Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
في الأدب العربي
ابن خلدون وميكيافيللي
للأستاذ محمد عبد الله عنان
١. (ليس على الأمير أن يجزع لما يناله من لوم على تلك الرذائل التي لا يمكن دونها إنقاذ الدولة إلا بصعوبة، ذلك أنه إذا بحث كل شيء بعناية، ألفينا أن شيئا يبدو كالفضيلة، إذا اتبع فإنه يؤدي إلى خرابه (أي الأمير)، وألفينا شيئا آخر يبدو كالرذيلة، إذا اتبع فإنه مع ذلك يؤدي إلى سلامه ورخائه).
٢. (ليس أكثر تبديدا للمال من الجود والبذخ إذ سرعان ما تعجز عن مزاولتهما، وتعدو إما فقيرا أو محتقرا، أو تغدو إذا أردت أن تجتنب الفقر، جشعا مكروها. ويجب على الأمير أن يحرص قبل كل شيء على أن لا يكون محتقرا أو مكروها. وإذن فخير أن يشتهر الأمير بالوضاعة التي تثير اللوم دون بغض من أن يرغم الإنسان من طريق البحث عن الشهرة بالجود، أن يوصم بالجشع الذي يثير اللوم والبغض).
٣. (كان بورجيا يعتبر قاسيا، ومع ذلك فإن قسوته أرضت رومانيا (من الولايات البابوية) ووحدتها، وردت إليها السلام والولاء. ولو تأملت ذلك حق التأمل لرأيت أنه كان أكثر رحمة من الشعب الفلورنسي، الذي أراد أن يتجنب الشهرة بالقسوة فترك بستويا حتى خربت. وإذن فما دام الأمير قادرا على الاحتفاظ لشعبه بالوحدة والولاء، فليس عليه أن يهتم بوصمة القسوة لأنه بذلك يكون أكثر رحمة من أولئك الذي يفرطون في استعمال الرحمة، فتثور القلاقل، ويعقبها القتل والنهب).
٤. (وهنا يبدو سؤال: أخير أن يحب الإنسان من أن يرهب أو يرهب من أن يحب؟ ويمكن أن نجيب بأنه من المرغوب أن يكون الآنسان محبوبا مرهوبا، ولكن ما دام اجتماعهما في شخص واحد غير ممكن، فإنه خير وأكثر سلامة أن يرهب الإنسان من أن يحب إذا وجب أن يتصف بإحدى الصفتين).
٥. (لا يستطيع الأمير العاقل ولا يجب عليه أن يحفظ العهد إذا كان مثل هذا الوفاء قد ينقلب ضده، وإذا لم يبق للأسباب التي حملته على قطعه وجود).
٦. (وإذن فليس من الضروري أن يتصف الأمير بالخلال الحسنة التي ذكرتها، ولكن من
стр. 1682
الضروري أن يبدو كأنه يتصف بها. . . ولا يستطيع الأمير، ولا سيما الأمير الجديد، أن يراعي كلالأمور التي يقدر الناس من أجلها، لأنه كثيرا ما يرغم، لكي يحفظ الدولة، على أن يتصرف بغير ما يقضي به الإخلاص، والصداقة، والإنسانية، والدين. وإذن فمن الضروري أن يكون عقله متأهبا ليعمل طبقا لتقلب الريح والحظ).
٧. وقال مشيرا إلى سياسة ملك إسبانيا فرديناند الكاثوليكي ضد المسلمين عقب سقوط غرناطة: (إنه ينتحل الدين دائما عذرا للقيام بأعمال عظيمة، وقد ثابر بقسوة صالحة على إخراج المسلمين من مملكته وتطهيرها منهم، وليس ثمة أبدع من هذا العمل وأندر منه).
نستطيع من هذه النماذج الموجزة أن نفهم روح الفلسفة المكيافيللية في تصوير الدولة والأمير. وهي فلسفة تقوم على الحقائق العملية. وتحل هذه الحقائق على رغم جفائها وروعتها المكان الأول في بناء الدولة، وفي سياسة الأمير. فالنفاق والشح والوضاعة، والقسوة والإرهاب، والغدر والنكث بالعهد. وإهدار الإخلاص والصداقة والأمانة والدين، وما إليها مما ينافي المثل الفاضلة وتأباه الأخلاق والإنسانية، ليس مما تنكره الفلسفة المكيافيللية، ولا مما يشين السياسة التي تقوم عليها. ومن ثم كان الأمير أو السياسي الأمثل في نظر مكيافيللي طاغية لجأ في تأييد سلطانه إلى أروع الوسائل وأشنعها مثل البابا اسكندر السادس، وابنه شيزاري بورجيا (دوق فالنتينو). ويتناول مكيافيللي طرفا من حياة شيزاري بورجيا الذي عرفه واتصل به في رسالة خاصة، ويبدي إعجابه بتلك الخطوط والوسائل الدموية التي ابتدعها ودبرها شيزاري للبطش بخصومه من الأمراء والقادة وقتلهم غدراً وغيلة. ومن ثم كان ذلك الطابع الاسود الذي ما يزال يدمغ (السياسة المكيافيللية) إلى عصرنا. بيد أنه من الحق أن يقال أن المفكر الإيطالي يبدي في صوغ فلسفته كثيرا من القوة والبراعة وبعد النظر، وأن هذه النظريات والمبادئ التي قد يحكم عليها من الوجهة النظرية الخالصة، كانت وما زالت على كر العصور قوام السياسات الظافرة، وما تزال إلى يومنا عنوان السياسة العملية القوية.
(٢)
يتناول ابن خلدون كما قدمنا موضوع الدولة والملك بإفاضة ويبحثه من نواح أوسع وأبعد مدى، ويتفوق على مكيافيللي تفوقا عظيما في معالجته من الناحية الاجتماعية. ويلتقي
стр. 1683
المفكران العظيمان في مواطن كثيرة. مثال ذلك ما يقوله ابن خلدون في فاتحة مقدمته عن قيمة التاريخ في درس أحوال الأمم، ثم أقواله عن آثار البطش والسياسة العاسفة في نفوس الشعب، وعن خلال الأمير وتطرفه أو توسطه فيها، وعن حماية الدولة وأعطيات الجند، وعن منافسة الأمير للرعية في التجارة والكسب؛ وعن تطلع الأمير إلى أموال الناس وأثر ذلك في حقد الشعب عليه، وعن تطرق الخلل إلى الدولة وامتداد يد الجند إلى أموال الرعية، وكذا ما يقوله عن كتبهَ (سكرتارية) السلطان فهذه كلها نقط أو موضوعات يعالجها مكيافيللي أو يقترب منها سواء في كتاب الأمير أو في كتاب آخر له هو (تاريخ فلورنس) تتخلله تأملات فلسفية واجتماعية كثيرة. وقد لا يتفق مكيافيللي مع ابن خلدون دائما في الرأي، أو في منحى التفكير، ولكن كثيرا مما يقوله المفكر العربي يتردد صداه فيما يقول المفكر الإيطالي. فابن خلدون هو بحق أستاذ هذه الدراسة السياسية الاجتماعية التي تناول مكيافيللي بعده بنحو قرن بعض نواحيها؛ وهو بالأخص صاحب الفضل الأول في فهم الظواهر الاجتماعية وفي فهم التاريخ وحوادثه وتعليلها، وترتيب القوانين الاجتماعية عليها بهذا الأسلوب العلمي الفائق.
قال العلامة الاجتماعي جمبلوفتش: (إن فضل السبق يرجع بحق إلى العلامة الاجتماعي العربي (ابن خلدون) فيما يتعلق بهذه النصائح التي أسداها مكيافيللي بعد ذلك بقرن إلى الحكام في كتابه (الأمير). وحتى في هذه الطريقة الجافة لبحث المسائل، وفي صبغتها الواقعية الخشنة، كان من المستطاع أن يكون ابن خلدون نموذجاً للإيطالي البارع الذي لم يعرفه بلا ريب) وقال استفانو كلوزيو مقارناً ابن خلدون بمكيافيللي؛ (إذا كان الفلورنسي العظيم (مكيافيللي) يعلمنا وسائل حكم الناس، فإنه يفعل ذلك كسياسي بعيد النظر، ولكن العلامة التونسي (ابن خلدون) استطاع أن ينفذ إلى الظواهر الاجتماعية كاقتصادي وفيلسوف راسخ، مما يحمل بحق على أن نرى في أثره من سمو النظر ومن النزعة النقدية ما لم يعرفه عصره).
وقد نتساءل أخيرا، هل وقف المفكر الإيطالي على شيء من تراث ابن خلدون واسترشد به، أم وقف على شيء من آثار المفكرين المسلمين قبله في موضوع السياسة الملكية وانتفع بها؟ نعتقد مع العلامة جمبلوفتش أن مكيافيللي لم يعرف حين كتابة (الأمير) شيئا عن ابن
стр. 1684
خلدون أو عن آثاره، ولم يعرف من جهة أخرى شيئا من آثار المفكرين المسلمين في موضوعه. صحيح أن بعض نواحي التفكير الإسلامي كانت معروفة في إيطاليا قبل مكيافيللي وفي عصره، وكانت ثمة علائق فكرية قديمة بين مسلمي الأندلس وشمال أفريقية، وبين المجتمعات الفكرية في إيطاليا، وكانت آثار إسلامية كثيرة قد ترجمت يومئذ إلى اللاتينية. ولكنا لا نلمح في أثر مكيافيللي شيئا يدل على أنه عرف ابن خلدون أو أي مفكر مسلم في موضوعه. وإذا كانت ثمة وجوه شبه كثيرة بين المفكرين من حيث فهم التاريخ وتحليله، واستقراء الحوادث، وترتيب القوانين الاجتماعية، فذلك يرجع كما قدمنا إلى تقارب عظيم بين الذهنين، وإلى تماثل في العصر والظروف التي عاش فيهما كل منهما، وإلى تماثل في الخبرة السياسية التي اكتسبها كل منهما بخوض حوادث عصره والاتصال بأمرائه وساسته. وربما يكون ميكافيللي قد عرف شيئاً عن أبن خلدون ومقدمته في أواخر حياته بعد أن وضع كتاب (الأمير) بنحو عشرة أعوام أعني حوالي سنة ١٥٢٣ أو ١٥٢٤. ففي ذلك الحين كان الكاتب الأندلسي المنتصر الحسن بن محمد الوزان المعروف بأسم ليو الأفريقي يقيم في رومة ويتجول في المدن الإيطالية الشمالية وهو غرناطي ولد حوالي سنة ١٤٩٥ م. ونشأ في فاس وتولى لبلاطها بعض المهام السياسية، ثم حج إلى مكة سنة ١٥١٦، وعاد بطريق قسطنطينية، وفي أثناء ركوبه البحر إلى المغرب أسّرته عصابة من لصوص البحر الصقليين، فأخذ إلى رومه فنصره البابا بأسم (يوهانس ليو) أو يوحنا الأسد. أنقطع للبحث والتأليف، وألف قاموساً عربياً لاتينياً، وألف كتابه الشهير في وصف أفريقية وترجمه بعد ذلك إلى الإيطالية. وكان في مدينة بولونيا بشمال إيطاليا على مقربة من فلورنس سنة ١٥٢٤ حسبما يقرر في خاتمة قاموسه اللاتيني، الذي توجد منه نسخة في الاسكوريال. ومن الممكن بل لعله من المرجح أن يكون ابن الوزان قد التقى بمكيافيللي وعرفه في رومه باعتباره علما من أعلام التفكير والكتابة يومئذ. وكان مكيافيللي بالفعل في رومه سنة ١٥٢٥، قصدها ليرفع كتابه (تاريخ فلورنس) إلى صديقه وحاميه البابا كليمنضوس السابع (جوليا نودي مديتشي) ولو صح هذا اللقاء والتعارف، لكان ثمة مجال للقول بأن مكيافيللي قد وقف على شيء من آثار التفكير الإسلامي التي لا بد أن يكون ابن الوزان قد أذاعها وتحدث عنها بين أصدقائه الإيطاليين، ومن المرجح أن يكون ابن خلدون
стр. 1685
في مقدمة المفكرين المسلمين الذين يشملهم مثل هذا الحديث، لا سيما وقد كان صيته ما يزال قويا ذائعا في أفريقية والمغرب حيث نشأ ابن الوزان ودرس، على أنه مهما كان من شأن هذه الفروض، فلسنا نستطيع أن نقول أن مكيافيللي قد انتفع في صوغ فلسفته السياسية والاجتماعية بشيء من آثار التفكير الإسلامي، فلسنا نلمح في كتابه أثراً لهذا التفكير، ومكيافيللي ذهن مبتدع مبتكر بلا ريب، كما كان ابن خلدون ذهنا مبتكراً مبتدعا. وقد شق كلا المفكرين العظيمين طريقه لنفسه، وألهم وحي نفسه، وكان كتاب (الأمير) فتحاً عظيما في تفكير عصر الإحياء الأوربي، كما كانت مقدمة ابن خلدون فتحاً عظيما في التفكير الإسلامي.
