Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
تتابع بينولولةٍ … وبين مدامع تترى
وفي كل يوم تزيد شدتها وتذكو سكرتها ويضيق أفقها. وفي ساعة اقتحمت عليها السبيل فتاة، وأخبرتها بما سمعت عن فعل (بسر ابن أرطاة) بولديها. فأن معاوية أخرجه لينكل بشيعة علي، فمضى في سبيله حتى انتهى إلى اليمن، ولما لم يجد عاملها يتلقى عقارب كفه اقتص من ولديه وذهب بشفرته.
وكان هذا كافيا لفقدان وعيها، وطيران عقلها، ولكنها أبت أن تصدق، وألا فكيف يموت عزيزان في لحظة، ثم هامت على وجهها، تناشد المواسم والمجامع بقولها:
يامَنْأحسّ بُنَيَيَّاللذيْنهما … كالدرتيْنتشظّى عنهماالصدفُ
يامَنْأحسّ بُنَيَيَّاللذيْنهما … سَمعْي وطرفي فطرفي اليوم مختَطَف
يامَنْأحسّ بُنَيَيَّاللذيْنهما … مُخُّ العظامفمخي اليوممزدهف
نُبِّئْتُ بُسْراً وما صدّقت ما زعموا … من قولهم ومن الأفك الذي اقترفوا
أنحىعلىودَجَىطْفليّ مرهفةً … مشحوذةًوعظيمالإفكيقْتَرَف
مَنْ دَلَّ وآلهةًحريّ مُفجَعَّة … على حبيبيْن غاباإذ مضى السَّلَف
أما عبيد الله بن العباس فقد انتزع منه حشاه، عزف عن الدنيا وأحس زخرفها شوكا ففارقته الهناءة كما تنبأ بسر بذلك.
آه لو ملك القاتل! إذن لنبش عن قلبه وان لم يكن من قبل فظاً. آه من معاوية ورهطه! قوم غرب الإيمان من قلوبهم واشتروا دنياهم بدينهم. آه! وآه على نجمين قد أفلا في ساعة من نهار. هذا ما يثور بفؤاده.
تبدل برجل آخر سقيم الجسم دقيق العظم مشتعل الرأس. وشاطره همه ابن عمه علي ولعن القاتل ودعا عليه بالجنون والمروق وأجاب الله دعوة وليه، فإذا بسر مخبول يهذي ممسكا بسيف من خشب وزق من جلد منفوخ ما يفتأ يضربه بسيفه حتى تهن قواه، وكان خبله يقوى تارة ويضعف أخرى
مضت سنوات ودخل بعدها عبيد الله على معاوية أبان ملكه، وكان عنده بسر، فقال له عبيد الله: (أأنت قاتل الصبيين أيها الشيخ؟) قال بسر: (نعم أنا قاتلهما) فقال عبيد الله: (أما والله لوددت أن الأرض أنبتتني عندك) قال بسر: (فقد أنبتتك الآن عندي) قال عبيد الله: (ألا
стр. 1927
سيف؟) فقال بسر: (هاك سيفي). فلما أهوى عبيد الله إلى السيف ليتناوله أخذه معاوية ثم قال لبسر: (أخزاك الله شيخا، قد كبرت وذهب عقلك، ذاك رجل من بني هاشم وقد وترته وقتلت ابنيه، تدفع إليه سيفك؟ انك لغافل عن قلوب بني هاشم. والله لو تمكن منه لبدأني قبلك.) فقال عبيد الله: (أجل والله وكنت أثني به.)
أحمد أحمد التاجي
стр. 1928
الصهيونية
نشأتها وتطورها
٢ - بعد عهد بلفور
للأستاذ محمد عبد الله عنان
أصدرت الحكومة البريطانية عهدها بإنشاء الوطن القومي اليهودي (عهد بلفور) في الثاني من نوفمبر سنة ١٩١٧ كما قدمنا، بينما كانت القوات البريطانية بقيادة لورد اللنبي في طريقها إلى بيت المقدس. وفي التاسع من ديسمبر استولى الإنكليز على بيت المقدس؛ وبدأت سيادة إنكلترا على فلسطين من ذلك التاريخ، وبدأ تنفيذ مشروع الوطن القومي اليهودي بصورة عملية. وتلا عهد بلفور صدور تصريحات ووقائع رسمية من مختلف دول الحلفاء بتأييد أماني الصهيونية، ومشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين
وفي مؤتمر سان ريمو سنة ١٩٢٠ وزع (الانتداب) على بلاد الشرق الأدنى التي سلخت عن تركيا. فكانت فلسطين وشرق الأردن والعراق من نصيب بريطانيا العظمى. وفي سبتمبر سنة ١٩٢٢ صادق مجلس عصبة الأمم على صك الانتداب على فلسطين متضمنا في ديباجته المصادقة على عهد بلفور بإنشاء الوطن القومي اليهودي؛ ونص فيه على إنشاء هيئة يهودية ذات صفة رسمية يحق لها أن تسدي الرأي لحكومة فلسطين وتتعاون معها في جميع الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغيرها مما يتعلق بإنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح اليهود في فلسطين، وتتخذ بالاتفاق مع الحكومة البريطانية جميع الإجراءات اللازمة لتحقيق التعاون بين جميع اليهود الذين يريدون الإشتراك في إنشاء الوطن القومي اليهودي (المادة الرابعة). ونص على تسهيل الهجرة اليهودية واستعمار اليهود للأراضي (المادة الخامسة) كما نص على جعل اللغة العبرية لغة رسمية في فلسطين إلى جانب العربية والإنكليزية (المادة الثانية والعشرون) واستثنيت منطقة شرق الأردن وجعلت منطقة خاصة لا يطبق عليها شيء من النصوص المتعلقة بالوطن القومي اليهودي.
وفي سنة ١٩٢٣ تنازلت تركيا في معاهدة لوزان عن كل حق على فلسطين وغيرها من الأراضي التي وضعت تحت الانتداب، واعترفت بالانتداب البريطاني على فلسطين، وتمت بذلك سلسلة الوثائق الدولية التي تؤيد السيادة البريطانية على فلسطين، وتؤيد إنشاء
стр. 1929
الوطن القومي اليهودي فيه.
ولنر الآن كيف عملت الصهيونية في فلسطين بعد أن مكنت من غزوها، وكيف نفذ مشروع الوطن القومي اليهودي، والى أين وصل وإلام ينتهي اليوم؟
كان برنامج مؤتمر بازل الذي أتينا على ذكره دستور الصهيونية عملت على تنفيذه في فلسطين عن طريقين: الأول الاستعمار الزراعي والاقتصادي، والثاني إحياء تراث اليهودية الروحي والفكري. والأول سلاح اليهودية المادي لغزو فلسطين والاستقرار بها. وقد بدأت بإعداده واستعماله منذ بعيد. فمنذ أواخر القرن الماضي أنشئت في فلسطين بعض المحلات والمستعمرات الزراعية اليهودية بسعي بعض الماليين اليهود. . . ومنذ سنة ١٩٠١ أنشئ (الاعتماد القومي اليهودي) في لندن ليجمع الأموال من اليهود في جميع أنحاء العالم. ومنذ عهد بلفور يسير الاستعمار اليهودي لفلسطين بخطوات سريعة. وتعتمد الصهيونية في ذلك على هيئتين ماليتين قوميتين الأولى (الاعتماد القومي اليهودي) المذكورة، ومهمتها شراء الأراضي الزراعية في فلسطين. والثاني (الكرن هيسود) ومهمتها أن تقدم الأموال اللازمة للمهاجرين لتسهيل الاستعمار والاستقرار والتربية وما يتعلق بها. وتطبيقا لعهد بلفور وصك الانتداب فتح الإنكليز أبواب فلسطين على مصاريعها للهجرة اليهودية، فوفد عليها اليهود آلافا مؤلفة من جميع أنحاء العالم، واشترى اليهود مساحات شاسعة من الأراضي في جميع أنحاء فلسطين، وأقيمت عليها المستعمرات اليهودية الزراعية والصناعية. وقامت (اللجنة التنفيذية الصهيونية) في بيت المقدس لتنظم الاستعمار اليهودي بمعاونة حكومة فلسطين تطبيقا للمادة الرابعة من صك الانتداب، واستأثرت لدى الحكومة بكل نفوذ، واستولى اليهود على معظم المناصب الهامة؛ وعلى الجملة استطاع اليهود في أعوام قليلة أن يستأثروا بأعظم قسط من مرافق فلسطين الجوهرية اقتصادية وغيرها
هذا، وقد بذلت الصهيونية جهودا عظيمة لأحياء تراث اليهودية الفكري والروحي، فأنشئت في ظاهر بيت المقدس منذ سنة ١٩٢٥ جامعة عبرية كبيرة تعمل على إحياء هذا التراث؛ وأنشئت مكتبة يهودية عظيمة، كما أنشئت طائفة كبيرة من المدارس اليهودية في جميع أنحاء فلسطين، جعل التعليم بها باللغة العبرية؛ واتخذت العبرية إلى جانب العربية
стр. 1930
والإنكليزية لغة رسمية للتخاطب والمعاملات، وأنشئت عدة صحف يهودية عبرية، وبذلت على العموم مجهودات عظيمة لأحياء الثقافة والتقاليد اليهودية
وهكذا سارت الصهيونية في إنشاء الوطن القومي اليهودي بفلسطين بخطوات سريعة تسدد كل خطوة منها الملايين الطائلة، والسياسة الإنكليزية من ورائها تؤيد جهودها وتحمي مرافقها ومشروعاتها.
وقد بلغ الاحتشاد اليهودي في فلسطين مبلغا عظيما؛ فقبل عهد بلفور لم يكن عدد اليهود بفلسطين يزيد على بضعة آلاف معظمهم من اليهود المحليين، ولكن عددهم حسب إحصاء سنة ١٩٢٢ بلغ ٨٧، ٧٩٤ من مجموع قدره ٧٥٧ ألفا؛ وبلغ حسب إحصاء سنة ١٩٢٩ - ١٤٩، ٥٥٤ من مجموع قدره ٧٩٤، ٩٠٦ آلاف - ويبلغ اليوم حوالي مائتي ألف من مجموع قدره مليون نفس. وأعظم احتشاد يهودي في (مدينة) تل أفيف وهي مدينة يهودية محضة أنشئت على الطراز الأوربي، ويبلغ سكانها اليوم زهاء ستين ألفا. والهجرة اليهودية ما زالت تتدفق على فلسطين بنسبة مزعجة ولا سيما عقب حوادث ألمانيا الأخيرة، حيث اضطرمت خصومة السامية من جديد ولقي اليهود نوبة اضطهاد جديدة شاملة.
