← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

لقد صاغ بنفسه هذا المعنى في أبيات كتب لها الخلود!. (لا تحزن فما الموت إلا كلمة جوفاء! عندما توارى في التراب) (وتحجب ظلمة القبر عن عينيك دنيا النور، عندما تشعر) (بجثمانك البارد وقد فارقته حرارة الحياة وبدأت ديدان الأرض تأكله) (فلا تصدق أنك إلى الفناء، لأن قلبك المرتعش ما زال ينبض) (وما زالت في عمق أعماقه نطفة الحياة والخلود!) (تصفيق كهزيم الرعد) أصوات مختلف - ما أجمل هذه الأشعار! بديع! عظيم! يا للشاعر الفحل! يا للعبقرية! (هنا تنفجر ضحكة هائلة فيلتفت الجميع فإذا بالضاحك هو المجهول! هرج ومرج! يندفع الكل إليه حانقين) صوت - (في أشد حالات الغضب) من تكون يا رجل؟ صوت آخر - ماذا تعمل هنا؟ لست من أهل الناحية! سيد - (يأخذ بتلابيبه) اعترف بأنك مرتش من أعدائنا لتثير فضيحة! أصوات عديدة - ليطرد! ليطرد! وكيل المقاطعة (للشرطي) أيها الشرطي، فتش هذا المخلوق! النائب المحترم - سله أن يبرز أوراق إثبات الشخصية! (موافقة من الجميع) الشرطي - (يدافع الجمع الحاشد) سأفعل يا حضرة الوكيل! ويتقدم من المجهول ويمسك بذراعه: عجل بتقديم أوراقك! المجهول - (يخرج من جيبه شهادة ميلاده وأوراقا أخرى) الشرطي - (لا يكاد يلقي نظرة على شهادة الميلاد حتى يقول مصعوقاً) ما معنى هذا؟ يا للشيطان! تسخر من السلطات الحكومية يا رجل؟ وكيل المقاطعة - (يتقدم هو أيضا ويلقي نظرة جائلة على الأوراق فيصرخ دهشاً): أممكن هذا؟ لا أفهم! المجهول - لا تفهم؟. . لقد قرأت جيداً! هذه شهادة ميلادي: (فرنسوا روبنيول ولد في قرية سانجان ديفين يوم الأحد ١٧ يناير سنة ١٨٩٠) وأنا هو فرنسوا روبنيول: آه يا سادة! أنتم

стр. 1717

لا تتعرفون سحنتي والحق معكم: تغيرت كثيراً عما كنت عليه قبل هذه السنوات الخمس التي مضت. . فقد أرسلت لحيتي وشاربي. . تأملوني مع ذلك جيدا. . (ينزع منظاره عن عينيه ويرى يميناً وشمالا) ألا تذكرني يا جنتران؟ ولا أنت يا باتاريل؟ وأنت يا جيشو؟ ألا تذكر أيام كنا ننطلق معا إلى الجبل؟. هذا هو مسكني (مشيراً إلى أحد المنازل) (دهشة عامة. يستمر في حرارة متزايدة) لكم آلمتموني! لقد نغصتم علي عيشي فلم أطق الحياة بينكم. . ولذلك اختفيت. ادعيت الموت فعاد علي ذلك بالخير العميم والمجد العظيم. . . (ضاحكا) لأن الناس لا يعدلون إلا مع الأموات! إذن حسبتموني ميتا أيها السادة! وا أسفاه، ما زلت من سكان هذا العالم! وها أنا ذا أقول لكم: انتهت المهزلة. . . . فتعالوا نضحك معا سويا. . . العمدة - هذا الرجل مخلوق كاذب! الجميع - كفى! كفى! إنه يريد الهزء بنا! أخرسوه اطردوه. النائب المحترم - (في هياج شديد) من العار أن نسمح لهذا الدعي أن يسخر منا! معلم القرية - إنه مشعوذ سخيف! المجهول - (في صوت جهوري) هنا مع ذلك شخص لا يمكنه أن ينكر معرفتي! (يشير إلى الأرملة) هذه المرأة!. . (غمغمة عامة: فضول!) الأرملة - (في احتقار) لا أعرف هذا الإنسان! الجميع - أرأيت؟ أنت مجنون!. . ألقوا به إلى الخارج! اقبضوا عليه!. . إلى السجن! إلى السجن! (يقفز المجهول إلى المنصة ويصيح بين الضحكات والاحتجاجات العاصفة) المجهول - أيها الحمقى! إنما أقمتم هذا التمثال لأنفسكم. . لغروركم الوضيع. لم يكن فرنسوا روبنيول بالشاعر الكبير. بل كان فنه كاذبا وعبقريته مزيفة. فلو كان عظيما حقا لما فهمتموه! إنكم إما مجدتموه لأنه مرآة نفوسكم الخاملة، وصورة أذهانكم المحدودة. إنه لم يمت، وها هو ذا أمامكم، لا في صورة تمثال من المرمر بل حيا يرزق، وفي استطاعتي أن أبدي فيه رأيا صريحا خيراً من أي واحد منكم. لأنني. أو بعبارة أخرى لأنني كنت. . . (لكنه لا يستطيع الاستمرار فصرخات الاحتجاج تغطي صوته (يصيح الكل: انتزعوه من على المنصة) ألقوا به إلى النهر أصبح السخط عاما. يتقدم الشرطي وخفير القرية من

стр. 1718

المجهول ويستاقانه في غلظة) الشرطي - (يجذبه بعنف) كفاك سفسطة! إلى السجن!. . . لا تعاند! تقدم معي! (يمضي الشرطي بالمجهول فتصدح الموسيقى بنشيد المرسلين) النائب - (يقف ويشير إلى الجمع بالصمت) يا أصدقائي الأعزاء! هذا الحادث السخيف الذي أثاره مجنون (أصوات نعم نعم) لا ينبغي أن تمنعنا عن أداء واجبنا المقدس نحو ذكرى شاعرنا الكبير فرنسوا روبنيول! (أصوات: ليحيى روبنيول!) النائب - أيها السادة، الحفلة مستمرة. إن مجد فرنسوا روبنيول هو مجد قريتنا العزيزة سانجان ديفين. . . وموته خسارة لا تعوض على العالم المتمدن!. . . (يستمر في الخطابة بينما يسدل الستار شيئا فشيئا) فتوح نشاطي

стр. 1719

بلياس ومليزاند للفيلسوف البلجيكي موريس ماترلنك ترجمة الدكتور حسن صادق راينيولد - نعم. نعم. إنها تجالد كل الوقت الذي تغيب فيه عن البيت. جولو - آه!. . . أحد الناس يجتاز الحديقة وبيده مصباح ولكن قيل لي أنهما لا يتحابان. . . ويغلب على ظني أنهما يقضيان أغلب الأوقات في جدل عنيف. . . كلا؟ نعم؟ حقا؟ إينيولد - نعم. هذه حقيقة. جولو - نعم؟. . آه! آه!. . . ولكن فيم يتجادلان؟ إينيولد - في شأن الباب. جولو - كيف؟ في شأن الباب؟ ما هذا الهراء الذي تقصه علي؟ ألق بالك إلي وأفصح. لماذا يتجادلان في شأن الباب؟ إينيولد - لأنهما لا يريدان أن يظل مفتوحا. جولو - أيهما لا يريد أن يظل الباب مفتوحا؟. . أوه! تكلم. لماذا يتجادلان؟ إينيولد - لا أدري يا أبي. . . النور سبب الجدل. جولو - موضوع حديثنا الباب لا النور. . . ما هذا؟! لا تضع يدك هكذا في فمك. . . إينيولد - أبي! أبي! لن أفعل أبداً ما نهيتني عنه. . (يبكي) جولو - تكلم. علام البكاء؟ ماذا حدث؟ إينيولد - أوه! أوه! لقد آلمتني يا أبي. جولو - آلمتك؟ في أي موضع؟ لم أشعر بما فعلت ولم أقصد إليه. إينيولد - هنا. في ذراعي الصغيرة. جولو - لم أرد إيلامك يا بني. . . كف عن البكاء. . . سأعطيك شيئا غداً. . إينيولد - ماذا يا أبي؟ جولو - سأهدي إليك قوساً وسهاما. . . ولكن قص علي ما تعرفه من أمر الباب. إينيولد - أتهدي إلي سهاما كبيرة؟ جولو - نعم غاية في الكبر. . . لماذا لا يريدان أن يظل الباب مفتوحا؟. . . ما هذا

стр. 1720

الصمت الأليم؟! تكلم. أجب. . . لا. لا. . . لا تفتح فمك لتبكي. . . ليس بي استياء ولا كدر. فيم يتحدثان وقت اجتماعهما؟ إينيولد - بلياس وأمي الصغيرة؟ جولو - نعم. في أي شأن يتحدثان؟ إينيولد - يتحدثان عني. دائما في شأني. جولو - وماذا يقولان عنك؟ إينيولد - يقولان أني سأصير كبيراً طويل القامة. جولو - آه! يا بؤس عيشي! إني هنا كضرير يبحث عن كنزه في أعماق اليم!. . . إني هنا كطفل صغير ضل في غابة كثيفة. . وأنت. . آه! لا تكترث لما قلت، فقد كنت لاهيا يا إينيولد. سنتكلم جادا يا بني. ألا يتحدثان، بلياس وأمك الصغيرة، عني في غيبتي؟ إينيولد - يذكران أسمك في الحديث. جولو - آه! وماذا يقولان عني؟ إينيولد - يقولان إني سأصير كبيراً طويل القامة مثلك. جولو - وهل أنت دائماً معهما؟ إينيولد - نعم. نعم أقضي معهما كل الوقت يا أبي. جولو - ألم يطلبا إليك قط أن تغادر الغرفة وتلعب في مكان آخر؟ إينيولد - كلا يا أبي. الخوف يستحوذ عليهما إذا بعدت عنهما. جولو - الخوف يستحوذ عليهما؟. . وكيف عرفت ذلك؟ إينيولد - لأنهما يبكيان دائما في الظلمة. جولو - آه! آه!

стр. 1721

الكتب دائرة المعارف الإسلامية أغلاط الكراسة الأولى للدكتور عبد الوهاب عزام لا يماري أحد في أن شباننا الذين شرعوا يترجمون دائرة المعارف الإسلامية جديرون بالإعجاب لعظم مقصدهم، وصدق عزيمتهم، واعتدادهم بأنفسهم في الاضطلاع بعمل بعيد المدى، عظيم الشقة. وإنا لنرجو أن ينالوا من التأييد والإقبال ما يفي بمثوبتهم على هذا العمل الجليل. منعتني أعمالي أن أبادر إلى قراءة الكراسة الأولى من الترجمة العربية. فلما أتيحت الفرصة منذ أيام أقبلت على قراءتها إقبال المغتبط المتشوق، فقرأت الكراسة كلها في ساعات قليلة ولم أحس ضجرا ولا تعبا. وقد ألفيت اثناء القراءة أغلاطا كثيرة أعرضها على القراء والمترجمين في الفقر الآتية: ١ - فمن الغلط في أسماء الناس والبلدان: أرزن روم ص ١٠. والصواب أرزن الروم. وفي الأصل أرضروم فلم يبق المترجم على الاسم التركي، ولا اهتدى إلى التسمية العربية، ومن ذلك القرم ص ١١ والصواب القريم، وكبجاك ص ١٤. والصواب ففجاق، وأحمد تكدر ص ١٥. والصواب تكودار، وكتاب قرقد والصواب قورقود كما يكتبها الترك، ومن ذلك أتميدان ص ٤٢. والصواب آت ميداني. وهو ميدان في استنبول كان الرومان يسمونه هيبودرم فسماه الترك آت ميداني أي ميدان الخيل، ومن ذلك إروان أسم مدينة ص ٤٩. والصواب أريوان، ومحمد صقلي باشا ص ٥٦. والأتراك يكتبونه صوقوللي فيحسن أن يكتب بالعربية صوقولي، وججرات أسم مدينة في الهند ص ٥٧. والصواب كجرات، وججتاي أسم لهجة تركية والصواب جغتاي بالغين. ٢ - ومن غلط الأسماء الناشئ من الإضافة الفارسية وظن المترجمون أن حرف في الأصل يقابل الياء، وهو كسرة لا غير: آب - ي حياة ص١ والصواب آب حياة، وكتابي قرقد ص٢١ والصواب كتاب قورقود بغير ياء، وجلزاري إبراهيم ص ٣٥ والصواب

