Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
الدكتور أميل رو
(١٨٥٣ - ١٩٣٣)
-
للدكتور محمد عوض محمد
في اليوم التاسع من الشهر الماضي شهدت باريس حشدا هائلا يعلوه الحزن، وتخيم عليه الكآبة؛ فان فرنسا في ذلك اليوم كانت تشيع جثمان عالم جليل منأكبر علمائها وهو الدكتور أميل رو، خليفة باستور ومدير المعهد الشهير باسمه زهاء الثلاثين عاما. وقد سار الموكب الخطير، يتقدمه رئيس الجمهورية والوزراء والسفراء والعلماء حتى وصل إلى كنيسة نوتردام، حيث أقيمت مراسم الحزن على الفقيد العظيم، ثم نقل النعش بعد ذلك إلى معهد باستور حيث أودع مؤقتا ذلك السرداب الذي يحوي قبر باستور نفسه، وذلك ريثما يقام له ضريح خاص في حديقة المعهد
ولد أميل رو في ١٧ديسمبر سنة ١٨٥٣في مقاطعة شارنت وبعد أن أتم دراسته الأولى ونال البكلوريا في العلوم، ذهب يدرس الطب في مدينة كارمان فران أولاً ثم في باريس. وقد اجتذبه إلى هنالك وجود أستاذه الذي تلقى عليه علم الكيمياء وهو الأستاذ دلكاو وجعل يشتغل محضرا في معامل أستاذه هذا، وفي عام ١٨٧٨ كان الأستاذ باستور يلتمس مساعدا له ممن درسوا الطب. فبادر الأستاذ دلكاو بترشيح رو لهذا المنصب ومن تلك السنة بدأت صلته بالأستاذ الأكبر، تلك الصلة التي لم تزدد على الأيام إلا توثيقا، والتي لم يقطع حبلها سوى الوفاة
لم يمض زمن حتى أصبح رو ألصق الناس بباستور، وجعل هذا يشركه معه في تجاربه عن النبيذ، وفي أبحاثه في هيضة الدجاج، والجمرة الخبيثة التي تصيب الماشية، وفي سنة ١٨٨٣ أرسله مع بعض مساعديه إلى القطر المصري لدراسة الهيضة (الكوليرا) الآسيوية التي انتشرت في بعض أقاليم مصر. وبعد عودته اشترك مع أستاذه في الأبحاث التي كان باستور يقوم بها عن مرض الكلب
وفي السنوات التالية أخذ رو ينشر أبحاثا هامة عن مرض الجمرة الخبيثة وبعض الأمراض التي تصيب الخنازير وفي عام ١٨٨٧ وفق إلى اكتشاف خطير وهو اكتشاف
стр. 1962
التوكسين (أي المادة التي يفرزها المكروب) فانه استطاع أن يبين للعالم أن المكروب لا يؤثر تأثيره بنفسه بل بواسطة مادة يفرزها. وانه في كثير من الأحيان يمكن عزل هذه المادة. وهذا الاكتشاف أوصله إلى اختراعات خطيرة تتعلق بمعالجة بعض الأمراض بواسطة المصل، ولهذا يعتبر رو مبتكر العلاج بالمصل يلبث أن وصل إلى إيجاد الأمصال ضد مرض الكزاز وضد الطاعون وضد سموم مكروب الالتهاب الرئوي. ولعل أكبر اكتشافاته جميعا هو اكتشافه لتوكسين الدفتريا، فقد كان هذا هو الخطوة الأولى في سبيل إيجاد المصل الشافي والواقي من هذا المرض.
في عام ١٨٩٥توفي باستور ودفن في المعهد العظيم المسمى باسمه بالقرب من سان كلو. فخلفه في إدارة المعهد الأستاذ دلكاو، وكان الدكتور رو نائبا للمدير الجديد، إلى أن توفي هذا عام ١٩٠٤ فتولى رو إدارة معهد باستور. وقبل هذا بسنوات أنتخب رو عضواً لأكاديمية الطب، ثم عضوا لأكاديمية العلوم، وقلد جميع وسامات اللجيون دونير بجميع طبقاتها.
وقد بقى لمعهد باستور رونقه ونشاطه تحت إدارة أميل رو. بل لقد تقدم واتسعت أعماله وانتشرت فروعه. غير أن أعمال رو الإدارية كانت كثيرة ومجهدة، فاستغرقت منه كل وقته ولم يكن بوسعه في السنين الأخيرة من حياته أن يتفرغ لأبحاثه كما كان يفعل من قبل. لكنه كان أكبر مرشد للباحثين، وكان كثير التشجيع للعلماء، ومن غير شك كان له فضل في كثير من الاكتشافات التي صدرت عن المعهد أثناء إدارته دون أن تنسب إليه.
وقد قضى رو حياته كلها في خدمة العلم والإنسانية. وعدا جهوده العلمية لم يكن في حياته حادث يستحق الذكر، فانه لم يتزوج ولو أنه كان كثير العطف على أخواته وأقربائه. وكان شديد التواضع إلى درجة إنكار الذات. ومما يؤثر عنه في هذا الصدد أنه عندما أريد تقليده وسام اللجيون دونير من درجة أوفسييه أبدى امتناعا شديدا وصاح بالحاضرين: (إن شرف الاكتشاف يرجع إلى الأستاذ بهرنج.) ولكن الرئيس أمسكه من ردائه بعنف وقلده الوسام بالرغم منه.
إن أجل شيء قام به رو هو من غير شك اختراعه العلاج بالأمصال، وبنوع خاص اكتشافه لتوكسين الدفتريا عام ١٨٨٧. وهذا الاكتشاف انتفع به الأستاذ الألماني بهرنج في
стр. 1963
إيجاد مصل ضد الدفتريا، ولهذا أراد رو أن يعزو شرف الاختراع كله لبهرنج على أن رو نفسه قد استطاع في سنة ١٨٩٤ أن يستخرج المصل المضاد للدفتريا بطريقة في غاية الإتقان، وذلك بحقن الخيل بتوكسين الدفتريا واستخراج المصل من دمها. وقد عرض طريقته هذه على المؤتمر الصحي العالمي في بوادبست سنة ١٨٩٤ فأثر في سامعيه أبلغ التأثير. وقد منح بعد قليل هو وبهرنج جائزة نوبل. وقد تهافتت عليه الطلبات من مختلف الممالك من أجل ذلك المصل؛ ولم يكن بوسعه أن يجيب كل هذه الرغبات. لكنه لم يلبث أن استعان ببعض أصدقائه على نشر الدعوة في فرنسا لمساعدة المعهد وتوسيع نطاقه. وقد نجح في هذا كل النجاح. وفي إسطبلات المعهد اليوم ما لا يقل عن ٤٠٠ رأس من الخيل من أجل استخراج مصل الدفتريا، الذي بلغ ما أنتجته منه في السنين الأربع الأخيرة زهاء ١٢ طنا أو ما يكفي لعمل خمسة ملايين حقنة.
ومنذ زمن طويل تنبه رو إلى أهمية المصل كوسيلة للوقاية من المرض لا لمجرد العلاج منه. فقد كتب في سنة ١٨٨٩ إلى بعض زملائه يقول:
(لعل من الممكن قريبا الانتفاع بالتوكسين باستخدامه في الوقاية من المرض. .)
