← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

في الأدب العربي العوامل المؤثرة في الأدب (١) ليس الأدب إلا التعبير القوي الصادق عن مشاعر المرء وخواطره وأخيلته، وهذه تتأثر بأحوال العيش وأنواع العقائد وأطوار المجتمع وأنظمة الملك وتقلبات السياسة، ومن المفيد الإلمام بهذه العوامل المؤثرة في الأدب لتكون دستور المؤرخ وشريعة الأديب ونبراس الباحث فيما يصدر عن الإنسان من كد الأذهان وفيض القرائح. فمن هذه العوامل (طبيعة الإقليم ومناخ البلد) وأثرهما في حياة الناس وسلائل الأجناس معلوم في بدائه العقول. فأحوال الإقليم هي التي تنهج لساكنيه سنن معاشهم ونظام اجتماعهم. وتكون الكثير الغالب من أخلاقهم وطباعهم، ومناظره هي التي تربي ذوق أبنائه، وتغذي كتابه وشعراءه، فالشعر الجاهلي مثلاً صورة صادقة لطبيعة البادية وحياة البدو: فألفاظه خشنة كالجبل، ومعانيه وحشية كالأوابد، وأساليبه متشابهة كالصخر، وأخيلته مجدبة كالقفر، ولن تجد في غير الجزيرة العربية أمثال الشنفري وتأبط شراً والسليك بن السلكة من هؤلاء الشعراء الصعاليك الذين تغنوا بحياة البادية ومناظرها وأباعرها وغزلانها وكثبانها وأطلالها وجبالها بشعر متين الحبك صادق الوصف جاف اللفظ عنجهي الخيال. وقد أختلف الشعر في شبه الجزيرة نفسها باختلاف الأماكن: فهو في نجد غيره في الحجاز، وهو في أهل الوبر غيره في أهل المدر. ولهذا العامل وحده نعزو انقراض الأراجيز وهي أقدم الأطوار لشعر البادية حين إرتحل ناظموها من الصحارى المجدبة إلى سواد العراق وريفه. وفي حواشي العراق وظلاله، وخمائل نجد وجباله، أخضر عود الشعر واستقام وزن القصيد ومن ثم قال القدماء أن امرأ القيس ومهلهل بن ربيعة وعمرو بن قميئة هم أول من قال الشعر وأطال القصائد، وما كانوا في الواقع إلا زعماء النهضة الأدبية في هذه البلاد. وظل عامل الطبيعة يفعل فعله في الأدب خلال القرون، فخالف بين الشعر في عواصم الشرق وبينه في الأندلس فقد وجد

стр. 212

الشعراء العرب في أوربا ما لم يجدوه في آسيا من الأجواء المتغيرة والمناظر المختلفة والأمطار المتصلة والجبال المؤزرة بعميم النبت، والمروج المطرزة بألوان النور، فهذبوا الشعر وتأنقوا في ألفاظه ومعانيه، ونوعوا في أوزانه وقوافيه، ودبجوه تدبيج الزهر، وسلسلوه سلسلة النهر، وسلكوا به مسلك التنوع والتجديد. وهذا العامل هو الذي يخالف اليوم بين الأدب في مصر وبينه في الشام والعراق. فالطبيعة المصرية تكاد أن تكون نائمة: فالجو معتدل في جميع الفصول لا يكاد يختلف، وحقول الوادي الحبيب لا تعرى من الزهور والزروع، والسماء السافرة والصحراوان الوسيعتان لا تكاد مناظرهما تتغير. فإذا لم تكن طبيعة بلادنا نائمة فهي على الأقل مسالمة، لأنها لا تزعجنا بالزلازل العنيفة، ولا تهزنا بالعواصف الرعن، ولا تخزنا بالبرد القارس والحر اللافح، فطبعت أهلها على الوداعة والفكاهة والبشاشة والكسل والمحافظة على القديم من العادات والأخلاق والآداب فلا تتطور هذه الأمور في مصر إلا بمقدار. ولذلك تجد شعرنا منضد اللفظ جيد السبك بطيء التجدد هادئ الأسلوب لين العطف لا يأخذ الأمور إلا بالملاينة والرفق. بينما تجد الشعر في الشام شديد الحركة كثير التنوع سريع التجدد قلق الأساليب لتعدد المناظر واختلاف الصور وتقلب الطبيعة ونشاط الحياة. وهو في العراق قوي أبي ثائر ساخط متوثب منتشر على ألسنة الخاصة والعامة لالتهاب المخيلة وتوقد الشعور وصفاء الحس من إفراط الطبيعة في الحر والبرد وغلبة الحياة البدوية على كثرة السكان. على أن هذا العامل قد أخذ يضعف منذ أواسط القرن الماضي لسهولة المواصلات وكثرة المخترعات وانتشار المدنية، فيستطيع الإنسان أن يعيش في آسيا وأفريقيا كما يعيش في أوربا، وسيزداد ضعفاً في المستقبل دون أن يمحي ويبيد. ومنها (خصائص الجنس) فشعر العرب يختلف عن شعر اليونان في المذهب والخيال والغرض، وشعر ابنالرومي يختلف عن شعر ابن المعتز وقد نشأ في بلد واحد وعصر واحد، لأن الجنس الآري أميل إلى الاستقصاء والتفصيل والتحليل والتعمق، والجنس السامي لذكاء قلبه وحدة خاطره يفهم الشيء في لحظة، ثم يلخصه في لفظة، فهو أميل إلى التعميم والأجمال والبساطة. ومنها (دوام الحرب بين جنسين أو أمتين لفتح بلاد أو صد عاد أو تحرير وطن). فأن هذه الحروب تتمخض عادة عن أبطال ينمون في الخيال، ويعظمون

стр. 213

في الصدور، ويكبرون في الزمن، حتى تنسب إليهم الخوارق، وتخلع عليهم المحامد، فتسير بذكرهم الرواة، وتتحدث بأفعالهم القصاص، وتنتقل شهرتهم من فم إلى فم ومن جيل إلى جيل، وهي في خلال ذلك تتسع وتفيض حتى تصبح سيرهم لدى الشعب حديثاً وطنياً يجب أن ينشر، وتراثاً قومياً يحرصعلى أن يزيد، فيقيض الله لهذه السير المتجمعة على طول الدهور شاعراً سمح القريحة فينظمها بأسلوب شائق ونمط جميل، كذلك دارت الإلياذة الإغريقية على حروب اليونان لأهل طروادة. ومهابهاراته الهندية على الحرب التي نشبت بين نيدهو وبني كرو، والشاهنامة الفارسية على تاريخ الأكاسرة ووصف الحرب التي اشتعلت بين أهل إيران وأهل طوران، وقد كانت تلك الحروب مفخرة الفرس الأولين ورمزاُ للخلاف الدائم بين ألهي الخير والشر (وكذلك دارت أغاني رولان الفرنسية على حروب الفرنج لعرب الأندلس. وهذا هو الشعر القصصي أو الملاحم الذي خلا منه الشعر العربي لأسباب لا يتصل ذكرها بموضوع اليوم) على أن عامل الحروب قد أثر في النثر العربي والشعر العامي وأن لم يؤثر في الشعر الفصيح. فأن نشوب الحروب الصليبية قد اقتضى تدوين بعض القصص الحماسية كقصة عنترة وسيرة بني هلال والأميرة ذات الهمة إثارة للنفوس وتحميساً للشعب وتفريجاً من الهم. ومنها (طبيعة العمران وتوزع الثروة وما يتصل من ذلك من حال الاجتماع) فأن تقدم الحضارة ورخاء العيش ونماء الثروة تؤثر في الذوق، وتزيد في الصور؛ وتساعد على نشر العلوم، وتنوع في معاني الشعر وأساليب الكتابة. وشاهد ذلك أن مدن الحجاز حينما زخرت بالمال ونعمت بالفراغ منذ خلافة عثمان إلى أواخر القرن الأول للهجرة تدفق أهلها في اللهو وعكفوا على الغناء وألقوا أزمتهم في يد الصبابة وانقطع شعراؤها إلى الغزل فافتنوا فيه وتصرفوا في معانيه وأغفلوا سائر أنواع الشعر الأخرى كعمر بن أبي ربيعة وجميل بن معمر وكثير عزة. وشاهد آخر على تأثير الأحوال الاجتماعية في الفنون الأدبية هو شيوع البذاء والفحش في شعر بعض البغداديين على عهد الرشيد والمأمون. فقد حدث شئ من ذلك في الجاهلية وفي العصر الأموي حين كان الفرزدق وجرير ومن لف لفهما يتجاوبون بالفحش ويتهاجون بالبذاء، إلا أن ذلك لم يكن مقصوداً لذاته، وإنما كان يقال هجاء للعدو وسباباً للخصم. أما الفحش في شعر أبي نؤاس ومطيع بن أياس وحسين

стр. 214

الضحاك وابن سكرة الهاشمي وابن الحجاج فقد كان صادراً عن خلق وناقلا عن طبع ومعبراً عن حالة. فالشعراء يقولونه ويفعلونه، وأهل البيوتات وذوو الثمالة يسمعونه ولا ينكرونه، فيما ذا نعلل ذلك الفساد الذي نال الطباع العربية الحرة فجعلها تمتهن الكرأمة وتلقي شعار الحشمة؟؟ إذا عللناه بمفاسد الترف حين تطغى الحضارة ويثور البطر كان هذا التعليل وحده غير فاصل ولامقنع. فأن أكثر أمم التمدن الحديث اليوم قد غرقوا في اللهو وشرقوا بالنعيم وأمعنوا في الخلاعة، ثم لا تجد النوابغ من شعرائهم وكتابهم يجرءون على أن ينعوا أنفسهم بالفواحش أو يجهروا في كتبهم بالفضائح، وناهيك بما حدث لفكتور مرجريت حين نشر قصة لاجرسون. إنما الأشبه بالحق أن هناك سبباً آخر يساعد هذا السبب وهو كثرة الرقيق، وتأثير الرقيق إنما حدث من جهتين: أولاهما قيام العبيد على تربية الأحداث في كرائم الأسر، وفي كثرة العبيد دناءة في الطباع ووقاحة في القول فأفسدوا النشء وعودوهم هجر القول وفحش الحديث، وأخراهما إقحام الجواري والسراري خدور العقائل فأعدينهن من أخلاقهن بالمجانة، فسقطت المرأة من عين الرجل فأخذها بالعنف وضرب عليها الحجاب وأقام عليها الخصية على عادة الفرس وأقصاها عن تربية الولد وتدبير البيت وأتخذها للمتاع واللذة، فكان من ذلك أن فشت في الخاصة أخلاق العبيد والأماء فتنادروا بالفحش وأكثروا الشعر في الأحماض والمجون. وإليك شاهداً آخر على تأثير الأحوال الاجتماعية والأمور المادية في فنون الآداب: ظهر أدب العامة أو الشعر باللغة العامية في بغداد والأندلس في عصر واحد، ففي بغداد ظهر المواليا على لسان صنائع البرامكة من العامة، وظهر نوع آخر ذكره ابن الأثير صاحب المثل السائر قال: (بلغني أن قوماً ببغداد من رعاع العامة يطوفون بالليل في شهر رمضان على الحارات وينادون بالسحور ويخرجون ذلك في كلام موزون على هيئة الشعر وان لم يكن من بحار الشعر المنقولة من العرب، وسمعت شيئاً منه فوجدت فيه معاني حسنة مليئة وأن لم تكن الألفاظ التي صيغت بها صحيحة) ولكن الشعراء والأدباء استخفوا به واحتقروه فلم يقلدوه ولم يدونوه ولم يأبهوا لأربابه. وحاول أحد الأطباء الأدباء وهو محمد بن دانيال الموصلي أن يبتكر نوعاً جديداً من الأدب أقتبسه من ألعاب خيال الظل فألف كتاباً سماه طيف خيال فحبط عمله.

