Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
الصهيونية
نشأتها وتطورها
١. قبل عهد بلفور
للأستاذ محمد عبد الله عنان
لفتت حوادث فلسطين الأخيرة أنظار العالم مرة أخرى إلى ذلك النظام السياسي الاجتماعي الغريب الذي فرض على فلسطين تحقيقا لمشاريع السياسة الاستعمارية. ففي فلسطين أمة عربية تعيش في ذلك الوطن منذ آماد بعيدة. ولكنها تجد اليوم نفسها أمام خطر داهم على كيانها القومي، وترى اليهودية تمكن من غزو هذا الوطن بطريقة منظمة مستمرة، تنفيذا لعهد قطعته بريطانيا العظمى على نفسها إبان الحرب الكبرى، بأن تعاون على إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين.
وفكرة الوطن القومي اليهودي قديمة ترجع إلى العصور الوسطى. ولكنها لم تكن في تلك العصور التي كانت بالنسبة لليهودية (عصرها الحديدي) أو عصر الاضطهاد الشنيع أكثر من مثل أعلى أو أمنية مقدسة غامضة. ولكنها منذ القرن الثامن عشر تغدو نظرة سياسية اجتماعية ترمى إلى غايات عملية. وكان أقطاب اليهودية في ذلك العصر وعلى رأسهم رجال ممتازون مثل مندلزون ولسنج يرون أن تتخذ القومية اليهودية صيغة محلية، فيغدو اليهود من أبناء البلد الذي استوطنوه مع احتفاظهم بتراثهم الروجي. ولكن هذه القومية المعتدلة التي أملى بها جو التسامح الذي نعمت به اليهودية يومئذ لم تلق كبير تأييد، ولم يطل أمدها، واستمرت الفكرة القديمة على قوتها وتأثلها. ومنذ أوائل القرن التاسع عشر نجد يهود إنكلترا يعملون على تقويتها وتلمس السبل لتنفيذها بالدعوة إلى إحياء التراث اليهودي وإنشاء المستعمرات اليهودية في فلسطين. ومن ذلك الحين تتجه اليهودية ببصرها إلى فلسطين؛ وتتكرر جهودها لإقناع السياسة البريطانية بإمكان قيام وطن قومي يهودي في فلسطين تحت الحماية البريطانية، وأن قيامه يغدو ضمانا قويا لتأمين طريق الهند البري وهنا تتخذ فكرة القومية اليهودية صبغة سياسية واضحة؛ وتبدو الفكرة الصهيونية في شكلها الحديث. والصهيونية هي القومية اليهودية. اشتقت من (سيون) العبرية أو صهيون وهي
стр. 1857
الأكمة أو المعقل. وقد أطلقت أولاً على موقع التل الذي بني عليه الهيكل ثم أطلقت على بيت المقدس؛ ثم على الأمة اليهودية كلها، وتراثها الروحي؛ وأصبح معناها الحديث عود القومية اليهودية واستردادها لتراثها الغابر. وبهذا تفهم الصهيونية في عصرنا ولهذا تعمل.
وإذا فالصهيونية الحديثة ترجع إلى أواسط القرن التاسع عشر. وفي هذا الحين نفسه تلقى الصهيونية مادتها وقوتها: ذلك أن خصومة السامية أو نزعة التعصب ضد اليهود قد اضطرمت يومئذ بفورة جديدة في معظم الدول الأوربية، وأسفرت عن مذابح مروعة في روسيا والمجر. وعصفت باليهود في ألمانيا ثم عصفت بهم في فرنسا حيث بلغت الحركة ذروتها في قضية دريفوس الشهرية (سنة ١٨٩٦).
ورأت اليهودية أنها رغم حصولها على الحقوق المدنية والسياسية في معظم الدول الغربية، مازالت عرضة للبغض القديم الذي أصبح تقليداً راسخا في المجتمعات الغربية. عندئذ بدت فكرة الوطن القومي اليهودي ضرورة يجب تحقيقها لخير اليهودية وسلامها. وأخذ أقطاب اليهودية على إذاعة الفكرة واتخاذ الخطوات العملية الأولى في سبيل تحقيقها. فألفت جمعية لإنشاء المستعمرات اليهودية وزودت بالمال. وبدأت مساعي الماليين اليهود لدى الباب العالي لإنشاء هذه المستعمرات في فلسطين. ثم لقيت الفكرة روحها المضطرم في كاتب يهودي نمسوي فتى هو تيودور هرتسل. وقد ولد هرتسل ببودابست سنة ١٨٦٠ وظهر في الصحافة والتأليف المسرحي وظهر بالأخص بكتاباته القوية الملتهبة في سبيل القضية اليهودية. وكان هرتسل يرى أن الوطن القومي ضرورة لليهودية لا أمنية فقط، وفي سنة ١٨٩٦ أخرج رسالته الشهيرة (الدولة اليهودية) يعرض فيها فكرة الوطن القومي عرضا قوياً، ويرى أن يتخذ هذا الوطن صورة دولة يهودية في فلسطين تكون تحت سيادة الباب العالي وتؤدي له الجزية وتكون البقاع المقدسة منطقة مستقلة ذات نظام خاص، فكان لدعوته وقع عظيم في اليهودية بأسرها، وأيده أقطاب المفكرين اليهود مثل مكس نورداو وإسرائيل زنجويل وغيرهما. وكانت اليهودية على إثر ما عانته من اضطهاد الخصومة السامية في معظم البلاد تتحفز يومئذ للذود عن نفسها، وتستجمع جهودها للقيام بحركة إيجابية منتجة. وسرعان ما انتظمت هذه الحركة تحت لواء هرتسل وزعامته، وفي أغسطس سنة ١٨٩٧ عقد مؤتمر يهودي عام في بازل (سويسرا) برآسة هرتسل وفيه
стр. 1858
وضع برنامج الصهيونية الرسمي وعرفت غايتها ووسائلها على النحو الآتي:
(تسعى الصهيونية لتحقق للشعب اليهودي إنشاء وطن في فلسطين، يتمتع بالضمانات التي قررها القانون العام، لكي يمكن تحقيق هذه الغاية، يرى المؤتمر الوسائل الآتية:
١. أن يشجع استعمار فلسطين بواسطة الزراع والعمال والصناع التشجيع الواجب.
٢. أن ينظم العالم اليهودي بأسره وأن يحشد في المجتمعات المحلية أو العامة طبقا لقوانين البلاد المختلفة.
٣. أن تقوى لدى اليهود عواطف الكرامة القومية والاعتزاز بالجنس.
٤. أن تبذل المساعي التمهيدية اللازمة للحصول على التصريحات الحكومية الضرورية لتحقيق غاية الصهيونية.)
ثم توالت المؤتمرات الصهيونية في كل عام وبدأت مساعي اليهودية العملية واتصل هرتسل بالباب العالي، فاظهر نحو الفكرة ميلا في البداية باعتقاد أن تأييدها يكسبه نفوذا جديدا، حاول أن يجعل من ذلك وسيلة لحل المسألة الأرضية بشروط عرضها على اليهود الإنكليز ولكنه أخفق في هذه المحاولة. وزار هرتسل السلطان عبد الحميد في سنتي ١٩٠١و ١٩٠٢ فآنس منه إعراضا وأخفق في سعيه. فاتجه هرتسل إلى إنجلترا وعرض أن ينشأ الوطن القومي اليهودي في أية منطقة من البلاد الواقعة تحت النفوذ البريطاني، واقترحت خلال ذلك منطقة سيناء المصرية ثم منطقة في الشرق افريقا البريطاني. ولكن أغلبية المؤتمر الصهيوني (سنة ١٩٠٣) رفضت فكرة التحول عن فلسطين إلى غيرها وعدتها تراجعا وهزيمة للفكرة القومية الأهلية، ثم توفي هرتسل سنة ١٩٠٤ في عنفوان قوته وجهوده فكانت وفاته ضربة قوية للحركة الصهيونية، ولم تجد الحركة من بعده مدى أعوام من يقودها بمثل قوته ونفوذه. وتزعمها مدى حين فولفزون المالي الألماني، وإسرائيل زنجويل الكاتب الإنكليزي، وجددت المساعي لدى الباب العالي، ولكن اضطراب الأحوال السياسية في تركيا حال دون كل مسعى. وجددت المساعي لدى إنكلترا. واقترحت أثناء ذلك برقة أو الجزيرة في العراق لتكون مركزا، للوطن القومي، ولكن هذه المساعي أخفقت أيضا ففت هذا الفشل المتكرر في عضد الصهيونية وخبت حماستها، فترت جهودها حنى نشوب الحرب الكبرى.
стр. 1859
وفي أثناء الحرب سعت اليهودية إلى غايتها بجد ومثابرة، وقدمت إلى الحلفاء كل معونة ممكنة فامدتها بالقروض المالية، والفت فرق يهودية عسكرية تحارب إلى جانبهم. وتولى الزعماء اليهود: لورد روتشيلد والدكتور ويزمان ومسيو سوكولوف تنظيم هذه الحركة والسعي لدى دول الحلفاء وبخاصة إنجلترا في تحقيق مشروع الوطن القومي، وأسدى الدكتور ويزمان، وهو علامة كيمائي ومخترع بارع إلى إنجلترا أثناء الحرب خدمات جلية، بتولي المباحث الكيميائية في المعامل الإنجليزية: واختراع مادة جديدة للمفرقعات القوية. وأسندت إليه منذ سنة ١٩١٧ رآسة الهيئة الصهيونية العالمية. وكانت إنجلترا تجد يومئذ هجومها على فلسطين، وأمل اليهودية يبدو على وشك التحقيق. وكانت فرنسا أول من تقدم من الحلفاء لتأييد مشروع الوطن القومي اليهودي بصفة رسمية: ففي يونيه سنة ١٩١٧ وجه مسيو كامبون وزير الخارجية الفرنسية إلى مسيو سوكولوف رئيس اللجنة الصهيونية التنفيذية يؤكد فيه عطف الحكومة الفرنسية على القضية اليهودية والوطن القومي، وفي ٢ نوفمبر سنة ١٩١٧ أصدرت الحكومة البريطانية عهدها الشهير بإنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وعرف هذا العهد باسم اللورد بلفور وزير الخارجية البريطانية يومئذ؛ وتلى في مجلس العموم البريطاني في النصف الثاني من نوفمبر في خطاب رسمي وجه إلى اللورد روتشيلد كبير اليهودية الإنجليزية وهذا نصه:
عزيزي اللورد روتشيلد: يسرني أعظم السرور أن أوجه إليك باسم الحكومة البريطانية التصريح الآتي بالعطف على الأماني الصهيونية اليهودية وهو تصريح عرض على الحكومة البريطانية وأقرته وهو:
(أن حكومة جلالته تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين: وسوف تبذل ما في وسعها لتحقيق هذه الغاية. ومن المفهوم أنه لن يعمل شيء مما قد يضر بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهدوية الموجودة في فلسطين ولا بالحقوق أو المركز السياسي التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر)
стр. 1860
المقبرة البحرية
للشاعر الفرنسي بول فاليرى
تلوت المقالة المنشورة بعنوان (حول قصيدة) للدكتور طه حسين فأعجبت به إعجابي بكل ما تسطره براعة أستاذنا المفكر، فثارت رغبة نفسي في الاطلاع على هذه القصيدة المحاطة بالأسرار والتي اختلف النقاد والأدباء في تفهمها. فرجعت إلى كتبي التي اعتدت أن أتزود بها في سفري، فلم اعثر على القصيد جميعها ولكنني وقعت على قسم منها لعله يكون (خيرها) لأنه أدنى إلى الإفهام ولعله (أسوأها) إن كانت روعة هذه القصيدة تتجلى في ألغازها وطلاسمها، ولكنني حتى في هذا القسم الواضح (لم أقع إلا على ما تتنازع في تفهمه الخواطر فقلت: أمر هذه القصيدة غريب عند أصحابها فكيف عند ما يريدون أن يقرءوها مترجمة وكل مترجم قد أنتحي ناحية قد لا تجمعه بالآخر إلا رموز! ولكن الروعة الغالبة في القصيدة لا ترجع إلى ألوانها القاتمة وصورها الغامضة وإنما تعود إلى فنها. وطريقتها التي جاءت بها.
