة (عبد) في حروف الألف. وكثير من المواد التي لم تؤلف بعد هي في حرف الألف بالعربية، وان كانوا هم قد أتموا حرف الألف بالإفرنجية فكلمة (أسامة) و (أرجوان) يجب أن توضع في حرف الألف بالعربية وهي توضع في حرف بالإفرنجية فلإتمام كل حرف يجب أن ينتظر إلى إتمام الكتاب. (الثاني) أن كثيراً من الموضوعات نظر فيها العلماء المستشرقون نظرة خاصة غير النظرة التي ينظرها المسلمون وعالجوا نواحي قد يهم المسلمين غيرها، وبعضهم كان متعصباً فكان يمزج عصبيته ببحثه كما فعل الأب لامانس في بعض ما كتب، وهذا يوجب أن يكتب الموضوع من جديد ومن غير تحيز. (الثالث) أن بعض الموضوعات قد تغير فيها نظر العلم منذ كتبت، فالكتب التي عثر عليها في هذه الأعوام الثلاثين، والنقوش التي استكشفت، وجهود العلماء، جعلت المادة لو كتبت من جديد لكانت أدق وأوفى، وجعلت المراجع التي يجب أن يشار إليها أتم وأكمل. (الرابع) أن المواد لما وزعت على الأعضاء لم تخرج متناسبة فقد رزقت بعض المواد الحظوة التامة فملأت الكتابة عليها كثيراً من الفراغ على حين أن مادة أهم منها قد لا تذكر بتاتاً أو تذكر في قليل من الإيجاز فخرج الكتاب غير متناسب الأجزاء. هذا كان تفكير الشيوخ، والشيوخ دائماً حذرون يكثرون التفكير في العواقب ويحسبون لكل خطوة ألف حساب، فما هو إلا أن نهض الشباب ولا راد لنهضته فهزأ بكل العقبات وثابر على العمل وجد واقتنع بأن إخراج العمل مع ما قد يكون فيه من نقص أجدى على العالم العربي من الانتظار، فليخرج ولينتفع به القراء والباحثون ولينتقد ثم ليصلح النقد، وليكن فيه تقصير ولكن هذا التقصير يستدرك، فسنستدركه نحن أو يستدركه غيرنا، هذا خير ألف مرة من التسويف وانتظار الزمن وانتظار الكمال، إذن فلننهض بحمل العبء، وليجد غيرنا في نقدنا وإصلاح ما فاتنا، فمن وراء هذا وذاك عمل مجيد أقل ما فيه أنه عمل يطلع علماء

стр. 1632

الشرق على عمل الغرب في مادتهم وعلومهم، ويعلمهم كيف يبحثون ويرتبون معلوماتهم، ويضعونها تحت السبر والاختبار، ويبعث علماء الجيل القادم في الشرق أن يهبوا من رقدتهم فيضعوا بأنفسهم ولأنفسهم معاجم ودوائر معارف يعدونها إعداداً صحيحاً وافياً ثم لا يكونوا عالة يتكففون الغرب. لعل هذا وأكثر منه هو ما دار في نفوسهم وحفزهم للعمل فتحملوا العناء مبتسمين راضين. لقد أخرجوا لنا باكورة عملهم في هذا العدد الأول وهو في ورقاته القليلة يدل على ما وراءه من جهد كبير، فهم بلا شك قبل ذلك ترجموا كل كلمات الدائرة ورتبوها حتى تكون متسلسلة محكمة، وهم بلا شك راجعوا كثيراً من النصوص واستفتوا كثيراً من العلماء فيما غمض عليهم، واستعانوا بهم فيما نرى أثره من تعليقات. قد قرأت هذا العدد وراجعت بعض مواده على الأصل الإنكليزي ووافقت الأستاذ إسماعيل مظهر على بعض وجوه النقد المنشورة في هذا العدد والتي ستنشر في العدد التالي، ولكن أهم ما لاحظته وأود أن يتداركوه في الأعداد القادمة أن الترجمة ينقصها كثير من الصقل، فالقارئ يشعر دائماً أن العبارة مترجمة عن أصل أجنبي مع أن مقياس جودة الترجمة فقدان هذا الشعور وأن يخيل للقارئ أنها كتبت بالعربية ابتداء. من أمثلة ذلك ما جاء في صفحة ١٤: (ومن واجب كل مسلم أن يعمل المعروف وأن ينهى عن المنكر) مع أن المألوف في العربية: (أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر) وما جاء في صفحة ١٣: (وهم دون أن يجادلوا في شرعية حكم الخلفاء الأربعة الراشدين كما يفعل الشيعة يصرون على أن القدوة الحسنة بعد النبي كانت في أبي بكر وعمر) فمحال أن تصدر هذه الجملة من كاتب يضع كتابه بالعربية، إلى أمثال من ذلك يكاد يجدها القارئ في كل صفحة. فلعل مرونة القلم والصبر على التجويد والرغبة في تحقيق الأكمل يذهب بهذا النقص في الأعداد القادمة. وأخيراً أحيي في الشباب هذا الجد والنشاط وأكبر هذه العزيمة وأتمنى للمشروع النجاح؟

