Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
وخز الضمير
هي ذكرى كلما مرت على … خاطري أنشق عن دمع غزير
إيه يا ذكرى ابعدي عني، اعزبي … اخمدي بين ضلوعي، لا تثوري
حال عيش كان قبلا سكرا … بك يا ذكرى إلى عيش مرير
آه كم أزفر كيما أشتفي … منك، لكن ليس يشفيني زفيري
أترى تمحو إلهي عثرة … تركتني في عذاب وسعير؟
يا خليليَّ دعاني والبكا … لا أرى آلم من وخز الضمير
محمد برهام
стр. 1787
العلوم
تطور العقل
للأستاذ السر أرثر طمس ترجمة بشير الياس اللوس
تبدأ حياة الكائن البشري كحجيرة مجهرية تعرف بالبويضة الملقحة، وهي بالرغم من صغرها المتناهي تضم تراث العصر السحيقة التي مر عليها أسلاف الجنس البشري من قبل. أن طيلة الأشهر التسعة التي يقضيها الجنين في رحم أمه متصلاً بها اتصالاً بايولوجيا وثيقاً، ما هي الأدوار سبات عميق، وليس هناك من يستطيع أن يبسطرأيا مثبتاً فيما يخص بعقل الجنين غير المولود، وحتى بعد الولادة مباشرة، وكل ما يمكن قولة أن نمو العقل يسير ببط كبير. ليس في البويضة الملقحة، أو الجنين الاول، جهاز عصبي قط، ولكنه ينمو تدريجياً من أوائل بسيطة، ولما كانت العقلية لا يمكن أن تستمد من الخارج، ترتب علينا أن نستنتج أن قوتها الكامنة متقمصة في الفرد منذ القديم، وكذلك الفعاليات الخاصة التي نستخدمها في حياتنا المعنوية كالشعور والتفكير والإرادة لابد إنهاء كائنه في تضاعيف الجرثومة بصورة كامنة. وما يقال عن الفرد يصدق على الجنس أيضا - أي أن هناك تطور تدريجيا في تلك الناحية من فعالية المخلوقات الحية التي نسميها (العقل). فلا نستطيع إذن أن نضع إصبعنا في نقطة معينة ونقول: ((لم يكن ثمة عقل قبل هذا الدور)) لان جميع الحقائق الماثلة أمامنا تحملنا على استنتاج بأنه حيثما تكون الحياة لابد من وجود درجة خاصة من العقل. وهذا يصدق حتى في النباتات التي يضح أن لا عقل لها. ويكون استنتاجنا اكثر دقة إذا عبرنا عنه بأسلوب آخر، كأننا نقول أن الفعالية التي نسميها (حياة) يلازمها دائماً، وإلى درجة ما، وجهة باطنية أو عقلية.
الأفعال الانعكاسية: نعثر في الحيوانات المتعددة الحجرات
كشقائق البحر - على بداية الأفعال الانعكاسية التي تؤلف
القسم الأعظم في تصرف الحيوانات الواطئة أي قد تكون
للحيوان أثناء النمو أجهزة معينة من الحجرات عصبية
стр. 1788
وحجرات عضلية تسهل إصدار أجوبة ملائمة وصحيحة على
المؤثرات الخارجية. فدودة الأرض التي قد أخرجت نصف
جسمها من الوكر تكون حذرة ومتيقظة بأخف وطأة قدم
فتقلص نفسها وتنسل إلى وكرها قبل أن يقول أحدنا (هذا عمل
انعكاسي). إن الطريقة التطورية - إذا جاز لنا إطلاق هذا
التعبير - أهلت الحيوانات للإجابة على المؤثرات بسرعة
كلية، وكلما صعدنا في سلم المملكة الحيوانية وجدنا الأعمال
الانعكاسية اكثر تعقيدا واحكم ارتباط مع بعضها حتى أن
حدوث عمل ما قد يستعدى حدوث أعمال أخرى. وهكذا نجد
سلسلة مستحكمة الحلقات بين الأفعال الانعكاسية أن تصرف
النبات المعروف ب ' - عندما ينطبق على حشرة
لافتراسها يشبه الفعل الانعكاسي في الحيوانات، على انه ليس
للنباتات جهاز عصبي خاص.
الأفعال الاتجاهية وهناك أفعال انعكاسية أخرى أرقى من تلك
تسمى (الأفعال الاتجاهية) وهي حركات أو أعمال يقوم بها
الحيوان حرصاً على تنظيم بدنه الكلي وأحداث التوازن
الفيسيولوجي بالنسبة إلى الجذب والضغط والتيارات والرطوبة
стр. 1789
والحرارة والضوء والكهرباء فعندما تمر الفراشة بالقرب من
مصباح تستضيء العين القريبة من مصدر النور اكثر من
الاخرى فينتج عن ذلك اختلال فيسيولوجي يؤثر في الحجرات
العصبية والعضلية، وبالنتيجة تنظم الفراشة طيرانها بصورة
تلقائية كما تكون تلك العينين متأثرتين بنفس الشدة من النور،
وعملها هذا تحوم حول المصباح، وربما ادى ذلك إلى القضاء
على حياتها. إن هذه الأفعال الاتجاهية تلعب دوراً هاماً في
السلوك.
السلوك الغريزي وارتقت الحيوانات خطوة أخرى فكان لها
سلوك غريزي وصل إلى درجة مدهشة في الكمال في النمل
والنحل والزنابير. ويعرف عن هذا السلوك انه يتوقف على
مؤهلات فطرية، فلا يحتاج فلا يحتاج إلى تعلم وهو مستقل
عن التمرين والاختبار ولو انهما يهذبانه. يشترك في هذا
السلوك جميع أفراد النوع من الجنس الواحد على السواء
(لان الغرائز المختصة بالذكور قد تختلف عن الغرائز
المختصة في الاناث). وهذه الافعال تستهدف حياة الفرد
وتضمناستمرار النسل، ولو أن بعضاً منها يحدث مرة واحدة
стр. 1790
طيلة حياة الفرد. فالفراشة الأنثى إبرة آدم تبرز من الشرنقة
عند الطلع المحمول على الأسدية وتجيله بشكل حبة كروية
صغيرة تحزنها تحت ذقنها. ثم تطير إلى زهرة يوكا اقدم عهداً
من الأولى، وتلقي بيضها في بعض البويضات التي في
مبيض الزهرة، ولكن قبل أن تصنع ذلك عليها أن تضع كرة
الطلع على جسم المدقة ومن ثم تنفتح كرة الطلع وترسل منها
أنابيب تتجة نحو المبيض فتنزل نواة الطلع بواسطة أحد
الأنابيب تتجه نحو المبيض فتنزل نواة الطلع بواسطة أحد
الأنابيب إلى البويضات وتلقحها؛ وبهذه الطريقة تتكون بذور
نبات اليوكالا تختلف عن أترابها في شيء، إلا أن بعض هذه
البذور يكون مأوى لبيوض فراشة اليوكا التي حالما تفقس
تسير في حياتنا على نفس الخط الذي سارت عليه أسلافها
تماماً من غير تلقين أو تعلم، وفي ذلك دليل على أن هذه
الحيوانات تضمن استمرار نسلها بسلسلة من الأفعال المنضمة.
وهي جزء من تراثها الغريزي. أما من وجهة النظر
الفيسيولوجية فالسلوك الغريزي هو سلسلة من أفعال انعكاسية
مركبة، ولكن في بعض الأحوال على الأقل علينا أن نعتقد أن
стр. 1791
السلوك يخالطه شيء من الحذر والاجتهاد، ويجب أن يلاحظ
انه كما أن النمل والنحل والزنابير تظهر في اغلب الحالات
سلوكا غريزياً بحتاً، وتسير أحيانا على خطة التجربة والخطأ
أو الابتكار التجريبي. وكذلك بين الطيور والثديات قد يحل
السلوك الغريزي أحياناً محل السلوك المدرك ولعلة لا يوجد
سلوك غريزي بدون شيء من الذكاء، ولا سلوك مدرك بدون
عنصر غريزي. إن الفكرة القديمة القائلة أن السلوك الغريزي
كان في الأصل سلوكا مدركا وان الغريزة نشأت عن الإدراك:
لهي فكرة مخطئة لأنها تقوم على فرض غير مثبت، وهي
تشير إلى القول بان اكتسابات الفرد تنتقل إلى النسل. وأغلب
الظن أن الغريزة وال >كاء سارا على طريقتين مختلفين في
حبلة التطور.
الذكاء الحيواني: وتقدم الحيوان في سلم التطور خطوة أخرى
فكان له سلوك ينم عن الذكاء والإدراك، ولم يعد في استطاعته
أن تستفيد من الاختبار فحسب، بل من التعلم بالتلقين أيضا. إن
هذه الأفعال المنطوية على ذكاء تتنوع بتنوع الأفراد، وهي
قابلة للتحوير والتعديل بطرق فلما يصح تطبيقها على الغرائز
стр. 1792
التي لا يمكن لأي كائن حي أن يستغني عنها بدون أن ترتبك
غلية الحياة وتتعقد عليه مشاكلها. فضلاً عن. ذلك فان السلوك
الغريزي المدرك غير مقيد بظروف خاصة كما هو شأن
السلوك الغريزي، وهناك ادله قاطعة على أن السلوك المدرك
ناتج عن علم بقيمة العلاقات الكائنة بين الأشياء. يبدو إننا لم
نعثر على دليل واضح يؤكد لنا أن الفعالية الذهنية التي نسميها
محاكمة عقلية كائنة في الحيوانات التي هي تحت مستوى
الإنسان. والواقع إننا لا نستطيع دائماً، أن نعتبر سلوك الإنسان
عقلياً، بل يجب أن نقول أن في وسعه إظهار تلك القابلية متى
شاء وحينما يتسنى له ذلك. لا شك أن تطور الحيوانات كان
يلازمه دائماً تعقيد في الأعمال، وبراعة في السلوك حتى
أصبحت تلك المخلوقات اكثر حرية واعظم سطوة في مجال
الطبيعة، وأمست مؤهلاتها النفسية - كالتفكير والتعلم
والشعور والإدارة - أكثر فأكثر أهمية.
(الموصل) بشير الياس اللوس.