في القصيدة غموض شامل! وهل كان الغموض سراً من أسرار البيان؟ وهل في استطاعتنا أن نجعل من الغموض مرادفا للبيان؟ ولكن هل كان البيان كله مستوعبا للفن كله ? أليس من الفن الشيء الغامض والشيء المعجب والشيء المثير؟ وهو بعد ذلك كله غامض جد الغموض لا ينفتح على النفوس إلا بقدر استقرائها واستجلائها للخطوط والألوان. . وهل كان اختلاف الناس في تفهم القصيدة الواحدة عيبا من عيوبها البيانية أم قيمة رائعة للقصيدة التي يتشعب من فنها فنون ومن سبيلها الواحد سبل متعددة.
أنا أحب الكتاب الذي يصرع قارئه طوراً وطوراً يصرعه قارئه كما يحبه أستاذنا الجليل. واحب القصيدة التي لا تتركنا إلا بعد أن تموج أنفسنا بشتى أهوائها وميولها، ولكني لا أحب (ولن أحب) أن يرجى الغموض في الفن لمجرد الغموض، لأن الآمر لا يؤول إلا إلى فوضى تعمل على تقويض الفن من حيث نحسب أننا عاملون عل رفعه.
هنالك آثار فنية واضحة كل الوضوح، ولكن المطلع عليها لا يلبث أن يرتد عنها ضيّق الصدر مظلم القلب، وهنالك آثار غامضة كل الغموض لا ينظر إليها الإنسان حتى تملأ نفسه روعة وجلالا. وتفتح أمامه من لانهاية الوجود. ما سر ذلك؟ العل في الفن شيئا
стр. 1861
غامضاً غموض النفس؟ أما تحديدي لهذا الغموض وهذا البيان فهو أمر لا أقدر على إبداءرأيي فيه بعد أن أثبتت الحياة أننا كلما زدنا قيودها اتسعت آماد حريتها. وكلما قبضنا عليها من مكان أفلتت من أماكن. . ومادام هذا شأن الحياة فليس غريبا أن يكون للفن أيضا مثل هذا الشأن، والفن أسمى ما في الحياة. وإنما روعة الفن في انطلاقه لا في قيوده.
وأخيراً أخذت هذا الجزء اليسير من القصيدة وآثرت ترجمته برغم غموض معانيه، مرتقبا من أحد شعرائنا الأفذاذ أن يؤدي نجوى أستاذنا الدكتور حق تأديتها، لأنها (في الحقيقة) كما فكر الدكتور، ستخلق نوعا جديدا في الشعر يأتي على هذه الألوان البالية الباهتة. ويخلق في الأدب العربي هذه المدارس الجديدة الشعرية التي تحمل طياتها البيان الرمزي وغير الرمزي. وهذه القصيدة نظمها (بول فاليرى) في مقبرة مشرفة على البحر، فكانت خطرة فلسفية تأميلة يصف بها حالة الكون وذاتية العالم المادي الذي يرجع إليه تراب الموتى، وراحة العالم الراقد في (اللاشعور) وحالة القلق النفسي الذي يعكر علينا صفاء هذا العالم. مريداً من وراء ذلك أن تأخذ النفس نصيبها من هذه اللحظات المتتالية الحينية.
ولا أدري أأحسنت العمل أم كنت سيئا؟ ولكنها جرأة أريد بها أن أستثير غيري ممن هم أمت مني صلة بالقصيدة وصاحب القصيدة.
القصيدة
. . إنها قدسية، مغلقة … نارها توقد من غير غذاء
خيم الصمت على أرجائها … وعلى صفحتها رف الضياء
سطعت أضواؤها وهاجة … وأثارت فيّ أسباب الطرب
فظلال (كالدجى) ممدودة … وقبور رصَّعوها بالذهب
أرأيت الظل في أكنافها … حيث يرتج على الظل الرخام
وهناك البحر في غفوته … قد ترامى قرب أجداثي ونام
هاهنا أمواتنا قد جثموا … مدفئا أجسادهم هذا التراب
طاوياً أسرارهم في جوفه … النشر ينطوي هذا الكتاب؟
الوجود ائتلفت أعيانه … وتآخت فيه ألوان الصور
واستقرت لكمالٍ، وأنا … قيد تبديل خفي مستمر
стр. 1862
وحياة قد طواها ما طوى … وزعوها في غيابات القبور
جسد يأكله هذا الثرى … ودماء هي قوتٌ للزهور
أين ذاك الفن في روعته … عند ناس غالهم صرف الزمان؟
أين أرواح لهم سامية … أين ما أوتوه من سحر البيان ?
هل علا حيث علت أصواتهم=ومشت روعتهمإلا سكون؟
نثرت كف البلى أبدانهم … وسطا الدود على تلك العيون
هل لنفس أمل في حلم … ضاحك. صادقة ألوانه؟
لم يمثله لعيني خادع … طال في تمثيله بهتانه
وغداً أن ذهبت هائمة … أتراها تملأ الجو غناء؟
قدك! فالأكوان يطويها البلى … ووجودي مسرع نحو الفناء
أيها الخلد المعزى للورى … أنت جهم وجميل كالربيع
توَّجوه لعيون عشيت … عن هداها، غرَّها التاج الشنيع
حيلة الله ما أجملها … وأكاذيب ارتدت ثوب التقى
كان في الخلد عزائي فقضى … وطوى اليأس رجائي في البقا
من درى الأمر ولا يمقته؟ … يتجلى كله في جمجمة!
كيفما قّلبت أبصرتَ بها … ضحكة دائمةً مرتسمه
وبقايا ببقايا بُدِّلت … رب لحد فوق لحد يجثم
خجلت أقدامها من وطئها … ما أديم الأرض إلا أنتم!
ليس للدود اتصال بكم … يا جسوما أُدرجت في الكفن
هو بالأحياء يحيا أبدا … هو يحيا فيّ لا يبرحني!
خليل هنداوي
стр. 1863
من طرائف الشعر
آثار شوقية
فرديات من المنظر الثاني في الفصل الثالث من رواية البخيلة
تظهر حسنى الخادمة في ثوب أسود على باب حجرة من حجر منزل المرحومة الست نظيفة (البخيلة) حسنى لنفسها تتذكر ما وهبته لها الست نظيفة قبل وفاتها.
عيني أحقٌّ أنني في منزلي؟ … لا. كان لي فوهبته لجمال
غاليت في شغب الفؤاد بحبه … حتى وهبت له الثمينَ الغالي
أعطيته ما كان أصبح في يدي … من مال جَدتَّه فليس بمالي
لم يرض أن أعيش سعيدةً … ويعيش في بؤسٍ ورقة حال
أتُراه يقدُرُ خدمتي ومحبتي … أولا يمرُّ له الصنيع ببال
رحمة الله على سيدتي … وسقى الله ثراها وجزاها
حرمتني الشاش حتى ذهبت … فكستني الخَزّ في الموت يداها
وحَمتني الماء حتى احتجبت … فسقيتُ الشهدَ من فيض نداها
صار لي من بعدها منزلها … والدكاكين وآلت ضيعتاها
ثروةٌ قد نهض الجوعُ بها … ومشى الحرمانُ فيها فبناها
وهبَتْ لي كل ما قد ملكت … لم تدع من ذاك شيئاً لفتاها
ثم بعد لحظة:
لا. ذاك مال جمال … تركته لجمال
وعدتُ ما كنت من قب … لُ فوطتي هي مالي
أجل أنا الخادم والطاهية … وما أنا السارقةُ الباغية
ولا على الناس طفيلية … أجعل أموالهُمُ مالية
سمعت حديث البخل حتى صحبته … زماناً أراه كل حين واسمع
يروح ويغدو بين عينَّي صورة … ويأتي حيالي بالحياة ويرجع
سيدتي ونجعلها في … الحظ سسارا كالمثل
وانتقلت وذكرها … بالبخل فيه ما انتقل
стр. 1864
يرحمها الله فما … أنسى لها تلك الجمل
في غضب عند الحوا … ر واضطراب (وزعل)
وما واختلفنا مرة في … حَمل ولا جمل
لكن لأجل الثوم كا … ن لخلف أو حول البصل
ولم نكن من الدقي … ق وتنتهي ولا العسل
يرحمها الله وأن … لم تأت يوما يحسن
عاشت بثوب واحد … كالميت عاش بكفن
أما أنا فالشاش أو … مادون ذاك في الثمن
وبذلتي وفوطتي … طال عليهما الزمن
وأجرتي عشرون قر … شاً مع كثرة المهن
البئر لا أبرحها … خارجة وداخلة
صاعدة كالدلو ك … ل ساعة ونازله
طباخة أصنع من … لا شيء شيئاً نأكله
وانحنى على البلا … ط كل حين أغسله
وكل دكان عليّ … أجرها أُحصِّله
стр. 1865
ساعة الرضى
للشاعر الوجداني رامي
أنظري!
هذه دموع البشر جالت في عيوني
أسمعي هذا نشيد الروح فياض الحنين
يا لعينيك إذا أرسلتا … في فؤادي بارقات الأمل!
ما لخديك أضاءا وهجا؟ … الرضى! أم بادرات الخجل؟
صارحيني
لم يعد يخفي الهوى ما بيننا … بعد أن ذقناه هجراً ووصال
نادميني
كم سهرت الليل في نجوى المنى … وسألت النوم عن طيف الخيال
بادليني بالرضى رضا
أسعديني فالقضا قضى
أنا في دنيا … المنى هيمان
أنا ولهان … أنا فرحان
جمعتنا ساعة هفافة … بجناحين وداد وسلام
هذه روح الهوى رَفافةً … فاسمعي منها أناشيد الغرام
стр. 1866
من الأدب الإنجليزي:
المؤقت هو الكل
لتوملس هاردي
هدتني صروفُ الجَّد (إذا أنا يافع) … وأحداثُ دهرٍ دائماتُ التقلُّبِ
إلى صاحبٍ في الناس لم أبغ وُدُّهُ … ولم أتخيّرهُ ولم أتطلَّبُ
وقرَّ بن أسباب التواصل بيننا … أظلُّ أراه كُلّ ُصبحٍ ومغرب
ووثقنَ عهدَ الودِّ بيني وبينه … برغم اختلاف في مرامٍ مشرَبِ
فقلت: أساقيه المودة آنةً … وأوليه آيات الولا والتحبُبِ
إلى يومَ يأتي الصاحبُ المفرَدُ الذي … أرى فيه قصدي في الصحَّاب ومذهبي
فأنَ صروفَ الدهرَ شتّى كثيرةٌ … ومازالتُ ذا عمرٍ مديدٍ مُرحَّبِ
وألقي إليّ الدهر إذ أنا راتعٌ … أتيهُ وألهو في الشباب واصطبي
بحسناء رودٍ يُعجبُ الظّرفَ حُسنها … وإن لم يكن يزرى على كُلِّ معجبِ
فقلت: لي بلاغٌ إلى حينَ التقي … بمن اصطفيها في الحسان وأجتبي
وكنتُ أرجَّى منزلاً طيباً به … أعيشُ وحيداً عيشةُ المتَّرهب
فأول دارٍ صادفتني سكنتها … وإن لم تكن في الدور غايةَ مرغبي
وقلت: أدارى العيشَ فيها هنية … إلى يوم يهديني الزمان لأ طيبِ
وإذ ذاك أدلى للورى برسالتي … وأكشُف عن نور الهدى كُلّ غيهبِ
وحسبي إلى أن يسنح الزمن الذي … أميطُ به عن كل حقٍ محجَّبِ
فضولٌ من الأشغال شتى طوارقٌ … أجيل بها حيناً بنان المجرَّبِ
فهاتيك آرائي التي عشت طالباً … فأينَ حياتي من ِطلابي ومأربي؟
فلا أنا أداني اجتهادي لبغُيتي … ولا الدهرُ مما عشتُ أبغي مُقرَّبي
وما ُفزتُ من خدنٍ بخير مِنَ الذي … لديَّ ومن خودٍ ودارٍ ومطلَبِ
ولم أَرَها الا طُيوفاً تباعَدَت … مدى العمر ما تدنو إلى مُترقِّبِ
فخري أبو السعود
стр. 1867
(مقرظ لا مقرطق)
نشرت الرسالة الغراء الصادرة في أول نوفمبر سنة ١٩٣٣ كلمة تحت عنوان (قصة الشعر في الأدب العربي) بقلم الأستاذ علي شرف الدين جاء فيها (. . فقد كانوا يضعون الأقراط في آذان سقاتهم من الغلمان ويطلقون على كل منهم (غلام مقرطق) الخ.