стр. 1722

جلزار إبراهيم، وسجلي عثماني والصواب سجل عثماني، ومدخلي حقوقي دول ص ٥٥ والصواب مدخل حقوق دول، وتاريخي حقوق بين الدول ص ٥٦ والصواب تاريخ بغير ياء، ونوسالي ثروتي فنون ص ٥٦ والصواب نوسال ثروت فنون، وسالنامي ثروتي فنون ص ٥٦. والصواب سالنامه ثروت فنون، وطبقاتي أكبري ص ٥٧ وفارس نامي ص ٦٠ وواقعاتي دراني ص ٢٤ وتاريخي أحمد ص ٢٤ وحياتي أفغاني ودرى دراني ص ٢٤ والصواب في هذا كله طبقات أكبري، وفارس نامه، وواقعات، وتاريخ، وحيات ودر بغير ياء في الكلمات الأربع، وأفضع من هذا كله دري سعادت أسم استنبول. والصواب در سعادت. ٣ - ومثل هذا الغلط في نقل العبارات التركية: فقد ترجموا (آبازه كوشكي) فكتبوا كيوشكي آبازه ص ١٠ والصواب كوشك آبازه فإن الياء الأخيرة ياء الإضافة في التركية. فإذا نقل التركيب إلى العربية فلماذا تبقى الياء؟ ثم الياء بعد الكاف في كيوشكي غلط آخر. (وطوب عربجلري ص ٥١ والصواب طوب عربجيلري بالياء الثقيلة وزيادة ياء بعد الجيم. والناس في مصر يقولون عربجي لا عربج. وأصوب من هذا طوب آرابه جيلري) وايج شاهينجلر ص ٤٥ والصواب شاهينجيلر بزيادة ياء بعد الجيم. ٤ - ومن الغلط في رسم الكلمات الفارسية والتركية والكلمات العربية المستعملة في هاتين اللغتين: سياسة نامه. والصواب سياستنامه أو سياست نامه، وجينليكيوشك ص ٣١ والصواب جينلي كوشك. وإن أريد الترجمة فالكوشك الصيني، وسياحات ص ٣١ والصواب سياحت، وأوليه. والصواب أوليا، وخاطيرات ص ٥٦ والصواب خاطرات جمع خاطرة، وخندمير ومير خند ص ٦٠ والصواب خوندمير ومير خوند. وكجوك وبيك ص ٥٠ والصواب كوجك وبيوك، وحياة خان ص ٢٤ والصواب حيات، وآتش كده ص ٦٠ والصواب آتشكده، وقترجي أوغلو ص ١٠ والصواب قاطرجي، وبيرمي سكز جلبي محمد ص ٥٨ والصواب يكرمي سكز كما تكتب في التركية. ٥ - ومن الغلط في تعريب الكلمات:

стр. 1723

أرسلان بج. ولطف علي بج ص ٦٠ وأتا بج فارس ص ٥٩ وسليم جراي ص ١١. والصواب في هذا كله بك وأتا بك وكراي بالكاف الفارسية أو بك وكراي بالكاف العربية أن أريد التعريب، فقد عربت من قبل وكتبت بالكاف العربية لا بالجيم. ٦ - ومن الغلط في الترجمة: نهر جرجان رود ص ٦٣ والصواب نهر جرجان فإن كلمة رود بالفارسية معناها النهر، وترجمتهم هذه الجملة: ' بهذه العبارة (ينابيع المياه العذبة) وهي لا تفي بالأصل، ومن الغلط في ترجمة الاصطلاحات العروضية ترجمتهم بمقطع والصواب جزء. ولو رجعوا إلى تعريف الابتداء عند العروضيين لأصابوا التعريف الاصطلاحي الصحيح. ٧ - ومن الأغلاط الظريفة أن الكتاب الأوربيين ترجموا بعض الكلمات العربية ثم حرصوا على الكلمة المترجمة فوضعوها بين قوسين ليستعين عارف العربية بها على تحديد المعنى. فجاء المترجمون إلى العربية فترجموا العبارة الإنجليزية أو الفرنسية بعبارة عربية وأبقوا الكلمة العربية بين قوسين. وظاهر أنه لا حاجة إلى حبس هذه الكلمة بين قوسين بعد أن ردت إلى لغتها. ومعنى هذا أن الكلمة العربية ترجمت إلى الإنجليزية فلما أريد ردها إلى لغتها وضعت كلمة أخرى مكانها لا تؤدي معناها. وبقيت هي زائدة بين القوسين. ومن ذلك قولهم: وألف كذلك مصنفاً عن حكمة (حلم) الهندوس ص ١٦ يستنزلون المطر (استسقاء) ص ٢٣، ادارة أوقاف (متولي) ص ٥٧. ٨. ومن الأغلاط المطبعية: لم يتقدم أكثر جوتز ص ٤٦ وأظن هنا حرف (من) محذوفا بعد أكثر. إبراهيم باشا داماد وزير السلطان أحمد الثالث ص ٤٨ والصواب حذف (داماد)، وثير بالثاء في حاشية الأستاذ محمد مسعود ص ١٦ والصواب تير بالتاء المثناة. ودراويش جانفرا (جوف) ص ٤٦. ولست أدري من أين جاءت كلمة (جوف) والقوسان المحيطان بها. ٩ - ومما يؤخذ على العبارات العربية، وأكتفي بسردها هنا، أجرى لنفسه عملية الختان ص ٢٧: وكان ترتيبه السابع عشر بين سلاطين آل عثمان ص ٢٩ (يسمى أبو بكر ص ٣٥) وكانت حياة هذا الرجل اقرب إلى الأفقية والمجازفة ص ٣٩، ثم أعدمه هناك ص

стр. 1724

١٠ ثار بدوره ص ١٠، دخل مذهب الخوارج إلى المغرب في صورة الاباضية ص ١٣ (يضطر المسلمون إلى إقامة خليفة) ص ١٤ في مكان (يجب على المسلمين الخ)، قراءة خاطئة بدل مخطئة، وفي حاشية الأستاذ مسعود: (الأيام المسترقة (بكسر الراء) ص ١٦ والصواب فتح الراء. ولو ترك الأمر للقارئ ولم ينص على الكسر بين القوسين لكان أحزم). - ثماني مائة كنيسة ومائة بيعة (بما فيها المعابد الصغيرة) ص٢١ وما بين القوسين لا تسيغه اللغة. ١٠ - ومما يؤخذ على رسم الكتاب كتابة أسماء المراجع بحروف كبيرة وتركهم شكل الأعلام والكلمات التي تحتاج إلى الشكل، وتركهم الرموز في الإشارة إلى المقالات فيقولون مثلا: (انظر مقال عمان) ولو كتبوا (انظر: عمان) أو (ظ. عمان) لكان أوجز ألخ. هذا ما ألفيته أثناء القراءة واستحسنت أن ألفت المترجمين الكرام أن يتجنبوه في الكراسات الآتية. وينبغي ان يعلموا ان هذه الأغلاط وأمثالها لا تنقص من عملهم، ولا تغض من أقدارهم. ولعل في التنبيه إلى هذه المآخذ ما يدعو إلى طمأنينة القارئ حين يعلم أن هذه الدائرة العربية لا تقر على أغلاطها، وإن وراءها من ينقدها، ويشفق على قرائها، ويرجو لها كل سلامة. وبعد فإني أختتم بتكرار الثناء والشكر، ودعوة قراء العربية إلى التأييد والمعاونة ما استطاعوا. والله يهدينا إلى التي هي أقوم ويسددنا إلى كل عمل صالح.

стр. 1725

دائرة المعارف الإسلامية نقد وتقدير للأستاذ إسماعيل مظهر (١٠) ولكنه كان برغم عقيدته المسيحية محوطا (كذا) بالأتراك (ص ٢٢ نهرا) والأصل الإنجليزي كما يلي: . . . , والفرق بين الأصل والترجمة شاسع بعيد، لأنك عندما تقول بأن فلانا كان محاطا باللصوص شيء يختلف كل الاختلاف عن قولك أن فلانا اتخذ لنفسه بطانة من اللصوص. والذي يرمي إليه الأصل هو أن فلانا هذا (على الرغم من عقيدته النصرانية اتخذ له بطانة من الأتراك) لأن مجرد أن يكون محاطا بالأتراك لا يؤدي المعنى المدرك من الجملة الأصلية، ويدل في جملة ما يدل عليه أنه كان محاطا بهم ولم لم يكن له رغبة في أن يكونوا من بطانته أو حاشيته؛ وأنه كان محاطاً بهم عنفا وأثرا على الرغم من إرادته. وقد جاء في القرآن: (إلا أن يحاط بكم). وليس شيء في هذا بمحمول في الأصل. ومثل هذا التفريط لا يصح أن يقع فيه شباب مثقفون تصدروا إلى إخراج عمل أدبي عظيم كدائرة معارف الإسلام. (١١) وهنا ننتقل إلى مادة أخرى هي مادة (أباضيون) وقد جاء في هذه المادة (ص ١٣ نهرا) ما يأتي: (وانتشر بسرعة بين البربر حتى أصبح المذهب القومي لهم، اتخذوه ذريعة لنضالهم مع أهل السنة من العرب) والنص الإنجليزي كما يلي: - , وهنا نلاحظ أولا أن كلمة الإنجليزية لا تأتي مطلقا بمعنى أنتشر. لأن انتشر تؤديها كلمة ولكن الأولى تؤدي دائما معنى التوسع في الشيء أو نشوءه وتطوره. وثانيا أن المترجم قال: (اتخذوه ذريعة لنضالهم مع أهل السنة من العرب) فجاءت الجملة غامضة لأنه لم يفصح عمن اتخذوه ذريعة في حين انها بينة في الاصل، والسبب في هذا راجع إلى أنه أهمل كلمة ولو عني قليلا بالترجمة لقال (اتخذه العرب الأفريقيون ذريعة للنضال مع أهل

стр. 1726

السنة) وإذن تستقيم الجملة وتنطبق على الأصل ويزول عنها الغموض. (١٢) وجاء في هذه الصحيفة ما يأتي: (ولعب أباضيو طرابلس وأفريقية. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الدور المهم في ثورة القرن الثاني الهجري التي كادت تجرد الخلافة من أفريقية) والأصل الإنجليزي كما يلي: . . . . . . . . . . . . . . وبالمقارنة بين الأصل والترجمة تجد وضوحاً في الأولى وغموضا في الثانية. السبب في هذا أن المترجم أهمل كلمة وهي حجر الزاوية في الجملة فقال: (ثورة القرن الثاني الهجري) وكان يجب أن يقول: (ثورة البربر في القرن الثاني للهجرة) لأنك لم تعرف من الذي ثار، ومثل هذا التفريط مفسدة للتاريخ وتعقيد على المطالع لا سبب له إلا التعجل في إبراز الآثار الأدبية. ثم أن كلمة الإنجليزية لا تؤدي معنى الثورة فعلا، بل تؤدي معنى فتنة، لأن الثورة لا بد من أن يعقبها انقلاب حقيقي في نظم الحكم أو في قوام الدولة كالثورة الفرنسية وكالفتنة المصرية. والفتنة لا تؤدي المعنى المقصود في الثورة الفرنسية أو انقلاب روسيا الحديث. والإنجليز شديدو الحرص على مراعاة مثل هذه الفروق. لأن التخليط فيها تخليط في التصور الذي ينتج عنها. (١٣) (تفرق شمل الاباضيين في صحراء تونس والجزائر) الخ (ص١٣ نهر٢١) والأصل الإنجليزي كما يلي: , وأنت تقول تفرق شمل الجيش أو الجماعة ولكنه يجوز أن يجتمع شملهم مرة أخرى، ولكن الأصل الإنكليزي يريد أن يقول على الضد مما أراد المترجم أن الأباضيين عاشوا مشردين (آفاقين) في جماعات مصادفة وأتفاق، وشتان ما بين المعنيين لأن كلمة قد أثبتت في المعاجم الكبرى، وكما تدل حقيقة، وأمامها (أتفاقاً، واقع متفرقاً)، (راجع بدجر ص ١٠٠٩) وفي هذا تفريط لا يستهان به. (١٤) وجاء في نفس الصفحة والنهر: (ولهم أدب ديني تاريخي هام: وجماعاتهم دائمة الاتصال بعضها ببعض تحرص حرصاً شديداً على حماسها المتأجج) والعبارة هنا عبارة

