← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

اليومية والأسبوعية والشهرية، وفي أنديتنا ومجامعنا، وفي المناقشة تجري بين متعلمين في أي مكان؛ وهي حال لا ينخدع عنها أحد مهما تجاهلها؛ يشعر بها كل ذي أسلوب من تلك الأساليب فتجد صداها في أسف صاحب القديم أسفا عميقا على ما يكون من طيش أولئك الذين لا يبرءون عن الهوى والنزف، ولا يعفون من الاتهام في دينهم ووطنيتهم. كما تجد صورة ذلك الافتراق في ضجر المشتطين وتبرمهم بتلك التقهقرات التي تصيب التدرج العقلي، وتعوق الحرية الفكرية؛ وفي سخطهم على هاتيك الرجعات التي تنتكس بها النهضة ; وكما تجد هذا الافتراق في الأساليب عند المترددين بين الطريقين المحاولين التوسط، حين يقصون من الجديد ويمطون في القديم، يرجون أن يتقابل هذا وذاك ويتوافقا؛ في كل هؤلاء تجد أساليب من التفكير مختلفة، فتشعر في ألم باضطراب كياننا الفكري، وتجد هذا الاضطراب يزداد شدة وخطورة، حين تتحكم في التفكير نزوة سياسية، أو يصل أصحاب الرأي حبلهم باعتبارات دينية، عند ذلك يشتد اضطراب أسلوب الفكر حتى يصير قلقا مزعجا وانتكاسا عجيبا، والويل كل الويل للحقيقة؛ بل الويل كله لشبابنا خاصة حين يضيع منه جيل وجيل ضحية هذا الاضطراب، وحين يقبع الخائفون من هوى السياسة، ومجازفة أهل الدين، فيسكتون طمعا في السلامة؛ أو يروجون لما هو في سريرتهم خطأ بل ضلال. فتضيع الحقيقة ويضيع الشبان قربانا لهذا الحذر وحب السلامة. لقد أخشى أن يتلكأ قلمي أو يتوقف حين ثارت ذكرى هذه التهديدات، فيؤثر الإخلاد الوديع إلى الهدوء؛ لكني حامله على إلا يفعل، وماض في نقد تلك الأساليب مهما غضب أصحابها ومصطنعوها مبتغيا وجه الحقيقة وحدها. غير ملوث ما أقول بشيء من هذه المهاترة التي تسود جو المناقشات عندنا فتكون شرا على شر. في مصر نفر أسلوبهم الفكري أن يضعوا العقل في مكان الإنسان من يد الموت كما يشبهه طرفة بن العبد في قوله: لعمرك أن الموت ما أخطأ الفتى … لكأ لطول المرخى وثنياه باليد يجول العقل في مسارح الكون على أن يظل حبله في يدهم، أويد الدين كما يفهمونه هم لا كما هو في طبيعته وحقيقته، فحيث خلوه سرح، وحيث كفوه انكف، وحيثما هزوا حبله فهو خاطئ. وتقول لهم أن عنيتهم بهذا التحكم في العقل أنه عاجز عن استكناه كل شيء والنفاذ

стр. 1822

إلى صميم الحقائق كلها فنحن معكم، لكن دعوا العقل يشعر من نفسه بهذا العجز، ولا تفرضوا عليه العجز فرضا وسيطرة؛ بل دعوه يعرفه، بالتجربة، فيأبون إلا أخذه بالحبل. وتنبئهم أن مسالك العقل في الوصول إلى الحقائق مختلفة، ومنا ما لا سبيل إلى رد نتائجه، ولا حيلة في نقضها، فهو حين يعتمد التجربة ويحدث عن واقع لا خير لكم في مناقشته، ولا سبيل لكم إلى كفه وأن تفعلوا فهو متمرد يخشى عليكم خطره، فيأبون ألا الحبل. تتحدث إليهم مثلا عند تدرج المعارف البشرية وترقيها وما يشاهد من مظاهر ذلك البارزة في طبقات الناس، فيجابهونك بأن آدم أبو البشر قد علمه الله الأسماء (وعلمه الله المسميات أيضا) وهو رسوله، فليس يصح بعد ذلك ما تقولون من هذا التدرج. وليس الأمر عندهم إلا أن رأس الدنيا في قدمها وعقلها في عقبها؛ ولا يجديك أن تفرق بين الخيرية الخلقية النفسية، والمعرفة العلمية؛ ومهما تساهلت أو تنازلت لا تصل منهم إلى رضا واطمئنان. يسمعون أن الكائن المادي والمعنوي يتأثر ببيئته؛ ويتبادل التأثير مع جميع ما حوله؛ فلا يرضون أن يكون الفقه الإسلامي مثلا قد جرى عليه ذلك وإصابته هذه الفضيحة! ويضربون الأرض برءوسهم معلنين أنهم لن يسمحوا بأن يقال ذلك. مثل هذا الأسلوب خاطئ. يضيع ما يريد الدين أن يخفف به غلواء العقل ونزقه، ويزج أصحابه بالدين فيما ليس من شأنه؛ ويضيعون معالم الأشياء، وحدود الحقائق ليوجدوا تحكما في العقول البشرية، ويبنوا لها محابس ويضعوا عليها إغلاقا؛ وقد طبعها الله وثابة نفاذة متغلغلة محلقة. وفي مصر قوم أسلوبهم أن يرسلوا العقل، أو قل يرسلون أنفسهم إرسالا، فيقولون بالظنة، ويحكمون بالشبهة، ويقطعون بالبداء، ويجزمون باللمحة؛ هذا إذا كان الحكم لهم، فأن كان من غيرهم طلبوا من الدليل ما لا يطلب، وجعلوا العقلي التجريبي ; في موضع الظني، فتارة يقلبون الحقيقة، فكما يسمون النتيجة التجريبية علما، يسمون النتيجة النظرية علما، ويسمون الفرض الاضطراري علما، ويسون الحل المؤقت الذي يبعثه العجز عن الحقيقة الصحيحة علما، فيزعمون أن ذلك كله من مملكة العقل التي هو فيها حر مسيطر ليس لأحد أن يحد من سلطته. يريدون أن تكون الحقيقة الطبيعية، والنتيجة الرياضية، والرواية التاريخية والخاطرة الفنية، كل أولئك عقليات علميات لا فارق بينها؛ ولها جميعا أن

стр. 1823

تضرب وجه الدين، وتصفع قفاه ساخرة في غير حياء ولا تقدير حتى لآداب اللياقة؛ وطورا على أساس هذه التسوية الغريبة يرون أن العلم إذا لم يلمس وجود شيء فليس موجودا ولا يصح لعاقل أن يتحدث عنه، ومادام الإله لم يختبر في المعمل فلا معبود ولا دين؛ يشكون والشك حق فطري لا ينكر عليهم؛ لكنهم لا يلتمسون الأدلة كما هي الخطوة الأولى بعد الشك، بل يطرحون ما شكوا فيه ويهملونه. وكذلك يفعلون حين يشتبهون ويقوى في تقديرهم الاشتباه، فيعدون اشتباههم آية عجز كل محاولة للإثبات، وفشل كل دليل، فيطمئنون إلى بطلان ما اشتبهوا فيه؛ وتقول لهم ان الأسلوب التجريبي لا يقبل مادون التجربة مادامت مستطاعة، فاحتكموا إليه متى أمكن، وهاتوه إذا ما ادعيتم؛ أولا فأحسنوا تقدير ما دونه من الأدلة فأساليب البحث مختلفة، ولكل فرع أسلوبه؛ ونحن في أساس التجمع، ونظامه، والشريع له، وفي حقبة الحق، وخيرية الخير، وغير ذلك لا نملك التجربةولا المعادلة الرياضية فنثبت بما عداها ونسلم؛ فلا هم مثبتون بالتجربة إذا ادعوا، ولا هم قابلون من غيرهم مثل دليلهم إذا أدعى؛ وتحدثهم عن أن بطلان الدليل لا يستلزم بطلان المدلول، وأن ما تجهل أكثر مما تعلم فيسخرون بهذه العبارات القديمة؛ ويناقضون أنفسهم في تقرير ما يرفضون مثله، ورفضمثل الذي يقررون. ذلك أسلوب خاطئ؛ لا يحدد قيم المعلومات، ولا يطلب لكل دعوى دليل مثلها، ويضيع معالم الحقائق في النفس، فيخضع الإنسان للفرض والظن إخضاعه إياه للمجرب المطرد فيفسد التقدير، ويسلح أعداد الحرية الفكرية بأغلاط أولئك المتحررين خطأ، ويضيع هيبة العلم. ويعكر ما بينه وبين الدين، بل ما بين العلم والأخلاق مما له أثره العنيف الخطر في حياة الجماعة. في مصر من أسلوبهم أن يهجموا على مخالفهم في الفكرة قبل تأييد فكرتهم؛ ولو كان هذا المخالف يتناول الموضوع من غير الناحية التي يتناولونه هم منها، وبطريق غير طريقهم؛ فتراهم يوازنون بين الفكرتين ويفاضلون بين الرأيين؛ ولما يبحثوا أو لابد لهم بأن يبحثوا إلا واحدا منهما؛ بل هم لم يفرغوا بعد من بحثهم وتأييد رأيهم، ويزيدون ذلك بالا يجعلوا الموازنة علمية، بل يقلبونها موازنة خلقية أو فنية، فلا يبينون الخطأ ولكن يقولون هذا تغرير أو هذا سخيف وما إلى ذلك مما يغضب ويؤلم، دون أن يقدم نحو الصواب أو

стр. 1824

يؤخر. تكون مسألة بحثهم تاريخية او أدبية أو هبها عالمية بحتة قد تولوا درسها على أساس لهم في ذلك فانتهوا إلى نتيجة ما، فهم لا يشتغلون بتقريرها وتأييدها، وتقوية مواضع الضعف فيها، على ما تتطلبه أمانة البحث، ويقضى به نظام الإحصاء والتفرد، بل يدعون ذلك إلى الاشتغال بأن ما تقره ناحية أخرى أو باحث آخر ليس إلا تضلاً مثلا، أو هو خداع أو ما أشبه؛ وهذه الناحية وذاك الباحث قد عرض للموضوع بغير طريقتهم وعلى غير اساسهم، ويزيد النار تأججا أن يكون الموضوع مما للعقيدة مثلا به صلة؛ فنحن نعرف أن الوشائج متصلة بين الدين والفن، وبين الدين والعلم في أشياء كثيرة؛ فالأنبياء والرسل مثلا من حق التاريخ، والقرآن من متناول الأدب والتاريخ فلا جدوى على الحقيقة مطلقا في أن ينتهي باحث في مثل هذه الأشياء إلى رأى استقرائي أو حكم تاريخي فيكون همه تأكيد أن غيره من كلام الدينيين خداع أو اتجار أو نحو ذلك مما يعزز حكما ولا يدعم رأيا؛ بل لا ينفي عنه مظاهر ضعفه على حين يثير المعتقدين في غير طائل؛ ويفقد الحقيقة فرص الظهور والاتضاح، ولو قرر ما يقرر من ذلك في أسلوب سليم وبحث مستقيم ثم لوح ملوح بمخالفة ذلك للدين، لوجب عندي أن يترك لأهل الدين أمر التوفيق او التأويل؛ أو مالهم مخلص فحمل كل عبئه. ولو رؤى وصل الناحتين لا بد مع التزام حدود التخصص، والاحترام الحقيقي للحرية العقلية للزم السعي أولا إلى رال الدين بهذه الشبهة يسألون كشفها ويكلفون دفعها، فعليهم في ذلك واجبهم يحسنونه أو يحرجون بعجزهم، ويمضي العالم او المؤرخ أو الأديب وقد سلم له أنصاره ووقته وبحثه لا يخسر في ذلك شيئا على غير جدوى، ولا يثير إلا مخالفة عاقلة قد تكشف له عن نقص في رأيه أو تثبيت صحته حين تتهاوى السبة عنه. تلك أساليب بحث وضروب تفكير لها خطرها في تمزيق وحدة الشبان وإفساد الجيل، وقطع أواصر التآلف النفسي والتمازج الروحي قطعاً يعوق التعاون الاجتماعي الذي يتطلبه الوطن ملحا من هذا الجيل، فليست الخسارة من وراء اختلاف تلك الأساليب عقلية فحسب، ولا فنية فحسب، ولا خلقية فحسب، ولا إجماعية فحسب، بل هي كل أولئك مجتمعة، وما أهولها!! وفي مصر أساليب أخرى فكرية أفردها بمقال آخر؟