стр. 1793
الزمن
أتينا في كلمة سابقة على تطور رأي العلماء بشان القضاء وكيف أن الجزء المعين منه لا يمكن أن يكون له قدر ثابت. ذلك لأننا نقيس الفضاء بحجوم الأجسام المادية التي تشغله، وحجوم تلك الأجسام تتغير بتغير حركتها. فالصندوق الذي حجمه متر مكعب وهو على سطح الأرض لو انطلق في الفضاء بسرعة أكبر من سرعة الأرض نقص حجمه عن متر. ولو تخلف عن الأرض وسار بسرعة اقل من سرعتها زاد حجمه عن متر. ويمكن أن يكون له أي حجم نشاء إذا نحن جعلناه يتحرك بالسرعة اللازمة. فالقول بأن حجم هذا الصندوق متر مكعب هو قول ناقص، ويجب أن نتممه بعبارة وهو على سطح الأرض. والآن نلخص تطوراً آخر بشأن الزمن يشبه من وجوه كثيرة هذا التطور بشأن الفضاء. ذلك لان الزمن أيضا لم يعد له قياس مطلق ثابت ولا سياق معين اللهم إلا في المكان الواحد، فعبارة ساعة من الزمن لا معنى لها إلا إذا قلنا بالنسبة لكوكب كذا كما إن عبارة ماض وحاضر ومستقبل لا يمكن إطلاقها إلا في نفس المكان. وقد انبنى هذا التطور على الحقيقة الآتية: من المعلوم أن الضوء يستغرق زمناً في انتقاله من مكان إلى مكان، فالشعاع الذي ينطلق من الشمس يصل إلينا على الأرض بعد ثماني دقائق من انطلاقه. ومن الأجرام السماوية ما يستغرق ضوءه في الوصول إلينا ساعة أو ساعات، أو يوماً أو أياماً، أو سنة أو سنين أو آلاف السنين أو الملايين السنين بحسب البعد بيننا وبينه. ومن المعلوم أن الإنسان لا يرى الشيء إلا إذا استقبل بعدسة عينة أشعة ضوئية منبعثة من ذلك الشيء تتركز على شبكة العين بهيئة صورة لذلك المرئي تحس بها أعصاب الأبصار، وعلى ذلك فالحادثة التي تقع على الشمس الآن لا نراها نحن إلا بعد ثماني دقائق، وكلما بعد االكوكب أبطأت أخباره في الوصول إلينا. هذه الحقيقة تبدو بسيطة ولكنها تولد مشكلات خطيرة نلخص بعضها فيما يلي: (أولاً) تصور أنك انتقلت فجأة إلى الكوكب يبتعد عن الأرض مسافة يقطعها الضوء في ١٤ سنة، وانك تستطيع هناك أن ترى ما يجرى في القطر المصري بالتفصيل، فما الذي تراه؟ أنك ترى من جديد حوادث الحركة الوطنية واضطرابات سنة ١٩١٩. ثم تمر عليكالحوادث سنة بعد سنة ولا تستطيع رؤية ما هو جار الآن إلا في سنة ١٩٤٧. فأنت استطعت إذن أن تعيش الآن فيما هو بالنسبة لنا ماض، وذلك لمجرد انتقالك إلى مكان آخر من الكون كما إننا نعيش الآن فيما هو بالنسبة لك
стр. 1794
مستقبل للأنه لن يمر بك إلا بعد ١٤ سنة. (ثانيا) تصور انك بعد انتقالك إلى ذلك الكوكب وإشرافك من هناك على الحركة الوطنية المصرية، فضلت العودة إلى الأرض على جناح السرعة. وقطعت المسافة من هناك إلى هنا في ساعة واحدة (على فرض إمكان ذلك) فما الذي يبدو لك؟ انك ترى حوادث هذه ال ١سنة تمر عليك بسرعة وتنقضي كلها في ساعة. معنى ذلك ال ١٤ سنة في حساباً قد صارت في حسابك ساعة، وذلك لمجرد تغير حدث في اتجاه حركتك وفي مقدار سرعتك. (ثالثا) تصور انك وأنت على هذا الكوكب فضلت زيادة الابتعاد عن الأرض ومن عليها وركبت شعاعاً ضوئياً يطير بك إلى الناحية الاخرى من الكون، فماذا ترى أثناء رحلتك؟ انك ترى على الأرض شيئاً عجباً: ترى كل شيء عليها قد وقف عن الحركة فجأة وثبت على حالة واحدة، كأنما قد أصاب كل ما عليها ومن عليها شلل تام. لذلك لأنه لم يعد يصل إليك منه ضوء جديد، وصارت تستقبل دائماً موجة واحدة فقط من لحظاتنا. فأنت والحالة هذه تعيش باستمرار فيما نسميه نحن لحظة واحدة. (رابعاً) تصور أن ابتعادك هذا كان بسرعة اكبر من سرعة الضوء، فما الذي تشاهده؟ انك ترى في هذه المرة اعجب العجب. ترى الحوادث الأرضية وقد بدأت يتلو بعضها بعضاً ولكن على غير النظام الذي مرت به علينا، وعلى عكس ذلك النظام. ترى أولا حوادث سنة ١٩١٩ ثم حوادث سنة ١٩١٨ ثم حوادث سنة ١٩١٧ وهكذا ذلك بأنك لا تستقبل الضوء منا بالنظام الذي انبعث به بل تلحق بالتدريج بما مضى منه موجة بعد موجة. وبذلك يستطيع أن تقلب نظام الزمن رأساً على عقب فترى حاضرة قبل ماضية وماضية قبل غابره. (خامساً) تصور أننا هنا على سطح الأرض نرقب كوكباً يبتعد عنا بسرعة كبيرة بحيث تبدأ الحادثة هناك، وفي أثناء وقوعها يكون الكوكب قد ابتعد عنا مسافة أخرى علاوة على بعده الأصلي، وتصور أن حادثة ما تستغرق ساعة من الزمان قد ابتدأت هناك ورأينا بدايتها. ففي الوقت الذي تتم فيه تلك الحادثة يكون الكوكب قد قطع مسافة جديدة يضطر الضوء لقطعها ثانية في زمن معين. وعلى ذلك فان الضوء الذي بدلنا على هذه الحادثة لا يتم توارده علينا في ساعة بل في اكثر من ساعة من هذه الحادثة من حسابنا يزيد على ساعة. معنى ذلك أن حوادث ذلك الكوكب تبدو لك كشريط سينمائي بطيء كما أن لحوادث على الأرض تبدو لسكان ذلك الكوكب كشريط سينمائي بطيء.
стр. 1795
القصص
آلة الزمان بقلم الأستاذ محمد فريد أبو حديد
سأقص حديثاً عجيباً. من شاء يصدقه فأني اشكر مع تقديري انه إما يصدقني لاعتقادي أنني لا اكذب، وإما إذا شاء أحد أن يكذبني فله ان يفعل وهو معذور. فان الناس لا يصدقون مايرونه بأعينهم، ولا سبيل إلى ان أريهم ما رأيت، وقد آثرت أن إذكر في حديثي هذا كل الأسماء على حقيقتها حتى إذا عرف أحد بعض هذه الأسماء ساعده ذلك على تصديقي، إذ ليسمن الممكن أن تبلغ بي الجرأة على الحق أن أذكر أسماء الناس علنا في صحيفة سيارة وأنا اكذب في قولي: أصبت في وقت من الأوقات بضعف في الأعصاب من الجهد المتواصل والهم المضي، فوصف لي بعض الأطباء أنواعاً من الرياضة. ولكن ابى الله ان يمكنني من ذلك العلاج. فقد زهدت في رياضة الصيد إذ رأيت فيها قسوة ومثله ووحشية، ثم زهدت في السباحة لأنني لم أجد مكاناً منعزلا ملائماً انزل إلى البحر فيه في أثناء الصيف، لان جسمي ليس بالجميل، وثياب الشواطئ كما لا يخفي على أحد مهلهلة تصف الأجسام على حقيقتها، ثم مارست ما سوى ذلك من أنواع الرياضة حينا فأصبحت بضعف في رجلي فلم استطع متابعة هذا السعي، لان الرياضي لا يليق به أن يظلع. ولكني جعلت ابحث عن تسلية ملائمة فوقفت إلى اختراع اختراعه الإنجليزي بارع وهو المؤلف المشهور (هـ. ج. ولز). وكان لاختراعه هذا رجة كبرى في الأوساط العلمية، ولكن هذا المخترع يحترف الأدب فأصابته محنة الأدباء فلم يقبل أحد على شراء اختراعه. فغضب حتى حطم النموذج الذي اخترعه وأبى أن يعلنه إلى الناس. غير انه لما بلغة ما أنا فيه من الحيرة بعث إلي بوصف اختراعه، وطلب إلي أن استفيد به ماشئت، ولكنه حرم على اطلع أحد عليه الا بإذنه فلا يطمع أحد في أن يسألني عن سر ذلك الاختراع. ومن شاء فليرسل إلى ذلك العالم وليسأله أن يبيع له الاطلاع على النموذج الذي صنعته أنا لنفسي، وذلك الاختراع بالاختصار هو آله دقيقة الصنع تحتاج إلى مهارة فائقة في الإدارة والاستعمال، كما تحتاج إلى مواهب خاصة فيمن يريد أن يستعملها. واخمد الله إذ كنت ممن منح هذه المواهب الخاصة، وهي مصنوعة من معدن لا يزال عجيب الخواص مجهول الكنه، ومن
стр. 1796
خواصه التي عرفت إلى اليوم انه شفاف ولا تبصر لاه الأعين في ضوء النهار إلا إذا وضع منظار من نفس المعدن على الأعين. ولهذا يسهل على الإنسان أن يترك الآلة المصنوعة منه في أي مكان بغير حارس ولا يخاف عليهااللصوص أو من عبث المارة. ولا حاجة بي إلى إطالة في وصف هذه الآلة، ويكفيني أن أذكر اسمها وقد يكون بعض القراء قد سمع به من قبل وهي (آلة الزمان)، واسم هذه الآلة يدل عليها وعلى الغرض منها. ومن أراد التوسع في فهم أغراضها ونظرياتها وطرق أدارتها فعلية ان يستأذن صاحب اختراعها كما أسلفت في أول هذا الحديث. هذه الآلة بالاختصار عبارة عن حجرة صغيرة لها جدران شفافة من المعدن الذي وصفته، وفيها مقعد واحد لا يسمع إلا رجلا واحداً وفي داخلها أمام المقعد مفاتيح كثيرة يتحرك بعضها إلى أعلى وبعضها إلى أسفل وبعضها إلى اليمين والبعض إلى اليسار وهكذا في جميع الأنحاء التي يتصورها الذهن، وفي وسطها عجلة كبيرة تدور إذا قبض عليها الإنسان بيده وضغط عليها قليلاً. فإذا أمال يده نحو اليمين دارت يميناً، وإذا أمالها نحو اليسار دارت يساراً. وهذه العجلة هي أم الآلات في تلك الحجرة. فإذا بالحجرة كلها تدور دوراناً شديداً، ثم إذا بالجالس على الكرسي يعتريه دوار شديد ويفقد الحس حينا من الزمن ثم يصحو فينظر إلى ما حوله فيرى مناظر غير المناظر التي كانت حوله قبل ان يدير العجلة. لا بل انه يرى مناظر ما كان يحلم بوجودها قبل أن يضع يده على تلك العجلة. والذي يحدث باختصار عند ضغط العجلة إن الإنسان إذا مال بيده نحو اليمين دارت الآلة، وتحرك لسان على لوحة أمام الجالس فهبط إلى اسفل، وعلى تلك اللوحة أرقام كثيرة، وعند ذلك ينتقل هذا الشخص الجالس في الآلة بطريقة عجيبة يطول شرحها - ولا اسمح لنفسي أن أذكرها بغير إذن - فإذا ذلك الجالس ينتقل على السنين نحو الماضي فيذهب إلى العصور الماضية ويرى نفسه يمر على السنوات الغابرة عاماً فعاماً. وكلما انتقل من عام إلى عام قبله تحرك اللسان على اللوحة مشيراً إلى رقم السنة. وأما إذا كان ميل الضغط نحو اليسار فان اللسان يتحرك على اللوحة إلى أعلى، فإذا بالجالس في تلك الآلة ينتقل على السنين نحو المستقبل
فيذهب إلى العصور المقبلة ويرى نفسه في غمار الحياة في الأجيال الآتية. ويتحرك اللسان على اللوحة مشيراً إلى رقم السنوات المقبلة. حسبي الآن ما ذكرت من وصف الآلة فاني
стр. 1797
