Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
حاجة قوية إلى هذا الخصام والجهاد ليحيا ويقوى ويثبت للأحداث، ويبقى على رغم الخطوب. ثم أذن الله لهؤلاء المختلفين أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من ائتلاف، ويثوبوا إلى ما كان بينهم من مودة وحب، ومن تعاون واتفاق، فصفا بعضهم لبعض، وسعى بعضهم إلى بعض، ورضى بعضهم عن بعض، ورضيت الأمة عنهم جميعا، ورضى الله عنهم فأثرهم برحمته واختارهم إلى جواره، يسعى بعضهم إلى أثر بعض إلى دار الخلود وقد أدى واجبه، ونهض بما كان ينبغي أن ينهض به من الحق. وكان سعد أسبقهم إلى الخلود، وكان عدلي آخرهم انتقالا إلى دار الخلود. ولقد تحدث الناس عن سعد ورشدي وثروت فأطالوا الحديث، وسيتحدثون، وستكون أحاديثهم أجل وأوضح، وأدل على عظمة هؤلاء النفر كلما بعد بيننا وبينهم العهد، ومضت على وفاتهم الأيام، ولكن الناس لم يتحدثوا بعد عن عدلي لأنه عاش إلى هذا العهد، فكانت حياته مانعة من الحديث فيه، ولأنه مات في هذا العهد فكانت المحن المقيمة صارفة عن إطالة الحديث فيه.
وليس الحديث عن عدلي سهلا ولا يسيرا، فأنت لا تكاد تعرض لخصاله حتى تعجبك كلها، وحتى تدعوك كلها إلى أن تحمده وتثني عليه. وإذا أنت حائر لا تدري ماذا تأخذ منها وماذا تدع، ولكن نواحي ثلاثا من حياة هذا الرجل تفرض نفسها على الكتاب والمفكرين فرضا. فإما أولاها فهي امتيازه الشخصي في حياته الخلقية، وفي ما كان بينه وبين الناس من صلة. فعدلي أقل الناس تعرضا للنقد من هذه الناحية: كان رضي الخلق، وكانت هذه الخصلة أظهر خصاله وأوضحها، ولكنها على ذلك لم تكن تسبق إلى الناس ولا تظهر نفسها لهم، ولا تطمعهم في صاحبها، وإنما كانت تحيط نفسها بسياج من الآنفة والترفع، يحسبه الناس ضرباً من الغطرسة، ولونا من الكبرياء، فيهابونه وينأون عنه، فإذا أتيح لهم أن يدنوا من رجل ويخلصوا إلى نفسه، لم يجدوا غطرسة ولا كبرياء، وإنما وجدوا أنفة وعزة وترفعا عن الابتذال. ووجدوا من وراء هذا كله نفسا صافية نقية، وقلبا طاهرا وفيا، وضميرا كريما حيا. وظهر هذا كله في معاشرة حلوة، وحديث عذب ولسان عفيف، وصلات ترفع الذين يدنون من عدلي إلى حيث هو، ولا تهبط بعدلي إلى حيث يكون المتصلون به والساعون إليه.
والناحية الثانية مذهبه السياسي. فقد كان عدلي كغيره من أصحابه مؤمنا بحق مصر في
стр. 1647
الاستقلال، حريصا على أن تظفر مصر بهذا الحق، لم يكن يتهم في ذلك أحد. وكان عدلي كأصحابه يرى أن المفاوضة مع الإنجليز قد تؤدي إلى الظفر بهذا الحق، وتنتهي بمصر إلى ما تريد. ولكن طريقه في تنفيذ مذهبه هذا وإخراجه إلى الحياة العملية هي التي تميزه من غيره، وهي التي تظهر طبيعته ومزاجه، كأوضح ما تكون الطبيعة والمزاج. فلم يكن عدلي صاحب قوة وعنف، ولم يكن عدلي قادرا على أن يوجد بينه وبين الشعب على اختلاف طبقاته هذه الصلة القوية التي تجعله مرآة للشعب من جهة، وملهماً للشعب من جهة أخرى. إنما كان عدلي رجلا يحب الشعب ويؤمن به، ويحرص على حقه دون أن يلهمه أو يستلهمه. كان يصدر عن عقله وتفكيره الهادئ الرزين، اكثر مما يصدر عن عواطفه الحارة وشعوره العنيف. وكان لا يحسن الحديث إلى الشعب، لأنه لم يكن يجد هذه الكلمات والجمل الساحرة التي تنفذ إلى قلوب الشعب. وكان كل ما يستطيع أن يرى ويسمع ويفكر، ثم يعمل تاركاً لغيره مالا يقدر عليه من إلهام الشعب واستلهامه. فلما ألف وزارته الأولى وأعلن برنامج هذه الوزارة متفقاً عليه مع الوفد، كان هذا البرنامج مظهرا واضحا قويا، لطبيعة هذا الرجل المستقيمة ومذهبه الصحيح في فهم حقوق الشعب وتقديرها. فأنظر إليه يحرص في هذا البرنامج حرصا شديدا على أمرين: الأول أن يستخلص لمصر حقوقها من الإنجليز بالمفاوضة، والثاني أن يعرض على الشعب المصري نتيجة المفاوضة لينظر فيها ويقرها، وأن يكون هذا الشعب ممثلا في جمعية وطنية لا تقف مهمتها عند إقرار المعاهدة وتنظيم العلاقة بين مصر والإنجليز، بل تتجاوز هذا إلى شيء عظيم الخطر حقاً وهو وضع الدستور، وتنظيم سلطة الشعب، وتنظيم العلاقة بين السلطة التشريعية وغيرها من السلطات التي يتكون منها سلطان الدولة؛ ومعنى ذلك أن عدلي كان يؤمن بأن الأمة وحدها مصدر السلطات، وبأنها ما دامت كذلك فهي التي يجب أن تضع الدستور وأن تعلنه لا أن تتلقاه. ومن يدري؟ لو أن الظروف واتت عدلي ومكنته من تنفيذ برنامجه لعل مصر أن تكون قادرة على أن تجتنب كثيرا من الأزمات الداخلية التي ألمت بها فجرت عليها شرا كثيرا.
ولست أدري لعل موضع الخطأ في برنامج عدلي ﵀ أنه جعل دعوة الجمعية الوطنية نتيجة للمفاوضات لا مقدمة لها. فلما لم تنجح مفاوضته لم تدع الجمعية الوطنية،
стр. 1648
وتلقت مصر الدستور ولم تصدره. ولكن أكان عدلي قادرا حقا على أن يدعو الجمعية الوطنية قبل المفاوضة، وقبل أن يستخلص لمصر حريتها من الإنجليز؟ وماذا عسى أن تكون قيمة هذه الجمعية الوطنية التي تدعي وتعقد وتشرع الدستور وغير الدستور في ظل الحماية الأجنبية؟ وماذا يكون موقف هذه الجمعية الوطنية من الإنجليز؟ وماذا يكون موقف الإنجليز منها إن شجر بينها وبينهم خلاف: مهما يكن من شيء، فقد كان فهم عدلي لحقوق الشعب وتصويره لهذه الحقوق ملائمين أشد الملاءمة لأرقى المثل الدستورية العليا.
الناحية الثالثة: وفاء هذا الرجل العظيم لمذهبه في السياسة، ورأيه في حق الشعب، وثباته على هذا المذهب، وامتناعه أن يتحول عنه مع الظروف، فقد أخفق في مفاوضة الإنجليز واستقال وعجز عن أن يدعو الجمعية الوطنية، ولكنه قضى بقية حياته مؤمنا بأن المفاوضة هي أوضح السبل إلى الاستقلال، مؤمنا بأن سلطة الشعب هي القوام الشرعي الوحيد لكل حكومة، وهي العماد الشرعي الوحيد الذي يجب أن تعتمد عليه الحكومات فيما تأتى من الأمر في السياسة الداخلية أو الخارجية؛ ولم يكد يصدر الدستور حتى عرف عدلي كيف يرضي نفسه وضميره في السياسة، فتقدم إلى أمته في الانتخابات؛ فلما قضت عليه أذعن لقضائها ورضي به، لا يحمل لأمته غلا، ولا يضمر لها حقدا، ولا ينكر عليها أنها انصرفت عنه إلى غيره، ولم تمنحه ثقتها وهو على ذلك كله مؤمن أصدق الإيمان بأن هذا الدستور الذي صدر لا يفيد الذين اقسموا على الإخلاص له وحدهم، وإنما يقيد المصريين جميعا وهو من بينهم. ومن هنا تستطيع أن تفهم أن عدلي قد أبى كل الآباء بعد صدور الدستور أن يؤلف وزارة، أو يؤيد وزارة أو يشترك في وزارة لا تعتمد في صراحة وإخلاص على الدستور؛ ومن هنا نستطيع أن نفهم إسراعه إلى الائتلاف مع سعد حين دعي إليه، وإخلاصه في تأييد هذا الائتلاف، وقبوله رياسة الوزارة في هذا الائتلاف، لأن هذا الائتلاف كان قوامه إرجاع الحياة الدستورية، وكان اعتماده على الدستور، وكان بقاؤه رهيناً ببقاء الدستور؛ ومن هنا تستطيع أن تفهم كيف اعتزل السياسة وانصرف عنها حين وقف الدستور، وكيف أسرع إلى قبول الوزارة حين عرضت عليه ليرد الدستور. ثم من هنا تفهم أيضاً كيف أنكر ما كان من تغيير الدستور القديم، وكيف أسرع إلى الاحتجاج على هذا التغيير، وكيف أسرع إلى التعاون مع المؤتمر الوطني الذي أنكر ما حدث من تغيير،
стр. 1649
وألح في أن ترد الأمور إلى نصابها، كيف أنفق بقية حياته عزيزا كريما أبيا يرقب الحوادث وينتهز الفرص وينتظر أن يدعوه الواجب الوطني فيستجيب له. ولكن دعوة الموت سبقت دعوة الواجب الوطني، فأسرع عدلي إلى حيث أراد له من هذه الحياة الخالدة. حياة الكرامة والنعيم. وتريد الأقدار أن يموت عدلي حيث مات صديقه الحميم ثروت في باريس بعيدا عن الوطن، وتريد الأقدار أن يموت عدلي كما مات صديقه الحميم ثروت ومصر في أزمة سياسية عنيفة تعتمد عليه وتعقد به أوسع الآمال. فإذا هي تمتحن فيه وتحرم معونته، ثم تريد الأقدار أن ينتقل عدلي إلى وطنه في نفس السفينة التي نقل فيها ثروت، وهي (البروفيدنس)! أفترى الأقدار قد رعت حرمة هذه المودة الصادقة الخالصة التي كانت بين هذين الرجلين العظيمين، فأرادت أن تلائم بينهما في الموت كما لاءمت بينهما في الحياة؟
طه حسين
стр. 1650
النقد والتقريظ
للأستاذ أحمد أمين
أصل كلمة النقد من نقد الدراهم وهو امتحانها ومعرفة الجيد والرديء منها، فهي بهذا المعنى لا تقتصر على ذكر العيوب والتشهير بها، بل تدل على استعراض الشيء والوقوف على محاسنه ومساويه.
وقد تستعمل في معنى الذم والعيب خاصة، ومنه حديث أبي الدرداء: (أن نقدت الناس نقدوك، وأن تركتهم تركوك) فاستعمل الكلمة بمعنى العيب والذم.
وهي بهذا المعنى ضد التقريظ، فالتقريظ مدح الشيء والثناء عليه، مأخوذ من قرظ الجلد دبغه بالقرظ، وقرظه بالغ في دباغه. وسموا المدح تقريظاً (لأن المقرظ يحسن ويزين صاحبه كما يحسن القارظ الأديم) وبهذا المعنى يستعملها الكتاب المحدثون فيعنون بالنقد ذكر المساوئ وبالتقريظ ذكر المحاسن.