стр. 215

وأما في الأندلس فأبتدع عبادة بن ماء السماء القزار الموشح، وأبتكر أبو بكر بن قزمان الزجل، فطرب الناس لهما وأعجبوا بهما وأقبل أمراء القريض وزعماء الأدب على نظمهما وجمعهما فنبغ فيهما النوابغ واشتملت على روائعهما الكتب. فم السبب إذن في استهجان البغداديين لأدب العامة وعزوفهم عنه، واستحسان الأندلسيين له ونبوغهم فيه؟ السبب يعرفه المؤرخ الباحث في بغداد وهو أن بغداد كانت شديدة الأرستقراطية لأنها موطن الأشراف وذوي الأحساب والمثالة والثروة، فكانوا يترفعون عن الشعب ويستخفون بأدبه وذوقه وذكائه. ويجدون من الغضاضة أن يتحلوا بحليته ويجروا على أسلوبه؛ ولكن الأندلس كانت ديمقراطية غنية كأمريكا اليوم، فلم يعتز أحد فيها بالنسب لتساويهم فيه، ولا بالثروة لعموم الرخاء فيهم، وحسن توزيع الثروة بينهم، فكانت منازل الخاصة والعامة متصاقبة. وأذواقهم وآدابهم متقاربة. لذلك لم يتأبه الشعراء والأدباء عن تقليد الأدب العامي وتدوينه.

стр. 216

من طرائف الشعر تطور في الجماد للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي ما حياة قديمها غير باد … لك إلاّ تطوُّر في الجماد أنها تبتني لها في نظام … كل ما يقضي حاجها من عتاد وإذا ما الجماد رثَّت قُواه … ذهبت كلها الحياةُ بداد وهي ليست إذا نظرتَ اليها … في جميع البقاع غير جهاد ولقد يهلك الذي يتوقَّى … ولقد لا يعيش أهلُ الحياد ولدتها الأرض الكريمة بكراً … وسقتها السماء دَرَّ العهاد ليس منا الأجساد بالروح تحيا … إنما يحيا الروح بالأجساد إنما الأرض وهي ما نحن نسعى … فوقه ما بين رائح أوغادِ كوكب مظلم يطوف من الشم … س حثيثاً بكوكبٍ وقاد كفَراش يدور حول سراج … واهج ما لزيته من نفاد وعلى وجهيها نهارٌ وليل … فهي لا تستغني عن الأضداد كل ما في الوجود فهو لعمري … من نواميس الكون في أصفاد ولعل الزمان في دوره يجم … ع بين الآزال والآباد وكأن المجرَّ نهرٌ مديد … وردته من النجوم صواد وكأن الوجود فاض على الشط … طين اذ عَبَّ سيله في الوادي ويراه الحجا شموساً تُعاني الس … بح في لانهاية الأبعاد وأحاطت بما هنالك أسر … ارٌ لعيني تجللت بسواد من شداد الغموض فيها يحار ال … عقل والعقل بعض تلك الشداد جل كون قد حف باللا تناهي … عن شبيه له وعن أنداد أترى أن ماله قِدَمٌ في ال … كون ذو حاجة إلى أيجاد عالمٌ يختفي وآخر يبدو … والذي يختفي عتادُ البادي وفسادٌ يجيء من بعده كو … ن وكون يجيء بعد فساد

стр. 217

ليس موت الآباء إلا ضماناً … لحياة الأبناء والأحفاد أنا في جوهري قديم على الأ … رض وإن كان حادثاً ميلادي أنا جزء من عالم ماله من … آخر ينتهي به أو نفاد ليست الأرض غير قبرٍ مُوارٍ … لرفات الآباء والأجداد قل لمن طال في التراب كراهم … هل لكم يقظة وراء الرقاد؟ غيَّر الدهر كلَّ عضو بجسمي … غير قلب لي في الحبِّ هو هادِ لم تكن مني الصبابة في شي … خوختي غير جمرة في الرمَاد ولقد حاقت بي المصائب تترى … من أناس عاشرتهم في بلادي ولمن في حياته خالط النا … س كثيراً أحبَّة وأعاد أيّ ذنب لي إن تباعدت الشق … قة بين أعتقادهم وأعتقادي؟ كلما خالف الجماعة في الرأ … ي جريء رموه بالألحاد! ثلَّة منهم العيون تريني … ما تكنّ الصدور من أحقاد. عدَّني ان أردت في سعداء ال … قوم أو عدَّني من الأنكاد إنني في جميع ما أنا آتٍ … مكره ليس في يديَّ قيادي أنا هذا ولستُ أقوى على تغ … يير ما في خلقي أو استعدادي! أنا بالشعر وحده متسلٍ … إنه كل طارفي وتلادي وإذا وافته المنيّة قبلي … فاحفروا حفرة له في فؤادي وإذا مت قبله فهو يرثي … ني لو ظل حافظا لودادي أيها الناقد المهين لشعري … أنت ما بالنزيه في النقَّاد لا تحقر بنات فكري فتلكم … كلُّ ما خلَّفت من أولاد حان ذاك اليوم الذي ليس تورى … فيه ناراً إذا قدحتُ زنادي ما ألذ الحياةَ لو هي دامت … غير أن المنون في المرصاد! حبذا عهدٌ سالف لم أكن في … هـ لغير الجمال بالمنقاد!

стр. 218

مزايا الحجاب للدكتور محمد عوض محمد رُويداً! أنَحْزَن أم نطربُ؟ فَذِي قصة شأنها اعجبُ: فتاة من الزِّنج تهوى الرجالَ وعنها رجال الورى ترغبُ قضت زهرة العمر تبغي الحليلَ فما جاءها خاطبٌ يخطب وقد صدَّ عنها وُوُلى الفرارَ شبابُ بني الزنج والأشيبُ ونَفَّر منها بني جنسها مُحَيَّا لها كالح مُرْعب وصوت وليس كصوت الكنار، ولكنه البوم إذ تنعب وأنفٌ مناخره كالجِفانِ ذباب الملا حوله تلعب ومن مِشْفَرٍ فوقه مِشْفَر كعقربةٍ فوقها عقرب. وإذ يئست من بني قومها وعَزَّ لها فيهم المطلبُ أتت أرض مصر ملاذ الغريب وحيث لكل امرئ مهربُ وألقت عصاها وقالت: (هنا سأسعى لإدراك ما أرغبُ) وقد أُعجبت بنظام الحجاب

стр. 219

وما فيه من حِكَمٍ تُعْجِبُ فقالت: (حمدتك ربَ الورى، لأن الوجوه هنا تحجبُ ويَسدُلُ كل النساء النقابَ إذا ما رقيب أتى يرقبُ فلا يعلم الناس ما تحته أظبيٌ من الغيد أم ثعلب وهل وجهها مشرق في النقا ب أم غيهب فوقه غيهبُ؟ وهل ساقها فوقها جوْرب أم الجلد من طبعه جورب؟ وما لا تراه عيون الأنام فأنفسهم نحوه تجذب. وقد صدقتْ؛ فرآها فتىً، واقبل من خلفها يدأب رآها فأعجبه قدّها وقد يسحر القدّ أو يخلب! فقال لها: (يا حياتي: ارحمي فتى صادق الحب، لا يكذب.) فكان السلام وكان الكلام، وكان القران وما يعقب وراجت بضاعتها وانثنت ومُجْدِبُها مُمْرِعٌ مخصبُ. . . وكم سلعة كسدت سوقها وفي أرض مصر لها طُلَّبُ!!

стр. 220

لقاء!! للشاعر الشاب علي محمود طه المهندس طال انتظارك في الظلام ولم تزل … عينايَ ترقب كل طيفٍ عابر ويطير سمعي صوب كل مُرِنَّةٍ … في الأفق تخفق عن جناحي طائر وترفُّ روحي فوق أنفاس الربا … فلعلها نَفَسُ الحبيب الزائر! ويخفُّ سمعي إثر كل شعاعةٍ … في الليل تومض عن شهاب غائر فلعلَّ من لمحات ثغرك بارق … ولعلها وضح الجبين الناضر! ليلٌ من الأوهام طال سهاده … بين الجوى المضني وهجسِ الخاطر حتى إذا هتفت بمقدمكَ المنى … وأصختُ أسترعي انتباهةَ حائر وسرى النسيم من الخمائل والربا … نشوانَ يعبق من شذاك العاطر وترنم الوادي بسلسل مائه … وتلت حمائمُه نشيد الصافر وأطلَّت الأزهار من ورقاتها … حيْرى. . . تعجَّبُ للربيع الباكر وجرى شعاع البدر حولك راقصاً … طرباً على المرج النضير الزاهر وتجلَّت الدنيا كأبهج ما رأت … عينٌ وصورها خيال الشاعر ومضتْ تكذبني الظنون فأنثني … متسمعاً دقات قلبي الثائر وإذا بنا في الروض تملأ خاطري … سحراً وأملاً من جمالك ناظري! متعانقين على الزهور ونحن في … شكٍ من الرؤيا وحلمٍ ساحر غبنا عن الدنيا وغابت خلفها … صور لماضٍ لا يغيبُ وحاضر حتى إذا حان الرحيل هتفت بي … فوقفت واستبقت خطاك نواظري وصرختُ بالليل المودع باكياً … والدمع يشفع لي وأنت مغادري يا ليتنا لم نصحوا منه وليتنا … ما أعجلته رحى الزمان الدائر! ولقد أتت بعد الليالي وانقضت … وكأننا في الدهر لم نتزاور بدلت من عطف لديك ورقة … بحنين مهجور وقسوة هاجر وكأنني ما كنتُ إلفك في الصبا … يوماً ولم تك في الحياة مناصري ونسيتَ أنتَ، وما نسيتُ وأنني … لأعيش بالذكرى، لعلك ذاكري!

стр. 221

في الأدب الشرقي الأدب الفارسي والأدب العربي للدكتور عبد الوهاب عزام. أستاذ بكلية الآداب (٢) ولا ننسى بعد أن اللغة الفارسية بقيت لغة الدواوين المالية في إيران حتى زمان عبد الملك بن مروان. ولا ريب أن اللغة الفارسية بقيت لغة التخاطب في إيران بين العامة على الأقل، ولا سيما في القرى والنواحي البعيدة، فأنا قد وجدناها منذ القرن الرابع ترتقي إلى أن تكون لغة الآداب؛ واللغة لا تموت جملة واحدة ولا تخلق جملة واحدة. على أن كثيراً من الدلائل يثبت إنها كانت لغة الكلام في هذه الفترة أي قبل عصرها الأدبي الحديث، وقد انتقلت منها كلمات كثيرة إلى البلاد العربية مع النازحبن من الفرس وتأثرت بها لهجات بعض العرب. فرسل عبد الملك بن مروان إلى المختار بن أبي عبيدحينما جاءوا معسكر ابن الأشتر , ,، لم يسمعوا كلمة عربية، وعبد الله بن زياد وهو أمير عربي كانت فيه لكنة فارسية (أخذها من زوج أمه) (والفرس الذين عرفوا العربية لم يخلصوا من لغتهم ولهجتها) وقد روى الجاحظأن الحجاج قال لنخاس فارسي: أتبيع الدواب المعيبة من جند السلطان؟ فقال: (شريكاتنا في هوازها وشريكاتنا في مدائنها وكما تجيء تكون) قال الحجاج ويحك ما تقول؟ فقال بعض من كان اعتاد سماع الخطأ وكلام العلوج بالعربية حتى صار يفهم مثل ذلك: يقول شركاؤنا بالأهواز والمدائن يبعثون إلينا بهذه الدواب فنحن نبيعها على وجوهها. وأبو مسلم الخراساني على فصاحتهالتي جعلت رؤبةابن الحجاج يقول: ما رأيت أعجمياً أفصح منه (كان لا يستطيع النطق بالقاف) وقد رؤى المؤرخون أن إبراهيم الإمامحينما أوصى أبا مسلم قال له: وان استطعت ألا تبقي في خراسان لساناً عربياً فافعل. مما يدلنا على أن لغة الجمهور كانت فارسية. ونجد الشاعر العماني يتملح بذكر الألفاظ الفارسية في مدائح الرشيد ويحدثنا الجاحظ أن لغة أهل البصرة بل لغة أهل المدينة كان بها كثير من الكلمات الفارسية في أيامه، يدلنا على بقاء الفارسية وتأثيرها البعيد، ويحدثنا أيضاً أنه سأل خادماً له إلى من

