Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
أن الزمن عبء ثقيل على كتفيه يجاهد للخلاص منه ولو بالخلاص من الحياة، وكلما عاد بنظره إلى الخلف عجب كيف استطاع أن يقطع كل ذلك الماضي وكيف انصرمت أيامه والحمل لم يخف عن كتفيه، ولم يزل بينه وبين الخلاص أمد لا يمتد النظر إلى نهايته؟
الآن لم يبقى بينه وبين الحصول على إجازة كلية العلوم غير عام واحد يستطيع بعده أن يتقدم في ثقة بنفسه واطمئنان إلى مستقبله ليخطبها إلى أبيها، ولكنه حسب إن هو تعجل الحديث في هذا الشأن تفتحت أمامه الأبواب، وانزاحت الحجب، وانكشفت الستور، واستطاع أن يظفر بلقاء (خطيبته) على عين أهلها وأن يتحدث إليها بينهم. واغتنم فرصة سانحة، وما هي إلا أن استجمع شجاعته، فانطلق يحدث أباها، وأبوها ينصت إليه في هدوء. . لا شك أنه كان ينتظر أن يسمع هذا الحديث منذ زمن طويل، وأنه هيأ في خياله صورة هذا المجلس من قبل، فلم يلبثا أن تصافحا في حرارة وعزم، وقلباهما مفعمان بالسرور، وعلى أساريرهما بشر ناطق.
منذ ذلك اليوم أصبح حامد خطيب منيرة، وان لم تتناقل الأفواه هذا الخبر لأنهما حاولا أن يبقياه سراً بينهما حتى يحين يوم إعلانه، وأحس حامد بعض إحساس الملكية لشيء في هذا البيت الذي كان الناس يرونه كثير التردد عليه، ويدفعهم الفضول إلى البحث عن دواعيه، ولكن لم يتغير شيء مما ألفه حامد ونقم عليه وحاول الخلاص منه من قبل، فلا هو استطاع أن يرى خطيبته أو يتحدث إليها، أو يسأل عنها سؤال الشخص عمن يهمه، لقد زاد الحجاب بينهما. وزاد التكلف، وبدأ حديث حسين أفندي عن بعض شؤونه الخاصة فيه بعض الحذر وبعض التأنق، وهو مالم يكن معهودا بينه من قبل، وأصبح صاحبنا حامد يخجل أن يبدو منه بعض الاهتمام بشأن منيرة، حتى ليتحاشى أن ينطق باسمها، كأنه يحس في اختلاج شفتيه عندئذ لهفة مشتاق، وفي نبرات صوته رنين قبلة مكتومة، وإذا نطق به مرة ففي مثل مناجاة الحالم أو إقرار الخاطئ. ولم يكن حامد ليسره ذلك أو ترتاح إليه نفسه، لقد كان يريد بتعجيل الخطبة أن يكون أقرب اتصالا بصاحبته فإذا هو أبعد مما كان، ولقد صرح عن رغبته مرة أو مرتين فكان اعتذار حسين أفندي مضحكا حين نسب إلى أبنته الخجل والتأبي على ذلك فكأنما تأبى شيئا ترضاه، لقد كان حامد يريد أن يستوثق من حب صاحبته وثباتها على العهد قبل أن يسافر إلى القاهرة، ولعله كان يريد يتزود من حبها بما
стр. 1892
يقوي عزمه على المضي في جهاده المدرسي مرحلته الأخيرة. عجيب! لقد كان إلى قريب يستطيع ان يراها وأن يبادلها الحديث ولو بابتسامة أو إيماءة على بعد، ولم يكن غير ذلك الشخص الذي يزورهم كثيراً لأنه صديق أبيها، حتى إذا أرتبطا بعهد وثيق على أن تكون زوجته، وأن يكون أقرب الناس إليها حيل بينهما وضوعفت الحجب والستور! تقاليد؟ لو أنه لم يكن قدر رآها من قبل ولم يجلس إليها يتحدثان الساعات، ويمتد تعرفهما السنين لكان من حق التقاليد أن تسيطر على عواطفهما وتمليء أرادتها! تقاليد؟ أن الجهل بعض تقاليد الماضي. . . إن الموتى لا يملكون أن يتصرفوا في شؤون الأحياء!
ولم تنقطع زياراته، ولكنها كانت زيارات جافة مملولة، لقد كان يذهب إلى هناك كل يوم، لا يكاد يرى في الطريق من يحييه، لأنه لا يرى غير صورة واحدة يبتكرها خياله لتصحبه إلى هناك، وحين يعود، ما كان أتعسه! هو آدم، ولكنه هبط من الجنة قبل أن يذوق الثمرة، على وجهه علائم الخيبة واليأس والسخط والتبرم بكل شيء، ولكنه كان يذهب كل يوم. . .!
وأحس حامد وخزا أليما بين جنبيه حين علم ان التقاليد المعكوسة لا تجعلها تحتجب عن غيره من شبان الأسرة، وحين سمع صوتها تتحدث إلى واحد منهم في الغرفة المجاورة، لم يحرم عليه ما يحل لغيره؟ ألأنها خطيبته؟ لقد كان ذلك أجدر أن يرفع بينهما الحجاب؟ وابتدأت الغيرة تدب في صدره. أليست تخرج من المنزل قليلا أو كثيرا لمثل ما يخرج له الفتيات من لداتها زائرة أو متفرجة؟ أليست تسير في الطريق ينتهب من حسنها كل ذي عينين، ويستمتع بمرآها كل من أسعده الحظ أن تلتقي بها عيناه؟ يحسبه مثل متع هؤلاء: نظرة عابرة، أو نهلة عارضة، ولكنهم يسعدون بما يتمناه وهو به أحق ومنه محروم!!
أي معنى لهذه التقاليد إلا أن يكون من مثل تصرف الأم مع صغارها إذ تمنع عنهم الطعام حرصا على صحتهم، أو حرصا على الطعام. .! ولكن الأم لا تمنع أولادها الطعام إلى أن يشفي بهم الجوع على الهلاك، ولا هي تمنعه لتطعمه قطط الحي وكلابه، ليس قريبها الذي فتحت له الباب ورفعت الحجاب ووقفت تحدثه جديرا بهذه الوقفة على مرمى نظراتها الفاتنة، ومن دون خطيبها الذي يتلهف شوقا إليها أبواب موصدة وحجب مضاعفة، لماذا لم تمتنع عليه قبل أن يهمس القدر في أذنه بأمنية الزواج منها؟ ليته رضى أن يبقى صديق
стр. 1893
الأسرة زمنا آخر فلم يخطبها ولم يجر حديث الزواج على لسانه، إذ لبقى كما كان (مأمون الجانب) لا تدق أجراس الحذر لقدمه، ولا تغلق دونه الأبواب! ولا يعرف التقاليد ولا تعرفه. .
ولم يطل حامد مجلس في غرفة الاستقبال بعد، فخرج مغضبا وفي عزمه ألا يعود! ولكنه عاد بعد أيام. . وما دام بينه جنبيه قلبه الواهي فلن يستطيع أن يدبر أمراً أو يحكم خطة.
ومرت أيام، ومحا جديد الشوق ماضي الغضب، وجلس مع أبيها يتحدثان في غرفة على الردهة لا يحتجب من يمر قبالتهما، ودق باب البيت، وفتحت الخادم، وقام أبوها فأوصد باب الغرفة، لقد كانت آتية من زيارة إحدى قريباتها، فأبت التقاليد إلا أن يقوم أبوها فيغلق الباب دونهما حتى تمر، وماذا يكون لو رآها كما يراها آلاف الناس في الطريق؟ بل كما يراها ذلك الساب الذي جاء يشيعها إلى دارها؟ وماذا لو كان هو الذي يصحبها ذاهبة لبعض شأنها أو عائدة؟ تقاليد؟ لتسحق هذه التقاليد قبل أن تسحقه، إن كان لا بد أن يكون أحدهما ضحية، لقد كانت تذهب إلى السينما فأي حرج في أن يكون بجوارها هناك، وهي حين تجلس في مقعدها وترفع النقاب عن وجهها لا تبالي من يجلسون بجوارها، وفيهم الفتيان وفيهم الكهول. وعادت الغيرة تأكل قلبه، وتوقد النار في صدره، وجاهر بغضبه، وعادت تمتمة الاعتذار. وأبوا عليها أن تسافر في موعد خاص حددوه لها من قبل، لأن صاحبنا قد حدد هو أيضا ذلك الموعد نفسه لسفره، وماذا لوعدوه رجلا ككل الرجال الذين تقدر كل مسافرة أن تراهم يرافقونها في القطار؟ وأخلفت موعدها وسافرت وحدها وسافر وحده، حذر أن يراها أو يجلس إليها، كما يراها ويجلس إليها كل الناس!
وقدر حامد أنه لا يستطيع أن يصبر طويلا على ذلك البعد الغيور، ورأى أن يتعجل أمره حتى إذا ظفر بزوجه استطاع أن يقف من هذه التقاليد موقفا آخر. ولكن التقاليد أشارت بسبابتها مرة أخرى ووقفت تعترض الطريق؛ لقد كان هناك بعض أمور لها في رأي رجال الماضي شأن واعتبار تأبى هذا التعجيل، وخضع صاحبنا للأمر مرة أخرى ووقف ينتظر والنار تأكله، والتقاليد تذيبه.
ترى كيف حالها في إسارها بين هؤلاء الذي يحصون عليها النظرة والابتسامة، وهي المشبوبة العاطفة الدقيقة الحس، التي يعلم أنها لا تصبر عن لقائه أكثر مما يصبر؟ لقد
стр. 1894
استطاعا مرة أو مرتين أن يتلاقيا على غير رقبة، وعلى غير موعد أيضا، فلما نمت عيناها بمكنون قلبها، وافتضح السر لديهم، كان سؤال فيه إعنات، وجواب فيه حرج، فلم يشفع لها غير الدموع!
لقد مر بعد ذلك سنتان أو يزيد، وموقف صاحبنا لم يتغير، وتأبى التقاليد أن تتزحزح من موقفها لتفسح الطريق لزوجين يريدان أن يتمتعا بسعادة العيش قبل فوات الأوان والشباب، وشعر أن فؤاده يهرم. وأن ذلك الحب الذي كان يعمر قلبه أبتدأ يتحول إلى ذكرى حزينة بائسة، وصور الماضي الجميل التي كانت ترف ناضرة أمام عينيه تذوى وتتعرى من فتنة الحياة، والمستقبل الباسم الذي صوره لنفسه من أطياف الأمل تطمس رواءه آلام الحاضر العابس، ويئس وقنع من غرامه الأول والأخير بالذكرى يستبعدها ليعيش فيها لحظات. لقد كان يكره التقاليد لأنها صورة الماضي البالية، ولكنه عاد لا يؤمن إلا بالماضي، ولا يرضى إلا أن يعيش فيه. .!
أراد أن يروض نفسه على السلوان، وأن يدفن ذلك الماضي في أعماق النسيان، ولكن نارا بين ضلوعه كانت تشعل هذه الذكرى كلما هم أن يطفئها، وقلبه بين جنبيه لا يفتر ينبض، وريشة في الخيال تمحو صورا وتبعث صورا.
أيقن أن سلطان التقاليد أقوى من سلطانه، فكيف يحتال على هذه التقاليد حتى تسلس له قيادها، ويملي فيها إرادته؟ لو كان يدري متى تأذن له أن يحتضن خطيبته إليه لاستطاع أن يحمل نفسه على الصبر، ولكنها تؤجل دائما إلى الغد، والغد لا يتحقق.
لقد رأى أختها أمس؛ نهض صدرها، وتحير في خديها ماء الشباب؛ لقد أصبحت هي أيضا عروسا، أصبحت تنظر نظرتها. . ولو فتش فيها وراء هاتين العينين لظهر من خلفهما في مرآة الأمل الزوج الذي أبدعت تخيله وأجادت رسمه. . .
وخطر لها خاطر: لو أن شابا تقدم غدا إلى حسين أفندي يطلب يد (سعاد) ورأى فيه ما يحمله على قبوله، فماذا يكون من أمره؟ ستأبى التقاليد ولا شك أن يزوجها قبل زفاف أختها، وأنه لحريص على التقاليد، وسيأبى عليه أيضا بر الوالد أن يفلت منه هذا الخاطب، وجه التدبير إذن أن يعمل على تعجيل أمر حامد ومنيرة ليخلي الطريق لسعاد، فينتهي من تقاليد ليبدأ تقاليد غيرها. .
стр. 1895
ياله من أمل! إذن لاستطاع حامد أن يتغلب على التقاليد بالتقاليد نفسها، بل أن يملي عليها إرادته ويهزأ بها كما أملت عليه إرادتها من قبل هازئة جبارة.!