وقد يلوح مما تقدم أن الصهيونية قد أحرزت نجاحا لا شك فيه، وان الوطن القومي اليهودي يقوم اليوم في فلسطين على أسس ثابتة، وان حلم هرتسل في قيام دولة يهودية موحدة يسير نحو التحقيق. ذلك أن الصهيونية قد استطاعت من الوجهة الدولية أن تحصل على العهود والمواثيق اللازمة للاعتراف بالوطن القومي اليهودي كوحدة سياسية ذات وجود، وعلى الضمانات الكفيلة بتأييده وحمايته، واستطاعت من الوجهة المادية أن تقوم في فلسطين بطائفة كبيرة من الجهود المادية والإنشائية لإقامة هذا الوطن القومي طبق ما فصلنا. ولكن الحقيقة التي لا ريب فيها هي أن الحركة الصهيونية تقوم من الوجهة التاريخية والدولية على أسس وبواعث فاسدة مضطربة، وجهودها في سبيل إنشاء الوطن القومي اليهودي تسيرها في الواقع عوامل مصطنعة. ثم هي بعد هذه الجهود كلها لا تستطيع أن تطمئن لمصيرها في فلسطين، ولا تستطيع أن تغفل إرادة العرب بعد أن تجلت هذه الإرادة أكثر من مرة قوية متقدمة بتحطيم هذا الصرح اليهودي المصطنع. ذلك أن الصهيونية الحديثة لم تكن مستقلة النشأة، وإنما كانت بالأخص نتيجة لخصومة السامية أو حركات الاضطهاد ضد
стр. 1931
اليهود في أوربا، وكانت وما زالت تتبع هذه الخصومة قوة وضعفا، فإذا اضطرمت خصومة السامية، اضطرمت الصهيونية بفورة مؤقتة من الحماسة، وإذا خبت فتر روح الصهيونية المعنوية. وفكرة الوطن القومي اليهودي تقوم من الوجهة التاريخية على أن أرض فلسطين كانت قبل ألفي عام وطن الشعب اليهودي ومهاد مجده، وإنها ما زالت برغم كر الأحقاب مثوى تراثه الروحي وذكرياته المقدسة. وهي فكرة ظاهرة الخطل والإغراق؛ ففلسطين عربية إسلامية منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا، ولم تعرف خلال هذه الآماد الطويلة من أثر اليهودية سوى ذكرى التاريخ؛ ولو كانت ذكرى التاريخ تصح سندا لاستعادة الأوطان الغابرة لما كان لشعب أن يبقى اليوم في الأرض التي يحتلها. واليهودية لا وطن لها منذ ألفي عام؛ وقد استقرت منذ الحقب أشتاتا في سائر أنحاء الأرض، وفقدت لغتها وكثيرا من خواصها ومميزاتها القومية؛ ولم تبق اليهودية جنسا موحدا، وإنما هي دين فقط. وقد كان مزجها بين فكرة الدين والجنس من أهم عوامل اضطهادها، لأنها برغم نزولها في مختلف الأوطان وتأثرها بمؤثرات الإقليم والوسط، تأبى إلا أن تعيش دائما في معزل، وتنكر دائما جنسيتها المكتسبة بتعاقب القرون، وتتخذ دائما من الدين جنسية مستقلة. وقد كان هذا الفهم الخاطئ لنظرية الجنسية موضع الإنكار والنقد من بعض مفكري اليهودية الممتازين مثل مندلزون ولسبخ، فقد رأوا أن تتخذ اليهودية أوطانها القومية حيثما حلت مع احتفاظها بتراثها الروحي.
هذا، ومن جهة أخرى فان الصهيونية لم تحسب حساب العرب؛ وقد رأت بالأدلة المادية أن التأييد المسلح الذي أخذته بريطانيا على نفسها لا يكفي لسلامة الوطن القومي اليهودي، وان إرادة العرب أصحاب البلاد يجب أن يحسب لها أكبر حساب. وقد ظهرت هذه الإرادة قوية مضطرمة في حوادث أغسطس سنة ١٩٢٩؛ ثم ظهرت في حوادث فلسطين الأخيرة التي جاءت أقطع حجة على أن فلسطين العربية ما زالت تجيش بقوى معنوية لا تقدر. وهذه الانفجارات القومية القوية التي تضطرم بها فلسطين من وقت لآخر هي وثبات شعب يريد الذود عن حياته وكيانه. فقد رأينا كيف نزعت أراضي العرب من أيديهم، وكيف سلبوا كل مرافقهم ومصالحهم الجوهرية، وكيف فتحت بلادهم لتلقي سيل الهجرة اليهودية تنفيذا لعهد بلفور وصك الانتداب. وقد أقرت لجنة التحقيق البريطانية التي انتدبت على أثر حوادث
стр. 1932
سنة ١٩٢٩ عدالة كثير من المظالم التي نزلت بالعرب، ولا سيما مسألة الأراضي ومسألة الهجرة اليهودية. ولكن السياسة البريطانية لم تغير شيئا من مسلكها، وما زالت تؤيد غزو الصهيونية لفلسطين بكل قواها. وقد وصل اقتناء اليهود لأراضي العرب في العهد الأخير ووصلت الهجرة اليهودية إلى حدود خطرة، وشعر العرب بالضغط عليهم وعلى مرافقهم يشتد إلى الغاية، فكان الانفجار الأخير؛ وكان أن أثبتت فلسطين مرة أخرى أنها ستقاوم هذا الغزو البربري المنظم بكل ما وسعت من قوة؛ وشعرت اليهودية مرة أخرى أن الوطن القومي اليهودي إنما هو لعبة خطرة لا تزال تنقصها كل عناصر السلامة والطمأنينة؛ وكان لحوادث فلسطين الأخيرة وقع عميق في العالم العربي والإسلامي كله؛ فعرفت اليهودية مرة أخرى أن فلسطين لا تقف وحيدة في ميدان النضال، وان من ورائها الأمم العربية والإسلامية كلها تشد أزرها بجميع قواها المعنوية؛ وعرفت اليهودية مرة أخرى أن الوطن القومي اليهودي لا يقوم في قلب فلسطين فقط، وإنما يقوم في قلب العالم العربي والإسلامي كله على بركان من الخصومة المشتركة، وان عليها إذا أرادت البقاء في فلسطين أن تتأهب لمنازلة العالم العربي والإسلامي كله.
стр. 1933
الشافعي واضع علم أصول الفقه
للأستاذ مصطفى عبد الرزاق
أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب
الشافعي هو أحد الأئمة الأربعة الفقهاء: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي المتوفى سنة (١٥٠٠هـ - ٧٦٧م) وأبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المدني المتوفى سنة (١٧٩هـ - ٧٩٥م) وأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المكي المتوفى سنة (٢٠٤هـ - ٨٢٠م) وأبي عبد الله أحمد بن حنبل البغدادي المتوفى سنة (٢٤١هـ - ٨٥٥م)
وهؤلاء الأئمة هم اللذين استقرت مذاهبهم في الفقه الإسلامي بين جمهور المسلمين منذ نحو ألف عام.
وتلاشى ما عداها من المذاهب كمذهب (الحسن البصري) المتوفى سنة (١٦١هـ - ٧٧٧م) ومذهب (سفيان الثوري) المتوفى سنة (١٦١هـ - ٧٧٧م) ومذهب (عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي) المتوفى سنة (٢٤٠هـ - ٨٥٤م) ومذهب (محمد بن جرير الطبري) المتوفى سنة (٣١٠هـ - ٩٢٢م)
وطالت مدة المذهب الظاهري الذي أسسه (داود بن علي الأصفهاني)) المتوفى سنة (٢٧٠هـ - ٨٨٣م) وزاحم المذاهب الأربعة ودرس بعد القرن الثامن
والتنافس بين المذاهب الأربعة على الغلبة والانتشار والسلطان قديم يرجع إلى عهودها الأولى، ولعل بعض آثاره لا تزال باقية إلى اليوم والآن كان هذا التنافس قد أدى في بعض الأحايين إلى إثارة أحقاد وفتن بين العامة فانه في أكثر أمره كان سبب حياة عقلية ونشاط فكري وتسابق إلى الإتقان والكمال في البحث العلمي فان أهل كل مذهب كانوا لا يفتأون يتفننون في جعل مذهبهم ميسراً لإفهام الناس وأذواقهم، متسعا لما يتجدد من حاجاتهم، متميزا بلطف الاستنباط وحسن التخريج، وكثرة الجمع للمسائل، وجودة التأليف حتى أصبحت علوم الأحكام الشرعية أكمل مظهر للمجهود العقلي العظيم في الإسلام بوفرة أبحاثها ومؤلفاتها التي لا يحصى عديدها وبما في كثير من هذه المؤلفات والأبحاث من ابتكار وإبداع
لا جرم كان التراث الفقهي الإسلامي من أنفس ما ادخر البشر من مباحث المتفقهين. ولا
стр. 1934
نزاع في أن لأشخاص واضعي المذاهب أثراً في رواج مذاهبهم وإقبال الناس عليهم وتغلبها على ما عداها. وقلما تمتاز عند الجمهور مقالات المفكرين عن صورهم وأشخاصهم.
ومن أجل هذا كان من وسائل أهل المذاهب الأربعة لنشر مذاهبهم والدعوة لها: وضع المصنفات في مناقب الأئمة أصحاب هذه المذاهب، وفي الترجمة لحياتهم على وجه يبرز فضائلهم ويبين مزايا مذاهبهم وقد تفرد الأئمة الأربعة بكثرة ما دون من المؤلفات في تراجمهم حتى ليقول (أبو زكريا النووي) المتوفى سنة ٦٧٦هـ - ١٢٧٧م في شرحه للمهذب المسمى بالمجموع: (وقد أكثر العلماء من المصنفات في مناقب الشافعي ﵀ وأحواله من المتقدمين كداود الظاهري وآخرين.، ومن المتأخرين كالبيهقي وخلائق لا يحصون)
ويقول أبو حفص عمر بن أبي الحسن الشافعي المعروف بابن الملقن في كتابه (العقد المذهب في تاريخ المذهب) المؤلف في القرن الثامن الهجري: (وترجمة الشافعي حذفناها في هذا المؤلف لأنها أفردت تأليفا فبلغت نحو أربعين مؤلفا)
على إن كثرة هذه المؤلفات وان وفرت للمؤرخ مراجع البحث فإنها تقوم في الغالب على العصبية لإمام على إمام، فلا تخلو من سرف في المدح وسرف في الذم، وجدل فيما ينسب لهذا من المناقب وما ينسب لهذا من الهنات، ولا تخلو من اعتماد على روايات ظاهرة البطلان وعلى الأحلام والرؤى.
ومن أمثلة ذلك: ما ورد في كتاب مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان لمحمد بن شهاب المعروف بابن البزاز الكردي صاحب فتاوي البزازية المتوفى سنة ٨٢٧هـ ١٤٢٣م، من عقد فصل لصفة الإمام في التوراة.
وقلما تجد كتابا في مناقب الأئمة ألا وفيه باب لما رأى الإمام المترجم له في المنام وما رؤى له.
نعم لكل ذلك وزنه ودلالته في نظر الباحث، لكن التقصي لهذه المقالات في مصادرها والمقارنة بين رواياتها المختلفة واعتبار حجج المثبتين لها والمزيفين مما لا يدخل في غرضنا ولا يتسع له المقام.
غرضنا من هذا البحث أن ندرس ما يتعلق بأثر الشافعي في تكوين العلم الإسلامي.
стр. 1935
ولما كان وصف الأثر العلمي للأمام يستدعي تصوير شخصيه التي صدر عنها هذا الأثر، فأنى اجعل هذا البحث قسمين:
- ما يتعلق بالشافعي في خاصة نفسه من نشأته وسيرته.
- ما يتعلق بأثر الشافعي في وضع علم (أصول الفقه) وأتناولهما على هذا الترتيب.