стр. 222

أرسل هذا الغلام؟ فقال إلى أصحاب السند نعال: يعني النعال السندية. وأمثال هذا في كتب الأدب كثيرة. ولأمر ما ثار النزاع منذ أيام أبي حنيفة على قراءة القرآن بالفارسية. ثم بابك الخرميكما يؤخذ من الفهرست كان لسانه متعقداً بالأعجمية، و (به آفريد) الفارسي المتنبي على عهد أبي مسلم لما أراد أن يضع لأتباعه كتاباً وضعه بالفارسية. وأنتم تعلمون ما دخل العربية من الفارسية لا سيما في أسماء الطعوم والأثاث. هذه جملة تثبت أن اللغة الفارسية لم تمت في هذه الفترةإن كان هذا في حاجة إلى الإثبات. وأما الفرس أنفسهم فقد خلطهم الفتح والإسلام بالعرب، أي خلط، فالقبائل العربية انتشرت في الأرجاء الفارسية، والفرس انتقلوا إلى البلاد العربية أسارى أو مهاجرين طلباً للرزق أو العلم أو المناصب. فالمدينة على نأيها كان بها فرس، وهم قتلوا هنالك عمر وسعيد بن عثمان بن عفان. وسرعان ما تعلم الغرس العربية وشاركوا في العلوم الإسلامية. ولكن كان للفرس قبل قيام الدولة العباسية حال تختلف عن حالهم بعدها كل الاختلاف. كانت دولة الأمويين عربية وقليل من غير العرب من سموا فيها إلى الدرجات العليا، وكان العرب، لأنهم أصحاب الدين والدولة ولأنهم الذين أقاموا الملكونشروا الدين، يرون أنفسهم أجدر بالرياسة وأولى بالشرف على ما كان فيهم من الاعتداد بأنفسهم والفخر بأنسابهم منذ أيام الجاهلية. فسخط الفرس من أجل ذلك عليهم، ولكن الفرس لم يكونوا قد أفاقوا من دهشة الفتح الإسلامي ولم يكونوا قد تمكنوا في الإسلام واللغة وامتزجوا بالعربامتزاجاً يمكنهم من منافسة العرب، وما كان العرب قد ضعفوا وتغيروا وتفرقوا في الأقطار. بقي الفرس ساخطين فاستعان بهم الثائرون على الأمويين، فكانوا عوناً للمختار بن أبي عبيد ولعبد الرحمن بن الأشعث، فكان جيش المختار من الموالي إلا قليلاً وقد عتب العرب عليه إذ استعان بالعتقاء من الموالي ثم أعطاهم حظهم في الغنائم. ولما قال رسل عبد الملك لأبن الأشتر: أجأت تقاتل جيوش الشام بهؤلاء؟ أجاب ما هؤلاء إلا أبناء أساورة الفرس. وإذا نظرنا إلى أن جيش المختار كان أول من ثأر للحسين بن علي وقتل من قتله عرفنا أحد الأسباب التي جمعت بين التشيع والفرس منذ أمد بعيد، فقد كان للعلويين والفرس سواء في كراهة الأمويين فتحابوا. جاءت الدعوة العباسية وقد تهيأت الأسباب ليأخذ الفرس

стр. 223

مكانهم في الأمة الإسلامية فكانوا أخلص دعاة هذه الدولة وإليهم يرجع الفضل في إقامتها، وقد رأى نصر بن سيار في هذه الدعوة خطراً على العرب والإسلام فقال فيما قال: تعزي عن رحالك ثم قولي … على الإسلام والعرب السلام كانت الدعوة العباسية خليطاً من الدين والعصبية الفارسية فأبو مسلم كان فارسياُ ومسلماً غيوراً مخلصاً، وقد أسلم من أجله كثير من دهاقين الفرس وهو الذي قتل المتنبي الفارسي سر (به آفريد) حين إنتهز فرصة الدعوة فقام يحيي الزردشتية؛ وكان أبو مسلم قد دعاه من قبل فأسلم وسود. هذا المزج يتمثل حتى في تسمية أهل خراسان الرماح التي خرجوا بها لنصرة العباسيين: كافركوب (أي مضارب الكفار) فهو أسم مركب من كلمة عربية متصلة بالدين ومن كلمة فارسية. وما يتفكه به هنا قول بعض الشعراء: وولهني وقع الأسنة والقنا … وكافر كوبات لها عجر قفد بأيدي رجال ما كلامي كلامهم … يسمونني مرداً وما أنا والمرد؟ ومهما يكن فلا أخال البيروني قد أخطأ حين سمى الدولة العباسية (دولة خراسانية شرقية). كان للدعوة العباسية وما عقبها من قيام الدولة نتائج كثيرة، وإنما يعنينا منها ما يتعلق بالفرس، فقد انتعشت الآمال في نفوسهم ومكنت لهم في الدولة وخلطتهم بالعرب خلطاً تاماً وكان من مظاهر هذا الانتصار في بلاد الفرس ظهور دعوات جديدة وثورات: (به آفريد) أنتهز الفرصة لوضع دين قريب من الزردشتية. فأعجلهأبومسلم وقتله. وقد أعجب الفرس بأبي مسلم أيما اعجاب، فلما مات أنكر المسلمية موته وقالوا أنه اختفى وسيجئ مهدياً من بعد، ومنهم من قال انه نبي بعثه زردشت وإنه لم يمت كما لم يمت زردشت. وقد دعا إلى هذا داعية في بلاد الترك يعرف باسم إسحاق التركي ولكنه فارسي. وقام صديق من أصدقاء أبي مسلم أسمه سنباد يقول: أن أبا مسلم اختفى في صورة حمامة بيضاء، ثم يعلن أنه سيذهب لهدم الكعبة انتقاماً لصديقه، وقد جمع حوله زهاء مائة ألف ولكن ثورته لم تلبث طويلاً. وتلت ذلك ثورات يوسف البرم والمقنع الخراساني وعلي مزدك، وبابك الخرمي، وأكثرها مصحوب بذكرى أبي مسلم. ثم جاء القرامطة وفعلوا ما فعلوا وكان منهم ابن أبي زكرياالذي شرع لهم أن من أطفأ النار بيده قطعت يده، ومن أطفأها بفمه قطع لسانه وهذا من أثر الزردشتية. كل هذه مظاهر تحتاج إلى شرح واستقصاء ولها دلالتها

стр. 224

على بقايا العصبية الدينية والجنسية في نفوس الفرس. هذا في بلاد الفرس، وأما أثره في سياسة الدولة وفي حاضرة الإسلام بغداد فقد كان للفرس الرجحان على العرب عند الخلفاء منذ قيام الدولة، وقد بلغ الأمر غايته حين تنازع الأمين والمأمون فكان المأمون في مرو من أقصى خراسان أشبه بخليفة فارسي وقد أعانه الفرس على حرب أخيه الذي كان يعتز بالعرب. وروي أن أول شعر فارسي نظم في مدح المأمون كان إذ ذاك. فلما غلب المأمون تمت الغلبة للفرس، ثم استمروا مسيطرين على الخلفاء حتى أديل منهم لأتراك المعتصم؛ حتى إذا قامت الدولة الفارسية ملك بنو بويه بغداد إلى أن كان طور السلطان التركي فأديل منهم للسلاجقة. ساس الفرس الدولة على قواعد الساسانيين، وقلد الخلفاء وغيرهم الفرس في ملابسهم ومساكنهم وطعامهم وشرابهم؛ أم ر الخليفة المنصور أن تلبس القلنسوة الفارسية، وأتخذ هو ومن بعده الحلل المذهبة على الأساليب الفارسية، وقد أبقى الزمن من نقود الخليفة المتوكل ما يظهر هذا الخليفة في مظهر فارسي كامل. ومن الكلمات الجامعة في هذا ما قاله المتوكل حين أراد إصلاح السنة المالية ورد النيروز إلى مكانه من العام فأحضر الموبذ ليستعين به، فقال الخليفة. قد كثر الخوض في ذلك ولست أتعدى رسوم الفرس. وسأله رأيه في الإصلاح.

стр. 225

الخلاص. للشاعر الهندي رابندرانات طاغور من كتاب ظهر حديثاً بعنوان (الزورق الذهبي). ترجمة الأستاذ عبد المسيح وزير (الأستاذ عبد المسيح وزير أحد كتاب العراق القليلين الذين يتتبعون تطور الثقافة الحديثة بشغف ولذة. وهو المترجم الفني لوزارة الدفاع العراقية، وصاحب الأثر الحميد في مصطلحاتها العسكرية ومغذي أكثر الصحف بالأبحاث العلمية والأدبية.) تجلس العاشقة المنكوبة في حبيبها إلى حديقة أزهار تفتحت عن رائع زهوها. فتجبل لمعشوقها الراحل تمثالاً من طين يبرز رويداً رويداً في شبه الصورة المحفوظة في ذاكرتها. تتفرس في التمثال ثم تحدق إلى الماضي فيجول الدمع في عينيها. وفي كل يوم ينزل ظل متكاثف يكتنف الصورة المنقوشة في لوح قلبها. فالرسم الذي كانت تراه بالأمس بارزاً جلياً تلفيه اليوم متضائلاً مموهاً. وكما تطبق الزنبقة وريقاتها ليلاً تسدل العاشقة الستار على ذكرى غرامها. تثور سورة غضبها على نفسها. ويأخذ الخجل مأخذه كله منها. فتعمد إلى التقشف. فتعيش على الثمار والماء، وتنام على أديم الأرض. وكلما دنا التمثال من الكمال بعد عن شبه الصورة المكنونة في ذاكرتها. ويخيل إلى العاشقة أن ذلك التمثال لا يشبه صورة إنسان على الأرض، ولكنها تخدع نفسها فتحسبه شبه الحبيب الذي فقدته إلى الأبد. تعبد التمثال مع عبادتها الزنابق. وتوقد حوله سرجاً مصوغة من ذهب. فيعبق المكان بالرائحة المنبعثة من زيت السرج. وتتراكم الأزهار والشموع يوماً فيوماً حول التمثال إلى أن يختفي. يتقدم إليها طفل ويقول: (نريد أن نلعب هاهنا). - (أين؟) - (بجانب دميتك)