فالأستاذ يريد بهذا أن يقول: أن الغلام الذي يوضع القرط في إذنه يسمى مقرطقاً وهو خطأ منشؤه عدم التفرقة بين القرط والقرطق، وبين المتحلي بالقرط ولابس القرطق. فالمتحلي بالقرط يسمى مقرطاً ولابس القرطق مقرطقاً، والقرطق ملبوس من ملابس العجم يشبه القباء. قال الفيروزأبادى في القاموس: القرطق كجندب لبس معروف معرب كرته، وقرطقته فتقرطق ألبسته إياه فلبسه (أهـ) وفي المصباح القرطق مثال جعفر ملبوس يشبه القباء وهو من ملابس العجم.
فأنت ترى أنهم لم يختلفوا في معنى القرطق فهم متفقون على أنه ملبوس يشبه القباء وإنما الخلاف في ضبطه فجعله صاحب القاموس كجندب وجعله الفيومي في المصباح كجعفر. (وقد حرفه المولدون) في أشعارهم كقول بن المعتز:
ومقرطق يسعى إلى الندماء … بعقيقة في درة بيضاء
وأخطأ عمر الوداعي فظن مقرطق ذي قراط في قوله:
قلت لهم لمّا بدا … مقرطق يحكي القمر
هذا أبو لؤلؤة … منه خذوا ثار عمر
وإنما هو مقرط كما في شرح الفصيح (أهـ) ولعل الخطأ تطرق إلى الأستاذ من الوداعي صاحب هذين البيتين فظن المقرطق ذا القرط كما ظن هو نفسه وعلمت عدم صحته؟
برهان الدين الداغستاني
стр. 1868
رواية الأبناء والمحبين
للكاتب الإنجليزي د. هـ. لورنس
نقد وتحليل
أراد د. هـ. لورنس في روايته أن يصور لنا فتى خيالي النزعة دقيق المشاعر في دور الانتقال الأول من حياة الصبي إلى حياة الرجل.
وليس الفتى (بول) في هذه الرواية الا فتى د. هـ. لورنس نفسه، فأبوه عامل خشن من عمال المناجم يعول أسرته بعمل ذراعيه ولا يعرف من لذات الحياة غير المأكل والمشرب ولا سيما الأخير منهما. وأما مسز موريل أمه فامرأة من أسرة من الطبقات المتوسطة، كان أبوها مهندسا وكان رجلا كبير الجثة جميلا باديالعظمة فخوراً بلون بشرته الأبيض وزرقة عينيه وفخوراً أكثر باستقامته، وقد شابهت جرترود (اي مسز موريل) أمها في ضآلة البنية ولكنها ورثت خلقها بما فيه من تكبر وشدة حساسية من أسرة أبيها.
ومع ذلك تزوجت هذه المرأة المهذبة من ذلك العامل الخشن، فقد قابلت وهي في الثالثة والعشرين من عمرها فتى من وادي أرواش في حفلة من حفلات عيد الميلاد، وكان موريل عندئذ في السابعة والعشرين من عمره، وكان جميل الجسم معتدل القامة ظاهر النشاط ذا شعر أسود متوج لامع ولحية سوداء قوية لم تحلق قط، وتلوح على خديه علائم الصحة، ويلفت النظر فمه الأحمر الرطب لأنه كان يضحك كثيرا ويضحك من أعماق قلبه، وقد وهب، تلك الموهبة النادرة أعني الضحكة القوية الرنانة، ولاحظته جرترود فسحرت به، وكان مليئا بالألوان والحياة ويتنقل صوته بسهولة إلى المضحك الغريب، وكان سريع الخاطر ظريفا مع الجميع، وكان أبوها يميل إلى الفكاهة النازعة إلى السخرية، ولكن هذا الرجل يختلف عنه، ففكاهته ناعمة بعيدة عن التعمق الذهني وحارة فيها نوع من اللعب.
أما هي فكانت على الضد من ذلك ذات عقل دائم التساؤل قابل للمعلومات يجد لذة كبيرة في الإصغاء إلى الآخرين وكانت ذكية في جر الناس إلى الكلام، تحب الآراء وتعتبر مثقفة تثقيفا كبيرا، وتحب بنوع خاص المناقشة في الدين والفلسفة والسياسة مع رجل مهذب، ولكنه لم تكن تمتع بهذه الفرصة كثيرا، لذلك تحمل الناس على أن يتكلموا معها عن أنفسهم وتجد في ذلك لذة كبرى، وكانت في شخصها ضئيلة ورقيقة ذات جبهة عريضة تتساقط
стр. 1869
عليها عناقيد من الحرير الأسمر المجعد، وعيناها الزرقاوان مستقيمتان أمينتان باحثتان، يداها جميلتان كسائر أهلها وملابسها دائما ذات لون قاتم فتلبس رداء من الحرير الأزرق الغامق، وتضع سلسلة فضية ذات شكل خاص ودبوس كبير من الذهب المجدول، هذا كل ما تتزين به، وكانت بعيدة عن الأهواء شديدة التمسك بالدين، مليئة بالصراحة الجميلة.
فتن والتر موريل عندما التقى ناظراه بناظريها فكانت عند هذا موضع غرابة وسحر إذ كانت سيدة فهي إذا كلمته نطقت في لفظ جنوبي وفي إنجليزية يرتعش لسماعها.
ليس موضوع الرواية حب ولتر موريل عامل المناجم أو تزوجه من جرترود كوبارد، وإنما موضوعها أجل من ذلك، ولكنن أردنا أن نسوق شيئا من وصف الرواية لهما كي نتعرف إليهما قبل أن نتعرف إلى أبنهما الصبي بول موريل.
وليس بول بكر أولادهما، فوليم موريل كان أكبر الأولاد واليه تحول حب الام حين حل الجفاء بينها وبين زوجها محل الحب الأول، إذ لم تلبث السيدة موريل، وهي المهذبة المثقفة أن أكتشفت حقيقة زوجها ورأت وراء ذلك الجسد الذي سحرها بفتوته روحا خشنة غير مهذبة، وأخذ زوجها كزملائه يقبل على الكأس فلا يذهب إلى البيت إلا ثملاً وإذا كان ثملا، كان جافا تبدو خشونة طباعه.
تحول حب الأم إلى الأبناء ولا سيما الابن الأكبر وليم وصممت بعزيمتها الفولاذية على أن يكون أبناؤها مثقفين بارزين في مضمار الحياة، وكان وليم فتى طموحا يميل إلى التعليم وقد تمكن من أن يجد عمل كاتب في أحد المحال القريبة من قريتهم ثم انتقل إلى عمل في لندن وصارت زيارته للأسرة عيداً من الأعياد.
واحب وليم فتاة من الكاتبات في لندن وعزم على الزواج منها فقدمها إلى عائلته وكانت فتاة كثيرة الأهواء محبة للمظاهر ورأت الام بعين الحنو أنها لا تصلح لابنها ولكن بعين الحنو أيضا سكتت على مضض.
على أن الفتى كان يكتشف حبيبته شيئا فشيئاً، ورفع الستر عن عينيه كما يدل على ذلك حديثه في زيارته الأخيرة لأسرته، وكان ذلك في مساء يوم السبت.
وقد خاطب أمه مرة واحدة ذلك المساء وكان يتكلم عن حبيبته في لهجة الحزن والألم:
ولكنك تعلمين يا أماه لو مت لتألمت شهرين ثم تأخذ في النسيان، وسترين إنها لن تأتي إلى
стр. 1870
هذا المسكن لتنظر إلى قبري لن تأتي مرة واحدة.
فقالت أمه: ولكنك لا تموت يا وليم، فلماذا تتكلم عن الموت؟) على أن القدر رسم له أن يموت، فقد عاد إلى لندن في منتصف ليل الأحد وفي يوم الثلاثاء تسلمت مسز موريل برقية بأن أبنها مريض، فأسرعت إلى القطار ولا ريب في أن الام كانت تشعر ذلك الشعور الخفي بالكارثة، ولا ريب في أنها كانت تقاوم ذلك الشعور وتغالبه فلا تستطيع، ووصلت إلى لندن لتراه يموت بين أحضانها دون أن يتعرف على أمه.
أن الصفحات التي وصف فيها د. هـ. لورنس دخول الموت إلى هذه الأسرة من أروع ما كتبه.
تحطمت آمال الأم في وليم فتحولت إلى ابنها بول ونشأ بول كما نشأ جميع أفراد العائلة على حب الأم وعلى أن يعتبر أباه خارجا عن الأسرة، ونجد صورة من ذلك في مرض حدث له وهولا يزال صبيا:
(أصيب الغلام بنزلة صدرية ولكن لم يهتم لها كثيرا، فأن ما حدث قد حدث، وليس ثمة فائدة من مقاومة الأشواك، وكان يحب المساء بعد الساعة الثامنة عندما تطفأ الأنوار ويستطيع ان يترقب لهيب نيران الموقد يبدد ظلام الحائط والسقف، ويرى ظلالاً عظيمة تتموج وتضطرب، وكأن الغرفة امتلأت برجال يتقاتلون في سكون. كان الاب يدخل غرفة المريض قبل أن يأوي إلى فراشه ومن عادته أن يكون في نهاية الرقة إذا مرض أحد في البيت ولكنه كان يعكر جو الغرفة لدى الغلام.
سأل موريل في رفق: هل أنت نائم يا بني؟
فأجاب الغلام: لا! هل أمي آتية؟
أنها انتهت الآن من طي الملابس، أتريد شيئا؟ وكان موريل يخاطب أولاده بلهجة الاحترام.
- لا أريد شيئا ولكن هل تغيب طويلاً؟
- لا تغيب طويلا يا بني
ووقف الاب برهة في تردد فوق الطنفسة المبسوطة أمام الموقد وقد شعر أن أبنه لا يريده، ثم ذهب إلى أعلى السلم وقال لزوجته:
стр. 1871
- أن الطفل يريدك! هل يستغرق عملك وقتا طويلا؟
- لن أتركه حتى أنتهي منه، قل له ينام.
فقال الوالد لابنه في لطف: أنها تقول لك نم.
فألح الغلام: أنني أريد أن تأتي.
فنادى موريل من السلملن ينام حتى يراك.
- كفي! فلن آتي حتى أنتهي من عملي، ثم كفاك صياح من أعلى السلم، فأن الاطفال الآخرين. . .