حقا لقد فقدت فرنسا في رو عالما كبيرا، وفقد العالم خادما مخلصا. ولم يكن بعجيب أن قررت حكومة فرنسا أن تحتفل بجنازته احتفالا وطنيا
(ملخصا من مجلة الستراسيون)
стр. 1964
العالم المسرحي والسينمائي
إلى القراء
من ناقد (الرسالة) الفني
وفجأة. . . يتضخم بريد (الرسالة) الغراء ويتلقى الأستاذ محررها في مطلع كل يوم عشرات الرسائل، بعضها من مصر، وأكثرها من الأقطار العربية الشقيقة، يجزع فيها كاتبوها من قراء (الرسالة) وصفوة المفكرين ممن يغارون على هذه المجلة ويطمعون أن تبقى دائما تحمل إليهم رسالة الثقافة والأدب العالي، جزعوا عندما أعلنت (الرسالة) أنها ستدخل على أبوابها أبوابا جديدة، وبين هذه الأبواب ما يختص بالمسرح والسينما. .
وتسألني فيم إشفاق الأدباء وعلام جزعهم الواضح في رسائلهم؟ يشفقون ويجزعون أن تنهج (الرسالة) في هذين البابين، المسرح والسينما، نهج ما يقرأون في بعض الصحف والمجلات الأخرى، مما لا يتناسب مع مستوى (الرسالة) ولا يتلاءم مع ما تنشره في الأبواب الأخرى من ألوان الثقافات العالية والآداب الرفيعة.؟ وأسأل: أهل الفن الذي سطرت صفحاته أمثال سوفوكليس وأوربيدس وشاكسبير وموليير وكورني وراسين، وابسن وجوته، وكين وتلما وسارة برنار، وهنري ارفنج، وجمعت مكتبته أعمالا خالدات يكاد بعضها ينزل مكان القداسة من النفوس، هذا الفن الذي شب في أحضان الآلهة عند اليونان وكان وسيلة الزلفى إليها والتقرب منها، هذا الفن الذي يقبس من السماء ليؤدي رسالتهم على الأرض، ما خوفنا منه وما إشفاقنا من الحديث عنه؟ أجل، إن لم نهب هذه القداسة فماذا نهاب؟ وان لم نخش أن تنتهك هذه الحرمة الغالية فماذا نخشى؟
كذلك فن السينما أصبح ولا ريب ركناً قويا من أركان الثقافة العامة، وهو والمسرح من أقوى العوامل اليوم في تهذيب الجمهور وتثقيف الناشئة فلا يزكو بمجلة راقية أن تغفل هذين العاملين وتهمل أثرهما الصالح في خدمة الإنسانية
للقراء الكرام العذر إن أشفقوا على الرسالة أن تعالجهما من النواحي التي يعالجهما منها بعض الصحف ولكننا نؤكد لهم أن الأمر لا يمكن أن يسير على ذلك المنهج
سنكتب ونرجو أن نوفق إلى إرضاء قراءنا بقدر ما تحيط به جهودنا، وأن نبدل هذا الجزع اطمئنانا، وهذا الإشفاق ثقة، وإني لسعيد فخور إذ أتحدث إلى قوم ألمس فيهم هذا الاهتمام،
стр. 1965
وأجد في نفوسهم هذه المكانة لهذا الفن الرفيع.
محمد علي حماد
стр. 1966
فلم (الوردة البيضاء)
مجمد عبد الوهاب. . . . . . . . . محمد جلال
سميرة خلوصي. . . . . . . . . رجاء
دولت أبيض. . . . . . . . . فاطمة هانم
محمد عبد القدوس. . . . . . . . . خليل أفندي
سليمان نجيب. . . . . . . . . إسماعيل بك
زكي رستم. . . . . . . . . شفيق بك
توفيق المردنلي. . . . . . . . . الشيخ متبولي
إخراج: محمد كريم
عرض في الأسبوع الماضي في سينما رويال فلم (الوردة البيضاء) وهو بلا شك أول فلم غنائي ناطق من نوعه، ويعد خير الأفلام المصرية التي ظهرت إلى اليوم، ومن المظنون أنه سيحتفظ بمرتبته هذه طويلا، وقد لقي من النجاح والإقبال ما لم يلقه فلم من قبله، وهذه العاطفة الجياشة المتدفقة التي قابل بها الجمهور بطل الفلم الأستاذ الموسيقار محمد عبد الوهاب أثناء العرض، وهذه الهتافات الحارة ومظاهر التقدير والإعجاب لفناننا الشاب، هي بعض ما يستحقه، وعبد الوهاب يتمتع بمكانة في نفوس الشعب يغبط عليها، وقد نالها عن جدارة وكفاية وموهبة سامية رفعته درجات في سماء المجد والشهرة، ولم يزل الموسيقار العبقري في مقتبل العمر ونضرة الشباب
يمتاز هذا الفلم بأشياء كثيرة أولها: أن به قطعة للمغفور له أحمد شوقي بك أمير الشعراء وهي قطعة (النيل) آخر ما وضع شوقي من الأغاني لعبد الوهاب، وكأن القدر شاء أن تبقى هذه الطرفة الغالية في مخبئها الأمين حتى تظهر في أول أفلام عبد الوهاب فتضفي عليه من جلالها جلالا ومن سحرها سحراً. وكأني بأمير الشعر يأبى إلا أن يلازم أمير الغناء حيا وميتا، ويأبى عبد الوهاب إلا أن يظهر إلى جانب إحدى صور الفقيد العظيم في مشاهد هذا الفلم. ويحمد له الناس هذا الصنيع الكريم الذي يتضمن من معاني الاعتراف بالجميل أسماها وأبقاها على الزمن.
كذلك ينفرد هذا الفلم بما أبداه عبد الوهاب من التقدير لمن سبقه من رجال الفن بإظهار صورهم، وتسجيل أصواتهم في فلمه الأول، فرأينا على الشاشة عبده الحمولي والشيخ
стр. 1967
سلامة حجازي والشيخ سيد درويش، وقد أدرك الجمهور بحاسته الصادقة ما في هذا الصنيع النبيل من تقدير عبد الوهاب للسابقين الخالدين من رجال الفن، فقدره قدره وأولاه من أجله ما يستحق من الثناء والحمد الجميل. وعبد الوهاب خليق بالشكر لهذا الشعور الذي لا يصدر إلا عن فنان حق.
ومن مميزات هذا الفلم أنه يعطي الجمهور (في ثنايا القصة) صورة رائعة عن خلق الفنان وشهامته ونبله، وكيف تتسع روحه الكبيرة للتضحية العظيمة عن رضى وكرم، في سبيل فكرة أو في سبيل عاطفة صادقة من الإقرار بالجميل والاعتراف به. وما أروع هذا الموقف الذي نرى فيه (جلالا) وهو يعد، وعد فنان، أن يقطع صلاته بحبيبته (رجاء) ثم يكون عند وعده
وهذه الصورة النبيلة التي أرادها عبد الوهاب (لجلال) الفنان. . قد تبرر ما يؤخذ على القصة في هذه النقطة، والشخصيات التي نتخيل فيها مثلنا العليا لا تحدها الاعتبارات المألوفة والغايات القصار المدى. ولا شك أن (جلالا) كان مثلاً أعلى في التضحية السمحة الكريمة فرفع شأن رجل الفن وأعلى من مكانته، وجعله في مركز أسمى من كل هذه الشخصيات التي ظهرت إلى جانبه في القصة، وكلها مترفة تنعم بالجاه والمال، وتلقى أينما حلت الاحترام والإجلال، أما هو فليس أكثر من جلال أفندي. . . ولكنه فنان، وحسبه ذلك فخرا وكفى.
أما ميزة الفلم الكبرى بظهور عبد الوهاب فيه فهذا ما أر جيء الحديث عنه الآن.