стр. 226

فتجيبه قائلة: (لن أسمح لقدم بالدنو من هذا المكان) ويقول طفل آخر: (نريد أن نقطف بعض أزهارك) - (أي أزهار تريدون قطفها؟) - تلك الزنابق القريبة من الدمية الكبيرة فتقول له: (لن أسمح ليد بمس تلك الأزهار) ويطلب إليها طفل آخر قائلاً: (أخرجي ذلك السراج وأنيري سبيلنا). فترفض طلب الولد بقولها: (لن ينقل ذلك السراج من مكانه) يتوافد الأطفال عليها أفواجاً أفواجاً. فتنصت إلى هذرمتهم، وتشهد تواثبهم في مرحهم وجذلهم. فتستغرق في التأمل هنيهة. ثم تنتبه من غفلتها مذعورة فتتورد وجنتاها خجلاً. بعد ذلك يفتتح معرضاً في المدينة المجاورة فيزورها شيخ طاعن في السن ويسألها قائلاً: (ألا ترافقيني ايتها الحبيبة إلى المعرض؟) (أني لا أستطيع ذلك) وتهرع إليها فتاة تناديها قائلة: (هلمي بنا إلى المعرض!) (لا أتمكن من مرافقتك، لأنني لا أستطيع الاستغناء عن لحظة أقضيها في سبيل ذلك) ويمسك طفل بهدب ثوبها متوسلاً إليها بقوله: (خذيني معك إلى ذاك المعرض العظيم). ولكنها لا تستطيع الانقطاع عن تأمل منية قلبها طرفة عين. وفي جنون الليل تسمع صوتاً كهدير الرعد. لأن مئات الزوار وألوفهم يجوزون القرية في طريقهم إلى المعرض. وعندما تفيق من نومها يسكت وقع أقدام الزوار تغريد الطيور. فتشعر برغبة في الذهاب إلى المعرض، ولكنها تتذكر آنذاك أنها لا تستطيع ذلك، إذ ليس في وسعها أن تهمل عبادة إلهها (صنم عشيقها الراحل) يوماً واحداً. وفي الصباح تبكر مسرعة إلى الحديقة. فأين الصنم، يا ترى؟ يمر الزوار زرافات بالقرية وقد عفا أثر الحديقة واختفى الصنم، أما سيل الرجال الجارف

стр. 227

فلا يقف لحظة عن جريانه، تناجي نفسها في لهف قائلة: (أين حبيبي؟). فيهمس في أذنها هامس قائلاً: (هو بين عابري السبيل هناك!). وفي اللحظة ذاتها يتقدم اليها طفل ويقول لها: (خذيني معك) (إلى أين؟) (ألست ذاهبة إلى المعرض) (بلى. أني لذاهبة) فتجوز حديقة الأزهار وتنضم إلى قافلة الزوار، لانها وجدت فقيدها المنشود بين الأحياء.

стр. 228

في الأدب الغربي القرية المهجورة للشاعر أوليفر جولد سمث (أوبرن) يا جنة في سفح وادينا … يا نفحة السحر من فردوس ماضينا حيث السعادة للحصاد: عافية … تشد منه، وخيرات أفانينا وحيث تبدو بواكير الربيع بها … غيسا قبل أن تغشى البساتينا وحيث يخلف فيك الصيف بهجته … زهراً يرف، وأطياراً تغنينا معاهد كنت أغشى في عرائشها … ثرى بُلَهنيَة قد طاب أردانا مقاعد من شباب كله مرح … سقيت فيها الهوى والسحر خلصانا جررت ذيل شبابي في خمائلها … تيها، ومليت فيها اللهو ألونا حيث السعادة فيها وادعة … تعز من كل شيء فوقها هانا لكم وقفت لأستملي مناظرها … وأملأ العين سحراً جد مختلس أشاهد الكوخ في أظلال أيكته … والجدول العذب يجري غير محتبس وألمح البيعة الزهراء مشرفة … من سفح رابية في دجنة الغلس أصغي الو الليل والطاحون … صاخبة والطير تشدو بصوت ناعم الجرس هناك في دغل هذا الدوح كم أنست … فيه الطفولة مغنى من مغانينا كانت مطاف الهوى في طيب عزلتها … حينا. . وكانت مطافاً للأسى حينا كم حمل النسم من أطرافها عبقا … تساجل الشيب أو همس المحبينا وكم حمدنا ليوم اللهو مقدمه … فيها لنحيي بها أصفى ليالينا يوم ترفه عنها النفس ما لقيت … من المتاعب في رفق وإبطاء ويجمع الحاصدون الغر شملهم … في ظل فينانة الأغصان فرعاء تحويهم حلقات من شبابهم … فيرقصون على المزمار والناء يناجزون من الألعاب أروعها … والشيب يلحظهم إغراء وإن يمل من الألعاب صحبتهم … أستأنفوا طارفاً في اللهو وأنغمروا كل ينافس في الصبر وفي جلد … رفيقه - ليقال الغالب الظفر

стр. 229

وكي تداول الآفاق سيرته … وينشر الحي ما أبدى فيشتهر قد استخف بما يلقاه من تعب … والترب يعلو جبينا منه والعفر بيننا ترى سامرا في القوم مغتبطا … يروي النكات لهم والكل مبتهج يتلوا عليهم طريفاً من نوادره … حلواً يكاد مع الأرواح يمتزج ورب ساجية الأجفان فاتنة … ظلت ترانيه منها أعين دعج وتفهم الأم ما ترمي فتحدجها … حدج الملأمة في صمت فتنزعج آها لعهدك (يا أوبرن) أذكره … وكيف تنفع ذكرى تنبعث الأسفا هذي المفاتن كانت في ترادفها … توحي إلى قلب أهليك الهوى الشغفا على خمائلها فاضت مراتعها … سحراً - ورفت على أدغالها طرفا مفاتن أذوت الأيام بهجتها … وصيرتها الليالي للبلى هدفا (أوبرن) أين تولت من مغانيك … هذه الملاهي وفرت من روابيك؟ لقد تمشت يد العاتي عليك فلم … ترحم قلوب الحزانى من أهاليك وقد علاك شحوب من تعسُّفها … ووحشة قد تمشت في مراعيك بأي حكم زمان صار يحكمها … فرد - وكانت تراثاً في أواليك كانوا جميعا (فأمسى جمعهم بدداً … والربع أقوى) وكان الربع مأنوساً والسهل لم يبق فيهبعد نضرته … إلا بقية زرع كان مغروسا والجدول العذب لم نبصر تألقه … كما عهدنا - وفيه اليومُ معكوساً لكن سرى وهو بالأعشاب مختنق … يشق مجراهبين الغاب محبوسا وفي مفارجك الخضراء حل بها … ضيف غريب من الأدغال قد هتفا هذا هو (الرخم) يبني وكره ويرى … مستمكنا في ذرى الأغصان مشترفا وفي طلولك تدوي البوم ناعبة … تنعى بصوت كئيب ماضيا سلفا آها لعهدك يا أوبرن أذكره … وكيف تنفع ذكرى تبعث الأسفا هذي خمائلك الخضراء ذاوية … حلت مباهجها. دالت دواليها تواثبت فوقها الأعشاب هائشة … والمحل أصبح ضيفا راعيا فيها واليوم أهلك في خوف وفي وجل … من بطش منفرد الأحكام طاغيها

стр. 230

قد بدلوا عيش أرض غير أرضهم … وبدلوا ود أهل غير أهليها م. ع. الهمشري

стр. 231

نفسية قطة للكاتب الفرنسي تيوفيل جوتييه نقلها عن الإنجليزي الأستاذ أحمد أمين قطتي بيضاء الصدر، قرنفلية الأنف. زرقاء العين، تعيش معي على خير ما يكون الصديق لصديقه. إن نمت نامت تحت قدمي. وأن جلست على كرسي أكتب جلست هي علي متكئة تحلم، وإذا مشيت في الحديقة تتبعني وإذا أكلت زاحمتني، فحالت (أحياناً) بيني وبين لقمتي. أستودعني ذات يوم صديق لي ببغاء أخضر ريثما يعود من سفره. فأستوحش من منزلي، وشعر أنه غريب، فتسلق القفص حتى أعلاه، ثم جثم ساكتاً مرتعداً. وكانت قطتي لم تر ببغاء قط، فكان مخلوقاً جديداً أمام عينيها، أدهشها منظره فكانت أشبه بقطة محنطة من آثار الفراعنة، وأستغرقت في التأمل كأنها تستعيد في ذاكرتها كل ما درسته من التاريخ الطبيعي على سطح الدار وفي حديقة المنزل؛ وكان ما يدور بفكرها يتجلى في نظراتها حتى لأستطيع أن أتبين من عينيها خلاصة أفكارها كما لو كانت تعبر بقول بليغ ومنطق فصيح. كانت كأنها تقول: (ليس هذا المخلوق دجاجة خضراء) ولما بلغت من درسها هذه النتيجة تركت المائدة حيث كانت ترصد الببغاء وربضت في ركن من أركان الحجرة مبسوطة الذراعين مطرقة الرأس ممطوطة الظهر، كأنها نمر يتربص غزالا ورد الغدير. كان الببغاء يتتبع حركاتها في اضطراب، وقد نفش ريشه ورفع ساقه المرتعشةوسن منقاره على إنائه الذي يأكل فيه، وهدته غريزته إلى أن هناك عدواً يدبر الكيد له. ثم أخذت القطة تسدد إلى الببغاء نظرات حادة وهو ينظر إليها فاهما حق الفهم ما يجول بخاطرها. فكأنها كانت تقول (لا بد أن تكون هذه الدجاجة لذيذة الطعم على الرغم من أنها خضراء). وكنت أرقب هذا المنظر باهتمام موطناً نفسي أن أتدخل عند الحاجة. ثم دنت القطة من الببغاء وأنفها القرنفلي يرتعد، وعيناها تضيقان، وأظافرها تنقبض وتنبسط، وعمودها الفقري يرتفع وينخفض، وأخذت تمني نفسها قرب الحصول على طعم لذيذ، كما يمني الشره نفسه إذا دعي إلى مائدة صفت عليها ألوان الطعام الشهي.

стр. 232

ثم انحنى ظهرها فجأة كما تحنى القوس في يد الرامي، ووثبت وثبة فإذا هي بجانب القفص. فأيقن الببغاء بما هو فيه من خطر وقال بصوت خافت رزين: (هل أفطرت يا جيمس؟) وهي كلمة تعوّد الببغاء أن يقولها كما علمه سيده. فأخذ القطة من الرعب مالا يوصف؛ فلو أن طبولاً دقت وصحافا كسرت، وطلقات نارية دوت، ما روعت القطة كما روعت من هذه الكلمة! إرتدت إذ ذاك إلى الوراء وعلى وجهها أنها غيرت كل آرائها في هذا الطائر، وكان يخيل إلى من ينظر إليها أنها تقول: (ما هذا طائراً. إن هذا إلا إنسان صغير). هب الببغاء يغني بصوت عال، لأنه تحقق أن كلامه خير وسيلة يدفع بها عن نفسه. نظرت القطة ألي نظرة أستفهام فلم يقنعها جوابي. فخبأت نفسها في فراشي ولم تتحرك طيلة يومها. وفي اليوم التالي عاودتها شجاعتها فعاودت الكرة على الببغاء ولكنها لاقت في يومها ما لاقت في أمسها، فاعترفت بهزيمتهاوقررت أن تعامل هذا الطائر باحترام كما تعامل الإنسان.