стр. 1633

معجم الحيوان تأليف الدكتور أمين باشا المعلوف ليس هذا السفر الجليل مما تجوز معه القراءة السريعة والنظرة العجلى، لأنه ليس لغواً من القول وحشوا من الكلام، بل لابد لك، إن أردت أن تحصل مما فيه شيئاً، من وقفة طويلة يحدوها الصبر الجميل. ذلك لأنك بصدد بحث علمي دقيق فهو معجم لأسماء الحيوانات بقلم الفريق أمين المعلوف، ذكر فيه لكل حيوان اسمه العربي والفرنسي والإنجليزي فضلاً عن اصطلاحه العلمي. ووصف كل حيوان وصفاً أوجز فيه حيناً وأسهب حيناً آخر، إذا اقتضى الأمر إيجازاً أو إسهاباً. وليس هذا المعجم وليد اليوم، إنما هو مقالات نشرت في مجلدات عديدة من المقتطف. بدئ في نشرها منذ أكثر من عشرين عاماً، ولكن الدكتور المؤلف قد توج هذا المجهود العظيم، وأتم على قراء العربية فضله ونعمته، بأن جمعها وبوبها ورتبها في معجم واحد، فملأ بذلك مكاناً شاغراً في المكتبة العربية وأحب أن أسوق إليك مثلاً لدقته في البحث، ما جاء عن ترجمة كلمتي ,؛ فقد كان شائعاً بيننا أن الأولى تطلق على النمر، والثانية على الفهد، ولكنه أثبت خطأ هذا التعريب، وبين أن معناها ببر، وأن معناها نمر، أما الفهد فهو ما يقول عنه الإنجليز ويحسن أن ننقل إلى القارئ نص ما جاء بالمعجم في تعريب كلمة ليرى المراجع التي استند إليها المؤلف: ببر (فارسية معربة) , سبع هندي يعادل الأسد في عظم الجثة والقوة إلا أنه أشد منه بطشاً وهو أبيض البطن والجانبين مع صفرة، ومخطط بخطوط سود. ولابد لي من الإطالة في الكلام على الببر والنمر والفهد والوشق وعناق الأرض، وذلك لكثرة الخطأ في ترجمة هذه الألفاظ. فالعرب لم يكن عندهم لفظة يعبرون بها عن هذا الحيوان المسمى عند الإفرنج فاستعملوا اللفظة الفارسية ولم يسموه نمراً ولا النمر الهندي، ولا بأس بتسميته بالأسد الهندي كما جاء في محيط المحيط فانه أقرب إلى الأسد منه إلى

стр. 1634

النمر. وقد وردت لفظة الببر كثيراً في المؤلفات العربية وفي الشعر العربي والمقصود بها هذا الحيوان المخطط المسمى عند الإفرنج، فقد جاء في كتاب عجائب المخلوقات (الببر حيوان هندي أقوى من الاسد، بينه وبين الأسد معاداة، وإذا قصد الببر النمر فالأسد يعاون النمر) وقال الدميري في آخر كلامه عن الببر: (وذكر في ربيع الأبرار أن الببر على صورة الأسد الكبير وهو أبيض يلمع بصفرة وخطوط سود) وقال الجاحظ: (الفيل والببر والطاووس والببغاء والدجاج السندي مما خص الله به الهند) وقال في محل آخر: (لأن هذه السباع القوية الشريفة ذوات الرياسة كالأسد والببور والنمور لا تعرض للناس إلا بعد أن تهرم فتعجز عن صيد الوحش). وهو ما يقوله الإفرنج الآن عن هذه الحيوانات عندما تضرى بأكل لحوم البشر. ثم قال في محل آخر: (والببر الهندي مثل الفيل أيضاً والكركدن فلا يقوم له سبع ولا بهيمة، ولا يطمع فيه ولا يروم ذلك منه *). وقد وردت هذه اللفظة في كتاب كليلة ودمنة ويفهم من سياق القصة انه من الحيوانات المفترسة، فلو كان المقصود به أحد السباع المعروفة عند العرب كالنمر أو الأسد أو الفهد لما تعذر على ابن المقفع استعمال لفظة عربية حتى أتى بكلمة أعجمية. وقد ترجمت هذه اللفظة في النسخة الإنجليزية من كتاب كليلة ودمنة وورد ذكرها في مفردات ابن البيطار في آخر باب النمر حيث قال: (والببر سبع كبير) وترجمت الفرنسية. وهذه اللفظة مستعملة في بعض أنحاء الهند في وقتنا الحاضر لهذا الحيوان بعينه، وكذلك الفرس فانهم استعملوها بهذا المعنى أيضاً كما ورد في شرح جامع التواريخ لكاترمير، فقد ذكر الشارح كلمة ببر وقال عنها: الخ. ولشد ما أدهشني هذا الخطأ الذائع الذي لم يجد قبل الفريق أمين المعلوف من يرده إلى صوابه، ولم يقتصر أمر هذا الخطأ على طلاب المدارس والمشتغلين بالترجمة جميعاً، بل تعداه إلى أكبر دائرة فنية في مصر وهي حدائق الحيوانات، فأنا أعلم أن إدارة تلك الحدائق تضع الكلمة العربية (نمر) إلى جانب اللفظة الإنجليزية تعريباً لها، وقد أنبأني صديق منذ أيام أنها أدركت أخيراً هذا الخطأ فأصلحته منذ أمد قصير. وقد أتيحت للدكتور المعلوف فرصة قل أن تتوفر لغيره، وهي هذا التجوال في أنحاء السودان وبلاد العرب، فجمع من الطبيعة نفسها، ومما سمعه من أفواه الشعوب التي مر بها من المعلومات ما لا يوجد بين دفات الكتب. مثل ذلك كلمة (أصله) التي ورد ذكرها في

стр. 1635

أساطير الأولين أنها حية وكفى دون أن يعلم لحقيقتها وجود، فاستطاع أثناء وجوده بالسودان أن يطبق هذا الاسم على مسماه لأنه سمع الأهلين هناك يطلقونه على نوع خاص من الحيات. لست أريد أن أفصل هنا الخلاف الذي قام بين الفريق أمين المعلوف والدكتور محمد شرف، إلا أنني أميل إلى الاعتقاد بأن الدكتور شرف قد استقى مما نشره الدكتور المعلوف شيئاً كثيراً دون أن يشير إلى ذلك في معجمه، وكان خيراً أن ينسب الفضل لذويه. ز. ن. محمود