ولست أعرض في مقالي هذا للكلمتين من الناحية الأدبية، فلا أعرض لمذاهب النقد الأدبي ومقاييسه، كما لا أعرض لأساليب التقريظ وألوانها، وإنما أعرض لظاهرة نفسية تلفت النظر: هي أن الناس على اختلاف درجاتهم في البداوة والحضارة، والرقي والانحطاط، مولعون بالنقد أكثر من ولوعهم بالتقريظ، ومولعون بالبحث عن العيوب وإظهارها والمبالغة في تصويرها اكثر من ولوعهم بالبحث عن المحاسن وإظهارها وتصويرها، وهم في ذلك بين اثنين: أما ممثل على المسرح يمثل دور الباحث عن العيوب المتجسس على السقطات، يستبشر كلما عثر على خفايا الزلات، ويقيس نجاحه بمقدار ما كشف من أخطاء، وأما مشاهد لهذا المنظر، أكثر ما يهتم له العيب الفاضح والسقطة الشنيعة، يطيل التصفيق لكاشف الزلل ويمنح الإعجاب من أصاب من آخر مقتلا.
ومظاهر ذلك في الحياة كثيرة، فلا تكاد تجد عظيما بأجماع، ولكنك كثيرا ما تجد أصاغر بإجماع، لأن النفوس ترتاح لمنظر الحقير إذ خرج من ميدان المنافسة، ونزل عن مستوى المقارنة، ويضنيها العظيم فتتلمس وجوه النقص فيه، وتخلقها إن لم تكن، وتبالغ فيها إن كانت، لأن العظيم يكلفها العناء في إدراك شأوه وبلوغ منزلته.
ومن مظاهر ذلك أن مجلات عديدة في العالم كله تعيش على النقد، وليس (فيما أعلم)
стр. 1651
مجلات تعيش على التقريظ، وقد أدركت هذه المجلات إدراكا صحيحاً هذه الظاهرة النفسية، ورأت أن رواجها يكون أتم كلما ارتفعت نغمة هجوها، وكلما كان نقدها أقذع، وسهامها أنفذ، والجرائد في العالم تبذل المدح بالحبة، والنقد بالقنطار، ومن آية ذلك أن الناس في كل أمة يقدرون (غالباً) جرائد المعارضة أكثر من قدرهم جرائد التأييد، فإذا تغيرت الحكومات وأصبحت جرائد المعارضة بالأمس جرائد تأييد اليوم، نزلت قيمتها من ناحية أنها لم تعد تروي رغبات الناس وشهواتهم.
ثم، مالنقد الأدبي؟ أليس هو الغالب إرضاء لعاطفة البحث عن الغلط والتشهير به؟ إذا مدح النقاد فبحذر وقدر أكثر مدحهم (طعم) يستدرجون به القراء لإقناعهم بأنهم عدول في تقديرهم، منزهون في ذمهم ومدحهم، حتى إذا اطمأن لهم القارئ بالغوا في النقد وأسرفوا في اللوم، واكثر الناشئين من الأدباء يتطلبون الشهرة من طريق مهاجمة النابغين والتعرض لهم، والتسميع بهم، حتى إذا تصدوا للرد عليهم رفعوا من شأنهم إذ جعلوهم في منزلتهم، وقديماً حكى لنا (بشار بن برد) أنه (وهو ناشئ) هجا جريراً فأعرض عنه واستصغره، ولو أجابه لكان كما يقول أشعر الناس. قد يكره الناس الناقد الجريء، ولكنهم يهابونه ويلتفتون إليه ويشجعونه على أن يبني نفسه من أنقاض ما هدم من غيره.
ومن اكبر مظاهر هذه الظاهرة ارتياح الناس للهازئين الساخرين، وما يصدر منهم من هزؤ وسخرية، على شرط ألا يكونوا هم موضع الهزؤ والسخرية، فأوسع أبواب الظرف والكياسة، وأشد ما يستخرج الضحك والإمعان فيه ما لذع به الناس في أعراضهم وأخلاقهم وملكاتهم، والذي يعدّه الناس لطيف الروح خفيف الظل، بارع الظرف، هو من يومئ الإيماءة الفاتكة ويرشح لسانه باللفظ يقتل به البريء الغافل، ويضحك به اللاهي الماجن.
وقد تقام حفلات التكريم للإشادة بصفات عظيم، أو التنويه بما قام به من عمل جليل، ولكن أكثرها حفلات تأبين، تقام بعد أن اختفى المحتفل به عن المسرح وغاب عن الآنظار، أو بعد أن أعجزته السن وخرج من ميدان العمل والمنافسة، أو هي حفلات تجارية أقيمت لمنفعة المحتفلين لا المحتفل بهم. الحق أن هذه العاطفة، عاطفة البحث عن الخطأ وإذاعته والولوع بالنقد أكثر من الولوع بالتقريظ عاطفة تشارك الإنسان في جميع أدواره.
وتعليلها (على ما يظهر) يرجع إلى غريزة الأثرة وحب النفس، كأن الإنسان يرى أن القول
стр. 1652
بعيوب الناس يتضمن القول بتفوقه، والتشهير بأغلاطهم إقرار سلبي بنبوغه، والعمل على تحقيرهم قد ينتج مع الزمن انفراده بالعظمة، والسخرية منهم تستتبع الاعتراف بجلاله وحده.
ولكن المدنية والحضارة، والرقي العقلي والخلقي، تهذب من هذه العاطفة، كما تهذب من سائر العواطف، فالناقد المهذب يكتفي بالتلميح دون التصريح، وبالإشارة دون التجريح، يقول ما في نفسه ولكن يتخير الألفاظ ويتخير المواقف، ويترفع عن ألفاظ الغوغاء وأساليبهم، والمقارنة بين الجرائد والمجلات وأساليب النقد في الأمم المختلفة تؤيد هذا كل التأييد.
ولو سار الأمر على المعقول لخف كثير مما يصدر من لوم ونقد، لأن أساس اللوم إمكان المسئولية، فإذا لم تكن فلا لوم، فلسنا نلوم المرضى إن لم يأتوا بأعمال الاصحاء، ولا نلوم البدوي كما نلوم الحضري، ولا نلوم الجاهل بما نلوم به العالم، ولا نلوم الطفل في المدارس الابتدائية إذا لم يحل معادلة جبرية أو نظرية هندسية.
إنما نلوم الإنسان عندما يكون في الإمكان أن يفعل خيرا مما كان، ولو قدر اللائمون تقديرا حقا ما يحيط بالملوم من حالة عقلية وجسمية وبيئة اجتماعية ومن عوامل حفية معقدة يصدر عنها العمل لخففوا من غلوائهم، ولطفوا من لومهم، ولعلموا أن استحقاق اللوم نسبي يرتبط بالسن وبدرجة الثقافة والمدنية وحالة الفرد في أمته وموقف أمته في العالم.
ولو سار الناقد على المعقول، لوقف موقف المصلح لا موقف الجاسوس، إن الجاسوس يهمه أن يرى الخطأ ليبرهن على كفايته، ويسره أن يرى العيب ليقبض على فاعله، وكلما أوغل في استكشاف العيب الدفين، وتعمق في إظهار جريمة مستورة، كان أدل على قدرته ونبوغه، ويأسف إن لم يكن عيب. كأنه يشعر شعوراً باطنياً أنه إرهاص بأن لا حاجة إليه، والمصلح يستكشف العيب لا ليشهر به، ولكن ليعالجه، وأقصى أمانيه ألا يكون عيب، وإذا كان فأن يداوى، ويعتقد أن مهمته تتم، مع السرور، يوم يزول المرض ويتلاشى النقص، وأنه بنقده ولومه إنما يصف دواء يستأصل الداء، ويأتي عليه.
أسوأ ما نرى أن يكون الناقد كالفرس الجموح ينال من الناس بهوجه وخبطه، أو أن يقف في نقده موقف الغر يداعب بالنار، أو الطفل يلعب بالسكين.
стр. 1653
المعالي. . .
للدكتور محمد عوض محمد
الآن وقد بلغت ربوع الألب أيها الصديق!، فما أجدرك أن تلقي عصاك حينا، ثم تنعم النظر فيما حولك من خلق عجيب، ومن روعة آخذة بالألباب. . . . في هذا الجزء الصغير الجليل من العالم أرادت الأرض أن تسمو وتعلو. . أتراها كانت تريد أن تبلغ السماوات، ثم لم تلبث أن رأت هذا السمو قد أبلغها الزمهرير المهلك القارس، فجمد في صدرها الأمل والطموح، واكتفت من الارتقاء بشيء لعلها تراه قليلا، ونراه نحن جليلا؟. وأيا كان ذلك السر الغامض الذي جاش به صدر الأرض، وأياً كان مطمحها البعيد أو القريب، فحسبي الآن وحسبك ما نتأمله فيها من حسن وما ننعم به من جمال.
في هذه البقعة المباركة رفعت الأرض مناكبها، وأمعنت في الارتفاع، وصعدت أعلامها في الهواء وأسرفت في الصعود. واصطدمت السحب بهذه الأطواد الشامخة فسالت السحب غيثا مدراراً، وانحدر الغيث على جوانبها جداول وأنهارا. ثم اجتمع الماء من كل ناحية في هذه البطائح المطمئنة، ولم يزل يجتمع حتى استحال إلى هذه البحيرات البديعة، وقد نزلت اليوم على ضفاف واحدة منها. فراعك حسنها الهائل، وفتنتك عيونها الساحرة، واستهواك قوامها الرشيق، وخدها الأسيل. . . ولقد بهرك منها بنوع خاص هذا الجمال المتجدد في كل لحظة، إذ تبدو لك الصبح في لون، والأصيل في لون، وتبدل في كل آونة ثوبا. . . أرأيت يا صديقي، كيف حرت في أمرك وأمرها، فما تدري أي ألوانها أحب إلى قلبك، وأي أشكالها أشد امتلاكا لعقلك؟
أمنظرها وقت الشروق، وهي هادئة وادعة، وقد انطبعت في صفحتها البلورية الملساء صورة مبهمة قاتمة للجبال الشاهقة التي تحيط بها، وقد حالت الجبال دون وصول أشعة الشمس. فلم ينفذ إلى البحيرة من نورها سوى ضياء هادئ رقيق، يبدي لك من الكون ما حسن، ويخفى منه ما ليس بالحسن. ولولا أني أخشاك يا صديقي لقلت لك أن البحيرة في تلك اللحظة تشبه الحسناء حين تستيقظ من النعاس، ولكني أحسبك لا تعبأ بمثل هذا التشبيه. . .
أم منظرها وقت الظهيرة، حين تظلها سماء صافية زرقاء، وتبدو الجبال من حولها. وقد
стр. 1654
زهت بثوبها السندسي الأخضر. . فبدت لك البحيرة في رداء عجيب: في مزيج من فيروز السماء ومن زمرد المروج الخضراء؟
أم منظرها وقد مالت الشمس للمغيب، وقد اشتمل الكون برداء مصفر حزين، وامتدت الظلال وأمعنت في الامتداد؛ وآوت الطير إلى وكورها وخففت من غلوائها. ولاحت لك البحيرة وقد تمثل فيها كل هذا الهدوء الحزين، وعلى محياها ذلك الشحوب الفاتن. في هذه الساعة القصيرة تتبدل تلك الألوان والشكول بسرعة هائلة، فلا تكاد العين أن تقع على منظر حتى يحول ويتغير.
قل لي أيها الصديق! أما استهواك منظر هذه الأطوار التي أحدقت بالبحيرة من كل جانب، وقد اختفى تحت الماء منها شطر وحلق في السماء شطر. فأما شطرها البادي للعيون فقد اكتسى بغطاء محكم من النجم والشجر؛ وأما شطرها الذي غمره ماء البحيرة فانه عار، ومن عناية الأقدار أن غمرته المياه فسترته عن العيون.
ولكن حدثني يا صاح أي هذين الشطرين قد شاقك أمره، فتاقت نفسك إلى إدراك غامضة واجتلاء ما خفي منه؟ هل خطر لك أن تغوص إلى أعماق هذه البحيرة حتى تبلغ أقصى أصول تلك الجبال، فتطلع على ما خفي من سرها، وما أبهم من أمرها؟ أم شاقك منظر هذه القمم الصاعدة في السماء فأردت أن تبلغ ذراها؟ ني لا أظنك تحاول الأولى؛ فقليل من الناس من تستهويه الأعماق البعيدة، فيحاول أن يغوص إليها. ونحن ذوو أحلام ضحلة، لا نجد في البحث العميق إلا عناء ونصبا. وسنبقى مدى الدهر قانعين بالظواهر تخدعنا وتقنعنا.