أخشى من بعض أساتذة الجامعة في كلية العلوم أن يفطن إذا أطلت الوصف فيعرف سر هذه الآلة من ثنايا قولي بوساطة بعض طرقهم العلمية الماكرةمن الارثماطيقي والماتيماطيقي والفيزنيقي. او غير ذلك من العلوم التي لا علم لي بها. فانهم لو فعلوا ذلك لأوقعوني في ورطة، إذا أكون قد خدعت عن سر لا املكه ولا يحمل بي التصرف فيه. وقد كنت إذا شعرت بالسام يدب إلى نفسي انهض إلى هذا إليه فاجلس فيها وأدير العجلة الوسطى نحو اليمين فأذهب في العصور الماضية لأني شديد الحنين إليها لأنني لست ممن يرتاحون إلى الوقت الحاضر، ولا يرون في الحال المائلة حولنا شيئاً ترتاح إليه النفس أو يطمئن إليه القلوب فالناس فيه: شيوخهم فيهم وهن، وكهولهم فيهم حرص، وشبانهم فيهم طراوة ورخاوة. ولا فائدة في أن أعيد إلى القارئ مناظر تلك العصور الماضية فهي مائلة مصورة في كتب التاريخ إذا كانت غير مائلة مع الأهواء. وكنت أجد ما أحببت من السرور بالتجول في تلك العصور، إذ كنت اشبع كبريائي بما أراه من مجد الآباء والأجداد، وكنت إذا رأيت منظراً يؤلمني في عصر من العصور أسرعت بإدارة العجلة التي أمامي فانتقل مسرعاً حتى ابصر مناظر مجيدة في عصر آخر فأوقف العجلة وانزل من الآلة وأجول في أنحاء ذلك العصر حتى امتلئ سروراً، ثم ارجع وأدير العجلة فأعود إلى عصري ومنزلي خوف أن يقلق أهلي إذا أطلت عنهم غيبتي. وقد وقعت عيني مرة في أثناءعودتي إلى عصري على منظر استرعى انتباهي فأوقفت العجلة مسرعا ثم نزلت من الآلة لأشاهده. فقد رأيت رجلا من عامة أهل الريف واقفاً في وسط ساحة قريبة من (ميدان الأوبرا) وقد اخذ بتلا بية رجل على رأسه قبعة قذرة وهو ضخم الجسم ولكن وجهة بشع المنظر، وله عينان كأنهما عينا ذئب مفترس، وله أظافر طويلة ليست كأظافر بني الإنسان بل هي قريبة إلى أظافر النسور مقصوصة طويلة مدببة، وقد وقف حول الرجلين جماعة من أمم مختلفة، ولكن أكثرهم من أولاد مصر القاهرة ممن يسهل اجتماعهم حول أية ضجة تثور في طريق من الطرق، وهم لا يقصدون بذلك إلا إشباع رغبة الاستطلاع، ولا فرق بيني وبينهم وأنا ممتلئ مثلهم رغبة في الاستطلاع، ولا فرق بيني وبينهم غلا إنني لم اكن عند ذلك مستعدا للدعابة ولا للثرثرة. وبعد هنيهة علمت ان ذلك المبرنط دائن لذلك الريفي وانه قد استولى على كل ماله في الريف حتى ألجأت إلى أن يهرب إلى القاهرة لاجئا إلى
стр. 1798
أزقتها وجدران مبانيها متخذاً الأولى مغدي ومراحا والثانية مأوى. وقد استجدت ذلك الفلاح يوماً رغيفاً فأكل ربعه ودس الباقي في جيب ثوبه المهلل جاعلاً إياه ذخرا يلجأ إليه إذا عضه الجوع في ليلة لم يجد فيها من يطعمه لقمة. فكان جيبه بارزاً إلى أمام يخيل إلى من يراه إنه قد خبأ فيه شيء ذا قيمة وقد أراد سوء حظه أن يلقاه دائنه المبرنط وهو على تلك الحال فأسرع إليه الشك في إنه يخفي في جيبه دجاجة لها بيض ذهبي، وزاد الشك في قلبه وغلى دمه عندما تذكر أنه لا يزال له على ذلك الريفي مقدار من المال. فقال في نفسه (يا للعدالة أأكون دائناً لذلك الريفي ولا أستطيع أن أحصل على ديني منه؟ وهاهو ذا يسير طليقاً وفي جيبه دجاجة تبيض الذهب؟) وما هو إلا أن قال ذلك في نفسه حتى اندفع إليه وأمسك بتلابيبه. وما هو إلا أن فعل ذلك حتى أجتمع من رأيت حولهما من الناس ينظرون ويتكلمون ويمزحون وقد أراد ذلك المبرنط أن ينزع عنه ثوبه المهلهل ليرى ما تحته فأبى الرجل الريفي خجلاً من أن يرى الناس جسمه المشعر عارياً، فتشبث بالثوب وعلا النزاع بين الرجلين حتى بدأ النظارة يتدخلون بينهما ووقفت أنظر ما يؤول إليه أمر هذا النزاع، فما هي إلا برهة حتى رأيت الجميع يتألبون على الريفي حتى نزعوا عنه ثوبه، يبحثون عن الدجاجة ذات البيض الدجاجة. فلما تم لهم ذلك
المسعى لم يجدوا إلا رغيفاً مقطوع الربع مهشم الباقي. فلما راى الرجل المبرنط ذلك لم يرض أن يرجع عن هجومه ذلك خائباً، فأصر على أن يأخذ الثوب المهلهل ويترك الرجل عارياً، ثم فكر في أخذ الرغيف ولكن نفسه عافته، وظن أنه لم يجد له شارياً فتركه وقال: (عليك أن تشكرني أيها المماطل لأني تركت لك ذلك الرغيف تأكله وتملأ به بطنك وتنام في حين أنا لا أتقاضى منك ديني. يا للعدالة!). إلى هذا فهز كثير من الحضور رؤوسهم علامة الإعجاب والموافقة ولم يتكلم واحد منهم بكلمة. ولكني كنت حديث العهد برحلة في عصر ماض من عصور مجد بلادي وكان قلبي ممتلئا كبراً واعتدادً بنفسي. فأنفت أن أترك مواطني في هذا البلاء. فتقدمت نحوه وقد غلبني الغضب على الصمت وقلت للريفي بصوت عال: (هل لك أيها المسكين أن تشترك معي في استرداد ثوبك بالقوة؟) فنظر الرجل إلي نظرة ذات مغزى ثم نظر إلبى منت حولنا وسكت فنظرت حيث رأيته ينظر فإذا بالنظارة يمزحون ويضحكون ويقلبون الثوب وهو مع الرجل المبرنط ويهنئونه
стр. 1799
بحصوله على شيء من دينه، وكان أعلاهم صوتاً رجال مبرنطون مثله يبلغون العشرة عداً فعلمت من نظرة الرجل إنه يرى نفسه عاجزاً ولو مساعدتي على استرداد ثوبي ورأيت دمعة تسقط من عينيه وجثى على ركبتيه حياء من تعريض جسمه الضخم المشعر للأنظار، وكان فوق ثيابه معطف قديم كنت أحتاطه بلبسه في رحلات فخلعته صامتاً وطرحته فوق منكبيه فكساه إلى ملئت ركبتيه، فنظر إلي صامتاً نظرة كدت أبكي من وقعيها عندما لاقت نظري وتركته مسرعاً وعدت إلى اللآله فأسرعت بها عائداً إلى العصور الماضية أطلب التسلية في مناظرها. حتى إذا ما سرى عندي ما بي من الشجن أدرت العجلة وعدت مسرعاً إلى عصري ودخلت منزلي وكان أهلي قد قلقوا بطول غيبتي، ومنذ ذلك اليوم عاودتني كآبة كانت تظهر في حديثي وتدل عليها ملامح وجهي حتى لقد لاحظها بعض أصدقائي وكان فيهم جماعة من الشبان أولي الهمة فجعلوا يسألونني عن علة ما بي فذكرت لهم قصتي في ذلك اليوم الذي رأيت فيه ما رأيت من المبرنط والريفي. وذكرت لهم في قصتي حديث الالة التي أتجول بها في العصور الماضية طالباً التسلية من هموم الوقت الحاضر. فقال لي أحدهم وأسمه توفيق: (ولكن العجيب أنك لم تفكر يوما في أن ندبر تلك العجلة نحو اليسار) ولم أنتبه قبل الساعة إلى أن عجلة الآلة يمكن أن تدار إلى اليسار فسيكون التجول في عصور المستقبل بدل أن يكون في عصور الماضي. فقلت له وبي شيء من الارتباك (أنني لم أفطن إلى ذلك إلا ألان) فأجابني ذلك الصديق الشاب (أنني أعتقد أن السلوة لا تكون أبدا في العودة إلى الماضي. فان الغنى إذا أفتقر لا يسليه عن فقره أنه كان يوما ما واسع النعمة رافلاً في الغنى بل إن ذلك أدعى إلى أسفه وأسخن لعينه. ولكن الذي يسلي الفقير أن يتطلع إلى المستقبل ليرى أنه سيكون بعد ألمه في راحة وبعد إملاقه في غنى. وكذلك الحال في السجين، فأنه لا يهدأ قلبه من ذكرى ماضي حريته، بل قلبه يهدأ وألمه يضمحل إذا فكر في قرب يوم الانطلاق) والحق أنني لم أتعلم من أحد مثل هذه الحكمة الصادرة من شاب غير مجرب. وقد شعرت بالخجل إذ رأيت أحد أبنائي في السن يعلمني حكمة غربت عن فكري، ولكني أحمد الله على أني في هذه الأمور أنزل عند الحق ولا تأخذني العزة بالإثم. فقلت له (إني شاكر لك تنبهي إلى هذا يا صديقي وسوف أقص عليك نبأ ما أرى) وما هي إلا ساعة حتى كنت جالساً على المقعد في تلك الآلة
стр. 1800
المحبوبة ووضعت يدي على عجلتها وأدرتها ضاغطاً نحو اليسار. فرأيت اللسان يتحرك هذه المرة إلى أعلى وقد أشار إلى أرقام أعلى من رقم ١٩٣٣. وقد عراني عند دوران الالة دوار شديد لم أشعر بمثله عند تجوالي في العصور الماضية فلم أفق من الدوار حتى كان اللسان قد بلغ رقم (٢٠٠٠) عند ذلك أوقفت حركة العجلة ونزلت من الالة وتركتها علىجانب الطريق الذي وجدت نفسي فيه، ولم أخش أن
أتركها حيث هي وأسير إذ أني كنت على يقين من أنها في مأمن من الرقة لأني كنت كل الثقة من أنه ليس في الناس جميعاً من يملك منظاراً من معدن الآلة فيستطيع أن يرها إلا أنا والمخترع الأصلي للآلة وقد سبق لي ذكر أسمه. سرت بعد ذلك في طريق عجيبة لم تقع عيني على مثلها، فهي فسيحة لا يقل عرض أضيقها عن مائة متر. ويحف بها من جانبيها أبنية شاهقة هي أشبه بما نسمع في عصرنا الحالي في أمريكا وهو ما يسمونه (ناطحات السحاب) وكانت حركة الانتقال في تلك الطرق الفسيحة سريعة عنيفة حتى كنت أخطو الخطوة وأنا خائف أترقب، وكانت السيارات من كل نوع ومن صنوف لم أرى مثلها من قبل في عصري الذي أعيش فيه وما كان أشد عجبي عند ما رفعت رأسي إلى قمة هذه الأبنية فوجدت فوقها حركة عظيمة من طيور عظيمة تعدو وأخرى تهبط، ولكني عجبت أن تكون الطيور في مثل هذا الحجم وهي على البعد العظيم الذي بيني وبين قمم هذه الأبنية، وهمت أن أسال بعض المارين عن ذلك، ثم رأيت منطاداً طائراً يشبه ذلك المنطاد الذي آتى به (اكنر) إلى مصر في العام المنصرم في عصرنا هذا، ففكرت في نفسي قائلا: ألاتكون تلك الطيور طائرات ميكانيكية. ولم يطل بي أمد الحدس والتخمين فقد رأيت طائراً من تلك الطيور يهوي من العلو الشاهق إلى أسفل فإذا به يستوي على جانب الطريق وإذا به آدمي قد وضع على ظهره آلة ذات جناحين قد ربطها ربطاً محكماً في كتفيه وأعلى صدره. فما هبط على الأرض حتى حل الأربطة وعالج الآلة حتى أسترت على عجلتين كانتا خفيفتين ثم أدار لولباً في جانب الآلة فإذا بها تعدوا على نمط (الموتوسيكل) في عصرنا الحالي. وعند ذلك فقط عرفت كنه هذه الأسراب الطائرة فوق أعلى الأبنية. ومضيت في سيري وأنا اكثر علماً بأنني في عصر جديد وعهد غير ما عرفت في بلادي. وجعلت وأنا سائر أتلفت حولي تلفت المذهول الدهش كأنني بعض أهل الريف نزل
стр. 1801