стр. 1727

فرنسية في كلمات عربية، ولا تمت للأسلوب العربي بأي سبب، ولكن على الرغم من هذا ترجع إلى الأصل الإنجليزي فتجده كما يلي: , والفرق شاسع بين الأصل والفرع، فقد قال المترجم: (ولهم أدب ديني تاريخي هام) والواقع أن الأصل لا يحتمل هذا المعنى مطلقاً، فأن المؤلف يريد أن يقول برغم المترجم: (لهم مؤلفات، دينية تاريخية ذات وزن) والسبب في خطأ المترجم أنه ترجم كلمة (بأدب) ولكنها في هذا الموضع تدل على المؤلفات والآثار الأدبية كما يقول فلا يصح أن نترجمها (الأدب العلمي) بل نقول المؤلفات العلمية، وقول المترجم (أدب ديني تاريخي) يدل على أن هذا الأدب قاصر على الكلام في الدين من طريق اتصاله بتاريخ نشوء دينهم. والأصل يريد أن يقول (مؤلفات دينية وتاريخية) والفرق ظاهر جلي، ولأن في الإنكليزية حرف عطف يا سيدي المترجم، وعلى الرغم من أن المترجم فصَّل من الجملة الواحدة ثلاث جمل مفككة مما نغضي عنه تجاوزاً، فأنه قال في عرض الكلام عن جماعات الاباضية أنها: (تحرص حرصاً شديداً على حماسها المتأجج) وعلى الرغم أيضاً من أن معنى (الحرص) لا أصل له في الجملة الإنجليزية، بل أن تفيد معنى الاحتفاظ بالشيء في مستوى بعينه، فأنه أردف الحماس بالمتأجج وصفاً له. والمتأجج لا أصل لها في الأصل الإنجليزي. فخرج بذلك عن وظيفة المترجم الأمين إلى وظيفة محرر جريدة يحاول أن ينمق كلامه بالخطابيات. ولو أنه أراد أن يترجم كلمة ترجمة حسنة فيها احتفاظ بالأصل، وفيها ما يريد من تأجج الحماسة لقال (حميتهم) لأن الحمية فيها الحماسة وفيها تأجج الحماسة معاً. (١٥) (ولقد أنقسم الأباضيون الأفريقيون ثلاثة أقسام سياسية ودينية على السواء (ص١٣ نهر ٢) والأصل كما يلي: ,. . وكان الواجب ان يلاحظ المترجم أن كلمة لا تترجم بقسم لأن قسم هو يجب أن تترجم بفرقة أو شيعة. وقال المترجم (أقسام سياسية دينية) وهذا بعيد عن الأصل لأن التعبير الأصلي يريد أن يقول (ثلاث فرق أو (شيع) لكل منها لون سياسي وآخر ديني) والله أعلم. (١٦) (ومن الطبيعي أن يعارض الأباضيون بشدة في اتهام أهل السنة لهم بالكفر (ص١٣

стр. 1728

نهر ٢) والأصل كما يلي: , ونحن نترك للمترجم الفاضل قوله (يعارض الأباضيون بشدة) لتقابل برغم أنها خطأ. ولكننا لا نستطيع أن نترك ترجمة كلمة بالكفر، لأن كلمة معناها الهرطقة. وبين الكفر والهرطقة فارق ما كان ليجل عن فهم المترجم لو أنه أراد وصبر على مكاره البحث. ذلك لأن الهرطقة درجة من درجات الكفر. والكفر خروج من دين إلى دين آخر، ومن درجاته الهرطقة والزندقة والردة وغيرها فقد يكون الإنسان هرطوقاً أو زنديقاً. ولكنه يبقى مسلماً يحتاج فقط إلى تصحيح دينه، كما يحتاج المترجم الفاضل إلى إصلاح ترجمته، ويبقى مع ذلك مترجماً. ولكن الكفر خروج من الدين. وكلمة هرطوق وجمعها هراطقة، أو أرطوق وأراطقة، من المعربات التي دخلت اللغة العربية وأصبحت صحيحة (راجع محيط المحيط). ولئن غضب الأباضيون على أهل السنة على رميهم إياهم بالهرطقة لا غير؛ فكم يكون غضبهم على المترجم الفاضل على رميهم بالكفر؟ نرجو من الله ألا يسمع الأباضيون خبر ذلك. (١٧) وجاء في (ص ١٤ نهر ٢) ما يأتي: (وهذا النقاء سواء أكان عن إخلاص أو تظاهر يجعل منهم كتلة متجانسة متآلفة متمايزة تمام التمايز بسلوكها وأخلاقها وميولها بين أهل السنة من العرب والبربر) في شمال أفريقية والأصل كما يلي: , , وأريد الآن أن أختتم هذا النقد حذر أن أطنب وإن كانت ترجمة دائرة معارف الإسلام جديرة بأكثر من هذه العناية. قال المترجم أن هي النقاء، ولا أعلم كيف جاز له أن يستخدم هذا الاصطلاح المبهم، وحقيقتها (صوفية أو تصوف)، (أنظر بدجر ص ٨٢٠) ولكنها ليست الصوفية او التصوف كما عرفه العرب؛ لأن صوفية العرب جاءتهم من ناحية الهند تغليباً أو من ناحية الإسكندرية ترجيحاً، بل هي الصوفية كما عرفت عند شيعة كنيسة نصرانية، لأن الكلمة هنا قد وضعت لتدل على وجه من الشبه بين الفئة التي يتكلم فيها المؤلف وبين فئة ظهرت في ثنايا الكنيسة النصرانية، ونقاء ترجمة حرفية لكلمة ومنها ولكن الخطأ في أن تستعمل

стр. 1729

بنصها الأصيل لتدل على مذهب. وإلا لجاز لنا ان نترجم مثلاً اصطلاح بالغموضية أو الإبهامية في حين أنها وضعت لتدل على مذهب الجمود الفلسفي، ووضع المترجم الفاضل كلمة (تظاهر) لتقابل في الأصل كلمة وحقيقتها مراءاة أو نفاق. (أنظر بدجر ص ٧٥٠). وقال المترجم (متمايزة بسلوكها وأخلاقها وميولها بين أهل السنة من العرب والبربر في شمال أفريقية) والحق أن المؤلف يريد أن يقول (مميزة بسلوكها وأخلاقها وميولها عن أهل السنة أو بربر شمال أفريقية) فأن استعمال (بين) يدل على خطأ في الجملة يفسد مرماها وقوله (العرب والبربر) خطأ افظع من الأول لأن تترجم (أو) في الإنجليزية وقد أستعمل بدلها حرف عطف هو (الواو) تقابلها في الإنجليزية فأفسد بذلك المعنى. على أني لا يسعني إلا أن أهنئ لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية من كل قلبي على عملها المجيد راجياً أن تسير فيه موفقة مسددة الخطو بأذن الله.

стр. 1730

العدد ٢١ - بتاريخ: ١٥ - ١١ - ١٩٣٣

стр. 1731

نهضة الشباب. . . نهضة الشباب اليوم إحدى الظواهر المميزة لهذا الجيل. وهي أجلى ما تكون في الأمم المظلومة أو المهددة بالظلم. كأنما أخفق في سياستها (رأي) الشيوخ، فصمد إلى قيادتها (عزم) الشباب! والواقع أن هذه النخوة القدسية التي تعصف برؤوس الفتيان في إيطاليا وألمانيا وسورية ومصر، إنما هي القارعة التي تُصمُّ والظاهرة التي تخيف، لأن الشباب إذا كان لهم الصف الأول في الحرب، فان لهم الصف الأخير في السلم، فإذا ألجأهم تقلب الصروف إلى تقدم الصفوف، دل ذلك على سياسة عاجزة، أو سِلْمٍ مرببة، أو خطر محدق. وعجز السياسة اتهام لحنكة السن، ورياء السلم إيذان بصراحة الحرب، وتفارُس الأهواء إعلان بنزول الغاشية. فا (لفاشيَّة) و (النازية) و (عصبة العمل القومي) و (عيد الوطن الاقتصادي) وغيرها من حركات الشباب وثبات دفاعية بعثتها لإنسانية المهددة بالتفكك والفوضى والهوان والاستعباد والجشع. ولئن كان لكل دولة من هذه الدول، علة أو أكثر من هذه العلل، فان مصر البائسة تكابد هذه النكبات جميعا! فأخلاقها تفككها الحزبية الأثِرَة، وآراؤها تشتتها المطامع الخسيسة، وكرامتها تهينها الامتيازات الباغية، وقوميتها توهنها الأجنبية الموغلة، وحريتها تقيدها القوة المحتلة، وأرزاقها تسلبها (الضيافة) الثقيلة، وأبناؤها (الكرماء) القانعون الخانعون قد ألفوا مضاجع الهون فلا تؤذيهم الفضاضة، ولا تؤلمهم الخصاصة، ولا يبغون حِوَلا عن هذه الحال! ولكن الشباب، وإن أعدهم هذا الحاضر الذليل، قد أعانتهم خصائص الفتوة، وغرائز الفطرة، على أن يدركوا ما نحن فيه من ضراعة الجانب، ووضاعة الشأن، وضيق المضطرب، فهبوا يُعِزُّون النفوس الذليلة، ويمنعون الحوزة المباحة، ويستردون الثروة المضاعة، ويمهدون لهذا البلد العاني طريق الاستقلال الخالص السعيد! ومَن أحقُّ بحماية الوطن وإعزازه من الشباب؟! انهم يعيشون للغد وآباؤهم يعيشون لليوم. فهم يحرصون على المستقبل ويجعلون الحاضر رأس مال، وأولئك يحرصون على الحاضر ويعدون المستقبل تركة! وشتان بين من يعمل لنفسه عن حاجة وبين من يعمل لغيره عن عاطفة. لقد كان شبابنا ومازالوا أُغرودة الأمل الباسم في فم وادينا الجميل، وسر النشاط الدافق في روح نهضتنا المرجوة، حملوا وما زالوا

стр. 1732

يحملون لواء الغضبة المقدسة في وجه الدخيل العادي وغسلوا وما زالوا يغسلون أدران الماضي بالعرق الطهور والدم الغالي، ثم رأوا أن مصر المنكودة إنما يقف في طريق حياتها الطبيعية احتلالان لا احتلال واحد: احتلال سياسي يحتل الثكنات ويخادع الحكومة ويغل الحرية ويهين الحق ويؤذي الكرامة، واحتلال اقتصادي يحتل المدائن ويغزو القرى ويأكل الأرض، ويشرب النيل، ويحتكر التجارة، ويجلب الخمور، ويهرب المخدرات، ويتكسب بالمنكرات، ويفتك بالجيوب، ويلغُ في الأعراض، ويعبث بالمدين، ويحلُّ على الجملة في سبيل المغنم ما حرمته الشرائع والضمائر والعُرف، ثم يتبجح بعد ذلك كله بأنه القيم على المدنية والحرية والعدالة، يبذرها في طريقه، وينشرها في مجلسه، ويمثلها في نفسه! فإذا قلت في رقة المغازل لهذا الضيف المُدلَّل أن ما تعمله يناقض ما تقوله، تجهمت (امتيازات) الدول وَتَزَغَّمت (تحفظات) الإنجليز!! رأى شبابنا أن جهاد هذين الاحتلالين أمر لا يتحقق خلاصنا بدونه، وأن قَصْر الجهود على أحد الميدانين يمكِّن الحليفين من حشد كل القوى في ذلك الميدان، فأرهفوا النشاط، وارصدوا الأُهبَةَ، ولاقوا الواغل في كل طريق. ليس بسبيلنا اليوم أن نعرض فيالق الشباب في مختلف الميادين، فقد أشرنا إلى ذلك في كلمة سابقة، إنما نريد أن نسجل في ثبت المجاهدين فيلقا جديدا جاء يؤكد مرة أخرى أن هذه الأمة الكريمة قد قطعت عزمها على أن تعيش في أرضها حرة وفي ملكها سيدة، ذلك الفيلق هو جماعة عيد الوطن الاقتصادي، وهم فريق من الطلاب العاملين المخلصين البررة، حمَّلوا نفوسهم الرقيقة فوق تكاليف الدرس أعباء الدعاية للتجارة المصرية والمنتجات الوطنية، فهم يُعرضون عن مطالب الصِّبَي، ويصدفون عن مباهج العيش، ويعقلون جهودهم وميولهم في مكاتب العمل من نادي اتحاد