стр. 1636

دائرة المعارف الإسلامية نقد وتقدير للأستاذ إسماعيل مظهر العدد الأول من المجلد الأول في ٦٤ صفحة من القطع الكبير محلى بصورة جلالة ملك مصر وصدر بمقدمة في ٦ صفحات من قلم، لجنة الترجمة، والورق ممتاز والطبع حسن. بورك في الشباب! بورك في الشباب عامة والطامحين منهم خاصة. فالشباب روح الأمم وعمادها. والطامحون من الشباب هم بناة المجد وسدنة الحضارة وعمد القوة. والشباب إذا نام خيم على الأمم النسيان وغشيها السكون وهوّم عليها النعاس. نعاس القرون بل نعاس الحقب والدهور. والشباب إذا تيقظ ودارت رحاه قذف بالكرات الواقفة على عجلة الدائرة إلى فضاء العدم، واستخلص من لباب الأمم كرات جديدة تساير رحاه في حركتها وتضيف إليها قوى جديدة يستعان بها على بلوغ الغرض الأسمى والمثل الأعلى. أما الشباب القانع المستنيم للدهر وللاقدار، فلا خير فيه إلا يقدر ما في البذرة الحية من الاحتفاظ بجنينها، لتستلمه إلى الطبيعة حياً عسى أن تكون منه جرثومة تخرج شباب الطموح والاستعلاء والتطلع إلى اللانهاية. شباب قنع لا خير فيهم … وبورك في الشباب الطامحينا ونحن اليوم أمام عمل يقوم به الشباب المتوثب إلى المجد، المتعطش إلى المعرفة، الوثاب إلى المثل والغايات. عمل أقل ما يوصف به أنه أثر جليل من آثار القوة والجرأة النادرة التي تنبأنا بأن عجلة الشباب قد أخذت تدور لتقذف بالكرات الواقفة، وتجمع من حولها الكرات الدائرة. فان ترجمة موسوعة كاملة، في أي موضوع كانت، ومن أي مصدر استقيت، لعمل عظيم. فكيف بموسوعة كدائرة معارف الإسلام وعت ألواناً من التاريخ والفقه والتصوف والفلسفة واللاهوت والترجمة والجغرافية وعلم الهيئة إلى غير ذلك مما وعت حياة العرب قبل الإسلام وبعده. فان العلاقة بين الإسلام والجاهلية لعلاقة شديدة الآصرة تتعارض في نسيجها خيوط من روح الأمم العربية والأمم التي دانت بالإسلام. وكل هذا يزيد من صعاب العمل على المؤلفين، ولا يجعله هيناً على المترجمين. فإننا لم نعن بعد بتبويب ما وصل إلينا من فروع المعرفة التي تلقيناها عن العرب، ولم نفكر حتى

стр. 1637

في تصنيف أسماء الكتب التي تعتبر مراجع صحيحة تعود إليها في معرفة أسماء البلدان أو الأشخاص أو الأماكن، أصلية كانت أو معربة عن اللغات الأخرى كاللغات السامية، ومنها السريانية والآرامية. واللغة الإغريقية على الأخص. ولقد كان هذا سبباً في أن يتورط مترجمو هذه الموسوعة في أخطاء هم أبعد الناس عن أن يقعوا في مثلها عن قصد، أو عن حاجة إلى الصبر على البحث أو عن زهد في توخي الكمال المستطاع. ولو أننا أردنا أن نذهب في نقد العدد الأول وهو باكورة هذا العمل الذي يرقبه أديب عراقي (كما يرقب الصائم هلال العيد) مذهب الإطناب لا الإيجاز لاحتجنا إلى الوقت وإلى الفراغ. لهذا نعمد إلى بعض المواد ونتناولها بالمناقشة البريئة من كل غاية إلا أن يتدارك شبابنا الطامح بعض الأخطاء التي نرجح إننا قد نعدها على حق. ونصيحتنا التي لا نرمي من وراءها إلى أي غرض بعيد عن توخي الاصلاح، أن يعيد مترجمو هذه الموسوعة النظر فيما طبع منها وما لم يطبع، وان يستعينوا بذوي التجربة والنظر، وان يترفعوا في عملهم هذا عن فكرة الاعتزال به عمن يستطيعون أن يعاونوا فيه صوناً لسمعة أعمالنا الأدبية أن ينتابها النقص أو تنتقصها الأنانية. على أنني أريد أن الفت نظر اللجنة المحترمة إلى عبارة وردت في المقدمة جاء فيها: (ومما يغتبط له قارئ هذه الدائرة أن أعلام مصر سواء أكانوا من علماء الأزهر الشريف أو من أساتذة دار العلوم أو الجامعة المصرية قد ساهموا بنصيب وافر في مراجعة الترجمة والتعليق إلى بعض الفقرات، وفي إبداء الملاحظات القيمة والآراء السديدة) هذه هي العبارة وأني لأعجب كيف أن أعلام مصر من علماء الأزهر الشريف وأساتذة دار العلوم الجامعة المصرية قد فاتتهم هنات هينة وأخطاء نحوية مثل قولهم (طبع مرتان) (راجع مادة أبشقة ص ٦٣) وغير ذلك مما نمسك عنه ونكتفي بتوجيه نظر اللجنة إليه. بيد أنا إن اكتفينا هنا بالإشارة البسيطة فأننا نود أن نعبر عن أسفنا الشديد لإيراد مثل العبارة التي نقلناها عن المقدمة فان فيها لتفريطاً، وان فيها لمغالاة، وإن فيها لأشراكاً لأعلام مصر أجمعين في أخطاء مثل التي سوف نسوق الكلام فيها. والآن نبدأ بمادة (أبخاز) وقد وقع عليها النظر إتفاقاً، فاثرنا ألا ننتقل إلى غيرها ومضينا في مراجعتها فبانت لنا الملحوظات الآتية:

стр. 1638

(١) جاء في ص ٢٠ نهر ٢ (وكان الابخازيون يعرفون قديماً باسم أبسكوي (عند المؤرخ آريان) وباسم أبسجي (عند بلنياس ويذكر بروكوبيوس (في القرن الخامس الميلادي) أن الابخازيين كانوا تحت حكم اللازوي. وجاء في ص ٢١، نهر١، (وكان سيدرنيوس البيزنطي) الخ. والصحيح في تعريب الأسماء أن نجري فيها على القواعد التي جرى عليها العرب، فلا تقول بلنياس بل بلنيوس، ولا تقول بروكوبيوس بل فروقوفيوس، ولا تقول سيدرنيوس بل قذرنيوس، أما قواعد التعريب فحديث طويل ليس هنا محله. (٢) (ولكن الأسباب الجغرافية وحدها تجعل احتلال هذا الإقليم احتلالاً فعلياً بعيد الاحتمال) (ص٢٠ نهر ٢) والأصل الإنجليزي كما يلي والمحصل من الترجمة والأصل أن المترجم وضع كلمة (الأسباب الجغرافية) مقابل والأصح أن يقال (العوامل أو المؤثرات أو الموانع الجغرافية) لأن كلمة الأسباب تتضمن معنى (الناموس) الثابت في حين أن كثيراً من المؤثرات الجغرافية ينتابها التغير إن سريعاً وان بطيئاً على تتالي الأجيال وخضوعاً لسنن يعرفها الفلكيون والجيولوجيون على الأخص. ووضع المترجم كلمة (تجعل) لتقابل والكلمة الإنكليزية معناها (كفت)، ثم أنه ساق الجملة العربية في صيغة المضارع وهي في الأصل بصيغة الماضي لانها تتكلم عن ماض محدود بالزمان. ووضع كلمة احتلال لتقابل في حين أن احتلال معناها في الإنجليزية ولكن معناها إخضاع. والظاهر أن المترجم لم يهتف مرة واحدة بسقوط الاحتلال لا بالإنجليزية ولا بالفرنسية، ووضع العبارة الإنجليزية لتقابل بعيد الاحتمال، والحقيقة أنها وضعت لتدل على أن: العوامل الجغرافية وحدها كفت لان تصرف العرب عن التفكير في إخضاع الإقليم إخضاعاً تاماً. والواقع أن احتلال إقليم قد يجوز أن يكون تاماً ولكن الإقليم لا يكون خاضعاً بالفعل. فان إيطاليا احتلت طرابلس احتلالاً عسكرياً تاماً بأن بددت كل قواه العسكرية، ولكن إخضاع أهل الإقليم لم يتم إلا بعد زمان طويل. والفرق بين الاحتلال والإخضاع لا ينبغي أن يغيب عن ذهن مترجم يكتب في أبحاث تاريخية سياسية. لأن ملاحظة مثل هذه الفروق الدقيقة ضروري لينطبق تصور القارئ دائماً على الحالات التي يريد المؤرخ أن ينقلها إلى مخيلته. (٣) (وقد أخضع جستنيان الإمبراطور الروماني الابخازيين فاعتنقوا المسيحية). (ص٢٠

стр. 1639

نهر ٢) والخطأ هنا في تعريب اسم الإمبراطور الروماني (يوستنيانوس) لان حرف ينطق (ياء) فأثبته المترجم (جيما) على الضد من كل الأصول المرعية. (٤) (ومنذ ذلك العهد أصبحت لغة جورجيا لغة الأدب). (ص٢١ نهر١) وما هي لغة جورجيا،؟ المؤلف يقصد هنا لغة أهل الكرج التي عربها المترجم باسم جورجيا حرفياً. في حين أن العرب ومن أتى من بعدهم قالوا الكرج. ومن الأسف أن المترجم جرى على هذا الخطأ في كل الجزء المطبوع. فقال ملك جورجيا وهو ملك الكرج تحقيقاً. (٥) (وعند البحث عن أصل موطن البجراتونيين يجب أن نتجه نحو الغرب (نحو جرخ وريون). وفي الأصل الإنكليزي & والمفهوم من العبارة الإنكليزية أن المؤلف يقصد شواطئ نهرين ولو لم أتحقق من ذلك بل أدركه بالسليقة فقال (نحو الغرب على الكرخ والريون. فجاءت الترجمة غامضة بعيدة عن الأصل. وكذلك يجب أن نلاحظ أن المترجم قد اكثر من ذكر الابخاز بصيغة جمع الجمع فقال الابخازيين والبجراتونيين وغيرهم. في حين أن الابخاز جمع كالأعراب. ولا يصح أن تقول أعرابيين أصلاً. أما في البجراتونيين فقد اصطلح مثلاً على أن ندعو القبيلة التي انحدر منها أهل أثينا القديمة (فلاسجة) وأسمها الأصلي في الإنجليزية صيغة عربية مقبولة تجرى على قواعد التعريب المتبعة. فكان الواجب على المترجم إذن أن يقول البجارطة بدل البجراتونيين. هذا إذا لم يكن العرب قد اصطلحوا على تعريب لأسم هذه القبيلة، ولا أتصور أن يكون بعيداً كثيراً عما اذهب إليه. (٦) وورد في خطاب الإمبراطور طرابزون أنه كأنه لأمراء الأبخاز جيش يبلغ عدده. . . ٣٠ مقاتل (ص٢١ نهر ٢) وفي الأصل الإنكليزي: ١٤٥٩ , والفرق بين الأصل والترجمة شاسع. فالترجمة تقول (في خطاب الأمبراطور). . والأصل في خطاب من الإمبراطور. . . . وهنالك فرق لا يخفى بين خطاب لإمبراطور وخطاب من إمبراطور، فضلاً عن أنه اسقط السنة المسكينة (١٤٥٩) من الترجمة كلية.

стр. 1640

(٧) لم يستطيع الابخازيون أن يتخلصوا من سلطان الترك ونفوذ الإسلام في حين كانت المسيحية تتناقص في بطء شديد. (ص٢١ نهر ٢) والاصل الإنكليزي ذكر كلمة خطأ تتناقص والحقيقة تستأصل. لان النقص يعبر عنه في الإنكليزية بكلمة ويقابله الزيادة فضلاً عن ركاكة التعبير الذي نحسه في استعمال تناقص ببطء شديد. (٨) ومنذ انفصال جورجيا صار يحكم بلاد الابخاز كاثوليكيوها (الذين ذكروا في القرن الثالث عشر للميلاد) في بتزند (ص٢١ نهر٢) والأصل الإنكليزي كما يلي: والخطأ هنا فاحش. فان المؤلف لو كان قد أراد أن يقول أن البلاد كان يحكمها كاثوليكيوها لقال وكأنه من الواجب أن يدرك المترجم أن كلمة تدل على وظيفة كنيسة كما يفهم بدياً من سياق الجملة ومن سياق الحديثمعا. أما كلمة فقد عربت وأثبتت في المعاجم العربية ونقلت عنها إلى المعاجم الإنكليزية العربية الكبرى. فجاء في قاموس (بدجر) الفقيه الإنجليزي المعروف أمام هذه الكلمة (الجثالقة جمعاً مفردها جاثليق). وجاء في القاموس المحيط للفيروزابادي (هو الجاثليق بفتح الثاء المثلثة رئيس للنصارى يكون في بلاد الإسلام ويكون تحت يد بطريق إنطاكية ثم المطران تحت يده ثم الأسقف يكون في كل بلد من تحت المطران ثم القسيس ثم الشماس). (ص٢١٧ مجلد٣). وهذا يدل على أن المترجم قد أخطأ، وأنه أخطأ خطأ فاحشاً من الوجهتين التاريخية والعلمية فالتاريخ لم يثبت أن الكثالكة كان لهم حكم مدني في بلد من بلاد الإسلام. والناحية العلمية، كما يدل سياق الكلام في الأصل، تشير إلى أن الجثالقة كان يناط بهم ان يرعوا أحوال النصارى الشخصية على قواعد الدين النصراني تحت حكم الإسلام المدني. وعلى هذا يجب أن تكون الترجمة على خلاف ما جاء في (دائرة المعارف الإسلامية)، ويجب أن تكون كما يأتي (ومنذ الانفصال عن الكرج (لا منذ انفصال جورجيا لأن الأصل كان للبلاد جاثليقها المقيم في يتزند. أما الجملة المعترضة التي جاء فيها والتي ترجمها المترجم بقوله: (الذين ذكروا في القرن الثالث عشر الميلادي) ويقصد بهم الكاثوليك خطأ بعد أن خلقهم من وهمه والوهم خلاق، فيراد بها أن بقية الحكام الذين يمثلون نواحي الحكم الأخرى كانوا يذكرون منذ القرن الثالث عشر الميلادي. وإذن يكون تعيين جاثليق يرعى