стр. 1686
من طرائف الشعر
مداعبة شوقية لم تنشر
براغيث الدكتور محجوب
براغيثُ محجوبَ لم أنسها … ولم أنس ما طَعِمْت من دمي
تشقُّ خراطيمُها جَوْربي … وتنفذ في اللحم والأعظمُ
وكنتُ إذا الصيف راح احتجم … تُ فجاء الخريف فلم أُحجم
ترحِّب بالضيف فوق الطريق … فباب العيادة فالسلم
قد انتشرتْ جوقة (جوقة) … كما رُشَّت الأرض بالسمسم
وترقص رقص المواسي الحدادِ … على الجلد والعَلَق الأسحم
بواكير تطلع قبل الشتاء … وترفع ألوية الموسم
إذا ما ابن سينا رمى بَلْغَماً … رأيت البراغيث في البلغم
وتُبصرها حول (بيبا) الرئيس … وفي شاربيه وحول الفم
وبين حفائر أسنانه … مع السوس في طلب المطعم
стр. 1687
العود
وصف دقيق ممتع للشاعر العالم الأستاذ أحمد الزين
// لامستْ في النفس أوتارَ هواها … غادة بالسحر تغزو من غزاها
كلما مست يداها وتراً … حسد الآخر ما مست يداها
تمنح الأوتار كفا رخصة … أشْجت الأوتار من قبل شجاها
ويكاد العود يدمي كفها … قُبَلا لو أن للعود شفاها
لحنها يبعث في ميْت المنى … نضرة العهد ومعسول صباها
خفْقات يخفق القلب لها … هي أنات فؤادي أو صداها
وحنين كاد من رقته … أن يذيب اللحن في العود مياها
وشجون طالما أخفيتها … نفذ العود إليها فحكاها
واستشف النفس عن أسرارها … لم يدع خافية إلا جلاها
صوَّر اللوعة في مكمنها … كيف تخبو ثم يشتد لظاها
ودبيب الحب في أوله … والجوى ملتهبا حين تناهى
وفناء النفس في من هويت … وترى كل وجود في فناها
وشقاء الحب في نعمته … ونعيم النفس فيه بشقاها
ورضا العشاق من أحبابهم … بالتفات أو خيال في كراها
كل هذا نطق العود به … وتناجى هو والنفس شفاها
لغة الأوتار في عجمتها … تقصر الألسن عن درْك مداها
تسعد المحزون في حرقته … وتواسي داءه إن قال آها
ألهم العود بكاء المشتكي … ملهمُ الطير على الأيك بكاها
تحسب الأوتار فاضت أدمعا … وتباريح الجوى أوهت قواها
يا لها من ناحلات أنحلت … من جسوم لاعج الشوق براها
وضعيفات وفيها قوة … تصرع الأسد فلا تحمي حماها
جل من يبعث في الضعف قوى … أخضعت من بقواه يتباهى
كلما شدَّت على أطرافها … أمعنت في النفس بالسحر خطاها
لا تسل سمعيَ عن ألحانها … سبق القلب إليها فوعاها
стр. 1688
قبلة!
للشاعر المهندس علي محمود طه
قبلة من ثغرك البا … سم دنيا وحياةُ!!
تلتقي الروحانِ فيها … والمنى والصَّبَواتُ
لغة وُحِّدَتِ الأل … سنُ فيها واللغاتُ
وَحْيُها الحبُّ وما تل … همُ تلك النظرات
لغة دان الشتيت الش … مل فيها وتلائم!
وبها الأرواُُ في غي … ر لَجاج تتفاهم
مَنْ تُرى علَّمها بالأم … س حوَّاَء وآدم
لم تَزُلْ جِدَّتُها … وهي حديث يتقادم!
قبلة من ثغرك البا … سم تَنْدَى شفتاهُ
من رحيقٍ لم يُحَرِّمْ … هٌ على الناس الالهُ
كلما أُترعَ منها ال … قلبُ ضَجَّتْ رئتاهُ
مستزيداً وهي إن عُلَّ … بها زادَ صداهُ!
قبلة من ثغرك البا … سم تمحو كلَّ ما بي!
وتُواريني عن النا … س وعن دُنيا العذاب
وتُنَسِّي القلبَ ما جُرِّ … عَ من سُمٍّ وصاب
قبلة تمزج أنفا … سَكَ بالقلب المذاب!
رُبَّ ليلٍ مَرَّ أفني … ناهُ ضمًّا وعناقا
وأدرنا من حديثِ ال … حبِّ خمراً نتساقى
في طريق ضَرَبَ الزهْ … رُ حوإليه نِطاقا
وتجلَّى البدرُ فيه … وصفَا الجوُّ وراقا
ولزمنا الصمتَ إلاَّ … بعيونٍ تتكلمْ
وشفاهٍ عن جراح ال … قلبِ راحتْ تتبسمْ
صِحْتَ بي رُعْباً وما … راعك قلب يتحطمْ
стр. 1689
نبَّأتني النفسُ بالبيْ … ن غداً! والنفس تُلْهَمْ
ثم كانَ الغدُ ما نُبئ … تَ هجراً وفراقا
ونسينا قبلةً سا … غَتْ من الأمس مذاقا
غير أناتٍ صحا القل … بُ عليها وأفاقا
فالتقينا وافترقنا … وكأنْ لمْ نتلاقا!!
стр. 1690
عزلة!
(. . والعزلة مملكة الأفكار). شاتوبريان
للشاعر الدمشقي أنور العطار
وعًزْلةٍ بَرَّةِ الأفْياءِ ساجيةٍ … رفَّافةِ الحُلْمِ تُنْئي كلَّ أتْراحي
طويتُ في صمتها قلباً شجيتُ بهِ … واعتضْتُ عنه بقلبٍ جدِّ مفراح
يَلقى أخو الهم في أظلال دارتها … كوناً بكونٍ وأرواحاً بأرواح
تَغيمُ روحيَ إما ثار هاجسُها … في لامع مثل قرصِ الشمس مُنْداح
غَيبوبة ملؤها الإحسان شاملة … غسيلة بِشَذًى كالعطر نفَّاح
أصوغُ فيها أناشيدي وأجمعُها … من عابقٍ دائم الاطياب مسماح
يا فرحةَ الرُّوح! تحدُوها غيابتها … إلى مطافٍ خصيب الوحي فياح
تنسى به حزَّةً في القلب مُوجعةً … مشطورةً من أسى كالهمِّ ملحاح
كغصةً ثرّة التعذيب جاهدةٍ … في صدر طفلٍ منيع الوِرد ملتاح
فأن يقتر عليها الحظ حصتَها … تظفر بحُبِّ وإيناس وإسجاج
هَناءةُ العُمْر ما انْساغت مناهلها … إلاّ لقلبٍ غنيِّ البِشْرِ، ممراح
مفَضَّض الحُلْمِ مغمورِ الشِّعابِ هوى … أنقى من النُّورِ في أعطافِ إِصباحِ
فاطربْ ولذَّ وَطِرْ نشوانَ من فرحٍ … في عالمٍ خيِّرِ الالهامِ منَّاح
وأغْنَم سوانح دهرٍ، غير وانيةٍ … من قبل يوم عصيِّ البرءِ لواح
ومرْقبٍ في كفافِ الأفْقِ منفَردٍ … كأنه كَهفُ نَسْرٍ جدِّ طماح
أسرى إليه خيالي غير مكتَرِثٍ … لهيكل راجف الأركان طلاح
فعبَّ منه نقيَّ الوحي فانْبَجَسَتْ … أمواههُ من مَعيِنٍ غير ضحضاح
كأنما ظلَّ يهمي فوق صفحَتِه … شُؤْبوبُ غيْثٍ هتونٍ السَّكْبِ سحاح
وروضةٍ حليتها العين وانبسطت … في ظلِّ واد أنيق الوشْيِ رحراح
أنشأت كوخاً على غدرانها بهِجاً … موَشَّحاً بتعاشيبٍ وأوضاح
من كل نَوارةٍ ضحاكة جذلا … وكلِّ زهرٍ نطوف النشر، فواح
وافيتها والمساء الرحْبُ تغمرني … ظلالُهُ بخيالات وأشباح
стр. 1691
سجا الأصيل وقد رفت لآلئُهُ … على إطارٍ بهِيِّ اللمح وضاح
وصفَّقَتْ مائساتُ الدَّوْح يؤْنسها … ضحك الجدأول من تلعات أرواح
كأن سرباً من الأطيار يطربني … تنغيمه بنشيدِ جدِّ مصداح
والشمس خابية الأضواءِ، تنشرُها … عجْلي وتجمعها في ركبها الواحي
غابَت وأبقتْ على الآفاق أصبغة … من رسم أروع سامي الصوغ وشَّاح
هذا المساء تجلَّى في مَحفَّته … نهلان من صورٍ كثرٍ وألواح
يزينه شفق حالٍ بأوشحة … من مائج غائم الأرجاء طفَّاح
ما بين خابٍ نؤوم ظله، كمد … وبين ضاح لعوب النور لماح
ترى تطيف به في حلمه ذِكَر … ترف حيناً ويمحو رفها ماح؟
ليت الزمان مساء ملؤه صوَر … علوية الصنع موشيات أفراح!
أطوف فيه بروح كلها لهف … حوامةٍ فوق جنات وأدواح
حتى أعيد أمانيَّ التي غبرت … والدهرُ عنْ مأمَلي سهوان أو صاح!