أما هذه القمم العالية، فأنك تراها أمامك كل حين، تبصرها عندما تستيقظ وتشرف عليك من سمائها النهار كله، وتبدو لعينيك في الليل البهيم مظلمة قاتمة، غامضة رهيبة، لكنها على هذا كله جذابة أبدا. . . . وأحسبك قد استهواك أمرها، وحدثتك نفسك بالصعود إليها. وفي كل نفس دافع ملح يدفعها أبدا إلى المعالي، ويجشمها في سبيلها الصعاب.
وكأني بك، أيها الصديق، وقد جلست فوق صخرة مشرفة على البحيرة وجعلت تتأمل هذه القمم، فتحس شوقا قد تملك قلبك، وضراما متوقدا يستثير همتك إلى صعود هذه الجبال، وبلوغ تلك المعالي. . . أنك تريد أن تسمو حيث يحلق العقاب، ويسبح السحاب، حيث
стр. 1655
تنشق ذلك الهواء النقي الزكي، الذي تنشقه البزاة والنسور؛ لا هذا الهواء الأسفل الذي امتلأ بالأدران والأكدار، حيث تنظر من تلك القمم مطلا على هذه الأجساد التي تتحرك على أديم الثرى، فتراها من ذلك الارتفاع الشاهق على حقيقتها، فإذا هي في عينيك دود يزحف، أو حشرات تحبو.
إن بلوغ تلك القمم لخليق حقاً بأن يكون مطمح العين، ومنية النفس. ولا حرج عليك إن كنت قد شغفك حب تلك المعالي وأهمك التفكير فيها. فطوراً يحملك الأمل على جناحيه، ويحلق بك في جو السماء، فتحُال المرام قريبا، وأنه منك قاب قوسين؛ وطورا يثوب إليك الرشد، فتفكر وتقدر، وتقارن بين همتك وقدرتك. . فلا تزال بين ارتفاع وهبوط، وإقدام وإحجام.
ثم كأني أراك بعد ذلك وقد قطبت جبينك، وعضضت على نواجذك؟ فهل صح عزمك على أن تجشم النفس هذا العناء الثقيل وهذا الجهاد الطويل؟ لئن كانت تلك عزمتك التي عزمت، فهل تعلم أي الطرق تسلك كي تبلغ مأربك؟
إن لهذه القمم التي تراها حديثاً شيقاً طليا، سأحاول الآن أن أسر إليك خبره. فلعلك واجد فيه عونا على النجاح أو سلوانا عن الإخفاق. . . .
إن الناس أيها الصديق يبلغون تلك المعالي من طرق ثلاثة، ليس لها رابع: فأما الطريق الأول فسبيل معبد ممهد، تحف به الرياحين، وتجري حوله الآنهار، وقد نبت فيه العشب الندي، وأحاط به الثمر الجني، وأعجب ما في هذا الطريق أن سالكه لا يكاد أن يسير فيه خطوات قلائل، حتى يبلغ مأربه، كأنما الغاية تسعى إليه ولا يسعى إليها، أو كأن الطريق يحمله حملا يبلغه مرامه. فما هو إلا أن يغمض طرفه ثم يفتحه، فإذا الأماني قد تحققت، والمعالي قد دنت ودانت.
وأظنك تعلم يا صديقي أن ليس لأمثالك وأمثالي أن يسلكوا هذا الطريق؛ وأحسبك تعلم أنه مما اختص به أولئك المجدودون، الذين ولدوا في حجر النعيم، ورعتهم نجوم السعد، وحرستهم عين المشتري، وهزت أرجوحتهم يد الزهرة: وفي وسعهم إن شاءوا أن ينزلوا إلى القمة نزولا، حين يحاول الناس أن يصعدوا إليها صعودا. ما من سبيل إلى مجاراتهم أو اللحاق بهم، فلندعهم ولننظر هل لدينا من طريق سواه.
стр. 1656
أما الطريق الثاني فلعله أعجب من الأول وأغرب، فهو طريق خفي، شديد الخفاء. غامض كل الغموض، لا ترى له بدءا ولا تعلم له اتجاها. . ملتو غاية الالتواء، معوج شديد الاعوجاج وسالكوه قوم قد رزقوا البراعة والمهارة. فهم تارة يثبون ويقفزون، وتارة يزحفون أو يحبون ويركعون ويسجدون، وطورا يسلكون طرقا مظلمة حالكة، وأحياناً يخوضون في الرجس والدنس. لا تثنيهم رداءة الطريق ولا وعورته، ولا اعوجاجه والتواؤه، وما أنت يا صاح من هذه الشرذمة التي تصل إلى القمة من أقذر السبل. فما أجدرك أن تدع هذا الطريق وتبحث عن سواه.
لم يبق غير سبيل واحد لا مندوحة لك عنه: وذاك هو الطريق الذي يدعوه أهل تلك النواحي (طريق البغال): أسم ستنبو عنه أذنك، وتشمئز منه نفسك. وسترفع رأسك إلى السماء كبرا وأنفة أن تنزل إلى هذا الدرك. أو تنحط إلى هذا المستوى. . . لكن رويدا فليس في الأمر نزول ولا انحطاط، وإنما هو صعود وارتفاع وارتقاء، وقد ينتهي بك إلى القمة التي تنشدها. فلتخفف إذن من غلوائك، واذكر انهم يدعون هذا الطريق بالفرنسية ويسميه الإنجليز - والألمان وأظنك بعد أن تردد هذا الاسم في هذه اللغات جميعا. سيصبح في أذنيك عذبا لذيذا سائغا.
ولئن كان في الاسم ما ينفر السمع، فليس في المسمى ما يبعث على النفور. ولعمري (بل ولعمرك أنت أيضا) انه لأشرف السبل وأمثلها، وأصفاها وأطهرها، وان كان طويلا مضنيا مجهداً. فإذا كنت تريد المضي فيما عزمت عليه، وتحاول الصعود إلى تلك المعالي، فمحال على مثلك أن يسلك الطريق الأول، وأنت أعف قلبا وأنبل نفسا من أن تسلك الطريق الثاني. إذن لا رأى إلا أن تسلك ثالث الطرق، أو تنثني عن مرامك، وتقنع بالإقامة في السفح، مكتفياً من القمة بالتطلع إليها والتحديق فيها. . .
طريق البغال هذا سكة اختطوها على جوانب الجبال، كي يستطيع الرعاة والزراع أن يسيروا فيها ببغالهم وماشيتهم، وكثيرا ما تصعد فيها البغال منفردة، وهي تحمل للناس أثقالهم من موضع إلى موضع. وقد علمها إلف هذا الطريق كيف تسلكه من غير مرشد يرشدها، أو سائق يسوقها.
في هذا الطريق إذن فليسر من ينشد القمة، وأنا زعيم أنه إذا أوتي القوة والجلد، ورزق
стр. 1657
الجد والدأب، واستطاع أن يصبر على ما يلقاه من عنت وجهد، وأن يثبت للشدائد التي تنتابه، وللعقبات التي تعترضه، ولم يدع لليأس سبيلا إلى قلبه، وأمدته العناية بشيء قليل من المساعدة، فانه واصل إلى الغاية مهما طال به المسير.
إن هذا الطريق واضح بين المنهج، من سار فيه فلن يضل السبيل. . لكنه على وضوحه وبيانه، ليس سهلاً هيناً، ومتى كان الطريق إلى القمة سهلا يا صديقي؟ فالسائر في هذا الطريق سيجد فيه غلظة وخشونة، فان الأيدي لم تتناوله بالرصف والتمهيد، وحصباؤه خشنة مدببة، لا ترتاح لمسها الأقدام، وقد يصادفك فيه الحين بعد الحين، صخر ناتئ أو شجرة مائلة تعترضك، فلابد لك أن تطأطئ الرأس قليلاً، أو تدور من حول تلك العقبات، أو تحتمل الجرح الذي يصيبك حين يصدمك الصخر الناتئ، أو الجذع المائل، وكثيراً ما يحف بك الشوك ذات اليمين وذات الشمال، فيخدش ساقيك خدشاً ربما أسال منهما الدم قليلا أو كثيرا. . ولا غرابة في هذا كله مادمت تسلك هذا الطريق: طريق البغال!
ولقد تقطع في سيرك الأميال العديدة. فلا تصيب فيه قوتاً ولا شراباً، فتجتزئ بالقليل من خشن الزاد الذي احتقبته، وتصبر على الظمأ والجوع، وفي قلبك من الجلد والإيمان ما يعين على كل هذا الحرمان. . وقد يسعدك الجد بعد طول السير والعناء فتصادف وسط الصخور نبعاً ضئيلاً هزيلاً، فتهش له وتبش وتراه كأنه دجلة أو الفرات، أو الكوثر المقدس. فتبسط إليه كفيك، تتخذ منهما قدحاً تملؤه كي تبرد به لهاتك. ثم ترى أن هذه الوسيلة لا تغني فتنحني نحو الينبوع، ثم لا تزال تنحني حتى ترتمي على يديك ورجليك، وتمد نحو الماء فماً قد جمده طول الظمأ، فلا تزال تعب الماء عبا، وتصبه في جوفك صبا، وتشرب وأنت على أربع حتى تروي غلتك، ولا تسل عن منظرك البديع في تلك اللحظة، ولكن أي غرابة في هذا وأنت تمشي في طريق البغال؟
وقد تكون الطريق في بعض نواحيها سهلة ممهدة يحف بها شجر عال فيه للطير وكور. وكأني بك وقد أطلت عليك من فرع غصينها المياد قبرة صغيرة حديثة عهد بالعالم، ولم تشاهد قبلك إنسانا يمشي على رجلين، فتدهش لرؤية هذا الكائن الغريب في طريق ما رأت به من قبل إلا الدواب، فتسرع إلى أمها وتهيب بها: (أماه! إن بالطريق بغلا جديداً ما رأيت من قبل له شبيها، يمشي على رجليه الخلفيتين، رافعاً رأسه إلى أعلى!. .) فعند ذلك تقول
стр. 1658
لها أمها العجوز: (ليس هذا يا ابنتي بغلا بل هو من أبناء آدم، فان أبصرته فابتعدي عنه، واختفى عن عينيه، فانه ليس بالمأمون جانبه.).
هذا بعض ما يقال عنك أيها الصديق وأنت بذلك الطريق. ولو كشف عنك الغطاء فأفهمت ما تتحدث به عنك الأرانب في جحورها والوزغ بين صخورها. إذن لتبسمت ضاحكا من قولها كما فعل سليمان، ولأدركت أن مسيرك هذا لا يخلو من عبث ولهو وتسلية.
ولكن حذار يا صديقي مما قد تلقاه من حشرات فتاكة. فان بالطريق أفاعي وعقارب، قد فاضت صدورها حقداً وضغينة، وهي تعشق الأذى حبا في الأذى , فان مسك منها ضر ذهبت جهودك كلها عبثا، أو تخلفت بالطريق زمنا طويلا. فامش إذن في تؤدة واحتراس، لعلك تسلم من حممها وسمومها.
والآن قد وصفت لك الطريق إلى القمة فسر فيه على اليمن والبركة. . . بيد أني لا أريد أن أكتمك أن سالك هذا السبيل قد لا يبلغ من مرامه أو ينال من بغيته إلا قدرا زهيدا. فقد يدركه الإعياء حين يعجز الجسد عن مراد الروح، وتخور القوى والأمل في عنفوانه. أو قد تعترضه عقبة كؤود أو هوة ليس إلى اجتيازها سبيل. أو قد تناله تلك الحشرات الفتاكة بسوء، فإذا أصابك هذا (بعضه أو كله) فلا تذهب نفسك حسرات على ما لم تبلغ ولم تنل، وحسبك أنك لم تزل برغم الإخفاق موفور الشرف عزيز الجانب، لم ترتكب في سبيل تلك القمة إثما ولم يدنس لك ثوب. . .
وإلا فهل تؤثر البقاء في السفح؟
стр. 1659
الديمقراطية
أكثريات وأقليات وتشريع
إن حكم الأكثريات ضرورة لازمة لحكم الجماعات. وأنت ترى الأحكام والشرائع مادامت ترجع في إبرامها إلى إجازة عدد من الناس يخضعون لقانون أساسي، فلا مناص إذن من أن تتقيد الحكومة برأي الأكثرية وتعنو له. ولقد أيدت المحاكم العليا هذا المبدأ حينا بعد حين، وخلال طور بعد طور، على مدى الانقلابات السياسية، وأيده المؤلفون في كثير مما أبرزوا من المؤلفات التي تناولت البحث في النظريات السياسية، كما وضع موضع التنفيذ الفعلي في نظام الحكومات في كثير من دول الأرض. ولا جرم أن حكم الأكثرية الذي يمثل رأي الجماعات له الغلبة حتى الآن في نظام الحكومات الحديثة.