ومرت أيام، وتلتها أيام. . وفجأة وقعت المعجزة وكان وقعها سعيداً، لقد تقدم الخاطب الوجيه يطلب يد سعاد.
كيف تقدم. .؟ من أين تقدم.؟ من يدري. .؟
وابتدأت التقاليد دورتها في فلك جديد، ترمي إلى هدف آخر، أما حامد أفندي فقد هدأت نفسه، وتفيء ظل الطمأنينة. لقد ظفر بأمنية الحياة. . .!
ولكن. . هل تزوجت سعاد بهذا الخاطب. .؟
стр. 1896
الكتب
الأعاصير
نظم الشاعر القروي رشيد سليم الخوري
للدكتور عبد الوهاب عزام
قال عمي الكريم عبد الرحمن عزام؛ قد أهدي إليّ من وراء البحار ديوان اسمه الأعاصير فأحسست في كل حرف منه ناراً، وفي كل بيت إعصاراً، وذكرت قصائده المتنبي الذي يقول فيها
مدحت قوما وأن عشنا نظمت لهم … قصائدا من إناث الخيل والحصن
تحت العجاج قوافيها مضمرة … إذا تنوشدن لم يدخلن في إذن
قلت: فأعرنيه لأقرأه. قال: على شرط أن تكتب عنه في الرسالة، قلت: إن وجدته جديراً بالكتابة.
قرأت الديوان كله فإذا قلب ثائر، ونفس طامحة، ألفت عليه العربية فكرها وإحساسها فليس بها إلا الفخر بماضي العرب، والأنفة من حاضر العرب، والرجاء في مستقبل العرب، وإذا الكتاب كاسمه أعاصير ثارت في البرازيل، وأنطقت كقصائد المتبني
إذا سرن عن مقولي مرة … وثبن الجبال وخضن البحارا
حتى وافت بلاد العرب تذكى في خمودها نارا، وتنفث في كل نفس إعصارا. تتبع الشاعر أحداث حوران ودمشق وفلسطين، فأشاد يذكر أبطالها، ونعى على من خذلوهم، وخص أهل لبنان قومه، بأوفى نصيب من لومه، وهو في شعره كله عربي لا يفرق بين دين ودين وقوم وآخرين، بل هو على مسيحيته يعتز بالعرب المسلمين ويعجب بمفاخرهم. ويعذل المسيحيين على أن لم يساهموا إخوانهم في الثورة على الباطل، والاستجابة لدعوى الوطن.
والشعر جملته معمود بالمعاني الجيدة. حال بالأسلوب السهل المتين. ولا أطيل على القارئ وصفي، ولكن أدع الشاعر يعرب عن آلامه وآماله. وضع على غلاف الديوان سبع أبيات منها:
إلهي رد مالك من أياد … على وطني ورد لها الأيادا
стр. 1897
خلعتَ على رُباه الحسن فذا … وألبست القطين به الحدادا
شبول الأرز باتَ الحلم عجزاً … وبعض الصبر موت إن تمادى
فكونوا النار تحرق أو قذى في … عيون البطل إن كنتم رمادا
وأهدى الكتاب إلى الشهداء الوطنيين في بيتين:
يا رفاتا تحت الرمال دفينا … مبعدا عاطل الرموس نسيا
لك أهدي هذا الكتاب لأني … لم أجد في البلاد غيرك حيا
ويقول في قصيدته (بطل الصحراء) التي ألقاها في حفلة للإعانة أبطال المجاهدين، والخطاب لسلطان باشا الأطرش
يا شريدا عن البلاد طريدا … أنت في كل معبد من بلادك
كل ما في أقلامنا من مضاء … مستمد من مرهفات حدادك
كل ما في صدورنا من لهيب … هو إضرام ورية من زنادك
كل ما في هتافنا من دوى … هو ترجيع نبضة من فؤادك
كل ما في آثارنا من خلود … هو تاريخ ساعة من جهادك
أيها المنجد المحاويج عار … أن تصم الأسماع عن إمدادك
لو فرشنا لك الجفون مهادا … وجعلنا الأهداب حشو وسادك
ما جزيناك ساعة من ليال … بت عنا على حراب سهادك
كل حر فداك يا فادي الش … م وأولاده فدى أولادك
وفي قصيدته التي يصف فيها هجوم سلطان باشا على الدبابة الفرنسية وقتل من فيها:
وثبت إلىسنام التنك وثبا … عجيبا علم النسر الوقوعا
وكهربت البطاح بحد عضب … بهرت به العدا فهووا ركوعا
كأن به إلى الإفرنج جوعا … وسيفك مثل ضيفك لن يجوعا
تكفل للثرى بالخصب لما … هفا برقا فأمطره نجيعا
وفجر للدماء بهم عيونا … تجارى من عيونهم الدموعا
فخر الجند فوق التنك صرعى … وخر التنك تحتهم صريعا
ومن قصيدته التي عنوانها (الاستقلال حق لا هبة) يصف فيها مجاهدي حوران:
стр. 1898
ولئن نسيت فلست أنسى بينهم … رجل الرجال وفارس الفرسان
فكأنهم منه مكان قناته … وكأنه منهم مكان سنان
يرمي بهم قلب الوطيس كأنهم … حمم الحمام قذفن من بركان
يفني الرجال بأحدب ومقوم … ضدين في اللبات يلتقيان
ويكاد يفترس العدو جواده … فكأنه أسد على سرحان
وفي عيد استقلال لبنان:
تروى بدجلة مدمعي وفراته … يا موطنا لم يبق غير رفاته
خلت المحافل من بلابله فلا … تقع العيون على سوى حشراته
حسب الحزين عليك أنك مائت … قد عيدت أحبابه لمماته
شقوا لها الأعلام من أكفانه … وتبادلواالأنخاب من عبراته
أعلام إذلال كأن خفوقها … في وجوه لطم على وجناته
ملفوحة بتحسرات سراته … خفاقة بتنهدات هداته
ومن قوله في لوم قومه:
رضينا للتعصب أن نهونا … فأغمضنا على الضيم العيونا
نقول المسلمون المسلمونا … فنرميهم ونحن الخائنونا
نبيع بدرهم مجد البلاد
فتى حوران لا لاقيت ضرا … لأنت أحق أهل الشام فخرا
لئن لم يؤتك الرحمن نصرا … فحسبك أن غضبت ومت حرا
ولم تسلس لقيد أو قياد
بربك قل متى لبنان ثارا … ليدرك من علوج الغرب ثارا
متى نفرت إلى السيف النصارى … لتغسل بالدم المسفوك عارا
وتحرز مرة شرف الجهاد
ويقول بعنوان (صيحة الجهاد):
ولو لم تكوني فرنجية … لكنت سعادي قبل سعاد
ولكنني عربي المنى … عربي الهوى عربي الفؤاد
стр. 1899
لعمرك يا مود لولا ذووك … لما ميز الحب بين العباد
ولا أكرهوا شاعرا أن يق … ول لهذى البلاد وتلك البلاد
فهم أوغروا بالعداء الصدور … وهم أضرموا النار تحت الرماد
فلا تعذلي شاعرا زاهدا … وكم هام بالحب في كل واد
فأني حرام على هواك … وفي وطني صيحة للجهاد
ويقول في حفلة عيد الفطر التي أقامتها الجمعية الخيرية الإسلامية بالبرازيل:
أكرم هذا العيد تكريم شاعر … يتيه بآيات النبي المعظم
ولكنني أصبو إلى عيد أمة … محررة الأعناق من رق أعجمي
إلى علم من نسج عيسى وأحمد … و (آمنة) في ظله أخت (مريم)
هبوني عيداً يجعل العرب أمة … وسيروا بجثماني على دين برهم!
فقد مزقت هذي المذاهب شملنا … وقد حطمتنا بين ناب ومنسم
سلام على كفر يوحد بيننا … أهلا وسهلا بعده بجهنم!
وفي قصيدة الأطرش والدبابة:
إذا حاولت رفع الضيم فأضرب … بسيف محمد وأهجر يسوعا
(أحبوا بعضكم) بعضاً وعظنا … بها فما نجت قطيعا
وبعد فللشاعر القروي رشيد سليم الخوري الثناء والإعجاب من العرب والعربية، والتحية من كل نفس حرة وقلب بالمعالي خفاق.
стр. 1900
العدد ٢٣ - بتاريخ: ١١ - ١٢ - ١٩٣٣
стр. 1901
فلسطين. . .
بين حديد الانتداب الذي يأكل الأجسام، وذهب الصهيونية الذي يأكل الأرض، يعيش العربي في فلسطين عيش المحكوم عليه بالقتل أو النفي، إذا سلم له بدنه، لا يسلم له وطنه؛ وما هذه الصرخة التي صرخها فصكت المسامع الصم، وبلغت الضمائر الغلف، إلا العارض المنذر في الحي بالضر يلُوعه، أو الخطر يَرُوعه، أو الظلم يحيق به!
وأن الصرخة للحياة تسلب، أو للديار تغصب، لهي الصرخة التي يدوي فيها صوت الحق، ويمتزج بها أنين العدل، ويضطرب فيها احتجاج الإنسانية على قوم اتخذوها حِيالة لإستعمار الأوطان، ووسيلة لاستعباد الأمم
كانت البربرية في العهود الخوالي تغزو سفارة الوجه، وتنهب ظاهرة اليد، وتقول صريحة العبارة، وتعمل واضحة الغاية؛ فجاءت مدنية اليوم فوضعت اليد الحمراء في القفاز الأبيض، والفريسة بمعاهدات الصداقة ومؤتمرات السلم، وصاغت معاني القوة والغصب في ألفاظ القانون ومصطلحات العلم، وأشفقت على شعور الإنسانية فسمت الاسترقاق تمدينا، والاغتصاب انتدابا، والحماية وصاية؛ وعمَّقت أغوار القلوب السياسية فلا تعرف لماذا حرمت بيع إنسان لإنسان، وحللت بيع شعب لشعب!
هذه أمة من أسبق الأمم قدما في المدنية، وأعرق الشعوب نسبا في الحرية، تسير على دستور رفيع الدعائم أثيل المنبر، ولم يمنعها عرفها الموروث ولا شرعها القائم أن تبيع فلسطين العربية جهراً لنفايات اليهود، وليس العرب من مماليكها، ولا فلسطين من أملاكها! ثم تسخِّر لضمان هذا البيع الباطل قوة الحكومة وسلطان الدستور، وتمثل تحت العلم البريطاني وعلى مواطن المسيح أروع مآسي العدالة!!
سلطوا على البلاد الجوع وأرسلوا من ورائه الذهب! فكأنهم قالوا للعربي البائس: أما الوطن ولا حياة، وأما الحياة ولا وطن! فأما الذين قهرهم الفقر وبهرهم المال فقد باعوا أنفسهم وأهليهم بيع الغبن للدخيل، وأما بقايا السيوف وأحفاد الفاتحين فآثروا أن يدفنوا أعزة في ثراها العزيز، على أن يتركوها أذلة لليهود والإنجليز، فدافعوا الأزمة بالصبر، والانتداب بالعزم، والصهيونية بالمقاطعة، وأروا هذه القوى الثلاث التي حالف بينها الباطل أن العربي الذي غزا العالم ولا يمسك رمقه إلا قبضة من سويق وشفافة من ماء، لا يُخذل من قلة، ولا يفشل من جوع!
стр. 1902
لك الله يا فلسطين! لشد ما تكابدين من عسف القوى وكيد الغني وقسوة الظالم!!
إن دموعك منذ الفاجعة لم ترقأ، وجروحك منذ الواقعة لم تندمل، وصوتك الجازع المكروب لا يزال يجلجل في أعماق الشرق وآفاق العروبة مستغيثا من الخطب الذي ناء بألمانيا وأنقضَ ظهر الدول! ولكن بنيك البواسل يا فلسطين يتنافسون في مجد الموت وشرف التضحية! فهل تخشين أن يعيث في أديمك المقدس عائث، وأنت ترين شبابك الميامين يخوضون غمرة الهول وراء زعيمهم الشيخ، وصدره الواهن مشبوب بعزم آبائه، وشعره الأبيض مخضوب بدم أبنائه؟
الوطن العربي اليوم في البلاء سواء. لأنه فقد الروح الفتية التي كانت تعمره، والحيوية القوية التي كانت تغمره، وأصبح هيكلا متهدم الجرف لا يملك بعضه بعضا.
على إن فزعته الإجماعية لمظلمة فلسطين تبعث الأمل في عودة تلك الروح ورجعة هذه الحيوية. ولعلها فزعة المغيث المسعف لا فزعة النادب الآسف! فان مصاب فلسطين لا ينفع فيه البكاء ولا يدفع منه الخزن
إن فاجعة وادي الحوارث صورة صغيرة لمصير فلسطين إذا استنام أهلها للوعود، وبيعت أرضها لليهود، وقبض العرب أيديهم عن معونة إخوانهم على دفع هذا الخطب.