فقال الاب: لن تغيب طويلاً
وظل الاب يجول في الغرفة، وبدأ على الغلام القلق وكأن وجود أبيه زاد من نفاد صبره، وأخيراً وقف موريل أمام أبنه لحظة ثم قال في صوت رقيق: ليلة سعيدة أيها العزيز.
فأجاب بول: ليلة سعيدة ودار بجسمه إلى جانبه الآخر وقد شعر بالارتياح لأنه صار وحيدا.
وكان بول يحب أن تنام أمه معه، ومازال النوم في أكمل حالاته على الرغم من أقوال الأطباء عندما يشترك فيه المحبوب فأن حرارة الروح وطمأنينتها وأمنها والراحة الكبرى في تلامس الجسدين تربط النائم بالنوم بحيث يكون الجسد والروح في غايته وقد رقد بول إلى جانبها ونام وتحسنت حالته، أما هي والنوم لا يزورها سريعا فقد نامت بعد ذلك نوما عميقا أعاد إلى نفسها قوة الإيمان).
ولكن الأمهات لا يلبثن أن يجدن منافسات لهن في أبنائهن، ورواية الأبناء والمحبين، إن هي إلا قصة ذلك النضال الخفي الذي يقوم بين الام وبين تلك التي تريد أن تحول قلب ابنها إليها.
ففي مزرعة ويلي وجد بول حبه الأول: فتاة هي أخت لأصدقائه أولاد أصحاب المزرعة.
كانت مريم ذات نزعة خيالية وكانت كبيرة التعلق بأمها (وكان كل منهما ذات عينين عسليتي اللون، وذات نزعة صوفية؛ فكانت من أولئك النساء اللاتي يكتنزن الدين ويتنفسنه من أنوفهن، وكانت مريم تظن الله والمسيح شخصاً واحد تحبه حبا شديدا وتخشاه). . . .
(وكانت هذه المخلوقة لا تهتم لجمالها الخجل المتوحش المتوقد الحساسية بل لا تكفيها تلك الروح ذات النزعة الشعرية فكانت، تبحث عن شيء أخر يقوي ما طبعت عليه من
стр. 1872
كبرياء، لأنها شعرت بأنها تخالف غيرها من الناس، ولكنها نظرت لبول نظرة أخرى فهي بوجه عام تكره الرجال، على أنه رأته من نوع آخر، سريعا خفيفا رقيقا قد يكون أحيانا آية في اللطف ويتغلب عليه الحزن أحيانا، وهو ذكي يعرف الشيء الكثير وقد طاف الموت مرة بعائلته، ورفعه في عينيها إلى السماء ما حصل عليه من المعلومات الضئيلة. .) أحبته الفتاة وأخذ الفتى ينفتح قلبه للحب، ولكنه كان حبا غريبا خفيا ممزوجا بكل ما فيها من مشاعر الدين والتقوى، وأما حب الفتى فكان فطريا ممزوجاً بتلك العاطفة التي يمتزج بها الحب كثيراً في نفس فتى تحول قريبا من دور الصبي إلى دور الرجل، وقد رأت فيه الفتاة مثلا أعلى للرجل المتصف بأكمل الصفات، أما الشاب ذو الشفة المرتعشة بحرارة الشهوة فكان ينظر إلى الحب من ناحية أخرى. لم يلبث الفتى أن مل هذا الحب، وأراد حبا أكثر إنسانية وأقل تطلعا إلى الملائكة، ووجده عند كلارا التي كان يعمل معها في محل واحد.
تعلق الفتى بها وتعلقت به، وتجاذب النفسان تلك العاطفة تجاذبا، نقرأه بدقائقه في هذه الرواية، ولكن شيئاً واحداً كان يحول بين توافق هذين القلبين كما كان يحول بين توافق بول ومريم. الواقع ان هناك حبا آخر عنيفا محطما كان يعمل دائما على التفريق، وهذا الحب المحطم هو حب الام لولدها، فبول كان شديد التعلق بأمه وأمه شديدة التعلق به والحنو عليه، فلما أن طمحت نفسه إلى حب آخر لم يجد إلى التخلص سبيلا، إنه لم يشعر بذلك لأن هذا الحب كان يجتذبه بخيوط دقيقة خفية لا يراها ولا يستطيع إلا أن يظل فريسة، فعندما تحول حب بول عن مريم كانت الأم تجتذبه، وعندما تحول حبه عن كلارا كانت الأم تجتذبه.
ولم تكن الأم تعمل على إبعاده ولا هي تسعى لذلك سعيا ظاهرا، بل هو تود سعادته وخيره، وتود أن يصل إلى كل ما يرضيه، وإنما نفوذها القوي عليه وحمايتها الشديدة له وعنايتها به منذ صغره وإلى أن مرضت مرضها الأخير وإلى أن لفظت آخر أنفاسها أمامه، هذا النفوذ هو الذي حطمه في صباه وقد يحطمه في رجولته.
فموضوع الرواية الحقيقي قد لا يكون حياة بول وانتقاله إلى الرجولة وتفتح عينيه إلى سر الحياة، وإنما هو: نفوذ الأم وعطفها الذي قد يكون أشد خطراً على حياة الشاب من جميع الأخطار.
стр. 1873
وتعتبر هذه الرواية من أوائل روايات (د. هـ. لورنس) ويضعها البعض في مقدمة رواياته لكن أسلوبها المصقول الحذر يتم على يد لم تكن من المران بحيث تطلق عنانها وإن كنا نرى في التحليل النفساني نبوغا لا يقل عن نبوغه في خير رواياته.
حسن محمود
стр. 1874
العلوم
نور الشمس في منتصف الليل
للدكتور علي مصطفي مشرفة
في الأقطار القطبية الشمالية لا تغرب الشمس وقت الانقلاب الصيفي (أي حوالي ٢١ يونية) بل تبقى فوق الأفق طول الأربع والعشرين ساعة. ويذهب حينئذ كثير من عشاق الطبيعة إلى الجزء الشمالي من شبه جزيرة اسكاندوناوه أو إلى اسبتزبرجن لرؤية (الشمس في منتصف الليل) كما يسمونها. ولكي نفهم إمكان حدوث هذه الظاهرة يكفي أن نتذكر أن القطب الشمالي للكرة السماوية (موضع النجم القطبي تقريبا) يرتفع عن الأفق كلما تحركنا شمالاً على سطح الأرض. حتى إذا دخلنا الدائرة القطبية صار ارتفاعه عن الأفق أكثر من ٦٦. ٣٣ْ أي أكثر من بعد الشمس عن القطب الشمالي عند الانقلاب الصيفي. وبذلك يصير شأن الشمس حينئذ شأن النجوم المحيطة بالقطب والتي تدور في حركتها اليومية في دوائر محيطة بالقطب دون أن تشرق أو تغرب. ومع أن أمر هذه الظاهرة معلوم لدى الخاص والعام إلا أن القليل منا من يعرف أنه من الممكن رؤية الشمس (لا الشمس ذاتها) في منتصف الليل دون أن نتطرف شمالا إلى أبعد من خط عرض باريس أو جنوب إنجلترا. فالشمس بعد أن يختفي قرصها المنير تحت الأفق تبقى أشعتها مضيئة للطبقات العليا من الهواء الجوي وينشأ عن ذلك نور منتشر هو الذي يعرف بالشفق. ويظهر الشفق كقطعة من دائرة تنخفض مع الشمس في انخفاضها تحت الأفق نحو ١٨ درجة أي بمقدار القطر الظاهري لقرص الشمس نحو ٣٦ مرة، ويجب أن نميز بين هذا النوع من الشفق وبين نوع آخر ناشئ عن وقوع ظل الأرض على الهواء الجوي، يظهر في الناحية الشرقية للسماء كقطعة من دائرة منيرة ذات لون أزرق قاتم يحيط بها قوس ضارب إلى الحمرة ثم يرتفع تدريجيا ويتلاشى سريعا حتى ينعدم قبل أن يصل إلى سمت الرأس. كما يجب أيضا أن يميز بين شفق الغروب وشفق الشروق الذي يظهر عند الفجر وفيه تبدو جميع مظاهر الشفق بترتيب عكسي لما ذكرناه آنفا.
وفي مصر كما في سائر البلدان القريبة من خط الاستواء تهبط الشمس عند الغروب سريعا ولذا فأن الشفق لا يبقى طويلا، ففي مصر يصل انخفاض الشمس عن الأفق وقت الانقلاب
стр. 1875
الصيفي إلى ١٨ْ بعد الغروب بنحو الساعة والنصف وعندها يحل الليل ويزول الشفق تماما.
أما في البلاد البعيدة عن خط الاستواء فأن الشمس تنحدر في غروبها صيفا انحدارا بطيئاً فيمتد أمد الشفق. وإذا راعينا أن غروب الشمس ذاته يجيء متأخرا صيفا في البلاد الشمالية أدركنا نتيجة هذين الظرفين مجتمعين في إطالة النهار. وأذكر أنني أثناء إقامتي في إنجلترا كنت أستطيع أن أطالع كتبي وقت الصيف في حديقة المنزل على ضوء النهار إلى ما بعد الساعة العاشرة مساء.
ومن الممكن إذا عُلم خط عرض المكان حساب مدة بقاء الشفق. فعند خط عرض باريس مثلا يمكن بحسبة بسيطة معرفة أن انخفاض الشمس وقت الانقلاب يصل إلى ١٨ْ عند منتصف الليل، فأن شفق الغروب يبقى إلى منتصف الليل، وعندها يبدأ شفق الشروق وبعبارة أخرى لا يكون هناك ليل حقيقي في ذلك اليوم. وفي شمال إنجلترا تبدأ هذه الظاهرة بشكل أوضح إذ يمتزج الشفقان ويبقى نور الشمس (المنعكس عند طبقات الهواء العليا) واضحاً طول الليل. وإذا قلنا إن نور الشمس يمكن رؤيته عند منتصف الليل عند خطوط العرض التي تقع شمال باريس فيجب إن نذكر ان هذا النور يكون ضئيلا، ومن السهل أن تكسفه أنوار المدينة أو نور القمر، ولذا يحسن إذا اريدت رؤيته أن يخرج المرء إلى الريف البعيد عن الأضواء الصناعية بشرط أن يكون الشهر القمري في أوائله أو آخره. ومما يساعد على حسن رؤيته وجود أجسام معتمة كالأشجار مثلا على الأفق.
стр. 1876
نوبل
للدكتور أحمد زكي
في اليوم الحادي والعشرين من أكتوبر الماضي أحتفل القوم بمرور مائة عام على ميلاد (الفريد برناد نوبي) وما كان العالم في حاجة إلى التذكير بميلاد نوبيل أو بموته فذكراه تتجدد كل عام. تجددها تلك الجوائز السنوية الخمس التي تحمل أسمه والتي أنشأها عند وفاته عام ١٨٩٦ ووقف عليها ريع ثروته الهائلة. وقد يبلغ الخمسين ألفا من الجنيهات في السنة الواحدة. قال نوبيل في وصيته. . ويقسم هذا الريع هكذا: نصيب للفرد الذي يأتي بأخطر استكشاف في الفيزياء، ونصيب للفرد الذي يأتي بأخطر ابتداع في الكيمياء أو بتجديد خطير لابتداع قديم، ونصيب للفرد الذي يأتي بأكبر جديد في الطب أو في الفسلجة ونصيب للفرد الذي ينتج في عالم الأدب أجل نتاج على أن ينحو فيه صاحبه منحي الادياليين والنصيب الخامس والأخير للشخص الذي زاد أكثر من غيره في إخاء الأمم، وجاهد في أكثر من سواه في إلغاء الجيوش أو في إنقاصها وفي جميع المؤتمرات وزيادتها تحقيقا للسلام. . وأني أعلن رغبتي الصريحة في ألا تكون لجنسية المترشحين أي اعتبار مهما قل عند القرار يمنح هذه الجوائز).