стр. 1825

أمين الخولي

стр. 1826

الذوق العام للأستاذ أحمد أمين يظهر لي أن للأمة ذوقا عاما كما أن لها رأيا عاما وعرفا عاما لكل دائرة اختصاص لا يتعداها. فالرأي العام مداره الآراء والأفكار والمعقولات، والعرف العام، مداره العادات أما الذوق العام فمداره الفن والجمال. وكما أن هناك قدرا مشترك بين المصريين مثلا في لونهم وتقاطيع وجوههم، وملامحهم، فنستطيع في سهولة ويسر أن نميز المصري من الأجنبي حتى في البلاد الأجنبية، وكما أن هناك قدرا مشتركا في الرأي العام المصري في النواحي السياسية والاجتماعية يميزه من غيره من الرأي العام الأوربي، فكذلك الشأن في الذوق العام. يتجلى هذا في كل أنواع الفنون كالطعوم، فلكل أمة أنواع من الطعوم تستلذها وتغرم بها، هي نتيجة ذوقها، ومن أجل هذا كان طهي كل أمة يخالف طهي الأمة الأخرى، ولا يقتصر هذا على نوع المأكول بل يتعداه إلى كيفية أعداده، وبذا نستطيع أن نحكم على الأمة بأنها تستجيد كذا من ألوان الطعام وأنواعه، على حين أن الأمة الأخرى لا تستسيغه ولا تتذوقه. ومثل الطعوم غيرها من الفنون، فالذوق العام المصري يقدر الموسيقى المصرية أكثر مما يقدر الموسيقى الغربية، بل لا يستلذها ولا يرى فيها جمالا، كما أن أكثر الغربيين لا يجد في الموسيقى الشرقية طعما، ولا يقيم لها وزنا. وكذلك أشكال البناء وما يستجاد منها وما لا يستجاد وأنواع الملابس وألوانها وما يستجمل منها وما يستهجن: كلها خاضعة للذوق العام في الأمة. ولكل أمة في هذه الشؤون ذوقها يميزها من غيرها ويضعها في درجة خاصة من سلم الرقي. وهذا الذوق العام في كل أمة هو الذي يقومّ الأدب ويتذوقه، وهو الذي يجعل لكل أمة أدبا خاصا، فالأدب المصري مثله مثل الطعوم المصرية، والغناء المصري والبناء المصري إنما يتذوقه المصريون بذوقهم الهام ولا يتذوقه الغربيون بذوقهم العام، كما لا يتذوقون طعومنا وغناءنا، فالنوادر المصرية التي تعجب المصري حتى تبعثه على أشد الضحك وأعمقه قد لا تحمل الأجنبي على التبسم، والقصص و (الحواديت) المصرية التي تسترق لب المصري وتستهويه، قد لا يأبه لها الأوربي ولا يعيرها التفاتا إذا ترجمت له، نعم قد يعجب المصري بآيات من الآداب

стр. 1827

الغربية ولكنه لا يتم له ذلك إلا بعد أن يحور ذوقه ويمرنه تمرينا طويلا على تذوق هذا الأدب، كما يمرن المصري ذوقه على استجادة الموسيقى فيستجيدها بعد طول المران، ولكن هذا ليس من الذوق العام في شيء. كما لا نستيطع أن ننكر أن هناك نوعا من الأدب عالميا إذا ترجم إلى أية لغة أستجيد كنوع من القصص، ونوع من الأمثال، ولكن سبب ذلك أن هناك قدرا مشتركا بين الأذواق، كما أن هناك قدرا مشتركا بين العقول، فاستجادة المصريين لبعض الأدب الغربي أو الغربيين لبعض الأدب العربي، شأنها شأن اشتراك الناس جميعا في استجادة بعض الطعوم أو بعض قطع الموسيقى، وهذا لا يغير فيما ادعينا شيئا من أن لكل أمة ذوقا عاما خاصا بها. وهذا الذوق العام للامة يستبد بالأفراد استبدادا لأحد له، فالناس جميعا خاضعون لأنواع شتى من الاستبداد كاستبداد النظم السياسية، واستبداد العقول، واستبداد الرؤساء ولكن هذه كلها محدودة الدائرة، أما استبداد الذوق العام فلا حد له، ولا سلطان يشبه سلطانه، ذلك أنه بجانب الذوق العام للأمة ذوق خاص بالفرد، فكل فرد له ذوقه الخاص يستجيد به بعض الأشياء ولا يستجيد بعضا، ويستحسن به ويستهجن، ويستجمل ويستقبح، ولكنه في ذلك مسلوب الحرية خاضع خضوعا تاما للذوق العام. قد يشتد الحر فلا يطيق الإنسان نفسه، وقد يكون في نوع من اللبس ما يخفف وطأته ويكسر من حدته، ولكن لابد أن تخضع للذوق العام، فتلبس الخناق ورباط الرقبة وما إلى ذلك خضوعا للذوق العام وخشية من استهجانه، فليس إنسان يلبس ما يجب ولا يأكل ما يحب على النمط الذي يحب، ولا يتكلم كما يحب على النمط الذي يحب، إنما هو في كل ذلك عبد أسير ذليل مقيد مغلول، في كل خطوة يخطوها، وفي كل نفس يتنفسه (لقد قيدتنا القوانين بأعمال يجب أن نعملها، وأعمال يجب أن نتجنبها، ولكنها ليست بشيء بجانب أوامر الذوق العام ونواهيه) وعقوبات الذوق العام سريعة فاتكة متنوعة، فهو يعاقب بالاحتقار والازدراء ويعاقب بالنظر الشزر، والكلمة الجارحة القاسية، ويعاقب بالنقد والتجريح، وهو في كل ذلك لا يسمع دفاعا ولا يقبل عذراً، ولا يؤجل عقوبة، ولا يقبل حكمة نقضا وإبراما، ولا يعرف حكما مع إيقاف التنفيذ، لا شيء من ذلك كله ولكن حكمه حكم صارم، قاس ظالم. وكذلك الشأن في كل نوع من أنواع الفنون، فإذا أشتهر مغن وأعجب ذوق الجمهور فلا حق

стр. 1828

لك أن تعيبه، وإذا عبته فعبه سرا، وحذار أن تجهز بذلك فيكون دليلا على فساد ذوقك وضعف حسك. ومثل ذلك في الأدب، إذا قال الناس أن سحبان وائل خطيب يضرب به المثل في البيان، فيقال أفصح من سحبان فقل مثلهم وإن كنت لم تقف على شيء يثبت فصاحته ويبرهن على بلاغته، وأن فتشت عن كل أقواله فلم تجد إلا اسطرا ثلاثة قال فيها أن الدنيا دار بلاغ، والآخرة دار قرار، الخ ولم تستجد هذا فاتهم ذوقك وكرر قولهم: (أبلغ من سحبان) وإذا قالوا أن من أبلغ خطب العرب خطبة قس بن سادة: أيها الناس اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فأنتفعوا، الخ، فقل كما قالوا إن لم تتذوق وإذا قالوا إن النابغة الذبياني فضل الشعراء بقوله: هذا غلام حسنٌ وجهه … مستقبل الخير سريع التمام للحارث الأكبر والحارث ال … أصغر والأعرج خير الأنام ثم لهند ولهند وقد … أسرع في الخيرات منه أمام خمسة آباءهمُ وأماتهُم … همْ خير من يشرب صوب الغمام ثم قرأتها ولم تشعر لها بطعم، ولم ترعك ألفاظها ومعانيها فقل أن النابغة فضّل الشعراء بها، وإلا أتهمت في ذوقك ورميت بضعف أدبك. وكذلك فأخضع دائما لحكمهم وذوقهم، فمن قالوا فيه أنه إمام الأدب أو سيد الشعراء غير مدافع، أو قالوا أنه شاعر متكلف، أو أديب متخلف، فإياك أن تحدثك نفسك بأن تقلب أوضاعهم أو تخالف إجماعهم. هكذا استبداد الذوق العام، ولست تستطيع الخروج عليه وإعلان استقلال ذوقك عنه إلا بثورة عنيفة على الذوق وتعرض لكل أنواع العقوبات الذوقية. ثم أن كل ما ترى في الأمة من مظاهر القبح وإقراره فعلته ضعف الذوق العام، فإذا رأيت الأمة تصدِف عما في بلادها من ازدهار، ولا يخفق قلبها لرؤية جمالها وجمال طبيعتها، ولا تتغزل في محاسنها، فأعلم أن سبب ذلك ضعف الذوق العام، وإذا رأيت الأمة لا تقدس النظافة ولا تشمئز من القذارة اشمئزازها من أبغض شيء وأقبحه، فلعل ذلك بضعف الذوق العام، وإذا رأيتنا في المجتمعات لا نرعى نظاما ولا ننصت لفن أو ممثل ولا نتقيد بأدب

стр. 1829

اللياقة فقل أنه ضعف الذوق العام وهكذا. ومن الغريب أن هذا الذوق العام الذي يستبد بي في مأكلي وملبسي ومسمعي وأدبي (كما رأيت) لا يستبد في هذه الأشياء، ولا يبدي أي سلطان على هذا النوع من الضعف، فهو لا يحتقر المرء لايقوّم الزهر، ولا يزدري من يسيء في المجتمعات العامة، ولكن يزدريني إذا خرجت من غير طربوش أو رباط رقبة في يوم حار، وسبب ذلك أن الذوق العام لا يعاقب إلا على ما يتذوق، وفي دائرة ما يفهم، فهو إذا قوم مناظر الطبيعة عاقب من لم يتذوقها، وإذا أدرك جمال النظام وآداب المجتمعات عاقب من مسها بسوء، ولما يصل إلى هذه الدرجة. وبعد فشأن الذوق العام شأن الرأي العام كلاهما قابل للإصلاح والرقي، فالرأي العام ضعيف وسخيف إذا صدر عن أمة جاهلة، ويرقى الرأي العام بانتشار الثقافة وتعميم التربية، ويدل تاريخ كل أمة على أنها في أول أمرها لا يكون لها رأي عام، ثم تمنح أفراد قليلين أقوياء، زعماء مثقفين يوفقون في دعوتهم فيخلقون رأيا عاما، وأن هؤلاء، القادة يجب أن يُسبقوا بنوع من الثقافة العامة في الأمة حتى تستطيع أن تفهم قادتها وآراءهم، فيأتي هؤلاء القادة ويكوّنون إرادة عامة للأمة، ويؤلفون بين اتجاهاتها ويكونون منها وحدة. ومما نأسف له أن مجهودات كبيرة بذلت في ترقية الثقافة العقلية، وبرامج كثيرة وضعت في تعميم التربية العقلية وفي تكوين الرأي العام، ولكن لم توضع برامج لتربية الذوق العام، ولا بذل مجهود في ترقيته ورفع مستواه، فكانا لنا زعماء سياسيون وزعماء عقليون ولكن لم يكن لنا زعماء ذوقيون. وفي ظني أن الذين يبحثون في ترقية الفنون عامة من موسيقى ونقش وتصوير وأدب مخطئون كل الخطأ، لأنهم يحاولون أن يصلحوا النتائج من غير أن يصلحوا المقدمات، فليس الفنان في الأمة الا صدى لذوقها العام، فإذا صح الذوق صح الفن وإلا فلا ليس الفن والأدب من جنس النباتات التي تنبت من تلقاء نفسها. ولا هو مما يظهر مصادفة واتفاقا وإنما هو نتيجة لازمة لعوامل طبيعية سأحاول أن أبينها في مقال تال. أحمد أمين

стр. 1830

صور من التاريخ الإسلامي (٤) محمد بن القاسم الثقفي ٧٣ - ٩٦هـ للأستاذ عبد الحميد العبادي لو أن من يدرس تاريخ الأمة العربية فتش في ثنايا هذا التاريخ عن شخصية تتمثل فيها سجايا تلك الأمة الكبيرة وعناصر قوتها لما وجد أجمع لتلك السجايا وهذه العناصر من شخصية الفتى الشهيد والفاتح العظيم، والشاعر الحساس، محمد بن القاسم الثقفي الذي شرع في غزو السند في السابعة عشرة من عمره وأتمه لما يتجاوز الثالثة والعشرين فأدخل بذلك في الهند الثقافة الإسلامية التي يدين بها في الوقت الحاضر زهاء ثمانين مليونا من أهلها. أنها شخصية تجمع إلى فتاء السن حنكة الكهولة، وإلى خشونة الجندي رقة الشاعر وإلى الحرص على الدنيا زهد الفيلسوف وطمأنينة الحكيم. . وكل هذه صفات أتصف بها العرب في نهضتهم التاريخية الكبرى التي رجت العالم القديم فنبهته من سباته ورسمت للتاريخ وجرى جديداً! وهو محمد بن القاسم بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، فهو من ثقيف المشهورة في الجاهلية والإسلام بقوة الدهاء وسعة الحيلة ومضاء العزيمة، ثم هو أبن عم الحجاج أمير العراق ورجل الدولة الإسلامية في الربع الأخير من القرن الأول الهجري. يلتقي نسبهما في الحكم بن أبي عقيل. ولد حوالي سنة ٧٣هـ، ونقع الحوادث مثار وريح الفتن نكباء، والسيوف يتجاوب صليلها في فارس والعراق والحجاز وأفريقيا، فجعل غلامنا يتنفس في جو مكفهر عابس ولقف صناعة الحرب سماعا وعيانا، ثم شاء ربك رحمة منه بالناس أن يكون إلى جانب هذه الحياة القلقة المضطربة الخائفة حياة أخرى آمنة هادئة هي حياة الأدب الذي يتمثل في الشعر الغنائي الرقيق المأثور عن أبي ربيعة وجميل وكثير والنميري وغيرهم من شعراء ذلك الزمان. فعشا نظر الفتى الثقفي الحائر إلى ذلك النور المشرق. فجاءه واهتدى به، وعفت نفسه العطشى إلى ذلك المورد العذب فورده وارتوى منه، وبذلك أعتدل مزاجه، ورقت حواشي نفسه وأصبح وهو في السابعة عشرة من عمره أشرف ثقفي في زمانه كما يقول صاحب الأغاني، وأقبل الحجاج وهو هو في نقد الرجال