стр. 1692
في الزورق
// لست بناسٍ ليلةً … قضَّيتها في زورقِ
البدرُ فيها ماسة … باهرة التألق
والنيل في مضجعهِ … كغادة في جوسق
ينصت في غفوته … إلى حديث الشيق
وللحبيب شَعرٌ … يموج كالإستبرق
يلمسه النسيمُ لم … س المستهام المشفق
دارت أحاديث الهوى … مثل الطلا المعتق
ثم افترقنا غلساً … وبعدها لم نلتق. .
كرمة ابن هاني. حسين شوقي
стр. 1693
في الأدب الشرقي
جحا في الأدب الفارسي
للدكتور عبد الوهاب عزام
قال في لسان العرب: (وجحا أسم رجل) وقال في القاموس: (وجحا لقب أبي الغصن دجين بن ثابت) وقال شمس الدين بك في قاموس الأعلام: (هو من قبيلة فزارة، يضرب به المثل في الحمق، وكان في الكوفة إبان ثورة أبى مسلم الخراساني. وجحا الرومي كناية عن خواجة نصر الدين).
وقد ذكر ابن النديم في الفهرست كتاب نوادر جحا.
وأما جحا الرومي أو خواجة نصر الدين فيرو أنه كان معاصر حاجي بكتاش، ويقال انه عاش في عصر السلاجقة. وتحكى عنه نوادر كثيرة في التركية كنوادر جحا في العربية. وفي جوار آقشهر مكان غير مسور وله باب عليه قفل كبير يقال انه قبر نصر الدين.
وقد شاعت نوادر جحا في مصر وأفريقيا الشمالية كلها كما شاعت نوادر نصر الدين في تركيا. ونقلت نوادر الرجلين إلى شرقي أوربا وجنوبيها. ففي صقلية وبلاد أخرى حرف أسم جحا إلى جوفا أو وفي بلاد اليونان والصرب ورومانيا حرف أسم نصر الدين خواجة إلى
ولا حاجة إلى الكلام عن نوادر جحا ونصر الدين خواجه في العربية والتركية فهي معروفة ومطبوعة في مصر.
بعض هذه النوادر مروي في الأدب الفارسي في لطائف عبيد الزاكاني الشاعر المعروف، ولكنها لا تنسب إلى جحا، ولا يستطيع من يعرف الزاكاني ولطائفه أن يذكر أسمه دون أن يمتع القارئ ببعض حكاياته:
ذهب رجل من قزوين في جيش لغزو جماعة من الإسماعيلية وكان مع الرجل ترس كبير. فلما قارب قلاع العدو أصاب رأسه حجر فغضب وانصرف. فقال بعض أصحابه: ما خطبك؟ قال يا أخي أنا لا أحارب قوما عميا. كيف يرمون رأسي بالحجر وفي يدي هذا الترس الكبير؟!
وأخرى من لطائف الزاكاني: أن رجلا شاهد آخر يؤذن وهو يجري. قال: ما شأنك؟ قال:
стр. 1694
يا أخي إن الناس يزعمون إن صوتي حسن حين يسمع من بعيد. فأردت أن أخبر ذلك بنفسي.
وقد ذكر جحا في شعر الآنوري بأسم جحي (بكسر الحاء):
أز حسد فتح تو خصم تو بي كرداسب … همجو جحى كز خدوك جرخه ما در شكست
(ان خصمك عرقب فرسه غيظا من انتصارك مثل جحى الذي كسر مغزل أمه من الغضب) وذلك أن جحا قص على جلسائه نادرة فلم يضحكوا لها فذهب إلى داره مغضبا فكسر مغزل أمه.
وذكر جحا في مثنوى مولانا جلال الدين بأسم جوحي وذلك في ثلاث نوادر
الأولى في الدفتر الثاني من الكتاب:
مشى صبي في جنازة والده يبكي ويضرب رأسه ويصيح: يا أبت إلى أين تحمل! أتوضع تحت الثرى! انك تحمل إلى دار ضيقة مقفرة ليس فيها سجادة ولا حصير، ولا سراج بالليل، ولا خبز بالنهار، ولا فيها أثر من الطعام ولا رائحة، ولا سقف ولا باب ولا جار مؤنس. كيف بعينيك في دار مظلمة خربة، وقد كانتا مقبل الناس؟ دار مخوفة ومكان ضيق لا يبقى على وجه ولا نضرة.
وظل يعدد أوصاف الدار على هذا النسق، ويذرف من عينه دمعا قانيا. فقال جوحي لأبيه: أيها الأريب! والله إن هذا الميت ليحمل إلى دارنا. قال أبوه: لا تكن أبله. قال يا أبت استمع إلى أوصاف الدار. انها لا ريب صفات دارنا: لا حصير بها، ولا سراج، ولا طعام، ولا فناء، ولا سطح، ولا باب!
النادرة الثانية في الدفتر الخامس من المثنوي فيقرأها فيه من يعرف الفارسية فليس يجمل أن تذكر هنا.
وخلاصة الثالثة: أن جحا ألح عليه الفقر فأوعز إلى امرأته أن تشكوه إلى القاضي وتستدرجه إلى بيتها. فرفعت أمرها إلى القاضي وأفاضت في بيان ظلامتها. ثم سألت القاضي أن يزورها في دارها لتحدثه في أمرها. وجاء القاضي إلى الدار فجاء زوجها فأظهرت الخوف وهولت على القاضي الأمر حتى اختبأ في صندوق. ويدخل جحا فيقول قد عزمت على إحراق هذا الصندوق فان الناس يحسبونه مملوءا ذهبا، سأخرجه غداً فأحرقه
стр. 1695
على أعين الناس. ولما أصبح دعا حمالا فحمله الصندوق وسار وراءه. فنادى القاضي الحمال؛ والحمال لا يدري من أين يسمع الصوت حتى عرف أنه صوت رجل في الصندوق، فسأله القاضي أن يرسل إلى وكيله ليشتري الصندوق. وجاء الوكيل فسأل عن الثمن. قال جحا: ألف دينار فلما تردد الوكيل عرض جحا أن يفتح له الصندوق ليعلم أنه جدير بهذا الثمن. وانتهيا إلى الاتفاق على مائة دينار فنقدها الوكيل وأخذ الصندوق. وبعد سنة احتاج جحا إلى المال مرة أخرى فأوحى إلى زوجه أن تعيد الحيلة مع القاضي فذهبت ترفع إليه ظلامتها من زوجها، ووكلت امرأة أخرى في الكلام حتى لا يعرف صوتها، فأمرها القاضي أن تحضر المدعي عليه، فلما جاء جحا قال القاضي: لماذا لا تنفق على امرأتك ما يكفيها؟ قال إني فقير لا أملك حتى ثمن الكفن إن حظرني الموت. فقال القاضي، وقد عرفه: نعم لقد لعبت معي عام أول فربحت، وهذه نوبتي في الربح. فإن شئت فالعب مع من تشاء ودع اللعب معي.
وقد اثبت جلال الدين هذه النوادر في شرح آرائه الصوفية والأخلاقية كدأبه في ضرب الأمثال والذهاب بقارئه كل مذهب.
في جامع الحكايات لحبيب الله الكاشاني، الحكايات الثلاث التي في المنتوي، وأربع أخرى من نوادر جحا. أترجم منها واحدة:
جاء جحا يوما إلى شاطئ دجلة فرأى بعض العميان يريدون أن يعبروا النهر. فقال ماذا تجعلون لي إن أبلغتكم الشاطئ الآخر: قالوا: يعطيك كل منا عشر جوزات، قال: ليمسك كل منكم بحزام الآخر، وليمسك أولكم بيدي. فلما توسطوا النهر اشتد التيار فذهب بواحد منهم. فصاحوا: ذهب أحدنا يا جحا! قال الآن خسرت عشر جوزات! ثم ذهب التيار بآخر فصاحوا جزعين: وآخر ذهب به الماء! قال يا ويلتا ذهب من يدي عشرون جوزة! وذهب الماء بالثالث فصاحوا: سنغرق جميعا: قال جحا: وما يعنيكم أيها الحمقى! إنما الخسارة علي! أنا الذي أخسر بكل غريق عشر جوزات.
وأخرى من نوادر جوحي في الباب الثالث من كتاب بهارستان لعبد الرحمن الجامي:
كان لرجل على جوحي مائة درهم، فرفع الأمر إلى القاضي فسأله ألك شاهد؟ قال: لا. قال القاضي لجحا فاحلف له. قال المدعي أنه لا يبالي باليمين. فقال جوحي: يا قاضي
стр. 1696
المسلمين: إن لم يثق بيميني ففي مسجدنا إمام تقي صادق القول حسن السيرة فابعث إليه وحلفه مكاني ليطمئن هذا المدعي!
стр. 1697
العُلوم
آراء وأنباء
للدكتور أحمد زكي
المزاج التجريبي:
جمعتني المصادفة في بلد ناء بخبير في اللاسلكي أجنبي، وفي إبان المجلس عرض عليه موظف مصري كبير مشروع نظام للإذاعة اللاسلكية يراد أتباعه في مصر حينما تتم المحطة المصرية الموعودة في يناير القادم. وكان المشروع طويلا عريضا كثير التفاصيل دقيق الأجزاء كثير الفروض، كثير الردود، معجبا في انسجامه، مقنعا في تلاوته، ولا شك أن كاتبه استغرق في مكتبه ساعات عديدة لتدبيره، واستهلك كثيرا من الورق والحبر قبل الانتهاء على صيغته الأخيرة. ولما فرغ صاحبنا المصري من عرضه سأل الخبير رأيه فيه وعن القدر الذي يتاح له من النجاح، فسكت الخبير هنيهة ثم قال: ابدءوا بعشر هذا فستجدون أن معالجة هذا العشر الأول سترسم لكم الطريق إلى معالجة التسعة الأعشار الباقية. لا أدري إن كان خبيرنا المذكور تثقف بثقافة علمية خاصة ولكن الذي أدريه أن عقليته لا شك علمية ورأيه الذي ارتآه صدر عن نفسية مزاجها تجريبي، والمزاج التجريبي وليد المران العلمي. فالعلم يتشكك في كل ما ينتج عن الفكرة الخالصة وعن نشاط الفكر البحت الذي لا يتعدى حدود الجمجمة. والعالِم الحديث كالسفسطائي القديم في فقدانه الثقة بالمنطق الصرف باعتباره أداة كافية لكشف الحقيقة. والعالِم الحديث يبالي بالنتيجة العملية أولا فإن فسرتها النظرية فقد حصل توافق محمود، وإن كان خصام فالنظرية مخصومة مرفوضة. وكثيرا ما تجد هذا المزاج التجريبي في رجال ليس العلم صناعةً لهم، فتجده في التجار وأرباب الصناعة وفي الساسة، وقد يكون طابعا خاصا في أمة، وقد وجدته في الأمة الإنجليزية طابعا لها، لا سيما في رجال تثقفوا بثقافة خاصة كثقافة كمبردج أو أكسفورد، والخبير الأجنبي المذكور من هؤلاء. ولو أنك عرضت هذا المشروع اللاسلكي المنمَّق على مصري ذي ثقافة قاهرية لكان سريعا إلى نقده ونقاشه بكل ما وهب من مزاج نظري ومقدرة فائقة في التخريج المنطقي، ولحَسب بعد الفراغ أنه أتى بنتاج صائب لا يأتيه
стр. 1698
الباطل من أي جوانبه، إذا هو طبق ونفِّذ فلن تجرؤ قوانين الطبيعة ولا سنن المجتمع أن تعترضه أو تخالفه. ولقد لبسنا معشر المصريين هذا المزاج النظري ضيّقا لِصق أجسامنا حتى ليصعب علينا خلعه، حتى بعض الذين تدرَّبوا منا تدربا علميا خاصا يميل بهم هذا المزاج حيناً فينسون التجربة وخطرها في أمور العلم وأمور الحياة. قص لي صديق عالم مصري أختصه الله من بين العلماء بنعمة الثراء لسر لا يعلمه سواه، فكانت له أرض واسعة مرضت فأتعبه تسميدها فذهب إلى خبير مصري عالم في السماد فسأله رأيه، وبعد أخذ ورد وفحص وصف له الدواء، فذهب صديقنا إلى أرضه بسن ضاحك ورجاء وافر، ولكنه بعد فترة التجربة عاد إلى صاحبه السَّماد بوجه كاشر وأمل خائب، فسأله أعندك أرض، قال لا، قال نصيحتي للدولة أن تفصل من خدمتها كل سمَّاد لا أرض له ثم تولَّى. فقلت لصاحبي لقد كان أقرب إلى الإنصاف وأدنى إلى الإحسان أن تتمنى على الدولة أن تهب أرضا لكل سمَّاد لا أرض له. فنسى صاحبي الأرض وابتسم راضيا عن هذا الحل الموفق.