стр. 1733

الجامعة: يعلنون بالوسائل المختلفة إن المشروع الذي يعدونه، ويدعون إخوانهم إلى التطوع في الجيش الذي يحشدونه، ويتصلون بالتجار ليقنعوهم بالاشتراك في الدليل الذي يصدرونه، ويجمعون الأُهَبَ للمهرجان الفخم الذي يهيئونه، ويزورون المصانع والمتاجر ليحققوا الوجه الذي يقصدونه، ويعانون في سبيل ذلك رهقاً شديداً في النفس والمال والكرامة، أجل أقول والكرامة! لأن كثيراً من تجارنا لا يزالون يتعاطون التجارة على منهج دارس، وطبع ألَفَّ، فهم يتهمون الناصح، ويستغشون المشير، وينكرون التطور ويجهلون الأعلان، ويعتمدون في جلب الحرفاء ورواج السلع على التمائم والأدعية!!. يكون عيد الوطن الاقتصادي يوم دعاية وإعلان وعرض، وسيقدم للممارين الأدلة التي تصك الأسماع وتطرف العيون على أن مصر الناهضة تسير في طريق مأمونة إلى غاية مضمونة! فمساهمة الشباب بالتطوع، وانضواء التجار بالاشتراك وعطف الجمهور عليه بالتأييد، ضمان للنصر المبين في إحدى المعارك الفاصلة. إن القبعات في الطرقات، اكثر وأخطر منها في الثكنات، واليوم الذي لا ترى فيه على الرؤوس غير الطربوش، ولا تقرأ على جباه الحوانيت الا العربية، ولا تسمع في مختلف المعامل غير اللهجة المصرية، هو اليوم الذي تقول فيه وأنت صادق: لقد صفا النيل، وملك الأصيل، واستقلت مصر!! أحمد حسن الزيات

стр. 1734

بقية من لغو الصيف للدكتور طه حسين ليتك لم تأمري وليتني لم أطع. فمن صواب الناس ما يكون خطأ، ومن خطأ الناس ما يكون صوابا. والمرء بخير ما عرف لنفسه قدرها ولم يعد بها حقها، ولم يكلفها الحياة في النجوم، وقد خلقت لتحيا في الأرض. ولقد حاولت في غير طائل أن أعرف ماذا كنت تنكرين من صحبتنا في بلاد الغربة. فقد كنا نلتقي ونفترق لا يكون بيننا إلا حديث نقي بريء فيه ذكر للأدب والأدباء، فما زلت تحبين ذلك وتظهرين كرهه، وما زلت تسرين الرغبة فيه، وتعلنين الضيق به حتى ملأت صدري ضيقا بنفسي، وحرجا بمكاني منك، وخيلت إلي أني أثقل عليك، وأكلفك من صحبتي مالا تطيقين، حتى إذا كان ذلك اليوم وليته لم يكن تقدمت إلي في الرحيل فامتنعت عليك وأسرفت في الامتناع، والحت أنت وأغرقت في الإلحاح، ولم أجد بدا من الطاعة وان كنت لها لكارها، ولم تجدي بدا من المضي في الأمر، وان كانت نفسك لتحدثك في العدول عنه. ولم أكد استقر في باريس، ولم تكادي تستقرين في مدينتك الجامعية الصغيرة حتى اتصلت بينك وبين هذه الكتب والرسائل التي لا أستطيع أن أصفها بأقل من أنها برهان قوي ساطع. على أننا نخدع أنفسنا عن أنفسنا. ونتكلف في أرضاء الناس وأوضاعهم ما لا يحفل به الناس، ولا يلتفتون إليه، وما لا نحتمله نحن إلا في جهد جاهد وعسر لا حد له. والآن وقد أضعنا من حياتنا أياما طوالا كنت تترددين فيها على حجرات الدرس في

стр. 1735

الجامعة، وكنت أتردد فيها على الأندية وملاعب التمثيل أكتب إليك وقد أنىّ لي أن أعود إلى القاهرة. لعلك تإذنين في أن نلتقي مرة قبل أن أعبر البحر. ولست أدري أيقع هذا الكتاب منك موقع الرضى أو موقع السخط؟ ولكني أعلم أن الأيام معدودة علينا في هذه الحياة وان من الحمق أن يستطيع الأصدقاء التلاقي ثم لا يلتقون، ينتظرون أن يتاح لهم ذلك في يوم آخر قريب أو بعيد. فمن يدري لعل هذا اليوم ألا يجيء. ولعل الأحداث والخطوب أن تحول بين الأصدقاء وبين ما كانوا يقدرون من اللقاء فيه. ولو عقل الناس لما تفرقوا إلا حين لا يكون من الفراق بد، ولكن الغرور يغرهم بأنفسهم ويطمعهم في الأيام، فيخيل إليهم أنهم مخلدون وأنهم ليمرون بالحياة كما يمر الطيف بالنائم المغرق في النوم وقد تعجبين حين تعلمين إني لا أكتب إليك من باريس، وإنما أكتب إليك وقد دنوت منك حتى لم يبق بينك وبيني إلا مسير دقائق على الأقدام. فقد وصلت إلى مدينتك الجامعية مع المساء وأنا أكتب إليك وستقرئين كتابي مع الصباح فان أردت لقائي فهذا رقم التلفون، وإن أبيت فان القطار يبرح مدينتك إلى مرسيليا مع الظهر، ولن أراك حتى أعلم بأن رؤيتي لا تؤذيك ولا تثقل عليك، ولا تخيل إليك أنك تخرجين على ما ألف الناس من أوضاع وأطوار. عجبت للأذكياء وكبار العقول انهم ليأخذون أنفسهم أحيانا بما لا يلائم الذكاء ولا تسيغه العقول. وكانت تختلف على وجهها الناصع وهي تقرأ هذا الكتاب مظاهر الوفاق والخلاف وآيات الرضى والسخط. فكان وجهها يشرق حينا، وتغشيه ظلمة رقيقة حينا آخر. حتى إذا فرغت من قراءة الكتاب وضعته في رفق أمامها على المائدة ومدت بصرها كأنما تريد أن تبلغ به أقصى الآفاق. لولا هذه الجدران التي تقوم غير بعيد وتقف عينها عند حد محدود وأرسلت نفسها الحرة إلى أبعد مما استطاعت أن ترسل إليه بصرها السجين، وظلت على هذه الحال وقتا لم تعرف أطال أم قصر ثم عادت إلى نفسها وثابت إلى غرفتها من الفندق، وأخذت كتابها برفق، وأعادت النظر فيه، وظلت كذلك تنظر في الكتاب ثم تدعه، ثم تعود إليه. حتى أدارت رأسها عن غير عمد فرأت التلفون، فقامت من غير عمد، وسعت إلى التلفون، ثم تحدثت فيه عن غير عمد، وعادت إلى مكانها، فأخذت الكتاب ونظرت فيه، ثم نظرت

стр. 1736

فيه، ثم طوته ثم أخفته، ثم ظهر عليها تردد شديد، كأنها تنبهت لأنها أتت أمرا عظيما وكأنها تراجع نفسها في استدراك ما فات، وإلغاء ما قدمت من الأمر، وكأنها تفكر في أن تتحدث إلى التلفون بغير ما تحدثت به إليه منذ حين. ولكنها لم تبلغ من ذلك ما تريد لأن طرقا خفيفاً على الباب قد ردها عنه، واضطرها إلى أن تصلح من شأنها على عجل وترفع صوتها إذنة بالدخول. ولم يكد ينفرج الباب عن صاحبها الأديب حتى أقبلت عليه باسمة تحييه وتقول في جرأة متكلفة، واستحياء ظاهر، إن كنت أقبلت للوم والعتاب فعد أدراجك وارجع من حيث أتيت، وخذ قطار الظهر. فان في كتابك من اللوم والعتب والفلسفة والتشاؤم ما يغني عن إضاعة الوقت. قال فان ما أضيعه من الوقت في اللوم والعتب لن يكون شيئا بالقياس إلى هذه الأسابيع الطوال التي أضعتها أنت حين أبيت إلا أن تقيمي هنا، واذهب أنا إلى باريس. قالت فذلك شيء قد كان، وقد مضى بأثقاله وأوزاره وليس إلى استدراكه من سبيل فلست أرى خيرا في ذكره، ولا نفعا لإعادة الحديث فيه، قال أما أنا فأرى في ذلك الخير كل الخير والنفع كل النفع، لأنك لم تستفيدي بما مضى ولن تنتفعي بذلك الفراق الطويل الأليم، قالت وما يدريك؟ قال أرأيتك لو أنبأتك بأني سأقيم معك في هذه المدينة وسأختلف معك إلى دروس الجامعة حتى ينقضي الصيف ونعود معا إلى القاهرة، ماذا تصنعين؟ قالت أو قادر أنت على ذلك وقد انتهت إجازتك، ولم يبق لك بد من القفول. قال فان الإجازات تمد وان الحيل أوسع من أن تضيق وإن رسالة برقية قد ذهبت إلى القاهرة خليقة أن تمنحني من الوقت ما يتيح لي أن اختلف إلى حجرات العلم بعد أن اختلفت إلى معاهد اللهو والفراغ. قالت كالواجمة أو فعلت هذا؟ قال نعم قالت فعد إلى باريس أو أذهب أنا إليها. قال محزونا لابأس عليك فلن نلتقي في هذه المدينة الا بياض هذا اليوم، ولكن كيف تريدين أن تقضيه؟ وأين تريدين أن تقضيه؟ فما أظن أن غرفتك هذه الضيقة تسع أحاديثنا وخواطرنا التي لاحد لها والتي ينبغي أن تكون حرة كالطبيعة الحرة. ومطلقة كالهواء الطلق. وإني لأعرف من هذه الأرض أكثر مما تعرفين. قالت فإني لا أعرف منها إلا الجامعة والفندق والطريق بينهما. قال أما أنا فلا أعرف الجامعة وإنما أعرف الجبل والسهل وأعرف الربى والوديان، وأعرف الغابات الملتفة والرياضة النضرة، والغدران الجارية، ذات الصفحات النقية، والصوت الجميل، وأعرف