стр. 1641

مصالح النصارى لم يأت إلا بعد أن أمتد نفوذ الإسلام، واحتاج الأمر إلى راع يرعى مصالح الأقلية المسيحية في بلاد إسلامية. (٩) (وفي عام ١٤٦٢ م (في عهد الملك بحرات الثاني) ثبت أمراء أسرة شروشيد في مراكزهم) والأصل الإنكليزي كما يلي: ١٤٦٢ وأنت تتساءل ما هي مراكزهم هذه؟ هي أنهم اعترف بهم أمراء. وهكذا يريد الأصل أن يقول. ولكن المترجم يريد أن يقول أنهم ثبتوا في مراكزهم لا غير. وعلى القارئ أن يضرب الرمل ويناجي الودع ليعرف في أي المراكز ثبتوا. ولو تصور أنهم ثبتوا في الأرض بالإسمنت المسلح لكان له عذر.

стр. 1642

العدد ٢٠ - بتاريخ: ٠١ - ١١ - ١٩٣٣

стр. 1643

عدلي. . . يجب أن يكون الناس قد انتهوا من الحرج والضيق، ومن العسر وسوء الحال إلى حيث أصبحوا ينكرون أنفسهم ويمرون سراعاً ببعض الأحداث الجسام التي كانوا يقفون عندها فيطيلون الوقوف، ويفكرون فيها فيطيلون التفكير. ويتذوقون آلامها متمهلين متعمقين كأنهم يجدون في تذوقها على مهل وفي أناة شيئاً من اللذة يدعوهم إلى استبقائها ومد أسبابها. فهم كانوا إذا ألم بهم الحدث من هذه الأحداث وجموا له وجوماً طويلاً ثقيلاً، ثم يذهب عنهم الوجوم شيئاً فشيئاً فيحسون لذع هذه اليقظة المؤلمة، ثم يفيقون فيقدرون خطر الحدث الذي أصابهم، ويذكرون من أصابهم فيه ويطيلون ذكره، ويتمثلون مواقفه المختلفة، ثم ينظرون إلى حاضرهم ومستقبلهم ويتصورون فقيدهم مواجها لظروف الحاضر والمستقبل، ويسألون أنفسهم عن مواقفه التي كان يمكن أن يقف من هذه الظروف لو امتدت له أسباب الحياة. ويتخذون من هذا التفكير المتنوع الطويل سبلاً إلى الألم متنوعة، ووسائل إلى الحزن متباينة، تأبى نفوسهم أن تقطع الصلة بينها وبين من فقدت، حتى إذا عملت الأيام عملها، وتكاثرت خطوب الحياة على ما يملأ النفوس من ذكرى، فالت أن تسدل عليه من النسيان ستاراً، جاهدت هذه النفوس ما وسعها الجهاد، لتقاوم الظروف، وتمانع النسيان وتستبقي شخص الفقيد ماثلا أمامها تنظر إليه وتحزن عليه وتبكيه أو تبكي أنفسها فيه. كذلك كان الناس حين كانت حياتهم حياة تستحق هذا الأسم، وحين كانت أيامهم أياما، أما الآن فقد تغير الناس لأن حياتهم تغيرت، وقد تبدل الناس لأن أيامهم تبدلت، فقدت الحياة في نفوسهم قيمتها، فاصبحوا لا يذوقون لذتها وآلامها الا مسرعين. وفقدت الأيام في نفوسهم قيمتها، فاصبحوا لا يقفون عند أحداثها وخطوبها الإلماما. كثرت عليهم الأحداث والخطوب، وثقلت عليهم الأرزاء والمحن، وعجزت أعصابهم عن المقاومة، فعجزت نفوسهم عن الحزن كما عجزت نفوسهم عن الفرح. أصبح كل واحد منهم وكأنه الكرة الخفيفة الوثابة تتدافعها الحوادث، وتتقاذفها الكوارث، فلا تكاد تقع على حادثة أو كارثة، أو لا تكاد تقع عليها حادثة أو كارثة، حتى تثب وتقفز مسرعة، خفيفة، عنيفة، تبتغي حادثة أخرى وكارثة أخرى، أو تبتغيها حادثة أخرى وكارثة أخرى. وهذا وحده هو الذي يفسر موقف الناس من هذا الخطب العظيم الذي ألم بهم حين نعت إليهم الأنباء عدلي يكن ﵀، فقد وقعت هذه الأنباء عليهم وقع الصواعق، فوجموا لها،