هذا نوبل كما يتراءى في وصيته: رجل حباه الله الثروة الواسعة، ومنحه العقل الذي يدرك به خطر العلوم الطبيعية في تقدم الإنسان واسعاده. ووهبه قلب الشاعر الذي يزهد في صور الكون الواقعة، وحقائقه الراهنة، لقبحها ولنقصها، ويستلذ صورا من خلق الخيال لا حقيقة لها، لأنها تمثل الكون على ما يجب أن يكون، والإنسان على أتم حال من جمال ونيل، والأشياء على أكمل اتساق وانتظام، فالنتاج الأدبي الذي يجيز عليه يجب أن يكون ادياليا كماليا لا حقيقيا واقعيا، واتسع هذا القلب حتى وسع الأمم جمعاء فخشى عليها مهالك القتال وأشفق عليها من متالف الحروب.
أما نويل قبل الوصاة، نويل القرن التاسع عشر فرجل عالم مهندس كيميائي، صرف مواهبه في استكشاف بوائق الحروب والتفنن في أساليب الموت وتشجيع القتال بأبحاثه حتى كفل للحكومات الحجة التي لا تدفع في فض الخصومات.
ولد نوبل في استكهولم عاصمة السويد عام ١٨٣٣ وذهب أبوه به صغيرا إلى عاصمة
стр. 1877
روسيا حيث أنشأ معملا لصناعة الطوربيد، ثم عاد به إلى السويد وخلَّف أخاه الأكبر قوّاما على ذلك المعمل فوسعه ومدده. وفي السويد بدأ نوبل بدراسة الناسفات. وكان الوقت ملائما لهذا الدراسة، فأن النزاع بين الدول كان يشتد وأسباب الخصام تتكاثر، وزادت الريبة وأشكل المستقبل ورأت كل أمة خلاصها من الحرب في العدة للحرب. ومن الغريب أن العالم لم يكن يعرف ويألف من الناسفات إلى ذلك العصر غير البارود، وكانت الكيمياء الحديثة قد بدأت تشب. والتفاعلات الكيماوية تدرس فتعرف فكان من الطبيعي أن تتجه الأمم في تنافسها إلى الكيمياء علها تجد عندها سلاحا جديدا أمضى من الحديد، أو مرادفا أقوى وأفتك من البارود. فدرس الدارسون وأجتهد المستنبطون، تارة يستحثهم المجد، وتارة يغريهم المال، وتارة أخرى تلهبهم القومية وما تتضمنه من ضرورة في دفاع، أو إشباع لأطماع، فكشفوا في النصف الأخير من القرن الماضي عن طائفة من الناسفات طالعنا آثارها في الحروب التي تتابعت من ذلك العهد، رأينا فعلها وسمعنا دويها في الحرب الكبرى الأخيرة التي ذهبت ببضعة ملايين من بني الإنسان.
بدأ نوبل دراسته فوقع على مادة اسمها (النترو - جلسرين) وذلك عام ١٨٦٤. وهذا المادة كان قد وقع عليها من قبله كيماوي آخر يدعى سبريرو عام ١٨٤٦ وحضرها بأسترة الجلسرين وحامض الأزوتيك الا أنه لم يحقق ماهيتها ولم يدرك خطرها في النسف وشدتها عند الإلهاب والطرق. فاتجه نوبل إلى دراستها رجاء إحلالها محل البارود، وإلى تحضيرها جملة، وإلى تعرف أسباب الحيطة لتجنب أخطارها أثناء التجهيز. ونجح في كل هذا بعد أن أصابه من مخاطرها ما لا بد منه، فحضرها مادة مائعة ثقيلة تشبه الزيت، فبدأ يشيع استخدامها في المرافق الحربية والمدنية. وهي إذا تفرقعت استحالت فجأة إلى أحجام كبيرة من غازات أهمها غاز الكربونيك والازوت والأوكسجين وبخار الماء تزيدها حرارة التحلل تمددا. حسب نوبل مقدار ما ينبعث من غاز فوجد أن الحجم الواحد من الزيت يخرج ١٢٠٠ حجم من الغاز، هذا باحتسابه في حرارة الجو العادية وتحت الضغط العادي، أما وهو في حرارة التفاعل فيبلغ ثمانية أضعاف ذلك. وعلى ذلك فهذا الزيت أقوى من البارود ثلاث عشرة مرة. إلا أنه لم يكن كالبارود لينطلق بسهولة. ومع هذا كان إحساسه عند الاصطدام كبير. ففكر نوبل ثم فكر، فخال أن يدس فيه شيئا قليلاً من البارود يصله
стр. 1878
بفتيل قابل للالتهاب يطيله كيف شاء، ثم يشعله فتسري فيه النار، حتى إذا وصلت إلى البارود في خزانته الصغيرةفانطلق بانطلاقه (النتروجلسرين). وهذه أول مرة عُرفت أطلق فيها ناسف يناسف، وهو احتيال لعب دوره الكبير في الناسفات، ولا يزال يلعبه كبيرا إلى وقتنا هذا، وبه أفلت (النتروجلسرين) من خيبة محققة، إلا أنه ما كاد يذيع حتى ذاعت بذيوعه فواجع ونكبات لوصول أيدٍ غير خبيرة إليه. وزاد في خطرة قوامه المائع ومظهره الرطب الهادئ، فطمأن اليه بلهاء نالوا منه حتوفهم. كان ينقل على عربات تجرّ، فذات مرة صرت العجل وصرّ فما كان من صاحبنا الحوذي الطيب القلب إلا أن شحمها بالزيت الذي يحمل. وكان الحطابون يزيتون به أحذيتهم ويدهنون به أعنة خيولهم، وبعد ذلك يحكونها ويلمعونها. وتكررت الحوادث وتتابعت انفجارات ذهبت إحداها بأخي نوبل، فسنت الحكومات القوانين بتحريم بضاعته، وثار حنق الجماهير على نوبل إذ تمثلوه رجلا لا قلب له يسعى لصالح نفسه، ويطلب المال مما فيه دمار الناس. عندئذ ضاعف نوبل جهده وحشده قواه ليؤمن الناس من شر تلك النكبات. فبحث عن جسم صلب مساميّ يمتص النتروجلسرين. وبعد تجارب عدة في هذا السبيل وجد أن (الكيزلجور) يمتص أكثر من سواه. والكيزلجور طفيل ذو مسام كثيرة، أصلة نباتات من الطحالب العائمة التي تعيش في البحار والأنهار على السواء ذات خلية واحدة متسلس جدارها، ماتت فرسيت هياكلها فتكونت منها طبقات كثيرة ُتستعدن الآن. وهي في الجلاء وفي أراض أخرى. فخلط نوبل سحيق هذا الطفل بثلاثة أمثاله من النتروجلسرين فتشربه وتكون منها خليط ناسف أسماه (الديناميت) كان أضعف من النتروجلسرين قوة ولكنه كان أكثر أتزانا منه وأقل حسا بالصدمات وآمن في النقل، فأطمئن الناس إليه وذاع أمره في البلاد شرقا وغربا.
الا أن هذه الرخاوة في مزاج الديناميت والهدوء في طبعه لم تعجبا نوبل (وساءه) أن يُحصِّل الأمن بإضاعة شدة الناسف ويشتري الطمأنينة ببيع شيء من قوة الانفجار، فقام لساعته ينقب عن مفجر جديد يجمع إلى شدة النتروجلسرين وأمن الديناميت، يشفع قوة الأول بطمأنينة الثاني، فخرج بعد الكد والصبر والتعرض للأخطار إلى مخلوق جديد أسماه (الجيلاتين الناسف) وهو مزيج من مادتين كلتاهما ناسفة، أولاهما (النتروجلسرين) وأخرهما (النتروسليولوز) وهو القطن بعد معالجته بحامض الازوتيك، ويتألف من خلطهما
стр. 1879
جسم كالفالوذج مظهرا، وهو الموت والدمار مخبرا.
وعالج نوبل هذا الفالوذج الجديد (بالسليولويد) أو (الطبخ) فوقع على مفجّر جديد أسماه (باليستيت) من خواصه أنه إذا انفجر لا يملأ الجو بالدخان، وهو من نوع الناسفات الشائعة في الجيوش اليوم. وكان قد أتصل بالحكومة الإنجليزية يعمل معها، فسجلت هذه الحكومة ناسفاً جديداً أسمته (كورديت) كان يشبه (الباليستيت) شبها قويا، فخاصم نوبل عليه وادعاه لنفسه واتفقا معا على رفع الأمر للقضاء والرضاء بما يقسم دون أن يعكر ذلك ما بينهما من صفاء، وكانت قضية فيها تعقد وفيها إبهام، وكان فيها للقضاة لا شك حيرة كبيرة، وأخيراً فازت الحكومة، فغرم نوبل ثلاثين ألفا من الجنيهات، فغاظة ذلك وترك في نفسه أعقابا.
أن الناسفات أداة للدمار السريع الشامل تنزل على البلد ذي الأهل الكثير والسكن المشيد فلا تترك فيه لا أهلا ولا سكنا، وتذهب في ساعات أو أيام بآثار للمدنية ظل المجهود الإنساني يعمل فيه القرون، آثار لا تقتصر على أبنية ضخمة، ومكاتب مشيدة، ودور للتحف مليئة، ومنشآت للصناعات وسيعة، بل تشمل أكبر أثر وأثمن خلف، ذلك الإنسان نفسه، تلك الجماجم البشرية التي تَطيح وبها تراث الأمم وثقافات الأجيال وودائع الدهور. والناسفات كذلك أداة للخير فقد أفادت الإنسان ونفعت العمارة والمدنية بتكسير الصخر وتفكيك الحجر وخرق الأنفاق وثقب الجبال وفي حفر القنوات حيث الأرض صلدة لا ينفع فيها عضل السواعد. والمقدار الذي يستنفد منها في ذلك أضعاف ما يستهلك في الحروب. والمنشآت الهندسية الكبرى كقناة بنما والسكة الحديدية الكبرى في أمريكا الشمالية التي تصل المحيط الأطلسي بالهادي، وبناؤها برغم الجبال العاتية التياعترضت بناءها، وغير ذلك من المستحدثات العالمية الخطيرة شواهد لا تنازع على ما أدت الناسفات من خدمات جليلة يرد نصيب كبير من الفضل فيها إلى نوبل.
استخدم نوبل في شبابه وكهولته رأس الشاب وحيلة الكهل في فك قيود عن قوى للطبيعة عاتية، ولعله رجا ان تكون وسيلة لمغالبة الطبيعة لا مغالبة الإنسان، ثم رأى حقيقة ما صنع شيخاً، وأحس خيبة ما أمل، فصرف أواخر أيامه في بث الدعوة إلى السلام، وتخيل فعلاً للأمم نظاما أشبه شيء بجامعة الأمم الحاضرة وقد ولدت بعد وفاته بربع قرن. وكأنما أراد أن يكفر عن الخراب الذي جاء الأمم على يديه في حياته، والخراب الذي خال أن
стр. 1880
يجيئها بما اقترف بعد مماته، فوقف كل ما جمع من صناعة الدمار لدره الدمار، فلنستقبل ذكراه معجبين منه برأس العالم المحتال، وقلب الإنسان النبيل.