سفينة في معمل:
والحق أن هناك وجها قد يخفي حتى على من يقضون أصباحهم وأمسائهم في المعامل، فإن تجربة المعمل محدودة وأوجه الشبه التي بينها وبين ظاهرة طبيعية تحدث في العراء الواسع قد تكون قليلة مبتورة، فقد تكون في تجربة المعمل صفات ُمنجحة لا تكون في الطبيعة، وقد تكون فيها صفات مخيِّبة ليست في الطبيعة، وقد يكون في الطبيعة ما ليس في تجربة المعمل، وليس من الهين كل حين إدراك هذه الفروق في الصفات ولا سيما في شئون الحياة ومناطق العرفان التي لا يزال العلم يمشي فيها بخطى محذورة ثقيلة، مستهديا في حُلكتها الكثيفة بفتيل ضئيل من زيت قنديل. وكثيرا ما أدرك العلماء هذه الحقيقة إدراكا قويا خرج بهم عن حدود العمل المعروفة وعن طرائقه المألوفة. مثال ذلك أن التفاح من أكثر الفواكه عبرا للمحيطات، وأطولها سفرا وأكثرها اختلافا بين مناطق الأرض الباردة والحارة، فكانت تتلف منه في تلك الأسفار مقادير هائلة، ففحصوا أسباب هذا التلف فاهتدوا إلى أن من أسبابه الحرارة التي تكون في قاع السفينة ولا سيما في الأقطار الاستوائية، فكان من ذلك أن أودعوه مخازن بالسفينة تبرد تبريدا صناعيا طول السفرة. ثم ارتأوا بعد
стр. 1699
ذلك أن الهواء المحبوس سبب قوي في الفساد الحادث، وإن التفاحة تحيا خلاياها وتموت، فهي مثلي ومثلك في حاجة إلى الأكسجين النقي لتبقى حية صالحة، وكذلك في حاجة إلى شيء من الضياء. فمهدوا للتفاح المسافر وسائل الحياة والترف احتفاظا بحيويته، فنقص مقدار العادم إلى نسبة قليلة هي خمسة في المائة. ولكن التفاح تبلغ التصديرة الواحدة منه ثلاثة الملايين من الصناديق. فالخسارة في هذه وحدها تبلغ مائة وخمسين ألف صندوق. من أجل هذا اعتزم معهد الأبحاث بـ (إيست مالنج) بمقاطعة (كنت) بإنجلترا أن يقوم بدراسة حاسمة لا هوادة فيها لخلاص تلك البقية الباقية من العدم. (وإيست مالنج) محطة لبحث النبات عالمية لها معامل واسعة تبلغ المائة من الفدادين، ولها في تربية النبات وانتقاء جذور الأشجار ولا سيما أشجار الفواكه سمعة واسعة، وهي فوق ذلك غنية قادرة، فأرادت أن تلم بكل الظروف المحيطة بالتفاح أثناء سفره، فابتنت في معاملها ما يشبه السفينة، وأقامت فيها كل ما يقوم في السفينة، وجهزتها بجهاز يزيد في حرارتها أو ينقصها حسب المراد، وأتت بحمولة التفاح فأودعتها عنبر (السفينة) وأودعت بين صناديق (البضاعة المسافرة) مائتي وخمسين ترمومترا لرصد الحرارة، وبما أن العنبر سيظل مغلقا طيلة (السفرة) فقد وصلوا الترمومترات بأسلاك كهربائية ليستطيعوا رصد الحرارة من بعيد وبخاصة إذا هاج (البحر) نعم إذا هاج البحر فإنهم أحاطوا السفينة بأكياس منفوخة بالهواء تعوم فيها عومها في الماء، وأقاموا على الأكياس آلات دافعات جاذبات تحرك السفينة مثل حركتها بين الأمواج المصطخبة والرياح العاصفة، أو من أثر التيارات الخبيئة تحت سطح البحر الهادئ. وكان هذا الجهد وكل تلك النفقة حرصا على أن تمثل تجربة المعمل تجربة المحيط بحذافيرها وحتى لا يفلت حذفور غير منظور قد يكون له خطره في النتيجة الحاصلة. ولا يزال القوامون على هذه التجربة قائمين فيها، صكوا أبواب العنبر على التفاح وتدرجوا في رفع حرارته وبدلوا له الهواء إلى غير ذلك من أمور، وأهاجوا عليه (البحر) حينا وهدءوه حينا، وستصل البضاعة في يناير القادم إلى غايتها، وعندئذ يفتح العنبر وتمتحن البضاعة. ثم تشحن السفينة بضاعة جديدة وترحل رحلة جديدة تحت ظروف جديدة، وهكذا حتى يصل التفاح إلى مقره الأخير سليما كله من كل عطب، وعندئذ تتعين الشرائط التي لا بد منها لسلامته، وعندئذ يهدم هذا الهيكل الكبير ويباع حطاما
стр. 1700
رخيصا وسلعة بائرة بعد أن يكون قد أكسب الإنسان سراً من أسرار الطبيعة قد يكون في ذاته هيّنا في العلم، إلا أنه في الاقتصاد خطير، فهو يرد إلى الإنسانية على مر السنين ملايين الجنيهات، وهذه بدورها تمثل طاقة إنسانية تنفق في الزرع والجني وتعهد النبات، وطاقة أخرى طبيعية مما بذلته الأرض من عناصرها والهواء من غازه والشمس من أشعتها، طاقات يعزّ على العلم والعلماء أن يروها تهدر هكذا كاللبن الصبيب والدم المسكوب.
روعة في البرتغال:
في ليلة اليوم التاسع من أكتوبر في بلاد البرتغال تساقطت من السماء السوداء رجوم بيضاء بلغت الملايين فروّعت الناس كأنهم حسبوا أن عقود السماء انفطرت فأخذت النجوم تهوي بغير حساب. وهذه ظاهرة كانت منتظرة في هذا العام الذي نحن فيه وقد تكرر إلى ختام العام.
أما سببها فالمذنَّب المعروف بمذنب (تمبل) وهو من مذنبات أسرة الكوكب السيار (أورانوس) وهذا المذنب يطوف حول الشمس في مسار بيضاوي متطاول يقطعه في ثلث قرن، وبما أنه لا يطوف في دائرة نجده في ساعة ما من سنة ما في موضع أقرب ما يكون من الشمس، ثم نجده بعد هذه الساعة بسدس قرن قد حل أبعد مواضعه منها. ثم ينصرم سدس قرن فإذا به في موضعه الأول الأدنى من الشمس، أعني الأدنى من الأرض، فهو باقترابه من الشمس يقترب منا، وهو كالمذنبات يجر وراءه ذيلا من غاز وتراب وأجسام صلبة منها الكبير ومنها الصغير. والمذنب وذنبه يسيران في الفضاء بسرعة هائلة. فإذا مس هذا المذنب بمادته هواء أرضنا بتلك السرعة المروعة احتك به فاحترق فتكونت من ذلك الشهب التي نراها. وقد أدرك هذا المذنب الأرض ورأى الرقباء شهبه في أكتوبر أو نوفمبر من أعوام ٩٠٢ و٩٣٤ و١٠٠٢ و١١٠١ و١٢٠٢ و١٣٦٦ و١٥٣٣ و١٦٠٢ و١٦٩٨ و١٧٩٩ و١٨٣٣ و١٨٦٦ و١٩٠١. وتجد بامتحان تلك الأرقام أن الفترات بلغت ثلث قرن أو ثلثين أو قرنا بتمامه، وقد فات الرقباء لا شك ظهور هذا المذنب في السنوات الساقطة من سلسلة السنوات المذكورة. أو لعل الأصح أن نقول أن الذي فاتهم إنما هو رؤية الشهب التي تظهر عنه فتدل عليه، فالمذنب نفسه صغير لا تراه العين أكتشفه مكتشفه
стр. 1701
بالتلسكوب عام ١٨٦٦، وعندئذ، وعندئذ فقط، دُرس هذا المذنب ودرست دورته ودرس زمنها وانكشفت العلاقة بينه وبين شهب سجّل التاريخ حدوثها في الأزمان الخوالي. ومنذ حل عام ١٩٣٠ والعلماء في ارتقاب الرسول الوافد، رسول العلم، رسول الإيمان في حسابات الرياضة وقواعد الفيزياء، رسول الثقة في العقل البشري بنَّاء لقواعد الإيمان النفسي، وقد أتى الرسول وألقى برسالته، فوقعت هذا العام في البرتغال فارتاع لها الجهال. وقديما خاف الناس الشهب وراعتهم المذنبات. أليس أبو تمام يقول:
وخوفوا الناس من دهياء مظلمة … إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب
وصيروا الأبْرُج العليا مرتبة … ما كان منقلبا أو غير منقلب
تخرصاً وأحاديثاً ملفقة … ليست بنبع إذا عدت ولا غرب
ليت شعري أي مذنب كان هذا؟ وفي أي سنة ميلادية بالضبط كان؟ وهل هو مما سجله علماء الفلك؟ وهل في حسبان تاريخه التقريبي نفع؟
جماد يبصر حيث تعمى العين
نزلت في الصيف الماضي بضيعة من ضياع الريف بإنجلترا في دار رجل طيب الخلق سمح كريم إلا أنه شديد على كل من مس ماله وثروته، كان يذكر ذلك ويفخر به ويعلله بأنه كسب ما كسب من عرق جبينه، لا عرق جبين والد أو عم. لذلك أغمه وأهمه ونحن نزول عنده أن لصا ماكرا لحوحا ألح على بيت للدجاج له يقع بعيدا عن الدار فكان يحمل منه كل ما وجد به من البيض، وغاظ صاحبنا منه أمران، أولهما أنه كان يختلف إلى بيت الدجاج والشمس في السماء ومع هذا يفلت، وثانيهما أنه كان يلبس حذاء من قش حذَرَ أن تنطبع قدمه في الأرض فتدل عليه. وفي ذات يوم ونحن جلوس إلى المائدة يحدثنا صاحبنا الريفي للمرة العاشرة عن السارق ويشكو، إذا بأساريره تُبرق وعينه تلمع وأسنانه تتحرّق تحرق المغيظ جاءه النصر على غير انتظار. فسألناه عن خطبه، فقال فخ سأنصبه للوغد، وعن قريب تسمعون عن رقم قياسي للبيض سيدفعه هذا الكلب النذل عن كل بيضة سرقها. وفي ذات مساء والشمس تغيب والمطر رذاذ كنتُ عند الباب الخلفي للدار أتفقد السماء، فلمحت صاحبنا يهرول من بعيد، قد انكشفت نواجذه بابتسامة عريضة، وتأبط شيئا صغيرا ملفوفا في جريدة. فلما اقترب سألته عما جرى فقال صدت السارق، فقلت فأين هو؟ قال هنا،
стр. 1702
وأشار إلى الصندوق الذي تحت إبطه، ثم سألني أتعرف تحميض الصور؟ قلت نعم، قال فهلم إلى معونتي فخبرتي بذلك قديمة منسية. وما كادت تظهر الصورة السالبة على لوح الزجاج الأسود حتى اختطفها يحملق فيها وكأنه تبين ملامح السارق. ولم يُضْح صباح اليوم التالي حتى كان اللص في دار الشرطة ولم يسعه وقد واجهوه بالصورة الا الاعتراف. وخلاصة الأمر أن صاحبنا الفلاح خبأ الكاميرا داخل بيت الدجاج ووصلها بسلك بالباب. وكانت في مواجهة الداخل، فلما دخل اللص فتح الباب فانكشفت العدسة فارتسم المنظر فكانت شهادة لجماد لا تعد لها شهادة الأحياء.