أما في القرون الوسطى فان القول بمبدأ الأكثرية لم يكن أكثر من حيلة لجأ إليها الحكام ليتقوا بها الصراع بين فريقي الشعب كلما بدرت بوادره، بأن يظهروا للناس من طريق الجلاد الفكري مقدار ما يترتب على الصراع البدني في النتائج. وعلى الضد من ذلك ذهب الديمقراطيون في الأعصر الحديثة. فأنهم بعدوا عن التحايل على الناس بالأفكار والنظريات، فأصبح حكم الأكثرية عند بعض المؤلفين عبارة عن (مبدأ عام ثابت له من المسوغات الأدبية والخلقية ما يكسبه مناعة قصوى) كما يقول هنبرج في كتابه (نظريات حكم الأكثرية) ويؤيد الأستاذ (مكيفر) هذا الرأي ولكن بأسلوب آخر فيقول أنه (يجب علينا أن نعتبر أن كل الحكومات التي لا تتجلى في كيانها إرادة الأكثرية صورا بتراء إذا قيست بأنظمة الحكومات الرشيدة) وهذا الرأي يتضمن ضرورة فكرة أن الإرادة العامة هي لدى الواقع إرادة الأكثرية، لا إرادة المجموع كله. ويقول مؤلف ثالث هو الأستاذ (هرنشو) في كتابه (الديمقراطية في مفترق الطرق)، (أن عقيدة الرجل الديمقراطي لابد من أن تحمله على الاعتقاد بأن أكثرية الشعب لا محالة واقعة على الحق يوما مهما طال عليها عهد الخرق والضلال، وإنها لابد من أن تعمل جاهدة يوماً ما على أن تقيم العدل وتضع الحق في نصبا). على ان الأستاذ (هرنشو) مسبوق بهذا الرأي. فان البابا (إنوسان الرابع) في (القرن الثالث عشر الميلادي) قد سبقه إلى القول (بأن استكشاف الحق من طريق الكثرة يكون أهون وأقوم.)
стр. 1660
إن الحكم من طريق الأكثرية ليس أكثر من نتيجة منطقية، مقدمتها القول بوجوب المساواة الديمقراطية بين كل الناس. ذلك لأن حكم الأكثرية مضمونه أنه مدام لكل الناس حقوق معلقة في عنق الحكومة، فان (أصواتهم) يجب أن (تعد) لا أن (توزن). وهذه النظرية تختلف تمام الاختلاف عما كان يفهم من معنى الحكومة في العصور الوسطى وفي الدول غير الديمقراطية. فان القاعدة في القرون الوسطى كانت تعطي لمجموع الرعايا المتمتعين بكل الحقوق السياسية حق التصويت العام في المسائل ذات الشأن التي تتعلق بسلامة الدولة. وهذا يتضمن حقيقة تختلف عن مفهوم حكم الأكثرية كل الاختلاف. فان (عدد الأصوات) كان يقترن دائماً بفكرة (الصفة) مقيسة بقيمة الشخص (صاحب الصوت) ومنزلته في المجتمع وكان (مرسيليو البادوي، نسبة إلى مدينة بادوا أقوى من دافع عن هذا الرأي حجة في العصور الوسطى حتى قال الأستاذ (مكلوين) في كتابه (تطور الفكرة السياسية في الغرب) أن (مرسيليو) لم يفكر في حقيقة الفردية الحديثة لتي تنطوي على فكرة تغلب الأكثرية، بل وعى في عقله دائماً فكرة (الشعبية) التي كانت تعطى (للصفة) من القيمة ما (للعدد).
أما النظرية الديمقراطية الحديثة فقائمة على فكرة (بنتام) في أن كل إنسان انما يعمل على الترويج لمصالحه الذاتية، وأنه عندما تتفق أكثرية ما على سياسة معينة، فمن الواجب أن تعتبر هذه السياسة ممثلة غاية ما تنتهي إليه مصلحة العدد الأعظم من الناس. وإلى هذه الغاية ينبغي أن يتجه التشريع. لأنه في ظل هذا النظام تنكمش تلك الميول الشيطانية التي تحاول أن تغلب مصالح (العدد الأقل) من أفراد الجمعية على مصالح (الكل الاجتماعي) وتضعف تأثيرها إلى أدنى حد ممكن.
على أن هذه النظرية كثيراً ما هوجمت ونقدت. فان (إدمونديرك) الخطيب السياسي المعروف، كثيرا ما تكلم ضد ما سماه (استبداد الأكثريات) فقال: (ان رجحان الأكثرية من حيث العدد لا يتضمن مطلقا رجحانها من حيث الكفاية أو الميل إلى الخير، وحتى لا يتضمن رجحانها من حيث القوة والبطش. والحكمة من نصيب الأقليات إطلاقا، كما أن من نصيبها الإخلاص والاستقامة تغليبا. في حين ان اليأس والسلطان لا يعوزانها في أكثر الحالات) وفي هذا تأييد لقول سير (هنري مين) اذ قضى بحكم قاطع (في أن الأقليات،
стр. 1661
التي كانت في بعض الاحيان أقليات ضئيلة، هو الذي كون لإنجلترا صيتها القصي وسلطانها العريض).
ولاحظ الكاتب المعروف (جيمس مارسون): (أنه في كل الحالات التي تربط فيها المصالح المشتركة والشهوات بين الأكثريات تكون حقوق الأقليات في خطر محقق) وقضى بأن الدواء الوحيد هو أن يوسع أفق الحكم وتقسم الجمعية إلى عدد عظيم من الأحزاب والفرق التي تمثل كل منها ناحية من نواحي المصلحة، كي يتعذر بذلك نشوء ما يسمى (إرادة الأكثرية) بحال من الأحوال. ولقد حاول أحد حكام المديريات في الولايات المتحدة أن يطبق هذه النظرية ليتقي بذلك شر تحكم الأكثريات، فاتخذ للتمثيل النيابي قاعدة (الملكية) وقاعدة العدد معا، ولقد نجحت هذه (الحيلة) السياسية بعض الشيء في التوفيق بين رغبة البيض في الحكم المطلق وتمثيل العبيد في مجالس النيابة.
ولكن العقدة الحقيقية لم تحل بهذا وحده. فقد فكر حاكم آخر هو الحاكم (كانون) المعروف بمؤلفاته القيمة في أن يحمي الجمعية لا من استبداد الأكثرية العددية لا غير، بل في حمايتها من استبداد (الأقليات المنظمة) أيضاً قال (كلما كانت المملكة أوسع نطاقا وأوفر في النسمات عددا، وكلما اختلفت حالات الرعية وتنافرت الأغراض والأهواء، كانت الصعوبة التي تحسها الحكومة في معاملة رعايها على مقتضى ما تتطلب فكرة المساواة الديمقراطية أعظم وأعقد، وأصبح من الهين على فريق معين من الجمعية أن يستبد بفريق آخر ويعبث بمصالحه ويسلبه حقوقه). وعلى هذا ينبغي أن يقوم أساس التمثيل النيابي على مراعاة (العدد) ومراعاة المصالح. وسمى الأكثرية العددية (الأغلبية المطلقة) وسمى الأكثرية المصلحية (الأغلبية المشتركة) أو بالأحرى (أغلبية التشارك).
على أن لأغلبية التشارك ميزة على الأغلبية المطلقة، أو بالأحرى الأكثرية العددية، تنحصر في أنها تقلل من متاعب الحكومات بالإقلال من عدد الذين يبرمون المشكلات العامة. ولكن لا يخفى مع هذا أن اختيار الوسيلة التي يجب أن تتبع في تحديد نسبة معينة للتمثيل النيابي، وفي وقاية الحكومة من طغيان المصالح الخاصة، ثم وقاية الأقليات في الوقت نفسه، لمشكلة من أعقد المشاكل التي تواجهها الجمعيات الديمقراطية في العصر الحديث.
стр. 1662
ففي ظل النظام الحاضر في الولايات المتحدة مثلا، يقوم
التمثيل النيابي على قاعدة الأكثرية العددية. وهذا على ما
يظهر من طبيعة الأشياء أدنى صور الحكم النيابي إلى
السهولة، وأبعدها عن التعقيد، بل نقول أنه يلوح في الظاهر
أنه أقرب أشكال الحكم إلى تحقيق ما تتطلب الديمقراطية من
المساواة. ولكن على الرغم من كل ما يلوح في هذه النظرية
من البساطة والغرارة، فإنها غير مطبقة في الواقع. فان
اختلاف الولايات التي تتمتع بالحكم التمثيلي من حيث السعة،
كما ان النسبة التمثيلية التي تحتم الظروف أن يجري عليها
انتخاب مجالس التشريع، كلاهما يجعل مناقضة هذه القاعدة
والفكاك منها أمراً محتوما. ففي احدى وثلاثين ولاية من
الولايات المتحدة تقع على شرائط نيابية تجعل حكم الأكثرية
العددية مستحيلاً. خذ مثلا لذلك جزيرة رود فانك تجد ان كل
مدينة لا يحق لها أن ترسل الا نائبا واحدا ليمثلها في مجلس
سناتو الولاية. وعلى هذا تجد أن مدينتين مثل (بروفدنس)
وتعدادها. . . ٢٥٠ (وبوتكت) وتعدادها. . . ٦٤ نسمة
تهزمها لدى التصويت البرلماني ثلاث قرى إذا اتحدت مثل
(جرينتش) وتعدادها ٣٦٧ و (فوستر) وتعدادها ٩٠٥ و
стр. 1663
(شارلستون) وتعدادها ٧٥٩ نسمة. أما في (كونتكوت) فلكل
مدينة ممثلان. وبذلك تجد أن مدائن لا يزيد عددها على ٢٥٠
نسمة تمتع بنفس النسبة التمثيلية التي تمتع بها مدنا عظيمة
يزيد تعدادها على ١٠٠٠٠٠ نسمة. وفي ولاية (اوهيو) خمسة
أقاليم صغيرة تعدادها ٦٧٢٨٢ ولها في الوقت نفسه نفس
النسبة التمثيلية التي لغيرها من الأقاليم العظمى مثل إقليم
(فرنكلين) ولا يقل تعداد النسمات فيه عن ٣٥٩٤٥٩ نسمة. ثم
تجد أن أربعة عشر إقليما تعداد نسماتها ٢٢٦٢١٢ يمثلها
أربعة عشر نائبا، وإقليما واحداً هو إقليم (كويا هوجا) وتعداده
١ , ٢٠١٨٤٢ ليس له أكثر من سبعة عشر نائباً، فزيادة نسبة
العدد في إقليم (كويا هوجا) تبلغ ستة أضعاف ما في الأربعة
عشر إقليما الأولى. ولكن قيمة الأضعاف الستة لا تساوي في
تشريع الولايات المتحدة اكثر من ثلاثة نواب.
والمحصل من هذا كله إن جماعات الريف في الولايات المتحدة تمنح من السلطان في الحكم والتشريع أضعاف ما تستحق عدديا لينتقص المشرع بهذه الوسيلة سلطان الأكثرية في المدائن العظمى. ولا يمكن أن يقال مع مثل هذا النظام أن التشريع هنالك خاضع لإرادة الأكثرية العددية. وعلى هذا تجد أن مجالس التشريع في الولايات المتحدة غير خاضعة لا لما سميناه الأغلبية المطلقة، ولا لما سميناه (أغلبية التشارك)، ولكنها على الرغم من ذلك (ناقمة) من ناحية انها لا تجعل رأي الأكثرية راجحا على الدوام، وهذا النقص آت من
стр. 1664
ناحية عدم مجاراتها لمفهوم النظريات الديمقراطية القائمة على تغليب الأكثرية العددية إطلاقاً وبلا حساب، بل وبلا تقدير لأية نتيجة من النتائج التي تترتب على تغليب الأكثريات تغليبا يؤدي بها إلى الاستبداد. على ان كثيرا من العوامل ذات الأثر في أحكام النظام الداخلي في مجالس التشريع، وفي نظام اللجان، وفي الدور الذي تلعبه الأحزاب بحيلها المعروفة، ووسائلها التمردية يفضي حتما إلى حالة يخضع معها التشريع، ولو خضوعاً نسبيا، إلى الأقليات الصغيرة.