стр. 1831

وتمييز الكفايات بعقد به آمالا كباراً، ويرشحه على حداثة سنه للأمر الجليل بعد الأمر الجليل. لم يكد ينتصف العقد التاسع من القرن الأول الهجري حتى كانت الفتن التي صدعت وحدة الدولة الإسلامية من بعد معاويةقد ركدت ريحها، فانتهت ثورة ابن الزبير بالحجاز، وكسرت شوكة الخوارج بفارس، وسكنت العاصفة الهوجاء التي أثارها أبن الأشعث بالعراق. هنالك عاود العرب حبهم القديم للفتح والتغلب، وكان الحجاج واضع سياسة ذلك الاتجاه الجديد ومنفذها، فغزا قتيبة بن مسلم ما وراء النهر وأوغل فيها، وتوطد سلطان الدولة ببلاد عمان وغزا موسى بن نصير المغرب وقرع أبواب الأندلس نفسها. وقد أراد الحجاج أن تأخذ ثقيف بنصيبها من شرف هذه الفتوح الجسام، فأغزى أبن عمه محمد بن القاسم السند التي هي مدخل ذلك العالم الزاخر بالناس والحافل بالخيرات، والذي يسمى بلاد الهند. الحق أن الحجاج لم يبتكر سياسة غزو الهند فقد عرف هذه البلاد عرب شرقي الجزيرة منذ الجاهلية، وطالما ركبوا البحر إلى شواطئها مستبضعين وتجارا، فلما قامت الدولة الإسلامية طمعوا في غزوها وتملكها. يروي صاحب فتوح البلدان (أن عمر بن الخطاب ولى عثمان بن أبي العاص الثقفي البحرين وعمان سنة ١٥هـ فوجه أخاه الحكم إلى البحرين ومضى إلى عمان، فأقطع جيشا إلى تانه (قريب من موقع بومباي الحاضرة) فلما رجع الجيش كتب إلى عمر، فكتب إليه عمر: يا أخا ثقيف حملت ذودا على عود، وأني أحلف بالله أن لو أصيبوا لأخذت من قومك مثلهم)، وتتابعت غارات عرب البحرين من عبد القيس وغيرها على شواطئ الهند وجزائرها وخاصة جزيرة سيلان التي كان يقال لها إذ ذاك (جزيرة الياقوت) لحسن وجوه نسائها، فمن هؤلاء العرب من أفلح في المقام بها ومنهم من عاد إلى بلاده وملء يديه السبي الرائع والمغنم الوافر. هذا من ناحية العرب، أما من ناحية الهند أنفسهم فقد (هاجرت منهم في الجاهلية طوائف إلى رأس الخليج الفارسي وخضعت للدولة الفارسية القديمة، فلما مصرت البصرة نزلوهاوحالفوا من بها من العرب.) فلما كان زمن الحجاج أغزى عماله على مكران ثغر السند فكلهم كان ينكب أو يقتل، وأرض السند عبارة عن حوض نهر السند العظيم تنزلها قبائل عديدة قوية نذكر منها الزط والسيابجة والميد والبرهة. وكان بالسند بلدان كثيرة منتشرة في أهضام الأودية ورؤوس

стр. 1832

الجبال منها الديبل، وكانت ثغر السند قبل كراتشي الحاضرة وبرهمنا باذوراور والملتان. وكانت هذه البلدان قوية بمعابدها البوذية القديمة وخاصة معبد الملتان. قال البلاذري (وكان بُد الملتان تهدى إليه الأموال، وتنذر له النذور، ويحج إليه السند، ويطوفون به ويحلقون رؤوسهم ولحاهم عنده، ويزعمون أن صنما فيه هو أيوب النبي صلعم) أما من الناحية السياسية فقد كان يتوزع بلدان السند وقبائلها عدة ملوك متقاطعي الكلمة مختلفي الأهواء وكان أقواهم سلطاناً إبان غزو العرب للسند ملك يقال له داهر، فهو الذي أشجى قواد الحجاج وأذاقهم مرارة الهزيمة المرة بعد المرة. والطريف أن مصرع هؤلاء القواد لم يحمل الحجاج على الجد في قتال داهر بمقدار ما حمله عليه استغاثة امرأة عربية اعتدى عليها وعلى نسوة عربيات كن معها بعض قراصين البحر من أهل السند التابعين لداهر. وذلك أن ملك جزيرة الياقوت فيما يروي البلاذري، أراد التقرب من الحجاج فأهدى إليه نسوة ولدن في بلاده مسلمات ومات آباؤهن وكانوا تجارا، فعرض للسفينة التي كن فيها قراصين من ميدالديبل فاخذوا السفينة بما فيها، فنادت امرأة منهن من بني يربوع: يا حجاج! وبلغ الحجاج ذلك، فقال يا لبيك! وأرسل من فوره إلى داهر يسأله تخلية النسوة. فأجاب بأنه أخذهن لصوص لا قدرة له عليهم. فأغزى الحجاج اثنين من عماله ثغر السند فكلاهما قتل، فأهتاج الحجاج وتجرد لقتال داهر، وكان قد أعد محمد بن القاسم لغزو الري فلما حدث ما حدث على حدود السند رأى في هذا الشاب من يرأب الصدع ويدرك الثأر، فرده عن غزو الري وعقد له على مكران وثغر السند، وأمره أن يقيم بشيراز حتى توافيه القوة التي أخذ يعدها لقتال داهر. كانت هذه القوة مؤلفة من جيش وأسطول، أما الجيش فكانت عدته زهاء عشرين ألف مقاتل منهم ستة آلاف فارس من جند الشام الذين كانوا عدة الدولة الأموية ومعولها والذين وطئوا للأمويين أكناف ملكهم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. وأما الأسطول فكان يحمل المشاة والمؤن وعدد الحرب الثقيلة. ومن هذه خمس مجانيق ضخام، يقال لأكبرها (العروس) ويروي البلاذري أنه كان يمد فيها خمسمائة رجل. وبالغ الحجاج على عادته في إعداد الجيش حتى انه (. . . جهزه بكل ما أحتاج من الخيوط والمسال وعمد إلى القطن المحلوج فنقع في الخل الخمر الحاذق ثم جفف في الظل، فقال إذا صرتم إلى السند فأن

стр. 1833

الخل بها ضيق فانقعوا هذا القطن ثم أطبخوا به وأصطبغوا، ثم تقدم إلى محمد ألاّ يقطع عنه أخباره بحيث يختلف البريد بينهما مرة كل ثلاثة أيام. خرج محمد بن القاسم بجيشه من شيراز عام سنةهـ٥٩٠ فسار مشرقا متبعاً ساحل البحر يطوي الحزون والسهول، ويجوب المهامه والقفار، ويحدوه ما يحدوه الشباب الحي من حب للمجد وتعلق بأسباب المعالي، فتغلب على صحارى كرمان ومكران، وبلغ الديبل سالما. ولم يكد يحط رحاله حتى كان الأسطول قد وافاه بها. فشرع من فوره في مهاجمة المدينة. قال صاحب فتوح البلدان، (فقدم الديبل يوم جمعة ووافته سفن كان حمل فيها الرجال والسلاح والأداة فخندق حين نزل الديبل وركزت الرماح على الخندق ونشرت الأعلام وأنزل الناس على راياتهم ونصب منجنيقاً تعرف بالعروس كان يمد فيها خمسمائة رجل.) وكان بالديبل (بد) عظيم عليه دقل طويل وعلى الدقل (سهم السفينة) راية حمراء إذا هبت الريح أطافت بالمدينة وكانت تدور. . . وكانت كتب الحجاج ترد على محمد وكتب محمد ترد عليه بصفة ما قبله واستطلاع رأيه فيما يعمل به في كل ثلاثة أيام. فورد على محمد من الحجاج كتاب أن انصب العروس واقصر منها قامة، ولتكن مما يلي المشرق، ثم أدع صاحبها فمره أن يقصد برميته الدقل الذي وصفت لي. فرمى الدقل فكسر، فاشتد طرة (جزع) الكفر من ذلك ثم أن محمد ناهضهم وقد خرجوا اليه فهزمهم حتى ردهم أمر بالسلاليم فوضعت وصعد عليها الرجال. . . ففتحت عنوة. . . وهرب عامل داهر عنها. . . واختط محمد للمسلمين بها وبنى مسجداً وأنزلها أربعة آلاف، ثم سار محمد مصعداً مع النهر يريد داهر، وعظم جيشه فاستولى على مدينة الرور صلحاً. وأنضم اليه على اثر ذلك أربعة آلاف من الزط، وصار كثير من قبائل السند عونا له في حربه مع داهر. ثم عبر نهر مهران والتقى بداهر وجيشه. وكان على فيل عظيم ومن حوله الجند على فيلة تنذر محمداً وجيشه بفتك ذريع، ولكن محمدا أنقى شر الفيلة، بقذائف النفط الملتهب يرميها بها فهاجت واحترقت هوادجها بمن فيها من الجند، وانتشب بين الفريقين قتال هائل انجلى عن قتل داهر وتمزق جيشه، وتراجع فلوله إلى مدينة برهمنا باذ واقتفي محمد اثر تلك الفلول فاستولى على مدينة رور فبرهمنا باذ نفسها، ومن ثم زحف إلى مدينة الرور فحاصرها اشهرا ثم دانت له على أن يحقن دماء أهلها وألا يعرض لبدهم، وأن يؤدوا إليه الخراج. وقد وفي لهم بشرطهم وبنى

стр. 1834

بالمدينة مسجداً. ثم قطع نهر بياس إلى الملتان أعظم بلدان السند العليا فامتنعت عليه أول الأمر ثم استولى عليه بممآلاة رجل من أهلها له. ووضع يده على أموال جسيمة كانت بمعبدها البوذى. كانت الملتان أقصى ما وصل إليه ابن القاسم من ناحية الشمال، قال البلاذري: (ونظر الحجاج فإذا هو قد أنفق على محمد بن القاسم ستين ألف ألف درهم، ووجد ما حمل إليه عشرين ومائة ألف ألف، فقال: شفينا غيظنا وأدركنا أثارنا وازددنا ستين ألف ألف درهم ورأس داهر). أخذت الملتان سنة ٩٥هـ وعلى أثر ذلك أتت محمدا وفاة الحجاج فقفل راجعا نحو الجنوب مستولياً في طريقه على مدن لملوك آخرين غير داهر، وكان آخر ما فتح مدينة يقال لها (الكيرج) استولى عليها عنوة سنة ٩٦هـ ثم أتاه نعي الخليفة الوليد بن عبد الملك وولاية أخيه سليمان، فلم يبرح تلك المدينة، وقلب له الدهر من ذلك الوقت ظهر المجن، وأخذ نجمه في الأفول. لا شك أن الحجاج كان موفقا عندما عهد إلى ذلك الشاب قيادة تلك الحملة الخطيرة. فأن محمداً بحداثة سنه وصدق فروسيته قد ملك زمام أصحابه فلا نسمع أن أحدا منهم حدثته نفسه بخلاف عليه أو عصيان له. ثم أنه بهذه الخلال نفسها وبرجاحة عقله وسعة حلمه اجتذب قلوب السند أنفسهم، فقد قارنوا بينه وبين ملوكهم المترفين المتجبرين المتخاذلين فلم يتمالك كثير من قبائلهم أن إعطاء الطاعة وأخذ جانبه في الحرب كما سبق القول. ويروى أنه عندما شرط عليه أهل المدينة الرور ألا يقرب بدهم وفي لهم بذلك وقال: (ما البد إلا ككنائس النصارى واليهود وبيوت نيران المجوس)، وكانت حكومته اياهم عادلة رفيقة إذا قيست بحكومة ملوكهم وأمرائهم، فقد تقدم إلى عماله بهذه النصيحة: أنصفوا الناس من أنفسكم، وإذا كانت قسمة فأقسموا بالسوية، وراعوا في فرض الخراج مقدرة الناس على أدائه ولا تختلفوا ولا تنازعوا فتشقى بكم البلاد. ثم أنه كان مدركا كل الإدراك أن عليه واجبين عظيمين: عليه أن ينشر في البلدان التي فتحها الثقافة الإسلامية، وأن يصل بين الشرق والغرب الإسلاميين، من أجل ذلك كان إذا فتح مدينة أنزلها بعض أصحابه، وبنى بها مسجداً. ومن أجل ذلك نقل طوائف من الزط والسيابجة إلى العراق فانزل الحجاج

