Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
نداء لسكرتيرة المتطوعات
أخواتي: أقسم الشباب أن يمضي جهاده بعزيمة قوية وهمة فتية يريد لمصر هناءً موفوراً، ورخاء سخياً، ويسراً عريضاً، فهلا ساهمت معهم بوطنيتك وأيدتهم بإخلاصك ووفائك؟ إن الشروع لا يطلب إليك أكثر من أن تؤمني بعقيدة الجهاد في سبيل مصر: ترتدين الرداء المصري الصميم، وتدعين للصانع والتاجر المصري في الوسط الذي تعيشين في أفقه، وتوزعين الدليل الوطني أيام العيد: وتحفين بالموكب في مهرجان مصر، التي نعيش من أجلها، ونجاهد في سبيلها. ولقد حرصت لجنة المتطوعات على أن تعمل بعيدة عن الأفق الذي يجاهد في حدوده إخواننا الشبان، رعاية لتقاليد البلاد، وصونا لسمعة المجاهدات وحرصا على صفاء الجو الذي نناضل في أفقه. . فهيا إلى العمل وليكن شعارنا الذي نفاخر به: (مصر للمصريين)
سعاد حسن
. . . بل مصر مصرية!
بقلم الآنسة مي
(مصر للمصريين). هذه الكلمة أقرأها لكم كاتبين، أيها الشبان، وأسمعها منكم محدثين. وإنها لكلمة جميلة خصيبة عادلة، لكن ما هو أجمل منها وأخصب وأعدل هو الغرض الذي ترمون إليه في حركتكم الوطنية الاقتصادية: جعل مصر مصرية! المعلوم عن مصر أنها بحكم موقعها الجغرافي بلد دولي حتما. فهي بمقتضى ذلك تفتح بابها لكل شعب، وترحب بكل حضارة، وتستسيغ كل صناعة، وكل ثقافة تجد في مغناها ضيافةً وانتشاراً. ولما كان لكل مقام مقال، فان مصر لم تعدم من ينعى عليها موقفها ذاك. والشعراء، الشعراء البررة القساة، كم استوحوا هذا الموضوع فنمَّقوا المراثي يعرضون فيها جيوش المصائب والمحن الضاربة في هذا البلد الأمين، ويشهدون العالمين (باللغة الفصحى!) على ما معناه أن: (مصر بنت طيبة، ولكنها مظلومة قضاء وقدراً)!. . . ولكم بكى الباكون من جراء وقع هذه البلاغات الشعريات (. . . جمع بلاغة شعرية!) وإن لم يبكوا بدموع تُمسح بالمناديل فلا أقل من زفرات ملتهبة تتسرَّب من القلوب المحروبة حيث الشفاه تردد قول الشاعر: (مصر
стр. 1752
بنت طيبة، ولكنها مظلومة قضاء وقدراً!). . .
فتيان مصر، فتيان الحياة الجديدة في مصر! بحركة واحدة قمتم انتم قومة رجل واحد. قمتم لأنكم بحميتكم الأبية، وبشبابكم الحار، وبوفائكم البصير، أدركتم أن سلاسل القضاء والقدر كثيرا ما يحبكها المرء لنفسه، وأن البلاد كثيرا ما يهمل أبناؤها أمرها فيكونون لها ظالمين! أمصر ميدان لشتى الصناعات والثقافات والحضارات؟ إذن لتستفيدوا من كل أولئك. وما كان في نظر المتشائمين موضوع رثاء وحسرة ينقلب بين أيديكم موضوع جذل وأريحية وميدان خير عميم! تأخذون من كل قوم ما عندهم من ابتكار ونظام وتدبير، فتطبقونه على قومكم بمقدار ما يتناسب وحاجاتكم. وما انتم بذلك إلا مماشون سنن التاريخ.
فما من صناعة أو ثقافة أو حضارة إلا اقتبست شيئا مما سبقها أو استلهمت شيئا مما يحيط بها. ما هو الفرق بين مصر وبين غيرها من البلدان القوية؟ أول فرق ظاهر أن البلدان القوية تستهلك ما تنتج، وتدفق على غيرها من الأقطار ما يفيض عن حاجتها، في حين أن مصر تنتج قليلا وتستهلك كثيرا مما يقدمه لها المنتجون. وهذا هو النقص الذي قمتم تعالجون! أو تذكرون قول الاسكندر قبل أن يقدم على فتح الأمصار القريبة والبعيدة؟ قال: (أريد أن أرث عن أبي فيليب بلدا صغيرا فقيرا مرتبكا ليكون لي الفخر بان أجعله بلدا فسيحا غنيا تضرب الأمثال بقوانينه وأنظمته وعظمته) أنتم ورثتم عن آبائكم بلدا عظيما غنيا ما زال في حاجة إلى تنظيم في بعض نواحيه. ولتكونوا فخورين بهذا الوطن وخصائصه، ولتكونوا فخورين بحاجته اليكم، وبما لا يروقكم فيه. ولتكونوا فخورين لأنكم وجدتم في هذا العهد الذي تستطيعون أن تقوموا فيه بالخدم اللاَّحَّة! كذلك تسبرون غور مقدرتكم، ومبلغ تأثيركم، وتعرفون مقدار قيمتكم الأدبية أفرادا وجماعة!
عيدكم عيد الوطن، وعيد نشاط الوطن. صيحوا بأصواتكم الفتية بوجوب توزيع إنتاجه من كل نوع وكل صنف وكل فصيلة، اهتفوا في قومكم أن اجعلوا أثوابكم مصرية، وأثاثات منازلكم مصرية، وزينات حياتكم مصرية، لتهيئوا وسائل العمل والرفاهة لملايين الأيدي المصرية. ردِّدوا أن خذوا عن الآخرين، واقتبسوا، وحصّلوا، على أن تمصِّروا كل ما تحصلون وتقتبسون وتأخذون، فينقلب كل منكم اسكندراً خلاّقاً في بابه!
فتيان مصر، فتيان الوادي الأخضر! عيدكم رأس سنة جديدة، بل هو مطلع عهدٍ جديد! هو
стр. 1753
مطلع العهد الذي تسعون فيه إلى تمصير حاجاتكم. فلا يكفي أن تكون مصر للمصريين، بل يجب أن تكون مصر مصرية!
ولكم الفضل، بلفت البلاد إلى هذا الشأن الخطير. إن لتربة بلادكم هذه خاصَّة سحرية في تحويل كل غريب عنها إلى جزء منها. فكم ذا تصبح هذه الخاصة فعالة إذا ما أنتم عالجتموها بما نراه منكم من ذكاء وإدراك وهمة وحماسة وحيوية! عيشوا تحقيقاً للرجاء الذي يجعل واديكم دائم الخضرة، ويجعل عَلَمَكم دائم الخضرة! ولتعش مصر مصرية!
стр. 1754
كيف نحافظ على وجودنا الاقتصادي؟
للأستاذ محمد فريد وجدي
الثروة للأمم (والثروة الاجتماعية تطلق على النقود المسكوكة وكل ما تثمره الأرض وتنتجه اليد العاملة) كالدم الذي يجري في الجسم الحي. ويوزع على كل عضو بل وكل خلية فيه ما يقيم حياتها ويجعلها صالحة لأداء وظيفتها. والطرق التي تجول فيها هذه الثروة لإعطاء كل فرد نصيبه منها تشبه بالشرايين والأوردة من الجسم الحي. وإذا كان لا حياة لجسم بدون دم، فكذلك لا حياة لأمة بدون ثروة. وإذا كانت صحة ذلك الجسم تتطلب دما كافيا حاصلا على جميع مقوماته البيولوجية. فكذلك الثروة الاجتماعية يجب أن تكون كافية لحاجات المجتمع وحاصلة على العناصر التي تتطلبها حياة الاجتماع. وإذا كانت تستتبع قلة مقدار الدم في الجسم الحي وفساد تركيبه أدواء عضالة من الأنيميا والخلوروز وما يجران إليه من العلل المترتبة عليهما، فكذلك عدم كفاية الثروة الاجتماعية تولد لهيئة المجتمع أدواء من الضعف العام ومن الاضطراب في وظائفه يصبح المجتمع معها عرضة لكل ضروب المتالف فيجمد حيث هو، أو يختل توازنه، أو يعتل وجوده، ويصبح لا يغني عن نفسه شيئا. لهذا السبب قام إزاء أطباء الأجسام في كل أدوار الأمم أطباء للاجتماع تولوا تدبير الثروة العامة بضروب شتى من الوسائل. وأطباء الاجتماع اليوم اكثر تبعات مما كانوا عليه في سالف العصور بسبب تعقد المبادلات بين الأمم، ومزاحمة الأسواق بعضها لبعض، وتشابك الصلات المالية بعضها ببعض، أصبح علم الاقتصاد من أوسع العلوم اختصاصا واشدها تركبا. وها نحن أولاء نسمع جؤار الشعوب تحت كلاكل هذه الأزمة العالمية، ونشهد جهاد الاقتصاديين في علاجها بما لم يتفق مثله للبشر في أي عهد من عهودهم، فإذا كنا لا نعتبر بكل هذا فنتوفر على درس هذه الحالة فيما يختص بنا توفرا يناسب أحوالنا الحاضرة فإننا نجني على أنفسنا جناية نحاسب عليها حسابا عسيرا، ونذوق وبال امرنا منها جزاء موفورا. وأول ما يجب أن ندرسه من مسائلنا الخاصة هو أن نعرف هل ثروتنا العامة التي تثمرها أرضنا وأيدي عمالنا تكفينا الحاجة أم لا؟ وهل هذه الثروة تتوزع على جميع أفرادنا أم لا؟ وهل يتسرب منها شيء إلى الخارج، كان يجب أن يبقى لدينا أم لا؟ هذه المسائل الثلاث يجب أن تشغل كل فرد من أفراد مجتمعنا على السواء، ولا يجوز أن
стр. 1755
تقتصر على الذين يشعرون بالحاجة المعيشية فقط، لأن الضعف والاعتلال اللذين يحيقان بمجتمعنا لا ينحصران في الطبقات المحرومة من الثروة ولكنهما يعمان الكافة، فيكون نصيب أصحاب الأموال أشد مما ينال صغار الناس منهما. أما ترى اليوم ماذا أصاب أصحاب رؤوس الأموال الطائلة من البؤس والإقلال بسبب الأزمة الحاضرة، حتى أن صاحب مئات الفدادين أصبح لا يجد ما يقوت به نفسه. وتعرضت أملاكه للبيوع الجبرية؟ ومنهم من تجرد من جميع ما كان عنده فأصبح معوزا لا يملك شروى نقير ولا يصلح لأي عمل! وما ظنك لو اشتدت وطأة هذه الأزمة أو امتد عهدها سنتين أخريين أو ثلاث سنين اخرى؟ دع مصر جانبا وانظر إلى أعلى الأمم كعبا في الثروة والمدنية، ألم تجد الأحوال فيها شرا مما نحن عليه. ألم توصد عشرات من المصارف أبوابها. ألم تسد منافذ الارتزاق في وجوه الملايين من أبنائها؟ ألم ينضب معين الثروة في خزائن حكوماتها فاضطرت لضرب الضرائب الفادحة على مموليها؟ ألم يتناول الضغط على نفقاتها مرتبات موظفيها فأسقطت نحو الثلث من مرتباتهم ولا تزال تهددهم بتخفيضات جديدة؟ هذه كلها عبر يجب أن نتأمل فيها، وأن نعمل على تلافيها. وإذا كان الأمر من الخطورة عند هذا الحد أفلا يكون أوجب الواجبات أن نحاول ألا يتسرب قرش واحد إلى خارج بلادنا إلا إذا كان في حاجة ماسة، ولضرورة قصوى؟ وهذا ما تفعله كل أمة وتتشدد فيه اليوم شعورا منها بان دولاب الأعمال مادام معطلا وحركة المبادلات بطيئة، وجب ان ينحصر مال الأمة في بلادها حتى لا ينضب معينه فيها فتصاب بأشد ضروب الإعسار ولا كرامة. وما دمنا قد شبهنا ثروة الأمة في مجموعها بدم الحياة للفرد الواحد، فقد ساغ لنا ان نشبه خروج تلك الثروة من بلادها دون أن تستعيض عنها من طريق المبادلات ما يعادلها، بداء النزيف الدموي. فالأمة التي لا تبالي في مثل هذه الأحوال بتسرب ثروتها إلى خارج ديارها، يكون مثلها كمثل فرد أصيب بالنزيف وحكم عليه فوق هذا ألا يستعيض عما يفقده بتناول المواد المعوضة. ولست أستطيع بعد هذا أن احدد تبعة من يتجرأ على تبديد ثروة البلاد خارجها بالتعويل على الواردات الأجنبية التي يجد في بلاده ما يقوم بحاجته منها، قد يكون ما يجده منها في بلاده اقل جودة، أولا يفي بمرامه من كل وجه، فهل يجوز أن يحمله ذلك على الانصراف عنه محولا جزءا من ثروة الأمة إلى ثروة أمة أخرى، في وقت هي أحوج ما
стр. 1756
تكون إلى المعونة والمساعدة، وهل يرضى لنفسه أن يكون فتقا في شرايينها ينزف منه مقدار من دمها هي أحوج ما تكون إليه في ضعفها وقلة حيويتها؟
يخيل إلى أن وطنيا لا يرضى لنفسه أن يكون سببا في هذا الشر المستطير لو وقف على جلية هذا الأمر وأدرك خطورته على أمته وعلى نفسه أيضا. فليحرص كل منا على القيام بواجبه من التعويل على مصنوعات بلاده وترويجها بكل ما أوتيه من قوة، لأننا لا نستطيع أن نحافظ على كيان بلادنا في معمعان هذه الأزمة العالمية الطاحنة إلا بهذه الوسيلة، وهي طوع أرادتنا، ومن مقدورنا، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، والسلام.