وان دول الأرض جمعاء لتعجز عن إيفاء وعد بلفور ما دامت الأرض في يد العرب، فإذا ما استنزلوا عنها بأغلاء الثمن وإغواء الذهب شتتهم القانون وحده تحت كل كوكب.
فان اليهودي إنما جاء فلسطين ليشتري وطنا يستعمره، لا حقلا يستثمره، فكل شبر من الأرض يخرج من يد العربي يدخل إلى الأبد في يد اليهودي، ويومئذ لا يرده إلى أهله احتجاج ولا تظاهر.
وما الاحتجاج والتظاهر إلا إعلان للحق لا دفاع عنه.
والدفاع المنتج عن فلسطين أقواه وسيلتان:
أن يأخذ الزعماء والعلماء موثقا من الشعب إلا يبيع المضطر أرضه لغير العربي مهما خدعته المطامع ودلاه الطامع بغرور.
أن يقوموا بدعاية منظمة قوية في الأقطار العربية، وعلى الأخص في مصر، إلى تأليف الشركات العقارية لاستعمار فلسطين.
стр. 1903
والعرب الذين فُطروا على نُصرة الأخ، ونجدة الصريخ، ومعونة الضعيف، لا يعرضون عن يد فلسطين التي تمتد، وصوتها الذي يهيب:
فان كنتُ مأكولا فكن خير آكلٍ … وإلا فأدركني ولما أُمَزَقِأحمد حسن الزيات
стр. 1904
بيير فيلليه
في اليوم الرابع والعشرين من شهر أكتوبر الماضي كان قطار من القطر آتيا إلى باريس من مدينة (كان) فانحرف عن طريقه وسقطت القاطرة ومعها عربات أربع في هوة عميقة، وكثر الجرحى والقتلى، وكان بين الذين حملتهم عربات الإسعاف إلى مستشفى قريب فمات فيه آخر النهار عالم أديب من علماء الفرنسيين وأدبائهم هو الأستاذ بيير فيلليه، ولم تكد الصحف تذيع نعيه حتى وقع من قلوب الأدباء المثقفين الفرنسيين موقعا أليما.
وقد طلبت مجلة العالمين إلى الأستاذ جوز يف بدييه مدير الكوليج دي فرانس وأستاذ الفقيد أن ينعاه في كلمات قصيرة إلى قرائها في العالمين فقبل رغم ما بقلبه من الحزن. وكتب صفحات مؤثرة نترجمها في ما يلي:
كان بيير فيلليه صاحب الآثار الأدبية القيمة ضريراً كما يعلم كثير من الناس، أصابته هذه الآفة بعد مولده بقليل، ولكنه لم يرض قط أن يشير في أثر من مآثره التاريخية إلى هذه الآفة، وكان يكره أن يشير إليها في مقدمة من مقدماته على أنها تعلة من التعلات أو معذرة من المعاذير. وكان يصدر في ذلك عن رأي له فضله في كتابه (عالم المكفوفين). كان يرى في هذا الكتاب عزاء لأمثاله انهم ليسوا بحال من الأحوال مغلقين كما يقول الناس، وان ليس هناك ميدان من ميادين العمل الاجتماعي أو العقلي يؤخذ عليهم ويغلق من دونهم. وان آفتهم يمكن أن تضايقهم ولكنها لا تستطيع أن تعجزهم عن العمل والإنتاج، لا يحتاجون في ذلك إلا إلى أن تكون قلوبهم قوية صلبة. وأن أشد آلامهم، أو قل ألمهم الوحيد، لأنهم لا يرون، إنما يأتيهم من هذا الإشفاق الظالم الذي يختصهم به المبصرون. وقد أراد دائما أن يعامل في مهنته التي كان يحترفها كغيره من الأساتذة، وفي كتبه التي كان يمليها كغيره من المؤلفين كما يعامل غيره من الناس، فينقد ويحكم على آثاره في غير رعاية ما بأنه ضرير.
أيجب علي الآن أن أطيع أمره وأحترم كبريائه هذه؟ لا. فان الموت قد ألغى هذا الأمر. وإذا كان من الحق أن آفته هذه هي التي بعثت في نفسه أقوى الفضائل وأحقها أن تكون قدوة ومثلا، فأني أستطيع أن أقول أن هذه الآفة نفسها هي التي منحت حياته وآثاره نصيبهما الموفور من الجمال، وكل من قرأ هذه الكلمات سيشعر بأني لا أقول هذا إشفاقا وعطفا، بل حنانا وإكبارا.
ولأجل أن أجد في نفسي أصول هذا الحنان والإكبار يجب أن أرجع بالذاكرة إلى عهد بعيد.
стр. 1905
دخل بيير فيلليه مدرسة المعلمين العليا في سنة ١٩٠٠، وكنت حينئذ معلما فيها. كان قبل ذلك تلميذا ينشأ في معهد العميان الأهلي، ثم اختلف إلى غير مدرسة من المدارس الثانوية في باريس. ثم أقتحم المسابقة لدخول مدرستنا على نفس القواعد والشروط، وفي نفس المواد التي يستبق فيها غيره من المبصرين، لا يميزه منهم إلا أنه كان يستعين بغلام أقل منه ثقافة وعلما، فكان هذا الغلام يبحث له في المعاجم، ويكتب ما يملي عليه. فنجح نجاحا حسنا. ونستطيع أن نتصور ما أدركنا نحن الأساتذة من القلق، وما أدرك رئيسنا الطيب القلب جورج بيرو. كنا نتساءل ماذا نصنع بهذا الغلام الحدث الذي كان يحسن فنون البيان في أكبر الظن، ولكنه كان ضئيلا نحيلا ضريرا. إلى أي نحو من أنحاء العلم نوجهه؟ والى أي غاية نسيره؟ ولا سيما وقد كان يقول أنه لا يحب إلا التاريخ وتاريخ الآداب خاصة، ولكن كيف كان يعرف هذا النوع من العلم؟ كنا ننظر إلى كتبه المكتوبة بالخط البارز والتي أصطحبها حين أقبل إلينا، فكنا لا نجد إلا ديوان فرجيل وبعض الآثار الفرنسية الكلاسيكية، وبعض كتب النحو، ومع أن هذه الكتب كانت تزحم غرفته فإنها لم تكن في حقيقة الأمر إلا شيئا يسيرا جدا مما يستعين به التلاميذ. ماذا كان يتصور من أمور البحث التاريخي ومصاعبه؟ ألم يكن حقا علينا أن نوجهه إلى نحو من أنحاء هذا البحث العقلي الذي يمكن أن يعتمد فيه الباحث على تفكيره الخاص، فان صاحب ما بعد الطبيعة أو الأخلاق أو المنطق أو فقه اللغة، يستطيع إلى حد ما أن يعتمد على نفسه. فكان علينا إذن أن نبين له إلى أي حد يعرض نفسه لخيبة الأمل إن مضى في طلب التاريخ، وأن نمحو هذه الآمال التي كان يعلل نفسه بها. ولكني رأيت إلحاحه وحزنه، فاعتزمت سرا أن أخضعه لامتحان لا يعلم به أحد.
فكلفته أن يهيئ بحثا عن أسطورة من أساطير لافونتين، وهي أسطورة الطحان وأبنه والحمار، ليلقيه في محاضرة قريبة. فقبل محزونا لأني كنت قد كلفت رفاقه بأبحاث أخرى أوسع من بحثه وأعظم خطرا، وكان يحس أني كنت أريد أن أحصره دائما في التمرينات المدرسية التي كان قد شبع منها حتى أدركته التخمة قبل أن يدخل مدرسة المعلمين، ولم يكن يطمئن إلى هذا الموضوع إلا حين أنبأته بأن أستاذي جاستون باري قد خصص له صفحات عشرا في بحثه المعروف عن القصص الشرقي وأثره في الأدب الفرنسي. وكنت
стр. 1906
أكلفه أن يدرس هذه الأسطورة، لا في صورتها الكثيرة التي اختلفت عليها. ولم أدله إلا على هذا المرجع ثم انتظرت:
وبعد ستة أسابيع أو بعد شهرين ألقى الدرس الذي طلب إليه. فيا له من دهش عم رفاقه في قاعة المحاضرات! ويا له من فرح ملأ قلبي! فأنه لم يكتف كما كان غيره يكتفي بالتفكير في هذه النصوص الخمسة أو الستة التي رواها جاستون باري: فقد اهتدى لا أدري من أي طريق إلى مجلة (بنفى) (الشرق والغرب) حيث كان (جودوك) قد أخذ منذ سنة ١٨٦٠ يسجل مجموعات من الأساطير الشعبية، وما هي إلا أن أراه قد استطاع أن يستكشف نصوصا عشرة أهملها جاستون باري عمدا أو خطأ. هنالك أعلنت مكيدتي وهي أن أعرض على هذا الطالب الجديد أيسر بحث في ظاهر الأمر، هذا البحث الممهد المطروق لأتبين من أمره ما أريد، ولأعلم أيكتفي بإعادة ما قرأ، أم يحاول أن يأتي بشيء جديد، وبينت لرفاقه مصاعب هذا البحث عن الأساطير. وقد كان الناس كلفين به في ذلك الوقت، وبينت لهم ما يحتاج إليه الباحث المجد من الجهد والاستقصاء لاستكشاف الصور المختلفة لهذه الأساطير في كتب غامضة مهجورة، ثم أنبأتهم بأن جهدا خصبا منتجا للاستقصاء العلمي قد ظهر في هذا اليوم.
وما لي أطيل الوقوف عند هذه القصة كأني أريد أن أتحدث عن نفسي، ذلك لأبين أولاً كيف كانت الحياة قديما في مدرسة المعلمين، كيف كانت صورة من صور التعاون بين الأصدقاء، يعطي الأساتذة فيها من أنفسهم أكثر ما يستطيعون إعطاءه، ولكنهم يأخذون من طلابهم مثل ما يعطون، ثم لأن بيير فيلليه كثيرا ما كان يذكرني بهذه القصة فيما بعد، في ذلك اليوم أعلن بعض الطلبة المتقدمين الذين لم يسبقهم كثيرون أنه مؤمن بهذا الشاب الضرير واثق بفوزه في هذا النوع من البحث الذي يميل إليه.
ولكن هذا الشاب - بيير فيلليه - وجد في الوقت نفسه بين أساتذته ورفاقه من أعانه على قطع هذه الطريق. وكان منهم الظريف (بيير موريس ماسون) والجاد (جبرييل ليرو) وكلامها سقط في ميدان الشرف أثناء الحرب الكبرى، ومنهم بول ازار، وأوجين البرتيني، وتراشيه، وموريت، وبيير كومير، ولويس ريو، وألكسندر جوانو، واميه برتو، وجاك شيفالييه. . . وكم أحب أن أسميهم جميعا هؤلاء الأصدقاء الذين كانوا مثله في سن
стр. 1907
العشرين، والذين أعطوه وأخذوا منه أحسن المثل وأقومها. بهذه التجربة وبتجارب أخرى أمثالها اثبت بيير فيلليه أثناء الأعوام الثلاثة التي قضاها في المدرسة أنه كان قادرا على النهوض بأعباء الاستقصاء العلمي وبأثقلها وأشدها تعقيدا.
ومن هنا دهشت البيئات العلمية، ولم ندهش نحن حين أظهر في سنة ١٩٠٨، بعد أن ظفر بإجازة الأجر بجاسيون - وبعد أن أتم دراسته في معهد تيير في ظل أميل بوترو الذي لقيه أحسن لقاء - كتابه الأول الذي عرض فيه مصادر كتاب - تطور فصوله.