стр. 1835

بعضهم كورة كسكر بفارس، ووجه بقيتهم إلى الخليفة، فانزلهم أنطاكية وسواحل الشام لينتفع بخبرتهم البحرية في قتال الروم، كذلك أرسل إلى الحجاج فيلة سميت ببعضها مشرعة الفيل التي كانت بواسط، كما بعث إليه بآلاف من الجواميس السندية، فاطلق الحجاج بعضها في آجام كسكر وكور دجلة، وبعث كثيرا منها إلى الخليفة فاطلقها في الآجام التي بين أنطاكية والمصيصة، واتقى بها سباع تلك الآجام وكانت قد كثرت وأخافت السابلة. وقد نمت هذه الماشية بالعراق على مر الزمن حتى أصبحت من أسباب ثروته الاقتصادية في الوقت الحاضر. تلك غزوة محمد بن القاسم للسند. أنها لا شك تذكرنا بغزو الاسكندر المقدوني لتلك البلاد نفسها في أخريات القرن الرابع قبل الميلاد. فالغزوتان تتشابهان من عدة وجوه، تتشابهان من حيث أن كلتيهما برية بحرية إلى حد بعيد، ومن حيث حداثة كلا الفاتحين وكفايته، ومن حيث أن كليهما نهج في نشر ثقافته بالسند نفس المنهج الذي نهجه الآخر، ومن حيث أن كليهما كان يهدي إلى أستاذه طرفا من طرف فتوحه ويراسله مستطلعاً رأيه، فالفاتح المقدوني كان يهدي إلى أرسطو ويراسله، والفاتح العربي كان يهدي إلى الحجاج ويراسله مصدراً في بعض المواقف عن رأيه. ولو أن أهل السند الذين غزاهم ابن القاسم، والذين قد يكون منهم من يدين بشرعة التناسخ ذكروا تاريخ بلادهم القديم فربما رأوا في الفاتح العربي الحديث انبعاث روح الفاتح المقدوني القديم. وبعد فماذا كان مصير ذلك الفاتح العظيم؟ لقد جوزى جزاء سنمار وصار إلى شر مصير، فقد نكبه الخليفة سليمان بن عبد الملك نكبة كان فيها تلف مهجته وبوار نفسه. والمصادر القديمة مختلفة في تعليل تلك النكبة، فالمصادر الفارسية، وهي حديثة نسبياً غير موثوق بها تزعم أن بنات داهر أفضين إلى الخليفة بأن أبن القاسم عبث بهن، فأضطرم الخليفة غيظا وأمر بمحمد فوضع في أديم بقرة ثم خيط عليه الأديم وحمل إلى دمشق ففاضت روحه بالطريق فلما بلغ بنات داهر مصرع الفتى استشعرن الندم وقلن أنهن تجنين على ابن القاسم انتقاما ممن قتل أباهن وثل عرشه، فاشتد غضب الخليفة عند ذلك وأمر بهن فقتلهن شر قتلة: أما المصادر العربية وهي أقدم من المصادر الفارسية وأوثق فلا تذكر شيئا من أمر النسوة، ويؤخذ منها أن الخليفة سليمان بن عبد الملك كان مضطغنا على الحجاج لأنه

стр. 1836

كان قد زين للخليفة الوليد ابن عبد الملك خلع سليمان من ولاية العهد: أما وقد فارق الحجاج هذه الدنيا فقد رأى سليمان أن يشفي غيظه من أقربائه متأثرا في ذلك بنظام الثأر عند العرب. وقد أذكى نار الحقد والموجدة في صدره رجلان كلاهما قد وتره الحجاج وكلاهما كان متأثرا بالعصبية القبلية بين قيس واليمن: أحدهما يزيد ابن المهلب وكان أثيرا مكينا لدى الخليفة، والآخر صالح بن عبد الرحمن وقد ولاه سليمان خراج العراق. عزل محمد عن السند وولى مكانه يزيد بن أبي كبشه السكسكي فأخذ محمدا وقيده وسيره إلى العراق مع رجل من بني المهلب على حال حركت قلوب أهل السند فبكوا عليه وصوره أهل الكيرج بمدينتهم التي كان منها شخوصه، وقد تلقى محمد المحنه صابراً محتسبا ولم يكن في محنته أقل شجاعة وصبرا أو أنفة منه وقت الحرب وحين البأس. والغريب أنه على إخلاص أصحابه له وعطف السند عليه لم تحدثه نفسه بالخلاف والانتقاض. والظاهر أنه أيقن أن قد أدى واجبه وأن الحياة أصبحت بعد ذلك لغوا وفضولا لا طائل فيه. وقد جعل يسري عن نفسه بمقطوعات من الشعر ضمنها آلامه وخواطر نفسه. فمن ذلك قوله مشيرا إلى أنه لو أراد الثورة لشق على أعدائه تهضمه. ولو كنت أجمعت القرار لوطئت … إناث أعدت للوغى وذكور وما دخلت خيل السكاسك أرضنا … ولا كان من عك على أمير ولا كنت للعبد المزوني تابعاً … فيالك دهر بالكرام عثور ولما صار إلى واسط حبسه صالح بن عبد الرحمن فقال: فلئن ثويت بواسط وبأرضها … رهن الحديد مكبلا مغلولا فلرب قينة فارس قد رعتها … ولرب قرن قد تركت قتيلا وعذبه صالح في رجال من أقرباء الحجاج حتى قتلهم، فطفق الشعراء يرثون محمدا ويذكرون فضائله، فمن ذلك قول بعضهم: أن المروءة والسماحة والندى … لمحمد بن القاسم بن محمد ساس الجيوش لسبع عشرة حجة … يا قرب ذلك سؤددا من مولد وقال آخر: ساس الجيوش لسبع عشرة حجة … ولداته عن ذاك في أشغال

стр. 1837

تلك خاتمة فتى فتيان العرب وسيد فرسانهم غبر مدافع. فمن مبلغ مسلمي الأرض عامة والهند خاصة ان الدوحة الإسلامية العالية التي أظلت بلاد الهند طوال العصور الوسطى، إنما كانت غرس ذلك الفتى العربي النبيل؟ فليذكر ذلك الذاكرون فقد تبل الذكرى رفات ذلك الشهيد في قبره، بعد أن عدم في حياته من يحمد بلاده أو يرحم شبابه؟

стр. 1838

٠٠٠ ثم أرادت أن تجعل منه رجلا! للدكتور محمد عوض محمد لقد قض الأمر، وزوجت منه!. . . فيا للعجب! كيف ألم بالدهر هذا الحادث الخطير، والشمس ما برحت في السماء تجري لمستقر لها، والأرض مازالت تدور حول محورها المائل المنحرف، وتطوف من حول الشمس وتمعن في الطواف؟ والقمر ? أجل القمر ولميزل ينتقل بين منازله المقدرة له من الأزل. . فكيف إذن نزل ذلك الخطب؟ أكبر الظن أن القمر المذكور هوسبب تلك النكبة. أجل هو وحده المسئول عن تلك الكارثة. فأن ليلى قد التقت بأحمد من قبل مرار، في وضح النهار، فلم تر فيه إلا فتى حسن الصورة، ولم تحس نحوه ميلا ولا حبا. . لكنها التفت به بعد ذلك على شاطئ النيل، في ليلة يلمع فيها بدر التمام؛ فإذا القمر يوسوس في صدرها، ويثير في فكرها الأوهام، ويريها صورة ذلك الفتى، وكأنها تمثال لكل ما يتوق إليه قلب المرأة التواق من سحر وجمال وشعر وأحلام أما صوته المتكسر الواهي، فكان يرن في إذنيها كالموسيقى العذبة لكنها كانت من طراز موسيقى شوبرت الرقيقة، لا موسيقى وأغنر العنيفة القوية. . ولقد ساورها الشك لحظة، وأرادت أن تسأل نفسها: (أنى لرجل كامل الرجولة أن يكون في صوته كل هذه الرقة وهذا التكسر؟) لكن القمر لم يدعها طويلا تتلاعب بها الشكوك، بل أوحي اليها بسرعة أن ذلك من أثر العشق الذي استحوذ على أحمد، فرقق من صوته وأكسبه كل هذا اللين والعذوبة والغور!. وكان القمر في هذا كاذبا؛ والحقيقة أن أحمد كان من ذلك الجنس الناعم الخائر الذي يبرأ منه الرجال والنساء على السواء. فلم تنقض تلك الليلة المقمرة الساحرة حتى كان الحب مالئا قلب ليلى؛ وقد جعل على عينيها غشاوة لن يزيلها الا تعاقب الليل والنهار. وهكذا تم النصر للقمر الماكر! وياليت الزهرة كانت في السماء تلك الليلة، إذن لمحضت ليلى النصح، وفتحت عينيها لما هو محدق بها من الخطر؛ لكن الزهرة لم تكن (ياللاسف!) في السماء. وهل في الدهر سواها نصير للفتيات يرد عنها الغوائل، ويهديهن سواء السبيل، ويأخذ بأيديهن كي لا يتردين في كل هوة مخيفة ? أما القمر فنصير الفتيان، وعلى

стр. 1839

الخصوص اولئك الفتيان الخائرون المتكسرون، الذين يشبهونه بوجوههم المليحة الناعمة الشاحبة الخالية من كل قوة ونخوة. . ولم تك إلا أسابيع قلائل، حتى زوجت منه وقضي الأمر! والشمس ما برحت في السماء تجري لمستقر لها، والأرض ما انفكت تدور حول محورها المائل المنحرف ثم كان شهر العسل! فأما الشهر فلم يكن كشهري وشهرك أيها القارئ، مؤلفا من ثلاثين يوما، أو أحد وثلاثين يوما على أكبر تقدير. بل لقد استطاع الحب (وهو ذلك الساحر البارع) أن يمسه بعصاه، فإذا هو يمتد من أول مايو إلى آخر أكتوبر؛ وإن يوما عند الحب كألف يوم مما تعدون! هذا ما كان من أمر الشهرّ وأما ما كان من أمر العسل فقد كان أريا شهيا، وشهدا جنيا، وحلاوة وعذوبة ليس وراءهما حلاوة ولا عذوبة، وخمرة سائغة، لم تتناولها بالتحريم شرائع السماء، ولا قوانين الولايات المتحدة. وظلا غارقين في ذلك البحر الخضم، فلم تنتبه ليلى، ولم تشأ أن تنتبه. وإن كان في الغرقكل هذه السعادة والنعيم، فالويل لمن يفكر في إنقاذ الغرقى! وسيقول الناس: أن الحب يعمى ويصم، وأنا أربأ بالقارئ أن يكون ممن يرون هذا الرأي، فأن العمى والصم هما (فيما يقال) عاهتان، وما أبعد الحب (وأبعد به) أن يكون مسببا للآفات والعاهات وإنما الصواب أن نقول أن الحب يضع على العينين عصابة من ذلك الطراز الجميل الذي يعصبون به عيني الثور حين يدور بالساقية، فلا يزال يدور ثم يدور، وهو يحسب نفسه قد طاف حول الكرة الأرضية. وكذلك قد صور الحب لليلى أنها قد طافت العالم وأحرزت الدنيا بأسرها. كل هذا، والشمس ما برحت في السماء تجري لمستقر لها، والأرض مازالت تدور حول محورها المائل المنحرف. ثم لم يكن بد من أن يجيء اليوم الهائل المحتوم بعد أن ولى الربيع، وذهب في أثره الصيف، وأتى بعدهما الخريف الذي لا يدارى ولا يمارى، بل يظهر الحقيقة عارية مجردة جافة. وفي يوم من أيام الخريف بسط الدهر يديه القويتين فجأة، وكشف الغطاء عن عيني ليلى!