الصناعة عنوان الحضارة
للدكتور عبد الرحمن شهبندر
للأمم (معامل) تصنع فيها المصنوعات المعنوية من شرائع وسياسات وأخلاق وعادات كما تصنع فيها المصنوعات المادية من أنسجة وأحذية وألبسة وآلات، ولا تقل هذه دلالة عن تلك على مبلغ أصحاب (المعامل) من الارتقاء العقلي، بل ربما كانت المصنوعات المادية أدق في التعبير عن ذهنية الأمم من المصنوعات المعنوية لأنها محسوسة ملموسة تقبل الموازين، وأما تلك فهي أوضاع ومقاييسها معنوية مثلها.
ولكل عصر من العصور طابع خاص بالصناعة التي راجت فيهو فعصر الفروسية مثلا_وهو من أقرب العصور التي عرفناها امتاز بصنع اللجم والركب والسروج كما امتاز بصنع المحركات للسيارات والطيارات وآلات الزراعة، وقد أحب الفرسان الخيل والعدو على ظهورها وعقدوا بناصيتها الخير فتفننوا في الأدوات التي تلازم ركوبها وأما نحن فقد فتنا بالسرعة واستخراج أعظم محصول بأقل مجهود فبرعنا في عمل (الموتورات). نحن في الشرق من أسبق الأمم إلى عمل المصنوعات بالمعنيين المتقدمين، لكننا تراجعنا فيهما كليهما، فحلقات الدروس وما يجري فيها من بحث عن موضوعات عقيمة سخيفة بالية وهي لا تقاس بما كان عليه السلف في العصر العربي الذهبي، تدل على هذا التراجع كما تدل عليه المصنوعات الهزيلة الخالية من المتانة والذوق والمعروضة في الأسواق والحوانيت. وزيارة واحدة لمكتبة من المكاتب الكبرى فى دمشق أو بغداد أو القاهرة وتقليب صفحات
стр. 1757
من بضعة كتب من الكتب المصفوفة على رفوفها هي مثل زيارة لمتحف من متاحفها وإلقاء نظرة على ما يعرض فيه من النفائس فيها المقنع الكافي على صحة ما قلنا.
وقد دخلنا الآن في دور النهضة ويلوح لي إننا سبقنا إلى مباشرة المصنوعات المعنوية ولكننا من حسن الحظ أخذنا أخيراً في مباشرة المصنوعات المادية أيضا كما تشهد المعامل والمصانع الحديثة المنصوبة في هذا القطر السعيد وما جاوره من الأقطار العربية الشقيقة. ولا اعرف حافزا دفع الأمم الأخذ بالصنائع مثل الحرب العامة. فقد كان من نتائج الحصار الذي عانته الشعوب في غضونها وانقطاع أسباب المواصلات بينها أن التجأ بعضها إلى مصنوعات تكاد تكون من عمل القرون الخالية، ولا أزال أذكر كيف أن انقطاع الثقاب والنفط (الكاز) عن سورية مثلا في سني الحرب العالمية عاد بالاهلين إلى استعمال القداحة وسراج زيت الزيتون، وكان هذا الحافز أشد ظهورا في الحاجات والأدوات يتوقف عليها تسيير دفة القتال كما هو ظاهر من إخفاق روسيا العزلاء في هجومها المتكرر على ألمانيا والنمسا وتركيا وخروجها من الحرب أخيرا على تلك الحالة المزرية منكسة الأعلام. لا جرم أن الأمم التي شعرت يومئذ بنقص مصنوعاتها وتعلقها على غيرها من الأمم وارتباطها بها اقتنعت بعد هذه الدروس الخطرة المملؤة بالكوارث أن لابد لها من الاستقلال الصناعي وهو لا يقل شأنا عن الاستقلال السياسي، بل لا يتم هذا بالمعنى الصحيح من غير ان يتحقق ذاك. لان الأمة التي تنتظر غيرها أن يعمل لها البنادق والمدافع للدفاع عن حوزتها هي أمة غير مستقلة في أهم شؤونها. وزاد الشعور بهذه الحاجة تلك الوطنية الاقتصادية الحديثة التي تحاول أن تصدر كل شيء وألا تستورد شيئا، وما هذه الحواجز الجمركية القائمة بين الشعوب إلا عنوان هذه الوطنية الصارمة، ويكون جزاء الأمة المتساهلة في هذا الباب إغراق أسواقها بمصنوعات غيرها واختناقها بمصنوعاتها، وعرفت إنكلترا من بين سائر الأمم بالميل في تجارتها إلى (الباب المفتوح) ولكن حوادث الزمن أرغمتها على إغلاقه كما علمت غيرها أن تكون متشددة، وما لم يقم التفاهم مقام التنازع، وهذا مستبعد في الأحوال الحاضرة، فان هذه الحواجز ستشتد وتقوى. إن نهضة مصر الصناعية هي مثل النهضة الصناعية في الأقطار العربية الشقيقة تدل على تغير جوهري في الذهنية العامة وشعور بالحاجة إلى الاستقلال والاعتماد على النفس، وهذا هو
стр. 1758
ركن عظيم من أركان الانقلاب السياسي المنشود، لان الحاجة تفتق الذهن وهي أم الاختراع.
стр. 1759
البعث
للأستاذ توفيق الحكيم
حوريس: انهض، انهض يا أوزيريس!
أنا ولدك حوريس. . .
جئت أعيد إليك الحياة،
جئت أجمع عظامك.
واربط عضلاتك،
وأصل أعضائك. . .
أنا حوريس الذي يكون أباه.
حوريس يعطيك عيونا لترى،
وآذانا لتسمع، وأقداما لتسير،
وأيادي لتعمل. . .
ها هي أعضاءك صحيحة،
وجسدك ينمو،
ودماؤك تدب في عروقك.
إن لك دائما قلبك الحقيقي،
قلبك الماضي!
الميت: إني حي، إني حي!
(كتاب الموتى)
وحوريس ليس إلا الشباب، يعيد الحياة إلى ماضيه الميت. نعم هو الشباب الذي يكون أباه الوطن. وقد أعطاه بالفعل عيونا يرى بها غابره العظيم في حريته، وحاضره الذليل في قيود الغرباء، وآذاناً يسمع بها ضحكات السخرية من أفواه الجبناء الذين جاءوا يستغلون رقاده ويستلبون خيراته. كما أعطاه أقداما يسير بها كي يثبت لهم أنه حي، وأيدياً يعمل بها على تشييد الصرح المهدوم. إن أعضاء الوطن صحيحة لم ينقص منها عضو. وهاهو ذا جسده يتحرك وينمو، والدم يجري في شرايينه. والشباب على رأسه يصيح: (إن لك دائما
стр. 1760
قلبك الحقيقي. . قلبك الماضي!. .) ويخيل إلى أنى أسمع الوطن من كل جانب يلبى النداء ويجيب الشباب الأبناء: (إني حي، إني حي!)
إني دائما أومن بان مصر لا يمكن أن تموت. لأن مصر منذ الأزل ظلت تعمل وتكد آلاف السنين لهدف واحد: مكافحة الموت. ولقد فازت مصر ببغيتها. وكلما ظن الموت أنه انتصر. قام حوريس من أبنائها يصيح: (انهض، انهض أيها الوطن! إن لك قلبك الحقيقي دائما. . قلبك الماضي) وإذا الموت يتراجع أمام صوت داو من أعماق الوطن: (إني حي، إني حي!) لست أعجب الآن لصيحات الشباب ومشروعات الشباب، فهي صيحات حوريس يوقظ أباه. إنما عجبي لأدراك الشباب أن أقوى مظاهر اليقظة هي: النهضة الاقتصادية: هي الدماء السخية التي تجري في جسد مصر قانية قوية. مرحى للشباب! هذا الابن الحق. لقد فهم سر الحياة، كما فهمها حوريس. وبارك الله في عيد الوطن الاقتصادي، فهو اليوم الذي سيردد فيه الوطن، وهو ناهض على قدميه. . وهو ملوح بيديه، صوته الخالد: (إني حي، إني حي!)