خطر لي بعد هذا الحادث أن مضيفنا كان لا شك رجلا فطنا، وأن صاحبنا اللص كان على حيلته غبيا لأنه خالف عرف اللصوص فزار البيت نهارا، وسألت نفسي وماذا كانت الحيلة لو أنه زار الدار ليلا، وأخذت أداور حلولا في رأسي للتسلية. ثم انتقل فكري من هذا كله حتى كان هذا الاسبوع فوجدت سؤالي يجاب في بعض أنباء العالم، ذلك أن رجلا استخدم لالتقاط الصورة في الظلام مصباحا كهربائيا يشع بالنور البنفسجي المعروف، إلا أنه استبدل بزجاجة المصباح الشفافة زجاجة خاصة سوداء تحجب من الضوء البنفسجي كل إشعاعات الطيف المرئي وهي الشعاعات التي تحسها عين الآنسان وبها تبصر، ولكنها لا تحبس ما فوق تلك من إشعاعات كيميائية تؤثر في الأفلام الفوتغرافية، فأنت إذا نظرت مثل هذا المصباح في حجرة مظلمة فأنت لا تراه، ولكن إذا كان بيدك كاميرا ففتحتها ارتسمت فيها صورته وارتسم كذلك المكان. فلو أن لصا زار بيت الدجاج ليلا وكان به مصباح كالذي نحن بصدده لما أفادته الظلمة شيئا. وإلى جانب هذه الصورة أخذت في الليل بهذه الطريقة، بها السيدة تمثل اللص وإلى جانبها المصباح رأته الكاميرا وضّاءً برغم سواده في العين.
стр. 1703
القصَص
الجورب الوردي
للقصصي الروسي تشيكوف
أخذ السحاب الجون يتكاثف حتى حجب السماء، وطبق الأرض، وأرسل المطر هتانة، حتى أصبح إقلاعه بعيداً أمده. فجاء اليوم عابس الوجه. لا ترى في أرضه غير البرد الساقط، وطير الزاغ ويبلله القطر، وفي داخل المنازل امتد غبش الليل واشتد قارس البرد حتى أمسيت تشعر بالحاجة الشديدة لحرارة المدفئة.
كان بافيل بتروفيتش سوموف يروح ويغدو في مكتبه متأففا من الجو متبرما به، فسفعات المطر للنوافذ والظلام الشامل للغرفة حملاه على الاستياء الشديد والتذمر المر، ولقد كان ضجره لا يحتمل وما كان في يديه ما يشغله. . فالجريدة لم تصل إليه حتى الساعة والصيد متعذر حصوله، صعب بلوغه، وما كان الوقت وقت عشاء.
لم يكن سوموف وحيداً في غرفة عمله، فقد جلست إلى مكتبه مدام سوموف وهي حسناء نحيلة في غلالة بيضاء وجورب وردي، وكانت منهمكة في تحبير رسالة، وكان إيفان بتروفيتش عندما يحاذيها في جيئته وذهابه ينظر من وراء كتفيها ما تكتب فيرى حروفا كبيرة ودقيقة وضيقة منمقة غاية التنميق! لها ذيول وبها كثير جدا من الطمس والمسح والتلويث وأثر الأصابع، وكانت مدام سوموف لا تحب الورق المسطر، وكل سطر تكتبه ينحدر بتعرجات قبيحة حتى ينتهي إلى الهامش.
سأل سوموف زوجه حين رآها تبدأ الكتابة في الصفحة السادسة (لمن تكتبين مثل هذه الرسالة الضافية يا ليدوتشكا؟)
- إلى الأخت فاريا
- أوه!. . خطاب مسهب. . أنني ضجر. . دعيني أقرأه
- لك أن تقرأه. . بيد أنه لا يلذك
تناول سوموف الصفحات المكتوبة وهو يذرع أرض الغرفة وأخذ يقرأ. .
ارتفقت ليدوتشكا على ظهر كرسيها وجعلت ترقب ما على وجهه من تعابير. . استطال وجهه بعد الصفحة الأولى وظهرت عليه ملامح الرعب!! وفي الصفحة الثالثة قطب جبينه
стр. 1704
وحك مؤخر رأسه، وفي الصفحة الرابعة أمسك عن القراءة ونظر بوجه المرتاع إلى زوجه. . وتظاهر بالتأمل. وبعد تفكير قليل تنأول الرسالة ثانية وهو يتأوه وعلى وجهه أثر الارتباك والحيرة ثم الأرجاف والفزع.
لما فرغ من قراءة الرسالة قال متمتما: (حسن!. . هذا لا يجوز! ورمى بالأوراق على المكتب، هذا لا يصدق، ما في ذلك ريب. . .).
فسألته ليدوتشكا وقد امتقع لونها: ما الخبر؟
- ما الخبر؟ تملئين صفحات ستا وتمضين ساعتين في خرفشة لا معنى لها ولا طائل تحتها. . . ولا شيء فيها بالمرة. . آه لو كان بها ولو فكرة ضئيلة! يقرأ المرء ثم يقرأ وفكره مشوش، وذهنه مضطرب كأنما يفك أغلاقا صينية عن صناديق شاي! أوه!
قالت ليدوتشكا وقد ضرج وجهها الحياء: هذا صحيح يا فانا. . كتبته دون عناية
- أجابها: إهمال زائد عن الحد. . ففي رسالة غير منمقة ولا محبرة. . . معان وأسلوب. . وإحساس، أما رسالتك فسامحيني، ان قلت لك بأني لا أتذوق لها طعما. . جمل وكلمات لا إحساس فيها ولا معنى لها. خطابك جميعه. . كمحادثة بين صبيين (عندنا عجة اليوم. . جاء جندي ليرانا. .) انك تكررين المعنى الغث البارد، لك أن تريه وتعيديه بنفسك. أما الفكرة السخيفة فترقص بين السطور كالشياطين ولا حد عندك للبدء من النهاية. . كيف تكتبين هكذا؟
قالت ليدوتشكا تدافع عن نفسها: إذا كنت أكتب بتجويد وعناية. . لا يمكن أن تكون هناك غلطات.
فأجابها زوجها: إنني لا أتكلم عن الأخطاء. . الأخطاء النحوية المروعة. لا يوجد سطر لا يعد إهانة شخصية للنحو. لا وقف ولا علامات ولا هجاء! إنه يأس مريع! إنني لا أمزح يا ليدا فأنا مروع فزع من رسالتك، لا تحزني يا عزيزتي فما كنت أظن في الواقع أنك تجهلين النحو هكذا. . . مع أنك تنتمين إلى بيئة مثقفة ودرجت في بيت علم. فأنت زوجة رجل جامعي وابنة قائد. قولي لي أذهبت إلى المدرسة؟
- نعم لقد تعلمت في مدرسة فون مبكي الداخلية.
فهز سوموف كتفيه واستمر في مشيته متأوها. . . أما ليدوتشكا العالمة بجهلها فتنهدت ثم
стр. 1705
نكست رأسها. مرت عليهما دقائق عشر ما نطقا فيها بحرف.
وقف سوموف فجأة أمامها ونظر إلى وجهها برعب وقال: إنك تعرفين يا ليدوتشكا أن الأمر جد! أنك أم!. . . أتفهمين؟. . أم!. . كيف تعلمين بنيك إذا كنت لا تفهمين شيئا؟ أنك ذات عقلية خصبة وذهنية نيرة. . . ولكن ما جدوى ذلك إذا كنت تجهلين كل شيء. فلا تعرفين شيئا من الآداب ولا من العلوم على أننا سنغض النظر عن المعارف، لأن الأطفال سيتعلمون ذلك في المدرسة، ولكنك تعرفين ضعفك في الأدب وبلادتك فيه، تستعملين في بعض الاحيان لغة تجعل أذني في طنين!
ثم هز سوموف كتفيه مرة أخرى وجمع إليه ثوبه واستمر في سيره. . . شاعرا بالغيظ والحنق، وفي الوقت نفسه آسفا على ليدوتشكا التي لم تحتج ولم تعترض، ولكنها اكتفت بأن ترمقه من طرف خفي. وأحسا معا بالضيق الجاثم على قلبيهما، والهم المتمكن من نفسيهما، حتى أذهلهما الحزن عن كل شيء فلم يدريا كيف مر الزمن وكيف قربت ساعة العشاء.
ولما جلسا للطعام شرب سوموف المولع بالطعام الشهي الهني قدحا كبيرا من الفودكا وشقق الحديث فأداره على وجوه أخر. وكانت ليدوتشكا تسمع لما يقول مسلمة راضية. بيد أنها وهي تشرب الحساء أخضلت عيونها بالدمع ثم خنقتها العبرات.
فنهنهت دمعها بمنديل وقالت: (إنها غلطة والدتي! نصحها جميع الناس بإرسالي إلى مدرسة عالية، ومن هناك كنت على يقين من ذهابي إلى الجامعة).
فتمتم سوموف (الجامعة!. . . مدرسة عالية!. هذا كثير يا بنيتي! ما الفائدة من أن تكوني احدى ذوات الجورب الأزرق! الجورب الأزرق هو الشيطان الرجيم في نار الجحيم!! لا يمسي صاحبه رجلا ولا امرأة، وإنما يكون شيئا بين بين، أني أبغض من كل قلبي الجوارب الزرقاء. . . ولن أتزوج امرأة متعلمة).