стр. 233

بيت الراعي للشاعر الفرنسي دفني (٣) ١. أيفا. من أنت؟ وهل لك من علم بطبيعتك؟ أتعلمين. لم خلقت وما هو واجبك في الحياة؟ أتعلمين أن الله لكي يعاقب الرجل (مخلوقه) على خطيئته الأولى إذ امتدت يده إلى شجرة المعرفة شاء أن يكون حبه لنفسه في كل زمان وفي كل أدوار حياته غرضه الأول. مهموم بحب نفسه مهموم بأن يرى نفسه. ٢) ولكن إذا كانت إرادة الله شاءت أن تسكني إلى جانبه أيتها المرأة. أيتها الرفيقة الرقيقة. أيفا. أتعلمين السر في ذلك؟ إنما هو لكي يرى نفسه في مرآة نفس أخرى. إنما هو لكي يسمع تلك الأغنية التي لا يمكن أن تصدر إلا عنك. ذلك الفيض الإلهي الذي يتردد في هذا الصوت العذب. إنما هو لكي تقضي في أمره وأن كنت له أمة. لكي تحكمي في حياته وإن أخضعك لقوانبنه. ٣. في أقوالك المرحة جبروت المستبد. في عينيك سطوة القوة، وفي مرآك أمارة السلطان، حتى لقد شبه ملوك الشرق في أغانيهم نظراتك في هول وقعها بنزول الموت. كل يحاول جهده أن يثني من أحكامك المتسرعة. على أن قلبك الذي يكذب جسارة مظاهرك سريع ما يخضع لضربات القدر من غير مقاومة ولا دفاع ٤. لعقلك وثبات كوثبات الغزال، إلا أنه لا يستطيع السير من غير مرشد ولا معين. الأرض تدمي قدميه، والهواء يضني جناحيه، وعينه يعشو بصرها عن ضوء النهار إذا سطع لألاؤه. وإذا اتفق أن سمت به الفكرة في دفعة من دفعات حماستها إلى مستقر علوي اضطربت بها الرياح وعجزت عن أن تمسك نفسها من غير خوف ولا ضجر. ٥. ومع ذلك فليس فيك مافينا من خصائص الجبن إذ تتردد صيحات المظلوم في قلبك، ويدق بها نبضه كالأرغن في سكون الكنيسة المطبق، يتأوه متألماً كأنه يرجع صوت ألم تلقاه. للهيب ألفاظك تتحرك الجماهير وبدموعك تمحي آثار كل إهانةونكران للجميل. بيمينك تهزين الرجل فينهض وسلاحه بيده. ٦. إليك يجمل أن تنتهي كبريات الشكوى التي تأن منها البشرية الحزينة. عندما يتضخم

стр. 234

القلب بالموجدة نرى هواء المدن يكاد يخنقهكلما دق، ومع ذلك تسمو تنهداته إلى ما فوق الدخان الأسود لتنعقد كلمة واحدة نسمعها بوضوح. ٧. تعالي إذن. ما السماء عندي إلا إطار تخيط بك زرقته. ويغمرك ضوؤه ويحميك جداره، ما الجبل إلا معبدك والغابة قبابه. العصفور فوق الزهرة لا ترنحه الرياح والزهرة لا ينبعث أريجها والطائر لا يجري أنينه إلا ليصفوا الهواء الذي تستنشقين. ما الأرض إلا بساط لقدميك الجميلتين كأقدام الطفل. ٨. أيفا: سأحب كل مخلوق، وسأتأمل في نظراتك الحالمة التي ستنشر في كل ناحية أضواءها المتعددة الألوان فتنشر معها لذتها السحرية وسكونها الضاحك. تعالي ضعي يدك الطاهرة على قلبي الممزق. لا تتركيني وحيداً مع الطبيعة لأنني أعرفها حق المعرفة لكي لا أخشاها. ٩. أراها تخاطبني قائلة: ما أنا إلا ذلك الملعب الذي لا تحركه أقدام اللاعبين. درجاتي الزمردية وساحاتي المرمرية وأعمدتي الرخامية صاغتها يد الله. هيهات أن أستمع إلى صيحاتكم أو إلى تنهداتكم بل ما أكاد أحس بالمهزلة الإنسانية التي تمر فوق ظهري باحثة لها عبثاً عن متفرجين بُكْمٍ في السماء. ١٠. فأنا أطوي البشر بجانب من غير أن أسمعهم أو أبصرهم كما لا أميز بين أجحار النمل ومسحوق رفات الإنسان. لا علم لي بأسماء الأمم التي أقلها. يسمونني أمهم وما أنا إلا قبرهم. شتائي يلتهم أموتهم قربانا له، وربيعي لا يستمع لصلوات غرامهم. ١١. لقد كنت قبل أن توجدوا دائماً معطرة وجميلة يوم كنت أترك للرياح شعوري المنحلة، وأسلك في السماء طريقي المعتاد فوق قب الميزان ذي الكفات الإلهية. فلما وجدتم ذهبت وحيدة في صمت رهيب أعبر الفضاء الذي تتقاذف فيه الكائنات، وأشق الهواء بجبهتي وثديي الناهدين. ١٢. هكذا تخاطبني الطبيعة في صوت حزين متعال، وأنا أبغضها في نفسي وأرى دمنا في أمواج مياهها، وجثث موتانا تحت حشائشها تغذي بعصيرها جذور غاباتها. وأقول لعيني اللتين قد ترياني فيها جمالا (حولا نظراتكما إلى غيرها) وأسكبا دمعاتكما على سواها. ليكن حبكما لما سوف لا تريانه مرتين.

стр. 235

١٣. آه! تُرى من سوف يشاهد جمالك ورقتك مرتين أيها الملك الشاكي الذي يتكلم بتنهداته؟ ترى من سوف يولد مثلك حاملا قبلة كما تحملين فيما ترسله عيناك من بارقات النظر في ترنحات رأسك المنكس. في هذا القد المضني الساكن في دعة إلى فراشه، ثم في تلك الابتسامة النقية النقية التي تفيض بالحب والألم. ١٤. عيشي أيتها الطبيعة، وعيشي إلى الأبد فوق أقدامنا وفوق جباهنا مادامت تلك سنتك؛ عيشي وأحتقري (إن كنت ربة حقاً) الإنسان، ذلك العابر سبيل الذي كان من المقدر أن يقوم عليك ملكاً، فإنني أحب جلال الألم البشري فوق ما أحب ملكك ومظاهره الكاذبة. هيهات أن تنالي مني صيحة حب! ١٥. ولكن أنت أيتها السائحة المتهاونة! أما تريدين أن تضعي رأسك فوق كتفي وتستسلمي لأحلامك؟ تعالي نشاهد ونحن على مدخل منزلنا المتحرك من مرَّ ومن سيمر من البشر. لسوف تدب الحياة فيما يحمله إلى الشعر من صور الإنسانية عندما تمتد أما منزلنا آفاق الأرض الصامتة إلى غاياتها البعيدة. ١٦. وهكذا نسير غير تاركين وراءنا فوق تلك الأرض العاقة التي مر عليها أمواتنا من قبل إلا شبحنا. سنتجاذب الحديث عنهم عندما تظلم الآفاق، ويحلو لك أن تسلكي سبيلا ممحوا لتستغرقي في أحلامك مستندة إلى الأغصان الضئيلة باكية حبك العابس المهدد كما بكت (ديانا) على شواطئ تبعها. محمد عبد الحميد مندور. عضو بعثة كلية الآداب بباريس

стр. 236

القصص على هامش السيرة الفداء للدكتور طه حسين أصبحت سمراء محزونة كاسفة البال تبدو على وجهها المتجعد وجبينها المقطب كآبة مظلمة، لم تحاول في هذا اليوم أن تخفيها أو تخفف من حدتها كما تعودت أن تفعل منذ أعوام وأعوام، فقد عرفت سمراء ألم الحزن منذ احتفرت زمزم، ومنذ ظهر حرص زوجها على الولد، ورغبته في كثرة العدد، ومنذ خطب فاطمة المخزومية فأحبها وكلف بها، وانصرف إليها عن كل شيء وعن كل إنسان. ومنذ كثر ولد فاطمة من البنين والبنات واشتد لذلك حبعبد المطلب لها وكلفه بها، وانصرافه إليها، وتجافيه عن زوجه الأولى تلك التي أضاءت له سبيل الشباب وأعانته على احتمالأثقال الحياة الأولى. نعم عرفت سمراء ألم الحزن في هذه الأعوام الطوال من حياتها، ولكنها كانت على بداوتها امرأة لبقة بارعة الجمال، زكية القلب، تعرف كيف تخفي عن زوجها ما يكره، وكيف تلقاه بما يحب. وكانت توفق بفضل هذه اللباقة وهذا الذكاء إلى أنتستميل إليها زوجها. وربما إضطرته إلى أن ينقطع إليها وقتاً ما وينسى زوجه الأخرى إلى حين، ولكن يوما أقبل يحمل إلى سمراء شراً ليس فوقه شر وألماً ليس بعده ألم، أصبح هذا اليوم مظلماً، فما أمسى حتى أظلمت له حياة سمراء كلها، ذلك أنه مضى بموت إبنها الوحيد، فأذاقها مرارة الثكل واليتم والترمل جميعاً. فقد كان الحارث لها إبناً تجد عنده قرة العين، وأباً تحس منه العطف وحنو الآباء، وكان هو يجد ألمها، ويعرف أسراره ويجد في الطب لهذا الألم، فكان يبالغ في رعاية أمه وحمايتها، وكان شديد الحرص على أن يلقاها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وعلى أن يطيل المكث معها والتحدث إليها، يشركها في جد أمره ولعبه، يستشيرها ويظهر قبول مشورتها والاستماع لنصحها. فكان يقوم منها في أكثر الأحيان مقام أبيه، وكان يعزيها بحبه وبره عما كانت تجد من الوحشة حين يصد عنها زوجها فيطيل الصدود. فلما مات الحارث مات

стр. 237

معه أمل سمراء، ولم تلق الحياة إلا بوجه محزون كئيب يصور قلباً مكلوماً مظلماً. وقد جزعت سمراء لهذا الخطب وأشتد جزعها، وطال، ولكن أي شيء يبقي على الأيام! ولقد ذهبت الأيام الطوال بحدة هذا الجزع وشدته، كما ذهبت بنضرة شباب سمراء وكما ذهبت بحياة إبنها الحارث، وكما ذهبت بحب زوجها عبد المطلب، وأصبحت وقد تقدمت بها السن وأمتحنتها حوادث الدهر امرأة مذعنة لحكم القضاء، لا تنكر شيئاً ولا يسرها شيء محزونة ولكن في دعة! ملتاعة ولكن في هدوء! وقد أحست إنكار الناس من حولها لما يرون من حزنها وكآبتها. وما يجدون من انقباضها عنهم. فجدت ما استطاعت في إخفاء ما تجد وكتمان ما تحس، وأحتفظت لنفسها بهذا الكنز الحزين، كنز الذكرى وما تثيره من العواطف وما تهيجه من اليأس. وتركت للناس من نفسها شخصاً عادياً يبتسم حين يبتسمون، ويرضى حين يرضون ويشاركهم في أكثر ما يجدون من عاطفة أو شعور. على إنها كانت تجد شيئاُ من الرضى وراحة النفس حين تجد من زوجها عطفاً عليها أو أنساً إليها. وكان زوجها منذ أصابها هذا الخطب شديد الرفق بها، كثير الزيارة لها يصفيها مودة خالصة قوية، ولكنها خالية أو كالخالية من هذا الحب الذي يحيي قلوب النساء. أصبحت سمراء في هذا اليوم محزونة ظاهرة الحزن، كئيبة بادية الكآبة. أقبل عليا إماؤها الثلاث يحيينها تحية الصباح فردت عليهن تحيتهن رداً فاتراً، ثم جلست وجلسن وأخذت مغزلها وأخذن مغازلهن، وعملت أيديهن في الغزل وسكتت ألسنتهن عن الكلام. وكانت سمراء تدع مغزلها من حين إلى حين وتظل ساكتة واجمة، وربما إنحدرت من إحدى عينيها دمعة حارة فأسرعت إليها تزيلها بيدها دون أن تقول شيئاً. والأماء صامتات ينظرن في حزن عميق إلى مولاتهن الحزينة، ولا تستطيع واحدة منهن أن تبدأها بالكلام. فلما طال عليهن هذا الصمت وهذا الحزن وثقل عليهن ما كان يجدن من ألم وما كان يملأ قلوبهن من حب للاستطلاع ورغبة في الكلام وميل إلى تعزية مولاتهن. اجترأت (ناصعة) وكانت أشجعهن قلباً وأطولهن لساناً. لأنها كانت تعرف مكانتها عند سمراء، فقالت: لقد أصبحت يا سيدتي على حال ما رأيناك عليها منذ زمن بعيد، فقد كنا نراك محزونة كئيبة ولكنك كنت تجاهدين الحزن وتدافعين الكآبة وتتكلفين الرضى، وكنا نجد من ذلك ما يشجعنا على