стр. 1761
حركات الشباب
للأستاذ سلامة موسى
ربما كانت أولى حركات الشباب في هذا القرن حركة الفتيان الكشافة التي ذاعت بين جميع الأمم. وقد تناولت الصبيان إلى سن الشباب وملأت حياتهم صحة أجسامهم وخدمة لبلادهم وثقافة فيما يتصل بحياة الخلاء والتجوال. ثم ظهرت حركة أخرى بين الشباب هي الحركة الفاشية وقد اتخذت منذ بدايتها لونا سياسيا وطنيا. واستطاعت هذه الحركة، على الرغم من عيوب فيها، أن تقوم بالمعجزات في إيطاليا لرفعة الوطن. وظهرت منذ نحو ست سنوات حركة الفتيان الجوالة، وكان منشأها في ألمانيا حيث يخرج الفتى ومعه القليل من الملابس فيجول في أنحاء ألمانيا ويقضي الليل في مأوى ريفي صغير لا يكلفه نوما وفطور اكثر من خمسة قروش. وما يزال في هذا التجوال يزور المدن والقرى والجبال والسهول بضعة اشهر يرى فيها أنحاء ألمانيا فيعرف بلاده معرفة الخبير الذي عاين احسن ما فيها ويحبها لذلك اكثر ويزداد أمانة في خدمتها. وقد فشت عندنا نحن في السنوات الثلاث الماضية حركة أخرى بين الشباب انطبعت بطابع الحاجات الاقتصادية. فقد رأينا أننا مغبونون أمام الأجانب، في التجارة والصناعة، وأننا من الفاقة بحيث أصبح مزارعونا مثقلين بالديون، وان البلاد كلها تعيش بالزراعة وتكاد تجهل الصناعة. وكان شعورنا بالوطنية الاقتصادية ضعيفا، حتى أننا في إحدى السنوات القريبة الماضية اشترينا من الأطعمة ما بلغ ثمنه سبعة ملايين من الجنيهات، وهذا في بلاد زراعية كان عليها على الأقل أن تكفي نفسها طعاما إن لم تصدر ما يفيض منه إلى الخارج. لذلك ما كادت الصيحة إلى إيثار المصري على الأجنبي تعلن إلى الشباب حتى أخذها هؤلاء وجعلوا منها شعلة لن تنطفئ. فرأينا جمعية المصري للمصري ثم مشروع القرش ثم جمعية الاستقلال الاقتصادي ثم مشروع القرش ثم يوم عيد الوطن الاقتصادي. وهذا التنبيه العام إلى الصناعة والتجارة المصريتين يعزى الفضل فيه إلى شبابنا. هؤلاء الشباب الذين يجب على كل منهم أن يكون رقيبا على ثروة البلاد، يراقب نفسه أولا لا يأكل هو نفسه سوى الأطعمة المصرية، ولا يلبس سوى الأقمشة المصرية، ولا يؤثث بيته إلا بالأثاث المصري. وقد نحتاج إلى بعض البضائع الأجنبية ولكن يجب علينا عندئذ ألا نشتريها إلا من التاجر المصري، ثم بعد ذلك يراقب
стр. 1762
غيره حتى يكون داعية للصناعة المصرية فينصح لأصدقائه ويطلب من زعمائه أن يتخذوا الملابس المصرية.
وعيد الوطن الاقتصادي هو يوم نخصه للدعاية. ولسنا نعتقد أن في البلاد خصما واحدا لهذه الدعاية التي يقوم بها شبابنا لكن يكسبونا كرامة اقتصادية ما أعظم حاجتنا إليها في هذه الأيام السود التي تباع ممتلكات الفلاح فيها بيع السماح بل بيع الجبر في سوق الدلالة.
بين الشرق والغرب
لسكرتير لجنة الدعاية
قرأت لزميل نقدا ممضا مريض الحجة ينصب على الجامعة في غير روية ولا أناة. فما التقيت به حتى أخذت في لومه والعتب عليه مستكثرا منه أن يطعن في معهد يظله ويحتويه. فبرم بموقفي من نقده، واستشاط حماسة وانطلق يقول: إن القلم الذي لا يستطيع أن ينجو بالحقيقة من ضيق العواطف، ويكفل لها ساحة رحبة النطاق، واسعة الأفق، لهو قلم كليل قصير الأجل لا ينتظر له خلود. . واليوم الذي ترى فيه الجامعة طلابها وقد ملأتهم الجرأة في سبيل الحق. وسكن في قلوبهم استقلال الرأي، لهو اليوم الذي يؤمن فيه الناس بأن الجامعة قد أدت رسالتها على اكمل وجه وأتم صورة. . وانطلق الزميل
في بسط فكرته تحت تأثير عاطفة قوية وميل جامح. .! فقلت له ان الجامعة موطن علمك ومعين ثقافتك. فمن حقها عليك ان تتولى الذود عنها إن حاق بها اعتداء أو أصابها ضر. فان قعدت عن حمايتها فلا أقل من أن تحجم عن الاشتراك في هدمها. وتتورع عن المساهمة في طعنها والحط من شأنها. ولو صح استقصاؤك لما فيها من سوءات لما جاز لك ان تعلنه على هذه الصورة القبيحة المزرية التي تخفيها تحت ستار حرية الفكر، واستقلال الرأي. . وما إلى ذلك من ألفاظ لها قداستها التي خفيت عنك حدودها. وتوارت عن بصيرتك معالمها. وقداسة الحقيقة يا صاحبي لم تطلب إليك استقصاء السوءات والتغافل عن الحسنات. ولكن الزميل كان في ثورة حماسه لا يملك إلا الإيمان بفكرته وتسفيه ما يذهب إليه خصومه، فطال بيننا الجدال على غير جدوى. وفي الأسبوع نفسه قدر لي أن أستمع إلى مؤرخ إنجليزي عالمي يحاضر في مواقف مرت بوطنه فيلتمس له
стр. 1763
الأعذار في (حرق جان دارك) ونفي نابليون. .!! هذه هي الهوة التي تفصل بين منطق الكثيرين من علماء الغرب الأفذاذ. وذهنية أكثر الناشئين من شباب الشرق المغبون_هوة تعيش فيها آمال عرجاء. وتحيا في ظلامها مطامح جرباء، هناك قد (يخلقون المناسبات) ليملأها دفاعا عن وطنهم. وذودا عن حرمته. وإشادة بمفاخره. بل ربما لا (يتورع) العالم عن أن يتخذ العلم أداة يسخرها لخدمة مأربه القومي وقضاء شهوته الوطنية.!! وهنا يخلق بعض (شباننا) المناسبات ليتناولوا فيها أنفسهم ووطنهم ومعاهد علمهم بالطعن والتجريح.!! وهذا الفرق (فيما أرى) من أعظم العناصر التي تميز بين عظمة الغرب الفتية. . وحالة الشرق المريضة. لهذا ينبغي أن يطرب المصريون لهذه الثورة القومية الوديعة التي يقوم بها شباب عيد الوطن الاقتصادي. لأنها تعالج النقص الذي تنطوي عليه نفوسنا.
(ت. الطويل) كلية الآداب
стр. 1764
نشيد
في عيد الوطن الاقتصادي
وطن دعانا فاستجبنا … وبكم بني مصر أهبنا
جد النزيل وقد لعبنا … وبكل ميدان غلبنا
وطغى الدخيل على الأصيل
آبائكم سادوا وشادوا … وعن الحمى درءوا وذادوا
زرعوا وفاتكم الحصاد! … وونت عن الثمر البلاد!!
وجنى المغلب والنزيل!
في الحق صيحات الشباب: … لا ننثني حتى تجاب
ولسوف نكتسح الصعاب … إن سد باب دق باب
ولدى سوانا المستحيل
جولوا بوادي النيل جولة … وامضوا لمصر أو المحله
فهناك للصناع دولة … وهناك تلتمس الأدلة
هناك مجدكم الأثيل
المال في يدكم أمانة … من مصر كدستم جمانة
أنسر إذ تبكي الكنانة … ونظل لا نولي إعانة
ونقر بالبلد الذليل؟؟
إنا دعائم الاقتصاد … ودعاة مصر إلى الجهاد،
ندعوا إلى العمل البلاد … ما دون غايتنا ارتداد
وإلى الأمام لنا السبيل!
الزقازيق. إبراهيم مأمون
стр. 1765
نداء اللجنة التنفيذية
للأستاذ عبد الله فكري أباظة. رئيس اللجنة التنفيذية
بنى وطني!
عزم ثابت لا ونية فيه، وحزم نافذ لا رجعة فيه لرأي بعد إقراره. ذلك حال الشباب الذي أخذ على نفسه أن يحيي للوطن عيدا يقيم فيه مهرجانا، يخرج منه موكب، يجمع صناعاتنا المصرية لتستلهموا من رؤيتها العبر. فبلادنا اليوم في عسر شديد. . خرج بها اليأس عن أن يجد بنوها حتى من الدمع عزاء. . ولا من نضال الحياة جزاء. . إلا أن الله القدير جعل لكل عسر يسراً. ولكل ضيق سهلا، وخلق العزائم على قدر المصاعب. سينطلق في أيام العيد الثلاث حضرات المتطوعات والمتطوعين من أبناء مصر يحملون ما تيسر حمله من صناعة بلادهم، يدعون إليها ويفاخرون بها، فيدلونكم بذلك على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. . وسيوزعون عليكم دليلا إحصائيا يحوي أسماء المتاجر والمصانع الوطنية، يكون بين أيديكم هدى ومنارا، وقد أخذت صناعة مصر وتجارتها تحبو تبتغي النهوض بعد أن طال بها الرقاد لتستعيد سيرتها الأولى. أيها المصريون:
قد اجتمع لوطنكم من الخيرات ما تستحقون من أجله الغبطة والحسد. ولكن الأزمة تحيط بكم والضيق يكتنفكم والفافة تتمشى في بيوتكم، ولا يفوتكم أن الصناعة والتجارة في دورها الاول يهددها البلاء ويرقبها الفناء. إن لم تجد من العون والتعضيد ما يزيدها أملا على النهوض ويبعث إلى روحها القوة والرجاء.