عاصمة كبرى لاول مرة في حياته، فقلت في نفسي إنني أخشى أن أنا بعدت عن موضعي ألا أستطيع العودة إليه فليست هذه المدينة القاهرة التي ولدت فيها وعشت فيها طوال السنين، بل لقد غيرها مر الدهر أي تغيير حتى صارت غير ملائمة لحواسي وأعصابي، وعولت على أن أعود إلى الآلة التي حملتني إلى ذلك العصر المجهول فأحرك عجلتها وأعود من حيث أتيت. بينا أنا أفكر في عصر غير ناظر إلى ما حولي إذا أسرع إلى شاب فاختطفني اختطافاً ودفعني إلى جانب. وما هي إلا ثانية بعد ذلك حتى رأيت طائراً من تلك الطيور الآدمية قد نزل في الموضع الذي كنت واقفاً فيه ولو لم يدفعني ذلك الشاب لكان الطائر قد هوى على وحطم رأسي. فلما أفقت من ذعري خاطبني الشاب بلهجةاللوم قائلاً: ((أما ترى علامة انفتاح الطريق امامك؟)) فنظرت إلى حيث أشار بيده فوجدت إشارة حمراء وسهما مشيراً إلى أعلى فعلمت إن ذلك المكان موضع لرسو من أراد النزول من الطائرين إلى الأرض وان الناس قد اعتادوا إطاعة تلك الإشارات الحمراء وتحاشي تلك المواضيع. فاعتذرت إلى الشاب وشكرته ثم دنوت منه فسألته قائلاً: (أرجو أن تدلني على مكان محطة المترو هنا. فنظر إلى الشاب وتبسم ضاحكاً ثم قال: (لقد عرفت منذ رايتك انك لست من أهل القاهرة) فغضبت لهذا لاني لا اعتز بشيء اعتزازي باني من أبناء القاهرة الصميمين، وقلت له: (إنني منهم ومنزلي في مصر الجديدة في شارع. . .) وما كدت اكمل هذا القول حتى ضحك وقال (مصر الجديدة! حقاً إنك رجل لطيف. تعال معي إلى هذا المجلس فإنني متعب وقد سرتني دعابتك. فمن أي الأرياف جئت؟). قال هذا وسار بي نحو مقعد عام على جانب الحديقة التي في وسط الطريق. وقد أعجبني من الشاب شهامته وخفة روحة فكظمت غضبي من إصراره على إنني ريفي، وذهبت معه وأنا مسرورة لأنني ووجدت رجلاً من أهل العصر الذي دخلت فيه أكلمه واعرف منه أسرار حياة الناس في أيامه. فلما استقر بنا الجلوس قال
باسماً: (إنت إذن من مصر الجديدة؟) فقلت له متحدياً: (نعم! أنا من هناك). قال: (انيس سمعت بهذا الاسم في التاريخ في أثناء دراستي في الجامعة، ولكن مصر الجديدة اليوم اسمها حي الشركة القديمة.) فقلت - (حي الشركة القديمة؟ ولكن ما معنى هذا؟) فقال إنني كنت ادرس التاريخ الاقتصادي في جامعة حوش عيسى وهناك. . . . . .). فلم أتمالك
стр. 1802
نفسي أن ضحكت هذه المرة متهكما إذ رأيت فرصة للانتقام. وقلت: (جامعة حوش عيسى؟ يالك من مداعب ماهر! ألا تعرف إنني عشت في إقليم البحيرة ورأيت حوش عيسى؟ جامعة حوش عيسى!) ثم اندفعت اضحك. فقال الشاب متعجباً من ضحكي: (لست ادري لماذا تضحك؟ نعم جامعة حوش عيسى. ألا تعجبك مدينة تعدادها اليوم فوق نصف مليون من الأنفس؟ وهل تسخر من مدينة هي مركز شركات صناعة القطن والحرير والصابون وعجلات السيارات وأجنحة الطيارات؟). فقلت له ضاحكاً: (ما أمهرك في الفكاهة يا أخي! لعلهم قد كشفوا هناك منجماً للفحم.). فقال الشاب: (منجماً للفحم؟ ولماذا؟ إن هناك اكبر مؤسسات استخدام أشعة الشمس. فهل من حاجة مع هذه المؤسسات إلى منجم للفحم؟) فأرجعت شفتي إلى نصابيهما من الجد وعلمت أن قول الشاب لا ينم عن هزل أو فكاهة. فقلت له معتذراً إذ كنت اجهل ذلك، ولكني أرجو أن تخبرني أي شعب له فضل إنشاء هذا المصانع؟). فنظر إلى متعجباً وقال: (الست مصريا؟ فقلت له مرتبكاً: (نعم أنا مصري. وكدت أخون نفسي فافصح له عن سرب حالي وحقيقة أمري ثم تدرعت بالحزم وقلت له: (ولكن أرجو العفو فقد غبت عن مصر مدة طويلة. فالحقيقة إنني انتقلت منها طفلاً ولم اعد إليها إلا اليوم، وكنت احب أن اعرف الموضع الذي كنت أعيش فيه وأنا طفل فسألتك عن محطة المترو لأذهب به إلى مصر الجديدة لذلك الغرض. فقال الشاب: (اعلم إن مصر اليوم لا يسمح فيها لشركة أجنبية ان تقوم بعمل. فهذا محرم في قانونها، ومنذ عشرات من السنين قد أفلست شركة مصر الجديدة لأنها ضاربت في بعض المشروعات الأجنبية، ومنذ أفلست استولت الدولة على مكانها وأطلقت عليه اسم حي الشركة القديمة، وهي حي متوسط بين حي (الملكة نازلي الذي نحن فيه الآن وحي ميدان الطيران الضغر الذي في الطريق المؤدي إلى مدينة السويس، ويمكنك الوصول إليه عن طريق تحت الأرض رقم ١٠٥ عن طريق السيارات رقم ٥٠ شمال، وكنت اسمع قول الشاب وأنا في دهشة عظيمة من التغير الذي اعترى البلاد وأردت أن اعلفم علم تلك الشركات التي ذكرها الشاب في عرض حديثة عن مدينة حوش عيسى فقلت له: (ولكنك لم تقل لي لمن تلك الشركات التي تملك مصانع حوش عيسى) فقال الشاب: (هي مثل الشركات التي تملك مصانع بليسون الإسماعيلية وبور فؤاد: ومثل شركات مصانع السيارات والطيارات في أسوان. وشركات
стр. 1803
استخراج الراديوم والألمنيوم وسائر المعادن في سواحل البحر الأحمر، ومشركات مصانع الفواكه والمربيات في وادي عربة الواقع في الصحراء في شرق مديريتي بني سويف والمنيا. فكلها شركات مصرية) فلم أتمالك أن اهتززت هزة قوية عندما ذكر الفتى ذلك ورفعت رأسي مباهياً كأنما هذه الشركات قائمة في عصري الحالي وكدت افخر قائلاً أنا من بني مصر هؤلاء. ولكني ذكرت أن فخر ذلك ليس لي فاني من أهل جيل لم يحن لهم أن يفاخروا بمثل هذا. ورأيت الفتى يستعد للقيام فسألته وأنا آسف لفراقه: (إلى أين؟) ولقد وددت أن أبقى معه حتى اعرف كل ما في حياة مصر في عصره من التجديد البديع، ولكنه أجاب إجابة حاسمة: (اعتذر لك لاني ذاهب لسماع خطاب رئيس شركة قناة السويس في البرلمان في موضوع هام خاص برسوم البحارة في تلك القناة) فسألته: (وكيف يكون رئيس تلك الشركة عضواً في البرلمان؟) فنظر ألي متأففاً من غبائي وقال: (ولكن لم تعجب لذلك؟ أليس مصرياً؟) فخجلت إذ عرفت إنني دائماً أنسى واخلط بين عصري وذلك العصر الجديد الذي نزلت به. ومد الفتى يده إلى
مسلماً وقال: (لعلنا نلتقي بعد!) فسلمت عليه باسماً وشكرته ولكنني لم املك نفسي أن سألته سؤالاً كان يحول بنفسي طول المدة التي جلست فيها معه فقلت: (ولكن ماذا فعل الإنجليز. ألا يزالون على عهدهم) فرفع الشاب رأسه عالياً وشمخ بأنفه وقال لي غاضباً: (حسبك أيها الرجل. ما ظننت انك تبلغ بي إلى هده الإهانة.) فقلت معتذراً: (أية اهانة؟ انني لم اقصد شيئاً من ذلك) فقال وهو يسير: (انك تذكرني بعصر مضى منذ بعيد. قضى على بلادي أن تخضع له حيناً من الدهر أيام كان أهلها فيهم رخاوة وضعف، ولكن ماذا يدخل الإنجليز اليوم في أمورنا ولهم من أمورهم في بلادهم ما يملأ دائرة اهتمامهم؟) قال هذا وسار مسرعاً وتركني وحدي لا املك رأسي ما بها من الدوار. فوضعت منظاري على يميني وجعلت بنظري حتى رأيت الآلة حيث تركتها وأسرعت إليها فأدرتها وعدت إلى عصري ورأيت المناظر التي أعدتها منذ عشت، وعدت إلى منزلي فقضيت ليلة مسهدة بين آمال وهموم. وقد زارني أصدقائي في اليوم التالي فقال لي توفيق: (لعلك رأيت في العصور الآتية ما يذهب عنك الم الحاضر) فقلت: (لن تراني بعد اليوم مقطب الجبين. سوف أسعى بقدر طاقتي لعلي أكون موفور النصيب من بناءس ذلك المجد المقدور. ثم حكيت له قصة
стр. 1804
ما رأيت وقلت له: (ليحمل كل منا أمانته إلى أبناء الجيل الذي بعده. فهذا مجد محتوم. هذا أمل محقق ان شاء الله)
стр. 1805
هاكم قبعة أخرى
تأليف لويجي براندللوا
وترجمة الدكتور محمد عوض محمد.
(ولد لويجي بيراندللو في ٢٨ يونيو سنة ١٨٦٧، في إحدى القرى بجزيرة صقلية ودرس في روما وفي ألمانيا، ثم عاد إلى روما واحترف أولا مهنة التدريس، وانصرف في جهوده الأدبية أولاً إلى الشعر، ثم إلى التأليف القصصي: ثم المسرحي وقد سلك في بادئ الأمر مسلك جيوفاني فرجا الروائي الصقلي الشهير. فكان يتخذ من قصصه وسيلة لوصف أهل صقلية ومعيشتهم وطباعهم: لكنه ما لبث أن ظهر أسلوبه الخاص. في رواية الشيوخ والشاب وفي قصة المرحوم ماتيا باسكال. واكبر ما يعاب على بيراندللو تغلب العقل على العاطفة في مؤلفاته ونظره إلى الأشياء على غير حقيقتها. وإغراقه في التحليل وتشاؤمه. ولكن براعته ومقدرته كانت موضع إعجاب شديد في جميع أوروبا. وقد ترجمت قصصه وتأليفه المسرحية إلى ١٥ لغة. ومثلت قطعته المسرحية باللغة الإيطالية في إنكلترا وفرنسا وسويسرة وفي ألمانيا فقوبلت بحماس شديد. وكان المؤلف نفسه يشرف على إخراجها.) بعد أن قضى دييجو برونو ساعات طوالاً يتمشى، بلا قصد ولا مأرب، على ضفاف نهر التيبر، في ذلك الحي الهادئ المسمى براتي دي كابتللي في مسيرة جدران الثكنات، ومبتعداً قدر جهده على ضوء المصابيح، أحس فجأة أن التعب قد نال منع فتوقف هنيهة تحت ظل شجرة، ثم صعد البرابي المطلة على النهر. . وهناك جاس موليا وجهه تلقاء النهر، ومدلياً رجليه من فوق السور. ومن تحته الماء يتدافع في جريانه بصوت مبهم غامض، وقد انعكست على صفحته القاتمة أضواء مرتعدة مضطربة أرسلتها مصابيح الضفة المقابلة وشمل السكون المكان، فلم يكن ينبعث من المنازل المقابلة صوت، ومن وراء تلك المنازل، على
بعد شاسع كان يبدو شبح مدينة روما. وفي السماء قطار يتدافع من السحب الصغيرة، ذات اللون الرمادي الشاحب. وكإنما كانت تهرول مسرعة، لكي تلبي دعوة داع قد أهاب بها من المشرق إلى اجتماع غامض عجيب، وقد اشرف القمر من فوقها كأنه يستعرضها وهي تمر سراعاً بين يديه. جلس الفتى من غير حراك، وقد ولى وجهه شطر السماء، محدقاً في تلك
стр. 1806