стр. 238

تسليتك وتلهيتك بالحديث حيناً وبالغناء حيناً آخر؛ تقص عليك كل واحدة منا ما حفظت من أخبار بلادها، وتغنيك كل واحدة منابما تعلمت من الغناء في رطانتها الأعجمية. وكذلك كنت تسمعينأقاصيص سورية وأخرى حبشية وأخرى يونانية. وكنت تسمعين أغاني في لغات أجنبية قليلاً ما تعجبك ولكنها كانت ترسم على ثغرك الابتسام في اكثر الأحيان، أما اليوم فلم نر منك الا حزناً قاتماً، ولم نسمع صوتك العذب، ولم يرعنا الا هذه الدموع التي تسفحينها في صمت أليم. تكلمي يا مولاتي! بيني ماذا تجدين؟ ماذا أحزنك اليوم؟ تكلمي واحسني ظنك بنا، فقد نستطيع أن نعينك على الحزن كما كنا نستطيع أن نبعث في قلبك السرور. نحن إماء ولكننا نساء نجد الحزن كما تجدينه، ونحس اللوعة كما تحسينها. ولعل حبنا للبكاء أشد من حبنا للضحك، ولعل حرصنا على الحزن أشد من رغبتنا في السرور. ولعلنا إن شاركناك في الحزن والألم جارينا طبائعنا، وأرسلنا نفوسنا على سجاياها. فليس في حياتنا وإن كنت لنا مكرمة ما يسر أو يرضي، وأي شيء يسر أو يرضي في حياة الأمة الغربية التي لا تملك نفسها، ولا تحس إلا ذل الرق ولا تستطيع أن ترضى حقاً أو أن تسخط حقاً إلا إذا خلت إلى نفسها، وأنى لها أن تخلو إلى نفسها! تكلمي يا سيدتي ماذا يسوءك وماذا يغشى وجهك بهذا الغشاء الحزين؟ قالت ناصعة ذلك وانتظرت أن تجيبها سمراءولكنها لم تظفر بجواب، وإنما رأت دموعاً تنحدر ثم تنهمر ثم تستحيل إلى زفرات حارة ونحيب غير منقطع، هنالك محا الحزن ما بين السيدة الحرة وإمائها من فروق، فأسرعن إليها يهدئنها ويرفقن بها. هذه تقبلها، وهذه تمسح دمعها، وهذه تمر يدها على رأسها، وهن جميعاً يبكين لهاويبكين لأنفسهن. وقد هدأت سمراء بعض الشيء، وسكنت نفسها الثائرة إلى هؤلاء الإماء الرفيقات فابتسمت لهن في حزن، وشكرت لهن ما أظهرن لها من مودة وعطف، وطلبت إليهن العودة إلى ما كن فيه من عمل، وأخذت هي مغزلها وجعلت تديره في يدها ولكن ناصعة لم تلبث أن عادت إلى الكلام فقالت وهي تتكلف الابتسام وتتصنع الضحك: ليس يغني عنك الصمت يا مولاتي فأنا نعلم ما تسرين كما نعلم ما تعلنين، ولولا خوفنا منك وإكبارنا إياك لقصصنا عليك القصة التي تحزنك وتجري دموعك الحرة على خدك النقي. ولكن أنى لنا أن نبلغ منك هذه المكانة وإنما أنت سيدة ونحن إماء! قالت سمراء كفي عن هذا الحديث يا ناصعة فقد أنسيت اليوم أن بيني وبينكن

стр. 239

فرق ما بين السيدة وإمائها، ولست أرى منكن الآن إلا نساء تعسات مثلي. إنما نحن أخوات في الشقاء والبؤس، وما ينفعني أنني حرة وأنا مثلكن مقيمة على الضيم محتملة للذل، مذعنة لصروف القضاء! لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً ولا أستطيع أن أبرح هذه الدار! وإلى أين أبرحها! لقد ذهبت غارة بني أسد بأبي وأخي، وأصبحت أمي وأخواتي مثلكن إماء مثلكن، لا أعرف من أمرهن شيئاً ولمينهض فتيان بني عامر للثأر! ليت شعري ماذا يصنع أبو براء بأسنته! ماله لا يلاعبها لقد ذهب الموت بابني وأصبحت أسيرة في يد عبد المطلب، أسيرة لا كالأسرى: يجفوني ولا أستطيع له بغضاً ولا قلى كما يفعل الأسرى. وإنما أحبه ولا أجد عن داره منصرفاً، هاهو ذا قد عاد من رحلته إلى اليمن منذ ثلاث، فلما بلغ مكة أسرع إلى هالة بنت وهيب فقضى عندها أولى لياليه وأول أيامه لأنها أحدث زوجاته به عهداً. ثم أصبح فانتقل إلى نتيلة فأقام عندها يوماً وليلة. ثم أصبح فانتقل إلى فاطمة فأقام عندها يوماً وليلة وما أرى إلا أنه سيقبل بعد حين، فيلم بهذه الدار إلمامة قصيرة ثم يسرع إلى هالة! فما أشد شوقه إليها وقد حدثت أنه أقبل من اليمن كأحسن ما يكون الرجال سمة وابرع ما يكونون جمالاً، وحدثت أن هالة أنكرته حين رأته فقد ودعنا أبيض الرأس وعاد فاحم الشعر، كأنه لم يتجاوز الثلاثين. وقد أنكرته من الغد قريش كلها لما رأت من سواد لمته. ولكنه أزال عجب قريش حين أظهر لها هذا الخضاب الذي حمله من اليمن، والذي يرد الشيب شباباً، والذي أسرعت قريش إليه فاشترت منه وأختضب به شيبها فإذا أهل مكة كلهم شباب. كل ذلك ولم أر عبد المطلب، ولم أحس منه ذكراً لي وحنيناً إلي. وماذا يصنع؟ ليس لي شباب هالة، ولا جمال نتيلة ولا ولد فاطمة! وإنما أنا عجوز فانية، يتيمة وحيدة ليس لها أب ولا أم ولا ولد، أنا هذا الحمل الثقيل، الذي يضيق به صاحبه، ولكنه يأبى أن يلقيه ويتخفف منه مخافة أن يصفه الناس بالضعف أو القصور. قالت ذلك وأغرقت في بكاء طويل شاركها فيه إماؤها الثلاث. ولكن ناصعة لم تلبث أن قالت: أهذا كل ما تعلمين من أمر زوجك يا سيدتي؟ إنك إذا لتجهلين كل شيء ولا تعلمين إلا أقل أمره خطراً، وأن عندي من أمر سيدنا ما لو قصصته عليك لأرضاك ولخفف لوعة الحزن هذه التي تحرق فؤادك الكئيب. لن تري زوجك اليوم يا مولاتي فهو عنك في شغل، لقد كان راضياً مسروراً حين كان يرى نساءه ينكرن سواد لمته ويعجبن بشبابه الجديد،

стр. 240

وحين كانت قريش تستبق إليه تشتري منه هذا الخضاب بما أحب من مال، ولكنه محزون منذ أمس، مغرق في حزن لا قرارة له، فهو خليق بالرثاء. إنك تحبينه يا سيدتي وستنسين إعراضه عنك، وسترثين له، وإني أخشى أن تخفي إليه حين تعرفين نبأه. قالت سمراء في شيء من الجزع بدأ هادئاً ولكنه لم يلبث أن اشتد قليلاً قليلا حتى بلغ أقصاه: ماذا تقولين وبم تتحدثين؟ وهو محزون! هو خليق بالرثاء لماذا؟ أبيني متى علمت بذلك؟ وكيف أخفيته علي؟ ما الذي يحزنه؟ ما الذييسوءه؟ ما الذي يجعله أهلاً للرثاء؟ ما الذي يضطرني إلى أن أخف إليه لأعزيه وأواسيه؟ قولي، أسرعي، لا تخفي علي شيئاً. قالت ناصعة: مهلاً يا سيدتي أرفقي بنفسك ولا تذهبي بها في الخيال كل مذهب، لابأس عليه في نفسه، ولا في ماله ولكنه يمتحن منذ أمس في بنيه. هوني عليك إن في هذه المحنة لعزاء لك عن فقد حارثك العزيز. أتذكرين يوم احتفر زمزم فنذر لئن أوتي من الولد عشرة ذكوراً. . . . . . . قالت سمراء: يراهم ليضحين بواحد يا بؤس هذا اليوم! لقد عرفت هذا النذر فكان مصدر شقائي كله، عرفت أنه سيستكثر من النساء ورأيت مدية التضحية ممدود إلى عنق قد تكون عنق ابني العزيز. منذ ذلك اليوم كرهت النساء جميعاً لأني رأيت في كل واحدة منهن ضرةلي، ومنذ ذلك اليوم رأيت شبح الموت مقيماًبهذا البيت ما أقام فيه ابني مفارقاً لهذا البيت ما فارقه أبني، ومنذ ذلك اليوم لم أر ابني في يقظة ولا في نوم إلا رأيت الموت له ظلاً، أتمي حديثك يا ناصعة. قالتالفتاة: لقد ذكر زوجك أمس وهو يتحدث إلى فاطمة نذره هذا وذكر أن أبناءه الذكور قد بلغوا عشرة أحياء يراهم بمولد طفلهحمزة فأقسم ليوفين نذره، وليضحينبأحد أبناءه وليجعلهم تسعة منذ اليوم حتى تتمهم له هالة أو نتيلة أو غيرهما عشرة أو تزيد بهم على العشرة. ولم يكد يعقد هذه اليمين التي جزعت فاطمة وشاركها بناتها في الجزع. أشفقت على الزبير وأبي طالب وعبد الله وغيرهم من بنيها. وبلغ الخبر نتيلة فخافت على العباس، وبلغ الخبر هالة فجزعت على حمزة وثارت لكل امرأة قبيلتها. وألح الناس على الشيخ؛ تأبى كل قبيلة أن تكون التضحية منها. ومضى الشيخ في يمينه فجمع إليه بنيه وأنبأهم بنذره فكلهم أقره وكلهم أطاعه وكلهم ألح عليه ليوفين بالنذر ولتقدمن الضحية. وليس لقريش منذ أمس حديث إلا هذا النبأ هم يتناقلونه ويكبرونه وينكرونه وقليل منهم من يقر الشيخعلى هذا العزم الفضيع. قالت سمراء وهي