إن يوم العيد بمثابة الناقوس يعلن المخلصين ببدء الجهاد الاقتصادي، ليقبلوا على صناعة البلاد ومنتجاتها، مستعذبين مستمرئين كل جهد وعناء. أيها المواطنون: إن مضمار الوطنية يوم العيد. ومن بعده سباق، فاصبروا في ميدان المصرية صبرا جميلا، واعملوا عملا حثيثا، فيوم العيد يراه القانطون بعيدا، ويراه المؤمنون المثابرون قريبا. .
стр. 1766
رسالة المشروع دين المصرية
لسكرتير المشروع
حق أن يدعو عيد الوطن الاقتصادي إلى صناعة مصر وتجارتها، فليس أسمى من دعوة تحمل في طياتها كل ألوان الخير لبلد تتعاون عليه كل أساليب الشر، وحق أن ينشد هذا الغرض ويسعى إلى هذه الغاية بان ينظم لنا عيدا كل عام. وأن يصدر دليلا بأسماء متاجرنا ومصانعنا الوطنية القمينة بتشجيعنا، الجديرة بعطفنا وإيثارنا، وان يقيم مهرجانا صناعيا، تنصب فيه أسواق الصناعة المصرية، وتسعى فيه مواكب الدعاية للصناعة المصرية، ويفسح فيه للقومية المصرية. وحق ان يدعو الشباب المتطوع من جنود الفكرة الأمجاد إلى أن يبدءوا بأنفسهم في إعزاز صناعة بلدهم، فيلبسوا من قطن مصر الخالص لباسا هو رداء الشرف بعينه: بدلة رمادية وأقمشة صافية الزرقة، لا تقتضي اللابس أكثر من قروش معدودات تعلن عن متانة الصناعة المصرية ورخصها، وتفيض على صاحبها راحة في الضمير، وتسكب في قلبه هدوء الاطمئنان إلى أداء الواجب. حق كل هذا، ولكن أي أثر يكون من وراء هذا كله؟ أيقف الأمر عند تشجيع صناعتنا والدعوة إليها؟ رسالة عيد الوطن الاقتصادي اعمق أثرا، وأرحب أفقا، وأوسع مجالا، وما هذا إلا مظهر لما تسعى إليه، إنها تبغي أن تبشر في الناس بدين المصرية الكريمة، وتحملهم على الإيمان بها والاعتقاد فيها، تبغي أن يعيش المصري عزيزا في مصره، فخورا بها، هاتفا لها في كل لحظة وفي كل آن، ولو تضافر عليه باطل هذا الوجود كله يريد أن يسد الفم ويقطع على الصيحة سبيل الانطلاق. . إنها تبغي أن تمكن لمصر من عناصر السيادة والسلطان، بعد أن طال بها القعود على المذلة والسكون إلى الهوان. . . يريد عيد الوطن الاقتصادى، أيها الشبان، أن يتعجل اليوم المشرق السعيد الذي يجب أن تعيش فيه مصر للمصريين. .
علي عبد العظيم. كلية الحقوق
الدعوة إلى الصناعة المصرية
وسائلنا في سبيل ترويجها
للأستاذ جلال حسين وكيل اللجنة التنفيذية
стр. 1767
ان اشد ما تشكو منه الصناعة المصرية في الوقت الحاضر روح الانصراف عنها البادية من جانب أبناء الوطن نفسه، وإذا كانت الصناعة المصرية تريد لنفسها حياة فإنما تطلبها من أبناء مصر أنفسهم فانهم أهلها وعدتها. والواقع ان الجيل الحاضر ورث عن الجيل الماضي روح الاستخفاف بصناعة مصر، فقد علق بالنفوس في القرن الأخير أننا أمة لا تجيد الصناعة، فتحولنا عن شرقيتنا ومصريتنا إلى تقليد الأوربيين، وتعاقبت السنوات ونحن عن مصلحة مصر للاقتصادية ساهون، وعن الإيمان بنجاحها الصناعي غافلون. ولقد قامت في مصر صناعات ونمت، ونشأت مصانع وتقدمت ثم أقيمت المعارض فثبت فعلا خطأ الفكرة القديمة وهي استحالة قيام الصناعة في مصر. وقد أيد الواقع الملموس أن في مصر صناعات، وأنه يمكن أن تنشأ صناعات أخرى وتزهو وتزدهر، ومع ذلك كله لا تزال الفكرة القديمة عالقة بالأذهان، ولا يزال الكثيرون منصرفين عن تعضيد منتجات البلاد، بل منهم من لا يزال يتشكك بوجود صناعات بمصر. ولو أن كل مصري ومصرية آمن بوجوب الإقبال على صناعات وطنه، ولو أنه أصر في كل مكان على طلب منتجات بلاده،
لكان هذا الطلب المستمر مدعاة لا حياء صناعات ميتة، وإقامة صناعات جديدة، وتقوية مصانع لا تزال بسبب الإهمال ضعيفة. ونحن إذ ندعو للصناعة المصرية لا ندعى أننا بلغنا فيها الكمال وإنما نشعر بأننا لا نزال في أول الطريق، وان المسير ليس سهلا، وإن المهمة شاقة، ولكن هذا كله هو الذي يدعو إلى مضاعفة الجهود. ولا سبيل للنجاح الصناعي إذا لم نقبل على الموجود بين أيدينا ونغضي عن عيوبه عاملين على إصلاحها حتى نصل إلى المجد الذي ننشده. فإذا كان هذا هو أشد ما تشكو منه الصناعات المصرية فأول واجبنا وما نسعى إليه محاربة هذه الفكرة السيئة بكل ما أوتينا من وسائل، وها نحن أولاء ننشر الدعوة (١) عن طريق الصحافة التي نذكر لها الفضل الأكبر في مؤازرتنا (٢) عن طريق نشرات خاصة نوزعها في كل مكان (٣) بواسطة الإذاعة اللاسلكية وقد وجدنا في محطات الإذاعة المصرية عضدا كبيرا. وكل ما ننشده أن نصل إلى أكبر عدد من أبناء مصر المتطوعين يتألف منهم جيش الوطن الاقتصادي. فنحن نبث الدعوة للتطوع في المشروع، ولا يكلف التطوع صاحبه شيئا ماديا قط. ولكننا نطلب إليه أن يعتنق هذه الفكرة
стр. 1768
وأن يعطينا موثقا من الله أن يؤثر منتجات البلاد بالتفضيل ما استطاع إلى ذلك سبيلا. وهؤلاء المتطوعون هم الذين يدعون إلى الفكرة في كل مكان، وكلما زاد عدد لمتطوعين زدنا أيمانا برسوخ فكرتنا وثباتها، ومن اجل هذا نطالب كل من يفكر في مصلحة مصر أن يمد يده إلينا، وأن يبادر بالتطوع في المشروع ويد الله مع الجماعة. وقد سمعنا هنا وهناك سؤالا يتردد على شفاه الكثيرين: أين نجد تلك الصناعة المصرية؟ فأن المصانع المصرية لم تؤت إلى الآن من الوسائل ما يساعدها على الإعلان. لذلك استقر عزمنا على أن نصدر دليلا سنويا بأسماء المتاجر والمصانع القائمة في أرض مصر يكون هاديا ومرشدا وسيوزعه المتطوعون بأقل ما يمكن من ثمن حتى يكون في متناول كل يد. وقد سألنا أرباب الصناعات المصرية أن يسهلوا علينا مهمتنا فيتصلوا بنا حتى يأتي الدليل وافيا بالغرض الذي نرمي إليه. فإذا ما تجمعت تلك العناصر جميعا كان يوم العيد. وفي العيد يقام مهرجان عظيم يدعو للصناعة المصرية يشترك فيه من تساعده ظروفه من أصحاب المصانع، ويقوم جيش المتطوعين مرتدين رداء الشرف من القماش المصري بتوزيع الدليل في كل مكان. هذه وسائلنا نعلنها للبلاد مؤملين أن نسير فيها على بركة الله لخدمة هذا القطر وصناعته، راجين أن نشق السبيل لتمصير ثروة هذه البلاد حتى تصبح مصر للمصريين.
جلال حسين
стр. 1769
مطالعات في التصوف
عوارف المعارف. معرفة النفس
وأنت إذا أردت ان تقف لمؤلف عوارف المعارف على رأي خاص في مسألة الروح وجدت أنه لا يستطيع أن يقطع برأي في ذلك إذ هو يرى نفسه إزاء أقوال متناقضة ومذاهب متضاربة لا يكاد الإنسان يأخذ بأحدها حتى يأتي الآخر فينسخ الأول ويزعزع رأيه فيه. ومن هنا كان مؤلفنا أميل ما يكون إلى الإمساك عن القطع برأي في هذه المعضلة. عرض المؤلف بعد ما قدمت لك لمسألة الروح الإنساني وغيره من أنواع الأرواح. وموجز قوله في هذا الصدد هو أن الروح الإنساني العلوي من عالم الأمر. والروح الحيواني البشري من عالم الخلق. وهذا الروح البشري هو محل الروح العلوي ومورده. وهو جسماني لطيف حامل لقوة الحس والحركة. وانه لينبعث من القلب الذي هو عبارة عن هذه المضغة اللحمية الموجودة في الجانب الأيسر من الجسد وينتشر في تجاويف العروق الضوارب، وهذا الروح موجود لدى سائر الحيوانات تفيض منه قوى الحواس، ولورود الروح الإنساني العلوي على هذا الروح الحيواني تجنس الروح الإنساني وباين أرواح الحيوانات الأخرى واكتسب صفة أخرى فصار نفسا محلا للنطق والإلهام. ومن هنا نلاحظ أن النفس الإنسانية تكونت من سكون الروح الإنساني العلوي إلى الروح الحيواني، مثلها في هذا السكون كمثل سكون آدم إلى حواء بحيث نشأ بينهما التآلف والتعاشق.