السحب. التي استطاعت بجريانها السريع أن تكسب الليلة المقمرة نشالها وحركة. لا شك أن هذا أحد الناس. قد وقف ليرقب مثله منظر الليل ولكي يتأمل في تلك السحائب وهي تمضي سراعاً، وإلى القمر في السماء إذ يستعرضها، وإلى تلك المياه المظلمة القاتمة، وما انعكس عليها من شعاع مرتعد مضطرب. ثم تنهد تنهد الحزين، فان إحساسه وجود رجل آخر ضايقه، وافسد عليه تلك اللذة الحزينة التي يبعثها شعوره بالوحدة، ومن حسن الطالع انه كان يجلس في الظلام، فعسى القادم ألا يراه، والتفت لكي يستوثق من الأمر. وجعل يحدق في هذا الغريب. يا عجباً! ما خطب هذا الرجل وقد وقف جامداً فريداً وحيداً؟ ثم ما هذا الشيء الذي بيده كأنه حقيبة صغيرة؟ لا ليست هذه حقيبة. بل قبعة. . . وبعد فماذا عساه أن يفعل؟ رباه! انه يصعد السور. . أتراه يريد أن يرتكب. . ويلاه. . ما هذا؟ وتراجع دييجو بغريزته إلى الوراء، مغمضاً عينيه، حابساً نفسه، وماداً يده إلى الأمام كأنما يدفع شراً، وهو يتوقع سماع صوت ذلك السقوط المروع في الماء الذي تحته. حادث انتحار. . . يا عجباً. . كيف يجوز مثل ذلك؟ ثم فتح عينيه، وجعل يحدق في الماء تحديقاً شديداً وهو يحاول أن يخترق ببصره أعماقه السوداء. فلم تقع عيناه على شيء. . . الصمت شامل والهدوء باسط جناحيه. . لا صياح ولا نداه ولا صوت. فيا عجباً! ألم يره أحد، ولم يسمع صوته إنسان؟ هنالك تحت لجج النهر رجل يغرق، ولعله الآن يكافح في يأس وفي جهد. . . كل هذا يجري وهو جالس في مكانه مرتعداً عاجزاً خائراً!. . . أما يحمل به أن يبادر فيطلب النجدة! أو يصيح بأعلى صوته ولكن هيهات. . لم يعد يجدي الصياح والاستنجاد! لقد رضي أن يبقى مختبئاً في مكانه المظلم، تاركاً ذلك المسكين يغرق!. . جمد في مكانه كالصخرة الصماء، حابساً نفسه، سائلاً نفسه من آن إلى آن: أحقا قضي الأمر. . قضي الأمر؟ وبعد حين جعل ينظر فيما حوله. . لعل الأمر كله حلم رآه! إن كل شيء باق كما هو لم يتغير: المدينة راقدة تحرسها المصابيح، وسط سكون عميق كما كانت من قبل، والأضواء ترتعد على صفحة الماء القاتمة بأشعة ثعبانية ملتوية. . لم يتغير في هذا المنظر كله سوى شيء واحد: فلقد كان على عمود مصباح من المصابيح قبعة الرجل بقيت هناك حيث تركها، وكان المصباح يرسل عليها شعاعاً شاحباً مشؤوماً. . وكانإليه أن تلك القبعة تؤنبه وتتهمه. . فأخذ يرتعد فرقاً. ثم نزل مسرعاً من فوق البرابي،
стр. 1807
وجعل يعدو ومنزله مستتراً بظلام الليل. (دييجو! دييجو! ما خطبك؟) (لا شيء يا أم! وما عساه أن يكون خطبي؟) (لست ادري أيها العزيز. . . غير أني. . . حسبتك. . . لقد جئت متأخراً الليلة فهل أهيئ لك حجرتك الآن؟) فالتفت الفتى إلى أمه مغضباً، وقال: يا عجباً لك! انك! تسألينني هذا السؤال كل ليلة من ليالي عمري!) وكان هذا الرد كأنه سوط يستحثها، فاندفعت العجوز الصغيرة الجسم نحو الحجرة وهي تجر إحدى رجليها. اتبعها الفتى نظرات قد امتزج فيها الغيظ والكمد ورآها وهي تختفي آخر الدهليز، فتنفس الصعداء إشفاقا عليها، ثم لم يلبث أن عاود الضجر والكمد. وقد بقي ينتظرها - دون أن يعرف للانتظار سبباً، ولا ماذا عساه أن ينتظره - في هذه الحجرة المظلمة، ذات السقف القذر والجدران الممزقة الورق، التي اتخذتها الأم لصناعة الثياب حجرة صغيرة كئيبة قد غصت برخيص الأثاث، وبعدد الحياكة المختلفة: آلة للخياطة، مقص مستطيل، تماثيل سخيفة ذات صدور ضخمة، شريط مقاس، قطعة من الطباشير، أكداس من صور الأزياء ذات الابتسامة الكالحة. . . وكلها أشياء قد ألف دييجو رؤيتها فلم تعد تستلفت نظره. لقد عاد إلى منزله، يحمل
في رأسه صورة كأنها منظر شاهدة في مسرح، صورة تلك السماء العجيبة، تغشاها السحائب الصغيرة الخفيفة. ومنظر النهر القاتم، قد انعكست في صفحته أضواء المصابيح والمنازل العالية على الضفة المقابلة، وذلك الشبح البعيد لمدينة روما، وذلك الجسر الممدود. . ثم تلك الأقنعة! كانت أمامه صور كل تلك الأشياء الجامدة، حاضرة لكنها غائبة. وكذلك هو. . لقد كان حاضراً غائباً. جلس في مكانه المظلم يرقب الرجل وهو يغرق. . فكأنه لم يكن هناك، وكأنه كان غائباً، فلم يحرك ساكناً، ولم يفتح فمه، ولم يستنجد. والآن قد رجع إلى داره وقد ملكته الحيرة، واستولى عليه الذهول، كأنما كان ما سمعه ورآه لم يكن سوى حلم نائم. . لم يلبث أن رآى قطة كبيرة، ذات فروة رمادية ناعمة. وثبت فوق المائدة، وجعلت تنظر إليه بعينين خضراوين خاليتين من كل معنى، هذه قطة الدار، اتخذوها لصيد الجرذان. غير أنها منذ أيام انتزعت من الجدار قفصاً به عصفور جميل. . ثم لم تزل تحتال دائبة، تدفعها القسوة والنهم، حتى استطاعت أن تخرج العصفور من بين القضبان. ثم التهمته. وقد حزنت أمه لهذا حزناً شديداً. . بل انه هو أيضا قد آلمه أن يفترس ذلك
стр. 1808
العصفور المسكين على هذه الصورة، أما القطة، فهل تأثرت أو أحست ندماً على ما ارتكبت؟ كلا! بل ها هي ذي جالسة في سكون وطمأنينة، كأن لم تقترف ذنباً ولئن رفعها بعنف على المائدة فإنها لن تعرف لهذا الاضطهاد سبباً. عجباً ألا يستطيع هو أن يكون مثلها؟ إلا يمكنه أن يقترف الإثم كما فعلت هذه الهرة، ثم ينسى كل شيء بعد ارتكاب الجريمة بلحظة؟ إن الآفة الكبرى التي تستحقه وتعنيه هي انه يتذكر. . يتذكر أبدا ويعلم أن الناس سيذكرون أبدا. لكنه يخيل إليه انه في هذه الليلة يرى الأمور في ضوء جديد. . مثلاً: نظرته إلى أمه. . . انه لم ينظر إليها الليلة كأنها أم. . . بل امرأة عجوز كأمثالها من النساء. . . ذات جسم ضخم وانف غليظ قد اعوج قليلاً أحد جانبيه. ولها شامة كبيرة في قاعدة منخرها الأيسر، وخداها الشاحبان تغشاهما خطوط زرقاء من الأوردة الدقيقة. وقد تدلى كل خد في ترهل وضعف. . . وقد جعلت تنظر إليه بعينين متعبتين خائرتين. وحين حدق في وجهها أطرقت بعينها، وقد ملأها الخجل والعار. . . ولكن مم تخجل الأم؟ لقد كان يعرف جد المعرفة سر هذه الخجل، وهذا الشعور بالعار. وأخيراً ضحك ضحكة الساخر. وقال ((عمتي مساءً أماه!)) وانطلق إلى حجرته، واغلق بابها.
جلست الأم إلى مائدة الحياكة، لكي تتم خياطة ثوب، ستحضر صاحبته في طلبه في الصباح. لكنها لم تجلس لتتم عملها فحسب، بل لكي تفكر قليلاً. . . ماذا عساه قد جرى لفتاها الليلة؟ طالت غيبته ولم يرجع إلا متأخراً. وكانت تغشاه رعدة. ووجهه شاحب كأنه خرقة بيضاء. . . وليس الشراب سبب هذا الاضطراب. إنها لم تنشق من فمه رائحة الخمر وليس دييجو من الشاربين. ومع ذلك، فليس من شك في انه قد ألم به اليوم حادث. أتراه قد التقى من جديد بأولئك الرفقاء الأشرار. الذين كانت صحبتهم وبالاً عليها ودماراً. ذلك ما كانت تخشاه:: نهضت من كرسيها، ومشت على أطراف قدميها حتى وصلت إلى باب حجرته. وأنصتت، فلم تسمع صوتاً لعله إذن قد آوى إلى فراشه وقد غشيه النعاس. . عادت إلى حجرتها. وأخذت تجد في إتمام عملها. كانت من آن لآن تنزع المنظار عن عينيها وتمسحه. لقد كانت من قبل وليس لها مورد رزق سوى ما كانت تمنحه من معاش كإحدى الأرامل. وكانت تجد في هذا كفايتها. أما الآن وقد فقد دييجو منصبه وأضحى بلا عمل. فقد اضطرت إلى السعي والاكتساب. وفوق هذا قد خطرت لها فكرة: وهي أنها
стр. 1809
تستطيع بفضل جدها واقتصادها أن تجمع من المال ما يكفي لإرسال دييجو إلى أمريكا. إذ لا بد للفتى من فرصة كي ينشد حظه من جديد. أما ها هنا في إيطاليا فقد سدت في وجهه السبل، وهذه البطالة التي اكره عليها إكراهاً توشك أن تأكل روحه وتقضي عليها. أمريكا إذن.
إن أمريكا هي وحدها المكان الصالح له، فلا بد من إرساله إلى أمريكا ولو كان في هذا موتها وفناؤها. لا بد أن يفتح لولدها باب الحظ. . . ولدها هي. . . ذلك الفتى الكريم. . لله ما أطيبه! وما أجمله، بل وما أقدره وما أذكاه! ألم يكن من قبل قادراً على الكتابة والتحرير. حتى لقد نشرت له الصحف بعض ما كتب؟ ثم ما جرمه الذي اجترم، وما ذنبه الذي اقترف؟ لم يكن الأمر سوى ضرب من عبث الشباب، والذنب فيه راجع إلى لأولئك الرفقاء الأشرار، وإلى ذلك الروسي أو البولندي، أيا كان وأيا كانت جنسيته. . ذلك الأجنبي القذر، ذلك السكير المهين، الذي جاء إلى روما لكي يسوق أبناء الأسر الشريفة المبجلة إلى الدمار والعار، فوا أسفاه على أولئك الفتيان البله، كيف ضاع رشادهم، وضلوا عن طريق الصواب، إذ دعاهم ذلك الأجنبي الكثير المال إلى منزله، فطاشت أحلامهم ما بين كؤوس الخمر والنساء وضروب اللهو. . ويصل ذلك الروسي المقامر على أن يأتي بالورق ويلح عليهم أن يلاعبوه، اجل كان يلح عليهم إلحاحا. ولئن كان قد خسر نقوده. فذلك جزاؤه على إصراره وعناده. لكنه بعد هذا يذهب ويا للعار! فيتهم أصدقاؤه بالغش والتزوير. ثم يسعى في مقاضاتهم لكي يجلب إليهم الدمار مدى الدهر. . سمعت الأم صوتاً كأنه صوت بكاء مكتوم ينبعث من حجرة ابنها، فنادته: (دييجو!) فلم يرد جواباً. أنصتت مرة أخرى، وألصقت إذنها بالباب، انه مستيقظ، فما عساه يصنع الآن. انحنت ونظرت من ثقب المفتاح. . رحماك اللهم! انه يقرأ. . عاد إلى مطالعة تلك الصحف الكريهة التي اشتملت على تفاصيل المحاكمة، فلماذا. . لماذا يريد أن يعود إلى قراءتها. . وفي هذه الساعة من الليل؟ ونادته بصوت عال: (دييجو!) ثم فتحت الباب فالتفت أليها، وهو يثب فزعاً. وقال: (ما الخطب يا أم، ما بالك لم تأوي إلى فراشك!) قالت: (وأنت، ما بالك لم ترقد في فراشك بعد؟) فتكلف الابتسام وجعل يمد ذراعيه. (أنا؟ إني أتسلى قليلاً) فقالت العجوز وهي تعصر يديها عصراً: (دييجو! دييجو! احرق هذه الأوراق! استحلفك أن تحرقها. . لماذا تريد أن
стр. 1810