стр. 241

مضطربة، ثم قالت الفتاة: ثم أقبل الشيخ ببنيه إلى الكعبة مع الصبح فأجال فيهم قداحه فخرج القدح على أحب بنيه إليه. وآثرهم عنده، قالت سمراء وقد سالت من عينيها دمعتان محرقتان: خرج القدحعلى عبد الله قالت الفتاة: نعم. فأخذ الشيخ بيد ابنه يقوده إلى المذبح وفي يده المدية ولكن بناته جميعاً وأمهن قمن دون الفتى صائحات يستصرخن بني مخزوم ويستصرخن قريشاً كلها ويمنعن الفتى بحياتهن. وأقبلت إحداهن إلى الشيخ ضارعة ثائرة معاًفقالت: إذا كانقلبك قد استحال إلى صخر فلا ترق لأبنك الشاب ولا لأمه الشيخة ولا لأخواته البائسات، وإذا كانت شريعة قريش قد قست وجفت وغلظت حتى جعلت للآباء على أبناءهم حق الحياة والموت كأنهم الرقيق أو الحيوان، فدعنا نحتكم في هذا الفتى إلى رب هذا البيت فهو أوسعمنك رحمة وأجدر منك أن يضن بهذا الشباب على الضياع وأن يربأ بهذا الدم الذكي أن يراق. لنحتكم إلى رب هذا البيت في أمر هذا الفتى، لنقرع بينه وبين هذه الإبل الكثيرة التي تسيمها في الحرم ولنبلغن من ذلك ما يرضي رب هذا البيت. وكانت قلوب قريش قد تفطرت حزناً وتصدعت أسى لقول هذه الفتاة وهي تبكي، وقد التزمت أخاها تعانقه وتقبله وتغسل وجهه الناصع بدمعها الغزير وهي تصيح: لأموتن قبل أن تموت. فما زالت قريش بالشيخ تلاينه حيناًٍ وتخاشنه حينا حتى اضطرته إلى أن يقبل تحكيم الآلهة. قالت سمراء وقد بلغ بها الهلع أقصاه: ثم ماذا؛ قالت الفتاة ثم لا أدري تركتهم يتأهبون لإجالة القداح بين الفتى والإبل وأقبلت لأقصعليك النبأ فرأيتك فيما كنت فيه من حزن عميق. قلت سمراء يا بؤس لهذه الحياة! لا يسعد فيها الناس بخير مهما يكثر كل السعادة، ولا تشقى فيها الناس بشر مهما يعظم كل الشقاء. أسعيدة أنا بموت الحارث أم شقية؟ لو قد عاش لذقت الآن ما تذوقه فاطمة من هذا الحزن اللاذع والخوف المهلك ولكني كنت أوثر مع ذلك أن يعيش فقد كان يمكن أن تخطئه القداح، وقد كان يمكن إن لم تخطئه في المرة الأولى أن تخرجعلى الإبل من دونه وقد كنت أستمتع به أعواماً، ولكن هلم لا مقام لنا الآن لنسرع إلى حيث هم لنشاركهم فيما يجدون. وا حسرتاه! إني لصادقة الحزن! إني لصادقة الخوف! إني لشديدة الإشفاق! إني لشديدة الرجاء، ولكن فاطمة ستضن بي سوءاً وستقدر أني أقبلت غير

стр. 242

بريئة النفس من الشماتة، قالت ذلك ونهضت يدفعها حزنها الخالص ويردها خوفها من سوء الظن، ولكنها أسرعت مع ذلك وأسرع معها إماؤها. ولم تكد تتقد م في الطريق نحو المسجد حتى سمعت أصواتاً ورأت إضطراباً ثم تبينت في الأصوات فرحاً ورأت على الوجوه بشراً، وعرفت أن القدح قد خرج بعد لأي على مائة من الإبل. وأن عبد المطلب يؤذن في الناس أنه سينحر هذه الإبل بين الصفا والمروة، وأنها حرام عليه وعلى بني هاشم، مباحة لغيرهم من الناس والحيوان والطير. فأسرعت سمراء حتى اختلطت بفاطمة وبناتها وهن سائرات يحطن بالفتى ويحلن بينه وبين غيره من الناس، حتى إذا بلغن البيت ألفين فيه امرأتين تبكيان إحداهما هالة بنت وهيب أم حمزة وزوج عبد المطلب، والأخرى بنت عمها اليتيمة آمنة بنت وهب. هنالك أقبلت سمراء هادئة باسمة إلى الفتاة فكفكفت من دموعها؛ وضمتها إليها وقبلت جبينها الطلق، ثم التفتتإلى عبد الله وهي تقول: هلم يا فتى فقبل أهلك فمهما تغل لها في المهر فلن تبلغ هذه الدموع التي ذرفتها حزناً عليك. ثم نظرت إلى فاطمة وهي تقول: ألا ترين أنها أحق فتيات قريش أن تكون له زوجة!

стр. 243

الرجل صاحب الكلب قصة مصرية. للأستاذ محمود تيمور حدثني الراوي قائلاً: عندما كنت طالباً في مدرسة الزراعة بالجيزة كنت أتردد في أوقات فراغي على قهوة صغيرة بالقرب من الشارع العمومي يجري بجوارها جدول صغير وتتهدل فوقهاأغصان شجرة عتيقة. وكنت أعتبرها حلقة الاتصال بين الحضر والريف أو بين المدنية والحياة الساذجة البدائية. فبينما تكون جالساً في مقعدك البسيط تشرب القهوة في هدوء وتصغي إلى خرير الماء وتشم رائحة النبات إذ بك تسمع دوي ترام أو سيارة ويمتلئ أنفك برائحة البنزين والتراب. وكان يتردد على هذه القهوة رجل بدين الجسم كروي الوجه بأنف أفطس وعيونصغيرة يلبس بدلا من المعطف حرملة من اللون الأزرق الكالح ويلف رأسه بشال قديم مهلهل. وكنا في ذلك الوقت على أبواب الشتاء. وكنت ألاحظ عليه مظاهر الجربعة. وأعتقدت أنه من أرباب المعاشات الفقراء. وأذكر أنني لم أذهب إلى القهوة مرة واحدة ولم أجده. أراه دائماً في ركنه المعهود بجوار باب القهوة منتفخاً في جلسته يدخن النارجيلة ويحتسي القهوة ويزعق بين فترةوأخرى على الخادم يصدر إليه أوامره الممضة. يصحب معه دائماً كلباً أسود بشع الهيئة من فصيلة الأرمنت. يزعج القهوة بنباحه الثقيل. كان سيده يبالغ في تدليله والإعتناء به. ويكلمه ببعض كلمات إنجليزية بلهجة سقيمة لا تتعدى قوله: كام هير جيمي كام هير ماي دير. ولا أدري ما الذي دفعني إلى أن أهتم بهذا الرجل وكلبه وأدقق في ملاحظتي إياهما. مع نفوري منهما. وذهبت مرة إلى القهوة فوجدت عويساً ماسح الأحذية يتشاجر معه. وكان الرجل يشتم الغلام بصوته العريض الوقح وهو منتفخ الأوداج محمر العين يبصق أماه بصقات متوالية. ورأيت الكلب ينبح ماسح الأحذية بشدة ويجذب بأسنانه طرف ثوبه. فتحاشيت التدخل بينهما وقصدت إلى مكاني بجوار الجدول ومعي كتاب الزراعة المصرية لأذاكر فيه. وجاء

стр. 244

صاحب القهوة فحسم الخلاف وشتم عويسا وأرضى الأفندي ببعض كلمات لا تخلو من تملق. وترك الكلب ثوب الغلام وذهب إلى سيده فنظر إليه مليا وهو يبصبص بذنبه ثم تمدد تحت أقدامه ونام. وجاءني عويس يمسح لي حذائي كالمعتاد فمددت له قدمي في حركة آلية غير ملتفت إليه وأنشغل الغلام بالمسح وأنا بالتفكير وبعد برهة خاطبت عويسا ووجهي لا يفارق الكتاب. . - من يكون هذا؟ فأجابني وهو منهمك في عمله. - واحد حكيم لا طلع ولا نزل. يدعي أنه كان حكيمباشي في الجيش في الزمن الماضي. - والآن؟ - على المعاش ثم رفع رأسه إلي وقال: تصور يا بيه أنه يريد أن يعطيني قرش تعريفة واحد في مسح حذائه ووضع شريط جديد له. وأي جزمة هذه التي مسحتها. ربنا لا يوريك أؤكد لك أن الورنيش لم يمسها منذ أن كان جنابه في الجيش. . قرش تعريفة واحد نظير مسحة وشريط جديد. الله الغني يا سيدي. . هذا خلاف الخدمات التي أؤديها له بدون مقابل. ولو كان شخصاً فقيراً لقلنا نخدمه لوجه الله ولكنه رجل عاكم. عاكم تمام. وسمعت الحكيمباشي يبصق بشدة على الأرض فخفف عويس من حدته وهمس قائلاً: - تصدق بالله، لو ذهبت إلى بيته لظننت انك في مزبلة أو مربط بهائم. . . . . لم كل هذا والدنيا أخرتها موت. فضحك واردم على هذه السيرة. . وغبت عن القهوة بضعة أيام. وبينما كنت مرة في الترام منهمكاً في قراءة (البلاغ) إذ شعرت بشخص يدخل العربة، وكانت مزدحمة بالركاب، ويحشر نفسه بين الجالسين وسمعت همهمة استياء من كل ناحية. ورفعت بصري لأرى من الداخل فوقع بصري أول وهلة على كلب اسود ضخم بشع الهيئة عرفته على الفور. ورأيت أمام مقعدي الحكيمباشي يمسح وجهه المحتقن المعقد ويشد حرملته على أكتافه ويدفع جاره وهو يدمدم. وتلاقت

стр. 245

أعيننا. وشعرتبأنني ابتسم له. وشاهدته يجيبني مجاملة بابتسامة سطحية خاطفة. وبعد لحظات قال لي مندفعاً: - يدفع الواحد منا ستة مليمات لهذه الشركة الملعونة ليحظى بمثل هذه الجلسة المرهقة. نحن آدميون ولسنا بهايم حتى يحشروننا هكذا كأننا في عربة للحيوانات. لماذا لا يزيدون عربة على كل قطار في مثل هذه الأوقات. أقسم بالله ان سوارس الذي تدفع فيه ثلاثة مليمات فقط أحسن ألف مرة من هذا الترام. فوافقته موافقة تامة. وأخذت أذم له الشركة بدوري. فظهر على وجهه الارتياح وأخذ يناقلني الحديث بلهجة ودية ومن غير تكلف كأنه يعرفني منذ أعوام، وقال: - لم تحضر إلى القهوة منذ أيام - كنت مشغولاً جداً. لقد هجمت علينا الدروس. - إيه يا بني لو كنت معنا في الجيش لأستصغرت من شأن مشاغلك. . كنت أنا لا أجد الوقت الكافي لأتناول كوب اللبن في الصباح. - حضرتك خدمت في الجيش مدة طويلة؟ فأجاب بلهجة متزنة وهو يعبث بسلسلة ساعته. . - ٤٥ سنة، ٤٥ سنة وأنا أعيش في الخيام وعلى ظهور الجياد. أضمد جروح الجرحى وأعنى بالمصابين. ثم أخرج بعد هذه الخدمة الطويلة العريضة الشاقة بمعاش لا هو في العير ولا في النفير. . . لا مكافأة ولا يحزنون. . ثم مال علي وهو يبتسم وقال: - ألم تسمع المثل القائل: آخر خدمة الغز علقة. وكان قد خلا مكان بجواره فنظر إلى كلبه الذي كان ممدداً تحت أقدامه وقال له وهو يفرقع بإصبعه. . - كام هير جيمي. كام هير ماي دير. وأشار له إلى المحل الخالي، فقام الكلب وبعد أن تمطى وتثاءب في هيئة شنيعة قفز بجوار سيده والناس يرمقونه بالنظر الشزر. وألتفت إلي الحكيمباشي وقال وهو يلاطف كلبه. . - لم أر في حياتي كلباً وفياً كجيمي هذا. أنه إنسان وليس بحيوان. لقد إستغنيت به عن