وكان قد فكر في هذا الكتاب أثناء إقامته في مدرسة المعلمين وشجعه على ذلك الأستاذ جوستاف لنسون، ولأجل أن يبلغ من هذا البحث ما يريد، بدأ فنسخ كتاب مونتيني بيده خطا بارزا فكانت نسخته تبلغ عشرين مجلدا. ثم وضع حكم مونتيني وتجاربه في قصاصات من الورق، وكانت هذه القصاصات التي رتبها على حروف المعجم تملأ صندوقا ضخما لم يفارقه أعواما طوالا. وكذلك تسلح بهذه الأدوات وحفظ كتاب مونتيني عن ظهر قلب على اختلاف نسخه، ثم أخذ يبحث عن مصادره. فمن أراد أن يقدر هذه المحولة فليلاحظ ما أحاط بها من الظروف. فقد كان يجب أن يقرأ عليه كل المؤلفين الذين نقل عنهم مونتيني، وكل المؤلفين الذين كان يرجح أن مونتيني قد عرفهم في التراجم اللاتينية التي كانت معروفة في وقته، مثل سكستوس امبيريكوس، كزينوفون، ديوجين، لارس، أفلاطون، وفي التراجم الفرنسية المعروفة في ذلك الوقت تيودور الصقلي، هيرودوت، اريانوس، وفي النصوص الأولى من لوكريس إلى فاليريوس مكسيموس، أي كل ما كتبته روما القديمة تقريبا. ثم ما كتبه علماء النهضة من ارسم إلى جوست ليس. وإذنفقد بذل بيير فيلليه جهده هذا في قراءة ألف من الكتاب، ويمكن أن نقدر غنيمته المادية من هذا الجهد إذا نظرنا في الجزء الرابع من طبعته لكتاب مونتيني التي ظهرت سنة ١٩٢٠ ورأينا المراجع وقد رتبها على حروف المعجم بثمانية آلاف مرجع تتصل بأربعمائة من المؤلفين كتبوا باليونانية واللاتينية والإيطالية والفرنسية.
وبنحو هذه الطريقة وبمعونة طائفة من القراء كانوا يعيرونه أبصارهم إعارة آلية استطاع أن يتتبع تأثر المؤلفين والكتاب بمونتيني، فأظهر كتاب مونتيني ولوك وروسو، ثم مونتيني وبيكون، ثم مونتيني والألاهيين الإنجليز. هذه عنوانات لطائفة من أبحاثه ظهرت كتبا أو
стр. 1908
رسائل. وهذا النحو من إظهار استعارة المؤلفين بعضهم من بعض أو تقليد المؤلفين بعضهم لبعض لا يعني أصحاب الاستقصاء من العلماء وحدهم، وإنما يمكن أن يقال في كتبه كلها ما قاله أميل بوترو حين قرأ كتابه الأول: (انه يظهر في هذا الكتاب مفكرا مرويا، ماهرا، نفاذا، فيلسوفا، يمس بدقة غريبة أخفى الفروق. وما بين الأفكار والآراء من صلات)
ولكن أتراه أنفق جهده الضعيف الخصب كله في درس مونتيني؟ ألم ينته إلا إلى طبعه كتاب مونتيني التي ظهرت سنة ١٩٢٢ والتي وصفها أخصائي ماهر هو المسيو هنري شمار فقال إنها توشك أن تبلغ الكمال. كلا. فلنذكر كتابه الذي سماه مصادر الآراء في القرن السادس عشر، أو كتابه عن المصادر الإيطالية لمقالة الدفاع عن اللغة الفرنسية الذي يظهر فيه بين ما أظهر من الغرائب أن القسم الذي يثبت فيه دبيلليه مساواة اللغة الفرنسية للاتينية واليونانية ليس إلا ترجمة من كتاب سبرون سيروني ألفه في مدح اللغة التسكانية. ولنذكر أبحاثه عن دوبينيه وأبحاثه عن مونلوك، وأحدث كتبه الكبرى (مارو ورابليه). فهو قد عنى بروضته وهي هذه الروضة النضرة روضة النهضة الفرنسية، فلم يهمل منها شيئا. ثم هو لم يكتف بخدمة الآداب، وإنما أنفق أعظم جهده المادي والعقلي والشعوري في الإحسان إلى أصدقائه المكفوفين. فعاش كما عاش فالنتان هاوى، وبراي، وموريس دي لاسيزيران. وقد أستحق من المكفوفين تقديس ذكراه بكتابه (عالم المكفوفين) وكتابه (تربية المكفوفين) وبإحسانه إليهم في غير انقطاع.
أما حياته الخاصة، أما المعونة التي وجدها عند زوجه بنت أميل بوترو التي تأثرت بوفاء أمها لأبيها، فلم تفارق زوجها يوما واحدا والتي كادت تموت معه يوم ٢٤ أكتوبر، فلا أستطيع أن أشير أليها إلا في خفة وسرعة، وحرص شديد على ما ينبغي من التحفظ. ولكن جميع الذين عرفوا بيير فيلليه وأحبوه يرون من الخير والعدل أن أقول فيه ما قاله مونتيني حين تحدث عن صديقه ايتين دي لابويسي: (إني أعرف كثيرا من الناس يمتازون بأنحاء من الخير والجمال، هذا يمتاز بالعقل، وهذا يمتاز بالقلب، وهذا يمتاز بالمهارة، وهذا يمتاز بالضمير، وهذا يمتاز بالحديث، وهذا يمتاز بعلم، وهذا يمتاز بعلم آخر، أما هذا فقد كان حقا ذا نفس مليئة وكان يستقبل الأشياء كلها أحسن استقبال: نفسا من تلك النفوس التي وسمها القدم بسمة العتق والرقي الصحيح).
стр. 1909
جواب عن سؤال
للأستاذ أحمد أمين
وجه الأستاذ علي الطنطاوي في العدد الماضي إلينا وإلى أدباء الرسالة سؤالا ملخصه: أنعمل وغايتنا الأدب للأدب؛ أم نعمل وغايتنا الأدب للحياة؟ ثم سأل لماذا ينصرف أدباؤنا عن الأدب القومي الذي يعالج (القضية الكبرى) إلى ذلك الأدب الغزلي الضعيف؟ وقد أجبنا أجمالا في ذلك العدد عن بعض هذا السؤال، وتفضل صديقنا الأستاذ أحمد أمين فأجاب تفصيلا عن البعض الآخر (المحرر)
لك الحق (كل الحق) يا أخي أن تصرخ ونصرخ معك في وجه زعماء
الأدب العربي طالبين أن يلتفتوا إلى الأدب القومي ويكثروا القول فيه،
فالعالم العربي كله يجيش صدره بآلام وآمال، والأدب يجب أن يعبر
عن هذه الآلام والآمال، بأسلوبه الرشيق، وعواطفه القوية، وخياله
الرائع؛ وإذ ذاك يجد الناس غذاءهم فيما يقرأون، ولذتهم ومتعتهم فيما
يسمعون وينشدون، والناس في كل عصر يتطلبون من الأديب أن يكون
موسيقاهم التي تناسب عاطفتهم، فأن كانوا فرحين مرحين كانت
الموسيقى فرحة مرحة، وان كانوا باكين محزونين كانت الموسيقى
حزينة باكية، ومن السماجة أن توقع الموسيقى نغمة فرحة في مأتم، أو
نغمة باكية في عرس، وقد كان الناس يقصدون إلى الشعراء يشرحون
إليهم عواطفهم ويطلبون منهم شعرا يناسبها ويرويها.
كان بيت بشار في البصرة مقصدا لهذا النوع من الناس، يذهب إليه الغزِل الذي تجيش في صدره عاطفة الحب ولا يستطيع أن يعبر عنها ليجد بشار من فنه ما يعبر عما في نفسه، وتذهب إليه النائحات لينشدهن شعرا يستنزف الدمع ويبعث الشجا والشجن
وكل عصر له مطالبه وكل أمة لها مواقفها وعواطفها، ولا خير في الأدب إذا لم يصف الحياة، ويغذ العواطف، ويجد الناس في كل موقف يقفونه قولا أدبيا قوياً يشرحه، وشعرا
стр. 1910
جميلا يعبر عنه
والعالم العربي الآن له عواطف قومية جديدة لم تكن لديه قبل سنين، هي نتاج التيار الحديث الذي غمر أوربا وسار منها إلى الشرق، فملأ مشاعرها ألما مما هي فيه، كما ملأها أملا في حياة خير من الحياة التافهة التي يحيونها، ثم التفتوا إلى الأدب القديم فلم يجدوا فيه غذاءهم كافيا، ليس فيه شعر يتغنى بالحرية كما نود، ولا بالقومية كما نحب وإنما هي أبيات مبعثرة مجملة، قيلت لوصف مشاعر غير مشاعرنا وفي مواقف غير مواقفنا. وتلفتنا إلى الأدب العربي الحديث فوجدناه ناقصا كأخيه، لم يسد الفراغ، ولم يكمل النقص، قد أفرط القدماء في الغزل فأفرط المحدثون فيه، وقصر القدماء في وصف المناحي الإجماعية والنزعات القومية فقصر المحدثون فيه، وأصبح ناشئنا لا يجد الغذاء الكافي في القديم ولا في الجديد، فلك الحق أن تطلب من الزعماء وأن تطلب من الرسالة أن تدعوا الكتاب والشعراء أن يلتفتوا إلى وجوه النقص فيكملوها، حتى إذا احتاج الشباب إلى نشيد أو أناشيد وجدها، وإذا وقف موقفا يتطلب قصيدة في معنى من معاني القومية أو الحرية أنطلق بها لسانه، وإذا طرب لمنظر طبيعي في بلاده وجد القصائد قد قيلت فيه واستوفت محاسنه، وهكذا، ولك أن تطلب من كتاب الروايات أن يبحثوا عن نواحي الضعف في الحياة الإجماعية الشرقية، فيجلوها ويعالجوها، وأن يكون لهم نظر صادق في تعرف نفسيات الأفراد والجماعات فيحللوها، وأن يتجه الكتاب الاجتماعيون فيدرسوا أمراض قومهم، ويستخدموا الأدب في الخطب والمقالات تثير مشاعر الناس وتهيجهم، ليتخلوا عن رذيلة، ويستكملوا فضيلة، ويعالجوا نقصا، وينشدوا كمالا
لك الحق أن تنعى على الأدباء أن أكثرهم في الشرق لم يتجه هذا الاتجاه إلا قليلا، وانهم بين أن ينظموا في الأغراض القديمة ولا يحسنوها إحسان القدماء، وبين أن ينقلوا من الأدب الغربي ما فقد روحه، أو لم يتناسب وروحنا. وإلا فأين هو أدبنا القومي؟ وأين التغني بمناظر طبيعتنا؟ وأين الروايات الاجتماعية تصفنا؟ لا شيء من ذلك إلا القليل الذي لا يتناسب ونهضتنا الحديثة
أنا معك في هذا كله - ولكن لست معك في إنكارك: أن يكون الفن للفن، والأدب للأدب، ولست معك في أن تطلب أن يكون الأدب للحياة - فليس من شك في أن القطعة متى
стр. 1911
استوفت عناصرها الأدبية كانت أدبا، مهما كان موضوعها الأخلاقي، وليس أحد ينكر أن قصائد أبي نؤاس الفاجرة الداعرة أدب، كما لا ينكر أحد أن الصورة العارية إذا أجيد تصويرها فن جميل، وان لم ترض عنها الأخلاق. فالأدب للأدب والفن للفن، ولكن هذا لا يمنع أن تكون سلطة المصلحين فوق سلطة الأدباء؛ فإذا رأى المصلحون أن ضربا من الأدب يحل الأخلاق ويفك عرى المجتمع، حاربوه بكل ما استطاعوا من قوة، وإذا رأوا أن ضربا من الأدب في الأمة ضعيف ويجب أن يقوى، طلبوا الإكثار منه بشتى الوسائل، وشجعوا عليه ومهدوا له السبل، وهذا هو موقفنا بالضبط. فقد كثر فينا ما نسميه بالأدب المائع كثرة تحل الأخلاق وتضعف الرجولة، وهذا الأدب المائع من غير شك أدب، وقد يكون أدبا راقيا، ولكن يصح أن نخضعه لنظر المصلح. فإذا كان المصلح الاجتماعي قويا ضرب على هذا النمط من الأدب ولو إلى زمن محدود، حتى تستكمل الأمة قوتها ورجولتها. ومثل الأدب في ذلك مثل العلم، فالأدب للأدب كالعلم للعلم - فان أردت بقولك أن الأدب لا يكون أدبا إلا إذا خدم الحياة فأنا مخالفك، وان أردت أن المصلحين والدعاة يجب أن يخضعوا الأدب لأغراض الحياة الصحيحة فإني موافقك.