فهل لنا ان نتساءل: هل تحكم الأقليات العالم متسترة بقناع التعبير عن إرادة الأكثريات؟ وهل الديمقراطية على ما نفهمها من الكتب غيرها لدى التطبيق؟ وهل لنا أن نتخيل ان (الوهم) هو الذي يسوق الناس إلى حيث يريد بهم تفاعل قوى إنسانية مسلطة عليهم؟ وهل لنا مع هذا أن نعتقد ان الاختيار لدى الجماعات أضعف أثرا منه في الافراد؟ بل نتساءل هل الفردية هي القوة الشاملة التي تحتكم في نظام الأشياء الإنسانية؟
أ. م
حول مقال (تين)
نشرنافي العدد الثامن عشر مقالا عن (تين) بعث به إلينا من حلب السيد صبحي العجيلي. ولم يدر بخلدنا أن شهوة النشر تدفع بأحد شبابنا إلى أن يطفئها من منهل غير مشروع، حتى أرسل إلينا الفاضل عبد الحليم محمد حموده من أدباء الاسكندرية مقالا عنوانه (لصوص الأدب) يثبت فيه أن مقال العجيلي منقول برمته عن كتاب الدكتور هيكل (تراجم مصرية وغربية) وقد رجعنا إلى هذا الكتاب فوجدنا النقل ظاهرا لا شبهة فيه.
فهل يريد هؤلاء السادة أن نطالع كل كتاب ونطلع على كل صحيفة قبل أن ننشر شيئا في الرسالة؟ ذلك ما لا يضطلع به الجهد ولا يتسع له الوقت ولا يزكو به الأدب.
قصة الحارس
كان الأديب السيد محمد المدني المعلم بمدرسة الصناعات الزخرفية موفقاً في ملاحظته على ترجمة السيد محمد ناجي الطنطاوي الدمشقي لهذه القصة فقد قال إن المترجم على دقته أخطأ فهم الأصل في كثير من المواضع فجاءت الترجمة شوهاء خاطئة، مثال ذلك أنه
стр. 1665
ترجم هذه الفقرة:
? , , , , ,
بقوله: (مكثت هناك كالحارس أو كشرطي متقاعد شجاع شديد البأس على باب قلعته، وكنت لا أخاف شيئاً) والصواب: (وهناك أقمت للحراسة جندياً متقاعداً طيب القلب شديد البأس لا يهاب شيئاً، يحرص كل الحرص على فعل ما يؤمر به، شديد البطش بمن يحاولون الصيد في ارض غيرهم). وترجم بقوله (فأقمت عنده بأسم مستعار) والصواب (أني أسأت التعبير عن قصدي).
стр. 1666
من صور بغداد
حديقة. . . .!
كان ألذ ما أتذوقه من جمال بغداد وقفة في حديقة النادي العسكري كل صباح!! فكنت تراني أحرص عليها حرص العابد المتحنث على أداء صلاته، أو العاشق المتوجد على لقاء فتاته، كنت أغشى كل يوم هذا المجتلي الساحر، في رونق الضحى أو في متوع النهار، فأجد الشمس قد لألأت ذوائب النخل وغوارب النهر، وأخذت ترشق بأشعتها الظلال الندية من خلال الشجر، وبنات الهديل يبحثن كعادتهن في عساليج التين وأغصان التوت بأرجلهن ومناقيرهن، وهن يرجعن على التعاقب الحان الخريف؛ والحديقة مطلولة النبات منضورة الزهر تتنفس بالفاغية تنفس الطفل الحالم، والسكون مرهوب الجلال أنيس الوحشة يعمق ثم يعمق حتى تكاد تسمع النبات وهو ينبت!؛ والنادي خلواً من أهله فلا تجد الا بستانياً يعمل في صمت، وغلاماً يكنس في هدوء، وطفلين جميلين يجيئان أحيانا فيجلسان في الشرفة أو يمشيان في الحديقة، فلولا نشوز خادمهما الكهل، ومنظر هندامه الزري الشكل، لحسبتهما زهرتين من زهورها، أو عصفورين بين طيورها،! فأسير في الروضة متئد الخطى مرسل النفس مرهف الحس، تارة بين مماشيها، وتارة فوق حواشيها، فأقف عند كل شجرة، وأحيي كل زهرة، واسأل النبتة الوليدة بالأمس ما حظها اليوم من سر الحياة ونعمة الوجود! ثم أصعد درجة إلى الشرفة، وأنعم ساعة بتلك الوقفة، فأتنسم هواء النهر ملء رئتي، وآخذ جملة المنظر بمجامع عيني،! وأي منظر يسحر اللب ويملك الطرف كهذا المنظر الفاتن؟! الحديقة من ورائي تضوع بالنسيم الأريج وتروق بالرواء البهيج وتروع بالسكون الملهم! ودجلة الخالد من أمامي تتجاوب أصداء الأمم خافتة في لجاجه، وتتهادى خفاف القوارب راقصة بين أمواجه، وأنا بين الشجر والماء كالطائر بين الأرض والسماء، يسبح خاطري في أجواء الماضي القريب والبعيد صاعدا إلى فكرة، أو هابطا على ِذكَره، أو حائماً حول منظر كهذا المنظر تدفق به قلب في قلب، وامتزجت فيه نفس بنفس، وتجمعت الأحلام والأماني كلها فوق رقعة صغيرة من أرضه، وتحت سرحة فينانة من روضه!
لا تظنن هذه الحديقة فيحاء قد تأنقت فيها يد الطبيعة وتألق بها فن
стр. 1667
الإنسان! إنما هي مربع من الأرض على قدر ما يتسع له فناء كبير في
منزل فخم، يشقها ممشيان معروشان قد تعارضا على شكل صليب
قسماها إلى أربعة أقسام سواء، وفي هذه الأقسام وما أُلحق بها قام دوح
السدر، وبسق سرح الكافور، وانتظمت على جوانب مماشيها أشجار
النارنج، وانتثرت على معظم أرضها ألوان قليلة من النَّور الجميل
والورد العطر. فسماؤها كما ترى للشجر وأرضها للدهر وجوها
للعطر وهي كلها لنوع من الجاذبية يجعلها على بساطتها فتنة الفنان
وجنة المفكر!
ليت شعري ما مصدر هذا السحر الذي يشع في عيني ويشيع في نفسي كلما دخلت هذا المكان؟ أهو ذاك البناء المتآكل الذي يقوم في جنوبيه كأنه المعقل البالي أو الدير المهجور، أم هو ذلك النهر الجميل الذي يجري في غربيه كأنه الزمن الدافق أو الكتاب المنشور، أم هو ذلك المزيج العجيب من جلال القدم في المكان وجمال الطبيعة في البستان وعظمة الحياة الماثلة في النهر؟؟
ليس للروح العسكري في هذا المكان الشعري مظهر ولا أثر. فما تعهده من الخشونة في الثكنات، والعنف في الحركات والقسوة في النظرات والكلمات، يحول هنا إلى ذوق فنان ورقة شاعر وهدوء فيلسوف!
كادت هذه الخواطر الجريئة الملحة تذهلني عن حديقتي واليوم عيد من أعياد الطبيعة برزت فيه عارية من الحلل غانية عن الحلي! والخريف في العراق هو الربيع احترقت غلائله الوردية في لظى يوليو!! فهو على تجرد أرضه من الأنوار والازهار، وتحجُّب سمائه أحياناً بالغيم وأحيانا بالغبار، جميل البسمات عليل النسمات رفاف الأديم. فها نحن أولاء بين أعقاب الخريف وطلائع الشتاء والشمس لا تزال في ثغر السماء ابتسامة حلوة! تضاحك النهر الحبيب فتزيده طلاقة. وتداعب الزهر الكئيب فتكسبه أناقة، وتطالع الجو المقرور فتقبسه حرارة، وتصارع برد الموت في أوراق النارنج وأطراف التوت فتطيل
стр. 1668
بقاءها فترة أخرى من الزمن! وهذه اليمامات السواجع، مازلن يأوين إلى أعالي الشجر يمرحن في الضوء وينعمن بالدفء ويهتفن بالأهازيج كأنهن في أمَنَةٍ من حلول يناير وهو منهن على ليال قلائل!! وهذا دجلة السعيد يتنفس موجه بالنعيم، ويطفح غرينه بالذهب، ويقذف تياره بالغثاء والزبد، بعد ما بخره القيظ فنش حتى انكشف ضميره، وانقطع خريره، وكاد يزحف الشبوط والزورق فيه على القاع! فالبواخر تصعد صافرات في سرعة، والأطواف تنحدر صامتات في بطئ، والقفف تعبر موقرات في هوادة، وقوارب الصيادين وزوارق الملاحين تتعارض وتتحاذى في عباب النهر كأنها الخواطر الحائرة في الفكر العميق، والطيور الصائدة تحوم على وجوه الماء بأجنحتها الشهب حومان الآمال على ستر الغيب الصفيق، والبجعة الملكية تطعن في صدور الموج بمنقارها الطويل العريض وهي تسبح آمنة في حمى البيت العتيق، وأنفاس دجلة اللاهث من عبء القرون تتصاعد إلي حاملة أنين الأمواج وخفق المجاديف وغماغم الكرخ فتختلط بتجاوب اليمام على الشجر، وتناوح الرياح بين الغصون، وحشرجة الاوراق الذاوية على الارض، فتتألف من هذه الأصوات الخافتة موسيقى روحية شجية تبعث رواقد الأحلام وتثير كوامن الآلام وتقطع بين النفس وبين وجودها الحاضر!!
أيه يا دجلة يا سجل الأمم وراوية العصور! لشد ما فنيت في خريرك ضحكات، وامتزجت بنميرك دموع، وخفيت في ضميرك أسرار!! لقد رأيتك بالأمس ضارعا قد لصق خدك بالأرض حتى همّ بخوضك الخائض، وهمدت حياتك حتى أوشك أن يسكن عرقها النابض، ثم رأيتك اليوم وقد غاثك الغيث فجاشت ينابيعك الثرة بالنماء والثراء والقوة، ثم أقبلت كدأبك منذ آلاف السنين داوي الدارات صخاب اللج تعرضها مُلحا على بنيك فيعرضون عنك إعراض البطر، ويؤثرون على فيضك الميمون وذق المطر، ثم يهينون كبرياءك يا أبا الحضارات فيجعلون مبلغ همك حمل الأرماث ونقل القُفف! فهل يعجبون إذا فار غضبك فجرفت السدود وجاوزت الحدود وأصبتهم بالغرق؟. . . . .
أحمد حسن الزيات
стр. 1669
نعي هين
ناعٍ سعى بكتاب ود ِمن حدب … على ما حواه لو يواريه!
فقلت لا وجلت نفسي ولا حفلت … أنا عب أم بشير من ألاقيه
أدّ الرسالةَ لا تُحجم بها َجزِعاً … فليس يَكربنُي من أنت ناعيه!
أَثم في الناس مَن آسى لفُرقته … فأرهَبَ الموتَ إذ تعدو عواديه؟
إن الزمانَ رمىَ كبرى مصائبه … فما أُبالي جديداً من غواشيه
وكيف يخشى الردى من ليس يَكربُهُ … لو أنّه اليوم مَن سارت مَنَاعيه
َمضى الذي حَطّمت قلبي مَنيتّه … ومن وددتُ بروحي لو أفدّيه
من عشت أمرح في شتى مأثره … مدى الحياة وفي طولى أياديه
ومن ِبرَغمي أني قد حييت وقد … حواه في الارض جافي الجنب نابيه
ومن ُأردد عمري ذكره وله … أحيا بقلبٍ ثخينِ الجرح داميه
كنزٌ من الود أقدُر نفاسته … حتى دهاني محتوم الردى فيه
أمسيت أبحث عن محض الوداد سدّىً … وكان لي أمس أقصى ما أرجيّه
أقضي مع الناس عمراً خالياً صفِراً … من الودَاد كمَن في القفر يطويه
فخري أبو السعود
стр. 1670
مطالعات في التصوف
عوارف المعارف. معرفة النفس
- ٤ -
ليس الباب السادس والخمسون من كتاب عوارف المعارف الذي أريد
أن أحدثك عنه في هذا الفصل بابا من أبواب التصوف فحسب. وإنما
هو قد جمع إلى المكاشفات الصوفية مذاهب فلسفية ونظريات
بسيكولوجية لها قيمتها من حيث إظهارنا على معرفة ماهية النفس
والروح والقلب والعقل من ناحية. وفي الإبانة عن علاقة هذه الأشياء
بعضها ببعض وتأثير بعضها في بعض من ناحية أخرى.