فأجابته ليدوتشكا! لا أدري كيف أفهمك؟ تغضب لأني لست متعلمة وفي الوقت نفسه تكره النساء المتعلمات! لقد تنكرت لي وسخرت بي لأن رسالتي كانت خلوا من كل فكرة، فارغة من كل معنى، ومع هذا فأنت تعارض في دراستي ولا تستحسن تعلمي.
- لقد أصبت شاكلة السداد يا عزيزتي. قال هذا سوموف وهو يتثاءب ثم ملأ قدحا آخر من الفودكا.
стр. 1706
تحت تأثير الفودكا والطعام الجيد أصبح سوموف أكثر رقة ودماثة. أخذ يرقب باهتمام زائد زوجه الحسناء وهي تعمل التوابل. فغمره فيض من الحنان المحض والحب الشديد، ودفعته عاطفة ملحة إلى النسيان والتسامح، ثم أخذ يحدث نفسه ويلومها: إنها غباوة مني أن أغضب هذه الفتاة المسكينة! ما الذي حملني على الجهر بكل هذه الأشياء الجارحة. إنها غبية، ذلك حق. . غير مثقفة. . سطحية. . بيد إن للمسألة وجهين. . . . . .
(والوجه الآخر مفهوم.). . . . ربما يكون الناس على حق عندما يقولون أن سطحية المرأة ترجع إلى حرفتها. ومن المسلم به أن من عملها أن تحب زوجها وتربي أطفالها، ثم تصنع التوابل!! فما الذي ترجوه من التعليم؟ لا شيء على التحقيق.
وهنا ذكر أن النساء المتعلمات غالبا مملات يبعثن الضجر والسأم في النفس، ثم هن دقيقات صارمات عنيدات. ولكن ما أيسر توفيقك مع الغبية ليدوتشكا التي لا تشمخ بأنفها. . ولا تصعر خدها ولا تفهم كثيرا. . . أنه السلام والراحة مع ليدوتشكا ولا خطر منها على المرء أبدا: (لعنة الله على أولئك النسوة البارعات المتعلمات! ولخير للمرء وأحسن عقبى أن يعيش مع الساذجات منهن). ثم دار بخلده وهو يتناول صحنا من لحم الفروج من ليدوتشكا أنه في بعض الاحيان قد يشعر الرجل المثقف بالرغبة الشديدة في الحديث ومبادلة الأفكار مع امرأة حاذقة كاملة التعليم. ولكنه قال: (ما هذا) إذا رغبت في التحدث عن موضوعات عقلية. . . فسأذهب إلى (ناتالا أندريفنا) أو إلى (ماريا فرانتسوفنا)، هذا سهل جدا. . . ولكن لا. لن أذهب فالمرء يستطيع البحث فيالأمور العقلية مع الرجال. ثم قطع بهذا أخيراً!!!
محمود البدوي
стр. 1707
الشاعر روبنيول
كوميدية في فصل واحد
للكاتب الفرنسي بول برولا
قلت للشاعر والشا … عر ذو سهم يطيش
أنت إن عشت تمت جو … عا وإن مت تعيش
جميل صدقي الزهاوي
(المنظر: ساحة قرية سانجان ديفين الوحيدة. يرتفع الستار فترى حركة غير عادية فالأهلون يتأهبون للاحتفال برفع الستار عن تمثال نصفي من المرمر للشاعر فرنسوا روبنيول الذي اختفى في أوائل الحرب الكبرى واعتقد الناس أنه ميت. يرى التمثال وسط الساحة وقد قام على قاعدة حفر عليها أسم الشاعر وتاريخا ميلاده وموته، وعلى جدار أحد المنازل كتب بحروف بارزة التنبيه الآتي: (ممنوع وقوف السابلة) ثم يرى خفير القرية مشغولاً بترتيب المقاعد حول النصب التذكاري استعدادا للحفلة. جموع من العمال والفلاحين والملاك والنساء والأطفال وبعض رجال المطافئ وأحد الشرطة).
المشهد الأول
العمدة. وكيل العمدة
العمدة - (مشرقا من الغبطة) أخيراً حل اليوم السعيد! كاد يفرغ صبرنا ونحن نتعجل هذه الساعة المجيدة!
الوكيل - كل هذا صنع يدك يا سيدي العمدة!. . لقد شاهدتك عن كثب ورأيت بعيني المتاعب الجمة التي تحملتها وحدك لتحتفل بهذا النصب التذكاري!
العمدة - فعلا كدت أرزح من التعب يا وكيلي العزيز وشريكي الفاضل في تهيئة هذا المهرجان الأدبي العظيم. . .
الوكيل - (متواضعا) أوه! شريكك! إن طيبتك الفطرية يا سيدي العمدة لتغالي في تقدير ما قمت به!. . . إني لم أجازف بأكثر من معاونتك و. . .
العمدة - (مقاطعا) حسن! حسن!. . آه يا صديقي. لقد أدرك الكل أخيراً أننا نحمل في
стр. 1708
أعناقنا هذه الدية المقدسة نحو ذكرى شاعرنا الكبير فرنسوا روبنيول، مجد قريتنا الخالدة سانجان ديفين!. . . بفضل أشعاره الرائعة لم نعد مجهولين بين مواطنينا في أنحاء فرنسا! جميع صحف العاصمة تتحدث عنا وهي تمجد عبقرية فرنسوا روبنيول!. . .
الوكيل - (ينظر في ساعته) الساعة الآن الثانية والنصف وقد تقرر ميعاد الحفلة في الثالثة!. . . حضر وكيل المديرية ولم نعد ننتظر غير حضرة النائب المحترم الذي سيجيء خصيصا من باريس.
العمدة - آه! نعم! حدثني عن حضرة النائب المحترم! تصور يا صديقي أنه لم يكن قد سمع بفرنسوا روبنيول قبل الآن! أما اليوم فهو يشيع في كل مكان أنه أول من اكتشفه!. . .
الوكيل (ضاحكا) لم يفطن أحد إليه ولم يكن بين سكان القرية من يؤمن برسالته!.
العمدة - تخطيء يا صاحبي تخطيء!. . أنا، لم أشك لحطة واحدة في نبوغه!. . نعم، أعرف أنهم كانوا يذيعون عنه (في حياته) أن به مساً من الجنون لقرضه الشعر. . وكان ذلك مدعاة للسخرية منه والهزء به، ولكني الوحيد الذي اكتشف عبقريته الوليدة!
الوكيل - يا لروبنيول المسكين!. من كان يظن أنه سيصبح شهيراً. . بعد موته!. . من كان يتصور أن يقام له تمثال في القرية وأن يطلق أسمه على أهم شوارعها!؟. .
العمدة - في لهجة (خطيرة) انا نتدارك اليوم خطأ فاحشاً!
الوكيل - ونفخر جميعا بشهرته اللامعة!
العمدة (مقتربا من الوكيل يساره) ولو أن الآنسان عندما يتوسم هذا الوجه يصعب عليه أن يميز في سماته كل هذه الكفاءة النادرة!. .
الوكيل - (كمن يلقى حكمة غالية) يا سيدي العمدة لا يعرف قدر عظماء الرجال إلا بعد موتهم!. . (صمت قصير) يخيل الي أني ما زلت أراه سابحا أمامي في خياله. غائصا في لجة أفكاره العميقة كان يتأهب ولا شك لتدوين روائعه الخالدة!. .
العمدة - بينما الناس كانوا يتهمونه بالكسل ويتشككون في رجاحة عقله!. . حتى امرأته التي كانت لا تخفي عنه احتقارها إياه!. .
الوكيل - أما اليوم فقد عادت فخورة بحمل هذا الاسم العظيم!
العمدة - نعم. أصبحت الأرملة الشهيرة التي تشع حواليها هالة المجد!
стр. 1709
الوكيل - يقال أنها اعتزمت الامتناع عن الزواج!. . (ساخرا) إلا إذا أتيح لها أن تقترن بأحد الخالدين، إذ مما لا شك فيه أن روبنيول لو امتد به العمر إلى يومنا لأنتخب عضوا في المجمع الأدبي!
العمدة - يجب أن تعترف أن سلوكها الخلقي منذ ما توفي زوجها لا غبار عليه. .
الوكيل - (متخابثا) نعم. . منذ أن توفي!. . أما قبل ذلك. . على كل حال سوف نراها بعد حين في ثياب الحداد. . وكأنها تمثال الأسى الذي لا تنفع فيه تعزية!. .
(يستمران في الحديث ثم يتجهان نحو التمثال حيث يستقبلان الوافدين، مصافحات بالأيدي، تحيات الخ)
المشهد الثاني
العمدة الوكيل. شرطي. خفير القرية. المجهول
(يبدو المجهول فيتوسط الساحة وهو يتأمل الجمع من خلال نظاراته السوداء وقد أرسل لحيته الكثيفة وارتدى لباسا قرويا)
الشرطي - (لخفير القرية) ألم تلاحظ هذا المخلوق الغريب الذي يرود الناحية منذ هذا الصباح! لا يعرفه من أهل القرية أحد ولا أدري من أين جاء!. . .
خفير القرية - يبدو من ملابسه أنه في فقر مدقع! لا بد أن يكون أحد المتشردين!. . .
الشرطي - لن تغفل عيني عن مراقبته!
(يقف المجهول أمام بعض المارة يسألهم ولكنهم يدبرون في غير اكتراث)
الشرطي - ألم يقرأ المعتوه الإعلان الحكومي: (ممنوع وقوف السابلة)؟
خفير القرية - (ضاحكا) ربما كان لا يعرف القراءة!
الشرطي - لم تغفل عيني عن مراقبته! (يبتعد الشرطي مع خفير القرية)
المشهد الثالث
المذكورون. بعض المارين. معلم القرية
(يقترب المجهول من بعض الملاك ويتكلف الحديث بلهجة قروية)
المجهول - عفواً أيها السادة. أرجو أن تتفضلوا عليّ ببعض معلومات بسيطة. . .
стр. 1710
أحدهم - ماذا تطلب؟
المجهول - قدمت إلى هنا بمناسبة المهرجان. . . نعم مهرجان الاحتفال برفع الستار عن تمثال فرنسوا روبنيول، وأريد أن أعلم في أية ساعة تحتفلون به؟
أحدهم - في الساعة الثالثة. . . ولا ننتظر إلا أولي الأمر. .
اثنان منهم - (للمجهول) وأنت من تكون؟
المجهول - كنت أعمل أجيراً في إحدى الضياع البعيدة. أما الآن فقد أصبحت عاطلا ولذا ترونني أتنزه.
المالك الثالث - تنزه يا صاحبي تنزه!.
المجهول - (في شيء من التردد والخجل) هل لي أن أسألكم. . .
المالك الأول - سر في طريقك يا رجل! لا نملك وقتا للرد عليك!. لو أن الآنسان أصغى لجميع الناس لما بقي لديه لحظة لنفسه!
(يبتعدون جميعا عن المجهول)
المشهد الرابع
المذكورون. التمثال
العمدة - (وقد وقف أمام التمثال يقول موجهاً قوله للتمثال): في غاية من الروعة والدقة تمثالك يا أستاذ.