أ - نشأة الشافعي وسيرته
يقول أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري المالكي المتوفى سنة ٤٦٣هـ في كتابه (الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة ﵃ لإخلاف علمته بين أهل العلم والمعرفة بأيام الناس من أهل السير والعلم بالخبر والمعرفة بأنساب قريش وغيرها من العرب، وأهل الحديث والفقه أن الفقيه الشافعي ﵁ هو محمد بن إدريس بن العباس ابن عثمان بن شافع بن السائب بن عبي ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن قهر بن مالك بن النضر بن كنانة، ويجتمع مع النبي ﷺ في عبد مناف بن قصي، والنبي ﷺ (محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف).
والشافعي محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، وإلى شافع ينسب، وقد تقدم انه شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد ابن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي.
فالنبي ﷺ هاشمي، والشافعي مطلبي، وهاشم والمطلب أخوان ابنا عبد مناف، ولعبد مناف أربعة بنون: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس (ص٦٦) وهذا الذي لم يكن يعرف فيه ابن عبد البر خلافا من نسب الشافعي قد حدث فيه الخلاف.
قال فخر الدين محمد بن عمر الرازي المتوفى سنة ٦٠٦هـ - ١٢٠٩م في كتابه في مناقب الإمام الشافعي:
(وطعن الجرجاني وهو واحد من فقهاء الحنفية في هذا النسب وقال: إن أصحاب مالك لا يسلمون أن نسب الشافعي رضي الله تعالى عنه من قريش، بل يزعمون أن شافعا كان مولى لأبي لهب فطلب من عمر أن يجعله من موالي قريش فامتنع، فطلب من عثمان ذلك ففعل، فعلى هذا التقدير يكون الشافعي رضي الله تعالى عنه من الموالي لا من قريش).
стр. 1936
ص٥
وعرض الرازي للرد على هذه الدعوى بما لا نرى حاجة للإطالة به ما دام صاحب الطعن يعزوه إلى أصحاب مالك، وقد نقلنا عن أمام من أئمة المالكية ما ينقض هذه الدعوى التي يقول في أمرها الرازي: (واعلم أن الجرجاني إنما أقدم على هذا البهتان لأن الناس اتفقوا على أن أبا حنيفة كان من الموالي، ألا انهم اختلفوا في انه كان من موالي العتاقةأو من موالي الحلف والنصرة، وطال كلامهم في هذا الباب وأراد أن يقابل ذلك بمثل هذا البهت، وما مثله في إلا كما قال الله تعالى: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون)) ص٧ و٨
وقد يكون اصل هذه الحكاية ما ذكره الخطيب البغدادي في ترجمة للشافعي من أن أم شافع أم ولد.
فالشافعي من جهة أبيه قريشي مطلبي ليس في ذلك نزاع يقام له وزن، وان كانت أم جده ليست من العرب.
وقد ذكر الكثيرون ممن ترجم للشافعي: إن جده السائب اسلم يوم بدر، وكان صاحب راية بني هاشم مع المشركين فأسر ففدى نفسه وأسلم وروى: انه اشتكى فقال عمر: اذهبوا بنا نعود السائب ابن عبيد فانه من قريش، قال النبي ﷺ : حين أتى به وبعمه العباس: هذا أخي.
أما ابنه شافع فلقي النبي وهو مترعرع، فالسائب بن عبيد صحابي، وابنه شافع صحابي، وأخوه عبد الله بن السائب والي مكة صحابي.
وروى ابن حجر العسقلاني الشافعي المتوفى سنة (٨٥٢هـ - ١٤٤٨م) في كتاب (الإصابة في تمييز الصحابة) عند الكلام على عبد يزيد بن هاشم بن المطلب روايات قال على أثرها:
(وعلى هذا فيكون في النسب أربعة أنفس في نسق من الصحابة: عبد يزيد وولده عبيد، وولده السائب بن عبيد، وولده شافع بن السائب) ج٨ ص١٩٣
ويظهر أن بيت الشافعي كان بيت حكم وعلم في مكة. فقد رأينا أن عبد الله بن السائب أخا شافع بن السائب كان واليا لمكة.
стр. 1937
وقال ابن حجر العسقلاني في كتابه (توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس): (وأما عثمان بن شافع فعاش إلى خلافة أبي العباس السفاح) وله ذكر في قصة بني المطلب لما أراد السفاح إخراجهم من الخمس وأفراده لبني هاشم، فقام عثمان في ذلك حتى رده على ما كان عليه في زمن النبي ﷺ ص٤٥
وذكر ابن عبد البر فيمن أخذ عن الشافعي علمه من أهل مكة أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع قال: (وهو ابن عمه، وروى أيضا عن ابن عيينة وغيره وكان، ثقة حافظاً للحديث ولم ينتشر عنه كبير شيء في الفقه، وكان منشؤه بمكة وتوفي بها سنة سبع وثلاثين ومائتين، وحدث عن جماعة) ص١٠٤
ولسنا نعرف من أمر إدريس والد الشافعي إلا انه كان رجلا حجازيا قليل ذات اليد، وانه خرج مهاجرا من المدينة حين ظهر فيها، بعض ما يكرهه، أو خرج من مكة إلى الشام لحاجة في رواية اخرى، وأقام بغزة أو بعسقلان من بلاد فلسطين ثم مات بعد مولد الشافعي بقليل.
أما أم الشافعي فهي أزدية في ارجح الروايات، وهي الرواية المشهورة المعزوة إلى الإمام نفسه، وذكر بعض المؤرخين أن كنينها (أم حبيبة الأزدية).
ونقل بعض أصحاب التراجم أن أم الشافعي هي فاطمة بنت عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
وقيل: فاطمة بنت عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي.
وقالوا: إنهم لا يعلمون هاشميا ولدته هاشمية إلا علي بن أبي طالب والشافعي.
ورجح هذا القول ابن السبكي في كتاب (طبقات الشافعية الكبرى) لكن الفخر الرازي يرى: إن هذا القول شاذ، ويقول ابن حجر العسقلاني: انه لم يثبت ويرده كلام الشافعي نفسه. قال ابن السبكي: (ولله درها من أي قبيلة كانت!).
قال ابن حجر: (ومن ظريف ما يحكى عن أم الشافعي من الحذق: إنها شهدت عن قاضي مكة وهي اخرى مع رجل. فأراد القاضي أن يفرق بين المرأتين، فقالت له أم الشافعي: ليس لك ذلك، لأن الله يقول: (أن تظل إحداهما فتذكر تحداهما الأخرى) فرجح القاضي لها في ذلك. وهذا فرع غريب واستنباط قوي).
стр. 1938
ولو أن أم الشافعي كانت بهذه المثابة من دقة التفريع وقوة الاستنباط لعرف التاريخ على الأقل اسمها وعرف أين وافاها حمامها وفي أي زمن.
هذه السيدة التي يختلفون في نسبها ويختلفون في اسمها هي التي كفلت طفلها يتيما غريبا فقيراً، ولم تزل ترعاه بعنايتها وتتولاه بهديها حتى أصبح بين المسلمين إماماً.
خرج إدريس بن العباس والد الشافعي من مكة مهاجراً يفر من الظلم أو يفر من الفقر أو يفر من كليهما، وقد يكون في طريقه إلى فلسطين أقام في المدينة زمنا، فقال بعض الرواة: إن هجرته كانت من المدينة ثم نزل في غزة أو في عسقلان، وهما ثغران من ثغور فلسطين متجاوران، وعسقلان هي المدينة، وأقام هناك مع زوجه التي وضعت له طفلا ذكرا لم يكد يتنسم الحياة حتى أدرك الموت أباه.
هذا مولد الشافعي، ولا خلاف بين الرواة في أن الشافعي ولد (سنة ١٥٠ هـ - وهي السنة التي مات فيها أبو حنيفة على الصحيح كما ذكر ابن حجر وغيره.
стр. 1939
جنون الشباب
أفْدي بروحي الْغَانيا … ت المائسات قُدُود هنَّهْ
الخالعاتِ عَلى الحيا … ةِ روَاَءها بجمالِهِنَّهْ
النَّاعمات الْغيدِ يُرْ … شَف كالْمُدامَةِ ريقهنَّهْ
الْباعثاتِ بِكلِّ قَلْـ … بٍ وَجْدَهُ ألْحَاظهنَّهْ
يَمرْحْنَ في ظِلِّ الشَّبا … بِ فَتَرْقصُ الدُّنيَا لهنَّهْ
خطَوَاتهنَّ عَلَى الفؤا … دِ كأنَّها وقْع الأسنَّهْ
الشِّعْرُ والسِّحْرُ الحلا … لُ وفتنة الألبابِ هَنَّهْ
وإِذا أرَدْنَ جَعَلْنَ مِنْ … صَحْراءٍ هذا العَيْشِ جنَّهْ
لِلّهِ يَوْمٌ كُنت في … هـ صريعَ نَبْلِ جفونهنَّهْ
ما أعْذَبَ الألمَ الَّذي … يَصْلاهُ قَلْبي عِنْدَهنَّهْ!
آمَنْت بالحُسنِ المبي … نِ وهِمْتُ مِنْهُ بكلِّ فتنهْ
لَوْلا الْجَمال لكانتِ الدُّ … نْيا كأسْدافِ الدُّجهْ
ياطيبَ أحْلامَ الصِّبى … مِنْ بَلْسَم يا طيبهنَّهْ!
إِنَّ الحياةَ هي الشَّبا … بُ فان تولى فَهْيَمحْنَةْ
رقَّ النسيمُ ورجَّع الْ … غريدُ في الأغصان لَحْنَهْ
فاغْنَمْ ربيعَ العُمْرِ غضّ … اً، فالشَّباب هوىً وجِنَّهْ
دمشق. حلمي اللحام
стр. 1940
راعي الغنم
يا ليتني راعياً غنما … في البر أقضي الحياة منفردا
// لي أمة أينما ذهبت معي … تذهب لما ارتضتهدايهدى
أمة ضأن قد ارتضيت بها … أهلا كما اخترت ولدها ولدا
فكل صبح نمضي إلى وطن … وكل يوم نبني لنا بلدا
موطننا حيثما يطيب لنا … وكل أرض عشنا بها رغدا
آنس فيها اما وجدت أسى … أو تلتجي لي إمارات أحدا
حينا تراني كالفيلسوف بها … يضرب في الكون ناظري صعدا
وتارة شادياً أردد في … لحني وأصغي إذ تستعجل صدى
تهيج نايي النعاج ثاغية … مثال جوقين بالغنا اتحدا
وتارة أغتدي لها ملكاً … تطيعأمري مهما رفعت يدا
وكيف أرضى بذبحواحدة … منها وقد أغدقت علي ندى
تأكل عشبالثرىوترضعني … دَراً وتكسو بالصوف لي جسدا
عمري عيشي في الضان لأعمر … يذهببينالورىعلى سدى
أحمد الصافي النجفي
стр. 1941
الكروان
ألَا أيها الكروان صَحَّتْ لك الرُّبَى … وطابت مَجانيها ففيمَ تَصيحُ
أراكَ كأن الوَجْدَ أشجاكَ والأسى … رماكَ فتَغْدو وَالِها وتروح
كأنك والأشجارُ أعوادُ مِنْبرٍ … خطيبٌ لأرباب الهوَى ونَصيحُ
ألا غنِّني وأنشدْ فُؤاداً أضلَّهُ … عُيونُ المَها عَلَّ الفُؤاد يلوحُ
وآسِ بِما توحيهِ قلبي فَربَّما … تَقَرَّح قلْبُ المَرْءِ وهو صحيحُ
محمد محمود الرافعي
стр. 1942
في الأدب العربي
الطبيعة في شعر ابن خفاجة
١
في سنة ٤٥٠ للهجرة ولد الشاعر أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة في الأندلس في جزيرة شقر ونشأ فيها كما ينشأ غيره حسب نظام الحياة في تلك العصور على أخذ اللغة العربية عن الرواة والنحويين، وعلى تلقن أحكام الفقه عن الفقهاء والمعلمين، حتى كانت له في الفقه مكانة لم ينكرها معاصروه فلقبوه بالفقيه.