وبعد - فقد غلوت يا أخي في رأيك، فلم ترد أن يكون في الأدب حب إلا من نوع خاص، وأردت من الأدب أن يكون قويا وقويا فقط، وبعبارة أخرى تريد أن تكون حياة الأدباء حياة حربية ليس فيها إلا القوة وما يبعث على القوة، ليس فيها زهرة جميلة ولا غزل ظريف، وأنا أخشى أن الأدب باقتصاره على القوة يفقد القوة، فان للنفوس سآمة، ويحسن أن يكون بجانب صوت المدفع والقنابل صوت العود والقانون. ولقد كنت أكتب في هذا الموضوع حتى إذا وصلت إلى هذا الموضوع شعرت بملل، فما هو إلا أن سمعت نغمة رقيقة من بيانو فأصغيت إليها حتى استكملتها فعادة نفسي إلى نشاطها - ألا يكون في هذا مثل صالح للحياة الأدبية؟ فجد وهزل، وتغن بالحرية، ونعي على الاستبداد، وتغزل في زهرة، وفكاهة حلوة. هذا يا أخي أصلح حتى من الناحية الجدية، فمن لم يله أبدا قصرت حياة جده وتقبضت نفسه، ولم يتحمل طويلا مرارة العمل، وأن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهراً أبقى. أحب أن تكون الحياة الأدبية كفرقة الموسيقى: لا طبلا فقط، ولا نايا فقط، بل هما وغيرهما، وعيب حياتنا الأدبية الحاضرة أنها رخوة فقط، فيجب أن يضاف إليها نغمات
стр. 1912
القوة، لا أن تحل النغمات القوية وحدها محل النغمات الرقيقة، فأنا إن فعلنا ذلك كان الأدب أبعث على الحياة، وأحفظ للقوة، فطمئن نفسك ولا تأس على شاعر طال ليله وأرق جفنه حبيب أعرض عنه وابتسامة احتجب عنه نورها، فمن يدرينا لعل الحب كله من واد واحد، فمن أحب فتاته أسرع استعدادا لأن يحب أمته، ويحب ربه، ومن تحجر قلبه لم يبك على شيء.
وبعد فموقف (الرسالة) كما أفهم من مبادئها يجب أن يكون الدعوة إلى تكميل النقص في الأدب العربي، وحث قادته على أن يطرقوا من الأبواب ما نحن في أمس الحاجة إليه حتى يكون أدبنا صورة تامة لنا، وحتى يكون غذاء كافيا لمختلف عواطفنا، يجب أن يكون موقفها - فوق الموقف الأدبي، موقف المصلح، فترفض أن تنشر الأدب الساقط المرذول، المضعف للخلق، المفسد للرجولة، ولكن يجب كذلك أن تفسح صدرها لنوع من الأدب لا هو بالقوي الذي تتطلب الاقتصار عليه، ولا هو بالضعيف المائع، هو أدب الحب العف، والفكاهة الحلوة البريئة، والهزل يشف عن جد، والمزح مبطنا بعظة، ونحو ذلك، ففي التزام الجد خروج إلى الجفاء، وانحدار إلى الجمود.
هذا إلى أن الرسالة يجب أن تكون بجانب دعوتها إلى الإصلاح سجلا للنزاعات الأدبية على اختلاف أنواعها ما لم تكن النزعة مستهترة، تميط قناع الحياء، وتخرق حجاب الحشمة.
وأخيرا لك الشكر (يا أخي) على ما حوى كتابك من غيرة صادقة، وعاطفة نبيلة، وما أثرت من موضوع يستحق العناية، ويدعو إلى طول التفكير.
أحمد أمين
стр. 1913
حول (الوضوح والغموض)
للأستاذ عباس فضلي خماس
روى لنا الدكتور طه حسين في مقالة (حول قصيدة) حادثة طريفة عن قصيد المقبرة البحرية للشاعر الفرنسي بول فاليري، وكان غرضه من استعراض ما دار بين أدباء فرنسة وشعرائها بعد ذيوع هذه القصيدة أن يطرق باب بحث طالما اشتاق الأدباء إلى طرقه وهو (مقياس فهم الشعر والأدب). وكان بحث الدكتور حائما حول هدف أساسي وهو (هل يحسن بالشعر أن يكون واضحا لا خلاف فيه، أو إن بعض الغموض فيه مغتفر بل مطلوب؟ وهذا المطلب في نظري جدير بالبحث والتمحيص إلى حد بعيد، ولعل المضي في استقصائه يؤدي إلى إظهار حقائق جديدة في عالم الأدب، تقلب أوضاعنا الراهنة رأسا على عقب، ويلوح لي أن التوسع في بحث هذا الموضوع بحثا مستفيضا دقيقا ربما انزل بعض أمراء الشعر وملوك البيان الذين اعتلوا في أذهان الناس العروش إلى الحضيض، وربما رفع بعض خاملي الذكر من الشعراء والأدباء إلى تلك العروش وقدم إليهم معتذرا صولجان الشعر والأدب الذي شاءت الأقدار أن يغتصب منهم اغتصابا.
لقد كتب علينا نحن أبناء هذا الجيل أن ندرس الأدب درسا آليا كدرس
المعادلات الرياضية والرموز الكيمياوية. وقد ترتب على طرز دراستنا
هذه أن نكون آليين في نظرنا إلى الشعر، آليين حتى في فهمنا إياه، بل
وفي طريقة تفهمنا. وهذه النتيجة خلقت فينا نزعة التقليد لا في مزاولة
الشعر والأدب فحسب بل في طريقة تفكيرنا وفي أساليب محاولتنا فهم
أغراضه ومراميه. مبتعدين في ذلك عن السنن الطبيعية الابتعاد كله.
فليسمح لي الأستاذ الكبير بشيء من الحرية فيما أعرض له.
الغموض في الشعر والأدب
للغموض في الشعر والأدب أسباب معينة واضحة؛ أولها ضعف الأسلوب في التعبير عن الشعور، وثانيها غرابة التعبير وعدم انطباقه على الطريقة المألوفة عند جمهور القراء.
стр. 1914
وثالثها نقص جزء مهم في الصورة التي يتخيلها الشاعر ويريد إبلاغها إلى النفس. ورابعها ازدحام جملة من الصور الفكرية وتداخلها في رقعة واحدة ضيقة بحيث يتعب العين تبينها دفعة واحدة ويجهد الذهن تصور علاقة أجزائها بعضها ببعض. وخامسا إظهار القطعة الفنية قبل نضوجها في الفكر، وقبل اختمارها في النفس. وسادسا ابتعاد الصورة التي يرسمها الشاعر عن تصور الجمهور ومداركهم مما هو مألوف عندهم ومعهود لديهم في معارفهم ومشاعرهم الماضية والحاضرة، حتى في معارفهم ومشاعرهم التخيلية؛ وأجزاء الصورة الخيالية التي ترتسم في ذهن الإنسان تتكون في الحقيقة في المواد التي تتألف منها معارفه ومشاعره الماضية والحاضرة عينها
هذه هي العوامل الأساسية لغموض لغة الشعر والبيان إذا كنا نستند في بحثنا إلى الحقائق الصريحة. أما إذا أردنا أن نموه على القراء فنستطيع أن نقول ما يخرج عن نطاق هذه العوامل ونستطيع أن نرغم الناس على أن يتصوروا في القطعة المعقدة بسبب من الأسباب الآنف ذكرها غموضا ينطوي على إبداع فني، ونقول لهؤلاء الناس إن أذواقكم الفنية أحط من أن تصل إلى رؤية هذا الإبداع، وان مستوى شعوركم وتفكيركم، أوطأ من أن يدرك هذا الفن البديع المتلفع بهذا الغموض. .
لقد جاز الشعر والأدب أدوارا غريبة، ووجد الشعر والأدب في ظروف عجيبة، وكان العامل في هذه الغرابة وهذا العجب النقدة من الكتاب والأدباء، فقد لعب بعضهم أدوارا طمس فيها الحقائق وأبرز إلى الناس الغث سمينا وأرغمهم على اعتبار السمين غثا.
ولولا شعوذة هؤلاء النقدة ومهارتهم في تصريف الكلام ومقدرتهم في البيان لكان جمهور الناس يرون في ترتيب طبقات الشعراء والأدباء غير ما يرونه الآن. نعم لو ترك هؤلاء الكتاب الناس وشأنهم يقرأون الشعر بصورة طبيعية ويفهمونه كما هو المقصود منه، لما كنا الآن مرغمين على أن نؤمن بالأحكام الثابتة في المفاضلة والموازنة بين شاعر وشاعر أو بين أديب وأديب.
ولكن اعتدادهم بأنفسهم ساقهم إلى أن يقولوا مثلاً إن الشاعر الفلاني أراد بقوله كذا. . . كيت وكيت - ولم يقصد كيت وكيت.
ولعل أقوى حجة يتذرع بها من يرون تحت الشعر الغامض إبداعا فنيا، هي إن الإنسان إذا
стр. 1915
جابه منظرا رائعا في ثوب جمال من مناظر الكون يرى في المرة الثانية فيه ما لم يره في المرة الأولى ويلتذ بما يراه في المرة الثالثة اشد من التذاذه بما رآه في المرتين الأولى والثانية. أما أنا فاعتقد أن هذه الظاهرة لا يصح على الإطلاق اتخاذها دليلا على اعتبار الغامض من الشعر ذا قيمة فنية.
فكل بديع في هذا الكون من منظر إلى صوت إلى شعر يلازمه الوضوح كيفما تكيف وتطور وتصور. والوضوح جوهر الجمال الحقيقي، أما (الغموض) بمعناه الذي يعرفه الناس فلا يجتمع مع الإبداع أو الجمال في صعيد واحد، وقد يجهد الإنسان نفسه ويكد ذهنه إذا سمع قطعة شعرية فيها شيء من الغموض، وقد يجد في هذا الإجهاد والكد لذة التوصل إلى الصورة الذهنية المقصودة. فليس من الضروري أن تعتبر هذه اللذة ناشئة من تلمس الإبداع، وإنما هي ناشئة من التوصل إلى نتيجة بعد إجهاد وكد.
لقد ذكر الأستاذ العقاد جملة عبارات يؤيد بها أن وراء الغموض في الشعر والأدب إبداعا فنيا، وكان من جملة ما ذكر أن الإنسان قد يقرأ كتابا غير مرة فيجد فيه كل مرة من المعاني ما لم يره في القراءات السابقة. وعندي أن تفسير هذهالحقيقة الراهنة هين، وعلتها واضحة لا غامضة. هذا إذا لاحظنا أن معارف الإنسان التي تنمي فيه شعوره وذوقه ومداركه تتبدل على الدوام وتتكيف حسب الظروف المختلفة التي يكون فيها. فالأثر الذي يتركه مطالعة كتاب في نفس الإنسان في وقت ما ذو علاقات متنوعة بشعوره وذوقه ومزاجه في ذلك الحين، وان الانطباعات التي تتولد في نفسه من معاني ذلك الكتاب تتناسب مع ما ذكرناه في ذلك الحين فقط. أقول في ذلك الحين فقط، لأن الشعور والذوق والمزاج ظواهر نفسية تتبدل وتتطور بالنظر إلى الظروف المحيطة بالإنسان. فليس ثمة غرابة إذا وجد الإنسان في مطالعاته المتوالية لكتاب ما معاني جديدة لم يكتشفها في مطالعاته السابقة. ولا ينبغي أن تعتبر هذه الصفة في الكتاب غموضا، لأن تبين جميع المعاني والمرامي المقصودة في الكتاب دفعة واحدة أمر مستحيل، ولا يتمكن الذهن من استيعاب جملة معان دفعة واحدة. والذهن مثل العين أو سائر الحواس. فكما إن عينك إذا وقعت على رقعة تحتوي على عدة أشكال لا تحيط بها جميعا دفعة واحدة ولكنها تتمكن من ذلك بتوجيه البصر إلى كل شكل بصورة خاصة، وكما أن الأذن إذا سمعت ألحانا مختلفة لا
стр. 1916
يمكنها أن تؤلف بين هذه الألحان إلا إذا أنصتت لكل لحن على حدة، كذلك الذهن لا يتمكن من الوجهة السيكولوجية أن يدرك كل ما أودع في كتاب من معان دفعة واحدة، وهذا ما يجعل الإنسان يكتشف في قراءته المتوالية لكتاب واحد معاني جديدة.
ولكن الخاصة من الأدباء يأبون إلا أن يخترعوا لهذه الظاهرة الطبيعية النفسية اصطلاحا أدبيا وهو ما رمى إليه الأديبان طه والعقاد فأسموه: (بالغموض) فسرد لنا الأول قصة (المقبرة البحرية) للشاعر الفرنسي بول فاليري وتبسط في وصف ما دار حولها من مناقشات وآراء في غموضها وعدم اشتمالها على معان واضحة. فقال من جملة ما قال أن: (كل هذه الآراء وآراء أخرى للشاعر العظيم في هذه المقدمة الممتعة إن لم تبين المعاني التي أودعها قصيدته فهي تبين شيئا آخر أظنه أقوم وأجل خطرا من هذه المعاني، وهو مذهب الشاعر في فن الشعر وما ينبغي له من الارتفاع عن هذا الوضوح الذي يفسد الفن إفسادا ويقربه من الابتذال).
ولكن! إذا لم تتمكن القصيدة من بيان المعاني التي يودعها الشاعر فيها فهي إذن ليست قصيدة، ولك أن تسميها ما شئت.
إن لم تستطع أن تودع المعاني التي تريدها الألفاظ التي تقولها فأنت والصامت أو الهاذر سواء.