قصة الفلم بسيطة، لا تعقيد فيها ولا تشعب، يتتبعها المشاهد في سهولة ويسر، وأعتقد أنها توافق تماما الغرض الأول الذي رمى إليه من وضع هذا الفلم ومن إسناد دور البطل فيه إلى عبد الوهاب الموسيقار، فشخصية (جلال) هي الشخصية البارزة وتجري حوادث القصة حولها متخذة من الشخصيات الأخرى بطانة وحاشية لها. على أن القصة تسير في بطئ، وكان يمكن تفادي ذلك في وضع السيناريو أو في التقطيع (ديكوباج) وهذا ما سنفصل الحديث عنه بالكلام عن الإخراج.
قام الأستاذ محمد عبد الوهاب بتمثيل دور (جلال) الشاب الوديع، الهادئ، الوقور. . . . وفي عبد الوهاب نفسه كثير من شخصية جلال من هذه النواحي، ولذلك كان فيه طبيعيا
стр. 1968
جهد استطاعته. على أن شخصية عبد الوهاب كموسيقار قد طغت على هذه الناحية وخلفتها وراءها وكانت موضع اهتمام الجمهور، فلا عجب إذا أولاها الناقد القسط الأوفى من عنايته.
والآن. . . هل أنا في حاجة إلى الحديث عن عبد الوهاب الموسيقار، الملحن، والمغني؟ لا يستطيع أحد أن ينكر على عبد الوهاب الملحن ما أدخله وابتكره في الموسيقى من الألوان الجديدة الطريفة، وهذه ألحانه وأغانيه تشهد له بالنضوج الفني الكامل، والذوق السليم، وان له ملكة الفنان الحق، الفياضة، المتدفقة، التي يغترف من معينها الذي لا ينضب، ويستقي من نبعها الصافي السلسبيل، أنغاما تشجي القلب والفؤاد، وتبث في النفس ألوانا شتى من العاطفة الحية القوية، فأنت معه: إن بكى أبكاك، وان طرب أطربك، وان وصف خلت أنك ترى بالعين ما تسمع بالأذن، وان شدا حلق بك في سماء من النشوة أنت فيها هانئ سعيد، وملأت موسيقاه روحك بخيالات الأمل وأحلام الشباب، وتنقل بك ما شاء أن يتنقل بين عواطف القلب وميول الفؤاد، وأنت تنهل من موسيقاه في مثل نبع سائغ عذب حلال.
ولقد جدد عبد الوهاب في موسيقى التخت الجامدة، فأدخل عليها بعض الآلات، كما وضع لألحانه توزيعها الموسيقي (أوركستراسيون) فأضفى عليها ثوبا قشيبا من التجديد له خطره وله جلاله. وعبد الوهاب المغني حبته الطبيعة بصوت مرن، يعلو حتى يكد العازف في تتبعه، وينخفض حتى لا يكون أكثر من همس الخاطر، أو مناجاة العاشق، على خوف من الرقباء والعاذلين، وقد أحسن عبد الوهاب استخدام هذه المرونة كالصانع الحاذق يشكل ما في يديه كما يشاء، ويلون في تموجات صوته معاني ما ينشد من الألحان، فيكسب اللفظ جدة وروحا، ويبرز لك المعنى بروزا قويا صريحا، وقد تقرأ اللحن فلا تجد فيه شيئا، فتسمعه من عبد الوهاب فكأنما صاغه من جديد صياغة الماهر اللبق، وما أذكر أني سمعت عبد الوهاب مرة إلا وأخضلت عيناي بالدموع
يلقي عبد الوهاب في الفلم ثماني قطع غنائية، منها قطعة (الرومبا) التي وضعها على نسق هذا النوع الطريف من الموسيقى الإفرنجية، فأتى فيها بمعجزة، ولست أقتصد في القول ولا أتهيب أن أقدم لعبد الوهاب أبلغ آيات الإعجاب على توفيقه في تلحين هذه الأنشودة. كذلك كانت القطعة الختامية التي ينشدها على مقربة من منزل حبيبته ليلة عرسها، والأسى يقطع
стр. 1969
قلبه، والألم يحز في نفسه. وتراه من خلف القضبان الحديدية متشبثا بها كغريق يتعلق بأمل أخير، فلا تسمعه ينشد، وإنما يبكي ويسفك الدمع في اللحن والأغنية حتى لتكون أشبه بنواح بلبل جريح.
وهذا المشهد من الفلم أروع مشاهده، وما تستطيع أن تملك دمعك فيه ولو كان عصيا، وقد رفعه عبد الوهاب بأنشودته إلى أسمى ذروة من الفن الغنائي والسينمائي معا، ولو لم يكن لعبد الوهاب من أثر في الفلم كله إلا هذه القطعة، وهذا المشهد لكفى لنعترف له مخلصين بالكفاية النادرة والموهبة المؤاتية الجبارة التي يتفرد بها ملحنا ومطربا. وباقي القطع ليست أقل من هذه فكلها من صنع عبد الوهاب وكفى.
طال بنا القول ولما ننته، ومن الخير أن نكتفي بهذا القدر اليوم على أن نعود الحديث عن الفلم من ناحيته الفنية المحضة في مقال آخر. ولكن لنهنئ ممثلي الفلم قبلا على ما أبدوه من كفاية في مواقفهم جميعا، وما لاقوه من نجاح في أداء أدوارهم، أما المخرج فلينتظرنا قليلا، على إننا نكتفي اليوم بأن نشد أذنيه في غير عنف ولا قسوة، ترقبا للمعركة القادمة فليأخذ أهبته وليعد السيف والترس فسنجول معه جولة لعله لا يصاب فيها بكثير من الجراح والخدوش.
стр. 1970
الحركة المسرحية والسينمائية في الخارج
بوخارست
وضع طبيب روماني يدعى ميهاي نايليمينو رواية مسرحية في أربعة فصول أسماها (أمواج العقل) بطلاها غليون الثاني قيصر ألمانيا السابق وبرناردشو الكاتب الإنجليزي المعروف. ويقع أحد مشاهدها في قصر من قصور بروسيا وفي غرفة للتدخين نسقت على أحدث طراز عصري. وهذه هي الرواية الأولى لهذا الطبيب إلا إذا صدقت تلك الإشاعة التي تقول إن الرواية لكاتب مسرحي معروف اختار أن تظهر روايته تحت اسم مستعار لأسباب خاصة.