стр. 1737

بنوع خاص ربوة بديعة يجرى من تحتها جدول بديع لا تقع القدم فيها إلا على عشب. ولا ترى العين فيها إلا جمال الشجر والزهر، ولا تسمع الإذن فيها الا هفيف النسيم وحفيف الورق وغناء الطير، وقد دارت حولها طائفة من الشجر الباسق الذي ارتفع في الجو كأنه يريد أن يبلغ السماء، والذي مد أغصانه في كل وجه حتى التفت واشتبك بعضها ببعض، وهيأت فوق هذه الربوة الجميلة الهادئة غرفات جميلة هادئة تصلح لتفكير المفكرين، وحديث المتحدثين، والرأي عندي أن نقصد إلى هذه الربوة فننفق فيها بياض هذا اليوم فإني مشوق إلى أن أراها بعد أن فارقتها منذ أعواما وأن أراك فيها بعد أن فارقتك منذ أيام تعدل أعواما وأعواما. قالت لا أرى بهذا بأسا ولكن على أن يسبق منك الوعد باثنتين أما أولهما فان تكف عن اللوم والعتب وما يشبه اللوم والعتب من هذا التجني الذي تحسنه أكثر مما تحسن أي شيء آخر، قال زعموا أن قيمة كل امرئ ما يحسن، فإذا كنت ترين أني ممتاز في التجني لا أكاد أحسن شيئا غيره وتطلبين إلي مع ذلك إلا اقصد إليه ولا أخوض فيه فأنت إذاً تريدين أن تضعيني موضع الذي يقول فيما لا يحسن، ويخوض فيما لا علم له به. قالت ذهابنا إلى هذه الربوة الجميلة الهادئة رهين بهذا الوعد. فلك أن تختار بين الجد الخالص الذي لا عبث فيه ولا دعابة، ولا لوم فيه ولا عتب، ومعه ربوتك الجميلة الهادئة وغرفتك البديعة التي تصلح للتفكير والحديث، وبينما تحب من العبث والخلط تذهب فيهما كل مذهب، وتندفع فيهما إلى غير الطريق، قال أوحرنا في الاختيار، فإني إذن أختار الثانية وأوثر أن نطوف بالعبث والخلط في شوارع هذه المدينة الصغيرة الهادئة، لا يضيق بنا مكان إلا تركناه إلى مكان آخر، ولا نستنفد فنا من فنون السخف إلا عدلنا عنه إلى فن آخر. فإني أصبحت أرى السخف أقوم ما في الحياة. قالت لقد أفسدتك باريس قال بل أفسدتيني أنت حين أكرهتيني على الذهاب إلى باريس، قالت فإني لا أدع لك حرية الاختيار وإنما أفرض عليك الربوة الجميلة الهادئة وحديثها البريء من العبث والتجني فرضا، قال لقد أطعتك حين نفيتني إلى باريس فأحرى أن أطيعك حين تذهبين بي إلى هذه الجنة الخضراء، وأكبر الظن أن طبيعة هذه الربوة الجميلة الهادئة ستكون أقوى منك ومني وستوجه عقلينا وقلبينا إلى حيث تريد هي لا إلى حيث تريدين، ولا إلى حيث أريد. قالت مادمت واثقا بالطبيعة إلى هذا الحد، مؤمنا لها إلى هذا الحد، فلنذهب إلى ربوتك ولنحكم

стр. 1738

جمالها وهدوءها فيما ستفيض به قلوبنا من شعور، وفيما ستضطرب به عقولنا من تفكير، وفيما ستجري به ألسنتنا من حديث. وأنتصف النهار وإذا هما في هذا المكان الجميل الذي خلت فيه الطبيعة إلى نفسها فاتخذت زينتها حرة طليقة لا متكلفة ولا خاضعة لعبث الناس. وإذا هما ينظران ويسمعان ويتنسمان هذا النسيم الهادئ القوي وقد أزيلت الحجب بين نفسيهما وبين ما في هذه الربوة من جمال هادئ قوي خصب مختلف الألوان. ولو قد خلي بينهما وبين ما كان يغرقان فيه من هذا الصمت الحلو الذي كان يمزجهما بهذه الطبيعة الحلوة لظلا صامتين هادئين حتى تزعجهما ظلمة الليل، فتخرجهما عما كانا فيه من صمت وهدوء، ولكن الطبيعة نفسها أبت عليهما ما كانا فيه كأنها أحبت أن تسمعهما وكأنها أحبت أن تمتزج أصواتهما بأصواتها. فما هي إلا أن يحسا نبأه تخرجهما من نعيم الصمت والذهول إلى شقاء الحديث والتفكير. أحسا نبأه فريعا لها، وهما أن يتعرفا مصدرها فلم يصلا مما أرادا إلى شيء ولكنهما تساءلا، وسمع كل منهما صوت صاحبه فأغري به واشتدت رغبته فيه، وعادا إلى ما كانا فيه من حوار، قبل أن يبلغا هذا المكان الجميل. قال، وإذاً فأنت تجدين من المشقة في قراءة القصص التمثيلي ما يرغبك عن هذه القراءة، وينفرك منها، ويحبب إليك قراءة هذا القصص اليسير الذي لا أخذ فيه ولا رد ولا جدال فيه ولا حوار. قالت نعم وان كرهت ذلك ورأيته آية من آيات الضعف ومظهرا من مظاهر القصور. قال وكيف يكون ضعفا ما تحبين، وكيف يكون قصورا ما تكلفين به من الأمر؟ قالت تنبه فإني أراك مقدما على إخلاف الوعد الذي سبق. قال فإني لم أعد بشيء على أني لا أدرى أين يكون هذا الإخلاف. لست عابثا، ولا متجنيا، إنما أقول ما أعتقد، وأصور ما أرى. وإني لأشعر بالنفور من قراءة التمثيل، وبالرغبة في الاكتفاء بهذا القصص اليسير. قالت فانك تكبر التمثيل إكبارا أراك تسرف فيه، فلست أجحد قدره ولا مكانه بين مظاهر التعبير الأدبي، ولكن التمثيل خلق للملاعب لا للمكاتب. وخلق لينفذ إلى النفس من طريق الإذن والعين، لا من طريق العين وحدها. وخلق لينفذ إلى النفس ممتزجا بأصوات المتحاورين وحركات اللاعبين، لا لينفذ إليها كلاما غير منطوق، وعملا لا يأتي به أحد من الناس. قال حجة قوية هذه لا أريد ولا أستطيع أن انقضها وليس من شك في أني أوثر أن أرى التمثيل في الملاعب على أن أخلو إليه في مكتبي، وأوثر أن أرى أشخاص القصة

стр. 1739

يذهبون ويجيئون، وأسمعهم يجادلون ويحاورون، ولكن ماذا أصنع إذا حيل بيني وبين الاختلاف إلى الملاعب، لأن ظروف الحياة لا تريد ذلك أو لأني أعيش في بلد لا يزهر فيه التمثيل، ولا يكاد يزوره إلا لماما أو لأن آيات من القصص التمثيلي قد قطعت الطريق بينها وبين الملاعب. أأجهل هذا الفن من فنون الأدب جهلا، وأهمله اهمالا، وأنسى أنه موجود وان فيه للنفوس الراقية متاعا، وللعقول الراقية غذاء، وللقلوب الراقية لذة. قالت وقد أخذها شيء من الدهش كأنما رفع عنها حجاب فرأت نورا باهرا لم تكن تنتظر أن تراه. ماذا تقول! وأين ذهب بي الجدال! وإلى أي حد انتهى بي حب الخصومة. قال إلى حيث تأتين ما لم يستطع الدهر أن يأتي وتصدرين أحكاماً عجز النسيان وعجزت الأيام وعجزت المحن والخطوب، وعجز الجهل والجمود عن أن تصدرها، إلى حيث تمحين من سجل التاريخ الأدبي أعلام الأدب القديم والحديث، إلى حيث تعتبرين ايشيل، وسوفوكل، واوربيد، وارستوفان، وشكسبير. قالت في شيء من الجزع لا تقل هذا، وكيف السبيل إلى قبر هؤلاء الأعلام ومحو هذه الأسماء، وإهمال لهذه الآيات وان أصحابها لأبقى من الدهر كله وأقوى من الناس كلهم، وأحق بالعناية ممن شئت وممن لم تشأ من أبطال العلم والأدب والفلسفة جميعا. ثم انحدرت من عينيها دمعتان وقالت بصوت رقيق تقطعه العبرة، كيف يمكن أن ينسى قول سوفوكيل على لسان انتيجون في حوار الملك: ولدت للحب لا للبغض. قال مهلا، فأنا لم نأت إلى هذه الربوة الجميلة الهادئة، ولم ننزل ضيفا على هذه الطبيعة النضرة الباسمة لنسفح الدموع. ونثير في نفوسنا عواطف الحزن، وقد وعدتك أو قد وعدت نفسك بالا نعبث هنا ولا نلهو، ولكني لم أعدك، ولم تعدي نفسك بأن نبكي ونرسل الزفرات ونسفح العبرات. قالت والهدوء يثوب إليها وإشراق الابتسامة الهادئ الخفيف يذود عن وجهها ما غشيها من ظلمة الحزن، والبكاء، لولا شغفك بالجدال وكلفك بالحوار واحتيالك في خلق الخصومات التي لا تنتهي، ولما اضطررت إلى أن أتورط في هذا الكلام الذي لا يمكن أن يوصف ألا بأنه فن من فنون السخف أو لون من ألوان الجحود، قال لست جاحدة، ومعاذ الله أن تكوني جاحدة، ولكني قلت لك أني أصبحت أرى أن السخف أقوم ما في الحياة. قالت فكن سخيفا ما شئت. فأني لا أحب السخف. لا أحب ان أسمعه ولا أحب أن أخوض فيه، ولولا إننا هنا بعيدان

стр. 1740

عما احب من الكتب لفرضت عليك عقوبة. . . قال وهي أن اقرأ لك فصلا من فصول التمثيل، لأقيم لك الدليل على أن التمثيل يمكن أن يقرأ فيثير اللذة والإعجاب بعيدا عن الملعب، قالت ولمن تريد أن تقيم الدليل وقد عرفت أني أشاركك في الرأي، وإني لم اقل ما قلت ولم أذهب إلى ما ذهبت إليه، الا حين اضطررتني أنت إلى هذا الحوار الذي لا ينقطع، والذي لا خير فيه. قال ماكرا، ومن يدري لعلك إن حاورتك في الشعر أن تقولي انه لا يقرأ. وإنما يسمع من المنشدين. ولعلي إن حاورتك في الموسيقى أن تقولي أنها لا تقرأ، وإنما تسمع من الموقعين. قالت ومن يدري لعلك أن حاورتني في أي شيء أن تسيء رأيي في كل شيء، وان تردني إلى حيث كان أسلافنا في العصور الأولى، لا يعرفون الترف العقلي ولا يبتغون لذة العقل والشعور إلا من أقرب الطرق وايسر الوسائل. فقد كانوا يسمعون الشعر ويسمعون الموسيقى ويسمعون التمثيل، لأنهم لم يكونوا يقرؤون فأما الآن فقد نستطيع نحن أن نسمع فان فاتنا الاستماع فقد نستطيع أن نقرأ. وأني لأفكر في هذا فاعجز عن إحصاء نعمة الله على الناس حين ألهمهم الكتابة وعلمهم القراءة. فهذه النعمة هي التي حفظت لنا ما بقي في أيدينا من آيات البيان في العصور القديمة وأتاحت لنا ان نعجب بما كان يعجب به الناس من سحر الشعر والنثر، منذ القرون الطوال. وهذه النعمة هي التي تتيح لنا دائما أن نستبقي آيات التمثيل التي لم يبق بينها وبين الملعب من سبيل، لأن الأذواق قد أصابها من التغير والتبدل ما جعل تمثيل هذه الآيات أمر لا مطمع فيه، فلولا أنها قد حفظت لنا بالكتابة ولولا أننا نستطيع أن نحييها في نفوسنا بالقراءة. لماتت موتا لا نشور بعده وكيف ترى تمثيل ارستوفان، وأي قصصه يمكن أن يظهر في الملاعب الآن وأين الآذان التي تستطيع أن تسمع لحواره وما فيه من تجاوز الذوق الاجتماعي ومخالفة الأدب المألوف. ومع ذلك فكيف يستطيع مثقف أن يجهل تمثيل ارستوفان، إني لأكره كل ما يشذ عن الأدب الذي تواضع عليه الناس ولأرفض كل الرفض أن اقرأ على أحد، أو أسمع من أحد كثيرا من قصص ارستوفان، بل إني لأكره أن أقرأ هذه القصص كما كان القدماء يقرؤون بصوت عال تسمعه الإذن، ولكني على ذلك اعترف باني أطيل النظر في هذه القصص واقرأه المرة بعد المرة واقرأه كلما ضقت بالحياة أو ضاقت بي الحياة، اقرأه بالعين لا بالشفتين