стр. 1881
العالم النسائي
رسالة المرأة
للآنسة أسماء فهمي
درجة الشرف في الأدب
أختص الرجال بالنبؤة دون النساء، وعد الرجال ذلك الاختصاص بطبيعة الحال بابا للتفاوت بينه وبين المرأة ومبرراً للتعالي عليها، ولكن المرأة، وأن لم تنل هذا الشرف في الأديان السماوية فأنها في الأمم الوثنية القديمة كمصر واليونان قد بلغت من تقدير الإنسان حد التأليه فعبدها السنين الطوال. . وأقام لها أبدع الهياكل وأجمل التماثيل والنصب، فكانت مثلا المعبودة ايزيس التي عدها قدماء المصريين رمزا للفضائل النسوية من حنان وشجاعة وصبر ووفاء، تنافس الآلهة الآخرين بوفرة قرابينها وكثرة قاصديها. وكذلك عبد افروديت وفينوس ملايين البشر من إغريق ورومان، إذ كانتا رمزاً لصفة مرغوبة في المرأة وهي الجمال، منبع الوحي والإلهام. والعرب الذين لم يقيموا التماثيل للمرأة لا في جاهليتهم ولا في إسلامهم جعلوها حلية في صدر قصائدهم التي لهاما للهياكل المصرية من جلال وفخامة وما للتماثيل الإغريقية من خلود وجمال، فجرت العادة أن يترنم الشاعر باسم المرأة في مطلع قصيدته وإن لم يكن الموضع موضع غزل وهيام، وذلك اعتراف بليغ بما للمرأة من أثر في عبقريتهم وفنهم.
والعالم الحديث يقدر ما في المرأة من قوة الوحي والإلهام بطريقة لا تختلف كثيرا عن طريق الأقدمين. ففي الفن مثلا تستخدم المرأة للتعبير عن العواطف السامية والمعاني الرقيقة فنرى، وات الفنان القدير يمثل الأمل في غادة فتانة تجلس على سطح الكرة الأرضية تحت سماء لا يبزغ فيها غير نجمة واحدة ترسل قبسا ضئيلا من الضوء، تحاول أن تعزف نغما على قيثارة ليس بها غير وتر واحد. . كذلك تشان يمثل الربيع بما فيه من حيوية متدفقة، وأمل باسم، وجمال فاتن في (فلورا) الشهيرة ذات الحسن الرائع. والمثال المصري (مختار) في تمثال نهضة مصر، يمثل مصر الحديثة التي أخذت تلقى جانبا أغلال الخمول بفتاة قروية ممتلئة جمالا ونشاطا ولم نذهب بعيداً في ضرب الأمثلة وبين
стр. 1882
أيدينا غلاف مجلة (الرسالة) ترى فيه المرأة حاملة شعلة الوعي والثقافة؟ على أن وحي المرأة ورسالتها لا يقتصران على عالم الفن وإنما يلعبان كذلك دورا خطيرا في الحياة العملية وخصوصا في أشد ظروف الحياة صعوبة وخطرا، فترى المرأة تصحب الجيوش إلى ميادين القتال لا لتضميد الجراح فحسب، بل لتقوية العزائم وبث روح الاستبسال والتضحية في النفوس أيضا.
ذلك هو المكان الرفيع الذي تشغله المرأة في الحياة فضلا عن وظيفة الأمومة التي تستدعي الإيحاء باستمرار إلى الأبناء، والمرأة الصمرية بصرف النظر عن وظيفتها الخاصة تحمل رسالة مزدوجة لبنات جنسها ولأبناء وطنها وهم في فترة التطور الحرجة.
وماذا عسى أن تكون هذه الرسالة التي تضطلع بأعبائها المرأة؟ أن الشهد لا يصنع إلا من رحيق الزهر، ونموذج الفن لا يوحي إلى النفس بالكمال إلا إذا بلغ نهاية الإجادة. . فمن الطبيعي إذن أن تكون رسالة المرأة هي حثها على أتباع ما يجعلها أهلا للوحي والإلهام بان تعمل على تجميل النفس قبل تجميل الوجه والثوب، فإذا لم تسم روح الفتاة وتعل همتها لا تصلح للقيام بمهمتها. فالفتاة العابثة المستهترة التي تكتفي بالقشور من ألف صنف للتمويه والتغرير. والفتاة التي لا تعيش لمثل أعلى بل لا تخرج عن عالمها المادي المحسوس وضروريات الحياة الأولية، لا يمكن ان ترفع إلى سماء الوحي لأن المادة المتغلغلة فيها تقعد بها عن النهوض والسمو.
ورسالة المرأة للرجل تنسجم مع رسالتها السالفة وتتفق مع أغراض وحيها، فتيار المادة في نفس الرجل ونفس المرأة قد طغى وأقام حجابا بينهما وبين المثل العليا. وأصبحنا في عصر قلما يصغي فيه لوحي غير وحي المنفعة الذاتية، ونتج عن ذلك ضعف روح الاستبسال من أجل الوطن والمبدأ والعقيدة، وصرنا نفر من المقاومة إذا أبصرنا الخصم أكثر منا عددا وأعظم عدة، فكأن الغرض مجرد الانتصار لا تأدية الواجب وإراحة الضمير بصرف النظر عن النتائج. فرسالة المرأة في هذه الحال هي الحث على العودة إلى تعاليم الفروسية، لأن أهم ما يفتقر إليه الرجال حقا هو تلك الروح السامية التي أكسبت العصور الوسطى جل مالها من جلال ووقار. فقد كان الفارس يخوض المخاطر ويركب الأهوال في سبيل عقيدته ووطنه، وكان يضع الشرف والكرامة فوق الحياة نفسها، ويرتبط بالعهد
стр. 1883
ارتباطه بدينه. وليس معنى الرجوع إلى ذلك العصر هو أمحاء تلك الفضائل في عصرنا، فالواقع أن تلك الصفات تسود اليوم أكثر بلاد العرب، وهي مصدر ما يعتز به من إباء وكبرياء واستقلال وحرية.
وهناك غرض آخر لاختيار ذلك العصر، فقد كان على رغم خشونته وقسوته مدينا بالكثير من فضائله إلى وحي المرأة. إذ قضت التقاليد أن يتطلع كل فارس إلى سيدة شريفة يتوسم فيها العظمة والنبل فيعمل على كسب إعجابها بأن يخوض الغمار باحثا عن المجد مدفوعا بروحها مترنما بذكرها.
فإذا كانت المرأة قد قامت بمثل هذا الدور برغم انحطاط مركزها وفي عصور امتازت بقسوتها وبأن الكلمة العليا فيها كانت للسيف، فهل تعجز المرأة الراقية في عهد الاستقرار والأمن عن أن تلهم أشبال السلم هي التي على ضعفها قد ألهمت أسود الحرب؟
стр. 1884
ليلى الاخيلية
آخر منظر من حياتها
للآنسة سهير القلماوي. ليسانسيه في الآداب.
الصحراء هادئة نائمة لا يحرك رمالها إلا ريح خفيفة ناعمة تهب بين آونة وأخرى. والليل ساكن صاف، والسماء سوداء قائمة لولا نجوم تضيء هنا وهناك: وأقبل المسافران يتهاديان على جمليهما، وعلى مسافة منهما سار قومهما. وكأنما كان هذان المسافران رسولي حركة وحياة لهذا السكون المهيب، فقد هبت بقدومهما رياح عنيفة شيئا، فأزعجت رمال الصحراء المستكينة الهادئة.
ولو أن ليلى الاخيلية سلمت … عليّ ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقى … إليها صدى من جانب القبر صائح
المسافران أمراءه وزوجها، والتفت الرجل إلى المرأة وكأنما وجد في هذه الرياح الجديدة سببا يقطع به هذا الصمت الذي لازمهما منذ بدء رحلتهما. ولكن المرأة كانت ساهمة ذاهلة فلم يقو على الكلام. لقد كانت تشع منها قوة عجيبه تضطره بل تضطر كل شيء حولهما إلى السكون والهدوء احتراما لتفكيرها وحزنها. ورفعت المرأة رأسها في هدوء، واتسعت عيناها متجهتين نحو نقطة صغيرة لاحت لها في الأفق القاتم من بعيد. وظلت عيناها عالقتين بهذه النقطة وكأنما ربطتا إليها ربطا. ثم اتضحت هذه النقطة شيئا فشيئافإذا بها أكمة صغيرة. هذه هي الأكمة التي كانت تفكر فيها، هذه هي الأكمة التي كانت تتحرق شوقا للوصول إليها ورنت الأبيات للمرة المائة في إذنيها بصوت عميق هادئ. ترى أيجيب حقا؟ لقد كان صادقا لم تعرف له كذبة قط ولكن من سمع بميت يجيب حياً. .؟ توبة.! لقد مات! نعم مات فبكيته ورثيته. . أأكون حالمة؟ وهل أفيق من حلمي فوق هذه الأكمة؟ نعم سأفيق، سيجيبني، سأخلص من هذا العذاب الذي يحرق أعصابي حرقا. . ولو أن ليلى الأخيلية سلمت. . لسلمت تسليم البشاشة. .
ظلت ليلى تردد الأبيات مفكرة وعيناها عالقتان بالأكمة التي لاحت الآن واضحة ظاهرة، ورأى الزوج الأكمة فعبس وقال لنفسه لن تمر ليلى بهذه الأكمة حتى تصعد إلى قبر توبة. وثارت في نفسه ثورة الغيرة وأخذ يتساءل ساخطا حانقا: أيمكن أن يكون حب كهذا؟ لقد
стр. 1885
أحبته فتاة، ولكنه تزوج غيرها وتزوجت غيره فلم يضعف هذا الحب، وهاهو ذا الآن قد مات ودفن ويلي جسمه ولكنها مازالت تحبه، لم أقو أنا على محو ذكراه، لم أقو أنا على ملء فراغ تركه بموته، نعم لم أستطع إزاء هذا الحب شيئا. .
ظل يغلي في ثورته، وظلت هي في تفكيرها الحزين المؤلم، حتى وصلا إلى الأكمة، فاتجهت إليها صاعدة، ولكن زوجها صاح بها حانقا ثائرا. .
- ليلى! إرجعي لن تصعدي
ولكنها أجابته بصوت حزين وكأنها لم تلحظ ثورته
- أتمر ليلى بقبر توبة فلا تجيبه؟ وصاح بها ثانية!
- ليلى! بربك لا تصعدي، لقد مات توبة ولن تجديه تحيتك شيئا.
وصدمتها كلماته صدمة عنيفة. لقد مات توبة ولن تجديه تحيتي! كلا كلا توبة لم يمت! إن روحه حية، إن صوته مازال يرن في إذنيها، فلو أن ليلى الاخيلية سلمت لسلمت. . نعم سيسلم علي، سيجيب.
لم تجبه واستمرت في طريقها صاعدة، ناداها، فلم تجب، وتوسل إليها فلم تسمع، وهددها فلم تحفل له، إن توبة يدعوها من فوق الأكمة ولن يصدها عن دعوة توبة أحد.
وقفت جانب القبر خاشعة حزينة مضطربة تنصت لدقات قلبها وقد خيل إليها أن صداها يملأ السهل، لم تكن تحس الا أن توبة هنا، فهذا قبره حيث رقد من زمن. إن روحه تملأ المكان وصورته تملأ عينيها، وصوته يرن في إذنيها، ستناديه
وسيجيب، ولكن لم تقو على فتح فمها. . تجلدت قليلا قليلا ثم استطاعت أن تفتح فاها، وأخيرا أن تقول همساً:
- السلام عليك يا توبة.!
وأنصتت الإذن وظلت هكذا مرهفة، كل ما فيها يترقب، لقد أحست أنها معلقة من علو شاهق ستهبط منه بعد حين. ولكن الصمت طال وبدأت تعود إلى نفسها رويدا، بدأت تحس أن دبيباً موجعاً هو دبيب اليأس. توبة لم يجب! أخذت شفتاها تلفظان دون أي صوت: توبة لم يجب. . ثم التفتت إلى القوم في صوت يائس مخزون وكأنها تحدث نفسها:
- والله ما عرف له كذبة قط قبل هذه! ألم يقل:
стр. 1886
ولو أن ليلى الاخيلية سلمت … عليّ ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقى … إليها صدى من جانب القبر صائح
فما باله لا يسلم عليه كما قال؟
وأحس امجمل بوجود ليلى ووجوم القوم معهما فاضطرب واضطرب الهودج معه. ولكن ليلى لم تحس شيئا، لقد كانت تنتظر في أيمان صادق قوي جوابا من القبر، ولم تستطع الحقيقة أن تقتلع هذا الإيمان بعد. . فهي مازالت منتظرة. . توبة لم يسلم عليها ولكنه لن يتركها هكذا. .