ويرى مؤلف عوارف المعارف بادئ ذي بدء أن الكلام في الروح صعب المنال. وأن الإمساك عنه خير من التعرض له والإشارة إليه. فقد قال تعالى في كتابه العزيز: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) وهذه الآية الكريمة هي التي هبط بها جبريل على النبي ﵌ حين سأله اليهود أن يخبرهم عن الروح وعن ذلك كيفية تعذيب الروح التي في الجسد. ولم يكن قد نزل على النبي حتى ذلك الحين شيء في الروح فنزلت هذه الآية. وهي تدلل دلالة واضحة لا لبس فيها ولا غموض على أن معرفة ماهية الروح أمر مقصور على الله وحده. وإذن فكيف يتسنى لمخلوق أن يخوض في هذا الموضوع أو يشير إليه وقد أمسك النبي عنه؟ أليس الأجدر بالإنسان أن يتركه جانبا تشبها برسول الله واستمساكا بتأدبه؟ على أن الفلاسفة والعلماء لم يقفوا عند هذا الحد وإنما عرضوا للروح فتناولوها بالبحث والتحليل وحاولوا محاولات شتى، أرادوا أن يكشفوا بها عن ماهية الروح وكنهها ومصيرها بعد الموت. وهم في محاولاتهم هذه اختلفوا فيما بينهم اختلافاً قويا نلمسه في تضاعيف كتبهم التي أودعوها آراءهم ومذاهبهم. ومن هنا ترى مؤلفنا يقول أنه لم يوجد اختلاف بين أرباب النقل والعقل في شيء كالاختلاف في ماهية الروح. وأنك لتراه يقول ايضاً إن من بين الذين تنأولوا هذا الموضوع قوماً ركبوا متن الشطط فخرجوا على الشريعة وخالفوا أصول الدين. على حين أن من بين الذين
стр. 1671
استمسكوا بالشريعة وتكلموا في ماهية الروح قوماً اعتمدوا في تحليلهم للروح على الاستدلال والنظر. وقوماً آخرين كانت طريقهم طريق الذوق والوجد. ومن هنا خاض علماء الصوفية في موضوع الروح وأرادوا تعرف ماهيتها، وكان الأولى بهم والأجدر أن يمسكوا عن ذلك تأدبا بأدب النبي.
وبعد أن أظهرنا مؤلفنا على ما لمسألة الروح من خطر عظيم ودقة فائقة تعلو على إدراك الإنسان نراه يعمد إلى تدعيم رأيه بذكر طائفة من أقوال المتصوفة رأوا رأيه وذهبوا مذهبه في أن الروح أمر يتعذر إدراكه ويدق فهمه. ومن بين الأقوال التي ذكر قول الجنيد الذي جاء فيه: (الروح شيء أستأثر الله بعلمه ولا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود) وقول أبي عبد الله النباجي الذي يظهرنا فيه على أن الروح جسم يلطف عن الحس. ويكبر عن اللمس. ولا يعبر عنه بأكثر من موجود.
وقد اختلف الناس في الروح هل هو قديم أم محدث. واختلفوا أيضاً في أمر الروح الذي سئل عنه رسول الله. فذهبوا في ذلك مذاهب شتى وأدلوا بآراء تختلف فيما بينها اختلافا ظاهرا قويا. ولعل أهم ما يلاحظ على هذه الآراء انها تدور جميعا حول الروح الذي لبس في الجسد. فأنت ترى مثلا أن فريقا قد ذهب إلى أن الروح الذي سئل عنه النبي انما هو جبريل. وان فريقا آخر قد انتهى إلى أنه ملك. ومهما يكن من شيء فقد اتفقت هذه الآراء على أن الروح الذي هو من أمر الله شيء آخر غير الروح الذي في الجسد والذي يرى مؤلف عوارف المعارف أن الكلام فيه مباح غير محظور.
والروح التي في البدن هي قوامه ودعامته استحق بها أسم الحياة، بها ثبت العقل وقامت الحجة. ولولاها لتعطل العقل ولما كانت له أو عليه حجته. هي جوهر مخلوق ولكنها الطف المخلوقات وأصفى الجواهر. بها تترآى المغيبات ويكون الكشف لأهل الحقائق.
وتنقسم الأرواح إلى أقسام: -
(١) أرواح في البرزخ وتبصر أحوال الدنيا والملائكة. وتسمع ما تتحدث به عن أحوال الآدميين.
(٢) أرواح تحت العرش
(٣) أرواح طيارة إلى الجنان وإلى حيث شاءت من السعي إلى الله أيام الحياة.
стр. 1672
وإذا كانت الروح مخلوقة فقد قال بعضهم. انها خلقت من نور العزة وان إبليس خلق من نارها. وقال بعضهم: - قرن الله العلم بالروح فهي للطافتها تنمو به كما ينمو الجسم بالغذاء.
ويتناول مؤلفنا بعد ما قدمت لك أبسط آراء المتكلمين في الروح، وهو يلاحظ أن اكثر متكلمي الإسلام يميل إلى أن الإنسانية والحيوانية عرضان خلقا في الإنسان يذهبهما الموت. وأن الروح هي الحياة بعينها بها صار البدن حيا. فإذا انفصلت عنه أصبح ميتا، ولكنها إذا عادت إليه يوم القيامة عادت إليه الحياة.
وذهب بعض المتكلم إلى ان الروح جسم لطيف مشتبك بالأجسام الكثيفة، وهذا رأي أبي المعالي الجويني.
على أن السواد الأعظم من المتكلمين قد انتهى إلى أنها عرض، ولكن هذا المذهب مردود عليه بالأخبار التي دلت على أن الروح جسم لما فيها من العروج والهبوط والتردد في البرزخ. ومن ثم لا يمكن أن تكون الروح عرضا مادامت قد وصفت بأنها جسم. فليس الوصف الا معنى والمعنى لا يقوم بالمعنى.
وأما مصير الروح بعد خروجها من الجسد فقد حدثنا عنه مؤلفنا فيما أورد من كلام ابن عباس. سئل ابن عباس: أين تذهب الأرواح عند مفارقة الأبدان؟ فقال: أين يذهب المصباح عند فناء الادهان؟ قيل له: وأين تذهب الجسوم إذا بليت؟ قال: فأين يذهب لحمها إذا مرضت؟
وأكبر الظن أن آراء المتكلمين في الروح ومذاهبهم التي أوجزها لنا مؤلف عوارف المعارف تكفي لإعطائنا صورة لا بأس بها لهذا الخلاف الضعيف الذي كان بينهم حول مسألة هي من أدق المسائل وأعوصها إن لم تكن أدق المسائل وأعوصها جميعا. ولعل دقة المسألة وخطورتها آتيتان من حيث أن باحثها هو مضطر فوق هذا إلى أن يلائم بين رأيه وبين ما دعا إليه الكتاب والسنة. ومهما يكن من شيء فقد رأى المتكلمون أنفسهم امام ما يقال لهم من ان الموجودات محصورة. فكل موجود أما أن يكون قديما او جسما أو جوهرا أو عرضا. ومن هنا كان لابد لهم من أن يتعرفوا ماهية الروح ويطبقوا عليها هذا الذي قيل لهم عن حصر الموجودات. فهل الروح قديمة؟ هل هي جسم؟ هل هي جوهر؟ هل هي
стр. 1673
عرض؟ تلك أسئلة رأوا أنفسهم مضطرين إلى الاجابة عنها. وقد أجابوا عنها بالفعل. فرأى فريق منهم أن الروح قديمة لانها أمر والأمر كلام والكلام قديم. ورأى فريق آخر انها جسم. وذهبت طائفة إلى انها جوهر، وطائفة اخرى إلى انها عرض كما أشرت إلى ذلك آنفا. ويرى أبو طالب المكي أن الأرواح أعيان في الجسد كما يرى ان النفوس كذلك. فهو يقول ان الروح تتحرك للخير ومن حركتها يظهر نور في القلب يراه الملك فيلهم الخير عندئذ. وان الروح تتحرك للشر فتظهر في القلب ظلمة يراها الشيطان فيقبل حينذاك بالإغواء.
محمد مصطفى حلمي. ماجستير في الآداب
стр. 1674
قص الشعر في الأدب العربي
نشرت الأهرام كلمة تحت عنوان (مبتكر مودة قص الشعر) ذكر الكاتب فيها نقلا عن احدى المجلات الإنجليزية أن مبتكر هذه الطريقة هو المسيو سير بليغوسكي البولندي المعروف وهو يقيم الآن بلندن، والذي أعرفه أن هذا النوع نشأ من عصر بعيد. فقد يجد الباحث في الأدب العربي كثيرا من الصور الشعرية يعرف منها كيف نشأت هذه الطريقة في العصور العربية الزاهية أيام سلطان العباسيين بالمشرق وبني أمية بالآندلس، ذلك العهد الذي مال فيه العرب إلى كثير من ألوان الترف واطمأنوا فيه إلى الدعة وخفض العيش. ولقد كان من آثار هذا الإغراق في النعيم والافتنان في أساليبها أن كانوا يعبثون بشكل الفتاة الطبيعي فيقصون شعرها ابتغاء منظر طريف يمتعون به عيونهم في مجالس الشراب، كما كان يجد الشعراء في ذلك لذة فنية تعينهم على اتساع مدى خيالهم الشعري، ويطلقون على هذه الفتاة الصغيرة (جارية غلامية) ولم يك هذا النوع من العبث بالشكل الطبيعي مقصورا على الفتيات، فقد كانوا يصنعون الأقراط في آذان سقاتهم من الغلمان ويطلقون على كل منهم (غلام مقرطق) وسيجد القارئ في هذه الصورة تأييداً لما ذكرت.
قال عامر بن شهيد أحد شعراء الأندلس يمدح أميرا ينتسب إلى الأسرة العامرية، وقد استهل قصيدته بوصف الخمر وأدواتها والجارية التي قامت على الشراب:
أذن الديك فتب أو ثوب … وانضح القلب بماء العنب
وتأمل آية معجزة … ما قرأنا مثلها في الكتب
ركع الإبريق من طاعته … وبكى فابتل ثوب الاكؤب
ولول المزهر ينفي طربي … وتطربت فأعيا طربي
وربيب قام فينا ساقياً … كالرشا أرضع بين الربرب
ظبية دون الظباء قصصت … فأتت غيداء في شكل صبي
فتح الورد على وجنتها … وحماه صدغها بالعقرب
والذي ينظر إلى البيت السادس يعرف جيدا كيف كانت (مودة قص الشعر) معروفة بين الأندلسيين، ولعل أول من نقلها إليهم زرياب (المغني المعروف) فقد وفد من المشرق في عهد الرشيد بعد أن حقد عليه أستاذه إسحاق الموصلي فأقام كثيرا من عادات البغداديين في ربوع قرطبة وما جاورها وأحدث وتراً خامساً للعود. فمن المؤكد إذن أن هذه الطريقة
стр. 1675
نشأت في الدولة العربية ويرجح انتقالها من بغداد إلى قرطبة لسبق الأولى في الحضارة نتيجة اختلاط العرب بالفرس واليونان ولا سيما بعد الفتح العربي؟
علي شرف الدين. دبلوم دار العلوم
стр. 1676
فلسفة ليبنتز
١٦٤٦ - ١٧١٦
للأستاذ زكي نجيب محمود
١ - نظرية ذرات القوة٢ - التآلف الأزلي
٣ - نظرية المعرفة ٤ - الله والعالم
لست أدري كم ندنو من الحق حين نقرر أن لكل أمة طابعا في التفكير يطبع إنتاجها الفكري بوجه عام، ولولا أن ما تبادله الأستاذ الكبير الدكتور طه حسين والأستاذ العقاد لم يجف مداده بعد لزعمت هذا التقييم في يقين لا يعرف الشك. ألا تتميز إنجلترا بالنزعة الواقعية ألمانيا بالنزعة التفكيرية أليست إنجلترا مهدا للأفكار العملية التي تقف عند الواقع المحس (لا تعدوه) بل تكاد ألا تعترف بما وراءه. أليست ألمانيا منبتا خصبا للمجهود العقلي العميق، الذي يضرب فيما وراء الطبيعة، ويوشك ألا يعترف لهذا العالم المادي بحقيقة أو وجود، ثم أليست فرنسا موطنا للنزعة الرياضية؟ ألا يتميز الرجل الإنجليزي بالوضوح الذي أدى به إلى التمسك بالحقائق الواقعة، والفرنسي بالدقة التي طوحت به في بيداء اللاأدرية والشك، لأنه ينشد حقا يبلغ حد اليقين الرياضي فلا يجد. كما يتميز الألماني بالعمق في التفكير الذي انتهى به إلى اعتبار الفكر أصلا للوجود؟ عندي أن هذا كله حق يؤيده تاريخ الفلسفة.