стр. 1840

نظرت، فلم تصدق الرؤيا التي رأتها. . أجل وقد حسبتها رؤيا مما يراه النائم الغارق في نومه. وكبر مقتاً عندها أن يكون هذا مما تراه هي. . حتى في الحلم. . . فجعلت تغمض عينيها، ثم تفتحهماّ، مرارا. . . لا الفارق أنها ليست نائمة، وهذا الذي تراه ليس حلما. . هو الحقيقة إذن ? أجل وليس بمجديها أن تحاول إنكارها. . صحيح إذن أنها رضيت أحمد هذا زوجا، وأنه (يا للهول!) قد شغفها حبا فلم تكترث للناصحين والعذال. . رضيت بذلك الكائن الممسوخ زوجا، ليكون لها في الحياة رفيقا وعدة وذخرا. ذلك المخلوق اللين المتكسر الخائر، الذي ليس في قلبه همة، ولا في رأسه نخوة، ولا مطمح له في الحياة ولا مأرب، ولا عزمة له ولا إرادة! أن الناس تصفه ظلما بأنه يشبه النساء، وهذا كذب، بل كفر، بل شر من الكفر. أن النساء أجل وأكرم من أن ينتسب إليهن هذا المخلوق، هذا اللين المستخذي، هذا الناعم الخائر، هذا التافه ذو الوجه (الكارت بوستال). ذو الصورة السينمائية الفاترة، الخالية من كل روح ومعنى. أيمثل هذا الشيء تجن هي. . ليلى؟ ليلى التي طالما جشم أبوها نفسه وجشمها كل عناء وبلاء في سبيل تأديبها وتثقيفها، لايألو في ذلك جهدا ولا مالاً ولا وسيلة! ألم يهيئ لها الأسباب لتتلقى العلم في مصر على خير أساتذة مصر، وفي إنجلترة في خير معاهد إنجلترة وأعظمها جميعا؟. . أجل وما أشد سرورها يوم ألفت نفسها، وهي بنت النيل، في نيونهام كولدج تتلقى العلم هي وبنات النبلاء جنبا لجنب؛ وكان نجمها الساطع محلقا في السماء لا يعلو عليه نجم، ولها بين صواحبها منزلة ومكانة وشهرة قد جاوزت نيونهام إلى جميع دور العلم بكامبردج؛ وملأ الإعجاب بليلى المصرية صدور الشباب من الطلبة، والشيب من الأساتذة المحنكين. . ولقد طالما حاول الكثير من كرام الفتيان أن يتقرب إليها، فكانت ترده في حزم ولطف وتواضع لم يزدها إلا سموا وتقديرا. ثم تلك الرسالة البديعة التي كتبتها عن الفلسفة العربية؛ فكانت نصرا باهرا، وتاجا براقا لتلك السنين الخمس، التي قضتها في جد ودأب لا تعرف الدعة ولا الهوادة. وهبطت مصر، تزدحم في صدرهم الآمال، وتريد أن تتبوأ مكانها بين قومها لكي تعمل على نصرهم وسؤددهم، بكل ما أوتيت من قوة وهمة؛ ولم تجد بأسا في أن يكون لها في جهادها العنيف رفيق يشد أزرها ساعدها. ولم تكن ليلى من النساء اللواتي أغلقت قلوبهم

стр. 1841

دون الحب برتاج غليظ. . ولكن شاءت المقادير العجيبة أن يكون رفيقها الذي تختاره وترتضيه هو ذلك المخلوق الناعم الخائر، ذلك اللين المستخذي، ذا الوجه الكارت بوستال. والشمس مازالت في السماء تجري لمستقر لها، والأرض ما برحت تدور حول محورها المائل المنحرف. وجلست ليلى وهي تطل من نافذتها، تنظر إلى النيل إذ يندفع تياره من الجنوب إلى الشمال، وإلى أشجار الصفصاف، وقد تدلت غصونها إلى الماء كأنها عبرات تسيل؟ وإلى السحب الحمراء قد خلفها الغروب. ومن دونها الأهرام قائمة على الأفق، وإلى الزهرة في السماء تتألق وترقص بين السحاب. أدركت ليلى أنها أخطأت. . أجل أخطأت برغم كل ما وعاه صدرها من علم وأدب وحكمة وفلسفة، وارتكاب الخطأ حق طبيعي لكل رجل، بل ولكل أمراءه أيضا. . الحيوانات لا تخطيء، لأنها تصدر في أعمالها عن الغريزة، والغريزة معصومة عن الزلل. أما أبناء آدم وبناته فيصدرون عن العقل، وهو كثير العثرات. إذن ليس ببدع أن تكون ليلى قد ارتكبت خطأ، وليس بعد الخطأ إلا محاولة الإصلاح. . لكن كيف السبيل إلى إصلاح هذا الخطأ؟ ليست الأمراض سواء في قبولها للعلاج، وليست الأخطاء سواء في قبولها للإصلاح. حاولت ليلى أن تلتمس الإلهام مما تعلمه من حكمة وفلسفة. ولكنها لم تلبث أن تبينت أن ليس هذا بمجديها نفعا. إن للفلاسفة في هذا الموضوع الخطير آراء قلما تسمن أو تغني. . . إن (نيتشه) الذي تحبه لم يتزوج و (كانت) العظيم عاش عمره الطويل لم يتزوج، وأبو العلاء لم يجن على أحد، و (شوبنهاور) كثيرا ما كان يؤثر صحبة الكلاب على الخلان والأصدقاء، وسقراط وافلارطون؟. . أولى بها ألا تفكر الآن في سقراط وأفلاطون. . . لا. . ليس بنافعها أن ترجع إلى القدماء، كي يحلوا لها مشكلتها الحديثة. . لا بد لها أن تركن إلى نفسها وأن تعتمد على فلسفتها هي. . أجل وأن لها في هذا الأمر لفلسفة خاصة، ورأيا ستحاول إنفاذه: أنها سوف تصلح أمر أحمد، وسوف تقوم معوجة، وسوف تجعل منه رجلا. . هذا المرام البعيد، الذي يراه الناس

стр. 1842

محالا، كانت تحس في أعماق صدرها أنه ليس بمحال، أتراها وفقت إلى العثور على ذلك الحجر العزيز: حجز الفلاسفة فأمست قادرة على أن تحيل الخسيس نفيسا، والدنيء رفيعا؟ كلا! أن ليلى لن تحاول أن تنال بغيتها عن طريق المعجزات بل لقد رأت في أمر زوجها رأيا، حسبته رأيا سديدا، وكان وليد تدبير طويل، وتفكير عميق. . رأت أن أحمد تعوزه الرجولة، في مظهره ومخبره، وفي جسده وفي روحه، في حركاته وتفكيره. وقد عملت أن ليس إصلاح الروح بالشيء اليسير: لكنها تستطيع (على الأقل) أن تكسبه مظهر الرجال. فلتأمره إذن (وهو لها طيع ذلول) أن يلبس الخشن من الثياب: وأن ينعل الخشن من الأحذية: وأن ينطلق إلى ضيعة أبيها فيقيم هنالك شهرين أو ثلاثة أشهر؛ يعمل في حقولها كل يوم، حارثا وزارعا حاصدا، وعليه أن يرسل لحيته وشاربه حتى يغطي الشعر وجهه. . ثم يعود إليها بعد ذلك، وقد لبس حلة الرجولة سابغة شاملة، فمن يد خشنة الملمس، إلى ذراع قوية متينة؛ إلى وجه قد لوحته الشمس يكسوه شارب طويل ولحية مرسلة. أما صوته الناعم الفاتر، فلا بد أن يكتسب شيئا من الخشونة من كثرة ندائه للثيرة، وصياحه خلف المحاريث. وكانت ليلى تعلم أن هذه كلها ظواهر، ليس فيها نفع ولا غناء، ولكنها كانت مؤمنة بأن إصلاح العرض سيفضي إلى إصلاح الجوهر، الصلاح الإناء وسيلة لإصلاح الشراب؛ وأن أحمد لا يلبث أن يكتسب مظهر الرجولة، حتى تتسرب بعد ذلك إلى لحمه ودمه بفضل ما بين الروح والجسد من رباط متين. وأحسبها قد اقتبست هذا الرأي من بعض ما درسته من فلسفة وحكمة؛ لكنها كانت أشد أيمانا به من الحكماء الذين قالوا به. وما هي إلا أيام قلائل حتى مضت في تنفيذه، فانطلق أحمد إلى الريف وبقيت ليلى وحدها الليالي والأيام ترقب دورة الفلك؛ والشمس ما برحت في السماء تجري لمستقر لها، والأرض ما فتئت تدور حول محورها المائل المنحرف. وفي مساء يوم عبوس متجهم من أيام أمشير؛ تلبدت السماء بسحاب أسود قاتم، وكان يعدو من المغرب إلى المشرق؛ طبقات بعضها فوق بعض؛ تحمله في السماء ريح عاصف. . وعلى الأرض زعزع نكباء تثير الموج على صفحات النيل، وتهز جذوع الصفصاف هزا عنيفا، وقد ثارت الزوابع تحمل العثير المطار إلى كل عين وكل أنف. . ومشت ليلى نحو

стр. 1843

النافذة فأغلقتها في بطء شديد وحزن شديد، مطأطئة رأسها في كآبة وكمد. ثم سقطت على سرير ممدود وجعلت تسفك العبرات وتعول بالبكاء. . بصوت لولا دوي الريح لأسمع من بالدار. وما أشد حاجتها في ذلك المساء إلى الوحدة وإلى البعد عن الناس وإلى البكاء تطفئ به ذلك الجحيم المستعمر في صدرها وفي أحشائها. مسكينة ليلى! إن فلسفتها قد خابت، وتجربتها قد فشلت! وكل هذا التقدير والتدبير والسعي والاحتيال لم يصادف إلا حبوطا أليما، وخيبة قاتلة. إن الداء كان عضالا، والسم قد سرى إلى الرأس والأوصال، والعرق والعصب؛ فاستفحل واستمكن، ولات حين علاج، ولات حين شفاء. . واختلط الحزن في قلبها، وألح عليها من كل جانب، فليس يدرى أي خطبيها أشد وأقتل؛ فشل تلك التجربة وذلك الرأي السديد الذي حسبته زبدة الحكمة وخلاصة الفلسفة، أم كارثتها في هذا المخلوق الذي بات حتما عليها أن ترضاه، وهو دون الرضى، وأن تعتمد عليه في الحياة، وهو ذلك الرطب العاجز المائع. لقد فشل تدبيرها فشلا ذريعا، فأن المسكين لم يطق الريف، ولم يلبث أن أسأمه وأضناه، فقضى أيامه هناك بين سقم وبين الإفاقة من سقم، حتى أشفقت عليه ليلى وأذنت له أن يعود. أما ذلك الشعرالقليل الذي نبت على خديه وشفتيه، فلم يك الاغشاءً رقيقا تافها، لم يقربه من الرجولة قيد شعرة. مسكينة ليلى! أن الرزء الذي رزئته لشديد. ولم يبق لها من وسيلة تتوسل بها سوى الصبر، والصبر أوهى الوسائل. . وما أشد حاجتها لأن يكون لديها من هذه الوسيلة الواهية ذخيرة لا تنفذ، ذخيرة تكفيها العمر كله. . لا بد أن يكون في العالم شهداء يحملون الأرزاء، فلا رأى اليوم إلا أن تكون كأحدهم. ولئن كان رزؤها هذا من صنع يديها، فما أحقها بحمله والاضطلاع به. . مدى الحياة. لقد سخرت منها المقادير، حين أرتها الحياة حلما زاهيا، وزهرا نظيرا، واليوم وقد آن للزهر أن يحول ثمرا وللدوحة أن تؤتي أكلها، إذا الأقدار تسلط عليها هذا السقم العضال يذويها ويفنيها. لم يبق لها بد إذن من أن تودع هذه الأحلام جوف الثرى، في غير رحمة ولا هوادة، وتستقبل هذا العهد الجديد، عهد الشهداء الصابرين في قوة وجلد.

стр. 1844

لا جرم أن الانتقال إلى تلك الحال ليس بالشيء اليسير، ولكن لعل أسابيع تقضيها (هي) في الريف، وتفكير، أن تعدها لهذا العهد الجديد، هذا العهد القاسي الشديد. ونهضت متماسكة من سريرها، وسارت إلى النافذة ففتحتها، وجلست على كرسي صغير بجانبها. . وجعلت تنظر إلى الغيث وقد أخذ ينهمر مدرارا، وإلى الرياح وهي تميله يمنا وشمالا. . ثم أخذ ينهمر على خديها مطر (غزير) لم يكن مما أسقطه السحاب، أو دفعته الرياح. . والشمس من خلف الأفق تجري لا مستقر لها، والأرض ما برحت تدور حول محورها المائل المنحرف. فيا عجبا لهذا الكوكب السخيف! كيف آثر الانحراف على الاعتدال، والميل على الاستقامة؟

стр. 1845

العرب والفرس قبل الإسلام للدكتور عبد الوهاب عزام سأجمل في هذا المقال، ما يعرفه التاريخ وترويه الأساطير من الصلات بين العرب والفرس قبل الإسلام، وعسى أن يكشف التاريخ عن صلات أخرى بين الأمتين، أو يبين عن حقائق تفسر بعض هذه الأساطير. ويمكن تقسيم الروايات إلى قسمين: ما قبل العهد الساساني وهي أساطير، وما بعده وهي تاريخ أو قريب من التاريخ. أ. قبل عهد الساسانيين الأساطير تتفق عليها الكتب العربية والفارسية، وأعظم مصادرها كتاب الشاهنامة للفردوسي، ومنها: ١. أسطورة الضحاك وأجمالها أن الضحك هذا كان أبن أمير عربي من أمراء اليمن أسمه مزداس تمثل له الشيطان في صورة شاب صبيح وزين له قتل أبيه فقتله. ثم تمثل له في صورة طباخ وأعلمه أنه حاذق في تجويد الأطعمة، خبير بأصنافها، فأتخذه الضحاك طباخا له فطبخ له اللحم، وكان الناس من قبل لا يأكلونه، فاستطاب الضحاك ألوان اللحم التي قدمها له طباخه فقربه وركن إليه. ثم سأل الطباخ سيده أن يأذن له تقبيل كتفيه، فقبلهما ثم ساخ في الأرض فلم يعرف أثره، ونبت على منكبي الضحاك سلعتان كأنهما حيتان فذعر لذلك وأستدعى الأطباء فلم يهتدوا في أمرهما إلى دواء، وكان الضحاك يحس لهما وجعا. فتمثل الشيطان في صورة طبيب وأشار على الأمير أن يطلي السلعتين بأدمغة البشر، ففعل وسكن الألم، فدأب على ذلك لا يستريح إلا أن يقتل بعض الناس فيدهن بدماغهم حيتيه. وكان جمشيد ملك الفرس قد عتا وتجبر وادعى الألوهية، ففزع الفرس إلى الضحاك يستغيثونه، فسار اليهم في جند كثيف وتعقب جمشيد حتى قتله. ثم تسلط على بلاد الفرس وسام الناس ألوان العذاب حتى ثار به جاوه الحداد ودعا الناس إلى تمليك أفريدون. وحارب أفريدون الضحاك فهزمه، ثم أخذه فقيده وسجنه على جبال دماوند. ويقال أن جاءوه