ربما خطر ببالك أننا سنأخذ بعد هذه المقدمة في وصف حياة الشاعر بعد زمن التعلم، وربما لاح لك أن حياته بعد أن صارت له بالفقه تلك المكانة ستكون مملوءة بالأحاديث العلمية والمجادلات الدينية وانه سوف لا يخرج من مجلس علماء إلا ويدخل في مجلس فقهاء، ربما لاح لك أن حياته ستكون بعد أن لقب بالفقيه حياة مدرس جاد أو قاض عادل، أو انه سيسلك سبيل المناصب في الدولة من أمارة أو وزارة، ربما لاح لك ذلك على وجه الظن إن لم يكن على وجه التحقيق، لأنه نتيجة محتومة لحياة التلمذة التي قضاها بين الجد والدرس، وبين مسائل الفقه وأحكام الدين، وبين كتب الكوفيين وكتب البصريين، فنحن نجيبك عما خطر ببالك بالإيجاب، وعما لاح لك بالسلب، ونقول فيه انه كان في طبيعة أبي نؤاس وفي حالة فقيهان غلب عليهما الشعر، وعالمان غلب عليهما الظرف والدعابة
عاش ابن خفاجة في الأندلس وهي يومئذ جنة الله في أرضه، أكسبها موقعها اعتدال المناخ ورقة الهواء، وسقاها الغمام من دموعه، في أكثر أيام السنة، وتفجرت أرضها بالينابيع والجداول في كثير من وديانها، ونبتت الأعشاب والأزهار حول هذه المياه، وقامت فيها الأشجار فلا ترى إذا سرت فيها إلا مياها قوية دافقة، وظلالا وارفة واسعة، في أيام استتب الأمن فيها على يد العرب الفاتحين، وعملت يدهم فيها فأقاموا الجسور وشيدوا القصور وبنوا المدن، ثم خططوا الرياض والبساتين وغرسوا بها الأشجار والأزهار والرياحين، وأسالوا إليها مياه الأنهار والجداول، وأقاموا فيها البرك الجميلة، والبحيرات الواسعة، والمجاري الكثيرة، فدنت قطوفها وكثرت خيراتها، وتحولت من حقول خربة واسعة وأحراش كثيفة إلى بلاد عامرة، ورياض زاهرة، وقصور مشيدة، فتحولت من ملك
стр. 1943
مضطرب قبل الفتح إلى ملك ثابت وطيد بعده، وتحولت حياتها من حياة ريفية مقلة، إلى حياة مترفة ساحرة
وكان من الطبيعي أن يكون لسكان تلك الأرض عواطف رقيقة ونفوس جميلة لما للطبيعة الماثلة في كل وقت وفي كل مكان أمام أعينهم من أثر، ولما في حياتهم من ترف ونعيم
وابن خفاجة في حياته يمثل لنا الرجل الأندلسي الذي عاش في تلك العصور أحسن تمثيل، وفوق ذلك كان لا يميل إلى مناصب الدولة ولم يكن له عمل من الأعمال العامة، وإنما عاش كما وصفه الأستاذ الزيات في كتابه تاريخ الأدب العربي (عيشة الفنانين خيلع العذار طليق الإسار) وكان له من طبيعته خير مساعد على الهرب بنفسه من بين كتب الفقه والنحو، ومن بين جدران قاعات الدروس والمجالس العلمية، فاقتصر في حياته على مشاهدة طبيعة بلاده الساحرة ومناظرها الزاهية، في اجتماعاته على مجالس الأدباء والشعراء في بياض يومه، وحضور ليالي اللهو والخمر تحت أشجار الأراك بين الأباريق والأقداح وبين الورد والريحان، حتى يمسح الصبح كحل الظلام (فامتلأت عينه ونفسه من جمالها، وراح يبرز هذا الجمال المعنوي في حلل شعرية)
الممنا في المقدمة السابقة إلمامة قصيرة بوصف طبيعة الأندلس، وطبيعة ابن خفاجة، فالأولى كانت جميلة المناظر، زاهية الألوان، والثانية كانت كوجه البحيرة صفاء وركودا ينعكس فيها كل مشهد من مشاهد الكون جميلا جذابا، وقلنا إن طبيعة ابن خفاجة أحبت طبيعة بلاده حبا بلغ به حد الغرام حتى هجر حياة الدرس وحياة العمل واقتصر على حياة كحياة الفنانين الذين ينقطعون إلى مشاهدة مناظر الحياة التي تتعلق بفنهم، ولعلك ترانا محتاجين إلى مثل هذه المقدمة، فان الموضوع الذي كلفنا أنفسنا بحثه يحتاج إلى مثل هذه المقدمة، إذ كل ما نقصد من هذا الموضوع أن نقدم بين يديك الصور التي اجتلاها بن خفاجة عن الطبيعة.
ترى الطبيعة في شعر ابن خفاجة ماثلة واضحة، تقرأ له القطعة فترى وتسمع وتشم. ترى الناظر واضحة جلية، وترى خضرة الأشجار، وحمرة الأثمار، وبياض الحباب، وصفرة الشمس، وترى ذهب الأصيل ولجين الماء وزرقة السماء، ثم تسمع نشيد المغني ووقع الرباب وغناء الحمام، ورنين المكاء وخرير الماء، وتشم عرف الروضة الغناء، وأريج
стр. 1944
الأزهار البيضاء، ورائحة الورد الحمراء، ثم تقرأ له من التشبيه الساحر والطباق الدقيق، والكتابة اللطيفة ما لا يخرج عن الربا الخضراء والوهاد الشجراء والأدواح اللفاء، وما لا يخرج عن العنبر والعرار والسوسن والأقحوان. إن بلاداً يصفها الشاعر فيما يصف فيقول:
يا أهل أندلس لله دركموا … ماءوظلوأنهاروأشجار
ماجنةالخلدإلا فيدياركموا … ولو تخيرت هذا كنت أختار
لا تحسبوا بعد ذا إن تدخلوا سقرا … فليس تدخل بعدالجنة النار
وان حياة يحياها الشاعر كما وصفها فيقول:
إنما العيش مدام أحمر … قاميسقيهغلامأحور
وعلى الأقداح والأداوح من … حببنور وتبرأصفر
فكأن الدوح كأسأزبدت … وكأن الكأس دوح مزهر
إن تلك الأرض وهذه الحياة لدليل واضح على صفاء نفسه ودقة حسه، وعلى تأثيره بمشاهد أرضه إلى حد يشبه جنون الفنانين فقد كان يذكر الطبيعة في مواقفه التي وقفها راثيا باكيا وفي مواقفه التي وقفها زاهدا متململا، وفي مواقفه التي وقفها معاتبا ممضا، وفي مواقفه التي وقفها مادحا يمدح الإخوان والقضاة، وفي مواقفه مداعبا إخوان الود ورفاق اللهو والسمر
لقد كان للطبيعة في لطف نفس الشاعر ورقة حسه أثر، وكان للطبيعة في شعره ظل، وكان للطبيعة في كل أغراضه التي قال بها الشعر ذكر، فهو (شاعر الطبيعة ومصورها) كما قال الأستاذ الزيات
٢
نفس الشاعر:
لأبن خفاجة في شعره صورة صادقة من طبيعة نفسه ففي قوله:
إنما العيش مدام أحمر … قام يسقيه غلام أحور
إلى آخر الأبيات صورة لتلك النفس التي لا ترتاح إلا إلى خمرة حمراء من يد جميل أحور في ظل الدوح المزهر
فهو لا يرى في الحياة شيئا غير هذا، أو كأنه لا يريد أن يرى في الحياة شيئا غير ما ذكر،
стр. 1945
أو قل أنه يضع بذلك نموذجا للحياة اللذيذة كيف تكون، ألا ترى أنه كيف عكف على رشف الكؤوس الحمراء ومراقصة الأغصان الخضراء:
عاظر إخلاءك المداما … واستسق للأيكة الغماما
وراقص الغصن وهو رطب … يقطر أو طارحالحماما
فهو لا يرى للحياة أن تنهك الأذهان بالتفكير فيها، ولا يرى لها أن تهلك المرء بالعمل لها، وليس للحياة أن نجعل من الإنسان عبداً ذليلا للجد والعمل. ولكنه يرى أن تكون الحياة ألهية جميلة يتلهى بها الإنسان عن مشاقها، ويتسلى بها عن أحزانها، ويرتاح لها، ولا يرى في الحياة ألذ من رشف الكأس الوردية، ولا أروح للنفس من مراقصة الأغصان الرطبة، ولا ألذ في السمع من مطارحة الحمام ولا أجمل في العين من ألوان النور في الصباح والمساء في الروضة الغناء، فابن خفاجة لا تطيب له الحياة إلا عند شواطئ الجداول والينابيع وتحت ظلال الأدواح، وبين الأباريق والأقداح انظر إليه كيف يقول:
أمالديك حلاوة … أما عليك طلاوة
طايب وداعب ولاعب … واترك سجايا البداوة
فكأن حياة الجد وطبيعة الانقباض والوحشة لا توافق مذهبه أو قل لا تتشابه ولا تتجانس مع طبيعته التي تتعشق السرور ونفسه التي تحب اللهو والعبث.
لم يبق بعد هذا من شك في أن طبيعة الرجل كانت طبيعة سرور وطرب، بل كانت فوق ذلك طبيعة متفائل يهزأ بمصاعب الحياة وليس من شك في أن نفسه كانت تميل إلى الهزل وتميل إلى العبث، بل ليس من شك في أن حياته كانت حياة مستهتر يهرب من وجه الحياة العابس إلى وجهها الضاحك، فلم يتول عملا من الأعمال العامة. ولم يتصد لمدح الأمراء والوزراء والملوك على كثرة تهافت العلماء عليهم، وعلى حاجة الملوك إلى أمثاله.
هنالك ملاحظة أخرى: هي أن ابن خفاجة كان على علمه وفقهه لا يشتغل بالعلم ولا بالفقه، ولعله كان يعتقد أن للعلم فضيلة في ذاته وان على الإنسان أن يتعلم العلم لا ليجعله آلة تدر عليه المال، بل كان يعتقد أن العلم جمال لأهله وزينة لهم. ومثل هذا الاعتقاد نجده في قوله:
درسوا العلوم ليملكوا بجدالهم … فيها صدورمراتبومجالس
стр. 1946
وتزهدوا حتىأصابوافرصة … في أخذ مال مساجد وكنائس
فهو ينعى على أولئك الذين يجعلون العلم وسيلة لتصدر المجالس، ولنهب المساجد والكنائس، ويعيب عليهم ذلك. ولعل هذا هو السبب الذي دعا ابن خفاجة إلى أن يعرض عن مجالسة علماء عصره وأن يصدف عن مجالس العلم ومسائل الفقه، وأن يقتصر في مجالسه على مجالس الأدباء والشعراء، وأن يقتصر في أحاديثه على ذكر المتنزهات، وأن يقتصر في شعره على وصف الطبيعة:
هذه هي الصورة الواضحة التي نراها للرجل في شعره. نفس تميل إلى السرور والبهجة وطبيعة تهرب من الجد إلى الهزل، ومن الانقباض إلى الانشراح، ومن اللذة الآجلة إلى اللذة العاجلة، ومن التحجب والحياء والتكلف إلى اللهو والعبث والمجون. فليس بغريب أن تميل هذه النفس وتلك الطبيعة إلى مجالس السرور والطرب وإلى معاطاة المدام، وليس بغريب بعد هذا أن يصف ابن خفاجة في شعره مجالس أنسه، وأن يصور لنا بمقطوعات رائعة الأنهر الفياضة والضفاف الخضراء والرياض الفيح.