ولم يكن ليبنتز فيلسوفا ألمانيا فحسب، انما كان أب الفلسفة الألمانية الحديثة غير منازع، أفتستطيع إذن أن تصور لنفسك عمق تفكيره وإمعانه في البحث عما وراء الطبيعة؟ وقد شاء له ربك أن يكون مهبطا تجتمع عنده أطراف النقائض، فيمثلها جميعا، ثم يخرجها للناس فلسفة متحدة متجانسة، فهاهو ذا قد تسلم ميراث ديكارت وسبينوزا من ناحية، وباكون ولوك من ناحية اخرى، فالتقت لديه بذلك سلسلتان متضاربتان من التفكير، إحداهما (ديكارت وسبينوزا) تنكر الحقائق الفردية وتؤكد قانونها الخالد: أي أن هذا الإنسان المعين أو تلك الشاة أو ذلك الطائر أو ما شئت من أفراد، ليست حقائق مقصودة لذاتها، انما هي مجرد تطبيق لقانون شامل، فأما هذه الافراد فذاهبة مع الموت، وأما ذلك القانون فخالد لا
стр. 1677
يعتريه الفناء. والأخرى (باكون ولوك) تسخر من كل هذا، ولا تعرف الا هذه الحقائق الفردية التي نراها ونلمسها. التقى هذا المذهبان في رأس ليبنتز فوقف منهما، موقفاً وسطا، وأخذ من كل منهما بمقدار، ففرض أن العالم يتكون من ذرات أولية لا تقبل التجزئة وليس لها امتداد، ثم زعم أن كل ذرة منها (يلاحظ إننا نستعمل كلمة ذرة هنا في شيء من التجوز لأن الذرة المادية تختلف عن الذرة التي فرضها ليبنتز في أن للأولى امتدادا وإنها تقبل التجزئة، واما الثانية فروحية تتألف من القوة لا من المادة) حقيقة متميزة مستقلة الا انها في الوقت نفسه تشمل صورة الكون بأسره في جوفها وتمثله أدق تمثيل. وبقدر دقتها في هذا التصوير والتمثيل يكون دنوها من الكمال، فهي فردية من ناحية وكونية من ناحية اخرى. ولابد لنا لكي نفهم ليبنتز على حقيقته أن نتناول بالشرح نظريته في الذرات ثم فكرته في إئتلافها، كما نلم برأيه في المعرفة وطريقة وصولها إلى الذهن. وسنرى أنها محاولة أخرى للتوفيق بين ديكارت ولوك، فقد مزج بين ما ارتآه الأول من وجود آراء فطرية تولد مع الطفل عند ولادته ولا تجيء عن طريق التحصيل، وما ذهب إليه الثاني من ان العقل يخرج إلى هذا العالم صحيفة بيضاء ثم تخط فيها التجارب ما تشاء.
١ - نظرية ذرات القوة
مم تتكون أجزاء هذا الوجود؟ مم يتكون هذا الرجل وذلك الماء وتلك القطعة من السكر؟ يجيب ديمقريطس أن هذا الوجود على تباين ظواهره إنما يتكون من ذرات اجتمع بعضها إلى بعض، فكونت هذا الشيء أو ذاك، وينكر ديكارت وسبينوزا هذا القول ويؤكدان أن اجزاء العالم على اختلافها إنما تتكون من مادة كونية متحدة لا تنقسم إلى أجزاء لأنها عنصر أولي واحد، ولكن ليبنتز يرد الفكرتين جميعا، فهذه المادة الكونية التي فرضها سبينوزا شاملة للوجود تبرز الكون حقيقة واحدة تتلاشى فيها كل الحقائق الفردية التي نصادفها في الحياة العملية، وتلك الجزئيات التي زعمها جماعة الذريين أصلا للأجسام، لابد ان تكون (نظريا على الأقل) قابلة للتقسيم إلى مالا نهاية، مادامت قطعا من المادة، لأن الذهن لا يستطيع أن يتصور جزءاً ماديا لا يقبل التجزئة، وإذن فهي مركبة ونحن إنما نقصد إلى أيجاد أبسط العناصر التي يمكن اعتبارها أصلا مطلقا للكون. فلابد لنا من الإمعان في البحث حتى ننتهي إلى عنصر لا يقبل التجزئة، ويكون له في الوقت نفسه
стр. 1678
وجود حقيقي ملموس. ولا تصلح النقطة الهندسية أن تكون هي العنصر المنشود. لانها تحقق شرطاً واحداً وهو عدم قابلية التقسيم، ولكن لا يتوفر فيها الوجود الحقيقي، كذلك لا يجوز أن نفرض جسما ماديا كائنا ما كان حجمه، لأنه وإن توفر فيه الوجود الحقيقي، لا يحقق شرط البساطة، إذ لا يسعنا الا أن نتصور إمكان تجزئته إلى مالا نهاية له من الأجزاء. يقدم ليبنز هذا الاعتراض، ثم يزعم أن ذرات القوة هي العنصر المنشود. لانها موجودة لا ريب في وجودها. وليست مادية حتى تتهم بإمكان التقسيم. وهي فضلا عن ذلك منبثة في الكون بأسره، هذه القوى الأولية هي التي تتكون منها حقيقة كل شيء، فهي العنصر الذي بنيت منه المادة والروح على السواء. وهي تختلف عن المادة التي فرضها سبينوزا في انها ذرات فردية لا نهائية في عددها وطبيعتها. أما مادة سبينوزا فهي كتلة متحدة متجانسة كما تباين ذرات ديمقريطس في أنها ليست مادة متينة بل مشحونة بالحياة والحركة. وهي ليست مجرد تكرار الصورة بعينها بل متباينة مختلفة إلى أقصى حدود التباين والاختلاف في الكيف والفاعلية. حتى إنك لا تجد في الكون كله ذرتين متشابهتين، لأنه لو كان ذلك لكان خلق إحداهما عبثا لا مبرر له. ولهذه الذرات القوية (نسبة إلى القوة) خاصتان: فهي في آن واحد شاملة للكون ومنعزلة عنه. هي من ناحية وحدات بسيطة مستقلة وليس لها نوافذ تطل منها على العالم الخارجي أو ينفذ لها شيء منه، لا يمكن أن توجد من عدم كما يستحيل أن تعدم بعد وجود الا بإرادة الله. كل واحدة منها عالم صغير يسير بمقتضى طائفة من القوانين كما لو لم يكن في الوجود غيرها سوى الله. وهي من ناحية اخرى شاملة للكون، لانها وإن تكن منعزلة بنفسها مستقلة في سيرها الا أن لها من القوة ما تستطيع به أن تمثل كل ما يحتوي الكون من ذرات قوية، أو بعبارة أخرى كل ذرة ينعكس فيها الكون كله، بحيث لو استطعنا أن نصل إلى فهم واحدة فقد فهمنا الكون بأسره. فكل واحدة تحمل في طياتها ماضي العالم ومستقبله. ويعزو ليبنتز إلى هذه الذرات نوعا من الإدراك يختلف عن إدراك الكائنات المفكرة، أي أن هناك درجات للإدراك لا نهاية لها، ومعنى ذلك أنه لا يعترف بوجود المادة الميتة، إنما أجزاء المادة جميعا ضروب من الأحياء تختلف في كمية الحيوية والتفكير. وبعبارة أخرى يقول: أن هناك درجة من الإدراك الصحيح الكامل، ثم يأخذ هذا الإدراك في النقص والغموض كلما نزلت في سلم الكائنات،
стр. 1679
وكلما كان إدراك الذرة واضحاً وتصويرها للكون دقيقاً، كانت أكثر حيوية وأحد نشاطا، والله تعالى هو وحده القادر على ان يكون له إدراكات واضحة لا يشوبها شيء من غموض أو ما يشبه الغموض، وإذن فهو وحده عبارة عن فاعلية خالصة ونشاط مطلق، وكل مخلوق سواه من الإنسان فنازلاً إلى أحط الكائنات، يكون فعالا من ناحية ومنفعلا من ناحية اخرى، وهذا الجانب المنفعل من الذرة، أي الجانب السلبي، هو ما يسمى بالعنصر المادي. أي أن وجود المادة السلبية في الذرة القوية هو الذي يحول دون وضوح إدراكها. وبعبارة واضحة. كلما رجحت في الكائن كفة الجانب الروحي الفعال على العنصر المادي السلبي كان اكثر وضوحا في إدراكه.
وانك لترى العالم مليئا بهذه الذرات المدركة، كل منها مستقل منعزل. ومع ذلك لن تجد بينها فواصل تباعد بينها، بل هي متداخلة بعضها في بعض، متصلة على أشد ما يكون الاتصال، وهذا ما يسميه ليبنتز بقانون الاستمرار. فليس ثمة تناقض أو اضطراب. أبدأ من المادة الجامدة إلى العقل المفكر تجده طريقا واحدة متصلة يتزايد فيها الإدراك شيئاً فشيئا في تدرج غير محسوس، وسر من النبات إلى الإنسان فسترى انك انما تسلك سبيلا ليس فيها حوائل أو عثرات. بل تعلو بك قليلا حتى تنتهي إلى قمة الجبل دون أن تشعر بالصعود!
ويشير ليبنتنز إلى مراحل ثلاث تجتازها في طريقك من الكائنات الدنيا إلى طبقاتها العليا. فذرات الطبقة السفلى. أي ذرات الجماد والنبات تدرك وكفى. فهي أشبه ما تكون بالأحياء الغافية أو النائمة التي لا يرتفع إدراكها إلى درجة الشعور. والمرتبة التالية لتلك هي ذرات الحيوان، ولها فوق الإدراك ذاكرة. ولكنها لا تسمو إلى درجة العقل، وإدراكها شبيه بالأحلام الغامضة، ثم تجيء الكائنات البشرية فوق تلك المرتبة، وهي التي وهبت عقلا وشعورا بالذات. ويذكر لينتنز ان الله تعالى هو أسمى هذه المراتب جميعا فبينما تراها تتفاوت في إدراكها غموضا ووضوحا، ترى إدراكاته واضحة كلها.
وليست هذه الذرات مطمئنة إلى مراتبها راضية بمقامها، بل تسعى كل واحدة سعيا متواصلا إلى السمو والارتفاع نحو الكمال لا ترضى به بديلا. فهي دائبة أبداً. لا تدخر وسعا لكي تحقق هذا الكمال الأسمى بانتقالها من مرتبة إلى مرتبة حتى تصل إلى هدفها المنشود، وليس من شك في أن ليبنتنز كان بذلك القول بشيرا بمذهب دارون الذي لا يعدو
стр. 1680
جوهره هذا التطور نحو السمو والكمال.
стр. 1681
في الأدب العربي
ابن خلدون وميكيافيللي
للأستاذ محمد عبد الله عنان
١. (ليس على الأمير أن يجزع لما يناله من لوم على تلك الرذائل التي لا يمكن دونها إنقاذ الدولة إلا بصعوبة، ذلك أنه إذا بحث كل شيء بعناية، ألفينا أن شيئا يبدو كالفضيلة، إذا اتبع فإنه يؤدي إلى خرابه (أي الأمير)، وألفينا شيئا آخر يبدو كالرذيلة، إذا اتبع فإنه مع ذلك يؤدي إلى سلامه ورخائه).