стр. 1846

الحداد حينما أزمع الثورة أخذ الجلدة التي كان يضعها على حجره حين طرق الحديد فعلقها في عصا وجعلها علم الثورة، وأتخذها الفرس من بعد لواءً مقدسا سموه (العلم الجاوى) (دوفش كاوباني). وإذا نظرنا إلى تواريخ الشهنامة وجدنا الضحاك يتملك على إيران قبل الميلاد بألفين وثمانمائة سنة: وذلك يوافق عهد الدولة البابلية. فإن كان وراء هذه الأسطورة حقيقة فهي تسلط الساميين على إيران. ويؤيد هذا أن كتاب الابستاق يجعل مقر الضحاك مدينة بوري، وهي بابل، وكذلك نجد في نزهة القلوب للقزويني أن بابل كانت مستقر الضحاك ونمرود. وقد أشار إلى قصة الضحاك أبو تمام إذ قال: ما نال ما قد نال فرعون ولا … هامان في الدنيا ولا قارون بل كان كالضحاك في سطواته … بالعالمين وأنت أفريدون وأفتخر أبو نواس في قصيدته التي يفخر فيها بقومه القحطانيين: وكان منا الضحاك يعبده ال … خابل والجن في مساريها. ٢. وفي الشاهنامة وغيرها من الكتب العربية والفارسية أن أفريدون زوج أبناءه الثلاثة (تورا) و (سلما) و (ايرج) من ثلاث بنات لملك من ملوك اليمن، وأفريدون عند الآريين يشبه نوحا عند الساميين، نسل من أبنائه الثلاثة خلق كثير، فتور أبو ملوك توران! وايرج ابو ملوك إيران وسلم أبو ملوك الروم، فالمصاهرة بين أفريدون وملك اليمن تجعل العربأخوال كل من نسل من بني أفريدون. ٣. وكذلك نجد في الأساطير الفارسية أن مهراب ملك كابل في عهد الملك منوجهر عربي من نسل الضحاك، وأن (زال) بن سام تزوج بنت مهراب فولدت له رستم بطل أبطال الفرس، فرستم إذن له خؤولة في العرب. ٤. ومن الروايات التي هي أقرب إلى التاريخ مما تقدم حرب كيكاوس وملك هاماوران (حمير) وأسر كيكاوس في بلاد اليمن، وتنازع أفراسياب ملك التورانيين، العرب على ملك إيران، ثم ذهاب رستم إلىاليمن وتخليص كيكاوس. ويقول أبو نواس في القصيدة التي ذكرتها آنفا: وقاض قابوس في سلاسلنا … سنين سبعا وفت لحسابها

стр. 1847

وكان الكيكاوس، في القرن العاشر قبل الميلاد في حساب الشاهنامه. وفي بعض الكتب العربية أن ملك اليمن اذ ذاك كان ذا الأزعار أبن أبرهة ذي المنار بن الرائش. ٥. ومما تقصه الروايات في هذا العهد عهد الكيانيين، الحرب بين داراب وبين رجل عربي أسمه شعيب بن قتيب. وداراب هذا هو، في غالب الظن، داريوس أخوس (٤٢٤ - ٤٠٤ ق. م) وأعظم الحوادث في عهد الساسانيين وهو أقرب إلى التاريخ وكثير من حوادثه واقعات تأريخيه: ب - بعد عهد الساسانيين ١. قصة سابور الأول (٢٤١ - ٢٧٢م) وملك الحضر، وهو الضيزن بن معاوية القضاعي، أو الساطرون كما في بعض الكتب. وذلك أن الضيزن أغار على فارس وأسر أخت سابور أو عمته، فسار سابور إليه وحاصر الحضر حتى استولى عليه بخيانة بنت الضيزن. والحضر كان مدينة بالجزيرة الفراتية على أربعين ميلا من دجلة نحو الغرب إزاء تكريت، وعلى مائتي ميل إلى الشمال من بغداد. ولا تزال أطلالها بما كان من عظمها ومنعتها. ويقول الهمذاني في كتاب البلدان: (كانت مبنية بالحجارة المهدمة بيوتها وسقوفها وأبوابها. وكان فيها ستون برجا كبارا. وبين البرج والآخر تسعة صغار) ويقول ياقوت: (فأما في هذا الزمان فلم يبق من الحضر إلا رسم السور وآثار تدل على عظمه وجلاله.) وقد حاصره الإمبراطور تراجان وسفريوس فلم يقدرا عليه. وقد روى ياقوت في قصة الحضر شعرا لعدى بن زيد والأعشى وروى الطبري شعرا لأبي دؤاد الأيادي. والشاهنامة تجعل الواقعة في زمن سابور ذي الأكتاف وتخلط بعض الحادثة ببعض. ٢. ومن ذلك ما وقع بين أذينة ملك تدمر وسابور الأول أيضا: فقد أغار أذينة على جيش سابور وهو راجع مظفراً من حرب فلريان إمبراطور الروم، فانهزم الجيش الفارسي وتعقبه أذينة. وقد أغتبط الروم بما فعل أذينة فاثابوه ولقبوه (اغسطس). ٣. ومن قصة سابور ذى الاكتناف (٣٠٩ - ٣٧٩) والعرب.

стр. 1848

يروى أن بعض العرب أغار على بلاده فحاربهم في خوزستان ثم عبر الخليج إلى البحرين وهجر واليمامة، ثم سار إلى الشمال فحارب بني بكر وغيرهم، وأنزل بعض القبائل غير منازلهم: أنزل بني تغلب بدارين والخط، وبعض بكر بصحارى كرمان، وبعض عبد القيس وتميم في هجر واليمامة، وبني حنظلة بالصحارى التي بين الأهواز والبصرة. ويقال أنه سمى ذا الأكتاف لأنه خرق أكتاف الأسرى من العرب ونظمهم في الحبال. وكذلك كانت أحداث بين العرب ولا سيما أياد وبين سابور بن سابور ذي الأكتاف. ذكر بعضها المسعودي في الجزء الأول من المروج. وفيها يقول بعض الشعراء: على رغم سابور بن سابور أصبحت … قباب أياد حولها الخيل والنعم ويقول الحارث بن جنده (الهرمزان): هم ملكوا جميع الناس طراً … وهم ربقوا هرقلا بالسواد وهم قتلوا أبا قابوس عصبا … وهم أخذوا البسيطة من أياد وتكثر الأحداث بين الفرس وقبائل الشمال عامة ولا سيما ربيعة التي كانت تسمى ربيعة الأسد لجرأتها على الأكاسرة. ٤. والصلات بين أمراء الحيرة والفرس منذ نشأت الدولة الساسانية في القرن الثالث الميلادي ليست في حاجة إلى البيان، فحسبي أن أذكر من الحوادث ما يبين عن مكانة المناذرة في دولة الفرس وقوتهم: عهد يزدجرد (٣٩٩ - ٤٠٢) إلى المنذر الأول بتربية ابنه بهرام فنشأ في الحيرة حتى بلغ الثامنة عشرة، وتعلم الفروسية والرماية حتى صار مضرب المثل في الرمي بالنشاب، ثم رجع إلى أبيه فغلبه الشوق إلى الحيرة، حتى توسل برسول ملك الروم إلى أبيه ليأذن له في العودة إلى الحيرة فبقي بها حتى توفي يزدجرد. وأزمع أعيان الفرس ألا يولوا من بني يزدجرد أحدا. فأيد المنذر وأبنه النعمان بهرام وأمداه بالجند حتى أرغما الكارهين على تمليكه. وفي روايات الأدب الفارسي أن بهرام هذا أول من شعر بالفارسية، أخذ الشعر عن العرب. وفي كتب الأدب شعر فارسي مروى عن بهرام، وكذلك تروى الكتب العربية شعراً عربياً

стр. 1849

كما روى المسعودي في المروج: أقول له لما فضضت جموعه … كأنك لم تسمع بصولات بهرام فأني حامي ملك فارس كلها … وما خير ملك لا يكون له حامي ويروى المسعودي أبياتا أخرى ويقول. . وله أشعار كثيرة بالفارسية والعربية أعرضنا عن ذكرها في هذا الموضع طلبا للإيجاز. وقد حارب المنذر الرومان انتصارا للفرس وهزم جيوشهم سنة ٤٢١م، وكذلك حاربهم المنذر الثالث ابن ماء السماء وتعقبهم إلى إنطاكية حتى أستنجد جستنيان الحارث الأعرج الغساني، فكانت وقائع بين الأميرين العربيين أسر فيها المنذر إبناً للحارث فقربه للعزى (صنم) وانتهت بقتل المنذر في موقعة عين أباغ أو يوم حليمة. ٥. وفي عهد قباذ حينما اضطرب أمر الفرس بفتنة مزدك أغار الحارث بن عمرو الكندي على الحيرة وأخرج منها المنذر أبن ماء السماء، وصادف ذلك هوى في نفس قباذ فأيد الحارث. ويروى أنه أرسله لحرب أحد تبابعة اليمن، فلما ولى كسرى أنوشروان رد إمرة الحيرة إلى المنذر. ٦. وفي عهد كسرى برويز حوالي ٦١٠م كانت موقعة ذي قار. وذلك أن كسرى برويز قتل النعمان أبا قابوس. وطلب ودائعه عند هانئ بن مسعود الشيباني فأبى إسلامها، وكان كسرى قد ولى أياس ابن قبيصة الطائي على الحيرة. فسار أياس في جموع من الفرس والعرب: طئ وبهراء وأياد وتغلب والنمر، فلقيهم بنو شيبان في جموع من بكر ووقعت الحرب وتمادت ثلاثة أيام آخرها يوم ذي قار، ودارة الدائرة على الفرس وأنصارهم. وفي يوم ذي قار يقول أبو تمام يمدح أبا دلف الشيباني: إذا افتخرت يوماً تميم بقوسها … وزادت على ما وطدت من مناقب فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم … عروش الذين استرهنوا قوس حاجب ويقول مادحا يزيد بن مزيد الشيباني: أولاك بنو الأفضل لولا فعالهم … درجن فلم يوجد لمكرمة عقب لهم يوم ذي قار مضى وهو مفرد … وحيد من الأشباه ليس له صحب به علمت صهب الأعاجم أنه … به أعربت عن ذات أنفسها العرب

стр. 1850

هو المشهد الفرد الذي ما تجابه … لكسرى بن كسرى لاسنام ولاصلب هذه صلات الفرس وعرب الشمال. وكان للفرس مع هذا سلطان على ساحل الجزيرة الشرقي واليمن: حاول الحبش الاستيلاء على اليمن في القرن الثاني الميلادي وأتيح لهم أن يستولوا على بعض مدنه في القرن الثالث، ثم أخرجهم الحميريون، فلما تنصر الحبش في القرن الرابع أيدهم الرومان على الحميريين ففتحوا اليمن سنة ٣٧٤. ويظهر أن الفرس طمحوا إلى اليمن منذ ذلك الحين، فقد كان النزاع الذي شجر بينهم وبين الروم منذ قامت الدولة الساسانية حرياً أن يلفت الفرس إلى اليمن بعد أن تألب عليه أعداؤهم الألداء والحبش. ولسنا ندري من أخبار الفرس في اليمن شيئا قبل القرن السادس الميلادي، إذ تهود تبع ذونواس وأكره النصارى على التهود وعذبهم، فغضب لهم الروم والحبشوأمد الإمبراطور جستنيان الحبش وسلطهم على اليمن، حتى استغاث سيف بن ذي يزن كسرى أنو شروان فأمده بجيش حملته السفن في الخليج الفارسي إلى عمان، ثم سار في البر وأنحاز إليه أهل اليمن فهزموا الجيش، وتولى الفرس البلاد وجعلوا عليها أميراً عربياً فقتله حرسه الحبشي فاستقل بأمر البلاد ولاة من الفرس توالوا عليها حتى جاء الإسلام والوالي يومئذ بأذان. وقد أسلم الفرس في اليمن وأخلصوا للإسلام وكانوا عوناً على الثائرين في حروب الردة وهم قتلوا الأسود العنسي، وعرف من رؤسائهم النعمان بن بزرك وفيروز الديلمي ومركبود، وهو أول من حفظ القرآن في صنعاء فيما يقال. وكذلك كان للفرس سلطان على البحرين وجاء الإسلام وفي اليمن فرس مستوطنون ومرزبان اسمه سيبخت، ويروى أن الرسول ﷺ كتب اليه فاسلم، وكان لفيروز المعروف بالمكعبر زعامة في حروب الردة هنالك. وكانت التجارة تتردد بين بلاد الفرس واليمن في حفارة قبائل لها جعل من ملوك الفرس: قال صاحب الأغاني في الحرب التي كانت بين بني تميم والفرس وأحلافهم: (وأما ما وجد عن ابن الكلبي في كتاب حماد الراوية، فان كسرى بعث إلى عاملة باليمن بعير، وكان بأذان على الجيش الذي بعثه كسرى على اليمن. وكانت العير تحمل نبعا فكانت تبذرق من المدائن حتى تدفع إلى النعمان ويبذرقها النعمان بخفراء من ربيعة ومضر حتى يدفعها إلى

стр. 1851

هوذة بن علي الحنفي فيبذرقها حتى يخرجها من أرض بني حنيفة ثم تدفع إلى سعد (من تميم) وتجعل لهم جعالة فتسير فيها فيدفعونها إلى عمال بأذان باليمن). هذا خلاصة ما يريه التاريخ والاساطير، ولعله يكون مقدمة لبحث واسع في صلات الأمتين العظيمتين قبل الإسلام.