стр. 1741

واللسان. قال ومالك تقفين عند ارستوفان وإن في آيات سوفوكل وصاحبيه لما يعجز الملعب عن إخراجه للناس الآن، لأن فن التمثيل نفسه قد تغير وتبدل، ولكن أي حرمان يصيب المثقفين لو قضى عليهم أن لا يقرؤوا غناء الجوقة في شعر هؤلاء الأعلام. وشكسبير أيجب أن يحرم المصريون مثلا لذة الاستمتاع بآياته لأنها لا تمثل في بلادهم، بل أيحرم الإنجليز أنفسهم لذة الاستمتاع بآياته لأنها لا تمثل عندهم إلا بمقدار. قالت بل نستطيع ان نذهب إلى أبعد من هذا فقد نستطيع أن نؤمن بأن القصص التمثيلي فن من فنون التعبير الأدبي يمكن أن يقصد إليه من حيث هو، وان يكتب الكاتب قصة تمثيلية لتقرأ لا لتمثل، قال فأنك لا تذهبين إلى شيء مستحدث وهل كانت كتب أفلاطون كلها الا فنا من فنون التمثيل كتبت لتقرأ لا ليلعبها الممثلون أمام النظارة، قالت بل أنا أجد القراءة تمنحني قوة لا أجدها حين اختلف إلى الملاعب فأنا اخلق الممثلين وأصورهم لنفسي وهم يذهبون ويجيئون ويجادلون، وأخلع عليهم من الصور الفنية ما يعجبني ويلائم طبيعتي، ومزاجي، وفهمي كما اقرأ. قال ولست أخفي عليك إني اكره أن أرى قصة تمثيلية قبل ان اقرأها، ولعلى اقرأ القصة التمثيلية فاعجب بها اعجابا، وافتن بها فتونا. ثم اشهدها في الملعب فيدركني شيء كثير من خيبة الأمل لأن الممثلين لم يؤدوها كما كنت أريد أن تؤدى، أو كما كنت أنتظر أن تؤدى. قالت وكذلك آيات الجمال الفني كلها ترتفع في النفوس حتى تبلغ المثل الأعلى أو تدنو منه فإذا اشتملتها الحياة الواقعة وأخرجها الإنسان إلى الوجود الفعلي نزلت عن مرتبتها لأن طبيعة الجمال الفني كلها ترتفع في النفوس حتى تبلغ المثل الأعلى أو تدنو منه فإذا اشتملتها الحياة الواقعة وأخرجها الإنسان إلى الوجود الفعلي نزلت عن مرتبتها لأن طبيعة الجمال الفني فيما يظهر لا تحب الحدود التي يفرضها الزمان والمكان. قال في رفق مهلا فقد يخيل إلي إنا نصعد في السماء، ولو مضينا في هذا الحوار لبلغنا هذا السحاب الذي يوشك أن يفسد جمال هذه الطبيعة النضرة الباسمة. قالت ليس إلى إرضائك اليوم من سبيل، لقد كنت تراني منذ حين مقصرة مسرفة في التقصير، وأنت تراني الآن محلقة مسرفة في التحليق. قال أنا معجب بك على كل حال، ولكن ارفقي بي فقد أعجز عن أن أرتقي معك في الجو إلى حيث تريدين، عيشي مع أصدقائك من سكان النجوم إذا خلوت

стр. 1742

إلى نفسك فإذا لقيتني، فاذكري قول باسكال واعلمي إني مهما أقوى فلن أستطيع إلا أن أكون إنسان يمشى على الأرض وينظر إلى السماء. قالت ما أبرعك في إفساد الحديث ها أنت ذا تعود بنا إلى عبثك الذي لا ينقضي، الست ترى أن خيراً منه أن ننظر فيما حولنا وان تتحدث نفوسنا إلى نفس هذه الربوة التي لقيتنا فأحسنت لقاءنا. وهيأت لنا ضيافة لم نكن نقدر أن نلقاها. قال لا أرى بذلك بأسا ولاسيما في يوم وداع فمن يدري لعلنا لا نلقاها بعد اليوم. قالت وما يمنعنا أن نعود إليها غدا وبعد غد فان الإجازات تمد، ورسالة برقية تستطيع أن تذهب إلى القاهرة مساء اليوم فتكفل لك الإذن بالبقاء هنا إلى آخر الصيف. قال وقد استأثرت بنفسه غبطة لا حد لها أو تأذنين؟

стр. 1743

شاعر للأستاذ احمد أمين شاعرنا اليوم نشأ جاهليا، ونشأ في الطائف. والطائف مدينة في الجنوب الشرقي من مكة تبعد عنها خمسة وسبعين ميلا، اشتهرت بطيب هوائها وجودة مزارعها. وقد اعتاد المترفون من العرب أن يقضوا الربيع بجدة، والصيف بالطائف، والشتاء بمكة. قال النميري يصف أخت الحجاج بالنعمة: تشتو بمكة نِعمَةً … ومصيفها بالطائف أخصبت أرضها، وجرى الماء في وديانها، فكثرت مزارعها، وجادت فواكهها، من نخيل وأعناب، بها جبل يقال له (غزوان) كثرت كرومه، وكان عنبه العذب وزبيبه الحلو مضرب المثل جودة وكثرة، حتى ليروون أن سليمان بن عبد الملك لما حج رأى بيادر الزبيب فظنها حِرَاراً فقالوا ليست حراراً ولكنها بيادر الزبيب. وقد حسدهم العرب على ما هم فيه من نعمة، فسوَّروا بلدتهم وحصنوها من أعدائهم، فصارت ملجأ الهارب وملاذ الخائف، وضرب المثل بمناعتها حتى قال القائل: منعنا أرضنا من كل حي … كما امتنعت بطائفها ثقيف كان يسكن الطائف قبيلة ثقيف، وقد أكسبتهم أرضهم وثروتهم وطبيعة بلادهم وجوهم رقيا في الحياة من الناحية الاجتماعية والعقلية، فاقوا فيهما من حولهم من السكان، وشعروا بعظمتهم فأكثروا من الفخر بأنفسهم، وقال قائلهم: وقد علمت قبائل جدمِ قَيسٍ … وليس ذوو الجهالة كالعليم بأنّا نُصبح الأعداء قِدْماً … سِجالَ الموت بالكأس الوخيم وأنّا نبتني شرف المعالي … ونُنعشُ عثرة المولى العديم وإنّا لم نزل لجأ وكهفا … كذاك الكهل منا والفطيم وقد أنجبت ثقيف شعراء مجيدين في الجاهلية والإسلام، كما أنجبت ساسة وقادة نبه ذكرهم، وعظم أمرهم، فاشتهر منها من شعراء الجاهلية الشاعر المتدين أمية بن أبي الصلت، وفي العصر الأموي الشاعر الشريف طُرَيح الثقفي، والشاعر الحكيم الأجرد الثقفي. وأشتهر من أمرائها وساستها وقادتها الأمير القوي الحجاج بن يوسف الثقفي، والقائد الشاب محمد ابن

стр. 1744

القاسم الثقفي فاتح السند ولما يكتمل العشرين، والذي قال فيه القائل: ساس الجيوش لسبع عشرة حجة … يا قرب ذلك سؤددا من مولد كما أن ثروتهم وحضارتهم استتبعت شهرتهم بالفجور والربا حتى أن رسول الله لما صالحهم كان من شروط الصلح أن يسلموا وألا يزنوا ولا يَرْبوا. كذلك كانت كثرة العنب والزبيب في بلادهم سببا في شيوع الخمر بينهم وولوع أهلها بشربها. وقد كانت الخمر شائعة بين العرب في الجاهلية، ولكن بين خاصتهم لا بين عامتهم، إذ أن عامتهم قد عدموا القوت وحرموا ضرورات العيش أما المترفون فشربوا كثيرا وقالوا في شربها كثيرا. وقل أن نجد شاعرا جاهليا لم يتمدح بشربها وإتلاف ماله في سبيلها. وكانت الخمر تأتيهم من الشام ومن اليمن ومن الطائف، وكان الأعشى الشاعر يتجر فيها، وكان له بقرية في اليمن يقال لها (أثافت) مِعْصَرة للخمر يعصر فيها ما يقدم له من أعناب. ونلاحظ من تاريخ العرب في الجاهلية وتراجم رجالها أن هناك طبقة من الشباب اعتادت أن تتلف مالها في الشراب، هم فئة من أولاد السراة نشأوا في ثروة وجاه، وألَّفت بينهم وحدة النزعة، يجتمعون في المواسم والأعياد والمناسبات فينحرون الجزوز ويهيأ لهم، ويشربون عليه وتغنيهم القيان أو الموالي من الفرس والروم والأحباش، ولكن هذه الطبقة لم تفقد مع شربها ولهوها شرفها وإبائها، فهي مع ذلك كله نبيلة كل النبل شريفة كل الشرف ثارت على كل شيء إلا قانون المروءة، وقانون المروءة يتلخص في الشجاعة والكرم. لا يعبئون بالحياة، يبذلونها في سخاء للإنجاد من أستنجد بهم، ونصرة الضعيف يستصرخهم ويلجأ إليهم، لا قيمة لحياتهم إذا مست كرامتهم أو كرامة قبيلتهم أو اعتدى أحد على جارهم أو حليفهم أو عبدهم، ولا قيمة للمال يوم يسألهم سائل أو يدعوهم لبذله داع، ولا بأس بالفقر يحل بهم وينزل بساحتهم، ولا ضرر إذا خسروا المال وكسبوا الشرف، وويل لزوجاتهم إذا لمنهم في الاستهتار بالحياة أو أتلاف المال، إذ ذاك يصبون عليهن نقمتهم ويملؤن الدنيا شعرا في لومهن وتأنيبهن. شاعرنا اليوم كان من هذه الطبقة، فتى غني، من ثقيف، من الطائف، شجاع، كريم، يكثر الشراب، ويتلف المال، ويحتفظ بالمروءة ويقول: لا تسأل الناسَ عن مالي وكثرته … وسائل الناس عن حَزمي وعن خلقي القوم أعلم أني من سَرَاتِهِم … إذا تطيش يد الرِّعديدَةِ الفرِق

стр. 1745

قد اركبُ الهولَ مسدولاً عساكره … وأكتم السِّرَّ فيه ضربَة العنق عف المطالب عما لست نائله … وأن ظُلمت شديد الحقِد والحنق وقد أجود وما مالي بذي فنع … وقد أكرُّ وراء المجحَرِ الفَرِقِ سيكثر المالُ يوماً بعد قلته … ويكتسي العود بعد اليبس بالورق ظلت ثقيف على جاهليتها لا تذعن لدعوة الإسلام حتى أسلم من حولها ورأت نفسها بمعزل، فاضطرت إلى الإسلام في السنة التاسعة للهجرة، وسمع شاعرنا بالإسلام وتعاليمه فوقف حائرا، إن الإسلام يدعوا إلى المروءة وهو ذو مروءة، إن الإسلام يدعو إلى الصدق ومكارم الأخلاق وكل هذا حسن (فليسلم) ولكنه يأمر المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم، ولا يمدوا أعينهم إلى غير نسائهم، كما ينهي عن الخمر ويعاقب على شربها، فكيف يسلم وقد ألف الغزل ولا حياة له بغير الخمر؟ وقف قليلا ولكنه أسلم مع قومه وفوَّض إلى الله أمره ولم نسمع عنه في حياة رسول الله وأبي بكر شيئا ولكنا نراه اصطدم مع عمر وهو الشديد في الحق لا تأخذه فيه هوادة، فعاد شاعرنا يتغزل ويشرب. يرى امرأة من الأنصار تسمى (الشَّمُوس) فيحبها ويحاول رؤيتها بكل حيلة فلا يستطيع، فيؤجر نفسه ويعمل في حائط يبنى بجانب منزلها ويطل عليها من كوة البستان ويقول: ولقد نظرت إلى الشَّمُوس ودونها … حَرَجٌ من الرحمن غير قليل ويشرب ويقول الشعر في الخمر: إن كانت الخمر قد عزت وقد منعت … وحال من دونها الإسلام والحرج فقد أباكرها صِرفاً وأمزجها … ريًّا وأطرب أحيانا وأمتزج فيحده عمر حد الشرب، فيفكر شاعرنا ويطيل التفكير: هل يترك الغزل والخمر؟ لقد كان ذلك قبل الحد أما بعده فلا. إن من العار أن يتحدث الناس أني تركت الخمر خوفا من العقوبة وأنا الأبي الشجاع الذي لا يعبأ بالحياة إذن فلأشرب وليحدني عمر. وفعلا شرب فحده، وشرب فحد، وبلغ ذلك سبع مرات أو ثمانيا، وهو لا يزال على رأيه، مصمم على تفكيره، ماض في غزله وشربه، حتى يئس عمر من علاجه وضاق به ذرعا، فقرر أن ينفيه في جزيرة كانت تنفي فيها العرب في الجاهلية خلعائها، وبعث معه حَرَسيّا يحافظ عليه حتى لا يهرب، وأوصاه ألا يأخذ سجينه سيفا معه، وقد عرف عمر كيف ينتقم، فلم