وما هو هذا - الشيء الآخر - الذي يظنه الدكتور أقوم وأجل خطرا من هذه المعاني؟:
(هو مذهب الشاعر في فن الشعر)
لا ريب في أن مذهب الشاعر في فن الشعر أجل خطرا من المعاني باعتبار أن العناية بالمذهب هي التي تقوي المعاني وتصقلها فتظهرها ناضجة واضحة براقة، ماضية في نفوذها إلى النفس.
ولا أدري كيف نوفق بين هذين النقيضين: ألا يتمكن الشاعر من إيداع المعاني التي يريدها في قصيدته، وهو بعد ذلك يستطيع أن يظهر مذهبه في فن الشعر.
ويظهر أن الدكتور بعد أن يصل به القلم إلى عبارة (ويقربه من الابتذال) يدرك أن ما أورده (غامض) للتناقض الظاهر فيه فيستدرك الأمر بأن يقول: (فهو يرى مثلا أن جمال الشعر يأتي من أنك تجدد اللذة الفنية في نفسك كلما جددت قراءته، ومن أنك تستكشف في
стр. 1917
القراءة الثانية من فنون الجمال ما لم تستكشفه في القراءة الأولى، بل تجد في كل قراءة فنونا جديدة من الجمال لم تجدها في القراءات التي سبقتها)
هذا صحيح إذا تمكن الشاعر من إيداع قصيدته الصور الذهنية التي تخلق للقارئ هذا الجمال، والصور الذهنية في الواقع سداها الألفاظ ولحمتها المعاني التي تبرز تراكيب هذه الألفاظ في عبارات وجمل
فجمال الشعر إذن يأتي من طريق مذهب الشاعر في فن الشعر إذا كان هذا المذهب خليقا بأن يظهر المعاني المقصودة بحلل قشيبة جذابة، ومذهب الشاعر في فن الشعر ليس أجل خطرا من المعاني إلا إذا تمكن الشاعر من أن يودع قصيدته المعاني أولا. وبتعبير آخر لا يمكننا أن نعترف للشاعر بمذهب (خاص كان أو عام) إن لم يودع القصيدة التي ينشئها المعاني التي يقصدها.
فإذا أنشأ الشاعر قصيدة وجاء الناس يتساءلون منه ماذا أراد أن يقول بهذه القصيدة، فهذه القصيدة أما أن تكون خالية من المعنى وأما أن يكون صاحبها عند نظمها مرتبك الأفكار والخواطر مزعزع الحس والشعور إلى حد انه لم يستطع أن يودع قصيدته معنى معينا. فإذا كنا نسمي هذا شاعرا ويعتبر ما يودع في منظوماته من أفكار مشوشة غير معينة ولا مفهومة (غموضا) ثم نتحرى تحت طيات هذا الغموض إبداعا فنيا يزينه إلينا خيالنا المحض، فيجب أن نعتبر عوام الناس طرا شعراء مبدعين بكل ما تمر بين شفاههم من عبارات مرتبكة يسوقونها عندما تثأر نفوسهم ببعض الظواهر والمشاعر. ويجب أكثر من ذلك أن نعتبر الجمل المرتبكة المتقطعة المبهمة التي يتمتم بها الطفل عندما يجابه منظرا غريبا أو حادثا جديدا غموضا ينطوي على إبداع فني.
وبهذا نكون قد أسرفنا في الإساءة إلى الفن والى الإبداع والى الشعر والبيان إساءة عظيمة
بغداد الآنف ذ
стр. 1918
رسائل حزينة
هل كان حبهما خطيئة. .؟
أصحيح أنني ألقيت بهذا اللون من الرسائل الحزينة ظلالا شاحبة كئيبة على حياتك الباسمة بين أحضان الريف. وتحت سمائه الصاحية الجميلة. فان يكن ذلك حقا؟ وانك قد أصبحت تضيق ذرعا حتى بهذا القدر التافه من العزاء الذي أجده في الكتابة إليك ترويحا لقلب عان ونفس ثائرة مضطرمة، فقد ينبغي لك أن تعلم أن الشجرة التي انتصبت في الفضاء، تهزأ بالأعاصير والأنواء. ساخرة متحدية. حتى عريت من أوراقها وتحطم الكثير من أغصانها، ما يزال في جذعها الضخم العنيد، وأعراقها الراسخة القوية، ما يعينها على الصبر إلى نهاية المعركة، حتى ينجلي ليل محنتها قليلاً قليلا. ثم يطالعها في أعقابه فجر باسم حالم، ينبت فيها أوراقا بأوراق، وينشئ لها أغصانا بأغصان. ويومئذ تفيء الطيور إلى ظلها الوارف الظليل: لتملأ هذه الأجواء الحزينة شدوا شجى النغم حلو الرنين، يعيد إلى هذا القلب الذي هانت عليه آلامه فيضا دافقا من حلاوة المنى ولذة الأمل. وإذن فسأحتجن هذه الآلام من دونك بعد اليوم في صدري: فما يزال فيه قدرة على احتمال المزيد منها. وسأدير الحديث إليك في هذه الرسالة حول شخص لا تعرفه، قد آخت بيننا سهمة من الألم المشترك، وسأنفض إليك جملة حاله وجماع قصته علني أقف منك على رأي تراه له، لأنني - وأنت تعرف رأيي في المرأة - تحرجت من إبداء رأي قد يفسده ما أحسه اليوم في قلبي بسببها من جراح وندوب. والحق أنها قصة تعتبر تصويرا صحيحا لمشكلة من مشاكلنا الاجتماعية. أو قل إنها ثورة عنيفة على بعض تقاليد الأسرة المصرية وتحطيم لها. أو قل أنها استجابة حارة لهتاف الروح ودعوة القلب، وهي لهذا الذي أسلفت لك جديرة بشيء من العناية غير قليل.
انحدر إلى هذه الدنيا وحيدا لأبوين رزقاه على وجد للبنين بعدما كادت الأيام تشرف على ربوة العمر. فتهيأت له من هذه الناحية طفولة ناعمة مدللة أسلمته إلى دار من دور التعليم جعل يتخطى سني دراستها غير وان ولا متخلف، حتى وصل إلى السنة الثانية من دراسته في كلية الحقوق بالجامعة المصرية. وعندئذ بدأ الجدول العذب الذي كان يتسلسل في طريقه سهلا رفيقا يتحول إلى طريق ملتوية مليئة بالجنادل والأحجار. فقد توشجت بينه
стр. 1919
وبين زميلين من رفاقه بالجامعة أواصر الصداقة والمودة. واتفقا معه في نظرهما إلى الحياة من ناحيتها العابثة الماجنة. فكانت لهم في ظلال الليل متع سعيدة بسامة. ينهلون من خمرين: ريق ورحيق، ويتساقون من كأسين: آونة من فم الإبريق، وأخرى من خلال شفاه وردية في حمرة العقيق، وجعل في هذه الغمرة المجنونة لا يدع واجبا مدرسيا إلا أهمله حتى فوجئ بالفصل من الجامعة بعد رسوبه في اختبار النقل عامين متواليين. وكانت الصدمة عنيفة قوية. والحسرة على ضياع مستقبله الجامعي لذاعة أليمة. وأخذت آماله التي كانت تضيق بها الدنيا تتضاءل وتنكمش حتى وسعتها مدرسة البوليس على كره منه ومضض. . وتخرج في هذه المدرسة ضابطا يختال بنجمته اللامعة ويلقى من التحية ألوانا كلما مر في طريقه بواحد من أولئك الجندالمساكين. . . وعاوده الحنين إلى المرأة غلابا قويا. وأخذت جوارحه تهتف بنداء الجنس فيستجيب لها في جنون وشغفإلى أن وضعت الأقدار في طريقه تلك المرأة التي أنا بسبيل من الحديث عنها الآن.
كان الفصل شتاء، والسماء عابسة يدوي في جوانبها الرعد، مظلمة يلتمع في حواشيها البرق، والليلة باردة الأنفاس، مقرورة النسمات، وكان الفتى على موعد مع رهط من أصدقائه في حفلة غنائية ذهب يشهدها، فاتفق له أن يجتاز في طريقه ميدانا صغيرا من ميادين القاهرة، فلمح على هامش الطريق فتاة تعبث الرياح الغاضبة بثيابها الفضفاضة عبثا منكرا قبيحا، تتململ في وقفتها الضارعة الذليلة. وترعش أوصالها تحت أضواء هزيلة يرسلها على الطريق مصباح باهت شاحب. فعرف أنها طريدة من طرائد الليل قد أتاحتها له الفرص السعيدة في هذه الليلة العصيبة. فمشى إليها جريئا يختال بنجمته اللامعة وسمته الرائع الجميل، وسدد إليها تلك النظرة التي تعرف المرأة وحدها سر ما تنطوي عليه. فأغضت حياء وقد اصطبغ وجهها بلون الورد في زمن الربيع. . واستقل معها عربة إلى مسكنه الخالي إلا من خادم ريفي يتوفر على خدمته والعناية بشأنه. وهناك في تلك الخلوة التي تهيج في المرأة أشجانها المستورة، وتثير عواطفها المكمودة، ترقرق الدمع في مآقيها وجعلت تفضي إليه بودائع قلبها الدامي الجريح في لهجة محزونة تنتزع من أصلب القلوب ألوانا من العطف والإشفاق والرثاء. . . عرف أنها واحدة من تلك الضحايا البريئة التي غلبت على أمرها في خلوة مجنونة عابثة. مأخوذة بمعسول الأماني وبواسم الأحلام. زين
стр. 1920
لها لص من لصوص الأعراض سحر الخطيئة. فأكلت من الشجرة الملعونة ثم تنكر لها. وعلم أهلها بعارها فنبذوها، وعضها الجوع وأذلتها الحاجة، فخرجت إلى الطرقات دامعة العين مصدوعة القلب غير مستعصية على طالب متعة لقاء ثوب تلبسه، وفضلة من طعام تأكلها. ولقد هتفت بكل ما فيه من رجولةورحمة أن يستبقيها في بيته خادما ترعاه وتعبده، وأن يمسك عليها تلك البقية الباقية من شباب ذبلت زهرته، وحياء كادت تأتي عليه عوادي الليل وأحداث النهار. . . . . . فتجمعت الدموع في عيني الشاب عطفا عليها ورثاء لها. وبدأت تخامر قلبه من نحوها عاطفة مجهولة غامضة. عاطفة إن لم تكن حبا فهي قريبة من الحب. وأجمع أمره على أن يعصمها من السير في هذه الطريق الشائكة الملتوية. وسيشعرها في جواره هناء الحياة ولين العيش. وحسبها تكفيرا عن زلتها ما لاقته من أهوال وخطوب.
ولبثت في بيته عاما كاملا لا تكشف الأيام منها في خلاله إلا عن كل ما يملك القلب ويأسره، خلق رضي كالماء رقة وعذوبة ووفاء يسمو إلى حد التضحية. وعرفان للجميل أحبته من أجله حبا هو أشبه بالعبادة والتقديس منه بأي عاطفة أخرى. وأحس الشاب إحساسا عميقا بهذا كله فبادلها حبا بحب، ووفاء بوفاء. وأقدم على الزواج منها زواجا رسميا ترامت أخباره في الريف إلى أبويه وهو وحيدهما. فجن جنونهما وثارا به ثورة عنيفة لم يجد في تهدئتها توسل ولا رجاء. وآذناه بالقطيعة والحرمان من ثرائهما العريض إن هو لم يفصم تلك الروابط التي تربطه بهذه المرأة الآثمة كما نقل إليهما خادمه الريفي الذي هجره من عهد قريب.
وبعد. . . فهل يهدم الشاب هذا العش الجميل الذي يتذوق فيه السعادة خالصة والنعيم محضا ليجدد على أنقاضه مودة أبوية. وليرضي تقاليد الأسرة العريق التي ينتمي إليها، ويرسل تلك المرأة التي تعبده الآن وتسعده، لتحيا من جديد حياة كلها عار ورجس ودنس. أم تراه يمسك عليه زوجه ويدع للأيام أن تبلي غضب أبويه كما يبلي في هذه الحياة كل شيء. . . . هذا هو الموضوع. ويسعدني أن أشرك معك أيها الصديق في إبداء الرأي كرام الكاتبين من قراء (الرسالة) العظيمة.
عبد الوهاب حسن
стр. 1921
مذهب النشوء وإخوان الصفا
نشوء الكائنات (الأحياء الدنيا تنشأ أولا) التخصص في الأعضاء دليل الرقي (الوظيفة توجد العضو) تنازع البقاء ووسائله (الغريزة الجنسية وحفظ النوع) الحواس وحفظ الذات (الجمال مسخر لحفظ النوع) البقاء للأصلح (تنازع البقاء وسيلة للرقي) التعاون وسيلة للرقي.