وكانت إلى جانب القبر بومة كامنة، فلما رأت الهودج واضطرابه فزعت وطارت في وجه الجمل فنفر فرمى ليلى على رأسها فماتت من وقتها فدفنت إلى جنبه
أن توبة لم يكذب في حياته، فكيف يكذب في مماته؟
стр. 1887
النجم أقرب
قال الصغير وقد رأى … في الليل نجما قد تلهب
أبتي، بربك هاته … كيما أسرّ به وألعب
فأجابته هذا بعي … د، ليس كل مناك يطلب
فمشى ولاحت دوننا … سيّارة للأرض تنهب
روعاهُ يجتذب العيو … ن كأنها في الأرض كوكب
فدنا وقال: إذن فمر … كبة كهذي حيث أركب
فوجمت، ثم أجبته: … النجم يا أبني كان أقرب!!
محمود عمار
стр. 1888
القصص
قصة مصرية
تقاليد
للأستاذ محمد سعيد العريان
لم يكن حامد قد أتم دراسته العالية حيث بدأت تقوى صلته بصديقه حسين أفندي، ولم يكن الحديث يبنهما كلما تقابلا يتجاوز السؤال عن الصحة والأنجال، والذكريات القريبة عن جهادهما في صفوف الشباب الوطنيين، ولا يذكر حامد أنه زار صديقه حسينا في منزله غير بضع مرات كان في معضمها مريضا، وما أكثر ما يشكو المرض! ومرة دعاه حسين أفندي إلى زيارة منزله فلبى. وكانت هذه أولى زيارات متتابعة قوت بينهما رابطة الإخاء والود، وزادت إخلاصهما تمكينا وقوة.
كانت منيرة بنت حسين أفندي فتاة فارعة الجسم، معتدلة القامة، خمرية اللون، فاتنة النظرة، عذبة نغم الحديث، تبدو في انوثة فاتنة نضجت في شعاع ثمانية عشر ربيعا. ورآها حامد فأعجبه أن يتحدث إليها، وأن تتحدث إليه، وأن يشعر في أثناء ذلك أنه موضوع اهتمامها حين تسأله عن حياته في القاهرة وحيدا أيام الدراسة، وابتدأ أهل البيت يرتاحون لزياراته في ثقة واطمئنان، وابتدأ هو يحس الشوق كلما اخلف موعد هذه الزيارة. وصار من المألوف أن يزورهم كل يوم، وأن يسألوا عنه كلما غاب. وانتهى الصيف وعاد حامد إلى القاهرة يستقبل العام الثاني من دراسته في كلية العلوم، ولكنه لم يشعر بالاستقرار وهدوء البال اللذين كان يشعر بهما في العام الماضي، وإنما كان كثير الحنين إلى البلد حيث قضى أيام الصيف. أهو شعور السأم من الوحدة في بلد تذوق كل ما حل من لذاته، أو ملل الدارس طال به انتظار الثمرة، والحنين إلى أهله والصفوة من أصحابه في البلد الذي نشأ فيه؟
لم يستطع حامد أن يجيب على هذا السؤال إلا بعد أيام حين وصلته رسالة من صديقه حسين، أودعها شوقه وتحيته، يخبره أن منيرة مريضة منذ أيام. ما كان أسرع صاحبنا حينئذ إلى كتابة جواب هذه الرسالة، على كسله وتوانيه في كتابة الرسائل! لم يذكر شيئا
стр. 1889
من رسالة صديقه الطويلة ذات الصفحات الأربع غير مرض منيرة، ولم يكتب شيئا في جوابه غير السؤال عن منيرة والاهتمام بها، والدعاء لها! وفي صندوق البريد ألقى الجواب، ثم خرج منفردا في نزهة وراح يفكر. . . وبدا له انه كان متسرعا كل التسرع، عجلا كل العجلة، فيما ضمن جوابه من عبارات، أي صلة بينه وبين حسين أفندي تسمح له ان يهتم كل الاهتمام ببنته، وأن يصرح بالشوق إليها، والألم الموجع لمرضها في كتاب لأبيها وليس من التقاليد أن يتكلم الشبان عن بنات أصدقائهم بهذه اللهجة الناعمة المفتونة؟ ولكن حامد نفسه لم يكن يعرف لماذا كتب ذلك، ولا كيف اندفع إليه ونسى التقاليد والأدب اللائق، أكان يحبها وهذا وحي عاطفته ودافع وجدانه؟ ربما!
بلغته رسالة أخرى من صديقه حسين أفندي، فلم يكن بها ذكر لمنيرة أو نبأ عنها. أكان تجاهلا مقصودا؟ وهل كان ذلك عن أثر رسالته؟ ترى ماذا كتب فيها؟ لقد نسى كل ما جرى به قلمه، ولم يذكر إلا أنها كانت رسالة تجاوز بها التقاليد التي يدين بها حسين أفندي أكثر مما يحرص حامد على نبذها. .
وكأنما انقطعت عنه أخبار صاحبته منذ أمد طويل لا منذ أيام، وابتدأت تغزو فكره مرات في اليوم الواحد، أو أخذ يذكر حديثها ويستعيد الكثير مما ينكره ويردده بلسانه في لحن عذب الإيقاع، وطارت حولها أمانيه، وعقد بها مستقبلة. لقد كانت وهي بعيدة أفتن منها بين عينيه! ولم يشغله فيما تلا ذلك من أيام إلا أن يحصى كما بقى من الزمن ليعود إلى هناك. . .
وكثرت زياراته للبلد: زارها مرتين في الشهر الأول، وثلاثا في الشهر الثاني، وكان في كل زيارة من هذه الزيارات يجد نفسه مسوقا إلى ناحية بيح حسين أفندي، فيقضي هناك بعض الوقت قبل أن يزور أمه وأخوته. ورأى في ترحيب صاحبته به، وسرورها بمقدمه معنى لم تنكره عيناها، واعترفت به ضغط يدها عند اللقاء وعند الوداع. لم تعد به حاجة لأن يسأل نفسه عن سر ذلك، فقد أيقن أنه وأنها. . .
وأضمر أمرا وأسره إلى صديق، فقد كان يفكر في أن يختارها لنفسه زوجة، ولكن أتراه يستطيع أن يقدم على ذلك وهو ما يزال طالبا بينه وبين رجولة الأزواج أعوام ثلاثة؟ وماذا عليه لو خطبها إلى أبيها وطلبه إليه أن ينتظر حتى يتخرج، أتراه يقبل ذلك ويرضاه لها؟
стр. 1890
وكيف يبدؤه الحديث، بل كيف يتحدث الناس في هذا الشأن؟ لقد مات أبوه منذ سنوات، والأب هو الذي يستطيع أن يتحدث بأسم ولده في مثل هذه الشئون. . . ولم يطل به التفكير في ذلك، فقد ذاع ما حسبه سراً بينه وبين صديقه حتى وصل إلى مسمع الوالد!
وزار البلد بعد ذلك ولكنه لم يسعد بلقاء حبيبته، فقد حجبوها عنه، وأقاموا بينها وبينه التقاليد، أي أغلقوا دونهما الأبواب وأرخوا الستور. قد تكون أسعد منه الآن. فهي تستطيع أن تزيح السجف لتراه كلما زارها، ولكنه لا يراها وليس إلى لقائها من سبيل! وأبتدأ الدور الثاني من أعراض الحب، وعصف الشوق بقلبه، وعبث بلبه، وسيطر على ذات نفسه. وانصرم العام لا يذكر أنه رآها في خلاله أو استمتع بها غير نظرات كجسو الطير، ما كان أفرحه باجازت الصيف! لقد كان يظن أنه يستطيع في إبانه أن يصل ما انقطع من لذاته باللقاء (عهده الأول) ولكن ما كان أبعد أمانيه. .! وضاقت نفسه بما يجد، وأحس الشوق يفري كبده، والحسرة تشوي قلبه. وانقضى الصيف، وعاد إلى القاهرة لم يتزود بتسليمة مشتاق أو نظرة وداع، وحسب أنه هناك يستطيع أن ينشد السلوة ويلتمس العزاء في جوها الصاخب، فقضى أيامه الأولى بها على شر ما يقضيها العاشق. ولكن شأنا خاصاً دعا صاحبته أن تزور القاهرة وقتئذ، وتنزل في ضيافة بعض ذوي قرباها هناك، فتجدد الأمل عنده، وأحس كأنما نسيم القاهرة أصبح ندياً عبقا بعد أن كان نارا حامية يصلاها بعيدا عن الأهل والأحباب. . وكان من حظه أن لم تجيء معها التقاليد فتلاقيا غير مرة، وخرجا للنزهة مرات، فلم يتركا بين منازه القاهرة موضعا لم يشهداه على حبهما، ثم عادت إلى البلد وخلفت له الشوق والحنين، وكلما لج به هواه وألح عليه الشوق أنس في وحدته بذكرى تلك الايام القليلة، أو خرج يلتمس العزاء هناك. . . حيث كانا يجلسان، لعله يسمع في همس النسيم صدى ما كان يتناجيان، أو يستوحي عيون الزهر سر ما استودعاه لديها من عهود الماضي، ويتسمع في خرير الماء رسالة ضلت الطريق إليه، او يتفيأ في ظلال الخمائل مجلساً طالما بسط ذراعيه وضم. هيهات! لقد صمت النسيم إلا حنين المهجور، وجف الزهر إلا عبرة الأسى، وخرس الماء إلابكاء الواجد، وسكن الشجر إلا هزة الشيخ حطمته السنون، ليته لم يلقها بعد إذ أيأسه ذلك البعد الطويل، لقد كان من يأسه في راحة!. . كيف تمر الأيام على الغريب أوحشت نفسه وأنقطع ما بينه وبين الناس؟ انه ليخيل إليه
стр. 1891
أن الزمن عبء ثقيل على كتفيه يجاهد للخلاص منه ولو بالخلاص من الحياة، وكلما عاد بنظره إلى الخلف عجب كيف استطاع أن يقطع كل ذلك الماضي وكيف انصرمت أيامه والحمل لم يخف عن كتفيه، ولم يزل بينه وبين الخلاص أمد لا يمتد النظر إلى نهايته؟
الآن لم يبقى بينه وبين الحصول على إجازة كلية العلوم غير عام واحد يستطيع بعده أن يتقدم في ثقة بنفسه واطمئنان إلى مستقبله ليخطبها إلى أبيها، ولكنه حسب إن هو تعجل الحديث في هذا الشأن تفتحت أمامه الأبواب، وانزاحت الحجب، وانكشفت الستور، واستطاع أن يظفر بلقاء (خطيبته) على عين أهلها وأن يتحدث إليها بينهم. واغتنم فرصة سانحة، وما هي إلا أن استجمع شجاعته، فانطلق يحدث أباها، وأبوها ينصت إليه في هدوء. . لا شك أنه كان ينتظر أن يسمع هذا الحديث منذ زمن طويل، وأنه هيأ في خياله صورة هذا المجلس من قبل، فلم يلبثا أن تصافحا في حرارة وعزم، وقلباهما مفعمان بالسرور، وعلى أساريرهما بشر ناطق.