بونس آيرس
زار في شهر أكتوبر الماضي بيراندللو الكاتب الإيطالي الشهير مدينة بونس آيرس في أمريكا الجنوبية للأشراف على إخراج إحدى مسرحياته المعروفة هناك. وقد نجحت الرواية نجاحا كبيرا. وقد ألقى بيراندللو في الليلة الأولى لتمثيل الرواية محاضرة عن (المسارح قديما وحديثا)
نيويورك
كاد ينتهي أوجين أونويل الكاتب الأمريكي الشهير من وضع رواية جديدة، وقد اتبع في كتابتها طريقة مبتكرة، فبدلا من تقسيمها إلى فصول، قسمها إلى أربع روايات مختلفة تحتوي كل منها على عدة مشاهد ومناظر، وتمثل على أربع حفلات متتابعة في أربعة أيام متعاقبة. وتجمع الأربع روايات وحدة الموضوع والفكرة والشخصيات وتكاد تشابه بذلك طريقة الحلقات المعروفة في عالم السينما
- ألقى مستر ويل هايز من أكبر مديري الشركات السينمائية في أمريكا محاضرة في الشهر الماضي في وشنجطن ذكر فيها بعض الأرقام التي تتعلق بصناعة الأفلام السينمائية. ونظرة بسيطة على هذه الأرقام تستطيع أن تكون منها فكرة عن ضخامة هذه الصناعة التي تعد من أهم الصناعات في أمريكا اليوم. وقد جاء في أقواله أن ثماني شركات من التي يشرف عليها تستخدم ٤٩ , ٠٠٠ شخص تبلغ مرتباتهم السنوية ٢٧ , ٠٠٠ , ٠٠٠ جنيه
стр. 1971
ورأس المال المستخدم في هذه الشركات يبلغ ١٣٥ , ٠٠٠ , ٠٠٠ من الجنيهات وتدفع شركات السينما الأمريكية مبلغ ٢٠ , ٠٠٠ , ٠٠٠ جنيه في السنة كضرائب للحكومة
باريس
مثلت في منتصف أكتوبر الماضي في (تياتر دي باري) بباريس الرواية الجديدة (الرفيق) التي وضعها المؤلف المسرحي المعروف جاك ديفال وتقع في ثلاثة فصول وأربعة مناظر وقد نجحت نجاحا كبيرا. وموضوع الرواية روسيا البولشفية ونظام الحياة فيها اليوم. وقامت بالدور الأول الممثلة الفير بوبسكو وساعدتها لهجتها السلافية على إعطاء نبرة أصلية تماثل لهجة الشخصية التي تمثلها. ومن الممثلين الذين اشتركوا في الرواية أندريه ليفور الذي اشتهر في رواية (توباز) المعروفة
стр. 1972
القصص
سنشيتا الأسبانية
بقلم حسين شوقي
(سنشيتا) الأسبانية بطلة القصة حسناء تبيع برتقالا على عربة، يعاونها في عملها (بدرو)، وليس هو البطل الآخر للقصة وإنما هو شقيقها، وهو صبي لم يعد العاشرة، أما البطل الحقيقي فهو الشاب (خوان) خاطب (سنشيتا)، وهو صياد بارع يضارع في قوته (نبتون) اله البحر، ولكنه جميل الوجه. . أما أقارب (سنشيتا) فلم يعش منهم غير (بدرو) وغير الأم التي تقوم على إدارة المنزل. وكانت (سنشيتا) في آخر النهار إذا ما فرغت من البيع تدفع العربة أمامها في طريق الدار، يعاونها في ذلك (بدرو) و (خوان). وكانت هذه المهمة تستغرق وقتا طويلا على قرب البيت، لأن ذلك الطريق القصير كان يقطع في مغازلة مستمرة بين الخطيبين، فتارة يقارن (خوان) ما بين البرتقال وخد الفتاة في الحمرة والنضرة، وطورا تكون ابتسامة رقيقة ذات معان تبعثها (سنشيتا) إلى (خوان). . ومرة ثالثة، ملاحظة وقحة من (بدرو) الصبي على أعمال العشيقين، تثير غضب الفتاة، ولو في الظاهر. .
وقد خطب (خوان) الفتاة منذ ثلاث سنين، والخطوبات الطويلة المدى من العادات المألوفة عند الأسبانيين. .
اتفق المحبان على الزواج لدى عودة (خوان) من رحلة يزمعها بعد أيام قلائل إلى بعض الجزر النائية حيث يكثر السمك، وكانت نية الفتى أن ينقطع عن عمله مدة بعد عودته من تلك الرحلة التي سوف تعود عليه بالربح الوفير، يقضيها إلى جانب زوجه المحبوبة في هناء وسعادة. .
أزف الرحيل وكان يوما قاتما، كأن الطبيعة تشارك الخطيبين الحزن، وبكرت الفتاة في الذهاب برفقة شقيقها إلى المركب الشراعي الذي يبحر عليه خطيبها، وهو مركب قديم يندر وجوده الآن إلا في أشرطة السينما عن القرصان، وكانت الفتاة تحمل سفطا ممتلئا بالبرتقال أخذت توزعه على (خوان) ورفاقه، أقلع الشراع ولم تكن إلا هنيهة حتى غاب عن نظر (سنشيتا) الحاد. .
стр. 1973
صارت الفتاة تتردد في غيبة خطيبها إلى غابة منعزلة كان يقصدانها أحيانا أيام العطلة، فتبث شكواها إلى أشجار الصنوبر الزاومة، وتعيد على سمعها في صوت عال وسط هذه العزلة التامة، تلك الكلمات الرقيقة التي كانت تسمعها من (خوان)، وأحيانا ولا سيما في الليل كانت تخرج إلى الشاطئ لتشاهد الأنوار العديدة الخافتة المنبعثة على صفحة الماء من زوارق الصيد التي تروح وتغدو على مقربة. وفيما هي تعود إلى المنزل بعد جولة من تلك الجولات الليلية وجدت شقيقها (بدرو) جالسا إلى المائدة يطالع في شغف كتابا مصورا، فلما رآها التفت إليها قائلا: (سنشيتا يحسن إلا تتركي خطيبك يتنقل في البحار لأنهم يقولون أن حور البحر يخطفن البحارين الحسان!) فابتسمت الفتاة لهذا القول وقبلت أخاها قبلة طويلة في جبهته. وفي ذات يوم دقت الأجراس في القرية على غير عادة، فعجبت لذلك (سنشيتا) وكانت إذ ذاك في حجرتها منهمكة في ارتداء ثيابها لتخرج إلى السوق. . رباه! لماذا تقرع الأجراس، وليس اليوم من أيام الأعياد؟ وإذا (بدرو) يدخل عليها الحجرة بغتة هاشا مسرورا فينبئها بالخبر العظيم. . بعودة (خوان)، وبأن هذه الأجراس إنما تقرع تحية له ولرفاقه الصيادين الذين عادوا من رحلتهم الطويلة. . خرجت الفتاة إلى الشاطئ وأراد (بدرو) أن يرافقها إليه، ولكن الأم احتجزته معها في المنزل ليساعدها في تنسيق مائدة الطعام إكراما للخطيب المحبوب. .
بلغت الفتاة الشاطئ فوجدت السفن راسية والصيادين يعانقون أهليهم وذويهم، ولكن. . (خوان)!. . أين (خوان)؟ أين (خوان) الجميل؟ خوان لم يؤب فقد ابتلعته الأمواج في ليل عاصف، وهو في طريق العودة إلى الوطن. . ثم دنا أحد الصيادين من (سنشيتا) قائلا: (انتظري سنشيتا سأعطيك نقود خطيبك التعس). . ولكن (سنشيتا) لم تنتظر بل قفلت راجعة إلى المنزل. . وعندما بلغت عتبة الدار وجدت شقيقها (بدرو) ينتظر متطلعا، ثم سألها في لهفة:. . (ولكن أين خطيبك؟) فأجابته في هدوء: (لقد احتفظت حور الماء بحارنا الجميل يا بدرو)!
كرمة بن هانئ
стр. 1974
مثلت فأتقنت التمثيل
للآنسة سهير القلماوي
ليسانسييه في الآداب
لقد ألفت البكاء بعد فقد وحيدها واستبدلت بالرقص التنهدات وبالغناء النحيب. كانت تعمل في أحد المسارح راقصة ومغنية، فأصبحت تعمل في مسرح الحياة نائحة وباكية.