وصف الطبيعة: -
وفي وصفه مناظر الطبيعة وفي تشبيهه إياها بمناظر وأشياء تشابهها لا يخرج في كل هذا عن الطبيعة في شيء. فيشبه النهر المتعطف والأزهار النابتة حوله بمجرة السماء.
متعطف مثل السوار كأنه … والزهر يكنفه مجر سماء
ويشبهه أيضا وقد حفت به الغصون بأهداب العين الزرقاء
وغدت تحف به الغصون كأنها … هدب يحف بمقلة زرقاء
ويصف موقد قد اشتعلت فيه النار فيقول:
منقسم بين رمادأزرق … وبينجمرخلفه يلتهب
كأنما خرت سماءفوقه … وانكدرت ليلا عليه شهب
فهو في وصفه الطبيعة لا يخرج عن الأوصاف والتشبيهات التي تحتويها الطبيعة: فالنهر المتعطف والأزهار النابتة حوله، وزرقة النهر وأغصان الأشجار القائمة على شاطئيه، والموقد المشتعل، والرماد الأزرق والجمر الأحمر، كلها مناظر طبيعية؛ كذلك مجرة السماء والمقلة الزرقاء والسماء المتساقطة، والشهب المنكدرة كلها مناظر طبيعية، من هذا يمكنك
стр. 1947
أن تلاحظ إلى أي حد بلغ غرام ابن خفاجة بالطبيعة وحبه لها. وأنظر إليه كيف يصف ما فعل بهم الطرب وكيف يشبه الهلال بالطوق المذهب:
واهتز عطف الغصن من طرب بنا … وأفتر عنثغرالهلالالمغرب
فكأنهوالحسنمقترنبه … طوق على برد الغمامة مذهب
فهو يشبه اهتزازهم من شدة الطرب وقت المساء الساحر بالغصن يهتز وينعطف، ثم شبه الهلال الذي ابتسم عند المغرب بطوق ذهبي على برد الغمامة. وقال يصف الصباح الرائع:
والصبح قد صدع الظلام كأنه … وجه مضيء شف عنه قناع
فقد شبه نور الصبح حين ينتشر فيمحو ظلمة الليل بوجه وضاء شف عنه قناع رقيق. ويصف الصباح في غير موضع فيقول:
وقد مسح الصبح كحل الظلام … وأطلع فود الدجى أشيبا
فكما أن الصبح المضيء والدجى المظلم من مناظر الطبيعة فكذلك كحل الظلام وفود الدجى الأشيب صورتان عن الليل المظلم والصباح المنير، ويقول في تشبيه الظلام بالكحل والقطر بالعبرات
يجول للغيم كحل … فيه وللقطر عبره
فلم يخرج في تشبيه الغمامة الدكناء والأمطار الهاطلة عن كحل الكاحل وعن العين المستعبرة، ويشبه خيوط الشمس الذهبية في المساء، ولون الماء الصافي فيقول:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى … ذهب الأصيل على لجين الماء
والذهب الأصفر واللجين الفضي كلها ألوان طبيعية: فكأن ابن خفاجة يحتقر الصناعة ويحتقر ألوانها، فلا يشبه مناظر بلاده التي يراها إلا بمناظر وألوان طبيعية، ولا يصور الطبيعة إلا بألوان وأدوات طبيعية، أو قل أنه رأى أن الصناعة والحياة الاجتماعية أقل مناظر وأقل ألوانا من الطبيعة، فمال عنها إليها يمتع الطرف ويقول الشعر ويصف الشيب والشباب فيقول:
فأحسن من حمام الشيب عندي … غراب شبيبة ألف النعيبا
فهو يشبه الشيب المخضب بالحناء بالحمام، ويشبه شعر رأسه الأسود في زمن الشباب
стр. 1948
بالغراب، ثم يقول: إن نعيب الغراب المشؤوم أحسن عندي من هديل الحمام المحبوب.
ونختم كلامنا الآن بهذه المقطوعة وهي تصف عشية من عشيات الأنس، ولاحظ إذا شئت فيها أنه لا يخرج في تشبيه مناظر الطبيعة عن الطبيعة:
وعشي أنسأضجعتني نشوة … فيه تمهدمضجعي وتدمث
خلعتعليبهالأراكة ظلها … والغصن يصغي والحمام يحدث
والشمس تجنح للغروب مريضة … والرعديرقىوالغمامة تنفث
عبد الرحمن جبير. أدلب
стр. 1949
من الأدب الغربي
من كتاب الحب
للكاتب النرويجي بيتر نانزن
نقلا عن الترجمة الألمانية
حبيبتي أشهى النساء إلى النفوس، لقد وهبني غيرها من النساء حبهن فكن يذهبن ويجئن، بعضهن مرة وبعضهن مراراً، أنني أشكر لهن جميعاً، ولكني كنت أنساهن حين يجاوزن عتبة الدار.
على أنني كنت دائما مشغول الفكر بواحدة أخرى، أفكر فيها حتى وأنا مع غيرها، لأنها كانت المثل الذي أقيس علبه الأخريات فلا تستطيع إحداهن أن تكونه.
هي واحدة ليس غير! كنت دائما أرجو أن أظفر بمرآها داخلة من الباب، فان جمالها كان يتجدد في كل مرة أراها.
هي واحدة لا أكثر! كنت أرغب أن أحيا في ظلها، لأن العيش معها يفرغ على الحياة الجمال كله، ويبعث في أفقها أشعة شمس جديدة.
هي واحدة لا أكثر! كنت أشتهي معها الموت، لأني وأنا بجانبها لا أعرف الخوف.
اسم حبيبتي مارية، وهي أجمل النساء.
لست أبالي الثناء الذي يضفي الشاعر حلته على حبيبته الوحيدة، لأن حكمه كحكم الفلاح الجاهل. وغالباً ينطق كل شيء بأنها لا تستحق كل تلك الكلمات الجميلة التي أغتصبها من اللغة لأجلها.
إن الرجل الذي لا يعرف إلا لوناً واحداً ثم يزعم أن هذا اللون - وليكن الأحمر أو الأزرق أو الأصفر - هو أجمل الألوان، فان حكمه وإن اختلف عن حكم الأعمى، لا يعدو حكم الأعشى.
ولو أن لي عشيقة تطمئن إلي وأنا أقول لها انك أول من أحببت، وأنت أنت الوحيدة التي أحببتها، وانك أجمل إنسانة. لو أنها اطمأنت إلى هذا القول لهانت علي وسللت ثوبي من ثوبها، إذ لو كانت على ثقة من قدرها، أو يعنيها أن يزداد حبي لها، لقالت: اتخذ لنفسك عشر عشيقات أو عشرين، واختر منهن من يقتتل عليها الرجال، فإذا ما ملكتهن جميعا ثم
стр. 1950
رجعت إلي تصفني بأنني أجمل امرأة في الدنيا فعندئذ أفخر بذلك وأكون سعيدة.
فأنا إن قلت لمارية أنها أجمل من أظلهن الأفق فليخفق قلبها خفقات السرور، فإني ما كنت الأمين في حبها إلا ساعة أيقنت أني أقول الحقيقة. ما عرفت أني جهرت بالحقيقة إلا حين شعرت بأني سأفقدها إلى الأبد.
إنها تجربة الحب التي أرجو أن تقع لكل إنسان، إنها تجربة تبعث الألم لأنها من نار.
الألم يفصح ويثمر، الحب الذي يذوي بالنزق، ينمو بالألم ويترعرع. فبوركت أيها الألم لأنك ثبّت في قلبي حب مارية.
عرفتها وهي كالطفلة الغريرة الساذجة، وإني لأراها في ذلك اليوم وهي على ثقة من نفسها، فكانت تحاول أن تظهر كالمجربة، فكانت تتحدث عن الحياة كأنما سبرتها إلى الغور، ولاقت من التجاريب ما كشف لها عن الحياة وزورها، ووقفها على فتنتها وغرورها، فملّت كل شيء وكانت تؤكد - وهي تنظر بعينيها الصافيتين كعيون الأطفال - أنها تفكر حقا في الالتحاق بالدير، لأنها تعلم أن حياة التجرد الهادئة تعينها على احتمال البقية الباقية من الحياة التي فرضها عليها القضاء، فإنها كما كانت تؤكد، ترى أن السعادة في الحب، وقد فرغت من هذا الأمر منذ زمن وقالت: (لقد أحببت خطيبي، وكان طالباً، ولكني الآن أحتقره وأمقت عبارات الحب التي كان يقولها، إنني لا أصلح للحب)
كانت تقول هذا بصوت خافت وقد احمرت وجنتاها وبرقت عيناها، وفي حياء المرأة التي لا تصلح إلا لشيء واحد. . . هو الحب.
عندما وقفت تلك الفتاة الرشيقة أمامي تقص علي تجاريبها المحزنة شعرت بأنني أصبحت عاشقا.
ما كان أجملها وعلى وجهها سمات الألم البريئة، وما كان أحلاها في ثوبها الجميل!
لن أنسى ثوب مارية الجميل ساعة عرفتها لأول مرة. لقد جاء وقت كان فيه لمارية كثير من الثياب. ولكنها أجمل ما تكون في ذلك الثوب الذي كان وحيدها يومئذ. انه ثوب بسيط نصفه الأعلى صدار أبيض موشى له لمعة الحرير وإن لم يكن حريراً وتزر طوقه حول عنقها بمشبك دقيق مموه بالذهب.
كانت ككل فتيات المدن الصغرى يخرجن يوم الأحد للنزهة فتسفر وجوههن عن الجمال و
стр. 1951
تنم ثيابهن عن معرفة أمهاتهن بقواعد الاقتصاد
كان هذا الصدار بسيطا ومقبولا لدى الذوق، ولشد ما كانت تحرص على ألا يعلق به قذى. ولما أبى القدر القاسي إلا أن تقع عليه بعض قطرات من النبيذ نشطت في حماسة تغسل تلك البقع (الرذلة) متظاهرة بعدم المبالاة كأن لديها الكثير من الثياب الجميلة الغالية.
يا لك من فتاة صغيرة جميلة لا تحسنين الكذب، فما كان أيسر على المرء أن يستشف قرارة نفسك وأنت منهمكة في التنظيف تؤكدين أنه لم يحدث ضرر لأن الثوب عتيق!