٢. (ليس أكثر تبديدا للمال من الجود والبذخ إذ سرعان ما تعجز عن مزاولتهما، وتعدو إما فقيرا أو محتقرا، أو تغدو إذا أردت أن تجتنب الفقر، جشعا مكروها. ويجب على الأمير أن يحرص قبل كل شيء على أن لا يكون محتقرا أو مكروها. وإذن فخير أن يشتهر الأمير بالوضاعة التي تثير اللوم دون بغض من أن يرغم الإنسان من طريق البحث عن الشهرة بالجود، أن يوصم بالجشع الذي يثير اللوم والبغض).
٣. (كان بورجيا يعتبر قاسيا، ومع ذلك فإن قسوته أرضت رومانيا (من الولايات البابوية) ووحدتها، وردت إليها السلام والولاء. ولو تأملت ذلك حق التأمل لرأيت أنه كان أكثر رحمة من الشعب الفلورنسي، الذي أراد أن يتجنب الشهرة بالقسوة فترك بستويا حتى خربت. وإذن فما دام الأمير قادرا على الاحتفاظ لشعبه بالوحدة والولاء، فليس عليه أن يهتم بوصمة القسوة لأنه بذلك يكون أكثر رحمة من أولئك الذي يفرطون في استعمال الرحمة، فتثور القلاقل، ويعقبها القتل والنهب).
٤. (وهنا يبدو سؤال: أخير أن يحب الإنسان من أن يرهب أو يرهب من أن يحب؟ ويمكن أن نجيب بأنه من المرغوب أن يكون الآنسان محبوبا مرهوبا، ولكن ما دام اجتماعهما في شخص واحد غير ممكن، فإنه خير وأكثر سلامة أن يرهب الإنسان من أن يحب إذا وجب أن يتصف بإحدى الصفتين).
٥. (لا يستطيع الأمير العاقل ولا يجب عليه أن يحفظ العهد إذا كان مثل هذا الوفاء قد ينقلب ضده، وإذا لم يبق للأسباب التي حملته على قطعه وجود).
٦. (وإذن فليس من الضروري أن يتصف الأمير بالخلال الحسنة التي ذكرتها، ولكن من
стр. 1682
الضروري أن يبدو كأنه يتصف بها. . . ولا يستطيع الأمير، ولا سيما الأمير الجديد، أن يراعي كلالأمور التي يقدر الناس من أجلها، لأنه كثيرا ما يرغم، لكي يحفظ الدولة، على أن يتصرف بغير ما يقضي به الإخلاص، والصداقة، والإنسانية، والدين. وإذن فمن الضروري أن يكون عقله متأهبا ليعمل طبقا لتقلب الريح والحظ).
٧. وقال مشيرا إلى سياسة ملك إسبانيا فرديناند الكاثوليكي ضد المسلمين عقب سقوط غرناطة: (إنه ينتحل الدين دائما عذرا للقيام بأعمال عظيمة، وقد ثابر بقسوة صالحة على إخراج المسلمين من مملكته وتطهيرها منهم، وليس ثمة أبدع من هذا العمل وأندر منه).
نستطيع من هذه النماذج الموجزة أن نفهم روح الفلسفة المكيافيللية في تصوير الدولة والأمير. وهي فلسفة تقوم على الحقائق العملية. وتحل هذه الحقائق على رغم جفائها وروعتها المكان الأول في بناء الدولة، وفي سياسة الأمير. فالنفاق والشح والوضاعة، والقسوة والإرهاب، والغدر والنكث بالعهد. وإهدار الإخلاص والصداقة والأمانة والدين، وما إليها مما ينافي المثل الفاضلة وتأباه الأخلاق والإنسانية، ليس مما تنكره الفلسفة المكيافيللية، ولا مما يشين السياسة التي تقوم عليها. ومن ثم كان الأمير أو السياسي الأمثل في نظر مكيافيللي طاغية لجأ في تأييد سلطانه إلى أروع الوسائل وأشنعها مثل البابا اسكندر السادس، وابنه شيزاري بورجيا (دوق فالنتينو). ويتناول مكيافيللي طرفا من حياة شيزاري بورجيا الذي عرفه واتصل به في رسالة خاصة، ويبدي إعجابه بتلك الخطوط والوسائل الدموية التي ابتدعها ودبرها شيزاري للبطش بخصومه من الأمراء والقادة وقتلهم غدراً وغيلة. ومن ثم كان ذلك الطابع الاسود الذي ما يزال يدمغ (السياسة المكيافيللية) إلى عصرنا. بيد أنه من الحق أن يقال أن المفكر الإيطالي يبدي في صوغ فلسفته كثيرا من القوة والبراعة وبعد النظر، وأن هذه النظريات والمبادئ التي قد يحكم عليها من الوجهة النظرية الخالصة، كانت وما زالت على كر العصور قوام السياسات الظافرة، وما تزال إلى يومنا عنوان السياسة العملية القوية.
(٢)
يتناول ابن خلدون كما قدمنا موضوع الدولة والملك بإفاضة ويبحثه من نواح أوسع وأبعد مدى، ويتفوق على مكيافيللي تفوقا عظيما في معالجته من الناحية الاجتماعية. ويلتقي
стр. 1683
المفكران العظيمان في مواطن كثيرة. مثال ذلك ما يقوله ابن خلدون في فاتحة مقدمته عن قيمة التاريخ في درس أحوال الأمم، ثم أقواله عن آثار البطش والسياسة العاسفة في نفوس الشعب، وعن خلال الأمير وتطرفه أو توسطه فيها، وعن حماية الدولة وأعطيات الجند، وعن منافسة الأمير للرعية في التجارة والكسب؛ وعن تطلع الأمير إلى أموال الناس وأثر ذلك في حقد الشعب عليه، وعن تطرق الخلل إلى الدولة وامتداد يد الجند إلى أموال الرعية، وكذا ما يقوله عن كتبهَ (سكرتارية) السلطان فهذه كلها نقط أو موضوعات يعالجها مكيافيللي أو يقترب منها سواء في كتاب الأمير أو في كتاب آخر له هو (تاريخ فلورنس) تتخلله تأملات فلسفية واجتماعية كثيرة. وقد لا يتفق مكيافيللي مع ابن خلدون دائما في الرأي، أو في منحى التفكير، ولكن كثيرا مما يقوله المفكر العربي يتردد صداه فيما يقول المفكر الإيطالي. فابن خلدون هو بحق أستاذ هذه الدراسة السياسية الاجتماعية التي تناول مكيافيللي بعده بنحو قرن بعض نواحيها؛ وهو بالأخص صاحب الفضل الأول في فهم الظواهر الاجتماعية وفي فهم التاريخ وحوادثه وتعليلها، وترتيب القوانين الاجتماعية عليها بهذا الأسلوب العلمي الفائق.
قال العلامة الاجتماعي جمبلوفتش: (إن فضل السبق يرجع بحق إلى العلامة الاجتماعي العربي (ابن خلدون) فيما يتعلق بهذه النصائح التي أسداها مكيافيللي بعد ذلك بقرن إلى الحكام في كتابه (الأمير). وحتى في هذه الطريقة الجافة لبحث المسائل، وفي صبغتها الواقعية الخشنة، كان من المستطاع أن يكون ابن خلدون نموذجاً للإيطالي البارع الذي لم يعرفه بلا ريب) وقال استفانو كلوزيو مقارناً ابن خلدون بمكيافيللي؛ (إذا كان الفلورنسي العظيم (مكيافيللي) يعلمنا وسائل حكم الناس، فإنه يفعل ذلك كسياسي بعيد النظر، ولكن العلامة التونسي (ابن خلدون) استطاع أن ينفذ إلى الظواهر الاجتماعية كاقتصادي وفيلسوف راسخ، مما يحمل بحق على أن نرى في أثره من سمو النظر ومن النزعة النقدية ما لم يعرفه عصره).
وقد نتساءل أخيرا، هل وقف المفكر الإيطالي على شيء من تراث ابن خلدون واسترشد به، أم وقف على شيء من آثار المفكرين المسلمين قبله في موضوع السياسة الملكية وانتفع بها؟ نعتقد مع العلامة جمبلوفتش أن مكيافيللي لم يعرف حين كتابة (الأمير) شيئا عن ابن
стр. 1684
خلدون أو عن آثاره، ولم يعرف من جهة أخرى شيئا من آثار المفكرين المسلمين في موضوعه. صحيح أن بعض نواحي التفكير الإسلامي كانت معروفة في إيطاليا قبل مكيافيللي وفي عصره، وكانت ثمة علائق فكرية قديمة بين مسلمي الأندلس وشمال أفريقية، وبين المجتمعات الفكرية في إيطاليا، وكانت آثار إسلامية كثيرة قد ترجمت يومئذ إلى اللاتينية. ولكنا لا نلمح في أثر مكيافيللي شيئا يدل على أنه عرف ابن خلدون أو أي مفكر مسلم في موضوعه. وإذا كانت ثمة وجوه شبه كثيرة بين المفكرين من حيث فهم التاريخ وتحليله، واستقراء الحوادث، وترتيب القوانين الاجتماعية، فذلك يرجع كما قدمنا إلى تقارب عظيم بين الذهنين، وإلى تماثل في العصر والظروف التي عاش فيهما كل منهما، وإلى تماثل في الخبرة السياسية التي اكتسبها كل منهما بخوض حوادث عصره والاتصال بأمرائه وساسته. وربما يكون ميكافيللي قد عرف شيئاً عن أبن خلدون ومقدمته في أواخر حياته بعد أن وضع كتاب (الأمير) بنحو عشرة أعوام أعني حوالي سنة ١٥٢٣ أو ١٥٢٤. ففي ذلك الحين كان الكاتب الأندلسي المنتصر الحسن بن محمد الوزان المعروف بأسم ليو الأفريقي يقيم في رومة ويتجول في المدن الإيطالية الشمالية وهو غرناطي ولد حوالي سنة ١٤٩٥ م. ونشأ في فاس وتولى لبلاطها بعض المهام السياسية، ثم حج إلى مكة سنة ١٥١٦، وعاد بطريق قسطنطينية، وفي أثناء ركوبه البحر إلى المغرب أسّرته عصابة من لصوص البحر الصقليين، فأخذ إلى رومه فنصره البابا بأسم (يوهانس ليو) أو يوحنا الأسد. أنقطع للبحث والتأليف، وألف قاموساً عربياً لاتينياً، وألف كتابه الشهير في وصف أفريقية وترجمه بعد ذلك إلى الإيطالية. وكان في مدينة بولونيا بشمال إيطاليا على مقربة من فلورنس سنة ١٥٢٤ حسبما يقرر في خاتمة قاموسه اللاتيني، الذي توجد منه نسخة في الاسكوريال. ومن الممكن بل لعله من المرجح أن يكون ابن الوزان قد التقى بمكيافيللي وعرفه في رومه باعتباره علما من أعلام التفكير والكتابة يومئذ. وكان مكيافيللي بالفعل في رومه سنة ١٥٢٥، قصدها ليرفع كتابه (تاريخ فلورنس) إلى صديقه وحاميه البابا كليمنضوس السابع (جوليا نودي مديتشي) ولو صح هذا اللقاء والتعارف، لكان ثمة مجال للقول بأن مكيافيللي قد وقف على شيء من آثار التفكير الإسلامي التي لا بد أن يكون ابن الوزان قد أذاعها وتحدث عنها بين أصدقائه الإيطاليين، ومن المرجح أن يكون ابن خلدون
стр. 1685
في مقدمة المفكرين المسلمين الذين يشملهم مثل هذا الحديث، لا سيما وقد كان صيته ما يزال قويا ذائعا في أفريقية والمغرب حيث نشأ ابن الوزان ودرس، على أنه مهما كان من شأن هذه الفروض، فلسنا نستطيع أن نقول أن مكيافيللي قد انتفع في صوغ فلسفته السياسية والاجتماعية بشيء من آثار التفكير الإسلامي، فلسنا نلمح في كتابه أثراً لهذا التفكير، ومكيافيللي ذهن مبتدع مبتكر بلا ريب، كما كان ابن خلدون ذهنا مبتكراً مبتدعا. وقد شق كلا المفكرين العظيمين طريقه لنفسه، وألهم وحي نفسه، وكان كتاب (الأمير) فتحاً عظيما في تفكير عصر الإحياء الأوربي، كما كانت مقدمة ابن خلدون فتحاً عظيما في التفكير الإسلامي.
следующие страницы →