تؤذي نفسك؟ ماذا يجديك هذا كله؟ انس ذلك الحادث تماماً!) فنظر إليها وهو يضحك. (شيء بديع!. . كأني إذا نسيت ذلك الحادث فقد ينساه الناس جميعاً! ما أبدع هذا! وما أسهلها وسيلة! ننسى الحادث كلنا في لمحة الطرف! ثم نتساءل هل حدث شيء؟ لا. . . لا. . . لا شيء مطلقاً. . . السجن! كلا لم يكن هنالك سجن. بل كان ما في الأمر أني سافرت. . . في إجازة خارج القطر. . . إجازة بديعة دامت ثلاث سنين) ثم قال مغيراً لهجته: (يا أماه! هذا عبث لا طائل تحته. فلنتكلم في موضوع آخر. ألا ترين أني قد قضى على القضاء المبرم؟ ألا ترين كيف تنظرين - حتى أنت - إلى؟) (لا يا دييجو. . . لا. . . انك على خطأ وكل ما هنالك أيها العزيز إني كنت انظر. . . اجل كنت انظر. . . إلى ثيابك. . . فقد باتت رثة. لا بد لك الآن من بذلة جديدة.) فنظر إلى ثيابه نظرة فحص وتحقيق. ثم ضحك وقال: (إذاً أنت تظنين أن هذا هو السر في تحديق الناس بي كلما رأوني! لست أنكر أن ثيابي قد امتدت إليها يد البلى قليلاً، ولكن هذا القدر القليل ليس بشيء ذي خطر وأنا شديد الحرص عليها. البسها في عناية، وامسحها واكويها. والحقيقة أن مظهري حين البسها لا بأس به مطلقاً. فهو مظهر الرجل الفاضل، الذي يستطيع أن يتخذ مكانه في العالم على غير استحياء ولا خجل. . . فدعى هذا الكلام! فليس ورتءه من طائل!. . أماه ألا ترين انه قد قضى على القضاء الأخير) ثم أشار إلى الأوراق التي بين يديه: (أن البلاء كل البلاء، هنا، في هذه الأوراق وحقيقة الأمر أننا اطلعنا الجماهير على لعبة ورواية مدهشة. فهل تحسبين انهم ينسونها بكل هذه السرعة؟ لا أظنهم جاحدين بهذا القدر. . . ويا لها من رواية تلك التي أريناهم. . . رواية تتمثل فيها الأرواح عارية دنيئة ملوثة، وهي تحاول أن تختفي عن الأنظار، يوم كان كل منا يجذب رداء المحامي الذي يدافع عنه لكي يستر به عاره، اجل كانت رواية مدهشة رائعة. أتتذكرين كيف ارعد الناس ضاحكين في
ساحة القضاء حينما سمعوا ما فعلناه بذلك الروسي يوم أن ألبسناه الزي الروماني القديم وألبسناه الخفين، على ما له من انف افطس ووجه منقط، ورأس مستدير، ومنظار ذهبي، ثم جعلنا ندفع ذلك الخنزير السمين دفعاً، ونضرب رأسه بخفيه وكلما أوسعناه ضرباً ازداد طرباً. لأنه قد اخذ من السكر) (دييجو! استحلفك!) (اجل كان سكراناً، ونحن الذين أسكرناه.) (لا. لا. لم تكن أنت الذي فعل هذا، بل الآخرون. . .) (وأنا أيضا. . . أتعلمين
стр. 1811
يا أماه أن هذا كان كله من سبيل المزاج. لقد كنا نعبث به ونمزح. ثم تناولنا الورق لنلعب، وكان من السهل أن نربح. والرجل قد ذهبت بعقله الخمر.) (دييجو! استحلفك!) (قلت لك إننا كنا نمزح، هذا وحقك يا أماه، هو الصدق الذي لا مرية فيه، ولكني حين ذكرت هذا في دار القضاء ضج الناس بالضحك، اجل حتى القاضي. . بل لقد كان هو أشدهم ضحكاً. . ضحك الجميع من قولي هذا. . الجميع. . حتى رجال الشرطة. ومع ذلك فقد كان هذا هو الحق. فلقد كنا نرتكب الغش، ونحن لا ندري. أو إذا كنا ندري فما كنا نرى أنفسنا إلا مازحين وهل كانت سوى أموال رجل قذر معتوه، وكانت تنصب من جيبه انصباباً، كما انصبت من جيوبنا فيما بعد. حيث كنا نبذرها تبذيراً في بلاهة وجنون، حتى لم يبقى لدين منها درهم واحد.) ثم التفت إلى خزانة الكتب واخرج منها كتاباً. (هذا كل ما بقي لي من تلك الأموال. فقد مررت يوماً ببائع كتب واشتريت منه هذا الكتاب.) ثم التقى بالكتاب على المائدةفإذا هو ترجمة فرنسية لكتاب جون رسكن المعروف (تاج من أغصان الزيتون). وجعل يحدق في السفر مطبقاً حاجبيه. عجباً كيف خطر له في تلك الأيام أن يشتري هذا الكتاب؟ لقد اعتزم إلا يعود إلى المطالعة، وإلا يخط حرفاً أبدا. وما دعي إلى الذهاب لذلك الروسي سوى عزمه على أن يخمد جذوته، وان يقتل في نفسه حلماً كان يملؤها: حلما بأنه سيغدو يوماً كاتباً ومؤلفاً. ذلك كان حلم شبابه. ولكن الفقر الأليم الذي نزل بأسرته جعل تحقيق هذا الحلم أمرا محالاً. ولهذا صح عزمه على أن يقتله قتلاً. وقفت العجوز تتأمل هي أيضاً ذلك الكتاب الغريب، وبعد لحظة قالت في شيء من التردد: (أترى يا دييجو. . . لو انك عاودت الكتابة) فنظر إليها نظرة كريهة كئيبة، انقلبت لها سحنته وشاهت صورته. لكنها عادت إلى الكلام وقالت: (ماذا يضرك أن تحاول؟ ماذا يدعوك إلى اليأس، وأنت بعد فتى لم تتجاوز السادسة والعشرين ومن يدري لعل لك في الحياة حظاً جديداً ننسى به ما قد مضى. .) فقاطعها، وهو يخاطبها في سخرية وتهكم: (نعم حظ جديد ما اكثر الحظوظ الجديدة اجل ولعمرك لقد أصبت الليلة حظاً جديداً. فلقد شاهدت بعيني رأسي رجلاً يلقي بنفسه في النهر. وجلست في مكاني أراقبه دون أن أحرك ساكناً.) (ماذا تقول يا دييجو؟ أأنت شهدت حادث انتحار الليلة؟) (اجل أنا شاهدت رجلاً ألقى بقبعته على البرابي. ثم صعد وألقى بنفسه في النهر في هدوء وسكون وجلست أنا في موضعي، منصتاً لصوت
стр. 1812
سقوطه في الماء، وكنت على بضع خطوات منه، جالساً في ظل شجرة، وكان كل ما فعلته أن جلست في مكاني وتركته يغرق. اجل ذلك كل ما فعلت ثم استولي على الذعر فجأة، حين أبصرت قبعته التي تركها خلفه. فلذت بالفرار) (أنت تعلم يا عزيزي انك لا تعرف السباحة. فاني لك أن تقوم بمساعدته وإنقاذه؟) كان في وسعي أن أصيح واستنجد. أو على الأقل أحاول إنقاذه. فقد كان إلى جانبي درجات من الحجر نازلة إلى النهر، لم يكن بيني وبينها غير مترين. أتعلمين إني رأيت هذه الدرجات. اجل رأيتها في وضوح ومجلاء. . ولكني تجاهلت رؤيتها. ثم لم تك إلا لحظة حتى قضي الأمر وغاب عن الإبصار) (ألم يكن بالمكان أحد سواك؟) (كلا لم يكن بالمكان غيري) (لا بأس عليك يا دييجو وماذا عساك أن تصنع وحدك. فلا تبتئس انك متعب منهوك القوى. ولقد هذا كل ما هنا لك ولقد أخذت ترتعد لسهول ما رأيته الليلة. والآن فلتذهب
إلى فراشك ونم لكي تنسى كل شيء) وتناولت يده في شيء من التردد وجعلت تمسحها بكفها. وأجابها على كلامها بهزة رأسه. وقال لها وهو يبتسم (عمتي مساءً يا أماه!)
(نم هانئأً يا بني!) لقد اثر في نفسها انه سمح لها بان تمسك يده وتمر عليها بكفها مراراً. وجعلت تمسح عينها من خلف مناظرها. ثم أطفأت المصابيح وذهبت إلى فراشها وهي تفكر في تلك اللحظة التي سمح لها فيها أن تلاطفه تلك الملاطفة. لم تمض ساعة حتى كان دييجو برنر في مجلسه الأول على البرابي، في ظل تلك الشجرة. وقد جلس كما كان يجلس من قبل ناظراً إلى النهر، ومدلياً رجليه. وكانت السحائب لم تزل تغشى السماء في لونها الرمادي الشاحب وكأن لم يتغير شيء مطلقاً. . بل لقد تغير شيء واحد: فان القبعة قد اختفت. واكبر الظن أن أحد رجال الشرطة قد رآها في تجواله فأخذها. نزل دييجو فجأة عن البرابي ومشى نحو الجسر. ثم انتزع قبعته عن رأسه. ووضعها في نفس المكان حيث كانت قبعة ذلك الرجل الغريب. ثم تبسم وقال: (وهاكم قبعة أخرى!) وكأنه ما فعل هذا لا ليمزح؛ كأنما أراد أن يمازح رجال الشرطة. وعاد إلى مكانه في ظل الشجرة. وجلس برهة يتأمل القبعة، معجباً بمنظرها وكأنه لم يكن له وجود. . ثم اندفع فجأة يضحك ضحكاً عالياً وحشياً. لقد بدت له القبعة كأنها فأر، وكإنما هو قطة ترقبها. . وجعل يتدلى من البرابي شيئاً فشيئاً. . ملقياً بنفسه إلى النهر على مهل. وقد امسك الحاجز الحجري بقبضتيه. فأحس
стр. 1813
بقلبه يثب وشعر رأسه يقف، ثم أحس بقبضتيه. . وقد أخذتا في الارتخاء. وانفرجت أصابعه؛ فهوى من النهر. . إلى الفناء. .؟
стр. 1814
الكتب
جان دارك
في سبيل الوطن
تأليف الأستاذ غانم محمد
هذا كتاب ألفه الأستاذ غانم محمد فاخرج به للناس درة من اثمن ما تحوي لجة التاريخ من درر، ونشر صفحة من اسطع ما طوى الدهر من صفحات. وهو بهذا الكتاب قد أذاع في الناس مثلاً أعلى للتضحية والفداء، ونموذجاً ساميا للوطنية المشتعلة الصادقة ممثلة في جان دارك، التي ارتفعت إلى مستوى القديسين وأولياء الله الصالحين. وما قولك في فتاة ريفية ساذجة لم تتجاوز من عمرها ثماني عشرة سنة قضتها في العمل المنزلي ورعي الغنم، تتصدى لإنقاذ الوطن من الاستعمار الإنجليزي الذي انشب أظافره في الأعناق ولم تكن لتزحزحه جحافل الجيوش. وكأنما أرادت عناية الله تبعث بهل لتخليص وطنها، فبينما هي جالسة في يوم من أيام الصيف في ظل دوحة ترعى غنمها. إذا بأوراق الشجر تهتز والأطيار تطلق أغاريدها عالية في الفضاء، فانتبهت جان من إطراقها ورفعت رأسها نحو الشجرة وأغصانها التي اهتزت فجأة. فشعرت برعدة تمشى في جسمها طولاً وعرضاً، ورأت السماء تنشق عن نور ساطع ينبعث من بينه هاتف يناديها ويردد اسمها ويقول لها في وضوح: (جان! جان! لا تخافي، كوني ابنة طيبة، فسوف تذهبين لنجدة ملك فرنسا) فتقدمت جان في ذهول نحو الصوت، فرأت أن التي تخاطبها هي القديسة كاترين وان التي بجوارها هي القديسة مرغريت، فانتفضت جان وتولد فيها شعور غامض من طرب وذعر، واعتزمت من فورها إنجاز ما تطلبه السماء، فالتمست حاكم
المنطقة تطلب إليه أن يرسلها إلى مليكها لكي تعينه بإذن الله فسخر منها هذا الحاكم ما وسعته السخرية، ولكنها أخذت تطلب وتلح في الطلب لآن أصواتها السماوية أمرتها بذلك وليس لها عن طاعتها مجيد، وما هي إلا أن أرسلها لحاكم في حرس عسكري إلى حيث ولي العهد - وقد مكر به الإنجليز وأقصوه على العرش بحجة عدم شرعيته لضم فرنسا إلى إنجلترا - فلم تكد تظفر جان بالمثول بين يدي الدوفين (ولي العهد) حتى أعلنت رسالتها التي تلقتها من القديسين الاظهار، والتي لم تزل الأصوات المقدسة تأمرها بها كل
стр. 1815