هذا الثوب العتيق هو ثوبك الوحيد. . . . . تكاد الدموع تبتدر من عيني كلما خطر ببالي ذاك الخاطر. فمن خلال هذا الصدار الرقيق تروحت لأول مرة شذى جسمك الطيب وشعرت بدقات قلبك المضطربة
في ذلك الوقت كنت أشعر بعطف على تلك الفتاة الصغيرة ذات الصدار الموشى التي كانت تتكلم كذوات السن من النساء، وأعتقد أن لهذا الصدار أثراً كبيراً في ليني ورقتي لمارية، هذا الصدار الذي كان مملكتها الوحيدة والذي كانت تحرص ألا يبلى
يقف الرجال غالبا من النساء مواقف الأغبياء لأنهم يكثرون من الحرص والحذر، فالمرأة لا تريد أن تخدع بالكلام ولكنها تحب أن تؤخذ بالقوة فإنهن بلا استثناء يشعرن غريزة بأنهن الجنس الضعيف المغلوب ويردن أن يشعرن بإرادة الرجل وقوته مسيطرة عليهن، وتراهن لسبب لا يستطعن إيضاحه يحتقرن الرجل الذي يتذلل للحصول على رضاهن وهن يعتبرن الرجل الذي يرتد أمام فضائلهن غبياً، لأن هذه الفضائل، في رأيهن، ما عزت إلا لتخضع لليد القوية.
لم أذهب مع مارية ذلك المذهب الحاد لأنني كنت واثقا من أنه سيأتي اليوم الذي ترتمي فيه من تلقاء نفسها بين ذراعي لأن هناك مكانها الطبيعي وقد عرفت ذلك من انكسارها أمام نظرتي وضغطها يدي، عرفت ذلك من أول يوم، إذ وقفت وراءها وهي لا تراني ولا تسمعني وإذا بجسمها يضطرب وتسري فيه الرعدة من فرع إلى قدم.
لم تكن طريقة الهجوم هي الطريقة التي تتبع مع مارية، وقد رقق الصدار الموشى قلبي حتى أنني لم أرغب في أن أمتلكها على غرة.
وكما أن البستاني يفرح بزهرة نادرة ويظل يرقبها يوماً بعد يوم وهي تنمو وتتفتح، فلا
стр. 1952
يلمسها بيده ولكنه يزيل من حولها العشب والأوراق التي تكتنفها وتضيق عليها، ويعرضها للضوء والحرارة ويتعهدها بالماء والعناية، هكذا ظللت أرقب مارية وهي تنمو وتتكون امرأة ويشتد غرامها.
كان طبيعيا أن يأتي اليوم الذي تسقط فيه الزهرة بين يدي البستاني الذي ظل ينتظرها بصبر وأناة.
طال صبر البستاني. وفي بعض الأوقات كانت مارية تجتذبني من ذراعي وقد ضرجت وجنتيها الحمرة وتقول لي وقد ملأتها سخرية بنات حواء: (هل أنت غبي؟)
تظن المرأة أنها تتمتع باحترام الرجل لها وإعجابه بها إذا هي ظلت إلى اللحظة الأخيرة تمثل دور المستغواة، ويجمل بالمرأة ألا تتورط في استعمال هذه الألاعيب مع المجربين من الرجال.
ربما كان لهذه الألاعيب تأثير في الذين يرون أنفسهم لصوصا حين يستحوذون على امرأة، ولكن هذه الخدع، التي لا تتنوع ولا تتغير، قد تهيج نفوسنا وتضطرنا إلى الغلظة في الكلام أو المعاملة، وهذا ينتقص الجمال الكامل ويشوه مظهره ويفقد المرأة كثيراً من الذكريات الجميلة في حياتها.
مارية!! يا أرق إنسانة شعوراً! أشكرك لأنك أعفيتني من هذه الخدع والمهازل، من الحياء المتكلف، من الخوف المموه، من الدموع الكاذبة.
مارية كانت لي! ولكني لم أكن لها، أو على الأقل كنت أعتقد ذلك وكانت هي تعرف هذا حتى أنها لا تطمئن إلى خروجي من الباب. إنني أعرف رأيها فقد صارحتني به مراراً ولم أحاول تفنيده لأنها كانت تعجبني كثيراً وهي تبدي رأيها.
كانت شديدة الغيرة، ولكن بذكاء وروية وتسامح.
كانت تعتقد أن لي في اليوم عشر عشيقات.
أيتها الفتيات الصغيرات! إنكن تبالغن في مقدرة الرجل إلى حد بعيد، وتندفعن دائما وراء خيالكن.
في هذه النقطة لم تكن مارية في شيمة غير شيمة بنات جنسها. كانت تزورني لا أقل من ست مرات في كل أسبوع وكانت تجدني كل مرة في انتظارها باشتياق، وبالرغم من هذا
стр. 1953
كانت تؤكد، وكذلك يقول كل الناس، أن لي عشرات العشيقات.
لست أنكر أنني كنت أخون مارية في الحين بعد الحين ولكن كنت لها أكثر مما تظن.
أما ما يقوله الناس فلست أباليه.
كل الناس!
عبارة أشمئز منها، ديدان تنساب إلى حياتنا المنزلية من ثقب الباب أو من فرجته وتجر معها شيئا من قاذوراتها.
أحكموا إغلاق النوافذ والأبواب، حصنوا حياتكم الخاصة بالحديد والفولاذ، فأنكم بالرغم من ذلك ستجدون (كل الناس) واقفين ينظرون من الخارج ويظنون ظنون السوء ويعلق الوضر بأبوابكم أو نوافذكم.
كل يوم أرى على زجاج نافذتي ذبابة تنفس بها العمر تبدو ضعيفة كأنها لا تستطيع الحراك، ولكني لا أكاد أقترب منها حتى تكون قد طارت بسرعة.
إني أسمع طنينها واصطدامها بالزجاج فأفتح النوافذ جميعها وأطاردها بالمنشفة، فإذا بها تختفي فجأة تحت السرير أو وراء المرآة أو على إطار صورة حيث تقف لا تبدي صوتا.
إنها لا تتركني وتلحق القذى بفراشي وأسمع طنينها المقلق فوق سريري كل يوم.
وذات مساء بينما كانت مارية تنضو عنها ثيابها أمام المرآة وإذا بتلك الذبابة القبيحة تقع على جسمها الأبيض.
أحمد شكري
стр. 1954
من الشعر الإنجليزي:
إلى الحرب
للشاعر الأسترالي هيلز يدعو الإنجليز إلى إشراك قومه في حرب
جنوب أفريقية
مَاذَا غدَوْنَا؟ أسوُقاً لا تَرَوْنَ لهَا … لَولَا تِجارَتُكُمْ قَدْراً ولا شَانا؟
أمْ نَحْنُ بَعضُ بني ذَا المُلْكِ ما بَرحُوا … مُنَظَّميِنَ بِهِ خَيْلاً ومُرَّانَا؟
فَإنْنَكُنْسنعيشُالدَّهرَفيرَحمٍ … كالابْنِو الأمِّإخلاصاًوإيمانا
فلْنَحْتَمِلْ مَعَكمْ عبَءالجهاديداً … ولْنشهدِالرَّوْعأنجاداًوأعوانا
فماأرىالشعبَ شعباً يوممَفْخَرهِ … وَلَا أُحِسُّ لهعِزَّاوسلطانا
حتى تَزُفَّ بنيها كلُّ والدةٍ … إلى الرَّدَى مُسفِراً في الرَّوْع عُريانا
ها قد دعتْأُسْتُرالْيافَلْتلبِّ لهَا … إنْجلتْرِاو لْتُجيبُوااليومَ نَجوانا
مِنَّاابْتِسامٌإلى مَنآبَفيغَدِهِ … لَنَا ودمعٌعلى مَن في الوَغى حانا
سَنَمْتَطي الخيلَ مَع أفذاذِ مَنْ نَجَبَتْ … إنكلتراوَنخُوضُ الهَوْلأَقْرَانا
لانَبتغيغيرمَيدانٍلِعَسْكرِنَا … رَحبٍ ومَدْفَنٍ أجْنادٍلقتلانا
فخري أبو السعود
شهيدا الطيران
للأستاذ عبد المغني المنشاوي
هاضت الأقدار للنسر جناحاً … فتردَّى من علاه في الحُفَرْ
وبكاه ملكَ الموت فصاحا … كل شيء بقضاء وقدر
كنتَ يا بدرُ سميرَ المَلَكِ … مَنْ سمير القبر وَهْناً يا تُرَى؟
طرتَ يا حجاجُ فوق الفلكِ … هل تطير اليوم في جوف الثرى؟
هتفَ الناعي فقلنا كذبَا … كيف يَهْوى من سماه كوكبُ
أطلعته مصرُ يَروى نسبا … في علَاها فحواهُ المغربُ
стр. 1955
طار يبغي وَكرَهُ مقتحما … كلَّ لُجٍّ لا يبالي الغَرقا
واحتواه شوقه مضطرما … فتلظَّى قلبُه فاحترقا
شيَّعوهُ يا لَه مِن كوكب … كان ملء العين والقلب ضياَء
سارتْ الدنيا له في موكِب … زلزل الأرض وكم أبكى السماَء
إِن غداً جُسمانُه في العَلَمِ … فهو نَجْمِ في هلال ونجومْ
أو بدا في الموت كالمبتسم … فسجينُ فَرَّ من دار الهمومْ
لا تَشُقِّي مصرُ جيباً بعده … يفزع الأبطال من شق الجيوب
بل فشقّي كل قلب عندهُ … ثم قومي فادفنيه في القلوبِ
انثرى الأزهار من بين يديه … فهو يهوَى في مُنى مصر المنايا
وارتدي صبرك لا تبكي عليه … إن مجد الشعب تبنيه الضحايا
حبس القبرُ لديه جثةً … ثم رفَّت روحها كيما تطيرا
فانشَقُوها بيننا ريحانةً … والمحوها فوقنا بدراً منيرا
صوِّرُوا طائرةً فوق الضريحْ … وأشهدوا الأنسر تهوى للفرارْ
قدمت أرواحها وهو طريح … فديةً لو صحَّ في الموت الفرارْ
يا نسوِّرَ النيل طيروا في علاهْ … ورِدوا الكوثر إن عزَّ الورودْ
منحتكم مصرُكم سرَّ الحياهْ … فامنَحوها كل شيء في الوجودْ
هل رأيتم؟ هذه كفُّ العَلاءِ … تكتب التاريخَ يا جند الشبابْ
سطرت سفْر الضحايا بالدماءِ … فادرسوا العلياَء في هذا الكتابْ
стр. 1956
العلوم
نذير وبشير
للدكتور أحمد زكي
كل إنسان يحمل داءه، وكل حي يتضمن فناءه، إن فاته المرض، أدركه الكبر وحسبك بالكبر داء، والخلية الصغيرة من نبات أو حيوان، فيها البروتوبلازم، وهي معدن الحياة، ولكنها كذلك معدن الموت، تظل تنشط ما دبت الروح في الجسم، فإذا فارقته نشطت في التلف، في التفكك والتحلل، بمثل نشاطها في الحياة
وجماعات الأحياء على هذه الأرض كالأجسام تصحو حينا وتمرض حينا، وهي مثلها فيها أسباب الفناء، فهي لكي تفنى ليست بحاجة إلى أن ينقضّ عليها نجم أو تهوي من سمائها شمس، بل إن في الأرض كفايتها من أسباب العدم. والحياة على هذه الكرة رهينة بموازنات شتى بين أجناس الحيوانات والنباتات من إنسانها ودوابها وطيرها وحشرها وجراثيمها وطحالبها وفطرها أو حزازيِّها وسرخسيِّها وبذريِّها، موازنات عماده التقاتل المستمر بين هذه الأجناس جميعا، والتآكل الذي لا ينتهي، فما من قبيل إلا يأكل قبيلا، وما من قبيل إلا يأكله قبيل، وقد يزيد حظ هذا القبيل من الحياة وقد ينقص حظ ذلك منها، ولكن الحياة المطلقة في مجموعها ثابتة في هذا النضال. وهو نضال سجال، لا يغلب فبه غالب كل الغلبة، ولا ينغلب مغلوب كل الانغلاب، إذ لو كان هذا، لاختل التوازن بين جماعات الأحياء، وهو سر استمرار الحياة على النحو الذي نعرفه على سطح هذه البسيطة
والجمعية الإنسانية لا تشذ في ذلك عن جمعيات سائر الخلائق الحية، والتوازن الذي بين الإنسان وبينها لا بد أن يستمر ليعيش هو وليعشنَ هنَّ، فنحن نأكل الحيوان والنبات لنعيش، ونموت ليأكلنا الحيوان والنبات بالتباشر أو بالواسطة، فيعوضا بذلك ما فقدا، ولو أننا أكلنا منهما ثم أكلنا واستمررنا مع ذلك في حياة صريحة لا يخالطها عدم لفني، المأكول ففنى الآكل
إلا أن هذا التوازن قد يختل اختلالا يذهب بجماعة من جماعات الأحياء أو يكاد، وقد حدث في التاريخ أن انقرضت أجناس لا نجد الآن منها غير آثارها. وسؤالنا اليوم هل يجوز على الجمعية الإنسانية ما جاز على تلك الأجناس المنقرضة؟ هل يفسد هذا الاتزان في
стр. 1957
ناحية من نواحيه فيهوي بالإنسان إلى فناء محتم، أو على الأقل ينزل به في نظام الأرض إلى منزلة وطيئة وضيعة، تنقصه عدده، وتقل عدته، وتفقده هذه السيطرة المطلقة الحاضرة على سكان هذه اليابسة؟
هذا ما ينذر به (السير ملكولم وتسن) رئيس معهد رس الصحي بلندن، وهو رجل إذا قال استُمِع له، فهو يقول في مقال قريب انه لا يبالغ إذا ارتأى أن المدنية قد تنتهي باضطراد الزيادة في طرق المواصلات اضطرادا سريعا يسبق العلم في مكافحته النتائج السيئة التي تنجم عن صلات قريبة بين مناطق الأرض التي لم تصلها إلى الآن روابط وثيقة. واتخذ مضربا لمثله الحمى الصفراء، وهي حمى فتاكة، تبلغ الوفيات منها ٦٠ في المائة، وقد بلغت في بعض الوافدات ٩٤ ?، وهي تنتقل من فرد إلى فرد بواسطة جنس خاص من البعوض اسمه السليم بعد عضة البعوضة المعدية له لا يظهر عليه المرض في الستة الأيام الأولى ولا يكون عندئذ مصدراً للعدوى، فإذا ظهر عليه المرض كان مصدرا لها في الثلاثة الأيام الأولى فقط من ظهور المرض، فلا بد للبعوض السليم أن يعضه لكي يُعدى المريض في خلال هذه الأيام الثلاثة فحسب.