الوكيل - طرفة حقيقة! يا للجبين الناصع! يا للرأس الجميل! والعجيب أننا جهلنا نبوغه المشرق!
العمدة - أعد نفسي سعيداً يا سيدي بأن أحمل إليك بشرى سارة: لقد حصلنا لك من وزارة الفنون الجميلة على وسام جوقة الشرف.
التمثال - هذا منك طيبة لا استحقها يا سيدي العمدة. . بل شرف عظيم يبهظ كفاءتي المتواضعة! لكني مع الأسف أحمله.
العمدة - تحمل ماذا؟
التمثال - (باسماً) وسام الشرف!
الوكيل - يا للخطأ الفاضح!
стр. 1711
التمثال - لا. لا داعي للكدر. لن يمنعني ذلك عن حمل وسامين.
(يضحكون ثم يحتاطون بالتمثال مصافحين الخ الخ. .)
التمثال - أشكركم! أشكركم يا أصدقائي الأعزاء! هذا اليوم أجمل أيام حياتي! (يستمرون في الحديث)
المشهد الخامس
المجهول. معلم القرية
(يجيل المجهول الذي ظل مدة من الزمن وحده في جانب من الطريق نظرة فاحصة حواليه فيبصر بمعلم القرية فيبتسم بسمة خبيثة ويتقدم إليه).
المجهول - تنازل واغفر لي فضولي الملح يا سيدي! هل تسمح لي أن ألقي عليك بعض الأسئلة؟ إنها تختص بشاعركم الكبير فرنسوا روبنيول!
معلم القرية - سل ما تشاء.
المجهول - هل كانت لسيدي معرفة شخصية بروبنيول؟
معلم القرية - (يشب بصدره مفاخراً) لقد كنت في المقاطعة أخلص أصدقائه. بل صديقه الوحيد. كان الناس ينكرون عليه نبوغه. وأنا وحدي فهمت تلك الروح الكبيرة الحائرة وعطفت عليها أستمع إلى نجواها السماوية. لذا اختصني المرحوم بشكاواه المرددة، وبهمس قلبه المعذب. إني معلم القرية!
المجهول - وهل تيقنتم من موته؟
معلم القرية - لو لم يمت لعلمنا بوجوده من خمس سنوات مضت على اليوم الذي اختفى فيه فجأة. . بالضبط في أوائل شهور الحرب الكبرى.
المجهول - و. . شكله؟
معلم القرية - كان ذا وجه صبوح. حليق اللحية والشارب. جبين مشرق. عين حالمة. تأمل تمثاله النصفي. إنه هو تماما!.
المجهول - (متأملا التمثال) في الواقع هذا رأس جميل!. وكيف كان يعيش؟
معلم القرية - في أحلامه دائماً. كانت عاداته وطباعه تنم عن بساطة شديدة. وكان أحب شيء إليه أن يرود قمم الجبال وحيداً، ويفكر ويتأمل. أن النفوس الكبيرة لا تجد قوتها إلا
стр. 1712
في الوحدة!
المجهول - هذا حق! (صمت قصير) وكيف تكشفتم عبقريته الدفينة؟
معلم القرية - في ذات يوم كتب أحد كبار نقاد العاصمة بحثاً مستفيضا عن أعمال الشاعر فرنسوا روبنيول الأدبية بمناسبة موته في ميدان القتال. وكان مما كتبه قوله: (لقد نكبت الآداب الفرنسية بخسارة أخرى فادحة) ثم قال بعد ذلك: (إلا أن روبنيول من أولئك النوابغ الذين واتاهم الحظ السعيد فتراهم يحيون بعد موتهم. . أنهم يحيون في أعمالهم الأدبية الخالدة، في شعرهم الذي يجالد القرون المتعاقبة زاهيا وضاء كأول فجر أشرف على الإنسانية. .) هذا البحث الأدبي البديع نقلته جرائد مقاطعتنا عن جرائد العاصمة وعقبت عليه بشتى التقريضات. . وهكذا انتشرت دواوينه الشعرية بيننا وأثارت الكثير من الحماس والإعجاب. . (صمت قصير) كيف أمكننا أن ننكر نبوغ رجل مثل هذا!.
المجهول - (يطرق مفكراً ثم يقول) نعم، أنه لخير عظيم للشاعر أن يموت! (بعد فترة وجيزة) وأرملته؟
معلم القرية - لا تجد إلى التعزية سبيلا!. لن تتوانى عن الحضور. سوف تراها بعد قليل.
المجهول - هل لك أن تقدمني إليها؟
معلم القرية - وهل لك حاجة إليها؟
المجهول - نعم. أود أن أقدم إليها قصيدة من الشعر ألفتها للمناسبة تمجيداً لروبنيول.
معلم القرية - (دهشا) أأنت أيضا شاعر؟
المجهول - (متواضعا) نعم!
معلم القرية - (ضاحكا) حسبتك أحد القرويين.
المجهول - أني قروي أيضا (ضاحكا) الشاعر القروي!
معلم القرية - عجيب وربي! ومع ذلك، لم لا؟. انظر! ها هي الأرملة المجيدة!
المشهد السادس
المذكورون. والأرملة
(تبدو الأرملة العظيمة وقد ارتدت كامل ثياب الحداد، بطيئة الخطوة، مرفوعة الرأس، مهيبة الطلعة، فيحتاط بها الناس ثم تجلس على مقعد كبير. عندئذ يتقدم إليها المجهول
стр. 1713
فينحني أمامها انحناءة عميقة ثم يخرج من جيب ردائه ملفاً من الورق)
المجهول - سيدتي! إسمحي لي أن أرفع إلى مقامك السامي احتراماتي. . وهذه الأبيات التي كتبتها إشادة بمجد الشاعر العظيم الذي تحملين أسمه الخالد!
الأرملة - (في عدم اكتراث ظاهر) أكانت لك به علاقة سابقة؟
المجهول - كلا يا سيدتي. . غير أني أحفظ جميع قصائده عن ظهر قلب. . ولا أزال شديد الإعجاب بها.
الأرملة - (متقبلة الورقة التي يقدمها في خشوع) عفواً ماذا تُسمى؟
المجهول - جوزيف. . جوزيف فيليو
صوت - ما أسمج الرجل!. . لقد أطال الحديث!
صوت آخر - يغالي في إستغلال الفرص!
الأرملة - (للمجهول) أتقيم في البلدة؟
المجهول - لا يا سيدتي! مضى زمن طويل على هجرتي منها. . هذا هو السبب الذي جعل الكل ينكرون معرفتي.
(تكونت دائرة من الناس حول المجهول والأرملة)
صوت - ما الذي جاء يفعل هنا، هذا الغريب؟
صوت آخر - تأملوا حذاءه البالي. . تأملوا سترته الممزقة وسرواله المتسخ!. . لا شك أنه شحاذ!. .
صوت آخر - ربما كان لصاً؟
صوت آخر - من الصواب أن يطرد خارج القرية!
معلم القرية - على كل حال لا أراه يزعج أحداً. . وله الحق في أن يعجب بروبنيول كغيره من الناس!
الأرملة - (وقد انشغلت أثناء الحوار الأخير بتلاوة الأشعار)
نعم. . . لا بأس بهذه الأبيات!. . (تقرأ بصوت عال) (لا تحزن فما الموت إلا كلمة جوفاء! عندما توارى في التراب) (وتحجب ظلمة القبر عن عينيك دنيا النور، عندما تشعر) (بجثمانك البارد وقد فارقته حرارة الحياة وبدأت ديدان الأرض تأكله) (فلا تصدق
стр. 1714
أنك إلى الفناء، لأن قلبك المرتعش ما زال ينبض) (وما زالت في عمق أعماقه نطفة الحياة والخلود!)
(توجه الحديث إلى من حواليها تقول في شيء من التسامح:)
الأرملة - لا بأس بهذه الأشعار! خصوصا والشاعر مبتدئ. . (للمجهول) ربما واتاك النبوغ. . . يوماً ما!. . (تعيد إليه ملف الورق)
المجهول - (في صوت خافت وهو يشير إلى التمثال) نعم مثله. . بعد موتي!
صوت - هذه أشعار تافهة!
صوت آخر - باهتة!
صوت آخر - بائخة!
صوت آخر - ليرحل عنا هذا الشويعر! لقد أتعبنا مرآه!.
المشهد السابع
المذكورون، النائب المحترم. وكيل المقاطعة
(حركة عامة وضوضاء فجائية. يدخل النائب المحترم متبوعا بوكيل المقاطعة. يصافحان الحاضرين ثم يأخذ كل مكانه لبدء الحفلة يجلس النائب المحترم على كرسي الرياسة وإلى يمينه الأرملة وإلى يساره وكيل المقاطعة والعمدة. يسود صمت عميق مدى لحظة ثم يقف النائب)
النائب - الكلمة لحضرة العمدة!
(يقف العمدة وينحني يمينا ويسارا متكلفا الرزانة والوقار ثم يبدأ بقراءة الخطبة وقد وقف إلى جانبه معلم القرية)
العمدة - حضرة النائب المحترم! سيدي وكيل المقاطعة!، سيدتي، مواطني الأعزاء!
إن هذا اليوم ليس يوم حداد. . إننا لا نبكي ميتا. . إذ أن هناك أموات كما قال الشاعر يو. . يو. . (يتوقف عن القراءة لرداءة الخط)
معلم القرية (يلقنه) يحطمون. .
. . . يحطمون بجمجمتهم صخر قبورهم!. . (حركة ارتياح وموافقة من الجميع. يرفع عقيرته)
стр. 1715
فرنسوا روبنيول أيها السادة ما زال حيا بيننا! نعم ما زال حياً في ذكريات كل منا. . وسوف يحيا إلى الأبد في ذاكرة البشر لأن العبقرية تهزم الزمن، والفناء لا سبيل له إلى الخلود!
الجميع - جميل جداً! جميل جدا! ليحيا الخطيب!
العمدة - (مستمراً) وا أسفاه! أيها السادة وأنا أستعرض أمامكم صورة هذا المواطن الذي أصبح في الخالدين والذي تشرفت قريتنا المتواضعة بفتح عينيه للنور، تواردت إلى خاطري الحزين كلمة باسكال المأثورة: ما الحياة إلا نوم عميق لا نصحو منه إلا. . إلا. . . .
معلم القرية - (يلقنه) ساعة الموت!
العمدة - (يعيد بقوة) ساعة الموت!. . . وفي واقع الأمر يخيل إلي أن روح فرنسوا روبنيول كانت تنتظر بفارغ الصبر اللحظة التي تفارق فيها جسده البالي كما تتجلى أمامنا. أيها السادة لقد عبر شاعرنا العظيم وادي الألم هذا مجهولا من الجميع، مجحود الفضل، دون أن يتململ راضياً كفيلوسوف قانع بأسم بما ارتضاه له القدر من حظ عاثر ومكان وضيع فكان بعمله هذا حكيما إذ أن المجد أغلى نعم الدنيا ثمناً! وحم القضاء أيها السادة فتلقفت أيد قدسية أعماله الأدبية المتناثرة وضمتها إلى بعضها في دواوين حفظتها للخلود! هكذا أتيح لصحافتنا ولجريدتين من أمهات جرائد العاصمة أن تدرس أشعاره العلوية وأن تزف إلى فرنسا وإلى العالم المتحضر أبكار معانيه الساحرة وأوزان قوافيه الموسيقية. حينذاك أصغى الناس إلى هذه الأنغام السماوية وشاع الحماس في كل الأوساط فكتب ناقد كبير يقول: (إن فرنسا الشاعرة تضم إلى شعرائها الخالدين شاعراً غنائياً عظيماً، هو منهم في الصدر) أيها السادة إن هذا المجد المتلألئ يضيء اليوم قرية سانجان ديفين التي تذكر لأول مرة في تاريخ الأدبيات الفرنسية. فقد تغنى شاعرنا الراحل بمناظرنا الطبيعية الرائعة في قصائده الخالدة. . . وهكذا أصبح لنا بفضله وجود وخرجت قريتنا العزيزة من دياجير الظلمة والجهل إلى نور الشهرة الباهرة.