في سنة ١٧٧٦ قامت أمريكا تطالب باستقلالها وأعوزتها الجيوش فأرسلت تستنجد فرنسا. أرسلت فرنسا المدد إليها بقيادة القائد لافاييت ذلك العظيم الذي أصبح فيما بعد من زعماء الثورة الفرنسية. نالت أمريكا استقلالها وظلت مساعدة فرنسا لها دينا في عنقها تترقب الفرص للوفاء به. ولكن الأعوام توالت وما زال هذا الدين غلا في عنق أمريكا.
وفي سنة ١٩١٤ انفجرت الحرب العظمى في أنحاء أوربا وقامت لها الدول وقعدت. وأخيرا أرسلت فرنسا تطالب بدينها وتلح في طلب المدد. تذكرت أمريكا لافاييت وجيشه فأرسلت جيشها وفاء دين، وتحية إجلال، لروح ذلك البطل الخالد.
وشاعت الأنشودة المشهورة (جئنا إليك يا لافاييت) في أمريكا بين صفوف الجند وفي المسارح والمقاهي. أنشدها القوم لحث الشباب على التطوع في الجيش المرسل مددا لروح لافاييت ممثلة في فرنسا، ولكم ألهبت تلك الأنشودة من قلوب، ولكم أثارت من حمية الشباب ودفعت بهم زرافات إلى صفوف الجيش الراحل إلى وطن لافاييت وفاء دين ورد جميل.
شهرت تلك ألأم بإنشاد هذه الأنشودة واشتهر وحيدها بأنه أول من تطوع في هذا الجيش. كانت الأم تغني تلك الأنشودة وهي ترقص رقصة الجندي المقتول، رقصه تمثل وقوع الجندي الباسل في ميدان القتال فداء الوطن وضحية النصر فكانت تلهب قلوب المتفرجين حماسا وإقداما. وأنشدتها لآخر مرة ليلة رحيل الجيش في المعسكر، وكان ابنها من اكبر المعجبين بها، والمتحمسين لها. هذه آخر مرة رأت وحيدها وفي الصباح رحل الجيش.
رجع الجيش ولكن وحيدها لم يرجع فقد قتل في ميدان الحرب شهيدا كما أملت عليه تلك الروح التي ألهبتها الأم بأنشودتها. لم يمت في ساحة الوطن وإنما قتل في ساحة الوفاء
وأنشد الجند (وجئنا إليك يا لافاييت) احتفاء برجوعهم إلى وطنهم فتقطعت نياط قلب الأم
стр. 1975
حسرة وكمدا. وتمثلت لها الحرب بأبشع مظاهرها. فهزأت من الجند الساذج الذي يسير إلى الموت فرحا مستبسلا مضللا بكلمات جوفاء كالوطن والحرية والوفاء والشهامة. وازدرت أناشيد الحرب وأعلام الحرب، وكل ما يمس الحرب، لأنها كلها ليست إلا وسائل إغراء الشباب ليقدم على الموت فتنال الأمة مطامعها. وهكذا لابد من ثمن لكل نصر.
بزغت الشمس هذا الصباح فتململت الأم في فراشها وانحدر الدمع على صدرها سخينا ملتهبا فتنهدت قائلة (رباه، أما في دنياك من جديد؟) ليس هناك جديد لك أيتها الثكلى، فقد حرمت ثمار غرس تعهدته وسهرت عليه فجنى الموت ما كنت إليه تتطلعين، وتمتع الفناء بزهر تعهدته وسقيته دم القلب. ليس لك سوى أنشودة تعيدينها ليل نهار هي كل مالك من ذكرى. نعم ليس هنالك سوى أنشودة الذكرى فردديها كلما غنت الطيور، وردديها طلوع شمس ومغربها. ردديها ما بقي فيك صوت ينشد، ردديها، ولتكن آخر ما يسمع من صوتك العذب الرقيق.
صحت الأم في ذ لكاليوم يملؤها شعور خفي، إنها ستلاقي وحيدها ولكن أين؟ وكيف؟ لا تدري. لقد دعاها الجند اليوم وتوسلوا إليها لتحضر احتفالهم بمرور عام على وفاة وحيدها. ذهبت ولكنها كانت ذاهلة عن كل ما حولها. يكلمها هذا ويعزيها ذاك فلا تشعر بشيء ألا أنها ستلاقي وحيدها اليوم.
وعزفت الموسيقى بأنشودة (جئنا إليك يالافاييت) فاندفعت ألأم نحو المنبر بشعور غريب وبدأت تغني وترقص رقصة الجندي المقتول، كما كانت ترقصها ليلة ترحيل الجيش. تسمع الجند أليها بقلوب باكية، وعيون ينهمر الدمع منها انهمارا. لقد رأى كل منهم الموت بعينه فما بكى، ورأى أصدقائه يترنحون قتلى في ساحة الحرب فما ذرفت عينه نصف ما ذرفت لمنظر تلك الأم الثكلى ترقص رقصة تمثل وحيدها يقع قتيلا في الحرب. سمعوا المدافع والطبول وسمعوا الأنين وحشرجة الموت فما هلعت قلوبهم ولا وجلت مثلما وجلت لسماع صوت الأم وهي تنشد أنشودة دفعت ثمنها غاليا.
وترنحت ألأم في رقصتها استعدادا لسقطة الموت الأخيرة، سقطة تمثل سقطة الجندي الباسل مقتولا في ساحة الحرب. وهنا ٍرأت وحيدها! نعم رأته يسير أليها بطيئا مهيبا! يسير أليها هي بعد أن قام من بين صفوف الجند مادا ذراعيه نحوها. فصرخت صرخة مروعة
стр. 1976
(ولدي. . . . ولدي. . . ألي يا ولدي)
وسقطت كما يسقط الجندي المقتول في ساحة الحرب.
-
стр. 1977
صه!
للقصصي الروسي تشيكوف
يعود ايفان كراز نوكين، وهو محرر متوسط في صحيفة يومية، دائما لمنزله في ساعة متأخرة من الليل مكتئبا حزينا، على سحنته الوقار وفي مشيته الجلال. وأحيانا تراه جامعا أشتات فكره مستغرقا بكليته في تصوره كأنما يترقب أن يفتش أو يفكر في الانتحار. ذرع عرض غرفته، ثم توقف ونفش شعره وقال في لهجة (لابرتس) منتقما لأخته (إنني حائر تعب ملتاع إلى ابعد قرارات النفس. إن الحزن يجثم على قلبي، ويهيمن على جسمي، ومع هذا فلزاما علي أن اجلس لأكتب. . وهذا ما يسميه الناس (العيش)
ليت شعري لم يصف كاتب حتى اليوم هذا الخبل الذهني المؤلم، وهذا
الاضطراب الفكري الشديد الذي يعذب روح المؤلف ويؤلم نفسه.
فعندما يكون حزينا حزنا يذيب لفائف القلب، يجب عليه أن يبعث
الجمهور على الطرب المستخف والسرور العظيم. وعندما يكون فرحا
يثلج الصدر ويبهج القلب يجب عليه أن يرسل الدمع الهتان وينفث
الحزن الدفين.
أجل! يجب علي أن أكون مرحا مستهترا لا أكترث لشيء ولا أحفل به. مليح النكتة بارع الدعابة عندما ينوء بي الهم ويقتلني الحزن. حتى إذا كنت (دعني أقول) مريضاً. . . إذا كان طفلي في نزعه الأخير. . . وكانت زوجي تنهشها الأحزان وتفترسها الآلام
لما فرغ من قوله هز جمع يده وأدار حماليقه. ثم دلف إلى المخدع وأيقظ زوجه. وقال: (ناديا!. . سآخذ في الكتابة. أرجو أن تحرصي على ألا يقاطعني أحد أو يمنعني من العمل إنسان. فما أستطيع الكتابة والجدي ينب والطاهي يغط! ثم قدمي أيظاً بعض الشاي وشريحة من اللحم، إذا أمكن، فأنت تعرفين أني لا أوفق إلى الكتابة إلا إذا شربت شايي، فالشاي وحده هو الذي يبعث في القوة على العمل.)