وهذه البعوضة ذاتها بعد دخول المرض فيها لا تُعدي بالعض إلا بعد عشرة أيام من ذلك، ولكنها خلافا للإنسان تحمل العدوى طول عمرها.
والحمى الصفراء تستوطن الآن غرب أفريقيا من السنجال إلى أنجولا، وبين هذه المنطقة الوبيئة وما جاورها من سائر أفريقيا حواجز طبيعية منيعة، فبينها وبين شمالها الصحراء الكبرى، وبينها وبين غربها جبال منيعة، وفي كلتا الحالتين يستغرق الإنسان للخروج من هذه المنطقة إلى بقية الدنيا أسابيع طويلة مشيا على القدم أو ركوبا على الدواب، فإذا أصاب المسافر عدوى وسافر عقبها فالموت يدركه أو الشفاء، قبل أن يصل إلى غايته شمالا أو غربا. كذلك البعوض المصاب لا يصمد لهذه السفرة الطويلة. وأما وقد أمكن الآن أن يصل الإنسان إلى تلك المنطقة أو يخرج منها بالسيارة أو القطار أو الطائرات في تسعة أيام فما دونها فقد أصبح من المحتمل أن يُعضّ المسافر في السنجال ويبلغه المرض في مراكش أو تونس أو في مصر. وجنس هذا البعوض موجود في تلك البلاد، فما هي إلا أن يحل بها المريض فيعضه البعوض فتعم البلوى على أن البعوض السنجالي نفسه في
стр. 1958
استطاعته أن يسافر على الطائرات، وقد ثبت ذلك فعلا فقد امتحنت مائة طيارة بعد سفر ١٢٥٠ ميل فوجد أن منها اثنتي عشرة تحمل بعوضا.
وإذا دخل المرض أفريقيا الشمالية والشرقية فلن يقف عند هذا الحد، فهو لابد سائر إلى جزيرة العرب فالهند فالشرق الأقصى، إما أرضا وإما على السفن بحراً وإما في الطيارات جوا، وإذا هو أدرك آسيا انتشر انتشار النار في الهشيم لزحمة السكان، ولوجود هذا البعوض بكثرة لا سيما في المناطق الاستوائية منها، ففي كولومبو بحثوا المنازل بحثا منظما فوجدوا البعوض في ٩٨ ? منها. وكذلك الحال في الملايا
وإذا طغى المرض على أفريقيا وآسيا هذا الطغيان فقد طغى على أكثر من نصف المعمورة فأنقض صرح التجارة وامتنع التبادل بكل أنواعه بين الشرق والغرب ووقفت السفن واعتلت الحياة واهتزت أسس المدنية اهتزازا ينذر بالتداعي.
هذا حلم لا شك مريع يقصه علينا السير (وتسن) لا نريد بروايته إلا التمثيل بما يمكن أن يحدث للمجتمع الإنساني من جراء قبيل دنيء من الأحياء إذا أعطيت له الفرصة للسيطرة على قبيل الإنسان: جراثيم صغيرة فتاكة صغرت حتى مرَّت في المرشحات البكتريولوجية، ودقت حتى لا تراها الميكروسكوب العادية. ولكن الإنسان بطبيعته يقظ لكل اختلال في اتزان يقع بينه وبين أي قبيل من قبائل الأحياء، ولا أدل على هذه اليقظة من إنذار السير (وتسن) نفسه، ومن إنذارات مثلها سبقته حدت برجال العلم، وهم جنود البشر في هذا النوع من الكفاح من زمن بعيد إلى دراسة هذه الحمى، أصلها، وموطنها، وناقلاتها، وطرق الوقاية منها، ووسيلة علاجها، وقد خطوا في هذه السبيل خطوات واسعة تدلنا على أن النصر تراءى ولو من بعيد. ففي الشهر الذي ينذرنا فيه عالم بالدمار، يبشرنا علماء آخرون أن الأمل كبير في وقاية السليم بالتطعيم. ذلك أنه بادئ بدء استكشفوا أن ميكروب الحمى الصفراء إذا عُرّض للهواء أو لفعل مواد كيمياوية كالفرمالين والفينول والجلسرين يفقد بالتدرج شيئا من حدته، فإذا حقن به السليم عندئذ لا تظهر عليه أعراض المرض الإكلينيكية ولكنه يكتسب بذلك حصانة ضد العدوى. وقد استخدم هذا اللقاح بنجاح في مكافحة وافدة هذه الحمى في عاصمة البرازيل عام ١٩٢٨. لكنهم وجدوا أن تحضير هذا اللقاح لا يخلو من خطر، فانهم إذا أطالوا تعريض الميكروب للمواد الكيمياوية المذكورة بلغ
стр. 1959
به الضعف أنه لا يكسب حصانة، وإذا قصروا تعريضه كان من القوة بحيث لا يؤمن شره، وفوق هذا فاللقاح بعد تحضيره سريع العطب حتى إذا أختزن في الثلاجات العادية. عند ذلك اتجهوا في التفكير وجهة جديدة فذكروا أن المريض إذا نجا اكتسب بمرضه حصانة فلا تأتيه العدوى مرة أخرى ولو تعرض لها، فطلبوا الوقاية في دم هذا المريض الناقه فاستخلصوا منه مصلا حقنوا به الأصحاء فأكسبهم حصانة ضد الداء، ولكنها لم تدم سوى أسابيع قليلة بعدئذ جمعوا الاثنين معا، اللقاح والمصل، فوجدوا مدة الحصانة تطول، ولكن لم يزل بذلك الخطر من استخدام لقاح قد يحتوي الميكروب في تمام حدته. فكان لابد من كشف طريقة جديدة لأضعاف الميكروب إضعافا يذهب بسورته دون الذهاب بحيويته فبلغوا الغاية من ذلك بامرار الميكروب بمخ الفئران بضع مرات متعاقبة، وحصلوا على ميكروب لا بالضعيف ولا بالقوي، يحقن به الإنسان فيتحصَّن ضد الداء بمقدار ما يتحصن من عاناه. إلا أن ملاحظات جديدة أظهرت أن الخطر لم يزل تماما، وأهم من ذلك أن دم المحقون بهذا اللقاح الجديد يحتوي الميكروب الحي فهو مصدر خطير لعدوى البعوض. عندئذ فكروا في الجمع مرة أخرى بين هذا اللقاح الجديد وبين مصل الناقهين، لأن هذا المصل يزيد حصانة المحقون عقب الحقن فيقاوم فعل اللقاح إذا زاد على الحد، وظُنّ فيه كذلك أنه قد يمنع وجود الميكروب الحي في الدم. وقد دلت النتائج على أن الجمع بين هذين يزيد في حصانة المرء زيادة كبيرة دون أن تظهر عليه عقب الحقن أعراض المرض، أو يظهر الميكروب الحي في دمه فيكون سببا في عدوى البعوض فالناس.