يوم وتلح عليها في النهوض بأعبائها، وهي أن ترفع حصار الإنجليز وتتوج ولي العهد ملكاً على فرنسا. فتشكك الملك في أمرها بادئ الأمر، وأرسلها إلى جماعة من العلماء، أخذت تناقشها وتحاورها ثلاثة أسابيع كاملة. ثم أصدرت الحكم الآتي (لقد تحققنا وبهذا نعلن، أن جان دارك المعروفة باسم العذراء مؤمنة صادقة الإيمان وكاثوليكية سليمة العقيدة، ولا شيء في شخصها أو لفظها يخالف الدين، وواجب الملك أن يتقبل ما تعرضه عليه من المساعدة، لأنه إذا رفض معونتها حرم نفسه معونة الله). فلم يسع الملك بعدئذ إلا أن يعين جان دارك قائداً عاماً للجيش الفرنسي!! جمعت جان فلول الجيش الهزيم، ونفخت فيه روحاً جديداً يشتعل جرأة وحماسة، وأخذت - وهي الفتاة الصغيرة الساذجة - تقود الجند من نصر إلى نصر، حتى أجلت الإنجليز، وردتهم أذلاء بعد عزة، ومهدت الطريق لتتويج ولي العهد شارل السابع ملكاً على فرنسا. وقد بذلت في هذه السبيل مجهود الجبابرة، وتعرضت لأخطر المواقف، حتى إنها في أثناء الهجوم على حصن (لي توريل) جرحت جرحاً بليغاً بين كفها ورقبتها، وسال منها دم غزير فوقعت على الأرض تبكي بكاءً مراً، وانتهز الإنجليز فرصة إصابتها وتجمعوا حولها قاصدين تمزيقها إرباً إربا، ولكن الفرنسيين قاوموهم وصمدوا لهم، ويقول مارك توين: (دار القتال حولها على أيهم يستولي عليها - وفي الواقع على فرنسا - لان جان في أثناء تلك الدقائق القليلة، كانت هي فرنسا للطرفين، فمن استولى عليها فقد استولى على فرنسا إلى الأبد، وكانت تلك الدقائق العشر هي أهم الدقائق التي دقتها الساعة في تاريخ فرنسا كله في الماضي وفي المستقبل. . .) أنجزت جان دارك رسالتها التي أمرتها بها أصواتها المقدسة، وهي تتويج الملك، وكان لها أن تعود إلى قريتها، ولكن نفسها الكبيرة لم تهدأ، وأصرت على أن تجاهد حتى تظهر أرض الوطن من كل إنجليزي! وبينما هي في جهادها على رأس شرذمة من أنصارها، تمكن منها أحد الأعداء. وكان فرنسياً موالياً للإنجليز، فجذبها من فوق جوادها وألقي بها على الأرض، وبذلك وقع ذلك الملاك الطاهر في الأسر، فسيقت جان إلى السجن، وما هي إلا أن اشتراها الإنجليز من أسرها بالمال، اشتروها بعشرة آلاف من الجنيهات، لينتقموا منها شر انتقام. وبعد أن قضت في سجنها مدة تجلجل في أصفاده، حيث شدت بسلسلة غليظة من الحديد إلى كتلة خشبية، يحرسها خمسة من الجند الأشداء، لا ينون عن توجيه الألفاظ القاسية
стр. 1816
والعبارات المخجلة، وهي أمامهم مطروحة ترسف في أغلالها، قدمت بعد ذلك إلى المحاكمة بتهمة السحر والشعوذة والكفر، واستولت المحكمة على مقاعدها - وكانت مؤلفة من ستين عضواً ونيفاً، كلهم من فطاحل العلماء - فاخذ هؤلاء الدهاة يقدحون أذهانهم في نصب الشباك لتلك الفتاة الطاهرة، وهي تصمد لهم، وتفحمهم، ولكن عبثاً حاولت، فلا بد من اتهامها. وبعد مؤامرات وتدبير حكم عليها بالإعدام حرقاً لأنها ضالة كافرة!! صعدت جان منصة الإعدام بخطى ثابتة، وشد الجلاد وثاقها ثم أشعل النار في الوقود المعد حولها، واخذ الدخان يتصاعد، ولما لفحتها السنة السعير صرخت من أعماقها قائلة: (لست ضالة ولا كافرة! وان ما تلقيته من الوحي كان من عند الله) ولما بدأت النار ترعى جسدها أخذت تصيح: (عيسى! عيسى! مريم! مريم!) وصارت تردد هذه الألفاظ حتى تدلى رأسها وفاض روحها. هذه قصة جان دارك مبتورة مدهوشه، وقد وفق الأستاذ غانم محمد في إبرازها وتصويرها توفيقاً بلغ حد الكمال. فليس هذا الكتاب واحد من الكتب، يتلى ثم يطوى وكأنه لم يكن، كلا! إنما هو فيض من الشعور القوي النبيل سيغمرك ويحتويك حين قراءته، وسيطبعك بطابع هيهات أن يزول أثره ما بقيت على الدهر إنساناً. اشهد أنني قضيت في هذا الكتاب ساعات كانت من أمتع ما جادت به الأيام، فاقل ما نتوجه به إلى الأستاذ المؤلف هو تهنئة تنبعث من الصميم.
١
стр. 1817
العدد ٢٢ - بتاريخ: ٠٤ - ١٢ - ١٩٣٣
стр. 1818
حجاج ودوس. . . .
حلّقا في السماء الغائمة البعيدة! والأمل الطلق يبسم لهما خلال السحاب، والمستقبل الوضاء يشرق عليهما بين الضباب، والاستقبال المنتظر ينثر الأحلام على جناحي الطائرة! فالنسر الحديدي يزف في الهواء الندي زفيف الكوكب، والطيار الشاب وصاحبه يسبقانه بالخيال العجيب إلى أرض الوطن، فيريان البشر الفخور بفيض على جنبات الوادي، والمجد الاثيل ينبعث لهفان من غيابات الماضي، والشعب النبيل يتقاطر مزهوا إلى المطار الحاشد، والأعلام الخضر تخفق بالتحيات خفوق القلوب بالإكبار والحب، والطوائر العشر يهبطن على الثرى الحبيب هبوط المخيلة والعجب، واللقاءالحماسي الهاتف يغمر السرب الأول بالترحاب والإعجاب والشكر، وأكاليل القبل والغار تتوج الجباه المجلية في ميدان البطولة والنصر. . .!
كل أولئك كان يتمثله فؤاد، ويتخيله شهدى، حين غفا الحظ تلك الغفوة المشؤمة فإذا بالقدر الراصد يثب من بين أطباق الضباب فيصرع الأمل الناهض، ويراد النسر الطائر حطام حريق، والمستقبل الزاهر ساعة هول وضيق، والاستقبال الباهر مناحة أمة، وأكاليل الغار أكاليل نعش!!
اللهم لا رادّ لقضائك، ولا معقب لحكمك! جعلت الشهادة روح الجهاد، والتضحية طريق المجد، والفداء عبادة المثل الأعلى! ومصر ذات التاريخ الأزلي والتراث الخالد، قد كتبت هذا التاريخ بدماء شهدائها وأثلّت هذا التراث بجهاد أبنائها، وعرفت السماء قبل أن يعرف غيرها الأرض، فلا يشتد جزعها لهذا الحكم، ولا يرفض صبرها لهذا البلاء؛ وما حجاجٌ ودوس إلا شهيدان كتبت لهما السعادة أن يكونا في أول سجل من نوع جديد.
أن شهداءنا الذين قضوا في سبيل الوطن والحرية والعلم والطيران هم القوة الملهمة للشباب العامل، والحجة المفحمة على النشئ الخامل، والدلالة البينة على أن مصر لا تزال تعرف كيف تموت لتحيا، وكيف تشقى لتسعد! وأن الذين شهدوا أبناءنا يوم جنازة الشهيدين يتسعرون بالحماسة، ويتفجرون بالوطنية، ويهتفون بالتضحية، ليوقنون أن هذه النفوس الحرة التي تظاهرت على كبتها وإذلالها شتى العوامل تأبى أن تتكشف للخطوب إلا عن جوهر خالص وفطرة نقية.
أن الوادي يوم ضم إلى أحشائه بقايا ولديه الصريعين قد قوى في صدره نبض الحياة، ودب
стр. 1819
في جسمه دبيب الفتوة، لأن الوطن تميته الدموع وتحييه الدماء! فكلما كثرت القرابين على مذبحة، وفاضت النفوس على ثراه، أزداد قداسة واتقد حماسة وأشتد قوة، فتقريب الفداء المختار نكبة لأسرته وحياة لأمته، ومجد لوطنه!
التضحية بالنفس أو بالمال هي الوطنية الصادقة والزعامة الحق، لأنها أثر الإيمان الصحيح، ودليل الجهاد المخلص، ومتى بلغت النفوس حد الإيثار أعْيَت على الظلم، ونبَت على المذلة، فلا تجد حاكما يجور، ولا عالما يدجي، ولا سائسا يخاتل، ولا قائدا يَهن، ولا غنياً يشح، ولا وطنا يشقى، فهل لسادتنا وكبرائنا أن يكفكفوا ِشّرةَ الحرص في نفوسهم بالتضحية ? ومعاذ الله أن أقصد التضحية بالدم فليست من طبع الكهولة، إنما أقصد التضحية بالتهالك على الرآسة، والتهافت على المنصب، والتكالب على المال، ليصح الخلق المريض، ويأتلف الأمر الشتيت، ويعود الجائر إلى سواء السبيل.
برَد الله بالرضوان ثراكما يا شهيدي الواجب! لقد هززتما للمعالي همماً توشك أن تهمد، وذكّرتما المجد نفوسا تكاد أن تنسى، وأضفتم اسم مصر إلى أسماء الأمم التي روت بدمائها أصول الخير المشترك! ولئن كان مصرعكما عثرة أليمة في أول الطريق الجديد، فأنه حريّ أن يسدد خطانا فيه، ويظهر قوانا عليه، بحسن الاقتداء بالبطولة، وصدق الاعتبار بالخطأ؛ وما مات من رجالك من أحياك، ولا ذهب من مالك ما علمك.
طأطئوا الرؤوس يا قوم إجلالا لمصرع البطولة!!
إن شهيدينا قُتلا في السماء، وغسلا بالنار لا بالماء، ودُرجا في علم لا في كفن، وحُملا على مدفع لا على نعش، وكتبا في سجل الخلد في دفتر (الصحة). فهل هذه الموته العظمى تفت في الاعضاد وتفل من غرب العزيمة؟
ان الأمة التي لم تكد تأخذ بأسباب الطيران حتى يبادر إلى خوض أهواله فتاة من فتيانها، ويسبق إلى الشهادة في سبيله فتيان من فتيانها، لا يستطيع أن يكسر من ذرعها حادث، ولا يتكاءدها في طريقها إليه عقبة.
سلام الله على أشبالنا في الجهاد، وعلى أبطالنا في الاستشهاد، وعلى شهدائنا في قدس الخلود!
أحمد حسن الزيات
стр. 1820
الأساليب
للأستاذ أمين الخولي
المدرس بكلية الآداب
في مصر اليوم أساليب تمتاز بامتياز البيئات، وتختلف باختلاف الثقافات، ويذهب كل أناس بأسلوبهم لا يعدلون به أسلوبا، ولا يرضون منه بديلا، بل لا يرون له مثيلا؛ ونحن بين ذلك كله في حيرة مما نأخذ وندع.
وما أعني الأساليب الأدبية ولا الأنماط الفنية، فلعل الأمر في ذلك هين يسير، إنما أعني أساليب التفكير وطرائق التعقل ومذاهب الناس في تقرير الحقائق، وتقبل ما يقبلون منها ورفض ما يرفضون في مصر اليوم بيئات فكرية متعددة، وطرائق تهذيب مختلفة الأصول متباعدة الأسس، حتى لترى المسلمات المقررة عند فريق، تنكر في عنف بل في سخرية أحيانا عند آخرين، ونحن على هذا في مفترق طرق متشابكة؛ وشباننا الآخذون سبل الحياة في حيرة، لا يجدون معالم واضحة، ولا يدرون أين يذهبون، وحين يلتمس أولئك الشبان الحقيقة من هدأة إدلاء يحملون الأقلام في هذا البلد لا يجدون إلا من يداوى الاختلاف بالفرقة؛ ولا تستقر الحياة الفكرية لأمة هذا شأنها. وإذا كانت مصر قد خلصت من تعدد العناصر، وتكاثر اللغات؛ واختلاف الأديان والنحل فأنها لما تظفر بوحدة المزاج النفسي، وتجانس الأسلوب الفكري؛ وليس ذلك على أمة ناهضة بايسر خطرا وأهون شأنا من النواحي الأخرى في الاختلاف.