أخذ سمته إلى غرفته وخلع معطفه وصدريته وحذاءه. نضا عنه ثيابه بتأن تام. ثم كون ملامح وجهه حتى أصبحت تعبر عن الإنسان البريء المعذب (وجلس إلى مكتبه)
стр. 1978
على هذا المكتب لا تقع عين الإنسان على حقائر الأشياء اليومية وصغائرها. فكل الأشياء وأتفهها تنقلب ذات معنى، ويظهر عليها برنامج عابس! هنا تماثيل نصفية وصور شمسية لمؤلفين عظيمي الشهرة ذائعي الصيت. وهناك كوم من المخطوطات ومجلد بمؤلفات بلينيسكي ومنه صفحة مقلوبة. ثم عظام رأس تستعمل محبرة وصفحة من جريدة طويت كما يتفق، بيد أنها تعرض عمودا معلما عليه بالقلم الأزرق بالخط العريض (جبان) وهناك جمهرة من الأقلام المبرية حديثا وريش بأسنان جديدة حتى لا يمكن لأي سبب خارجي أو حادث عارضي أن يمنع التحليق السامي لهذه المخيلة المبدعة!!
ألقى كرازنوكين نفسه على كرسيه المريح وراح يفكر في موضوع فسمع زوجه تضرب الأرض بخفها تشقق قطع الخشب (للسيماور) وخيل إليه أنها مازالت وسنانة لأن غطاء السيماور أو رجله كان يسقط من يدها بين آونة وأخرى. ووصل إلى سمعه نشيش المغلاة وأزيز اللحم المقلي، وزوجه مازالت تشق الخشب مفرقعة قرب الموقد. مغلقة بشدة باب الفرن مرة، وأخرى النافذة الهوائية، وآونة أخرى باب المدفئة. فأرتجف كرازنوكين، وفتح عينين يملؤهما الرعب ويتطاير منهما الشرر. وأخذ ينشق الهواء ويلهث (رحمتك الهم!. . . دخان الفحم؟. . . هذه المرأة التي لا تطاق عزمت على خنقي. . قل لي بالله كيف أوفق للكتابة في حالات كهذه؟)
جرى إلى المطبخ يولول وينوح، وبعد برهة عادت زوجه تمشي على أطراف أصابعها مقدمة له قدحا من الشاي فوجدته جالسا على كرسيه الطويل كما كان من قبل! لا يبدي حراكا ولا يحرك جارحة غارقا في موضوعه، فلم يتحرك، وأخذ ينقر بخفة على جبهته بأطراف أصابعه متظاهرا بأنه لا يلاحظ وجودها ووجهه يعبر مرة ثانية عن: (البريء المعذب)
قبل أن يكتب العنوان أخذ يتملقه ويدلله مدة طويلة! كأنه عذراء أهداها بعض الناس مروحة جميلة! آونة يمر بيديه على صدغيه وأخرى يرتجف ويهتز جميعه ساحبا قدمه من تحت كرسيه كالمتألم. مغلقا نصف عينيه بفتور كقطة على فراش.
وأخيرا بعد تردد دنا من الدواة وسطر العنوان وكأنه يوقع صك الموت. . . .
سمع صياح ابنه (ماما!. . قليل من الماء)
стр. 1979
فأجابته أمه (صه!. . بابا يكتب. . . صه!)
كان الأب يكتب بسرعة مدهشة دون توقف، دون أن يمحو حرفا أو يشطب كلمة وليس عنده من الوقت ما يتسع لقلب الصفحات أما التماثيل النصفية والصور الشمسية لمشهوري المؤلفين فكانت ترقب يراعه الجوال وقلبه السيال وكأنها تفكر (اها. . . أخواه استمر. . . .)
خدش القلم (صه)
فجلجل المؤلفون وقد اهتزوا بدفعة من ركبة الكاتب (صه) عاد كرازنوكين إلى نفسه ووضع قلمه وتسمع. فسمع همسات متزنة لا تنقطع. وكان ذلك صوت فوما نيكوليتش الساكن معهم وهو يصلي في الغرفة المجاورة.
فناداه كرازنوكين (أعرني سمعك!. أما تستطيع الصلاة بأسرع من هذا؟. . انك تحول بيني وبين الكتابة)
فأجابه فوما نيكوليتش بحياء ووداعة (أستمحيك العفو يا سيدي) (صه!)
بعد أن كتب صفحات خمساً تمدد ونظر إلى الساعة وتأوه. (يا للسماء!. . الساعة الثالثة!. . الناس جميعا مستريحون نيام. . . وأنا وحدي. . أنا. . يجب علي أن أعمل)
بعد أن استفرغ العمل جهده وأفنى قوته أخذ طريقه إلى المخدع ضارع الجسم، واهن القوى ورأسه ساقط على عاتقه. أيقظ زوجه صائحا بها مكدود الصوت (ناديا. . . قدحاً آخر من الشاي. . . إني. . . إني أشعر بضعف)
كتب إلى الساعة الرابعة وود لو استمر في كتابته إلى الساعة السادسة بيد انه أنجز عمله وفرغ من موضوعه
زهوه العجيب وفرحه الغريب بهذه الأعمال الجامدة ولا بصيرة عنده ولا فراسة له! استبداده وجوره، عسفه وظلمه، في مسكن النحل الصغير التي خولت له الأقدار السلطان عليه وأعطته مقاليد الأمر فيه. هذه عنده أطايب الحياة وزبدة ما فيها.
كم يشابه هذا الاستبداد الذي تراه في المنزل هذه الأجناس الذليلة الصامتة التي يخالط كلامها التورية والتي اعتدنا رؤيتها في مكاتب الصحف.
قال لنفسه وهو ذاهب لفراشه (إني تعب جدا حتى يخيل إلي إنني لن أستطيع النوم. . .
стр. 1980
فعملنا الجهنمي الذي لا نلاقي منه جزاء ولا شكورا لا يجهد الجسم كما يجهد القريحة، على إنني سأتناول مقويا. . والله يعلم لو لم يكن هذا لخير الأسرة لنفضت منه يدي. . . . . . . أه. . انه مرعب أن يكتب الإنسان ويجبر على العمل هكذا!!)
استغرق في سبات عميق. . . فنام حتى الساعة الواحدة أو الاثنتين بعد الظهر، وما الذي كان ينامه أطول أو يحلمه ألذ. . إذا كان مؤلفا مشهورا أو محررا بارعا. أو حتى ناشرا؟
همست زوجه بوجه مرتاع (كتب سحابة الليل!. . صه!)
ما جرؤ أحد على الكلام أو السير أو التصويت فنومه مقدس ومن يذنب فيقطع هذا السكون ويشوش هذا الهدوء، فعليه أن يدفع عن هذا غاليا.
(صه!. . . . صه!)