لم يكن دارون أول من اهتدى إلى مذهب النشوء وتوابعه، ولم ينفرد
وحده بالتنبه إليه. فاليونان وغيرهم من الأمم القديمة قد لمحوا إليه
وبحثوه بقدر ما كانت تساعدهم معارفهم ووسائلهم العلمية. وتنبه إليه
العرب، فطبقه ابن خلدون في مقدمته على نشوء العمران وانحلاله.
وشعر المعري بما يدعونه تنازع البقاء فحفل بالإشارة إليه شعره.
وأخيرا إخوان الصفا فجاءونا بما يجعل هذا الفصل خليقا بهذا العنوان
جاءنا إخوان الصفا بأن هذه الكائنات المختلفة من معادن ونبات وحيوان هي سلسلة متماسكة الحلقات شديدة الإندغام بعضها في بعض. وانه ليس ثمة حدود فاصلة أو مراحل متقطعة بين الحلقة وتاليتها. (المعادن متصل أولها بالتراب وآخرها بالنبات، والنبات أيضا متصل آخره بالحيوان، والحيوان متصل آخره بالإنسان، والإنسان متصل آخره بالملائكة) وهم في هذا على أشد ما يكون من الإقتناع. ورسائلهم حافلة بهذه الفكرة يبدئون فيها ويعيدون كأن الإشارة المفردة عندهم لا تنيلهم ما يصبون إليه من إقناع
كذلك يقول إخوان الصفا - وقولهم حق -: (إن الحيوانات الناقصة الخلقة متقدمة الوجود على التامة الخلقة بالزمان في بدء الخليقة، وذلك أنها تتكون في زمان قصير. والتي هي التامة الخلقة تتكون في زمان طويل لأسباب وعلل يطول شرحها) هنا لا يختلف إخوان الصفا عن نشوئي هذا العصر القائلين بأن الحياة قد بدأت بأحط أنواع الأحياء وأبسطها تركيبا. والقائلين أيضا بأن الطبيعة تصرف على الحيوانات الراقية جهدا فوق ما تصرفه على الحيوانات الدنيا، ولذا فأنسال هذه كثيرة وأنسال تلك قليلة.
ويشير إخوان الصفا إلى أن التخصص في الأعضاء دليل على الرقي في سلم النشوء،
стр. 1922
ويطبقون ذلك على النبات والحيوان فيقولون: (وأما النخل فهو آخر مرتبته النباتية مما يلي الحيوانية، لأن بعض أحواله مباين لأحوال النبات. ذلك أن القوة الفاعلة فيه منفصلة عن القوة المنفعلة، والدليل على ذلك أن أشخاص الفحولة منه مباينة لأشخاص الإناث. ولأشخاص فحولته لقاح في إناثها كما يكون ذلك الحيوان)
ثم يقولون: (أعلم أن أدون الحيوان وأنقصه هو الذي ليس له إلا حاسة واحدة وهو الحلزون. . . وهكذا أكثر الديدان التي تكون في الطين في قعر البحر وعمق الأنهار ليس لها سمع ولا بصر ولا ذوق ولا شم)
وإذ يقر إخوان الصفا هذه الحقائق يتقدمون خطوة أخرى جريئة ويساهمون دارون في أن الانتخاب الطبيعي يفني كل عضو لا فائدة للجسم منه، ويوجد الأعضاءالتي تفيد الجسم في تنازع البقاء: (لأن الحكمة الإلهية لم تعط الحيوان عضوا لا يحتاج إليه في جر المنفعة أو دفع المضرة، لأنه لو أعطاها ما لا تحتاج إليه لكان وبالا عليها في حفظها وبقائها)
ويزيدون هذه الفكرة جلاء فيأتونها من ناحية أن الوظيفة توجد العضو فيقولون: وأما السباع الآكلة اللحمان فأن خلقتها وطباعها وتركيب بعض أعضائها الظاهرة والباطنة وأمزجتها وشهواتها مخالفة لما عليها الحيوانات الآكلة العشب. وذلك أن الباري لما خلقها وجعل غذاءها من اللحمان جعل لها أنياباً صلاباً ومخالب مقوسة، قوية وأزنادا أيد متينة، ووثبات خفيفة تستعين بها على قبض الحيوانات)
بعد هذا يتقدم إخوان الصفا بجرأة ويقررون: (إن شهوة البقاء وكراهية الفناء هما أصل وقانون لجميع شهوات النفوس المركوزة في جبلتها، وأن تلك الشهوات هي أصول وقوانين لجميع أخلاقها وسجاياها) وهكذا يبين إخوان الصفا في هذه الجملة الفذة أن جميع الغرائز الحيوانية هي أداة التنازع على البقاء الذي يظهر في شطريه: التنازع على حفظ الذات، والتنازع على حفظ النوع: ليس هذا فقط بل يرجعون بالأخلاق والسجايا الإنسانية إلى هذين الحافزين الأكبرين. وهي في الحقيقة نظرة في الغاية من النفوذ والإصابة، فالأخلاق والمزايا الإنسانية ما كانت لتنشأ وتشتد لو لم يكن التنازع على البقاء وحفظ النوع أقوى الحوافز الإنسانية. واليك جميع الفضائل والأخلاق الإنسانية، افحصها فحصا مدققا وجردها من النظرة التيولوجية فتجد أنها جميعها تمت إلى حفظ النوع وحفظ الذات بسبب شديد
стр. 1923
وإذا ما انتهى إخوان الصفا من تقرير هذا القانون على ذلك النحو من الشمول والإجمال عادوا إلى التفصيل فقالوا: (أما علة شهوة الجماع المركوزة في الجبلات فهي من أجل التناسل، والتناسل من أجل بقاء الصورة في الأشخاص المتواترة. .)
وهم - كعلماء النشوء - لا يبالون أن ينزلوا بإحساس الجمال من منزلة الرفيع ويحسبوه أداة تسخرها القدرة لحفظ النوع، فيقولون على لسان الحيوان معارضاً ومناظراً الإنسان: (وأما الذي ذكرت أيها الأنس من حسن الصورة وافتخرت بهعلينا فليس فيه شيء من الدلالة على ما زعمت بأنكم أرباب ونحن عبيد، إذ كان حسن الصورة شيئا مرغوبا فيه عند أبناء الجنس الواحد من الذكور والإناث ليدعوهم ذلك إلى الجماع والتناسل لبقاء النسل، وذكر أننا لا نرغب في محاسن إناثكم ولا إناثنا في محاسن ذكرانكم، كما لا يرغب السودان في محاسن البيضان). ولا يفوتنك في آخر القطعة الطريفة إشارة الأخوان إلى أن الجمال أمر نسبي يقدره الناس تقديرا متباينا. ونظرية نسبية الجمال نظرية مشهورة يقول بها كثيرون من الباحثين في فلسفة الجمال
وكما يحسب الإخوان أن الغريزة الجنسية مسخرة لحفظ النوع كذلك هم يقررون أن الحواس مسخرة لحفظ الذات فيقولون: (قصد الله وغرضه في الحيوانات ليس عقوبة لها وعذابا بل حثا لنفوسها على حفظ أجسادها وصيانة لها، ولو لم يكن ذلك كذلك لتهاونت النفوس بالأجساد وخذلتها وأسلمتها إلى الهلاك. . . فلهذه العلة جعلت الآلام والأوجاع للحيوان لتمكنه من البقاء أما بالحرب أو بالهرب)
وبعد أن يفرغ إخوان الصفا من هذا القانون - قانون تنازع البقاء - وذكر وسائله وأدواته يعودون فيقولون: إن هذا التنازع لا يكون الفوز فيه إلا للأصلح، أما الضعيف فيجب أن يفنى أمام القوي: (لأنه لما كان بعض الحيوانات أتم خلقة وأكمل صورة جعلت النفس الناقصة خادمة ومسخرة للتامة، وجعلت أجسادها غذاء ومادة لأجساد الناطقة منها وسببا لبقائها لتبلغ أتم غاياتها). أما الغرض من ذلك كله (فهو النفع الكلي والصلاح العام، وان كان يحصل في ذلك أضرار جزئية. مثال ذلك أن الشمس تشرق وتغيب للمنفعة العامة، ولكن قد يكون في ذلك ضرر يقع على أناس مخصوصين)
إلا أن إخوان الصفا لا يقفون عند هذا الحد ولا يكتفون بالقول بأن قانون التنازع وحده أداة
стр. 1924
الرقي والنشوء أيضا، بل هم كعلماء النشوء يحسبون أن التعاون لا يقل شأنا في مضمار التقدم والنشوء عن التنازع. فهم يقولون: إن ما جعل في طباع بعض الحيوانات من الألفة والأنس والمودة هو ليدعوها إلى الاجتماع والمعاونة لما فيه من صلاحها وكثرة منافعها.
هذه لمحة موجزة في آراء إخوان الصفا النشوئية، وهي على كل حال لا تمثل إلا ناحية ضيقة من هذه الآراء التي يبثها إخوان الصفا في رسائلهم المعروفة. والذي لا يزال حريا بالدرس من آرائهم هو شيء كثير. وإنني لعلى رجاء بأن تغري هذه الصفحات قارئها بالنظر في رسائل الإخوان، فأنه - وأنا الكفيل - سيأخذ أجوره نقدا صحيحا لا زيف فيه. لست أنكر أن قسما كبيرا من هذه الرسائل صحراوات لافحة لا ظل فيها ولا ماء. ولكنني، من جهة أخرى، أستطيع أن أقول: أن الواحات تنتشر في هذه الصحارى انتشارا كبيرا، فلا يعدم القارئ في سيره واديا هنا أو واحة هناك يستظل أفياءها ويتبرد بنسيمها وينهل من مائها فيستجمع قواه ويعاود السير كأقوى ما يكون. وبذا يفيد فائدتين: فائدة أنه يأخذ نفسه برياضة تعوده السير الطويل المتعب، وأخرى أنه يشهد آفاقا لا عهد له بها ولم تطأها قدماه من قبل فيما نعتقد.
ولعلنا، إذا أفسحت لنا (الرسالة) الغراء صدرها، عائدون إلى إخوان الصفا ومفصلون لك آراءهم في كثير من المسائل كعلم النفس والتربية والأخلاق، فأن لإخوان الصفا في هذه النواحي آراء هي في الغاية من الطرافة والإصابة.
شرق الأردن. أديب عباسي
стр. 1925
قلوب تتقلب!
نشأت في كنانة حول الطائف ومكة، وقد باكرها النعيم فشبت صحيحة جميلة، ورضعت أفاويق البلاغة من قومها، فنشأت فصيحة بليغة، خطبها سيد قرشي، من أشراف مكة وعصبة النبي، وبنى بها فطاب حالهما، وصفا عيشهما. وقرأ في المدينة زمنا أسعدهما الله فيه بغلامين كانا بهجة النظر وأمنية الفؤاد.
اختار (الأمام علي) زوجها ليكون عاملا له على (اليمن) يجبي خراجها، ويقوم بشعائر الدين فيها، فابتهجا بالمنصب الرفيع والحظ المقبل، وانتقلت الأسرة إلى مقرها الجديد إلى اليمن، واليمن جنة العرب وروضة الجزيرة. هواءها رخي وتربها ندي، وفاكهتها كثيرة، وجدا فيها مجالا للمتعة، ومراحا لطفليهما العزيزين يطلقانهما في الصباح لينعما بشمس الشتاء الضاحية، ويتمتعا بمناظر الوديان، ومظاهر الجنان، وقد حل فيهما من بهجة الأزهار، ونغمة الأطياف وانعطاف الأغصان، وانسجام الظل، مشابه؛ فاستحار جمالهما، وتمت آدابهما، واستوليا على كل قلب، واختطفا النظر من كل عين.
غاب أبوهما عن مدينته لبعض شؤونه، وخرجا كعادتهما يتنزهان وإذا رجل يقبل عليهما مسترق الخطى، ويتلطف بهما ويغريهما بالسعي معه، وإذا به يقبض عليهما ويكم أفواههما، واذا به قد انتضى سكينا مرهفة وقضى عليهما، ثم أطلقها ضحكة عالية قائلا:
(الآن تمتع بالحياة يا عبيد الله!)