والعقبة الوحيدة التي باتت رهينة التذليل هي صعوبة الحصول على المصل من دماء الناقهين من بني الإنسان. وحتى هذه يظهر أنها ذُللت بما أُعلن في نشرة علمية في مايو الماضي من أن الخيل إذا حقنت مرارا متتالية بميكروب الحمى اكتسب دمها القدرة على مقاومة الميكروب، وإذن ففي الاستطاعة إبدال دم الخيل بدم الإنسان
هذا ما يختص بالبحث في زيادة حصانة الناس حتى لا تفجأهم العدوى وهم غافلون، ولكن لعل أهم من هذا أن يُستأصل البعوض الذي ينقل العدوى. وقد جرت أبحاث في ذلك، ولكن عادات هذا البعوض وطريقة معيشته وأسلوب إفراخه أعجزت البحاث، فالبعوض يُفرخ في الماء ككل البعوض، إلا انه يفرخ في كل ماء حتى في الحُفَن الصغيرة منه والاسآر القليلة،
стр. 1960
في شقوق الشجر أو فلقات الحجر، وفي الكوب والزير وسائر ما يحمل الماء في البيوت. وقد استخدموا الزيت يضعون منه على الماء المكشوف فيمتد فِلْما رقيقا على سطحه فيمنع الأفراخ، ونجح هذا بالطبع، ولكن كم من أرباب المنازل في المدن الصغيرة والكبيرة يركن إليه في القيام بهذا، وكيف تصل يد الإنسان بالزيت إلى كل فجوة وكل نقرة في الأصقاع عامرها واليباب. وجربوا كذلك السمك الصغير يضعونه في مستودعات مياه الشرب في المناطق الحارة، فيأكل العلق قبل أن يستحيل بعوضا. وقد قدر لهذه الوسيلة بعض النجاح أما المرض وقد أصاب المريض فليس له دواء. أمامك المريض يتضور من الألم الشديد، ويقيء الدم الأسود الصديد، قد اصطبغ جلده صفرة، وعلت وجهه وعيناه وخياشيمه حمرة، ولا حيلة لك فيه غير التمريض بتخفيف الأعراض بالثلج وأشباهه ثم الصبر حتى يقضي قضاء الله، كل هذا وأنت نفسك معلق بين الموت والحياة
ولكن مع كل هذا، وبعد كل هذا، أليس يحق للإنسان أن يظل يتساءل: أفي الإمكان اختلال الاتزان بين قبيل الإنسان، وقبيل من سائر الأحياء، ولو دنيئا كالذي نحن بصدده، اختلالا يذهب بسيد الحيوان ويمسح آثاره من رقعة الوجود؟
стр. 1961
الدكتور أميل رو
(١٨٥٣ - ١٩٣٣)
-
للدكتور محمد عوض محمد
في اليوم التاسع من الشهر الماضي شهدت باريس حشدا هائلا يعلوه الحزن، وتخيم عليه الكآبة؛ فان فرنسا في ذلك اليوم كانت تشيع جثمان عالم جليل منأكبر علمائها وهو الدكتور أميل رو، خليفة باستور ومدير المعهد الشهير باسمه زهاء الثلاثين عاما. وقد سار الموكب الخطير، يتقدمه رئيس الجمهورية والوزراء والسفراء والعلماء حتى وصل إلى كنيسة نوتردام، حيث أقيمت مراسم الحزن على الفقيد العظيم، ثم نقل النعش بعد ذلك إلى معهد باستور حيث أودع مؤقتا ذلك السرداب الذي يحوي قبر باستور نفسه، وذلك ريثما يقام له ضريح خاص في حديقة المعهد
ولد أميل رو في ١٧ديسمبر سنة ١٨٥٣في مقاطعة شارنت وبعد أن أتم دراسته الأولى ونال البكلوريا في العلوم، ذهب يدرس الطب في مدينة كارمان فران أولاً ثم في باريس. وقد اجتذبه إلى هنالك وجود أستاذه الذي تلقى عليه علم الكيمياء وهو الأستاذ دلكاو وجعل يشتغل محضرا في معامل أستاذه هذا، وفي عام ١٨٧٨ كان الأستاذ باستور يلتمس مساعدا له ممن درسوا الطب. فبادر الأستاذ دلكاو بترشيح رو لهذا المنصب ومن تلك السنة بدأت صلته بالأستاذ الأكبر، تلك الصلة التي لم تزدد على الأيام إلا توثيقا، والتي لم يقطع حبلها سوى الوفاة
لم يمض زمن حتى أصبح رو ألصق الناس بباستور، وجعل هذا يشركه معه في تجاربه عن النبيذ، وفي أبحاثه في هيضة الدجاج، والجمرة الخبيثة التي تصيب الماشية، وفي سنة ١٨٨٣ أرسله مع بعض مساعديه إلى القطر المصري لدراسة الهيضة (الكوليرا) الآسيوية التي انتشرت في بعض أقاليم مصر. وبعد عودته اشترك مع أستاذه في الأبحاث التي كان باستور يقوم بها عن مرض الكلب
وفي السنوات التالية أخذ رو ينشر أبحاثا هامة عن مرض الجمرة الخبيثة وبعض الأمراض التي تصيب الخنازير وفي عام ١٨٨٧ وفق إلى اكتشاف خطير وهو اكتشاف
стр. 1962
التوكسين (أي المادة التي يفرزها المكروب) فانه استطاع أن يبين للعالم أن المكروب لا يؤثر تأثيره بنفسه بل بواسطة مادة يفرزها. وانه في كثير من الأحيان يمكن عزل هذه المادة. وهذا الاكتشاف أوصله إلى اختراعات خطيرة تتعلق بمعالجة بعض الأمراض بواسطة المصل، ولهذا يعتبر رو مبتكر العلاج بالمصل يلبث أن وصل إلى إيجاد الأمصال ضد مرض الكزاز وضد الطاعون وضد سموم مكروب الالتهاب الرئوي. ولعل أكبر اكتشافاته جميعا هو اكتشافه لتوكسين الدفتريا، فقد كان هذا هو الخطوة الأولى في سبيل إيجاد المصل الشافي والواقي من هذا المرض.
في عام ١٨٩٥توفي باستور ودفن في المعهد العظيم المسمى باسمه بالقرب من سان كلو. فخلفه في إدارة المعهد الأستاذ دلكاو، وكان الدكتور رو نائبا للمدير الجديد، إلى أن توفي هذا عام ١٩٠٤ فتولى رو إدارة معهد باستور. وقبل هذا بسنوات أنتخب رو عضواً لأكاديمية الطب، ثم عضوا لأكاديمية العلوم، وقلد جميع وسامات اللجيون دونير بجميع طبقاتها.
وقد بقى لمعهد باستور رونقه ونشاطه تحت إدارة أميل رو. بل لقد تقدم واتسعت أعماله وانتشرت فروعه. غير أن أعمال رو الإدارية كانت كثيرة ومجهدة، فاستغرقت منه كل وقته ولم يكن بوسعه في السنين الأخيرة من حياته أن يتفرغ لأبحاثه كما كان يفعل من قبل. لكنه كان أكبر مرشد للباحثين، وكان كثير التشجيع للعلماء، ومن غير شك كان له فضل في كثير من الاكتشافات التي صدرت عن المعهد أثناء إدارته دون أن تنسب إليه.
وقد قضى رو حياته كلها في خدمة العلم والإنسانية. وعدا جهوده العلمية لم يكن في حياته حادث يستحق الذكر، فانه لم يتزوج ولو أنه كان كثير العطف على أخواته وأقربائه. وكان شديد التواضع إلى درجة إنكار الذات. ومما يؤثر عنه في هذا الصدد أنه عندما أريد تقليده وسام اللجيون دونير من درجة أوفسييه أبدى امتناعا شديدا وصاح بالحاضرين: (إن شرف الاكتشاف يرجع إلى الأستاذ بهرنج.) ولكن الرئيس أمسكه من ردائه بعنف وقلده الوسام بالرغم منه.
إن أجل شيء قام به رو هو من غير شك اختراعه العلاج بالأمصال، وبنوع خاص اكتشافه لتوكسين الدفتريا عام ١٨٨٧. وهذا الاكتشاف انتفع به الأستاذ الألماني بهرنج في
стр. 1963
إيجاد مصل ضد الدفتريا، ولهذا أراد رو أن يعزو شرف الاختراع كله لبهرنج على أن رو نفسه قد استطاع في سنة ١٨٩٤ أن يستخرج المصل المضاد للدفتريا بطريقة في غاية الإتقان، وذلك بحقن الخيل بتوكسين الدفتريا واستخراج المصل من دمها. وقد عرض طريقته هذه على المؤتمر الصحي العالمي في بوادبست سنة ١٨٩٤ فأثر في سامعيه أبلغ التأثير. وقد منح بعد قليل هو وبهرنج جائزة نوبل. وقد تهافتت عليه الطلبات من مختلف الممالك من أجل ذلك المصل؛ ولم يكن بوسعه أن يجيب كل هذه الرغبات. لكنه لم يلبث أن استعان ببعض أصدقائه على نشر الدعوة في فرنسا لمساعدة المعهد وتوسيع نطاقه. وقد نجح في هذا كل النجاح. وفي إسطبلات المعهد اليوم ما لا يقل عن ٤٠٠ رأس من الخيل من أجل استخراج مصل الدفتريا، الذي بلغ ما أنتجته منه في السنين الأربع الأخيرة زهاء ١٢ طنا أو ما يكفي لعمل خمسة ملايين حقنة.
ومنذ زمن طويل تنبه رو إلى أهمية المصل كوسيلة للوقاية من المرض لا لمجرد العلاج منه. فقد كتب في سنة ١٨٨٩ إلى بعض زملائه يقول:
(لعل من الممكن قريبا الانتفاع بالتوكسين باستخدامه في الوقاية من المرض. .)
حقا لقد فقدت فرنسا في رو عالما كبيرا، وفقد العالم خادما مخلصا. ولم يكن بعجيب أن قررت حكومة فرنسا أن تحتفل بجنازته احتفالا وطنيا
(ملخصا من مجلة الستراسيون)
стр. 1964
العالم المسرحي والسينمائي
إلى القراء
من ناقد (الرسالة) الفني
وفجأة. . . يتضخم بريد (الرسالة) الغراء ويتلقى الأستاذ محررها في مطلع كل يوم عشرات الرسائل، بعضها من مصر، وأكثرها من الأقطار العربية الشقيقة، يجزع فيها كاتبوها من قراء (الرسالة) وصفوة المفكرين ممن يغارون على هذه المجلة ويطمعون أن تبقى دائما تحمل إليهم رسالة الثقافة والأدب العالي، جزعوا عندما أعلنت (الرسالة) أنها ستدخل على أبوابها أبوابا جديدة، وبين هذه الأبواب ما يختص بالمسرح والسينما. .
وتسألني فيم إشفاق الأدباء وعلام جزعهم الواضح في رسائلهم؟ يشفقون ويجزعون أن تنهج (الرسالة) في هذين البابين، المسرح والسينما، نهج ما يقرأون في بعض الصحف والمجلات الأخرى، مما لا يتناسب مع مستوى (الرسالة) ولا يتلاءم مع ما تنشره في الأبواب الأخرى من ألوان الثقافات العالية والآداب الرفيعة.؟ وأسأل: أهل الفن الذي سطرت صفحاته أمثال سوفوكليس وأوربيدس وشاكسبير وموليير وكورني وراسين، وابسن وجوته، وكين وتلما وسارة برنار، وهنري ارفنج، وجمعت مكتبته أعمالا خالدات يكاد بعضها ينزل مكان القداسة من النفوس، هذا الفن الذي شب في أحضان الآلهة عند اليونان وكان وسيلة الزلفى إليها والتقرب منها، هذا الفن الذي يقبس من السماء ليؤدي رسالتهم على الأرض، ما خوفنا منه وما إشفاقنا من الحديث عنه؟ أجل، إن لم نهب هذه القداسة فماذا نهاب؟ وان لم نخش أن تنتهك هذه الحرمة الغالية فماذا نخشى؟
كذلك فن السينما أصبح ولا ريب ركناً قويا من أركان الثقافة العامة، وهو والمسرح من أقوى العوامل اليوم في تهذيب الجمهور وتثقيف الناشئة فلا يزكو بمجلة راقية أن تغفل هذين العاملين وتهمل أثرهما الصالح في خدمة الإنسانية
للقراء الكرام العذر إن أشفقوا على الرسالة أن تعالجهما من النواحي التي يعالجهما منها بعض الصحف ولكننا نؤكد لهم أن الأمر لا يمكن أن يسير على ذلك المنهج
سنكتب ونرجو أن نوفق إلى إرضاء قراءنا بقدر ما تحيط به جهودنا، وأن نبدل هذا الجزع اطمئنانا، وهذا الإشفاق ثقة، وإني لسعيد فخور إذ أتحدث إلى قوم ألمس فيهم هذا الاهتمام،
стр. 1965
وأجد في نفوسهم هذه المكانة لهذا الفن الرفيع.
محمد علي حماد
следующие страницы →