ورن هذا الصوت في جميع الحجرات
محمود البدوي
стр. 1981
الكتب
على هامش السيرة
للدكتور طه حسين
مقدمة
هذه صحف لم تكتب للعلماء ولا للمؤرخين، لأني لم أرد بها إلى العلم، ولم أقصد بها إلى التاريخ. وإنما هي صور عرضت لي أثناء قراءتي للسيرة فأثبتها مسرعا. ثم لم أر بنشرها بأسا، ولعلي رأيت في نشرها شيئا من الخير. فهي ترد على الناس أطرافا من الأدب القديم، قد أفلتت منهم وامتنعت عليهم. فليس يقرؤها منهم إلا أولئك الذين أتيحت لهم ثقافة واسعة عميقة في الأدب العربي القديم. وانك لتلتمس الذين يقرأون ما كتب القدماء في السيرة وحديث العرب قبل الإسلام فلا تكاد تظفر بهم. إنما يقرأ الناس اليوم ما يكتب لهم المعاصرون في الأدب الحديث بلغتهم أو بلغة أجنبية من هذه اللغات المنتشرة في الشرق. يجدون في قراءة هذا الأدب من اليسر والسهولة ومن اللذة والمتاع ما يغريهم به ويرغبهم فيه، فأما الأدب القديم فقراءته عسيرة وفهمه أعسر، وتذوقه أشد عسرا. وأين هذا القارئ الذي يطمئن إلى قراءة الأسانيد المطولة والأخبار التي يلتوي بها الاستطراد وتجور بها لغتها القديمة الغريبة عن سبيل الفهم السهل، والذوق الهين الذي لا يكلف مشقة ولا عناء.
ذلك إلى أن الأدب القديم لم ينشأ ليبقى كما هو ثابتا مستقرا لا يتغير ولا يتبدل، ولا يلتمس الناس لذته إلا في نصوصه يقرئونها ويعيدون قراءتها، ويستظهرونها، ويمعنون في استظهارها. إنما الأدب الخصب حقا هو الذي يلذك حين تقرأه لأنه يقدم إليك ما يرضي عقلك وشعورك، ولأنه يوحي إليك بما ليس فيه، ويلهمك ما لم تشتمل عليه النصوص. ويعيرك من خصبه خصبا، ومن ثروته ثروة، ومن قوته قوة، وينطقك كما أنطق القدماء، أو لا يكاد يستقر في قلبك حتى يتصور في صورة قلبك، أو يصور قلبك في صورته. وإذا أنت تعيده على الناس، فتلقيه إليهم في شكل جديد يلائم حياتهم التي يحيونها، وعواطفهم التي تثور في قلوبهم، وخواطرهم التي تضطرب في عقولهم.
هذا هو الأدب الحي، هذا هو الأدب القادر على البقاء. ومناهضة الأيام. فأما ذلك الأدب
стр. 1982
الذي ينتهي أثره عند قراءته فقد تكون له قيمته، وقد يكون له غناؤه، ولكنه أدب موقوت يموت حين ينتهي العصر الذي نشأ فيه. ولو أنك نظرت في آداب القدماء والمحدثين، لرأيت منها طائفة لا يمكن أن توصف بأنها آداب عصر من العصور أو بيئة من البيئات، أو جيل من الأجيال، وإنما هي آداب العصور كلها والبيئات كلها والأجيال كلها. لا لأنها تعجب الناس على اختلاف العصور والبيئات والأجيال فحسب، بل لأنها مع ذلك تلهم الناس وتوحي إليهم، وتجعل منهم الشعراء والكتاب والمتصرفين في ألوان الفن على اختلافها.
وليس خلود الإلياذة يأتيها من أنها تقرأ فتحدث اللذة، وتثير الإعجاب في كل وقت، وفي كل قطر، بل هو يأتيها من هذا ومن أنها قد ألهمت، وما زالت تلهم الكتاب والشعراء، وتوحي إليهم بأروع ما أنشأ الناس من آيات البيان. ولقد كان ايسكولوس أبو التراجيديا اليونانية يقول: أنه إنما يلتقط ما يسقط من مائدة هوميروس، وما زال القصاص، وشعراء التمثيل والغناء في الغرب خليقين أن يقولوا الآن ما كان يقوله ايسكولوس منذ خمسة وعشرين قرنا، ولم تكن قصص ايسكولوس وغيره من شعراء التمثيل اليوناني أقل خصبا من الإلياذة، بل هي قد ألهمت من الكتاب والشعراء قديما وحديثا، وما زالت قادرة على أن تلهمهم إلى اليوم والى غد. وإني لأذكر أني قرأت منذ أعوام قصة تمثيلية هي الثامنة والثلاثون من نوعها وقد سماها صاحبها (جيرود) وبهذا الرقم. فوضع لها هذا العنوان (أنفيتمريون رقم ٣٨) كانت أسطورة تتصل بمولد هيرقل، فصورها سوفوكل قصة تمثيلية في القرن الخامس قبل المسيح. وما زال الشعراء والكتاب من اليونان والرومان والأوربيين المدنيين يتأثرونه ويذهبون مذهبه في تصوير هذا الموضوع حتى انتهت القصص التي كتبت فيه شعرا ونثرا إلى هذا العدد الضخم، ولم يحجم فحول التمثيل عن طرق هذا الموضوع لأنهم سبقوا إليه، بل زادهم ذلك حرصا عليه، ورغبة فيه، وكان بين الذين طرقوه الشاعر اللاتيني بلوت، والشاعر الفرنسي موليير. ثم لم يشفق جيرودو من أن يطرق موضوعا سبقه إليه الفحول من شعراء التمثيل في العصور القديمة والحديثة. فصور قصته هذه الثامنة والثلاثين وعرضها على النظارة في باريس سنة ١٩٢٩، فكان فوزها عظيما وإعجاب النظارة والقراء بها لا حد له.
стр. 1983
وفي أدبنا العربي على قوته الخاصة، وما يكفل للناس من لذة ومتاع، قدرة على الوحي، وقدرة على الإيهام. فأحاديث العرب الجاهلين وأخبارهم لم تكتب مرة واحدة، ولم تحفظ في صورة بعينها، وإنما قصها الرواة في ألوان من القصص، وكتبها المؤلفون في صنوف من التأليف، وقل مثل ذلك في السيرة نفسها، فقد ألهمت الكتاب والشعراء في أكثر العصور الإسلامية وفي أكثر البلاد الإسلامية أيضا. فصوروها صورا مختلفة تتفاوت حظوظها من القوة والضعف والجمال الفني، وقل مثل هذا في الغزوات والفتوح. وقل مثل هذا في الفتن والمحن التي أصابت العرب في عصورهم المختلفة. ولم يقف إلهام هذا التراث الأدبي العظيم عند الكتاب والشعراء الذين ينمقون النثر ويقرضون الشعر في اللغة العربية الفصحى، بل تجاوزهم إلى جماعة من القصاص الشعبيين الذين تحدثوا إلى الناس في صور مختلفة وأشكال متباينة بما كان لآبائهم من مجد مؤثل، وبما أصاب آباءهم من محن مظلمة، وفتن مدلهمة، عرفوا كيف يثبتون لها ويصبرون عليها، ويخرجون منها كراما ظافرين، ولا خير في حياة القدماء إذا لم تلهم المحدثين ولم توح إليهم بروائع البيان شعرا ونثرا، وليس القدماء خالدين حقا إذا لم يكن التماسهم إلا عند أنفسهم، ولا تعرف أنباؤهم إلا فيما تركوا من الدواوين والأسفار، إنما يحياالقدماء حقا، ويخلدون حقا، إذا امتلأت بصورهم وأعمالهم قلوب الأجيال مهما يبعد بها الزمن. وكانوا حديثا للناس إذا لقي بعضهم بعضا، وكنوزا يستثمرها الكتاب والشعراء لأحياء ما يعالجون من ألوان الشعر وفنون الكلام.