(تصفيق حاد عنيف متواصل)
(يستمر) نعم أيها السادة، كان فرنسوا روبنيول بين ذلك النفر الممتاز الذي يحيا وقد مات!
стр. 1716
لقد صاغ بنفسه هذا المعنى في أبيات كتب لها الخلود!.
(لا تحزن فما الموت إلا كلمة جوفاء! عندما توارى في التراب) (وتحجب ظلمة القبر عن عينيك دنيا النور، عندما تشعر) (بجثمانك البارد وقد فارقته حرارة الحياة وبدأت ديدان الأرض تأكله) (فلا تصدق أنك إلى الفناء، لأن قلبك المرتعش ما زال ينبض) (وما زالت في عمق أعماقه نطفة الحياة والخلود!)
(تصفيق كهزيم الرعد)
أصوات مختلف - ما أجمل هذه الأشعار! بديع! عظيم! يا للشاعر الفحل! يا للعبقرية!
(هنا تنفجر ضحكة هائلة فيلتفت الجميع فإذا بالضاحك هو المجهول! هرج ومرج! يندفع الكل إليه حانقين)
صوت - (في أشد حالات الغضب) من تكون يا رجل؟
صوت آخر - ماذا تعمل هنا؟ لست من أهل الناحية!
سيد - (يأخذ بتلابيبه) اعترف بأنك مرتش من أعدائنا لتثير فضيحة!
أصوات عديدة - ليطرد! ليطرد!
وكيل المقاطعة (للشرطي) أيها الشرطي، فتش هذا المخلوق!
النائب المحترم - سله أن يبرز أوراق إثبات الشخصية!
(موافقة من الجميع)
الشرطي - (يدافع الجمع الحاشد) سأفعل يا حضرة الوكيل! ويتقدم من المجهول ويمسك بذراعه: عجل بتقديم أوراقك!
المجهول - (يخرج من جيبه شهادة ميلاده وأوراقا أخرى)
الشرطي - (لا يكاد يلقي نظرة على شهادة الميلاد حتى يقول مصعوقاً) ما معنى هذا؟ يا للشيطان! تسخر من السلطات الحكومية يا رجل؟
وكيل المقاطعة - (يتقدم هو أيضا ويلقي نظرة جائلة على الأوراق فيصرخ دهشاً): أممكن هذا؟ لا أفهم!
المجهول - لا تفهم؟. . لقد قرأت جيداً! هذه شهادة ميلادي: (فرنسوا روبنيول ولد في قرية سانجان ديفين يوم الأحد ١٧ يناير سنة ١٨٩٠) وأنا هو فرنسوا روبنيول: آه يا سادة! أنتم
стр. 1717
لا تتعرفون سحنتي والحق معكم: تغيرت كثيراً عما كنت عليه قبل هذه السنوات الخمس التي مضت. . فقد أرسلت لحيتي وشاربي. . تأملوني مع ذلك جيدا. . (ينزع منظاره عن عينيه ويرى يميناً وشمالا) ألا تذكرني يا جنتران؟ ولا أنت يا باتاريل؟ وأنت يا جيشو؟ ألا تذكر أيام كنا ننطلق معا إلى الجبل؟. هذا هو مسكني (مشيراً إلى أحد المنازل) (دهشة عامة. يستمر في حرارة متزايدة) لكم آلمتموني! لقد نغصتم علي عيشي فلم أطق الحياة بينكم. . ولذلك اختفيت. ادعيت الموت فعاد علي ذلك بالخير العميم والمجد العظيم. . . (ضاحكا) لأن الناس لا يعدلون إلا مع الأموات! إذن حسبتموني ميتا أيها السادة! وا أسفاه، ما زلت من سكان هذا العالم! وها أنا ذا أقول لكم: انتهت المهزلة. . . . فتعالوا نضحك معا سويا. . .
العمدة - هذا الرجل مخلوق كاذب!
الجميع - كفى! كفى! إنه يريد الهزء بنا! أخرسوه اطردوه.
النائب المحترم - (في هياج شديد) من العار أن نسمح لهذا الدعي أن يسخر منا!
معلم القرية - إنه مشعوذ سخيف!
المجهول - (في صوت جهوري) هنا مع ذلك شخص لا يمكنه أن ينكر معرفتي! (يشير إلى الأرملة) هذه المرأة!. . (غمغمة عامة: فضول!)
الأرملة - (في احتقار) لا أعرف هذا الإنسان!
الجميع - أرأيت؟ أنت مجنون!. . ألقوا به إلى الخارج! اقبضوا عليه!. . إلى السجن! إلى السجن! (يقفز المجهول إلى المنصة ويصيح بين الضحكات والاحتجاجات العاصفة)
المجهول - أيها الحمقى! إنما أقمتم هذا التمثال لأنفسكم. . لغروركم الوضيع. لم يكن فرنسوا روبنيول بالشاعر الكبير. بل كان فنه كاذبا وعبقريته مزيفة. فلو كان عظيما حقا لما فهمتموه! إنكم إما مجدتموه لأنه مرآة نفوسكم الخاملة، وصورة أذهانكم المحدودة. إنه لم يمت، وها هو ذا أمامكم، لا في صورة تمثال من المرمر بل حيا يرزق، وفي استطاعتي أن أبدي فيه رأيا صريحا خيراً من أي واحد منكم. لأنني. أو بعبارة أخرى لأنني كنت. . .
(لكنه لا يستطيع الاستمرار فصرخات الاحتجاج تغطي صوته (يصيح الكل: انتزعوه من على المنصة) ألقوا به إلى النهر أصبح السخط عاما. يتقدم الشرطي وخفير القرية من
стр. 1718
المجهول ويستاقانه في غلظة)
الشرطي - (يجذبه بعنف) كفاك سفسطة! إلى السجن!. . . لا تعاند! تقدم معي!
(يمضي الشرطي بالمجهول فتصدح الموسيقى بنشيد المرسلين)
النائب - (يقف ويشير إلى الجمع بالصمت) يا أصدقائي الأعزاء! هذا الحادث السخيف الذي أثاره مجنون (أصوات نعم نعم) لا ينبغي أن تمنعنا عن أداء واجبنا المقدس نحو ذكرى شاعرنا الكبير فرنسوا روبنيول!
(أصوات: ليحيى روبنيول!)
النائب - أيها السادة، الحفلة مستمرة. إن مجد فرنسوا روبنيول هو مجد قريتنا العزيزة سانجان ديفين. . . وموته خسارة لا تعوض على العالم المتمدن!. . .
(يستمر في الخطابة بينما يسدل الستار شيئا فشيئا)
فتوح نشاطي
стр. 1719
بلياس ومليزاند
للفيلسوف البلجيكي موريس ماترلنك
ترجمة الدكتور حسن صادق
راينيولد - نعم. نعم. إنها تجالد كل الوقت الذي تغيب فيه عن البيت.
جولو - آه!. . . أحد الناس يجتاز الحديقة وبيده مصباح ولكن قيل لي أنهما لا يتحابان. . . ويغلب على ظني أنهما يقضيان أغلب الأوقات في جدل عنيف. . . كلا؟ نعم؟ حقا؟
إينيولد - نعم. هذه حقيقة.
جولو - نعم؟. . آه! آه!. . . ولكن فيم يتجادلان؟
إينيولد - في شأن الباب.
جولو - كيف؟ في شأن الباب؟ ما هذا الهراء الذي تقصه علي؟ ألق بالك إلي وأفصح. لماذا يتجادلان في شأن الباب؟
إينيولد - لأنهما لا يريدان أن يظل مفتوحا.
جولو - أيهما لا يريد أن يظل الباب مفتوحا؟. . أوه! تكلم. لماذا يتجادلان؟
إينيولد - لا أدري يا أبي. . . النور سبب الجدل.
جولو - موضوع حديثنا الباب لا النور. . . ما هذا؟! لا تضع يدك هكذا في فمك. . .
إينيولد - أبي! أبي! لن أفعل أبداً ما نهيتني عنه. . (يبكي)
جولو - تكلم. علام البكاء؟ ماذا حدث؟
إينيولد - أوه! أوه! لقد آلمتني يا أبي.
جولو - آلمتك؟ في أي موضع؟ لم أشعر بما فعلت ولم أقصد إليه.
إينيولد - هنا. في ذراعي الصغيرة.
جولو - لم أرد إيلامك يا بني. . . كف عن البكاء. . . سأعطيك شيئا غداً. .
إينيولد - ماذا يا أبي؟
جولو - سأهدي إليك قوساً وسهاما. . . ولكن قص علي ما تعرفه من أمر الباب.
إينيولد - أتهدي إلي سهاما كبيرة؟
جولو - نعم غاية في الكبر. . . لماذا لا يريدان أن يظل الباب مفتوحا؟. . . ما هذا
стр. 1720
الصمت الأليم؟! تكلم. أجب. . . لا. لا. . . لا تفتح فمك لتبكي. . . ليس بي استياء ولا كدر. فيم يتحدثان وقت اجتماعهما؟
إينيولد - بلياس وأمي الصغيرة؟
جولو - نعم. في أي شأن يتحدثان؟
إينيولد - يتحدثان عني. دائما في شأني.
جولو - وماذا يقولان عنك؟
إينيولد - يقولان أني سأصير كبيراً طويل القامة.
جولو - آه! يا بؤس عيشي! إني هنا كضرير يبحث عن كنزه في أعماق اليم!. . . إني هنا كطفل صغير ضل في غابة كثيفة. . وأنت. . آه! لا تكترث لما قلت، فقد كنت لاهيا يا إينيولد. سنتكلم جادا يا بني. ألا يتحدثان، بلياس وأمك الصغيرة، عني في غيبتي؟
إينيولد - يذكران أسمك في الحديث.
جولو - آه! وماذا يقولان عني؟
إينيولد - يقولان إني سأصير كبيراً طويل القامة مثلك.
جولو - وهل أنت دائماً معهما؟
إينيولد - نعم. نعم أقضي معهما كل الوقت يا أبي.
جولو - ألم يطلبا إليك قط أن تغادر الغرفة وتلعب في مكان آخر؟
إينيولد - كلا يا أبي. الخوف يستحوذ عليهما إذا بعدت عنهما.
جولو - الخوف يستحوذ عليهما؟. . وكيف عرفت ذلك؟
إينيولد - لأنهما يبكيان دائما في الظلمة.
جولو - آه! آه!
следующие страницы →