وما جردت اليوم قلمي لأكتب سداً لفراغ أو تلبية لطلب كأكثر ما يكتب الآن، بل تأثرا بحالة أشهدها كل يوم حين أغدو وأروح بين الجامعتين الأزهرية والمصرية، وأعانيها كلر يوم مع هؤلاء الشبان الذين لا يكاد يهون معهم التفاهم المنظم، بل يشق ويعسر إن لم أقل يستحيل. أرى في الجامعتين محافظين مسرفين، ومجددين مسرفين، وقد أرى هؤلاء، حيث لا يتوقع أن أراهم، وأجد أولئك حيث لا يدور بخلدي أن تقع عيني عليهم، كما أرى في الناحتين من لم يتجددوا ولم يحافظوا، ولكل أسلوب فكري مضطرب فاسد ينتهي به إلى نتائج تزيد مسافة الخلف بينه وبين الآخرين. وما إدخال القارئ في حاجة إلى شيء من المثال على ذلك، فهو وأجده حيث يرسل بصره، ويصيخ بإذنه جليا واضحا في صحافتنا
стр. 1821
اليومية والأسبوعية والشهرية، وفي أنديتنا ومجامعنا، وفي المناقشة تجري بين متعلمين في أي مكان؛ وهي حال لا ينخدع عنها أحد مهما تجاهلها؛ يشعر بها كل ذي أسلوب من تلك الأساليب فتجد صداها في أسف صاحب القديم أسفا عميقا على ما يكون من طيش أولئك الذين لا يبرءون عن الهوى والنزف، ولا يعفون من الاتهام في دينهم ووطنيتهم. كما تجد صورة ذلك الافتراق في ضجر المشتطين وتبرمهم بتلك التقهقرات التي تصيب التدرج العقلي، وتعوق الحرية الفكرية؛ وفي سخطهم على هاتيك الرجعات التي تنتكس بها النهضة ; وكما تجد هذا الافتراق في الأساليب عند المترددين بين الطريقين المحاولين التوسط، حين يقصون من الجديد ويمطون في القديم، يرجون أن يتقابل هذا وذاك ويتوافقا؛ في كل هؤلاء تجد أساليب من التفكير مختلفة، فتشعر في ألم باضطراب كياننا الفكري، وتجد هذا الاضطراب يزداد شدة وخطورة، حين تتحكم في التفكير نزوة سياسية، أو يصل أصحاب الرأي حبلهم باعتبارات دينية، عند ذلك يشتد اضطراب أسلوب الفكر حتى يصير قلقا مزعجا وانتكاسا عجيبا، والويل كل الويل للحقيقة؛ بل الويل كله لشبابنا خاصة حين يضيع منه جيل وجيل ضحية هذا الاضطراب، وحين يقبع الخائفون من هوى السياسة، ومجازفة أهل الدين، فيسكتون طمعا في السلامة؛ أو يروجون لما هو في سريرتهم خطأ بل ضلال. فتضيع الحقيقة ويضيع الشبان قربانا لهذا الحذر وحب السلامة.
لقد أخشى أن يتلكأ قلمي أو يتوقف حين ثارت ذكرى هذه التهديدات، فيؤثر الإخلاد الوديع إلى الهدوء؛ لكني حامله على إلا يفعل، وماض في نقد تلك الأساليب مهما غضب أصحابها ومصطنعوها مبتغيا وجه الحقيقة وحدها. غير ملوث ما أقول بشيء من هذه المهاترة التي تسود جو المناقشات عندنا فتكون شرا على شر.
في مصر نفر أسلوبهم الفكري أن يضعوا العقل في مكان الإنسان من يد الموت كما يشبهه طرفة بن العبد في قوله:
لعمرك أن الموت ما أخطأ الفتى … لكأ لطول المرخى وثنياه باليد
يجول العقل في مسارح الكون على أن يظل حبله في يدهم، أويد الدين كما يفهمونه هم لا كما هو في طبيعته وحقيقته، فحيث خلوه سرح، وحيث كفوه انكف، وحيثما هزوا حبله فهو خاطئ. وتقول لهم أن عنيتهم بهذا التحكم في العقل أنه عاجز عن استكناه كل شيء والنفاذ
стр. 1822
إلى صميم الحقائق كلها فنحن معكم، لكن دعوا العقل يشعر من نفسه بهذا العجز، ولا تفرضوا عليه العجز فرضا وسيطرة؛ بل دعوه يعرفه، بالتجربة، فيأبون إلا أخذه بالحبل. وتنبئهم أن مسالك العقل في الوصول إلى الحقائق مختلفة، ومنا ما لا سبيل إلى رد نتائجه، ولا حيلة في نقضها، فهو حين يعتمد التجربة ويحدث عن واقع لا خير لكم في مناقشته، ولا سبيل لكم إلى كفه وأن تفعلوا فهو متمرد يخشى عليكم خطره، فيأبون ألا الحبل. تتحدث إليهم مثلا عند تدرج المعارف البشرية وترقيها وما يشاهد من مظاهر ذلك البارزة في طبقات الناس، فيجابهونك بأن آدم أبو البشر قد علمه الله الأسماء (وعلمه الله المسميات أيضا) وهو رسوله، فليس يصح بعد ذلك ما تقولون من هذا التدرج. وليس الأمر عندهم إلا أن رأس الدنيا في قدمها وعقلها في عقبها؛ ولا يجديك أن تفرق بين الخيرية الخلقية النفسية، والمعرفة العلمية؛ ومهما تساهلت أو تنازلت لا تصل منهم إلى رضا واطمئنان. يسمعون أن الكائن المادي والمعنوي يتأثر ببيئته؛ ويتبادل التأثير مع جميع ما حوله؛ فلا يرضون أن يكون الفقه الإسلامي مثلا قد جرى عليه ذلك وإصابته هذه الفضيحة! ويضربون الأرض برءوسهم معلنين أنهم لن يسمحوا بأن يقال ذلك.
مثل هذا الأسلوب خاطئ. يضيع ما يريد الدين أن يخفف به غلواء العقل ونزقه، ويزج أصحابه بالدين فيما ليس من شأنه؛ ويضيعون معالم الأشياء، وحدود الحقائق ليوجدوا تحكما في العقول البشرية، ويبنوا لها محابس ويضعوا عليها إغلاقا؛ وقد طبعها الله وثابة نفاذة متغلغلة محلقة.
وفي مصر قوم أسلوبهم أن يرسلوا العقل، أو قل يرسلون أنفسهم إرسالا، فيقولون بالظنة، ويحكمون بالشبهة، ويقطعون بالبداء، ويجزمون باللمحة؛ هذا إذا كان الحكم لهم، فأن كان من غيرهم طلبوا من الدليل ما لا يطلب، وجعلوا العقلي التجريبي ; في موضع الظني، فتارة يقلبون الحقيقة، فكما يسمون النتيجة التجريبية علما، يسمون النتيجة النظرية علما، ويسمون الفرض الاضطراري علما، ويسون الحل المؤقت الذي يبعثه العجز عن الحقيقة الصحيحة علما، فيزعمون أن ذلك كله من مملكة العقل التي هو فيها حر مسيطر ليس لأحد أن يحد من سلطته. يريدون أن تكون الحقيقة الطبيعية، والنتيجة الرياضية، والرواية التاريخية والخاطرة الفنية، كل أولئك عقليات علميات لا فارق بينها؛ ولها جميعا أن
стр. 1823
تضرب وجه الدين، وتصفع قفاه ساخرة في غير حياء ولا تقدير حتى لآداب اللياقة؛ وطورا على أساس هذه التسوية الغريبة يرون أن العلم إذا لم يلمس وجود شيء فليس موجودا ولا يصح لعاقل أن يتحدث عنه، ومادام الإله لم يختبر في المعمل فلا معبود ولا دين؛ يشكون والشك حق فطري لا ينكر عليهم؛ لكنهم لا يلتمسون الأدلة كما هي الخطوة الأولى بعد الشك، بل يطرحون ما شكوا فيه ويهملونه. وكذلك يفعلون حين يشتبهون ويقوى في تقديرهم الاشتباه، فيعدون اشتباههم آية عجز كل محاولة للإثبات، وفشل كل دليل، فيطمئنون إلى بطلان ما اشتبهوا فيه؛ وتقول لهم ان الأسلوب التجريبي لا يقبل مادون التجربة مادامت مستطاعة، فاحتكموا إليه متى أمكن، وهاتوه إذا ما ادعيتم؛ أولا فأحسنوا تقدير ما دونه من الأدلة فأساليب البحث مختلفة، ولكل فرع أسلوبه؛ ونحن في أساس التجمع، ونظامه، والشريع له، وفي حقبة الحق، وخيرية الخير، وغير ذلك لا نملك التجربةولا المعادلة الرياضية فنثبت بما عداها ونسلم؛ فلا هم مثبتون بالتجربة إذا ادعوا، ولا هم قابلون من غيرهم مثل دليلهم إذا أدعى؛ وتحدثهم عن أن بطلان الدليل لا يستلزم بطلان المدلول، وأن ما تجهل أكثر مما تعلم فيسخرون بهذه العبارات القديمة؛ ويناقضون أنفسهم في تقرير ما يرفضون مثله، ورفضمثل الذي يقررون.
ذلك أسلوب خاطئ؛ لا يحدد قيم المعلومات، ولا يطلب لكل دعوى دليل مثلها، ويضيع معالم الحقائق في النفس، فيخضع الإنسان للفرض والظن إخضاعه إياه للمجرب المطرد فيفسد التقدير، ويسلح أعداد الحرية الفكرية بأغلاط أولئك المتحررين خطأ، ويضيع هيبة العلم. ويعكر ما بينه وبين الدين، بل ما بين العلم والأخلاق مما له أثره العنيف الخطر في حياة الجماعة.
في مصر من أسلوبهم أن يهجموا على مخالفهم في الفكرة قبل تأييد فكرتهم؛ ولو كان هذا المخالف يتناول الموضوع من غير الناحية التي يتناولونه هم منها، وبطريق غير طريقهم؛ فتراهم يوازنون بين الفكرتين ويفاضلون بين الرأيين؛ ولما يبحثوا أو لابد لهم بأن يبحثوا إلا واحدا منهما؛ بل هم لم يفرغوا بعد من بحثهم وتأييد رأيهم، ويزيدون ذلك بالا يجعلوا الموازنة علمية، بل يقلبونها موازنة خلقية أو فنية، فلا يبينون الخطأ ولكن يقولون هذا تغرير أو هذا سخيف وما إلى ذلك مما يغضب ويؤلم، دون أن يقدم نحو الصواب أو
стр. 1824
يؤخر. تكون مسألة بحثهم تاريخية او أدبية أو هبها عالمية بحتة قد تولوا درسها على أساس لهم في ذلك فانتهوا إلى نتيجة ما، فهم لا يشتغلون بتقريرها وتأييدها، وتقوية مواضع الضعف فيها، على ما تتطلبه أمانة البحث، ويقضى به نظام الإحصاء والتفرد، بل يدعون ذلك إلى الاشتغال بأن ما تقره ناحية أخرى أو باحث آخر ليس إلا تضلاً مثلا، أو هو خداع أو ما أشبه؛ وهذه الناحية وذاك الباحث قد عرض للموضوع بغير طريقتهم وعلى غير اساسهم، ويزيد النار تأججا أن يكون الموضوع مما للعقيدة مثلا به صلة؛ فنحن نعرف أن الوشائج متصلة بين الدين والفن، وبين الدين والعلم في أشياء كثيرة؛ فالأنبياء والرسل مثلا من حق التاريخ، والقرآن من متناول الأدب والتاريخ فلا جدوى على الحقيقة مطلقا في أن ينتهي باحث في مثل هذه الأشياء إلى رأى استقرائي أو حكم تاريخي فيكون همه تأكيد أن غيره من كلام الدينيين خداع أو اتجار أو نحو ذلك مما يعزز حكما ولا يدعم رأيا؛ بل لا ينفي عنه مظاهر ضعفه على حين يثير المعتقدين في غير طائل؛ ويفقد الحقيقة فرص الظهور والاتضاح، ولو قرر ما يقرر من ذلك في أسلوب سليم وبحث مستقيم ثم لوح ملوح بمخالفة ذلك للدين، لوجب عندي أن يترك لأهل الدين أمر التوفيق او التأويل؛ أو مالهم مخلص فحمل كل عبئه. ولو رؤى وصل الناحتين لا بد مع التزام حدود التخصص، والاحترام الحقيقي للحرية العقلية للزم السعي أولا إلى رال الدين بهذه الشبهة يسألون كشفها ويكلفون دفعها، فعليهم في ذلك واجبهم يحسنونه أو يحرجون بعجزهم، ويمضي العالم او المؤرخ أو الأديب وقد سلم له أنصاره ووقته وبحثه لا يخسر في ذلك شيئا على غير جدوى، ولا يثير إلا مخالفة عاقلة قد تكشف له عن نقص في رأيه أو تثبيت صحته حين تتهاوى السبة عنه.
تلك أساليب بحث وضروب تفكير لها خطرها في تمزيق وحدة الشبان وإفساد الجيل، وقطع أواصر التآلف النفسي والتمازج الروحي قطعاً يعوق التعاون الاجتماعي الذي يتطلبه الوطن ملحا من هذا الجيل، فليست الخسارة من وراء اختلاف تلك الأساليب عقلية فحسب، ولا فنية فحسب، ولا خلقية فحسب، ولا إجماعية فحسب، بل هي كل أولئك مجتمعة، وما أهولها!!
وفي مصر أساليب أخرى فكرية أفردها بمقال آخر؟
стр. 1825
أمين الخولي
следующие страницы →