стр. 1852

سؤال. . إلى الأستاذ الزيات وإلى أدباء الرسالة. سيدي الأستاذ أنني (وإن لم أتشرف بمعرفتك) أمت إليك بصلة الرحم. فأنا من صغار أسرة أنت من كبارها. ولي عليك حق الصغير على الكبير. يسأله ويفيد منه. ويلح في هذا السؤال ويناقش من أجل هذه الفائدة. ويكون فيسؤاله ومناقشته واقفاً عند حد الأدب، متنكباً سبيل التكلف و (الرسميات). أفتأذن لي في ذلك: إذن فأخبرني يا سيدي. هل تنشر الآثار الأدبية، إذ تنشرها في رسالتك، لأنها وافقت خطة معروفة اختطتها لنفسها الرسالة في الأدب، وطريقة معينة اتخذتها، أم أنت تنشر كل جيد يبعث به اليك، ولا تبالي منه إلا بشرف القول، وحسن الأداء، والبلاغة في التعبير عن الغرض. وهل تفعل هذا إلى أمد قريب ثم تطلع على الناس بخطتك الأدبية، وتحمل كتابك عليها، أم أنت تفعله أبدا؟ ثم ألا ترى يا سيدي أن الأديب العربي قد شب ولم يعد طفلا يدلل ويرقص، ويكون له عند أهله بكل خطوة حظوة وأن الإيمان به قد خالط قلوب الأدباء. فلم يعودوا من المؤلفة قلوبهم الذين يسترضون ويعطون لئلا يجنحوا إلى الردة بعد الايمان؟ وأن من مصلحة هذا الأدب، بل من الواجب فيه أن يتفق طائفة من شيوخه وقادته على مذهب واحد فيه. ثم يعلنوا هذا المذهب للناس. ليتبعوه ويؤثروه؟ ومذاهب الأدب كثيرة. ولكنا منها بين اثنين: مذهب (الأدب للفن) ومذهب (الأدب للحياة): أنعمل وغايتنا (الجمال الفني) وحده. وسواء لدينا أكان هذا الجمال في قطعة ماجنة، أم في قصيدة شعوبية، أم في مقالة ملحدة؟ وسواء لدينا أكانت القطعة الجميلة تصور آلام النفس وآمالها. وصور الحياة وأشكالها، فتصدق في هذا التصوير. أم (تخلق) من نفس صاحبها دنيا غير هذه الدنيا وعالما غير هذا العالم؟ أم نعمل وغايتنا تسخير الأدب للقضية الكبرى، واتخاذه عدة على تحقيقها، ووسيلة من وسائل الإصلاح الأخلاقي والسياسي والاجتماعي. وبالعبارة الثانية وسيلة إلى الحياة؟ ثم. . ألا ترى يا سيدي أن هناك حقيقة أسمى من الحقيقة الفنية. . وواجبا أعلى من واجب

стр. 1853

الفن هو الواجب الوطني. واجب (السعي للحياة وخوض معركة التنازع على البقاء) وأنه لا يجوز لنا أن نقول بمقالة بعض الفرنجة (الفن للفن) لأن هذا هو القياس مع الفارق. فأن لأولئك مدافع وأساطيل، وأن لهم كيانا واستقلالا، ونحن قوم يبنون لأنفسهم كيانا واستقلالا، فيجب أن نجمع قوانا كلها على هذا البناء، وأن نجعل الأدب في مقدمة هذه القوى، ونجعل الحوادث القومية موضوعا لآثارنا، أو لطائفة من آثارنا الأدبية. وكيف لعمري يهيج الشاعر العربي ويضيق الدنيا عليه حبيب يعرض عنه، وليلة وصل يخسرها، وابتسامة يحتجب عنه نورها، ولا يهيجه ويؤلمه مجد كان ينطح السماء أنهار في الأندلس، وأمل كان يملأ الدنيا ضاع في بواتيه. وأمة بقضها وقضيضها تفنى اليوم في فلسطين.!؟ أيجوز للشاعر وهو قلب الأمة الخافق أن يعيش في نفسه، ويقنع بأحلامه وعواطفه؟ أيعقل أن يعيش قلب منفردا مبتوراً لا تربطه بالجسد رابطة؟ الشاعر قائد في أمته، فهل يجوز للقائد أن يدع جنده، ويترك حربه ويغفل عن النار والحديد، ثم يجلس ليحلم بطيف حبيبه، أو يبكي على أنه لم يمنحه جسمه ساعة من زمان. أو يجلس ليصف (الجمال الفني) في ساحة المعركة؟ الأمة العربية جمعاء في نضال على الحياة. فكيف يفر الأديب من المعركة فيصب وهو الجندي الأول فيها مواهبه وقوته على قدمي امرأة؟ أو لست تعلم يا سيدي أن زعماء الفن الرومانطيقي في أوربا كهوجو ولامارتين، كانوا في رأس الوطنيين العاملين، والخطباء المفوهين، وكانوا إذا جد الجد شمروا عن ساعد العمل، وإذا أمن الناس ووضعت الحرب أوزارها ناموا فحلموا، فكان هذا الأدب مجموعة أحلامهم في منامهم. أن لامارتين نفسه يقول: (ما قيمة الرجل ينفق عمره، في التنقل بين أحلامه الشعرية في حين أن إخوانه يجاهدون بكل ما أوتوا من قوة وأيد في سبيل الوطن والعمران؟ أليس أليق يمثل هذا أن يكون ضحكة (مهرجا) وأن يبعث به مع العدد الموسيقية إلى الفرق العسكرية؟) وأن الشعر القومي أبعد الشعر أثرا في نفس قارئه، لأن الشعور به مشترك بين أفراد الأمة جميعا، وأننا نقرأ القصيدة الأندلسية النونية فتبلغ منا على ضعف تأليفها ما لا تبلغه منا أي قصيدة؟

стр. 1854

فلماذا إذن لا ينحو بعض أدبائنا هذا المنحي. ويكون لنا ديوان في الأدب القومي، كما للفرنسيس ديوان، وللإنجليز ديوان، وللأتراك ديوان، ولماذا لا تنبذ هذا الأدب الرخو المخدر الذي ينزع الرجولة من نفوس شبابنا ويجعل المثل الأعلى للحياة في آرائهم، أن ينفقوا الحياة في عبادة امرأة يعشقونها، أو يتخيلون أنهم يعشقونها. ويقطع بأساليبه الأعجمية العجيبة الصلة بيننا وبين أدبنا القديم، ويضيع علينا هذا التراث القيم الذي تظاهرت على إيجاده ثلاثة عشر قرنا؟ ولماذا لا يجهر الشيوخ والمصلحون في الأدب العربي، بالدعوة إلى (الأدب القومي) وينقذوننا من هذا الأدب المخدر السام؟ ولماذا لا تكون أنت في الرسالة. صاحب هذه الرسالة؟ ثم. . إلا ترى يا سيدي أن هذا الضعف والخور في غزلنا سخف ماله مبرر، وأن المرأة والرجل إنسان واحد، كلاهما فيه عنصر القوة وعنصر الأنوثة، والحب جامع العنصرين، فالرجل يحب ليكمل قوته بأنوثة المرأة. أي أنه يحب أنوثتها وهي تحب قوته، فإذا أضاع هذه القوة، ولم يحظ بأنوثة المرأة، لم يكن رجلا ولا أمرأة، ولكن مخلوقا شيطانيا بغيضا، وكان كالغراب والقبرة، أو (كصاحبة الماء) لا هي أبقت ماءها. ولا هي أصابت طهرها؟ وما بالرجل من يحب من بأس، ولكن على أن يظل رجلا يقوم على قدميه، ويدل بعضلات من حديد وإرادة من فولاذ، وأمل في الحياة يملأ الحياة، ثم يقول لمن يحب: أنا قوي وأنا أحبك فتعالي لا أن يجيئها ضعيفا مسهدا. والمرأة لو خيرت لما اختارت على الرجل القوي الحي بأمله ولمستقبله الرجل الأصفر النحيل الباكي البائس الميت من قبل الممات. هذا خليق به القبر وذاك الذي يستحق الحياة. فالام إذن يثير شعراؤنا على هذا الغزل السخيف، ويغني مغنونا به ويكون لجيل المستقبل سما زعافا؟. . هذه هي القضية التي جئت استفتيك فيها. واستفتي أدباء الرسالة؛ وأني لأعتقد أنها من الخطر بالمكان الاسمى. وبين لا ونعم فيها فرق ما بين الحياة والموت؛ لأن الأدب كالسيف القاطع، شتان بين أن تضرب به لترى وميضه في الجو و (الجمال الفني) في هذا الوميض ثم لا تبالي أذراعاك أصاب فقطع أم هو قد أصاب الجدار، وبين أن تجلل به خصما لك فاتكا أو وحشا كاسرا. على إن هذا ضرب وذاك ضرب وهذا أدب وذاك أدب. . فإذا تفضلتم يا سيدي بنشر هذه الرسالة في الرسالة وتفضلتم بالجواب كان لكم الفضل

стр. 1855

والشكر. دمشق - علي الطنطاوي - ليسانسيه في الحقوق من المجمع الأدبي يسأل الأستاذ الفاضل أتنشر الرسالة ما تنشر من الأدب لأنه يسير في طريقها المرسومة إلى غايتها المعلومة، أم تنشره لأنه أمتاز بشرف القول وبلاغة العرض وحسن الأداء، ثم يصوغ هذا السؤال نفسه صيغة فنية فيقول: نعمل وغايتنا (الأدب للأدب) أم نعمل وغايتنا (الأدب للحياة) ثم حصر حياتنا اليوم في النضالالمقدس عن القضية العربية الكبرى. وأنحي باللائمة على شعرائنا الغزليين الذين غلبت على طباعهم الميوعة فذابوا على أقدام الغيد، وتركوا جيش الجهاد يسير من غير موسيقى! ثم شرح الأستاذ أسئلته بطائفة من الآراء الحماسية يدعو بعضها إلى جدال طويل. أما خطة الرسالة وغايتها فلعل الأستاذ يذكر أننا رسمناها في استهلال العهد الأول منها، وما نشرنا ولن ننشر إلا ما يساير هذه الخطة ويقابل هذه الغاية بوجه من الوجوه. فنقول بوجه من الوجوه لأن القول بأن: (يتفق طائفة من شيوخ الأدب وقادته على مذهب واحد فيه، ثم يعلنوا هذا المذهب للناس ليتبعوه) قول تأباه الطبيعة وتنكره أصول الفطرة مادام الأدب بمعناه الأخص هو التعبير الجميل عن العواطف والأخيلة والأفكار. وذلك التعبير يختلف بالضرورة في كل كاتب باختلاف تربيته وطبيعته وذوقه. وفي ظننا أن تحديد الغاية من الأدب وتوحيد الطريق إلىهذه الغاية لا يدخلان في حدود الإمكان إلا إذا استطعت أن توجه أهواء النفوس في متجه لا تتنكبه، وتحصر خواطر الذهن في مضطرب لا تعدوه. وأما (أن الأدب العربي الحديث قد شب ولم يعد طفلا يدلل ويرقص) فرأي يخامرني فيه كثير من الشك، لأن أدبنا لا يزال يطلب من النقد أن يهدهده كالأم، ويربت على ظهره كالأب، فإذا حذره مزالق الهوى والطيش، بشيء من الجد صاح وأعول ودبدبت رجلاه في الأرض، وراح يرسل السباب ويعلن الشكوى في غير سداد ولا فطنة. هذه جملة قصيرة من الجواب عجل بها إليك مساسها بخطة الرسالة. أما سائر الجواب فستقرأه في العدد المقبل؟