ومسألة أخرى من تلك المسائل الفلسفية والنفسية حدثنا عنها المؤلف في هذا الباب، واعني بها مسألة العقل ومركزه وآراء الناس في هذا المركز. والناس يختلفون في مركز العقل كما يختلفون في غير العقل من الملكات الباطنية. فمن قائل بأن مركز العقل الدماغ. ومن قائل آخر بأنه القلب. ولعل اختلافهم هذا راجع إلى عدم استقرار العقل وبقائه على نسق واحد. فهو ينجذب إلى البار تارة وإلى العاق تارة أخرى. ورد في أخبار داود ﵇ أنه سأل ابنه سليمان: أي موضع للعقل منك؟ قال: القلب لأنه قالب الروح. والروح قالب الحياة. وقال أبو سعيد القرشي: الروح روحان: روح الحياة، وروح الممات. فإذا اجتمعا عقل الجسم. وروح الممات هي التي إذا خرجت من الجسد صار الحي ميتا. وروح الحياة هي ما به مجاري الأنفاس وقوة الأكل والشرب وغيرهما. وقال بعضهم (الروح نسيم طيب
стр. 1770
يكون به الحياة. والنفس ريح حلوة تكون منها الحركات المذمومة والشهوات). ويعمد المؤلف بعد هذا كله إلى الموازنة بين الروح والنفس بحيث يبين لنا من خلال بعض الأقوال، الأخلاق والصفات التي تصدر عن كل من الروح والنفس. فقد قيل أن النفس لطيفة مودعة في القلب منها الأخلاق والصفات المذمومة. على حين أن الروح لطيفة مودعة في القلب منها الأخلاق والصفات المحمودة. ومثل النفس والروح فيما يصدر عن الأولى من أخلاق وصفات مذمومة وما يصدر عن الثانية من أخلاق وصفات محمودة كمثل الحواس في أن العين للبصر والإذن للسمع. الخ. وترجع أخلاق النفس وصفاتها جميعا إلى أصلين، أحدهما الطيش والآخر الشره. وقد نشأ طيش النفس من جهلها ونشأ شرهها من حرصها. ومثل النفس في طيشها كمثل كرة مستديرة على مكان أملس لا تكاد تستقر أو تثبت ولكنها على العكس دائمة الاضطراب والحركة. ومثلها في شرهها كمثل الفراش الذي يساور المصباح فلا يقنع منه بالضوء اليسير ولكنه يلقي بنفسه عليه ليغمره ضوء هذا المصباح حيث يلقي حتفه. ومن الطيش نشأت العجلة وقلة الصبر. ومن الشره نشأ الحرص والطمع وهما هذان الخلقان اللذان ظهرا في آدم حين طمع في الخلود فحرص على أكل الشجرة. وأنت إذا أنعمت النظر فيما يذكر مؤلف عوارف المعارف عن الشره واتخاذه أصلا من الأصلين اللذين تصدر عنهما أخلاق النفس رأيت أن في كلامه تناقضا. وبعبارة أخرى دورا كما يقول المناطقة. فهو يقول أن شره النفس ناشئ من حرصها ثم يعود بعد هذا فيقول أن الحرص والطمع خلقانينشآن عن الشره. وإذن فالشره في بادئ الأمر نتيجة للحرص، ثم هو في آخره مبدأ له. وعلى هذا يكون الدور ظاهر. ومهما يكن من شئ فان النفس على كل حال مصدر للأخلاق المذمومة. فمن عرف أصولها وطبيعتها، وتبين أخلاقها وجبلتها، عرف أن لا قدرة له على كبح جماحها ومغالبة أهوائها وشهواتها إلا بالاستعانة في ذلك كله بباريها وفاطرها.
ولا يتحقق العبد بالإنسانية، إلا إذا دبر في نفسه دواعي الحيوانية وذلك بالعلم والعدل وبمراعاة طرفي الإفراط والتفريط، فبهذا تقوى إنسانيته وتنقى نفسيته ويدرك من نفسه صفات الأخلاق المذمومة بحيث ينتهي إلى كمال إنسانيته.
تعال ولنمض الآن إلى أوصاف النفس. فقد ذكر مؤلفنا أن الله وصف النفس في كتابه
стр. 1771
العزيز بأوصاف ثلاث: فوصفها بأنها مطمئنة فقال: (يا أيها النفس المطمئنة) وبأنها لوامة فقال: (لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة). وأخيرا بأنها أمارة بالسوء فقال: (إن النفس لأمارة بالسوء) وهذه النفس التي وصفت بأوصاف متباينة واحدة. فإذا امتلأ القلب سكينة ألبس النفس ثوب الطمأنينة لأن السكينة تزيد في الأيمان. وفي هذه الطمأنينة يرقى القلب إلى محل الروح لما منح من حظ اليقين. وحين يتجه القلب إلى محل الروح تتجه النفس إلى محل القلب. وهي في هذا تصيب من الطمأنينة حظا. وإذن فأنت ترى أن النفس والروح يتطاردان بحيث يملك القلب دواعي النفس تارة، ودواعي الروح تارة أخرى، كما ترى أيضا أن الملكات الباطنية عند الصوفية هي الروح والقلب والنفس. وانهم ليضيفون إليها ملكة رابعة اختلفوا في شأنها كما اختلفوا في غيرها. هذه الملكة هي (السر) ويذكر مؤلف عوارف المعارف شيئا عن هذا الاختلاف في أمر السر فيقول إن من الصوفية من جعله بعد القلب وقبل الروح. ومنهم من جعله بعد الروح وأعلى منها وألطف. ولقد
قالوا إن السر محل المشاهدة، والروح محل المحبة، والقلب محل المعرفة. ولابد من أن نلاحظ أن السر لم يرد ذكره في القرآن وإنما ورد ذكر الروح والنفس والقلب والفؤاد والعقل. ويرى مؤلف عوارف المعارف انه لما لم يذكر هذا السر في القرآن، ولما أختلف الصوفية فيه هذا الاختلاف فهو لاوجود له وجودا مستقلا في ذاته بحيث يكون ملكة خاصة كالروح أو النفس. وإنما هو وصف زائد تكتسبه الروح حينا، والقلب حينا آخر عندما يتطلع كل منهما إلى مواطن القرب. إذن فليس السر شيئا آخر غير الروح، مكتسبة وصفا زائدا على أوصافها، أو غير قلب مكتسب وصفا زائدا على أوصافه. ولابد من أن نذكر شيئا عن العقل. فهو كما يقول مؤلفنا - لسان الروح وترجمان البصيرة، والبصيرة للروح بمثابة القلب، والعقل بمثابة اللسان. ولقد شرف الله العقل في حديث قدسي خاطبه فيه بقوله: (. . وعزتي وجلالي، وعظمتي وكبريائي، وسلطاني وجبروتي. ما خلقت خلقا أحب إلى منك ولا أكرم علي منك. بك اعرف وبك احمد وبك أطاع وبك أغنى وبك آخذ وإياك أعاتب ولك الثواب وعليك العقاب. وما أكرمتك بشيء أفضل من الصبر.) واختلف الناس في ماهية العقل. ففريق يرى انه من العلوم. فمن خلا من جميع العلوم لا يوصف بالعقل. وليس العقل كل العلوم إذ أن الخالي من أغلبها متصف بالعقل. وليس العقل من
стр. 1772
العلوم النظرية.
فمن شرط ابتداء النظر تقدم كمال العقل. وإذن فهو من العلوم الضرورية وليس جميعها. فصاحب الحواس المختلطة عاقل على الرغم من أنه فقد بعض مدارك العلوم الضرورية. وفريق آخر يذهب إلى أن العقل صفة يتهيأ بها درك العلوم كما قال المحاسبي انه غريزة يتهيأ بها درك هذه العلوم. ويقول بعضهم أن العقل عقلان: عقل للهداية مسكنه القلب وهو للمؤمنين الموقنين. وعقل مركزه الدماغ: يدير الأول أمر الآخرة ويدير الثاني أمر الدنيا. ولكنه على كل حال عقل واحد. تلك خلاصة هذا الباب الخصب من كتاب عوارف المعارف ولست أشك في أنك توافقني على ما امتاز به من البحث الدقيق والفكر العميق والجمع بين التصوف وما وراء الطبيعة وعلم النفس جمعا يظهرك على ما بين هذه العلوم من صلة وثيقة تكفي لأن تبين لك ما للتصوف من مكانة فلسفية وقيمة نفسية بين العلوم التي أنتجها الفكر الإسلامي.
محمد مصطفى حلمي. ماجستير في الآداب
стр. 1773
نداء إلى أدباء العرب
الاحتفال بمرور ألف عام على وفاة شاعر العربية الأكبر أبي
الطيب احمد المتنبي
قتل أبو الطيب المتنبي في رمضان سنة ٣٥٤ للهجرة وفي رمضان سنة ١٣٥٤ أي بعد سنتين وشهرين يمر ألف عام على وفاة شاعرنا العظيم. إن مرور عشرة قرون على وفاة أديب كبير لحادث ذو شان في تاريخ الأدب. وإني أناشد الأدباء في البلدان العربية أن يفكروا في إقامة مهرجان عظيم تشترك فيه وفود تمثل الأقطار العربية الشقيقة احتفالا بذكرى شاعرنا الخالد. وإني أرجو أن يترك أمر تأليف لجنة الاحتفال للمجمع العلمي العربي في دمشق أو للمجمع العربي الذي أنشأه جلالة فؤاد الاول ملك مصر أو لهيئة جديدة تمثل فيها جميع الأقطار العربية.
بيروت
فلسفة ليبنتز
١٦٤٦_١٧١٦
للأستاذ زكي نجيب محمود
١. نظرية ذرات القوة ٢. التآلف الأزلي ٣. نظرية المعرفة ٤. الله والعالم
التآلف الأزلي
ولكن إذا كانت هذه الذرات القوية التي يتألف منها الكون بأسره عبارة عن عوالم صغيرة مستقلة، لا يؤثر بعضها في بعض، فماذا عسى أن تكون الرابطة بينها؟ وبماذا نعلل هذا النظام الدقيق الذي يشتمل الوجود؟ يجيب ليبنتز على ذلك بأنه قانون التآلف الأزلي. فقد ركبت تلك الذرات بادئ ذي بدء بحيث تسير الواحدة موازية للأخرى. وعلى الرغم من تفرقها وانفصالها، فهي تعمل جميعا في توافق دقيق، حتى لتبدو كأن بعضها يعتمد على بعض. أليست تسير طوع إرادة إلهية عليا؟ إذن فهي تسير في نظام واتساق لا تناقض
стр. 1774
فيهما ولا اضطراب. يقول ليبنتز إن هذا التوفيق بين استقلال الذرات واتساقها في نظام واحد أشبه شيء بجوقة من رجال الموسيقى. كل يقوم بدوره مستقلا، وقد أجلسوا بحيث لا يرى بعضهم بعضا بل ولا يسمعه، ومع ذلك فهم يسيرون في تناغم مستقيم، ما دام كل منهم يعزف وفق المذكرة الموسيقية، فإذا ما سمعهم مستمع في وقت واحد، لحظ في عزفهم تآلفا عجيبا) وبهذه النظرية نفسها قد عالج ليبنتز العلاقة بين العقل والمادة، أي بين الروح والجسد، فالروح يتبع قوانينه الخاصة والجسد كذلك يتبع ماله من قوانين دون أن يؤثر واحد في سير الآخر، فهما يتلاقيان في تناسق بلغ من الدقة حدا بعيدا يستحيل معه الخطأ، فكل خلجة عقلية يجاوبها وضع من الجسد كما لو كانت العلاقة بينهما علاقة العلة بالمعلول. ولا يمكن تعليل هذا الاتفاق المستمر بين العقل والجسم إلا بإحدى ثلاث، يسوق لها ليبنتز تشبيهه المشهور: فهما كساعتين تسيران معا في دقة تامة، ولا يكون ذلك إلا ١) أن يكون للساعتين آلة
واحدة تديرهما معا في آن واحد (٢) أو يكون ثمة شخص يعادل بينهما من آن إلى آن بحيث يوفق بين زمنيهما، (٣) أو قد تكون الساعتان صنعتا في دقة تامة يستحيل معها الخطأ.