стр. 1746

يألم شاعرنا من شيء ألمه من هذا الرأي. سيكون في جزيرة وحده لا غزل ولا شراب، ولكن ليس هذا ما آلم نفسه وأدمى قلبه، إنما آلمه أن يعيش عيشة الضعفاء المساكين والرجال في غزوات الحرب يقتُلون ويُقتلون وأن يعيش عيشة النساء في خدورهن وهو الفارس الكمي، لا، لا، الموت أهون من هذا. تظاهر شاعرنا بأنه يحمل غرارتين ملئتا دقيقا وعمد إلى سيفه فجعل نصله في غرارة، وجفنه في غرارة، ودفنهما في الدقيق حتى إذا جاوز هو والحرسي المدينة ولقيا من سفرهما هذا نصبا جلسا للغداء، فقام شاعرنا يوهم أنه يخرج دقيقاً فأخرج سيفه ووثب على الحرسي فخرج يعدو على بعيره راجعا إلى المدينة وظل صاحبنا وحده. الآن لا أعود إلى المدينة ووفيها عمر، ولا أطوف في البلاد ألهو فلست بعد اليوم لاهيا، ولكن إلى حيث يحيا الرجال والفرسان حياة النجدة والشهامة إلى مواقع الغزوات، إلى أشدها هولا، وأصعبها مراساً، إلى (القادسية) حيث المواقع الفاصلة بين سيادة العرب وسيادة الفرس. ولكن عمر الساهر على كل شيء في مملكته، لم يخف عليه أمر شاعرنا، فعرف أين توجه، فما، وصل إلى القادسية حتى سبقه كتاب عمر يأمر سعد بن أبي وقاص بحبسه، ففعل ذلك وحبسه في قصره وقيده، فمشى يرسف في قيوده ويستعطف سعدا أن يطلقه فزجره، فذهب إلى سلمى زوج سعد وقال لها: هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلين عني وتعيرينني البلقاء (فرس سعد) فلله على إن سلمني الله أن أرجع إليك حتى تضعي رجلي في قيدي، فأبت فقام ثائرا حزينا، يرى القتال على الباب وهو يرسف في القيد، وانطلق لسانه بهذه الأبيات: كفى حَزَنا أن تطعَنَ الخيل بالقَنَا … وأُترَكَ مشدوداًعلى وِثاقيا إذا قمت عَنَّاني الحديد وغلَّقت … مغاليق من دوني تصِمُّ المناديا وقد كنت ذا أهل كثير وإخوة … فقد تركوني واحدا لا أخا ليا هلم سلاحي لا أبالك أنني … أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا ولله عهد لا أخيس بعهده … لئن فَرَجَت ألا أزور الحوانيا سمعت سلمى هذا الشعر فرثت له ورأت الصدق في قوله فأطلقته، وأقتاد فرس سعد وخرج إلى مواطن القتال وإذا به أمام الناس يقف بين الصفين ويحمل على العدو حملات منكرة حتى عجب الناس من قتاله وأمره، ورأوا الفرس فرس سعد الطاعن لم يشهد الحرب معهم

стр. 1747

قبل اليوم، حتى إذا انتصف الليل وتحاجز العسكران رجع صاحبنا إلى القصر وأعاد رجليه في القيد! فلما أصبح الصبح تحدث الناس به وأخبرت سلمى سعدا بما كان منه فأطلقه وعاهده ألا يحده أبدا إذا شرب. الآن ظهرت نفس شاعرنا في شرفها ونبلها وقال لسعد كنت آنف أن أتركها من أجل الحد، فأما إذ بهرجتني فلا والله لا أشربها أبدا. لقد كان مما أخذه عمر عليه قوله: إذا مت فادفني إلى أصل كرمة … تروِّي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني بالفلاة فإنني … أخاف إذا ما مت ألا أذوقها ويشاء قاص من الظرفاء فيروي أنه رأى قبره بنواحي أذربيجان أو جرجان وقد نبتت عليه ثلاث كروم قد طالت وأثمرت واعترشت، وعلى قبره مكتوب: (هذا قبر أبي محجن الثقفي) أفاض الله عليه سجال رحمته فقد كان رجلاً وكان نبيلا. أحمد أمين

стр. 1748

عيد الوطن الاقتصادي رأي ونصيحة للدكتور منصور فهمي وجه أحد شباب المشروع إلى عميد كلية الآداب هذين السؤالين: ١ - ما رأيكم في عيد الوطن الاقتصادي كمظهر من مظاهر الشباب؟ ٢ - هل لكم من نصيحة توجهونها إلى الشباب القائم بالمشروع؟ فأجاب الأستاذ عنهما بما يأتي: ١ - لاشك أني أقابل بالعطف والتشجيع كل جهد مخلص في سبيل النهضات الاقتصادية والدعاية اللائقة لها، لأننا نعتقد أن في تلك الجهود ما يعين على خدمة الأخلاق، وذلك أن كل مشروع يوسع مجال العمل قد يضيق حظائر البطالة وما يتسبب عنها من المفاسد والشرور، وطالما بين لنا التاريخ أثر الحياة الاقتصادية في نهضات الشعوب العقلية، وفي نظامها الخلقي، فالإنسان لا يطيب له التأمل والتفكير إلا إذا كان رزقه في يسر وسعة، ومن تضيق به موارد العيش قد يركب صعاب الأمور ويهون عليه إذا لم يكن من الذين تحصنت نفوسهم بالشدة في الخلق، أن يفرط في ما تدعو إليه الأخلاق الفاضلة، وإني إذن اعتمد على ما قدمت لأبارك للشباب جهده في الدعوة إلى خدمة الحياة الاقتصادية بشتى المظاهر الجديدة لشباب مثقف نشط في قدرته أن يحسن الاختيار لأساليب الدعاية البريئة الهادئة. ٢_أما أول نصيحة أوجهها للشبان القائمين بالمشروع فهي ألا تأخذهم نشوة الحماسة إلى دعوة محمودة فيعتمدون كل الاعتماد على رأيهم ولوامع خيالاتهم دون ان يرجعوا لآراء المجربين الخبيرين ممن اشتغلوا بالأمور الاقتصادية، لأن مسائل الحياة الاقتصادية في الأمم متشعبة كثيرة الاتصال بشتى المسائل العمرانية، وقد لا يصيبها النجاح المرجو إذا هي لم تعالج في فطنة ودقة، وخبرة وكياسة، ومن أجل هذا أوصيهم بكل شدة أن يقتحموا هذه الأبواب ومعهم زادهم من نصائح كبار الاقتصاديين من مواطنيهم، وتوجيهاتهم لكي تغذي تلك الإرشادات نشاطهم، فيسير إلى حيث يثمر الثمرات الطيبة. وأما نصيحتي الثانية فهي أن تقوموا بعملكم المشروع بنفس زكية لا يداخلها عداء لأعمال غيركم، إنما يداخلها الإيمان بمشروعية عملكم وقيمته وطهارة سبله ونزاهة الوسائل التي تحققه. ويجب ألا ينسيكم العمل المبرور أعمالكم الدراسية لأنها الواجب الأول المباشر في المرحلة التي أنتم فيها، فإذا كان لديكم فضل من الوقت تروضون فيه أنفسكم على الأعمال الاجتماعية عن طيب خاطر وعن إخلاص وعلى

стр. 1749

نحو ما نصحت لكم فإني آمل أن يوفق الله مسعاكم. بطالة المتعلمين ورأينا في علاجها للدكتور محمد حسين هيكل بك لاشيء يعني به شباب مصر في هذه السنين عنايته بالشئون الاقتصادية. وما يزال مشروع القرش ماثلا في أذهان الناس، وما يزال شبان القرش مستعدين للهجوم إذا آن موعده في أول كل عام جديد. وها نحن نكتب هذه الكلمة لعيد الوطن الاقتصادي وأنت حيثما ذهبت لم تكد تسمع شيئا إلا في الاقتصاد والمشروعات الاقتصادية وما إليها، فما عسى يكون السبب في هذا؟ السبب فيما يخيل إلينا هو هذا الذي يسمونه عطلة المتعلمين، فالمدارس فيما يزعمون تخرج عددا أكبر بكثير مما تحتاج إليه وظائف الدولة، ومما تحتاج إليه الأعمال الحرة المعروفة إلى اليوم، فلابد من خلق أعمال حرة جديدة ليقتحم هذا الشباب المتعلم ميادينها ولتبرأ البلاد بذلك من مرض العطلة. وقد يكون هذا صحيحا ولكن هل ينجح مثل هذا العلاج فيوجد عملا لمن تخرجهم المدارس العليا والكليات والمدارس الفنية والخصوصية في كل عام ممن لا يجدون عملا في الحكومة أو في الوظائف الحرة المعروفة؟ وهل ينجح في إيجاد عمل للألوف الذين يحصلون على شهادة الدراسة الثانوية ولا يستطيعون إتمام دراساتهم العالية والفنية؟ نشك في هذا كثيرا. وعلة الشك أن هؤلاء المتعلمين يريدون عملا من طراز معين. يريدون عملا على مكتب من المكاتب ويأنفون العمل اليدوي. وهذا عمل على مكتب لا يتيسر للألوف وعشرات الألوف ممن يتخرجون، فلا طاقة لمشروعات الشباب بمواجهة رغباتهم وبإيجاد أسباب الكسب لهم. وعلاج هذه الحال في رأينا إنما يكون بفتح أبواب التعليم على مصاريعها جميعاً، للناس جميعا وجعل التعليم في متناول الكل، ينهل منه من شاء في حدود طاقته، يوم يصبح الكل متعلمين، ولا تكون طائفة المتعلمين محصورة لا يأنف الإنسان أن يباشر عملا يدوياً أو غير يدوي، ويومئذ يصبح كل عمل شريفاً، ويومئذ يمسك المتعلم بالفأس والمحراث، ولا يرى في ذلك ما يحط من شأنه، ويشتغل المتعلم في الصناعات المختلفة، في صناعة الجلود والأحذية، في النجارة والحدادة، في فلاحة البساتين، في التجارة بمختلف أنواعها، ولا يكون واحد من

стр. 1750

هذه الأعمال أقل رفعة ومكانة وتشريفا لصاحبه من العمل على مكتب، ولا من منصب الوزارة أو أي منصب حكومي آخر. هذا في رأينا هو الحل العملي المنتج، فعلة بطالة المتعلمين وعطلهم: أنهم يرون أنفسهم طائفة خاصة ممتازة، يجب أن يكون لها عمل خاص ممتاز، فإذا لم يجد أفرادها هذا العمل فضلوا البطالة ولو تكففوا الناس بعد ذلك، فإذا زالت عنهم صفة الطائفة، بأن أصبح الناس جميعا متعلمين وجب على هؤلاء المتعلمين أن يزاولوا كل الأعمال فأصبح بذلك كل عمل شريفا كما قدمنا، وانفسح الميدان لكل من يريد أن يقتحمه. لا يقلل هذا من تقديرنا لمجهود الشبان في الوقت الحاضر. ولكنا نعتقده غير قادر على علاج المشكلة التي دفعت إلى هذا النشاط إلا بمقدار، وبهذا المقدار يستحق الشباب الحمد والشكر.