стр. 246

البنين فهو أبني وعن الخدم فهو تابعي الأمين. وعن الحراس فهو حارسي الذي يبذل دمه في سبيلي. أتصدق أنني لا أعاشر سواه في منزلي. ثم نظر إلى كلبه وقال: - أوه جيمي أي لاف يو فري ماتش وكان بجواري شيخ معمم فسمعته (يمصمص) بشفتيه ويتمتم قائلاً: - لله في خلقه شؤون! ووقف الترام على إحدى المحطات ودخل العربة محمد أفندي زكريا الموظف ببنك الكومرسيال الإيطالي فسلم علي في بشاشة. ثم إلتفت إلى الحكيمباشي وقال: - أهلاً أسعد بك. في غاية الأشواق يا حبيبي. وتحدثنا برهةً في العموميات، ثم رأيت أسعد بك الحكيمباشي ومحمد أفندي زكريا يفتحان باب البحث في المسائل المالية. فسكت وأصغيت لهما. وأخذا يتعمقان قليلاً قليلا فلم أعد أفهم من كلامهما شيئاً. وكانت أمثال الكلمات. . الكامبيو والبورصة وسندات الشركة البلجيكية وأسهم البنك العقاري والرنت الفرنساوي تطن في أذني طنيناً مزعجاً، وارتسمت على وجه أسعد بك أشد مظاهر الاهتمام فوجدت عينيه تحملقان في وجه محدثه حملقة الجائع الشره، وطاقتي أنفه تتسعان كأنهما تستجديان الهواء. . . وأخيراً وصلنا الجيزة فسلم أسعد بك علينا ونزل لأنه كان يسكن في هذه البلدة. أما أنا ومحمد أفندي زكريا فتابعنا ركوبنا إلى الأهرام إذ كنا نرغب في تناول الشاي في (مينا هاوس) وملت على محمد أفندي وقلت له: - إن لصاحبك باعاً طويلاً في الأمور المالية. - إنه يا عزيزي يلعب بالجنيهات في سوق المضاربة كما تلعب الأولاد (بالبلى) - وهل يكسب؟ - لم أسمع مرة واحدة أنه خسر. ومرت الأيام وكثرت مقابلتي لأسعد بك في القهوة وتوثقت بيني وبينه روابط الصداقة. وأتضح لي أنه شخص غير مزعج كما توهمت قبل معرفتي إياه. فكان إذا رآني في ركني المعهود منكباً على كتابي أذاكر درسي أحترم عملي ولم يفتح فمه بكلمة. أما إذا لاحظ أنني

стр. 247

لا عمل لي دعاني إلى الجلوس معه. ولا أذكر أنه أكرمني بفنجان قهوة. أو قدم لي سيكارة واحدة. أما حديثه فكان سخيفاً ولكنه مسل للغاية. معظمه حكايات عن حياته الماضية في الجيش ونوادر عن كلبه لا تخلو طبعاً من مبالغات ومغالطات. وكان إذا تكلم عن كلبه لمعت عيناه بوميض غريب وخيل إليك أنه يتكلم عن ابن وحيد له وهبه كامل محبته وحنانه. وتغيبت بضعة أيام عن القهوة ثم عدت إليها فكان أول شئ لاحظته هو أن أسعد بك غير موجود. ولما جاءني غلام القهوة سألته عنه فلم يفدني شيئاً. وبعد قليل ظهر عويس ماسح الأحذية. وكان مسروراً يخبط بظهر فرشته صندوقه فسألته: - ما الخبر يا ولد؟ - خبر عظيم جداً يا بيه. - لقد أخذوا كلب أسعد بك في عربة الكلاب. - يا شيخ! - شاهدت ذلك يعيني رأسي. ونالني شئ من الأسف. ولكنني لم أهتم بالأمر كثيراً. وأعتقدت أنني سأرى في الغد صديقي وكلبه يحتلان ركنهما المختار في القهوة. وبعد انقطاعي بضعة أيام ذهبت إلى القهوة فوجدت أسعد بك وبحثت بعيني عن الكلب فلم أجده. وكانت عينا صديقي مربدتين حائرتين ووجهه محتقناً. وسلمت عليه فسلم علي في اقتضاب وصمت فلم أشأ أن أثقل عليه. وقصدت إلى مكاني وفتحت كتابي وبدأت دراستي ولكنني ما كدت أفعل حتى سمعته يتكلم في لهجة شرسة وكأنه يتحدى إنساناً أمامه قائلاً: يأخذون الكلب ويطلبون مني جنيهاً مقابل إطلاق سراحه! جنيه! هذا نصب، نهب. . إخص على دي مصلحة. وبصق بصقة كبيرة. ثم أتم كلامه. . . -. . مع أني أفهمتهم أني حكيم. . حكيمباشي الأورطة التاسعة التي قهرت العصاة في الأبيض ودارفور. رجل مقامي معروف وماضي مفعم بجليل الأعمال. مصلحة دون! لا تعرف أصحاب المقامات. . إخص. .!

стр. 248

وبصق بصقة أخرى. وكان يتكلم دون أن يلتفت ناحيتي. ولكني كنت متأكداً أن الكلام موجه إلي إذ لم يكن في القهوة غيرنا. فرأيت من باب المجاملة أن أعير حديثه اهتمامي. وقلت: - جميع مصالح الحكومة بايظة. فاحتد في كلامه وهو ينظر أمامه دائماً وقال: - الا هذه المصلحة. إنها ليست بايظة فقط. إنها غير موجودة. . . . . أتصدق أنهم يرفضون شهادتي الرسمية بأن الكلب غير مكلوب وأنه ليس من الكلاب الضالة، ويقولون أن الإجراءات يجب أتتبع مجراها. إجراءات؟ هه!. . سأريهم كيف تتخذ أمثال هذه الإجراءات معي ومع كلبي. سأريهم. .! وضرب بشدة على المائدة والتفت إلي هذه المرة وعيناه تشعان باللهيب وقال: - لقد أرسلت عريضة اليوم إلى وزير الحربية لتخلية سبيل كلبي في الحال. . في الحال. فأجبته على الأثر. - حسناً فعلت. وفي الغد سافرت مع فرقة من طلبة المدرسة إلى الصعيد وقضينا هناك أسبوعاً كاملاً نتنقل بين ربوعه متفرجين على آثاره العظيمة. وفي اليوم التالي لعودتي إلى القاهرة قصدت إلى قهوتي المعروفة. فرأيت عويسا جالسا القرفصاء على الأرض بجوار إحدى الموائد وأمامه صندوقه ينتظر زبائنه. فناديته وسألته على الفور. - ماذا جرى لكلب أسعد بك؟ فابتسم ابتسامة عريضة وقال: - تعيش أنت! - قتلوه؟ - منذ أربعة أيام. ألم يدفع أسعد بك المبلغ؟ - يدفع المبلغ! انه يرضى أن يدفع لهم عينيه! ولا يتجاوز لهم عن الجنيه. وشاهدت أسعد بك آتيا صوب القهوة يتوكأ على عصاه الغليظة ويسير في ثقل وإعياء، ولما

стр. 249

اقترب منيابتسم لي ابتسامة هزيلة وسلم علي ثم جلس. وأشار إلى المقعد الذي أمامه وقال: - تفضل اجلس جلست وبدأنا نتحادث في أمور تافهة. وكانت لهجته مهملة ونظراته فيها بعض الشرود. ولم يتكلم بكلمة واحدة عن جيمي فعلمت أنه لا يريد الخوض في هذا الموضوع. ثم خيم علينا صمت ثقيل فاستأذنت وقصدت إلى ركني. ومنذ ذلك الحين اختلت مواعيد أسعد بك ولم أعد أراه دائماً في القهوة كلما ذهبت. وغير عادته في فنجان القهوة السادة الذي كان لا يحيد عنه ولا يزيد عليه واستبدل به بضع كوؤس من العرق. وكان كلما ثارت الصهباء في رأسه اندفع يتكلم في إسهاب ممض وبصوت مرتفع كأنه يصرخ أو يشتم. وكانت موضوعاته دائماً لا تخرج عن سبهمصلحة الطب البيطري وسب العالم كله على السواء. كان يقول دائماً: - الدنيا كلها نهب في نهب. إخص بلا قرف. وبدأ يضيفني على شرب الزبيب معه ويقول لي: - لا تخش ضرراً. أنا حكيم. إن الزبيب مقو للدم وفاتح للشهية. أحسن المشروبات كلها. وأصبح مجلس أسعد بك لا يطاق. فلم أكن أنعم بتلك المحادثات المسلية. ولم يكن يتركني أذاكر دروسي في هدوء. بل كاندائماً يقلقني بصياحه المزعج ويضطرني إلى الإنصات له وتحبيذ كلامه. وكان إذا رآني مقصراً في الالتفات إليه جاء إلى مائدتي ونقل مشروبه إليها واحتل مقعداً بجواري وبدأ يسح بشكاياته وشتائمه. وحدث مرة أن جاء صاحب القهوة بحساب الشهر (وكان من عادة أسعد بك أن يدفع الحساب شهرياً) فأخذ الورقة من يد الرجل وألقى عليها نظرة عابسة ثم صاح في وجهه: - مائة قرش؟ جنيه! أما لصوص صحيح! لن أدفع هذا المبلغ ماحييت ودعك الورقة ورماهافي وجه صاحب القهوة. وأراد الأخير أن يتفاهم معه في لطف فأقترب منه ومعه الحساب وأخذ يوضح له عدد الطلبات التي طلبها. فدفعه أسعد بك بشدة وصاح. . - اذهب من أمامي لن ادفع شيئا. كلكم لصوص أولاد كلب. فأحمرت عينا صاحب القهوة وقال: - اللصوص وأولاد كلب يا حبيبي هم الذين لا يؤدون ما عليهم.

стр. 250

- اخرس! أتعرف من الذي تكلمه؟ أنا أسعد بك حكيمباشي الأورطة التاسعة في الجيش المصري. - وماذا يهم؟ أنا أريد نقودي. ليس هذا الجنيه كجنيه مصلحة الطب البيطري الذي لم تدفعه إنقاذاً لكلبك. هذا جنيه ثمن مشروبات جررتها من محلي. . ورأيت سحنة أسعد بك قد انقلبت وصارت كسحنة النمر الهائج وقال وصوته يرتجف: - ماذا تقول يا وقح؟ جنيه الطب البيطري! أتظن أنني قد بخلت بالجنيه في سبيل إنقاذ كلبي؟ أتجرؤ على هذا القول يا لعين؟ أنا أرضى أن ادفع مائة جنيه لا جنيها واحداً من أجله. . ولكنني لا أدفع للصوص أولاد الحرام، كلكم تستحقون ضرب الصرم، ورأيته يدس يده المرتجفة في جيبه في حركة شاذة ويخرج ورقة مالية من ذات المائة قرش وينهال عليها تمزيقاً في وحشية غريبة ويقول: - أتستطيع أن تقول إنني لا أستطيع أن ادفع جنيهاً. . ثم قام وأنشب أظافره في رقبة الرجل. وقامت بين الاثنين معركة حامية استدعيت من أجلها الشرطة. وساءت أحوال أسعد بكفلم أعد أراه الا مخموراً رثالهيئة ممزق الملابس. قوي الشبه بهؤلاء المشردين مدمني المخدرات الذين تراهم في الطرق يستجدون المارة. وكان لا يسكت لسانه عن النقود وبالأخص عن الجنيه الذي لم يدفعه إنقاذاً لكلبه، وكان يؤكد لي في حماس غريب أنه لم يدفع هذا الجنيه نكاية في مصلحة الطب البيطري وليفهمهم أنه ليس مغفلاً أو ضعيفاً. وكان يروي الحكاية لكل من يقع عليه بصره في القهوة أو في الطريق وهو يصيح ويهدد ويشتم. وإذا لم يجد من يكلمه رأيته يحدث نفسه محتداً وهو يلوح بيده في حركات شاذة. وانقلبمن شحيح متكالب على المال إلى مسرف متلاف لا تعرف يمينه ما تنفقه شماله. وسمعت أنه كثيراً ما يذهب إلى مصلحة الطب البيطري ليفدي الكلاب الضالة ويخرج لها رخصاً بمبالغ لا يستهان بها. وكان يحرضني دائماًعلى التبذير ويقول: - اصرف وبحبح على نفسك. وقابلت مرة محمد أفندي زكريا الموظف ببنك الكومرسيال فروى لي أخباراً مزعجة عن
следующие страницы →