فأما الغرض الأول فمردود لأن العقل والجسم لا يؤثر فيهما مؤثر بعينه في وقت واحد، وأما الغرض الثاني فمردود كذلك لأنه يفرض تدخلا مستمرا في علاقة العقل والجسم، وأما ثالث الفروض فهو ما يراه ليبنتز جديرا بعظمة الخالق وكامل قدرته، أي أن كل شطر يسير في طريقه الخاصة، فلا يكون بين الشطرين اختلال أو اضطراب، وهذا التآلف موجود منذ الأزل، وهو ما يسميه بنظرية التآلف الأزلي. ولكن إذا كانت كل ذرة مغلقة في حدودها الخاصة، لا تستطيع أن تطل على العالم الخارجي كما يستحيل أن ينفذ إلى داخلها شيء من العالم الخارجي، فكيف نعلل إدراكنا لله، بل إدراكنا لكل ما يحيط بنا من أشياء؟ أليس الإدراك ضربا من ضروب الاتصال أو هو كل الاتصال؟ كيف يستطيع كائن أن يصل إلى معرفة الله والعالم إذا لم يكن في مقدوره أن يحطم حدود فرديته؟ هذا تناقض ولا ريب، وأغلب الظن أن ليبنتز قد لحظه عند حديثه عن علاقة الإنسان بالله جل وعلا فأنقذ الموقف بأن زعم أن الروح الإنساني لا يقف عند حد تصوير الكون وتمثيله في شخصه،
стр. 1775
كما هي الحال مع سائر الكائنات، ولكن له فوق ذلك مقدرة على إدراك الله وتقليده، ثم معرفة أجزاء العالم عن طريقه، لأنه يعتقد أن الله جل شأنه هو الذرة السامية الكاملة وهي أساس الذرات جميعا، منها تنبثق، كما ترسل الشمس ضوءها، فإذا ما أرادت ذرة أن تتصل بأخرى، كان لزاما عليها أن تتصل أولا بذلك الأساس أو قل (السنترال) لأنه بمثابة المركز الذي تتفرع عنه الطرق جميعا.
نظرية المعرفة:
من أين جاءت إلى الإنسان هذه المعلومات التي تملأ شعاب ذهنه؟ أما (لوك) فرأيه في ذلك معروف. وهو أن كل معلوماتنا إنما جاءت عن طريق الحواس فأثرت في صفحة الذهن التي برزت إلى هذا العالم نقية بيضاء لا تشوبها شائبة، وأما (ديكارت) فيزعم أن الطفل يولد مزودا ببعض الآراء الفطرية التي لا يمكن أن يحصلها بالتجربة، طرفان متناقضان من الرأي، كتب لهما أن ينتهيا إلى ليبنتز الذي لا يعجز عن جمع المتناقضات في وحدة متسعة! ألم يوفق بين مذهبي الفردية والكونية، وأخرج منهما فلسفة الذرات القوية؟ وهاهو ذا كما عهدناه يوفق بين لوك وديكارت في نظرية تحصيل المعرفة! فهو من ناحية ينكر على لوك رأيه في انعدام الآراء الفطرية. ويرى هو أن للعقل أساسا من المعلومات يستحيل أن يحصل بدونه شيئا، فيولد وهو يحمل بين طياته معرفة كامنة بالقوة ولا تصل إلى درجة الشعور إلا إذا أيقظتها التجارب التي تنفذ إليها عن طريق الحواس، فليس من شك في أن الطفل يولد مزودا بميل إلى استطلاع الحقيقة قبل أن يصادف من حياته تجربة ما، ويكفي أن يكون لديه تلك القوة العقلية وحدها ليجوز لنا القول بأن له معرفة فطرية، وإذن فيجب أن نكمل نظرية لوك التي يلخصها في هذه العبارة: (ليس ثمة في العقل من أثر إلا ما تبعثه الحواس) بأن نضيف إليها هذا التعديل: (اللهم إلا العقل نفسه)!! كذلك ينقض ليبنتز رآى ديكارت في الآراء الفطرية، فلا يذهب معه في أن المعرفة التي تولد مع الطفل تكون عند الولادة محددة واضحة، إنما يعتقد ليبنتز إن تلك المعرفة تكون بادئ الأمر سابحة في اللاشعور، وتظل غامضة مهوشة حتى تدركها التجربة فتوقظها من مكامنها وتزيل ما يغشاها من غموض بما تنشره على معالمها من ضوء، فحياة العقل عبارة عن تقدم مطرد مستمر من إدراك مهوش مضطرب إلى إدراك دقيق محدود. شأنه في ذلك شأن كل ذرة في
стр. 1776
الكون، حياتها انتقال من الغموض إلى الوضوح في الإدراك. من ذلك نرى أنه وافق ديكارت على وجود الآراء الفطرية، بل لم يرضه أن يقف عند الحد الذي وقف عنده ديكارت. من أن بعض الآراء فقط تولد مع الطفل وبعضها الآخر تحصله الحواس فادعى هو أنها جميعا تولد فطرية ولا يستحدث منها في الحياة شيء كما وافق لوك على أن التجارب التي تنفذ إلى العقل عن طريق الحواس لها كل الأثر في تكوين المعرفة، والفرق بينهما إن ليبنتز لا يرى هذه المعرفة قد استحدثت بل انتقلت من وجود بالقوة إلى وجود بالفعل، أو قل انتقلت من حالة الخمود إلى اليقظة والنشاط، وهكذا استطاع ليبنتز أن يقرب وجهتي النظر إلى حد الاندماج.
الله والعالم:
كان ليبنتز مؤمنا شديد الإيمان، يصدر عن عقيدة سليمة ودين قويم، فهو يرى لزاما عليه أن يرد بالحجة ما تنطلق به بعض الألسنة من اتهام بالشر والنقص، وأن يثبت للناس أن هذه الدنيا التي نعيش فيها هي أكمل ما يستطاع خلقه من الدنى. أليس الله جل شأنه علة وجود الأشياء جميعا؟ إذن فلابد أن يكون قويا إلى أبعد حدود القوة، كاملا إلى أقصى مراتب الكمال، حكيما إلى أعمق أغوار الحكمة، خيرا إلى أوسع آماد الخير. صور لنفسك هذه الحكمة المطلقة قد تآزرت مع ذلك الخير الأسمى في خلق العالم، ثم حدثني كيف يكون؟ أليس من الطبيعي المحقق أن يجيء على أحسن ما تجيء العوالم؟ هذا حق لا ريب فيه. لأن الله تعالى يصدر عن منطق مستقيم يتفق مع ما له من كمال، ولا يسع ذلك المنطق الكامل إلا أن ينتج عالما أقرب ما يكون إلى الكمال (لأنه إذا أخرج عالما دون ما يستطاع إخراجه، كان في عمله ما يمكن تهذيبه وإصلاحه). هذا الإيمان العميق لم يصادف من فولتير إلا سخرية مرة! فيرد على ليبنتز بقوله إن تجربته في الحياة علمته أن هذا العالم، على نقيض ما وصف، أسوأ ما يمكن خلقه من العوالم. ولو كان فيه ذرة من كمال لأمحى من وجهه هذا البؤس الذي يزهق ألوف الألوف من النفوس الكسيرة، وقد هاج هذا القول من فولتير شابا مؤمنا إلى درجة الحماسة فتصدى له وهاجمه في الصحف هجوما عنيفا، فلم يكن من الساخر العظيم إلا أن رد عليه في رفق هادئ بقوله: (يسرني أن أعلم أنك أصدرت رسالة تهاجمني فيها، فقد أوليتني بذلك شرفا عظيما، ولكن ألا تستطيع يا سيدي
стр. 1777
أن تحدثني عما يدفع آلاف البشر لجذ حلوقهم في هذا العالم الذي تصفونه بأنه خير ما يستطاع خلقه، وإني لك من الشاكرين). كذلك تصدى هجل لنقد ليبنتز في رأيه هذا عن العالم، واحتج بأنه قد تركه قضية بغير دليل. فلنسلم معه جدلا بأن هذه الدنيا خير ما يمكن خلقه، أفيكون هذا دليلا على خيرها وصلاحها؟ إذا أنت أرسلت خادمك إلى السوق ليبتاع لك شيئا! فجاءك به الخادم سيئا كريها ثم أقنعك أنه خير ما يباع في السوق، أفتحكم على هذا الشيء بالجودة لأنه كذلك؟ كلا ولا ريب فلا يمنع سوءه وشره ألا يكون هناك أحسن منه، كذلك قل في العالم، قل ما شئت من خير ما يمكن وجوده، ولكن هذا لا يبرئه من النقص والشر. وكأنما ليبنتز قد لحظ هذا الضعف فيما يقول فاعترف أن في العالم شرا كثيرا، ولكنه لا يرى ذلك مناقضا لنظريته، بل يتخذ هذا الشر نفسه دليلا على صحتها. فلولا ما تحوى الحياة من بؤس وألم. لما كانت الدنيا خير ما يستطاع خلقه، لأنهما كثيرا ما يكونان سبيلا إلى الخير وسببا في وجوده!! (المرارة القليلة كثيرا ما تكون ألذ مذاقا من السكر الحلو!). ثم يسير ليبنتز بعد ذلك في البحث عن أصل الشر في العالم، فيقرر أن علة وجوده هي هذا الجانب المادي. فقد ذكرنا فيما سبق أن لكل ذرة في الوجود جانيا فعالا، وإلى جواره جانب سلبي منفعل، هو الجانب المادي منها، وبقدر ما ترجح كفة الجانب الفعال كانت الذرة أدنى إلى الكمال، ولذلك ترى كل ذرة لا تفتأ تسعى جهدها لكي تتغلب على جانبها المادي السلبي الذي يقعد بها عن السمو في سبيل الكمال. والإنسان (ككل شيء آخر) لا يدخر وسعا في هذا الجهاد العنيف الشاق. وهذا الجهاد نفسه (الذي لامناص منه بحكم طبيعة التكوين الذري) هو أصل الشر وسبب البلاء فالشر إذن نقص نشأ عن محاولة التخلص من قيود المادة، فكأنه لم يوجد إلا ليكون سلما للصعود نحو الكمال الأسمى. وعلى هذا الاعتبار يكون الشر وسيلة للخير!!