стр. 1644

ولكنهم أفاقوا مسرعين من هذا الوجوم، لأنهم تعودوا وقع الصواعق في هذه الأيام. أفاقوا وجزعوا، واشتد عليهم الجزع، حتى كاد يشبه اليأس، ولكن جزعهم كان قصيراً محدود الأمد، فلم يمض يوم وبعض يوم حتى شغلوا عن هذا الخطب ولم ينسوه، وإنما صرفوا عنه صرفاً، صرفتهم عنه هذه الضرورات القاسية والآلام الملحة التي لا يعرفون كيف يخلصون منها أو يثبتون لها. وما رأيك في قوم لا يستقبلون النهار إذا أشرقت شمسه إلا بالخوف من بياضه، ولا يستقبلون الليل إذا نشر ظلمته على الأرض إلا بالإشفاق من سواده، يصبحون وهم يجهلون إلى أين يدفعهم النهار المضيء، ويمسون وهم يجهلون إلى أين يذهب بهم الليل المظلم. كيف تريد من هؤلاء الناس أن يبتلوا مرارة الحزن ولذع الألم، أو يستعذبوا حلاوة الفرح وموقع السرور من نفوسهم؟ لقد فقدوا أو كادوا يفقدون هذه الملكات القوية الرقيقة الحساسة التي كانت تنقل إلى نفوسهم صور الحياة كما هي. فهي تمكنهم من أن يتعظوا بما يبعث العظة منها، ويبتهجوا بما يثير الابتهاج، هاهم أولاء يفكرون في أزماتهم على اختلافها، ويجدون في التخلص من هذه الأزمات أو الإذعان لها، ليس منهم إلا طالب أو مطلوب، ليس منهم إلا غالب أو مغلوب، ليس منهم إلا بائس أو منتظر للبؤس، وليس منهم إلا محرج أو مدفوع إلى الحرج، فهم معذورون إذا صرفتهم الحوادث صرفا عن ذكر هذا الفقيد العظيم، وعن إطالة ذكره والتحدث فيه، وهو مع ذلك مازال في دار الغربة حيث قبضه الله إليه، لم يعبر جثمانه البحر بعد إلى وطنه ليوارى في ترابه، ويدفن في ثراه المقدس. هم معذورون. وعدلي ﵀ أشد الناس قبولا لعذرهم هذا، لأنه كان أحسن الناس تقديراً لحالهم هذه. ولأنه أشد الناس عطفا عليهم وبراً بهم، ولأنه كان على امتيازه وأرستقراطيته الظاهرة يشاركهم فيما يجدون، ويقاسمهم ما يشعرون به من الحزن والألم وسوء الحال. والمصريون أكرم على أنفسهم من أن يكون سكوتهم عن عدلي بعد موته بقليل نسياناً له، أو تقصيراً في ذاته، فليس عدلي من الأشخاص الذين يقدر عليهم النسيان، وليس المصريون من الشعوب التي يهون عليها الجميل. ومهما يكن الأمر في ذلك فان ذاكرة التاريخ أقوى وأثبت وأعمق من ذاكرة الناس؛ وسيذكر التاريخ دائماً أن أربعة من المصريين كانوا أئمة

стр. 1645

النهضة الوطنية الاستقلالية، أو قل كانوا أئمة الثورة المصرية التي شبت نارها بعد أن خمدت جذوة الحرب، والتي هبت فيها الأمة المصرية تطالب بأن يعرف الناس لها أنها أمة حرة كريمة تريد أن تعيش في بلد حر كريم. كان هؤلاء الأئمة الأربعة عنوان الحياة السياسية الجديدة في مصر ثم في الشرق كله، وسيظلون عنواناً لهذه الحياة على اختلاف طبائعهم وأمزجتهم، وعلى تباين ميولهم وأهوائهم، وعلى ما بين شخصياتهم العظيمة الفذة من الاختلاف، ولن يستطيع مؤرخ أن يصور حرية مصر وحرية الشرق في هذه القطعة من الزمن التي تبتدئ بعد الحرب دون أن يعتمد في تصويره على هؤلاء الأئمة الأربعة في السياسة: سعد ورشديوثروت وعدلي ﵏! كان سعد من هذه الثورة المصرية الشرقية بمكان الجذوة القوية المضطرمة التي لا يعرف الخمود إليها سبيلا، والتي لا يمسها شيء إلا اضطرم، ولا يدنو منها شيء إلا التهب. والتي تبعث أشعتها القوية المحرقة إلى أبعد الأماكن منها فتذكي فيها ناراً، وتثير في جوها أواراً، وتخرج أهلها عن أطوارهم، وتدفعهم إلى حب الحياة بعد الموت، والعزة بعد الذل، والاستقلال بعد الخضوع والإذعان. وكان رشدي من هذه الثورة بمكان الفقيه الذي يعرف كيف يستخرج الحق من الشبه، ويرد إليه حظه من الوضوح الذي لا يدع للشك فيه سبيلا، ثم يدافع عنه بالحجة الساطعة والرهان المستقيم والعاطفة الصادقة الحارة. وكان ثروت من هذه الثورة بمكان المدبر الماهر ذي الحيلة الواسعة والمدخل الخفي والمخرج اللطيف كلما تحرجت المواقف وتعقدت الأمور. وكان عدلي من هذه الثورة بمكان العقل الهادئ الرزين الحكيم، الذي لا يقوم إلا على بصيرة، ولا يقبل إلا على ثقة، وبعد تفكير طويل، وروية متصلة، ولا يأتي من الأمر شيئا إلا في أناة ووقار وهدوء، قلما تظفر بمثلها عند الزعماء. . . ولو أن الثورة المصرية الشرقية فقدت واحداً من هؤلاء الأربعة لما كان لها شكلها الذي نعرفها به، ولا طبعت بهذا الطابع الذي يميزها من غيرها من الثورات. كانت أمزجة هؤلاء الأئمة الأربعة عناصر تكونت منها هذه الثورة المصرية الشرقية. وقد اختلفوا واختصموا، وجاهد بعضهم بعضا جهادا عنيفا. ولكن مزاج الثورة المصرية كان في