стр. 1856

الصهيونية نشأتها وتطورها ١. قبل عهد بلفور للأستاذ محمد عبد الله عنان لفتت حوادث فلسطين الأخيرة أنظار العالم مرة أخرى إلى ذلك النظام السياسي الاجتماعي الغريب الذي فرض على فلسطين تحقيقا لمشاريع السياسة الاستعمارية. ففي فلسطين أمة عربية تعيش في ذلك الوطن منذ آماد بعيدة. ولكنها تجد اليوم نفسها أمام خطر داهم على كيانها القومي، وترى اليهودية تمكن من غزو هذا الوطن بطريقة منظمة مستمرة، تنفيذا لعهد قطعته بريطانيا العظمى على نفسها إبان الحرب الكبرى، بأن تعاون على إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين. وفكرة الوطن القومي اليهودي قديمة ترجع إلى العصور الوسطى. ولكنها لم تكن في تلك العصور التي كانت بالنسبة لليهودية (عصرها الحديدي) أو عصر الاضطهاد الشنيع أكثر من مثل أعلى أو أمنية مقدسة غامضة. ولكنها منذ القرن الثامن عشر تغدو نظرة سياسية اجتماعية ترمى إلى غايات عملية. وكان أقطاب اليهودية في ذلك العصر وعلى رأسهم رجال ممتازون مثل مندلزون ولسنج يرون أن تتخذ القومية اليهودية صيغة محلية، فيغدو اليهود من أبناء البلد الذي استوطنوه مع احتفاظهم بتراثهم الروجي. ولكن هذه القومية المعتدلة التي أملى بها جو التسامح الذي نعمت به اليهودية يومئذ لم تلق كبير تأييد، ولم يطل أمدها، واستمرت الفكرة القديمة على قوتها وتأثلها. ومنذ أوائل القرن التاسع عشر نجد يهود إنكلترا يعملون على تقويتها وتلمس السبل لتنفيذها بالدعوة إلى إحياء التراث اليهودي وإنشاء المستعمرات اليهودية في فلسطين. ومن ذلك الحين تتجه اليهودية ببصرها إلى فلسطين؛ وتتكرر جهودها لإقناع السياسة البريطانية بإمكان قيام وطن قومي يهودي في فلسطين تحت الحماية البريطانية، وأن قيامه يغدو ضمانا قويا لتأمين طريق الهند البري وهنا تتخذ فكرة القومية اليهودية صبغة سياسية واضحة؛ وتبدو الفكرة الصهيونية في شكلها الحديث. والصهيونية هي القومية اليهودية. اشتقت من (سيون) العبرية أو صهيون وهي

стр. 1857

الأكمة أو المعقل. وقد أطلقت أولاً على موقع التل الذي بني عليه الهيكل ثم أطلقت على بيت المقدس؛ ثم على الأمة اليهودية كلها، وتراثها الروحي؛ وأصبح معناها الحديث عود القومية اليهودية واستردادها لتراثها الغابر. وبهذا تفهم الصهيونية في عصرنا ولهذا تعمل. وإذا فالصهيونية الحديثة ترجع إلى أواسط القرن التاسع عشر. وفي هذا الحين نفسه تلقى الصهيونية مادتها وقوتها: ذلك أن خصومة السامية أو نزعة التعصب ضد اليهود قد اضطرمت يومئذ بفورة جديدة في معظم الدول الأوربية، وأسفرت عن مذابح مروعة في روسيا والمجر. وعصفت باليهود في ألمانيا ثم عصفت بهم في فرنسا حيث بلغت الحركة ذروتها في قضية دريفوس الشهرية (سنة ١٨٩٦). ورأت اليهودية أنها رغم حصولها على الحقوق المدنية والسياسية في معظم الدول الغربية، مازالت عرضة للبغض القديم الذي أصبح تقليداً راسخا في المجتمعات الغربية. عندئذ بدت فكرة الوطن القومي اليهودي ضرورة يجب تحقيقها لخير اليهودية وسلامها. وأخذ أقطاب اليهودية على إذاعة الفكرة واتخاذ الخطوات العملية الأولى في سبيل تحقيقها. فألفت جمعية لإنشاء المستعمرات اليهودية وزودت بالمال. وبدأت مساعي الماليين اليهود لدى الباب العالي لإنشاء هذه المستعمرات في فلسطين. ثم لقيت الفكرة روحها المضطرم في كاتب يهودي نمسوي فتى هو تيودور هرتسل. وقد ولد هرتسل ببودابست سنة ١٨٦٠ وظهر في الصحافة والتأليف المسرحي وظهر بالأخص بكتاباته القوية الملتهبة في سبيل القضية اليهودية. وكان هرتسل يرى أن الوطن القومي ضرورة لليهودية لا أمنية فقط، وفي سنة ١٨٩٦ أخرج رسالته الشهيرة (الدولة اليهودية) يعرض فيها فكرة الوطن القومي عرضا قوياً، ويرى أن يتخذ هذا الوطن صورة دولة يهودية في فلسطين تكون تحت سيادة الباب العالي وتؤدي له الجزية وتكون البقاع المقدسة منطقة مستقلة ذات نظام خاص، فكان لدعوته وقع عظيم في اليهودية بأسرها، وأيده أقطاب المفكرين اليهود مثل مكس نورداو وإسرائيل زنجويل وغيرهما. وكانت اليهودية على إثر ما عانته من اضطهاد الخصومة السامية في معظم البلاد تتحفز يومئذ للذود عن نفسها، وتستجمع جهودها للقيام بحركة إيجابية منتجة. وسرعان ما انتظمت هذه الحركة تحت لواء هرتسل وزعامته، وفي أغسطس سنة ١٨٩٧ عقد مؤتمر يهودي عام في بازل (سويسرا) برآسة هرتسل وفيه

стр. 1858

وضع برنامج الصهيونية الرسمي وعرفت غايتها ووسائلها على النحو الآتي: (تسعى الصهيونية لتحقق للشعب اليهودي إنشاء وطن في فلسطين، يتمتع بالضمانات التي قررها القانون العام، لكي يمكن تحقيق هذه الغاية، يرى المؤتمر الوسائل الآتية: ١. أن يشجع استعمار فلسطين بواسطة الزراع والعمال والصناع التشجيع الواجب. ٢. أن ينظم العالم اليهودي بأسره وأن يحشد في المجتمعات المحلية أو العامة طبقا لقوانين البلاد المختلفة. ٣. أن تقوى لدى اليهود عواطف الكرامة القومية والاعتزاز بالجنس. ٤. أن تبذل المساعي التمهيدية اللازمة للحصول على التصريحات الحكومية الضرورية لتحقيق غاية الصهيونية.) ثم توالت المؤتمرات الصهيونية في كل عام وبدأت مساعي اليهودية العملية واتصل هرتسل بالباب العالي، فاظهر نحو الفكرة ميلا في البداية باعتقاد أن تأييدها يكسبه نفوذا جديدا، حاول أن يجعل من ذلك وسيلة لحل المسألة الأرضية بشروط عرضها على اليهود الإنكليز ولكنه أخفق في هذه المحاولة. وزار هرتسل السلطان عبد الحميد في سنتي ١٩٠١و ١٩٠٢ فآنس منه إعراضا وأخفق في سعيه. فاتجه هرتسل إلى إنجلترا وعرض أن ينشأ الوطن القومي اليهودي في أية منطقة من البلاد الواقعة تحت النفوذ البريطاني، واقترحت خلال ذلك منطقة سيناء المصرية ثم منطقة في الشرق افريقا البريطاني. ولكن أغلبية المؤتمر الصهيوني (سنة ١٩٠٣) رفضت فكرة التحول عن فلسطين إلى غيرها وعدتها تراجعا وهزيمة للفكرة القومية الأهلية، ثم توفي هرتسل سنة ١٩٠٤ في عنفوان قوته وجهوده فكانت وفاته ضربة قوية للحركة الصهيونية، ولم تجد الحركة من بعده مدى أعوام من يقودها بمثل قوته ونفوذه. وتزعمها مدى حين فولفزون المالي الألماني، وإسرائيل زنجويل الكاتب الإنكليزي، وجددت المساعي لدى الباب العالي، ولكن اضطراب الأحوال السياسية في تركيا حال دون كل مسعى. وجددت المساعي لدى إنكلترا. واقترحت أثناء ذلك برقة أو الجزيرة في العراق لتكون مركزا، للوطن القومي، ولكن هذه المساعي أخفقت أيضا ففت هذا الفشل المتكرر في عضد الصهيونية وخبت حماستها، فترت جهودها حنى نشوب الحرب الكبرى.

стр. 1859

وفي أثناء الحرب سعت اليهودية إلى غايتها بجد ومثابرة، وقدمت إلى الحلفاء كل معونة ممكنة فامدتها بالقروض المالية، والفت فرق يهودية عسكرية تحارب إلى جانبهم. وتولى الزعماء اليهود: لورد روتشيلد والدكتور ويزمان ومسيو سوكولوف تنظيم هذه الحركة والسعي لدى دول الحلفاء وبخاصة إنجلترا في تحقيق مشروع الوطن القومي، وأسدى الدكتور ويزمان، وهو علامة كيمائي ومخترع بارع إلى إنجلترا أثناء الحرب خدمات جلية، بتولي المباحث الكيميائية في المعامل الإنجليزية: واختراع مادة جديدة للمفرقعات القوية. وأسندت إليه منذ سنة ١٩١٧ رآسة الهيئة الصهيونية العالمية. وكانت إنجلترا تجد يومئذ هجومها على فلسطين، وأمل اليهودية يبدو على وشك التحقيق. وكانت فرنسا أول من تقدم من الحلفاء لتأييد مشروع الوطن القومي اليهودي بصفة رسمية: ففي يونيه سنة ١٩١٧ وجه مسيو كامبون وزير الخارجية الفرنسية إلى مسيو سوكولوف رئيس اللجنة الصهيونية التنفيذية يؤكد فيه عطف الحكومة الفرنسية على القضية اليهودية والوطن القومي، وفي ٢ نوفمبر سنة ١٩١٧ أصدرت الحكومة البريطانية عهدها الشهير بإنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وعرف هذا العهد باسم اللورد بلفور وزير الخارجية البريطانية يومئذ؛ وتلى في مجلس العموم البريطاني في النصف الثاني من نوفمبر في خطاب رسمي وجه إلى اللورد روتشيلد كبير اليهودية الإنجليزية وهذا نصه: عزيزي اللورد روتشيلد: يسرني أعظم السرور أن أوجه إليك باسم الحكومة البريطانية التصريح الآتي بالعطف على الأماني الصهيونية اليهودية وهو تصريح عرض على الحكومة البريطانية وأقرته وهو: (أن حكومة جلالته تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين: وسوف تبذل ما في وسعها لتحقيق هذه الغاية. ومن المفهوم أنه لن يعمل شيء مما قد يضر بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهدوية الموجودة في فلسطين ولا بالحقوق أو المركز السياسي التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر)

стр. 1860

المقبرة البحرية للشاعر الفرنسي بول فاليرى تلوت المقالة المنشورة بعنوان (حول قصيدة) للدكتور طه حسين فأعجبت به إعجابي بكل ما تسطره براعة أستاذنا المفكر، فثارت رغبة نفسي في الاطلاع على هذه القصيدة المحاطة بالأسرار والتي اختلف النقاد والأدباء في تفهمها. فرجعت إلى كتبي التي اعتدت أن أتزود بها في سفري، فلم اعثر على القصيد جميعها ولكنني وقعت على قسم منها لعله يكون (خيرها) لأنه أدنى إلى الإفهام ولعله (أسوأها) إن كانت روعة هذه القصيدة تتجلى في ألغازها وطلاسمها، ولكنني حتى في هذا القسم الواضح (لم أقع إلا على ما تتنازع في تفهمه الخواطر فقلت: أمر هذه القصيدة غريب عند أصحابها فكيف عند ما يريدون أن يقرءوها مترجمة وكل مترجم قد أنتحي ناحية قد لا تجمعه بالآخر إلا رموز! ولكن الروعة الغالبة في القصيدة لا ترجع إلى ألوانها القاتمة وصورها الغامضة وإنما تعود إلى فنها. وطريقتها التي جاءت بها. في القصيدة غموض شامل! وهل كان الغموض سراً من أسرار البيان؟ وهل في استطاعتنا أن نجعل من الغموض مرادفا للبيان؟ ولكن هل كان البيان كله مستوعبا للفن كله ? أليس من الفن الشيء الغامض والشيء المعجب والشيء المثير؟ وهو بعد ذلك كله غامض جد الغموض لا ينفتح على النفوس إلا بقدر استقرائها واستجلائها للخطوط والألوان. . وهل كان اختلاف الناس في تفهم القصيدة الواحدة عيبا من عيوبها البيانية أم قيمة رائعة للقصيدة التي يتشعب من فنها فنون ومن سبيلها الواحد سبل متعددة. أنا أحب الكتاب الذي يصرع قارئه طوراً وطوراً يصرعه قارئه كما يحبه أستاذنا الجليل. واحب القصيدة التي لا تتركنا إلا بعد أن تموج أنفسنا بشتى أهوائها وميولها، ولكني لا أحب (ولن أحب) أن يرجى الغموض في الفن لمجرد الغموض، لأن الآمر لا يؤول إلا إلى فوضى تعمل على تقويض الفن من حيث نحسب أننا عاملون عل رفعه. هنالك آثار فنية واضحة كل الوضوح، ولكن المطلع عليها لا يلبث أن يرتد عنها ضيّق الصدر مظلم القلب، وهنالك آثار غامضة كل الغموض لا ينظر إليها الإنسان حتى تملأ نفسه روعة وجلالا. وتفتح أمامه من لانهاية الوجود. ما سر ذلك؟ العل في الفن شيئا
следующие страницы →