أضف إلى ذلك أن وجود الشر إلى جانب الخير، مما يعمل على جمال الحياة، التي كانت تقل عما هي الآن كمالا وجمالا لو أنها لا تحوي إلا خيرا محضا. ومن ذا الذي يتمنى حياة لا ألم فيها، تجيء على صورة واحدة لا اختلاف فيها!؟ ثم يذكر ليبنتز أن الخير هو الجانب الإيجابي من الحياة، والشر هو الجانب السلبي منها، ولما كان الله تعالى لم يخلق، بداهة، إلا الجانب الإيجابي، فلا يمكن أن يعد سببا في وجود الناحية السلبية. ولا يمكن أن
стр. 1778
يكون الله خالقا لما نرى في الحياة من شرور وآلام.
стр. 1779
درس الجيولوجيا
بقلم حسين شوقي
هي أيضا ذكرى من ذكريات الصبا والدراسة، وقعت حوادثها ببرشلونه. عندما دخلت المدرسة الإسبانية، وحضرت درس الجيولوجيا للمرة الأولى، رأيت المدرس قبل البدء في الدرس، يقترح رحلة جبلية في يوم الأحد المقبل ولكني لحظت في استغراب ودهشة أن الطلبة يتهربون منها، لذلك أخذ المدرس يختار لهذه الرحلة من يختار دون رضا ولا موافقة، فقلت للطالب الذي يجلس عن يميني، وهو فتى إسباني من الجنوب (الأندلس)، تدل سمرة جلده على أصله العربي، لماذا يرفضون وإنما يذهبون إلى النزهة وتسلق الجبال الشاهقة؟. فأجابني في ابتسامة خبيثة: أتريد أن تذهب أنت؟ فأجبته على الفور: أجل! ولم لا؟ فرفع زميلي إصبعه مستأذنا في الكلام، فلما سمح له المدرس به أطلعه على رغبتي، فنظر إلى المدرس نظرة الرضا والارتياح وقال: حسن! حسن جدا! ثم سألني في لطف عن اسمي لأني كنت طالبا جديدا فأثبته في القائمة، ثم استفهم عن جنسيتي التي استغربها لأنني الشرقي الوحيد في المدرسة. وعندما عرف الطلبة إني أريد المشاركة في رحلة يوم الأحد عن رضا وطواعية، أخذوا يتغامزون وينظر بعضهم إلى بعض، فاضطربت لذلك ولم أعرف سبب هذا التغامز وا أسفاه الا أخيرا.
وفي يوم الأحد كنت في المكان المعين للمقابلة، قبل الموعد بزمان طويل، لأني كنت مشتاقا إلى هذه الرحلة الجبلية مع رفاقي الطلبة على الرغم مما يحيط بها من الأسرار. ثم حضر المدرس وتبعه الطلبة واحدا بعد آخر. . وكنا جميعا عشرة، فركبنا الترام فخرج بنا في أقل من ساعة إلى ظاهر المدينة. . وكنا أثناء سير الترام وفي غفلة من الأستاذ، نخرج ألسنتنا للمارين، فيمطروننا وابلا من اللعنات والشتائم. ثم أخذنا نتسلق الجبال وبعد جهد جاهد بلغنا أعلى القمة في تلك المنطقة المعروفة بسانتا كروث (الصليب المقدس) وقد قام فيها صليب كبير من الخشب، بركة لعابري السبيل. عند ذلك شاهدنا منظرا للمدينة يملك الطرف ويصبى المشاعر، والبحر الأبيض يموج في جلبابه الأزرق الفضفاض، والجو يعبق برائحة عطرية كأنها تسربت من الفردوس. أما السحاب فكان قريبا منا إلى حد أنني كنت أخشى أن جنيا يبدو منه فجأة فيختطف أحدنا على سبيل المزاح! وإذا كان سروري عظيما
стр. 1780
بجمال الطبيعة في تلك الساعة، فان فرحي كان أعظم بالفراش الأصفر الكبير الذي شاهدته يتنقل في الخضرة والحشائش من غصن إلى غصن، وكأنه في حسنه زهور (البانسيه)، لأني كنت كرفاقي مولعا باقتناء الفراش وحفظه بالمنزل في علب خاصة غطاؤها من زجاج. ولكن ظهر أني كنت واهما حين ظننتني سأصطاد ما أشاء من هذا الفراش، لأني حضرت إلى درس جيولوجيا في هذا المكان لا إلى اللهو والتسلية! وكان ذلك سبب ضحك الطلبة في الفصل حينما تقدمت من ذات نفسي للاشتراك في تلك الرحلة! إذ أمرنا المدرس بالتقاط ما يصادفنا في الطريق من الحجارة الغريبة وعرضه عليه. . وكان إذا راقه حجر أخرج منظاره ففحصه في شغف كأنه (الحجر القيم). . ثم أمرنا بحفظه معنا. . لهذا أحضر رفاقي أكياسا من الجلد. أما أنا فكنت أضع الحجر في جيبي لأني لم أحضر كيسا، ولما بلغت المدينة كانت جيوبي ممزقة شر تمزيق! وكان أستاذنا إذا أطلعناه على حجر أخذ يشرح لنا أصله شرحا طويلا ويذكر ما كان بالحجر من معادن كالحديد والفحم والخشب المحجر. أما نحن فكنا نوافق على كلامه من غير سؤال ولا مناقشة لعله ينتهي بسرعة من شرحه الممل! ولما رجعنا في المساء إلى برشلونة، كنا نمشي متطرحين من الإعياء، وفي درس الجيولوجيا التالي حينما أخذ المدرس يجمع أعضاء الرحلة المقبلة كعادته قبل السير في الدرس، خاطبني قائلا: شوقي بطبيعة الحال يصاحبنا في هذه الرحلة؟ فقمت على الفور من مقعدي وأجبته في انفعال: شوقي مريض لا يذهب! فامتعض وتأثر ولكنه أراد أن يصرف النظر عن هذا الرد الجاف ليستر على الأقل خجله، ولكن الطلبة ضحكوا ضحكا عاليا من إجابتي، فاشتد حينئذ غضبه علي وعاقبني بالحبس ساعة!
من طرائف الشعر
طاقة الزهر
طرفة أخرى في الوصف للعالم الشاعر الأستاذ أحمد الزين
أهدت إلى النفس ريا نشرها العبق … والطيب في الزهر يوحي طيب الخلق
رقت رسائلها للكون فاتخذت … من النسيم بريدا شاع في الأفق
وما رأيت بريدا خف محمله … مثل النسيم حكى المعنى بلا ورق
стр. 1781
أنباؤه كحديث الحب عاطرة … أو ذكريات شباب ناعم أنق
ظلت تنسقها كف منعمة … تكاد تحسبها من ذلك النسق
تداعب الزهر في رفق أناملها … كالنوم داعب جفن الساهر الأرق
كلاهما بالهوى يرنو لصاحبه … فاعجب لمختلف بالحب متفق
تحنو عليه فتنسيه منابته … في الروض يندى بمنهل الحيا الغدق
كلاهما زهر في كف صاحبه … فانعم بزهرين ملثوم ومنتسق
هذا يعيد بريا نفحه رمقا … وذاك بالوجد لا يبقي على رمق
هذا على الصدر يسبى العين منظره … وذاك في القلب يذكى لاعج الحرق
كم صور الزهر من معنى يجيش به … قلب الشجى ويعيى فطنة اللبق
وكم له في الهوى نعمى تقلدها … صرعى الغرام مكان الطوق في العنق
وكم يحمله العشاق لوعتهم … صونا لمكنونها عن طائش نزق
كم حملوه إلى أحبابهم قبلا … يا طيب مصطبح منها ومغتبق
واستودعوه حديثا من صبابتهم … فصان سر الهوى عن سمع مسترق
وكم روى دمعة عن عين والهة … وكم حوى زفرة عن قلب محترق
وكم على صفحات الزهر من كتب … في الشوق يعيا بها ذو المنطق الذلق
كم زهرة وصلت في الحب منقطعا … وجددت في حبال الود من خلق
وللأزاهير لطف في سفارتها … كم ألَّفَتْ في هواها كل مفترق
стр. 1782
ذكرى العام
الحول يا أماه بعدك حالا … والقلب في تحنانه ما زالا
والنفس في أسف عليك وحسرة … تطوى بها الأيام والأحوالا
والفكر نهب للتذكر كلما … بعث الشجون وأطلق البلبالا
والود لم أر فيه بعد فراقنا … صفوا كودك سائغا سلسالا
وجذ عليك مساور لم يمحه … نظمي المدامع فيك والأقوالا
لا كان يوم قد طوى لك طيه … صرف الحمام عن الحياة زيالا
لله أية نعمة ولى بها … عني وأي كريم ذخر غالا
ما كان غير صميم ودك من هوى … أخشى عليه الموت إن هو صالا
فرحلت عن دار الفناء حثيثة … وامتد عمر من اجتويت وطالا
ونفضت كفك من ضئيل حطامها … وطرحت ذاك الهم والأشغالا
تجري مقادير وأحوال وما … تعنيك في تردادها مثقالا
عبرت مواقيت الصلاة فلم تجد … سعيا لها صبحا ولا آصالا
ولكم نهضت لها الدجى قوامة … تبغين رضوان الإله تعالى
ومضى الصيام فلم تحي وجهه … سمحا ولم تستقبليه هلالا
ولكم سعيت له وكنت حفية … بأبي الشهور مهابة وجلالا
وغفوت عن حالي فلم يكرثك أن … أمسيت أبدل بعد حال حالا
أوعل للأرواح بعد فراقها … قربى وإن شط المدى ووصالا
فتغبني الروح الطهور وتنثني … تضفي علي حنانها هطالا
وتظل ترعاني كسالف عهدها … أشقيت بالا أم حسنت مآلا
مني إليها ما حييت تحية … تترى إلى يوم اللقا وتوالى
فخري أبو السعود
стр. 1783
(جاردن ستي) والريف
// لمن مقاصير خلف الجسر ضاحكة … يشرقن في العين إشراق الضحى الحالي
تلهو الهناءة نشوى في مسارحها … ويمرح الأنس فيها هادئ البال
ألقى النعيم العصا في ظل سرحتها … وراح يرسل فيها ذيل مختال
ملاعب لبني الدينار ناضرة … خضراء تنضح آمالا لآمال
فلو رآهن كسرى الفرس لاقتحمت … عيناه إيوانه في عصره الخالي
تحبو لدات الدرارى فوق عاتقها … وتطلع الشمس من عرينها العالي
زهراء رفت رياحين الحياة بها … بيضاء دون سناها ومضة الآل
ترنو عيون الأماني في مشارفها … ويبسم العيش في بشر وإقبال
إن كانت الخلد تحكيها فوا لهفي … قد قصرت عن منال الخلد أعمالي
يا أخضر العيش ما للريف تهجره … كأن قلبك عن أنصافه سال؟!