стр. 1646

حاجة قوية إلى هذا الخصام والجهاد ليحيا ويقوى ويثبت للأحداث، ويبقى على رغم الخطوب. ثم أذن الله لهؤلاء المختلفين أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من ائتلاف، ويثوبوا إلى ما كان بينهم من مودة وحب، ومن تعاون واتفاق، فصفا بعضهم لبعض، وسعى بعضهم إلى بعض، ورضى بعضهم عن بعض، ورضيت الأمة عنهم جميعا، ورضى الله عنهم فأثرهم برحمته واختارهم إلى جواره، يسعى بعضهم إلى أثر بعض إلى دار الخلود وقد أدى واجبه، ونهض بما كان ينبغي أن ينهض به من الحق. وكان سعد أسبقهم إلى الخلود، وكان عدلي آخرهم انتقالا إلى دار الخلود. ولقد تحدث الناس عن سعد ورشدي وثروت فأطالوا الحديث، وسيتحدثون، وستكون أحاديثهم أجل وأوضح، وأدل على عظمة هؤلاء النفر كلما بعد بيننا وبينهم العهد، ومضت على وفاتهم الأيام، ولكن الناس لم يتحدثوا بعد عن عدلي لأنه عاش إلى هذا العهد، فكانت حياته مانعة من الحديث فيه، ولأنه مات في هذا العهد فكانت المحن المقيمة صارفة عن إطالة الحديث فيه. وليس الحديث عن عدلي سهلا ولا يسيرا، فأنت لا تكاد تعرض لخصاله حتى تعجبك كلها، وحتى تدعوك كلها إلى أن تحمده وتثني عليه. وإذا أنت حائر لا تدري ماذا تأخذ منها وماذا تدع، ولكن نواحي ثلاثا من حياة هذا الرجل تفرض نفسها على الكتاب والمفكرين فرضا. فإما أولاها فهي امتيازه الشخصي في حياته الخلقية، وفي ما كان بينه وبين الناس من صلة. فعدلي أقل الناس تعرضا للنقد من هذه الناحية: كان رضي الخلق، وكانت هذه الخصلة أظهر خصاله وأوضحها، ولكنها على ذلك لم تكن تسبق إلى الناس ولا تظهر نفسها لهم، ولا تطمعهم في صاحبها، وإنما كانت تحيط نفسها بسياج من الآنفة والترفع، يحسبه الناس ضرباً من الغطرسة، ولونا من الكبرياء، فيهابونه وينأون عنه، فإذا أتيح لهم أن يدنوا من رجل ويخلصوا إلى نفسه، لم يجدوا غطرسة ولا كبرياء، وإنما وجدوا أنفة وعزة وترفعا عن الابتذال. ووجدوا من وراء هذا كله نفسا صافية نقية، وقلبا طاهرا وفيا، وضميرا كريما حيا. وظهر هذا كله في معاشرة حلوة، وحديث عذب ولسان عفيف، وصلات ترفع الذين يدنون من عدلي إلى حيث هو، ولا تهبط بعدلي إلى حيث يكون المتصلون به والساعون إليه. والناحية الثانية مذهبه السياسي. فقد كان عدلي كغيره من أصحابه مؤمنا بحق مصر في

стр. 1647

الاستقلال، حريصا على أن تظفر مصر بهذا الحق، لم يكن يتهم في ذلك أحد. وكان عدلي كأصحابه يرى أن المفاوضة مع الإنجليز قد تؤدي إلى الظفر بهذا الحق، وتنتهي بمصر إلى ما تريد. ولكن طريقه في تنفيذ مذهبه هذا وإخراجه إلى الحياة العملية هي التي تميزه من غيره، وهي التي تظهر طبيعته ومزاجه، كأوضح ما تكون الطبيعة والمزاج. فلم يكن عدلي صاحب قوة وعنف، ولم يكن عدلي قادرا على أن يوجد بينه وبين الشعب على اختلاف طبقاته هذه الصلة القوية التي تجعله مرآة للشعب من جهة، وملهماً للشعب من جهة أخرى. إنما كان عدلي رجلا يحب الشعب ويؤمن به، ويحرص على حقه دون أن يلهمه أو يستلهمه. كان يصدر عن عقله وتفكيره الهادئ الرزين، اكثر مما يصدر عن عواطفه الحارة وشعوره العنيف. وكان لا يحسن الحديث إلى الشعب، لأنه لم يكن يجد هذه الكلمات والجمل الساحرة التي تنفذ إلى قلوب الشعب. وكان كل ما يستطيع أن يرى ويسمع ويفكر، ثم يعمل تاركاً لغيره مالا يقدر عليه من إلهام الشعب واستلهامه. فلما ألف وزارته الأولى وأعلن برنامج هذه الوزارة متفقاً عليه مع الوفد، كان هذا البرنامج مظهرا واضحا قويا، لطبيعة هذا الرجل المستقيمة ومذهبه الصحيح في فهم حقوق الشعب وتقديرها. فأنظر إليه يحرص في هذا البرنامج حرصا شديدا على أمرين: الأول أن يستخلص لمصر حقوقها من الإنجليز بالمفاوضة، والثاني أن يعرض على الشعب المصري نتيجة المفاوضة لينظر فيها ويقرها، وأن يكون هذا الشعب ممثلا في جمعية وطنية لا تقف مهمتها عند إقرار المعاهدة وتنظيم العلاقة بين مصر والإنجليز، بل تتجاوز هذا إلى شيء عظيم الخطر حقاً وهو وضع الدستور، وتنظيم سلطة الشعب، وتنظيم العلاقة بين السلطة التشريعية وغيرها من السلطات التي يتكون منها سلطان الدولة؛ ومعنى ذلك أن عدلي كان يؤمن بأن الأمة وحدها مصدر السلطات، وبأنها ما دامت كذلك فهي التي يجب أن تضع الدستور وأن تعلنه لا أن تتلقاه. ومن يدري؟ لو أن الظروف واتت عدلي ومكنته من تنفيذ برنامجه لعل مصر أن تكون قادرة على أن تجتنب كثيرا من الأزمات الداخلية التي ألمت بها فجرت عليها شرا كثيرا. ولست أدري لعل موضع الخطأ في برنامج عدلي ﵀ أنه جعل دعوة الجمعية الوطنية نتيجة للمفاوضات لا مقدمة لها. فلما لم تنجح مفاوضته لم تدع الجمعية الوطنية،