منذ ذلك اليوم أصبح حامد خطيب منيرة، وان لم تتناقل الأفواه هذا الخبر لأنهما حاولا أن يبقياه سراً بينهما حتى يحين يوم إعلانه، وأحس حامد بعض إحساس الملكية لشيء في هذا البيت الذي كان الناس يرونه كثير التردد عليه، ويدفعهم الفضول إلى البحث عن دواعيه، ولكن لم يتغير شيء مما ألفه حامد ونقم عليه وحاول الخلاص منه من قبل، فلا هو استطاع أن يرى خطيبته أو يتحدث إليها، أو يسأل عنها سؤال الشخص عمن يهمه، لقد زاد الحجاب بينهما. وزاد التكلف، وبدأ حديث حسين أفندي عن بعض شؤونه الخاصة فيه بعض الحذر وبعض التأنق، وهو مالم يكن معهودا بينه من قبل، وأصبح صاحبنا حامد يخجل أن يبدو منه بعض الاهتمام بشأن منيرة، حتى ليتحاشى أن ينطق باسمها، كأنه يحس في اختلاج شفتيه عندئذ لهفة مشتاق، وفي نبرات صوته رنين قبلة مكتومة، وإذا نطق به مرة ففي مثل مناجاة الحالم أو إقرار الخاطئ. ولم يكن حامد ليسره ذلك أو ترتاح إليه نفسه، لقد كان يريد بتعجيل الخطبة أن يكون أقرب اتصالا بصاحبته فإذا هو أبعد مما كان، ولقد صرح عن رغبته مرة أو مرتين فكان اعتذار حسين أفندي مضحكا حين نسب إلى أبنته الخجل والتأبي على ذلك فكأنما تأبى شيئا ترضاه، لقد كان حامد يريد أن يستوثق من حب صاحبته وثباتها على العهد قبل أن يسافر إلى القاهرة، ولعله كان يريد يتزود من حبها بما
стр. 1892
يقوي عزمه على المضي في جهاده المدرسي مرحلته الأخيرة. عجيب! لقد كان إلى قريب يستطيع ان يراها وأن يبادلها الحديث ولو بابتسامة أو إيماءة على بعد، ولم يكن غير ذلك الشخص الذي يزورهم كثيراً لأنه صديق أبيها، حتى إذا أرتبطا بعهد وثيق على أن تكون زوجته، وأن يكون أقرب الناس إليها حيل بينهما وضوعفت الحجب والستور! تقاليد؟ لو أنه لم يكن قدر رآها من قبل ولم يجلس إليها يتحدثان الساعات، ويمتد تعرفهما السنين لكان من حق التقاليد أن تسيطر على عواطفهما وتمليء أرادتها! تقاليد؟ أن الجهل بعض تقاليد الماضي. . . إن الموتى لا يملكون أن يتصرفوا في شؤون الأحياء!
ولم تنقطع زياراته، ولكنها كانت زيارات جافة مملولة، لقد كان يذهب إلى هناك كل يوم، لا يكاد يرى في الطريق من يحييه، لأنه لا يرى غير صورة واحدة يبتكرها خياله لتصحبه إلى هناك، وحين يعود، ما كان أتعسه! هو آدم، ولكنه هبط من الجنة قبل أن يذوق الثمرة، على وجهه علائم الخيبة واليأس والسخط والتبرم بكل شيء، ولكنه كان يذهب كل يوم. . .!
وأحس حامد وخزا أليما بين جنبيه حين علم ان التقاليد المعكوسة لا تجعلها تحتجب عن غيره من شبان الأسرة، وحين سمع صوتها تتحدث إلى واحد منهم في الغرفة المجاورة، لم يحرم عليه ما يحل لغيره؟ ألأنها خطيبته؟ لقد كان ذلك أجدر أن يرفع بينهما الحجاب؟ وابتدأت الغيرة تدب في صدره. أليست تخرج من المنزل قليلا أو كثيرا لمثل ما يخرج له الفتيات من لداتها زائرة أو متفرجة؟ أليست تسير في الطريق ينتهب من حسنها كل ذي عينين، ويستمتع بمرآها كل من أسعده الحظ أن تلتقي بها عيناه؟ يحسبه مثل متع هؤلاء: نظرة عابرة، أو نهلة عارضة، ولكنهم يسعدون بما يتمناه وهو به أحق ومنه محروم!!
أي معنى لهذه التقاليد إلا أن يكون من مثل تصرف الأم مع صغارها إذ تمنع عنهم الطعام حرصا على صحتهم، أو حرصا على الطعام. .! ولكن الأم لا تمنع أولادها الطعام إلى أن يشفي بهم الجوع على الهلاك، ولا هي تمنعه لتطعمه قطط الحي وكلابه، ليس قريبها الذي فتحت له الباب ورفعت الحجاب ووقفت تحدثه جديرا بهذه الوقفة على مرمى نظراتها الفاتنة، ومن دون خطيبها الذي يتلهف شوقا إليها أبواب موصدة وحجب مضاعفة، لماذا لم تمتنع عليه قبل أن يهمس القدر في أذنه بأمنية الزواج منها؟ ليته رضى أن يبقى صديق
стр. 1893
الأسرة زمنا آخر فلم يخطبها ولم يجر حديث الزواج على لسانه، إذ لبقى كما كان (مأمون الجانب) لا تدق أجراس الحذر لقدمه، ولا تغلق دونه الأبواب! ولا يعرف التقاليد ولا تعرفه. .
ولم يطل حامد مجلس في غرفة الاستقبال بعد، فخرج مغضبا وفي عزمه ألا يعود! ولكنه عاد بعد أيام. . وما دام بينه جنبيه قلبه الواهي فلن يستطيع أن يدبر أمراً أو يحكم خطة.
ومرت أيام، ومحا جديد الشوق ماضي الغضب، وجلس مع أبيها يتحدثان في غرفة على الردهة لا يحتجب من يمر قبالتهما، ودق باب البيت، وفتحت الخادم، وقام أبوها فأوصد باب الغرفة، لقد كانت آتية من زيارة إحدى قريباتها، فأبت التقاليد إلا أن يقوم أبوها فيغلق الباب دونهما حتى تمر، وماذا يكون لو رآها كما يراها آلاف الناس في الطريق؟ بل كما يراها ذلك الساب الذي جاء يشيعها إلى دارها؟ وماذا لو كان هو الذي يصحبها ذاهبة لبعض شأنها أو عائدة؟ تقاليد؟ لتسحق هذه التقاليد قبل أن تسحقه، إن كان لا بد أن يكون أحدهما ضحية، لقد كانت تذهب إلى السينما فأي حرج في أن يكون بجوارها هناك، وهي حين تجلس في مقعدها وترفع النقاب عن وجهها لا تبالي من يجلسون بجوارها، وفيهم الفتيان وفيهم الكهول. وعادت الغيرة تأكل قلبه، وتوقد النار في صدره، وجاهر بغضبه، وعادت تمتمة الاعتذار. وأبوا عليها أن تسافر في موعد خاص حددوه لها من قبل، لأن صاحبنا قد حدد هو أيضا ذلك الموعد نفسه لسفره، وماذا لوعدوه رجلا ككل الرجال الذين تقدر كل مسافرة أن تراهم يرافقونها في القطار؟ وأخلفت موعدها وسافرت وحدها وسافر وحده، حذر أن يراها أو يجلس إليها، كما يراها ويجلس إليها كل الناس!
وقدر حامد أنه لا يستطيع أن يصبر طويلا على ذلك البعد الغيور، ورأى أن يتعجل أمره حتى إذا ظفر بزوجه استطاع أن يقف من هذه التقاليد موقفا آخر. ولكن التقاليد أشارت بسبابتها مرة أخرى ووقفت تعترض الطريق؛ لقد كان هناك بعض أمور لها في رأي رجال الماضي شأن واعتبار تأبى هذا التعجيل، وخضع صاحبنا للأمر مرة أخرى ووقف ينتظر والنار تأكله، والتقاليد تذيبه.
ترى كيف حالها في إسارها بين هؤلاء الذي يحصون عليها النظرة والابتسامة، وهي المشبوبة العاطفة الدقيقة الحس، التي يعلم أنها لا تصبر عن لقائه أكثر مما يصبر؟ لقد
стр. 1894
استطاعا مرة أو مرتين أن يتلاقيا على غير رقبة، وعلى غير موعد أيضا، فلما نمت عيناها بمكنون قلبها، وافتضح السر لديهم، كان سؤال فيه إعنات، وجواب فيه حرج، فلم يشفع لها غير الدموع!
لقد مر بعد ذلك سنتان أو يزيد، وموقف صاحبنا لم يتغير، وتأبى التقاليد أن تتزحزح من موقفها لتفسح الطريق لزوجين يريدان أن يتمتعا بسعادة العيش قبل فوات الأوان والشباب، وشعر أن فؤاده يهرم. وأن ذلك الحب الذي كان يعمر قلبه أبتدأ يتحول إلى ذكرى حزينة بائسة، وصور الماضي الجميل التي كانت ترف ناضرة أمام عينيه تذوى وتتعرى من فتنة الحياة، والمستقبل الباسم الذي صوره لنفسه من أطياف الأمل تطمس رواءه آلام الحاضر العابس، ويئس وقنع من غرامه الأول والأخير بالذكرى يستبعدها ليعيش فيها لحظات. لقد كان يكره التقاليد لأنها صورة الماضي البالية، ولكنه عاد لا يؤمن إلا بالماضي، ولا يرضى إلا أن يعيش فيه. .!
أراد أن يروض نفسه على السلوان، وأن يدفن ذلك الماضي في أعماق النسيان، ولكن نارا بين ضلوعه كانت تشعل هذه الذكرى كلما هم أن يطفئها، وقلبه بين جنبيه لا يفتر ينبض، وريشة في الخيال تمحو صورا وتبعث صورا.
أيقن أن سلطان التقاليد أقوى من سلطانه، فكيف يحتال على هذه التقاليد حتى تسلس له قيادها، ويملي فيها إرادته؟ لو كان يدري متى تأذن له أن يحتضن خطيبته إليه لاستطاع أن يحمل نفسه على الصبر، ولكنها تؤجل دائما إلى الغد، والغد لا يتحقق.
لقد رأى أختها أمس؛ نهض صدرها، وتحير في خديها ماء الشباب؛ لقد أصبحت هي أيضا عروسا، أصبحت تنظر نظرتها. . ولو فتش فيها وراء هاتين العينين لظهر من خلفهما في مرآة الأمل الزوج الذي أبدعت تخيله وأجادت رسمه. . .
وخطر لها خاطر: لو أن شابا تقدم غدا إلى حسين أفندي يطلب يد (سعاد) ورأى فيه ما يحمله على قبوله، فماذا يكون من أمره؟ ستأبى التقاليد ولا شك أن يزوجها قبل زفاف أختها، وأنه لحريص على التقاليد، وسيأبى عليه أيضا بر الوالد أن يفلت منه هذا الخاطب، وجه التدبير إذن أن يعمل على تعجيل أمر حامد ومنيرة ليخلي الطريق لسعاد، فينتهي من تقاليد ليبدأ تقاليد غيرها. .
стр. 1895
ياله من أمل! إذن لاستطاع حامد أن يتغلب على التقاليد بالتقاليد نفسها، بل أن يملي عليها إرادته ويهزأ بها كما أملت عليه إرادتها من قبل هازئة جبارة.!
ومرت أيام، وتلتها أيام. . وفجأة وقعت المعجزة وكان وقعها سعيداً، لقد تقدم الخاطب الوجيه يطلب يد سعاد.
كيف تقدم. .؟ من أين تقدم.؟ من يدري. .؟
وابتدأت التقاليد دورتها في فلك جديد، ترمي إلى هدف آخر، أما حامد أفندي فقد هدأت نفسه، وتفيء ظل الطمأنينة. لقد ظفر بأمنية الحياة. . .!
ولكن. . هل تزوجت سعاد بهذا الخاطب. .؟
следующие страницы →