تركته تستبد الحادثات به … ويستطيل الأسى في عوده الحالي
كم بالقرى من قلوب سلن من شجن … قد أوغل اليأس فيها أي إيغال
كم بالقرى من جفون غاض مجمعها … من طول ما نزفت من دمعها الغالي
مشى نذير الضنى في سندس خضل … وشوهت صفحتيها أزمة المال
فما الصباح إذا يبدو بمتسق … ولا الغدير إذا تلقى بسيال
ولا الهزار صدوح في خمائلها … يشدو لدى الماء في خفض وإرسال
ضاف من البؤس رواها فأترعها … فغير القوم من حال إلى حال
لا تشهد العين من أبنائها أحدا … إلا خدين هموم ثوبه بال
يمضي النهار وحر الشمس يلفحه … رطب الجبين دءوبا غير مكسال
وحوله مثل أفراخ القطا زغبا … باتوا إلى الفجر في سهد وإعوال
الله يعلم لم أكفر بحكمته … لكنها خطرات هجن بلبالي
هذا يهاب الصبا تدمى أنامله … وذاك يعسف في فقر وإذلال
علي شرف الدين
стр. 1784
الصدى الساحر
للأستاذ محمود الخفيف
في سكون العشاء سرت وحيدا … أملأ الصدر من نسيم المساء
أرقب البدر في السماء فريدا … ضاحك الوجه مستفيض الرواء
زار سمعي مع النسيم غناء … يصرف السمع عن أرق الأغاني
عاصف تارة وطورا رخاء … يتلاشى رنينه في ثوان
كروان سمعته يتغنى … رائق الصوت ساحر النغمات
نائح صادح طروب معنى … أين من سحره دقيق الصفات؟
نازع هابط بعيد قريب … مطلق النفس في جمال الوجود
عبقري كأنه مستجيب … لصدى السحر من جلال الخلود
ليت شعري أصارخ أم طروب … فسر القول يا خفي المعاني
آدمي؟ فتعتريك خطوب … وتعاني من الضنى ما أعاني؟
أترى أنت ساخر مستهين … بحياة يسود فيها الفساد؟
يملأ الرض من بنيها أنين … وخصام وفتنة وعناد
يا رقيق الغناء صوتك عذب … جل في الحسن عن غناء الطيور
بارع اللحن رائق مستحب … يبعث السحر في قرار الشعور
أيها الساحر المحلق رفقا … بفؤادي فقد ملكت فؤادي
لست أدري أطائر أنت حقا … أم وسيط من السماء ينادي
نازعتنى بشاشة وقطوب … مذ ترنمت يا بديع الخيال
من رآني يظن أني طروب … وفؤادي من الجوى غير خال
مذ ترنمت عاودتني شجوني … وذكرت القديم من أحلامي
قد تفردت بالهناءة دوني … وبرى الشوق والهيام عظامي
أنت لا تعرف الجفاء وقلبي … شفه الهجر والجفا والعناء
أنت لا تعرف الشقاء وحسبي … من شقاء الحياة هذا الجفاء
أنت يا ابن السماء حر طليق … لم تجرع لدى الحياة هوانا
стр. 1785
أنت بالبشر والهناء خليق … كيف تبكي أأنت تخشى الزمانا؟
أيها الصادح المغرد زدني … من أغانيك واتخذني خليلا
ليتني كنت طائرا فأغني … وأصوغ القريض لحنا جميلا!
стр. 1786
وخز الضمير
هي ذكرى كلما مرت على … خاطري أنشق عن دمع غزير
إيه يا ذكرى ابعدي عني، اعزبي … اخمدي بين ضلوعي، لا تثوري
حال عيش كان قبلا سكرا … بك يا ذكرى إلى عيش مرير
آه كم أزفر كيما أشتفي … منك، لكن ليس يشفيني زفيري
أترى تمحو إلهي عثرة … تركتني في عذاب وسعير؟
يا خليليَّ دعاني والبكا … لا أرى آلم من وخز الضمير
محمد برهام
стр. 1787
العلوم
تطور العقل
للأستاذ السر أرثر طمس ترجمة بشير الياس اللوس
تبدأ حياة الكائن البشري كحجيرة مجهرية تعرف بالبويضة الملقحة، وهي بالرغم من صغرها المتناهي تضم تراث العصر السحيقة التي مر عليها أسلاف الجنس البشري من قبل. أن طيلة الأشهر التسعة التي يقضيها الجنين في رحم أمه متصلاً بها اتصالاً بايولوجيا وثيقاً، ما هي الأدوار سبات عميق، وليس هناك من يستطيع أن يبسطرأيا مثبتاً فيما يخص بعقل الجنين غير المولود، وحتى بعد الولادة مباشرة، وكل ما يمكن قولة أن نمو العقل يسير ببط كبير. ليس في البويضة الملقحة، أو الجنين الاول، جهاز عصبي قط، ولكنه ينمو تدريجياً من أوائل بسيطة، ولما كانت العقلية لا يمكن أن تستمد من الخارج، ترتب علينا أن نستنتج أن قوتها الكامنة متقمصة في الفرد منذ القديم، وكذلك الفعاليات الخاصة التي نستخدمها في حياتنا المعنوية كالشعور والتفكير والإرادة لابد إنهاء كائنه في تضاعيف الجرثومة بصورة كامنة. وما يقال عن الفرد يصدق على الجنس أيضا - أي أن هناك تطور تدريجيا في تلك الناحية من فعالية المخلوقات الحية التي نسميها (العقل). فلا نستطيع إذن أن نضع إصبعنا في نقطة معينة ونقول: ((لم يكن ثمة عقل قبل هذا الدور)) لان جميع الحقائق الماثلة أمامنا تحملنا على استنتاج بأنه حيثما تكون الحياة لابد من وجود درجة خاصة من العقل. وهذا يصدق حتى في النباتات التي يضح أن لا عقل لها. ويكون استنتاجنا اكثر دقة إذا عبرنا عنه بأسلوب آخر، كأننا نقول أن الفعالية التي نسميها (حياة) يلازمها دائماً، وإلى درجة ما، وجهة باطنية أو عقلية.
الأفعال الانعكاسية: نعثر في الحيوانات المتعددة الحجرات
كشقائق البحر - على بداية الأفعال الانعكاسية التي تؤلف
القسم الأعظم في تصرف الحيوانات الواطئة أي قد تكون
للحيوان أثناء النمو أجهزة معينة من الحجرات عصبية
стр. 1788
وحجرات عضلية تسهل إصدار أجوبة ملائمة وصحيحة على
المؤثرات الخارجية. فدودة الأرض التي قد أخرجت نصف
جسمها من الوكر تكون حذرة ومتيقظة بأخف وطأة قدم
فتقلص نفسها وتنسل إلى وكرها قبل أن يقول أحدنا (هذا عمل
انعكاسي). إن الطريقة التطورية - إذا جاز لنا إطلاق هذا
التعبير - أهلت الحيوانات للإجابة على المؤثرات بسرعة
كلية، وكلما صعدنا في سلم المملكة الحيوانية وجدنا الأعمال
الانعكاسية اكثر تعقيدا واحكم ارتباط مع بعضها حتى أن
حدوث عمل ما قد يستعدى حدوث أعمال أخرى. وهكذا نجد
سلسلة مستحكمة الحلقات بين الأفعال الانعكاسية أن تصرف
النبات المعروف ب ' - عندما ينطبق على حشرة
لافتراسها يشبه الفعل الانعكاسي في الحيوانات، على انه ليس
للنباتات جهاز عصبي خاص.
الأفعال الاتجاهية وهناك أفعال انعكاسية أخرى أرقى من تلك
تسمى (الأفعال الاتجاهية) وهي حركات أو أعمال يقوم بها
الحيوان حرصاً على تنظيم بدنه الكلي وأحداث التوازن
الفيسيولوجي بالنسبة إلى الجذب والضغط والتيارات والرطوبة
стр. 1789
والحرارة والضوء والكهرباء فعندما تمر الفراشة بالقرب من
مصباح تستضيء العين القريبة من مصدر النور اكثر من
الاخرى فينتج عن ذلك اختلال فيسيولوجي يؤثر في الحجرات
العصبية والعضلية، وبالنتيجة تنظم الفراشة طيرانها بصورة
تلقائية كما تكون تلك العينين متأثرتين بنفس الشدة من النور،
وعملها هذا تحوم حول المصباح، وربما ادى ذلك إلى القضاء
على حياتها. إن هذه الأفعال الاتجاهية تلعب دوراً هاماً في
السلوك.
السلوك الغريزي وارتقت الحيوانات خطوة أخرى فكان لها
سلوك غريزي وصل إلى درجة مدهشة في الكمال في النمل
والنحل والزنابير. ويعرف عن هذا السلوك انه يتوقف على
مؤهلات فطرية، فلا يحتاج فلا يحتاج إلى تعلم وهو مستقل
عن التمرين والاختبار ولو انهما يهذبانه. يشترك في هذا
السلوك جميع أفراد النوع من الجنس الواحد على السواء
(لان الغرائز المختصة بالذكور قد تختلف عن الغرائز
المختصة في الاناث). وهذه الافعال تستهدف حياة الفرد
وتضمناستمرار النسل، ولو أن بعضاً منها يحدث مرة واحدة
стр. 1790
طيلة حياة الفرد. فالفراشة الأنثى إبرة آدم تبرز من الشرنقة
عند الطلع المحمول على الأسدية وتجيله بشكل حبة كروية
صغيرة تحزنها تحت ذقنها. ثم تطير إلى زهرة يوكا اقدم عهداً
من الأولى، وتلقي بيضها في بعض البويضات التي في
مبيض الزهرة، ولكن قبل أن تصنع ذلك عليها أن تضع كرة
الطلع على جسم المدقة ومن ثم تنفتح كرة الطلع وترسل منها
أنابيب تتجة نحو المبيض فتنزل نواة الطلع بواسطة أحد
الأنابيب تتجه نحو المبيض فتنزل نواة الطلع بواسطة أحد
الأنابيب إلى البويضات وتلقحها؛ وبهذه الطريقة تتكون بذور
نبات اليوكالا تختلف عن أترابها في شيء، إلا أن بعض هذه
البذور يكون مأوى لبيوض فراشة اليوكا التي حالما تفقس
تسير في حياتنا على نفس الخط الذي سارت عليه أسلافها
تماماً من غير تلقين أو تعلم، وفي ذلك دليل على أن هذه
الحيوانات تضمن استمرار نسلها بسلسلة من الأفعال المنضمة.
وهي جزء من تراثها الغريزي. أما من وجهة النظر
الفيسيولوجية فالسلوك الغريزي هو سلسلة من أفعال انعكاسية
مركبة، ولكن في بعض الأحوال على الأقل علينا أن نعتقد أن
следующие страницы →