стр. 1751

نداء لسكرتيرة المتطوعات أخواتي: أقسم الشباب أن يمضي جهاده بعزيمة قوية وهمة فتية يريد لمصر هناءً موفوراً، ورخاء سخياً، ويسراً عريضاً، فهلا ساهمت معهم بوطنيتك وأيدتهم بإخلاصك ووفائك؟ إن الشروع لا يطلب إليك أكثر من أن تؤمني بعقيدة الجهاد في سبيل مصر: ترتدين الرداء المصري الصميم، وتدعين للصانع والتاجر المصري في الوسط الذي تعيشين في أفقه، وتوزعين الدليل الوطني أيام العيد: وتحفين بالموكب في مهرجان مصر، التي نعيش من أجلها، ونجاهد في سبيلها. ولقد حرصت لجنة المتطوعات على أن تعمل بعيدة عن الأفق الذي يجاهد في حدوده إخواننا الشبان، رعاية لتقاليد البلاد، وصونا لسمعة المجاهدات وحرصا على صفاء الجو الذي نناضل في أفقه. . فهيا إلى العمل وليكن شعارنا الذي نفاخر به: (مصر للمصريين) سعاد حسن . . . بل مصر مصرية! بقلم الآنسة مي (مصر للمصريين). هذه الكلمة أقرأها لكم كاتبين، أيها الشبان، وأسمعها منكم محدثين. وإنها لكلمة جميلة خصيبة عادلة، لكن ما هو أجمل منها وأخصب وأعدل هو الغرض الذي ترمون إليه في حركتكم الوطنية الاقتصادية: جعل مصر مصرية! المعلوم عن مصر أنها بحكم موقعها الجغرافي بلد دولي حتما. فهي بمقتضى ذلك تفتح بابها لكل شعب، وترحب بكل حضارة، وتستسيغ كل صناعة، وكل ثقافة تجد في مغناها ضيافةً وانتشاراً. ولما كان لكل مقام مقال، فان مصر لم تعدم من ينعى عليها موقفها ذاك. والشعراء، الشعراء البررة القساة، كم استوحوا هذا الموضوع فنمَّقوا المراثي يعرضون فيها جيوش المصائب والمحن الضاربة في هذا البلد الأمين، ويشهدون العالمين (باللغة الفصحى!) على ما معناه أن: (مصر بنت طيبة، ولكنها مظلومة قضاء وقدراً)!. . . ولكم بكى الباكون من جراء وقع هذه البلاغات الشعريات (. . . جمع بلاغة شعرية!) وإن لم يبكوا بدموع تُمسح بالمناديل فلا أقل من زفرات ملتهبة تتسرَّب من القلوب المحروبة حيث الشفاه تردد قول الشاعر: (مصر

стр. 1752

بنت طيبة، ولكنها مظلومة قضاء وقدراً!). . . فتيان مصر، فتيان الحياة الجديدة في مصر! بحركة واحدة قمتم انتم قومة رجل واحد. قمتم لأنكم بحميتكم الأبية، وبشبابكم الحار، وبوفائكم البصير، أدركتم أن سلاسل القضاء والقدر كثيرا ما يحبكها المرء لنفسه، وأن البلاد كثيرا ما يهمل أبناؤها أمرها فيكونون لها ظالمين! أمصر ميدان لشتى الصناعات والثقافات والحضارات؟ إذن لتستفيدوا من كل أولئك. وما كان في نظر المتشائمين موضوع رثاء وحسرة ينقلب بين أيديكم موضوع جذل وأريحية وميدان خير عميم! تأخذون من كل قوم ما عندهم من ابتكار ونظام وتدبير، فتطبقونه على قومكم بمقدار ما يتناسب وحاجاتكم. وما انتم بذلك إلا مماشون سنن التاريخ. فما من صناعة أو ثقافة أو حضارة إلا اقتبست شيئا مما سبقها أو استلهمت شيئا مما يحيط بها. ما هو الفرق بين مصر وبين غيرها من البلدان القوية؟ أول فرق ظاهر أن البلدان القوية تستهلك ما تنتج، وتدفق على غيرها من الأقطار ما يفيض عن حاجتها، في حين أن مصر تنتج قليلا وتستهلك كثيرا مما يقدمه لها المنتجون. وهذا هو النقص الذي قمتم تعالجون! أو تذكرون قول الاسكندر قبل أن يقدم على فتح الأمصار القريبة والبعيدة؟ قال: (أريد أن أرث عن أبي فيليب بلدا صغيرا فقيرا مرتبكا ليكون لي الفخر بان أجعله بلدا فسيحا غنيا تضرب الأمثال بقوانينه وأنظمته وعظمته) أنتم ورثتم عن آبائكم بلدا عظيما غنيا ما زال في حاجة إلى تنظيم في بعض نواحيه. ولتكونوا فخورين بهذا الوطن وخصائصه، ولتكونوا فخورين بحاجته اليكم، وبما لا يروقكم فيه. ولتكونوا فخورين لأنكم وجدتم في هذا العهد الذي تستطيعون أن تقوموا فيه بالخدم اللاَّحَّة! كذلك تسبرون غور مقدرتكم، ومبلغ تأثيركم، وتعرفون مقدار قيمتكم الأدبية أفرادا وجماعة! عيدكم عيد الوطن، وعيد نشاط الوطن. صيحوا بأصواتكم الفتية بوجوب توزيع إنتاجه من كل نوع وكل صنف وكل فصيلة، اهتفوا في قومكم أن اجعلوا أثوابكم مصرية، وأثاثات منازلكم مصرية، وزينات حياتكم مصرية، لتهيئوا وسائل العمل والرفاهة لملايين الأيدي المصرية. ردِّدوا أن خذوا عن الآخرين، واقتبسوا، وحصّلوا، على أن تمصِّروا كل ما تحصلون وتقتبسون وتأخذون، فينقلب كل منكم اسكندراً خلاّقاً في بابه! فتيان مصر، فتيان الوادي الأخضر! عيدكم رأس سنة جديدة، بل هو مطلع عهدٍ جديد! هو

стр. 1753

مطلع العهد الذي تسعون فيه إلى تمصير حاجاتكم. فلا يكفي أن تكون مصر للمصريين، بل يجب أن تكون مصر مصرية! ولكم الفضل، بلفت البلاد إلى هذا الشأن الخطير. إن لتربة بلادكم هذه خاصَّة سحرية في تحويل كل غريب عنها إلى جزء منها. فكم ذا تصبح هذه الخاصة فعالة إذا ما أنتم عالجتموها بما نراه منكم من ذكاء وإدراك وهمة وحماسة وحيوية! عيشوا تحقيقاً للرجاء الذي يجعل واديكم دائم الخضرة، ويجعل عَلَمَكم دائم الخضرة! ولتعش مصر مصرية!

стр. 1754

كيف نحافظ على وجودنا الاقتصادي؟ للأستاذ محمد فريد وجدي الثروة للأمم (والثروة الاجتماعية تطلق على النقود المسكوكة وكل ما تثمره الأرض وتنتجه اليد العاملة) كالدم الذي يجري في الجسم الحي. ويوزع على كل عضو بل وكل خلية فيه ما يقيم حياتها ويجعلها صالحة لأداء وظيفتها. والطرق التي تجول فيها هذه الثروة لإعطاء كل فرد نصيبه منها تشبه بالشرايين والأوردة من الجسم الحي. وإذا كان لا حياة لجسم بدون دم، فكذلك لا حياة لأمة بدون ثروة. وإذا كانت صحة ذلك الجسم تتطلب دما كافيا حاصلا على جميع مقوماته البيولوجية. فكذلك الثروة الاجتماعية يجب أن تكون كافية لحاجات المجتمع وحاصلة على العناصر التي تتطلبها حياة الاجتماع. وإذا كانت تستتبع قلة مقدار الدم في الجسم الحي وفساد تركيبه أدواء عضالة من الأنيميا والخلوروز وما يجران إليه من العلل المترتبة عليهما، فكذلك عدم كفاية الثروة الاجتماعية تولد لهيئة المجتمع أدواء من الضعف العام ومن الاضطراب في وظائفه يصبح المجتمع معها عرضة لكل ضروب المتالف فيجمد حيث هو، أو يختل توازنه، أو يعتل وجوده، ويصبح لا يغني عن نفسه شيئا. لهذا السبب قام إزاء أطباء الأجسام في كل أدوار الأمم أطباء للاجتماع تولوا تدبير الثروة العامة بضروب شتى من الوسائل. وأطباء الاجتماع اليوم اكثر تبعات مما كانوا عليه في سالف العصور بسبب تعقد المبادلات بين الأمم، ومزاحمة الأسواق بعضها لبعض، وتشابك الصلات المالية بعضها ببعض، أصبح علم الاقتصاد من أوسع العلوم اختصاصا واشدها تركبا. وها نحن أولاء نسمع جؤار الشعوب تحت كلاكل هذه الأزمة العالمية، ونشهد جهاد الاقتصاديين في علاجها بما لم يتفق مثله للبشر في أي عهد من عهودهم، فإذا كنا لا نعتبر بكل هذا فنتوفر على درس هذه الحالة فيما يختص بنا توفرا يناسب أحوالنا الحاضرة فإننا نجني على أنفسنا جناية نحاسب عليها حسابا عسيرا، ونذوق وبال امرنا منها جزاء موفورا. وأول ما يجب أن ندرسه من مسائلنا الخاصة هو أن نعرف هل ثروتنا العامة التي تثمرها أرضنا وأيدي عمالنا تكفينا الحاجة أم لا؟ وهل هذه الثروة تتوزع على جميع أفرادنا أم لا؟ وهل يتسرب منها شيء إلى الخارج، كان يجب أن يبقى لدينا أم لا؟ هذه المسائل الثلاث يجب أن تشغل كل فرد من أفراد مجتمعنا على السواء، ولا يجوز أن

стр. 1755

تقتصر على الذين يشعرون بالحاجة المعيشية فقط، لأن الضعف والاعتلال اللذين يحيقان بمجتمعنا لا ينحصران في الطبقات المحرومة من الثروة ولكنهما يعمان الكافة، فيكون نصيب أصحاب الأموال أشد مما ينال صغار الناس منهما. أما ترى اليوم ماذا أصاب أصحاب رؤوس الأموال الطائلة من البؤس والإقلال بسبب الأزمة الحاضرة، حتى أن صاحب مئات الفدادين أصبح لا يجد ما يقوت به نفسه. وتعرضت أملاكه للبيوع الجبرية؟ ومنهم من تجرد من جميع ما كان عنده فأصبح معوزا لا يملك شروى نقير ولا يصلح لأي عمل! وما ظنك لو اشتدت وطأة هذه الأزمة أو امتد عهدها سنتين أخريين أو ثلاث سنين اخرى؟ دع مصر جانبا وانظر إلى أعلى الأمم كعبا في الثروة والمدنية، ألم تجد الأحوال فيها شرا مما نحن عليه. ألم توصد عشرات من المصارف أبوابها. ألم تسد منافذ الارتزاق في وجوه الملايين من أبنائها؟ ألم ينضب معين الثروة في خزائن حكوماتها فاضطرت لضرب الضرائب الفادحة على مموليها؟ ألم يتناول الضغط على نفقاتها مرتبات موظفيها فأسقطت نحو الثلث من مرتباتهم ولا تزال تهددهم بتخفيضات جديدة؟ هذه كلها عبر يجب أن نتأمل فيها، وأن نعمل على تلافيها. وإذا كان الأمر من الخطورة عند هذا الحد أفلا يكون أوجب الواجبات أن نحاول ألا يتسرب قرش واحد إلى خارج بلادنا إلا إذا كان في حاجة ماسة، ولضرورة قصوى؟ وهذا ما تفعله كل أمة وتتشدد فيه اليوم شعورا منها بان دولاب الأعمال مادام معطلا وحركة المبادلات بطيئة، وجب ان ينحصر مال الأمة في بلادها حتى لا ينضب معينه فيها فتصاب بأشد ضروب الإعسار ولا كرامة. وما دمنا قد شبهنا ثروة الأمة في مجموعها بدم الحياة للفرد الواحد، فقد ساغ لنا ان نشبه خروج تلك الثروة من بلادها دون أن تستعيض عنها من طريق المبادلات ما يعادلها، بداء النزيف الدموي. فالأمة التي لا تبالي في مثل هذه الأحوال بتسرب ثروتها إلى خارج ديارها، يكون مثلها كمثل فرد أصيب بالنزيف وحكم عليه فوق هذا ألا يستعيض عما يفقده بتناول المواد المعوضة. ولست أستطيع بعد هذا أن احدد تبعة من يتجرأ على تبديد ثروة البلاد خارجها بالتعويل على الواردات الأجنبية التي يجد في بلاده ما يقوم بحاجته منها، قد يكون ما يجده منها في بلاده اقل جودة، أولا يفي بمرامه من كل وجه، فهل يجوز أن يحمله ذلك على الانصراف عنه محولا جزءا من ثروة الأمة إلى ثروة أمة أخرى، في وقت هي أحوج ما
следующие страницы →