стр. 1648

وتلقت مصر الدستور ولم تصدره. ولكن أكان عدلي قادرا حقا على أن يدعو الجمعية الوطنية قبل المفاوضة، وقبل أن يستخلص لمصر حريتها من الإنجليز؟ وماذا عسى أن تكون قيمة هذه الجمعية الوطنية التي تدعي وتعقد وتشرع الدستور وغير الدستور في ظل الحماية الأجنبية؟ وماذا يكون موقف هذه الجمعية الوطنية من الإنجليز؟ وماذا يكون موقف الإنجليز منها إن شجر بينها وبينهم خلاف: مهما يكن من شيء، فقد كان فهم عدلي لحقوق الشعب وتصويره لهذه الحقوق ملائمين أشد الملاءمة لأرقى المثل الدستورية العليا. الناحية الثالثة: وفاء هذا الرجل العظيم لمذهبه في السياسة، ورأيه في حق الشعب، وثباته على هذا المذهب، وامتناعه أن يتحول عنه مع الظروف، فقد أخفق في مفاوضة الإنجليز واستقال وعجز عن أن يدعو الجمعية الوطنية، ولكنه قضى بقية حياته مؤمنا بأن المفاوضة هي أوضح السبل إلى الاستقلال، مؤمنا بأن سلطة الشعب هي القوام الشرعي الوحيد لكل حكومة، وهي العماد الشرعي الوحيد الذي يجب أن تعتمد عليه الحكومات فيما تأتى من الأمر في السياسة الداخلية أو الخارجية؛ ولم يكد يصدر الدستور حتى عرف عدلي كيف يرضي نفسه وضميره في السياسة، فتقدم إلى أمته في الانتخابات؛ فلما قضت عليه أذعن لقضائها ورضي به، لا يحمل لأمته غلا، ولا يضمر لها حقدا، ولا ينكر عليها أنها انصرفت عنه إلى غيره، ولم تمنحه ثقتها وهو على ذلك كله مؤمن أصدق الإيمان بأن هذا الدستور الذي صدر لا يفيد الذين اقسموا على الإخلاص له وحدهم، وإنما يقيد المصريين جميعا وهو من بينهم. ومن هنا تستطيع أن تفهم أن عدلي قد أبى كل الآباء بعد صدور الدستور أن يؤلف وزارة، أو يؤيد وزارة أو يشترك في وزارة لا تعتمد في صراحة وإخلاص على الدستور؛ ومن هنا نستطيع أن نفهم إسراعه إلى الائتلاف مع سعد حين دعي إليه، وإخلاصه في تأييد هذا الائتلاف، وقبوله رياسة الوزارة في هذا الائتلاف، لأن هذا الائتلاف كان قوامه إرجاع الحياة الدستورية، وكان اعتماده على الدستور، وكان بقاؤه رهيناً ببقاء الدستور؛ ومن هنا تستطيع أن تفهم كيف اعتزل السياسة وانصرف عنها حين وقف الدستور، وكيف أسرع إلى قبول الوزارة حين عرضت عليه ليرد الدستور. ثم من هنا تفهم أيضاً كيف أنكر ما كان من تغيير الدستور القديم، وكيف أسرع إلى الاحتجاج على هذا التغيير، وكيف أسرع إلى التعاون مع المؤتمر الوطني الذي أنكر ما حدث من تغيير،

стр. 1649

وألح في أن ترد الأمور إلى نصابها، كيف أنفق بقية حياته عزيزا كريما أبيا يرقب الحوادث وينتهز الفرص وينتظر أن يدعوه الواجب الوطني فيستجيب له. ولكن دعوة الموت سبقت دعوة الواجب الوطني، فأسرع عدلي إلى حيث أراد له من هذه الحياة الخالدة. حياة الكرامة والنعيم. وتريد الأقدار أن يموت عدلي حيث مات صديقه الحميم ثروت في باريس بعيدا عن الوطن، وتريد الأقدار أن يموت عدلي كما مات صديقه الحميم ثروت ومصر في أزمة سياسية عنيفة تعتمد عليه وتعقد به أوسع الآمال. فإذا هي تمتحن فيه وتحرم معونته، ثم تريد الأقدار أن ينتقل عدلي إلى وطنه في نفس السفينة التي نقل فيها ثروت، وهي (البروفيدنس)! أفترى الأقدار قد رعت حرمة هذه المودة الصادقة الخالصة التي كانت بين هذين الرجلين العظيمين، فأرادت أن تلائم بينهما في الموت كما لاءمت بينهما في الحياة؟ طه حسين

стр. 1650

النقد والتقريظ للأستاذ أحمد أمين أصل كلمة النقد من نقد الدراهم وهو امتحانها ومعرفة الجيد والرديء منها، فهي بهذا المعنى لا تقتصر على ذكر العيوب والتشهير بها، بل تدل على استعراض الشيء والوقوف على محاسنه ومساويه. وقد تستعمل في معنى الذم والعيب خاصة، ومنه حديث أبي الدرداء: (أن نقدت الناس نقدوك، وأن تركتهم تركوك) فاستعمل الكلمة بمعنى العيب والذم. وهي بهذا المعنى ضد التقريظ، فالتقريظ مدح الشيء والثناء عليه، مأخوذ من قرظ الجلد دبغه بالقرظ، وقرظه بالغ في دباغه. وسموا المدح تقريظاً (لأن المقرظ يحسن ويزين صاحبه كما يحسن القارظ الأديم) وبهذا المعنى يستعملها الكتاب المحدثون فيعنون بالنقد ذكر المساوئ وبالتقريظ ذكر المحاسن. ولست أعرض في مقالي هذا للكلمتين من الناحية الأدبية، فلا أعرض لمذاهب النقد الأدبي ومقاييسه، كما لا أعرض لأساليب التقريظ وألوانها، وإنما أعرض لظاهرة نفسية تلفت النظر: هي أن الناس على اختلاف درجاتهم في البداوة والحضارة، والرقي والانحطاط، مولعون بالنقد أكثر من ولوعهم بالتقريظ، ومولعون بالبحث عن العيوب وإظهارها والمبالغة في تصويرها اكثر من ولوعهم بالبحث عن المحاسن وإظهارها وتصويرها، وهم في ذلك بين اثنين: أما ممثل على المسرح يمثل دور الباحث عن العيوب المتجسس على السقطات، يستبشر كلما عثر على خفايا الزلات، ويقيس نجاحه بمقدار ما كشف من أخطاء، وأما مشاهد لهذا المنظر، أكثر ما يهتم له العيب الفاضح والسقطة الشنيعة، يطيل التصفيق لكاشف الزلل ويمنح الإعجاب من أصاب من آخر مقتلا. ومظاهر ذلك في الحياة كثيرة، فلا تكاد تجد عظيما بأجماع، ولكنك كثيرا ما تجد أصاغر بإجماع، لأن النفوس ترتاح لمنظر الحقير إذ خرج من ميدان المنافسة، ونزل عن مستوى المقارنة، ويضنيها العظيم فتتلمس وجوه النقص فيه، وتخلقها إن لم تكن، وتبالغ فيها إن كانت، لأن العظيم يكلفها العناء في إدراك شأوه وبلوغ منزلته. ومن مظاهر ذلك أن مجلات عديدة في العالم كله تعيش على النقد، وليس (فيما أعلم)
следующие страницы →