انتظرت (جويرية الكنانية) ولديها يؤوبان إليها مع الغداة، ولكنهما تأخرا على غير عادتهما، فتربصت طويلا، منصتة إلى بابها لعل طارقا يطرقه، وكلما لعب به الريح هرولت إليه وفتحته باسطة ذراعيها، ولكنها في كل مرة تعانق الهواء، ولما فرغ فؤادها دفعت خادمتها لتقصهما، وما كادت الخادمة تسير خطوات حتى اندفعت وراءها سافرة حائرة، وطافت بمعاهد البلد وملاعبه، وكل فتى تتوسمه فتاها، وكل ندي تظنه قد حواهما، ولبس الأصيل ثوبه المعصفر، وزحف الليل بسواده وما رجعت بطائل غير هم ملأ قلبها وأسى قلقل كيانها، ومضى يوم ويومان وثلاثة وهي تطوف وتقول:
ألا مَنْ بيَّنَ الأَخويْ … ن أُمُّهُمَا هي الثكلى
تسائلمنرأى ابنيها … وتستبقيفماتبقى
فلما استيأست رجعت … بعبرةوالهٍحَرَّى
стр. 1926
تتابع بينولولةٍ … وبين مدامع تترى
وفي كل يوم تزيد شدتها وتذكو سكرتها ويضيق أفقها. وفي ساعة اقتحمت عليها السبيل فتاة، وأخبرتها بما سمعت عن فعل (بسر ابن أرطاة) بولديها. فأن معاوية أخرجه لينكل بشيعة علي، فمضى في سبيله حتى انتهى إلى اليمن، ولما لم يجد عاملها يتلقى عقارب كفه اقتص من ولديه وذهب بشفرته.
وكان هذا كافيا لفقدان وعيها، وطيران عقلها، ولكنها أبت أن تصدق، وألا فكيف يموت عزيزان في لحظة، ثم هامت على وجهها، تناشد المواسم والمجامع بقولها:
يامَنْأحسّ بُنَيَيَّاللذيْنهما … كالدرتيْنتشظّى عنهماالصدفُ
يامَنْأحسّ بُنَيَيَّاللذيْنهما … سَمعْي وطرفي فطرفي اليوم مختَطَف
يامَنْأحسّ بُنَيَيَّاللذيْنهما … مُخُّ العظامفمخي اليوممزدهف
نُبِّئْتُ بُسْراً وما صدّقت ما زعموا … من قولهم ومن الأفك الذي اقترفوا
أنحىعلىودَجَىطْفليّ مرهفةً … مشحوذةًوعظيمالإفكيقْتَرَف
مَنْ دَلَّ وآلهةًحريّ مُفجَعَّة … على حبيبيْن غاباإذ مضى السَّلَف
أما عبيد الله بن العباس فقد انتزع منه حشاه، عزف عن الدنيا وأحس زخرفها شوكا ففارقته الهناءة كما تنبأ بسر بذلك.
آه لو ملك القاتل! إذن لنبش عن قلبه وان لم يكن من قبل فظاً. آه من معاوية ورهطه! قوم غرب الإيمان من قلوبهم واشتروا دنياهم بدينهم. آه! وآه على نجمين قد أفلا في ساعة من نهار. هذا ما يثور بفؤاده.
تبدل برجل آخر سقيم الجسم دقيق العظم مشتعل الرأس. وشاطره همه ابن عمه علي ولعن القاتل ودعا عليه بالجنون والمروق وأجاب الله دعوة وليه، فإذا بسر مخبول يهذي ممسكا بسيف من خشب وزق من جلد منفوخ ما يفتأ يضربه بسيفه حتى تهن قواه، وكان خبله يقوى تارة ويضعف أخرى
مضت سنوات ودخل بعدها عبيد الله على معاوية أبان ملكه، وكان عنده بسر، فقال له عبيد الله: (أأنت قاتل الصبيين أيها الشيخ؟) قال بسر: (نعم أنا قاتلهما) فقال عبيد الله: (أما والله لوددت أن الأرض أنبتتني عندك) قال بسر: (فقد أنبتتك الآن عندي) قال عبيد الله: (ألا
стр. 1927
سيف؟) فقال بسر: (هاك سيفي). فلما أهوى عبيد الله إلى السيف ليتناوله أخذه معاوية ثم قال لبسر: (أخزاك الله شيخا، قد كبرت وذهب عقلك، ذاك رجل من بني هاشم وقد وترته وقتلت ابنيه، تدفع إليه سيفك؟ انك لغافل عن قلوب بني هاشم. والله لو تمكن منه لبدأني قبلك.) فقال عبيد الله: (أجل والله وكنت أثني به.)
أحمد أحمد التاجي
стр. 1928
الصهيونية
نشأتها وتطورها
٢ - بعد عهد بلفور
للأستاذ محمد عبد الله عنان
أصدرت الحكومة البريطانية عهدها بإنشاء الوطن القومي اليهودي (عهد بلفور) في الثاني من نوفمبر سنة ١٩١٧ كما قدمنا، بينما كانت القوات البريطانية بقيادة لورد اللنبي في طريقها إلى بيت المقدس. وفي التاسع من ديسمبر استولى الإنكليز على بيت المقدس؛ وبدأت سيادة إنكلترا على فلسطين من ذلك التاريخ، وبدأ تنفيذ مشروع الوطن القومي اليهودي بصورة عملية. وتلا عهد بلفور صدور تصريحات ووقائع رسمية من مختلف دول الحلفاء بتأييد أماني الصهيونية، ومشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين
وفي مؤتمر سان ريمو سنة ١٩٢٠ وزع (الانتداب) على بلاد الشرق الأدنى التي سلخت عن تركيا. فكانت فلسطين وشرق الأردن والعراق من نصيب بريطانيا العظمى. وفي سبتمبر سنة ١٩٢٢ صادق مجلس عصبة الأمم على صك الانتداب على فلسطين متضمنا في ديباجته المصادقة على عهد بلفور بإنشاء الوطن القومي اليهودي؛ ونص فيه على إنشاء هيئة يهودية ذات صفة رسمية يحق لها أن تسدي الرأي لحكومة فلسطين وتتعاون معها في جميع الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغيرها مما يتعلق بإنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح اليهود في فلسطين، وتتخذ بالاتفاق مع الحكومة البريطانية جميع الإجراءات اللازمة لتحقيق التعاون بين جميع اليهود الذين يريدون الإشتراك في إنشاء الوطن القومي اليهودي (المادة الرابعة). ونص على تسهيل الهجرة اليهودية واستعمار اليهود للأراضي (المادة الخامسة) كما نص على جعل اللغة العبرية لغة رسمية في فلسطين إلى جانب العربية والإنكليزية (المادة الثانية والعشرون) واستثنيت منطقة شرق الأردن وجعلت منطقة خاصة لا يطبق عليها شيء من النصوص المتعلقة بالوطن القومي اليهودي.
وفي سنة ١٩٢٣ تنازلت تركيا في معاهدة لوزان عن كل حق على فلسطين وغيرها من الأراضي التي وضعت تحت الانتداب، واعترفت بالانتداب البريطاني على فلسطين، وتمت بذلك سلسلة الوثائق الدولية التي تؤيد السيادة البريطانية على فلسطين، وتؤيد إنشاء
стр. 1929
الوطن القومي اليهودي فيه.
ولنر الآن كيف عملت الصهيونية في فلسطين بعد أن مكنت من غزوها، وكيف نفذ مشروع الوطن القومي اليهودي، والى أين وصل وإلام ينتهي اليوم؟
كان برنامج مؤتمر بازل الذي أتينا على ذكره دستور الصهيونية عملت على تنفيذه في فلسطين عن طريقين: الأول الاستعمار الزراعي والاقتصادي، والثاني إحياء تراث اليهودية الروحي والفكري. والأول سلاح اليهودية المادي لغزو فلسطين والاستقرار بها. وقد بدأت بإعداده واستعماله منذ بعيد. فمنذ أواخر القرن الماضي أنشئت في فلسطين بعض المحلات والمستعمرات الزراعية اليهودية بسعي بعض الماليين اليهود. . . ومنذ سنة ١٩٠١ أنشئ (الاعتماد القومي اليهودي) في لندن ليجمع الأموال من اليهود في جميع أنحاء العالم. ومنذ عهد بلفور يسير الاستعمار اليهودي لفلسطين بخطوات سريعة. وتعتمد الصهيونية في ذلك على هيئتين ماليتين قوميتين الأولى (الاعتماد القومي اليهودي) المذكورة، ومهمتها شراء الأراضي الزراعية في فلسطين. والثاني (الكرن هيسود) ومهمتها أن تقدم الأموال اللازمة للمهاجرين لتسهيل الاستعمار والاستقرار والتربية وما يتعلق بها. وتطبيقا لعهد بلفور وصك الانتداب فتح الإنكليز أبواب فلسطين على مصاريعها للهجرة اليهودية، فوفد عليها اليهود آلافا مؤلفة من جميع أنحاء العالم، واشترى اليهود مساحات شاسعة من الأراضي في جميع أنحاء فلسطين، وأقيمت عليها المستعمرات اليهودية الزراعية والصناعية. وقامت (اللجنة التنفيذية الصهيونية) في بيت المقدس لتنظم الاستعمار اليهودي بمعاونة حكومة فلسطين تطبيقا للمادة الرابعة من صك الانتداب، واستأثرت لدى الحكومة بكل نفوذ، واستولى اليهود على معظم المناصب الهامة؛ وعلى الجملة استطاع اليهود في أعوام قليلة أن يستأثروا بأعظم قسط من مرافق فلسطين الجوهرية اقتصادية وغيرها
هذا، وقد بذلت الصهيونية جهودا عظيمة لأحياء تراث اليهودية الفكري والروحي، فأنشئت في ظاهر بيت المقدس منذ سنة ١٩٢٥ جامعة عبرية كبيرة تعمل على إحياء هذا التراث؛ وأنشئت مكتبة يهودية عظيمة، كما أنشئت طائفة كبيرة من المدارس اليهودية في جميع أنحاء فلسطين، جعل التعليم بها باللغة العبرية؛ واتخذت العبرية إلى جانب العربية
стр. 1930
والإنكليزية لغة رسمية للتخاطب والمعاملات، وأنشئت عدة صحف يهودية عبرية، وبذلت على العموم مجهودات عظيمة لأحياء الثقافة والتقاليد اليهودية
وهكذا سارت الصهيونية في إنشاء الوطن القومي اليهودي بفلسطين بخطوات سريعة تسدد كل خطوة منها الملايين الطائلة، والسياسة الإنكليزية من ورائها تؤيد جهودها وتحمي مرافقها ومشروعاتها.
وقد بلغ الاحتشاد اليهودي في فلسطين مبلغا عظيما؛ فقبل عهد بلفور لم يكن عدد اليهود بفلسطين يزيد على بضعة آلاف معظمهم من اليهود المحليين، ولكن عددهم حسب إحصاء سنة ١٩٢٢ بلغ ٨٧، ٧٩٤ من مجموع قدره ٧٥٧ ألفا؛ وبلغ حسب إحصاء سنة ١٩٢٩ - ١٤٩، ٥٥٤ من مجموع قدره ٧٩٤، ٩٠٦ آلاف - ويبلغ اليوم حوالي مائتي ألف من مجموع قدره مليون نفس. وأعظم احتشاد يهودي في (مدينة) تل أفيف وهي مدينة يهودية محضة أنشئت على الطراز الأوربي، ويبلغ سكانها اليوم زهاء ستين ألفا. والهجرة اليهودية ما زالت تتدفق على فلسطين بنسبة مزعجة ولا سيما عقب حوادث ألمانيا الأخيرة، حيث اضطرمت خصومة السامية من جديد ولقي اليهود نوبة اضطهاد جديدة شاملة.
وقد يلوح مما تقدم أن الصهيونية قد أحرزت نجاحا لا شك فيه، وان الوطن القومي اليهودي يقوم اليوم في فلسطين على أسس ثابتة، وان حلم هرتسل في قيام دولة يهودية موحدة يسير نحو التحقيق. ذلك أن الصهيونية قد استطاعت من الوجهة الدولية أن تحصل على العهود والمواثيق اللازمة للاعتراف بالوطن القومي اليهودي كوحدة سياسية ذات وجود، وعلى الضمانات الكفيلة بتأييده وحمايته، واستطاعت من الوجهة المادية أن تقوم في فلسطين بطائفة كبيرة من الجهود المادية والإنشائية لإقامة هذا الوطن القومي طبق ما فصلنا. ولكن الحقيقة التي لا ريب فيها هي أن الحركة الصهيونية تقوم من الوجهة التاريخية والدولية على أسس وبواعث فاسدة مضطربة، وجهودها في سبيل إنشاء الوطن القومي اليهودي تسيرها في الواقع عوامل مصطنعة. ثم هي بعد هذه الجهود كلها لا تستطيع أن تطمئن لمصيرها في فلسطين، ولا تستطيع أن تغفل إرادة العرب بعد أن تجلت هذه الإرادة أكثر من مرة قوية متقدمة بتحطيم هذا الصرح اليهودي المصطنع. ذلك أن الصهيونية الحديثة لم تكن مستقلة النشأة، وإنما كانت بالأخص نتيجة لخصومة السامية أو حركات الاضطهاد ضد
следующие страницы →