إلى هذا النحو من إحياء الأدب القديم، ومن إحياء ذكر العرب الأولين قصدت حين أمليت فصول هذا الكتاب. ولست أريد أن اخدع القراء عن نفسي ولا عن هذا الكتاب، فإني لم أفكر فيه تفكيرا، ولا قدرته تقديرا، ولا تعمدت تأليفه وتصنيفه كما يتعمد المؤلفون، إنما دفعت إلى ذلك دفعا، وأكرهت عليه إكراها، ورأيتني أقرأ السيرة فتمتلئ بها نفسي، ويفيض بها قلبي، وينطلق بها لساني، وإذا أنا أملي هذه الفصول وفصولا أخرى أرجو أن تنشر بعد حين.
فليس في هذا الكتاب أذن تكلف ولا تصنع ولا محاولة للإجادة ولا اجتناب للتقصير، وإنما هو صورة يسيرة طبيعية صادقة لبعض ما أجد من الشعور حين أقرأ هذه الكتب التي لا أعدل بها كتبا أخرى مهما تكن، والتي لا أملّ قراءتها، وآنس إليها، والتي لا ينقضي حبي
стр. 1984
لها وإعجابها، وحرصي على أن يقرأها الناس. ولكن الناس مع الأسف لا يقرئونها لأنهم لا يريدون، أو لأنهم لا يستطيعون. فإذا استطاع هذا الكتاب أن يحبب إلى الشباب قراءة كتب السيرة خاصة وكتب الأدب العربي القديم عامة، والتماس المتاع الفني في صحفها الخصبة، فأنا سعيد حقا موفق حقا إلى أحب الأشياء إلي وآثرها عندي.
وإذا استطاع هذا الكتاب أن يلقي في نفوس الشباب حب الحياة العربية الأولى، ويلفتهم إلى أن في سذاجتها ويسرها جمالا ليس أقل روعة ولا نفاذا إلى القلوب من هذا الجمال الذي يجدونه في الحياة الحديثة المعقدة، فأنا سعيد موفق إلى بعض ما أريد.
وإذا استطاع هذا الكتاب أن يدفع الشباب إلى استغلال الحياة العربية الأولى واتخاذها موضوعا قيما خصبا، لا للإنتاج العلمي في التاريخ والأدب الوصفي وحدهما بل للإنتاج في الأدب الإنشائي الخالص. فأنا سعيد موفق إلى بعض ما أريد.
ثم إذا استطاع هذا الكتاب أن يلقي في نفوس الشباب أن القديم لا ينبغي أن يهجر لأنه قديم، وأن الجديد لا ينبغي أن يطلب لأنه جديد، وإنما يهجر القديم إذا بَرِيء من النفع وخلا من الفائدة، فان كان نافعا ومفيداً فليس الناس أقل حاجة إليه منهم إلى الجديد فأنا سعيد موفق إلى بعض ما أريد.
وأنا أعلم أن قوما سيضيقون بهذا الكتاب لأنهم محدثون يكبرون العقل، ولا يثقون إلا به، ولا يطمئنون إلا إليه، وهم لذلك يضيقون بكثير من الأخبار والأحاديث التي لا يسيغها العقل ولا يرضاها، وهم يشكون ويلحون في الشكوى حين يرون كلف الشعب بهذه الأخبار، وجده في طلبها وحرصه على قراءتها والاستماع لها، وهم يجاهدون في صرف الشعب عن هذه الأخبار والأحاديث واستنقاذه من سلطانها الخطر المفسد للعقول، هؤلاء سيضيقون بهذا الكتاب بعض الشيء لأنهم سيقرؤون فيه طائفة من هذه الأخبار والأحاديث التي نصبوا أنفسهم لحربها ومحوها من نفوس الناس، وأحب أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس ملكات أخرى ليست أقل حاجة إلى الغذاء والرضى من العقل، وأن هذه الأخبار والأحاديث إذا لم يطمئن إليها العقل ولم يرضها المنطق ولم تسعها أساليب التفكير العلمي، فان في قلوب الناس وشعورهم وعواطفهم وخيالهم وميلهم إلى السذاجة واستراحتهم إليها من جهد الحياة وعنائها ما يحبب إليهم هذه الأخبار، ويرغبهم فيها ويدفعهم
стр. 1985
إلى أن يلتمسوا عندها الترفيه على النفس حين تشق عليهم الحياة. وفرق عظيم بين من يتحدث بهذه الأخبار إلى العقل على أنها حقائق يقرها العلم وتستقيم لها مناهج البحث، ومن يقدمها إلى القلب والشعور على أنها مثيرة لعواطف الخير، صارفة عن بواعث الشر، معينة على إنفاق الوقت واحتمال أثقال الحياة وتكاليف العيش
وأحب أن يعلم الناس أيضا أني وسعت على نفسي في القصص ومنحتها من الحرية في رواية الأخبار واختراع الحديث ما لم أجد به بأسا إلا حين تتصل الأحاديث والأخبار بشخص النبي أو بنحو من أنحاء الدين، فإني لم أبح لنفسي في ذلك حرية ولا سعة، وإنما التزمت ما ألتزمه المتقدمون من أصحاب السيرة والحديث ورجال الرواية وعلماء الدين.
ولن يتعب الذين يريدون أن يردوا فصول هذا الكتاب القديم في جوهره وأصله، الجديد في صورته وشكله، إلى مصادره القديمة التي أخذ منها، فهذه المصادر قليلة جدا لا تكاد تتجاوز سيرة ابن هشام، وطبقات ابن سعد، وتاريخ الطبري. وليس في هذا الكتاب فصل أو نبأ أو حديث إلا وهو يدور حول خبر من الأخبار، ورد في كتاب من هذه الكتب، فإذا اتصل الخبر بشخص النبي فإني أرده إلى مصدره ليستطيع من شاء أن يرجع إليه، لا أحتمل في ذلك تبعة خاصة لأني لا أذهب فيه مذهبا خاصا إلا أن يكون تبسطا في الشرح والتفسير، واستنباط العبرة، والوصول بها إلى قلوب الناس.
فلييسر الله سبيل هذا الكتاب إلى النفوس، وليحسن الله موقعه في القلوب.
стр. 1986
العدد ٢٤ - بتاريخ: ١٨ - ١٢ - ١٩٣٣
стр. 1987
من لغو الصيف إلى جد الشتاء
للدكتور طه حسين
كنا نلغو أثناء الصيف، فلنجدَّ أثناء الشتاء، وماذا كان يمنعنا من اللغو أثناء الصيف، وفي الصيف تهدأ الحياة ويأخذها الكسل من جميع أطرافها فتوشك أن تنام ولا تسير إلا على مهل يشبه الوقوف، وفي أناة تضيق بها النفوس. كل أسباب النشاط مؤجلة إلى حين، غرف الاستقبال مقفلة، وملاعب التمثيل مغلقة أو كالمغلقة، ولا تذكر الموسيقى والغناء، فمن للموسيقيين أو المغنين بهذا الجو القوي الحي الذي يبعث النشاط والخفة والمرح في النفوس والقلوب، وفي الألسنة والأيدي، جو ثقيل يستتبع فتوراً ثقيلاً، يضطر الناس إلى أن يغدوا على أعمالهم فاترين، ويروحوا إلى بيوتهم مثقلين، لا يكادون ينظرون إلى المائدة حتى ينصرفوا عنها، تنازعهم نفوسهم إلى النوم، وتنازعهم أجسامهم إلى أمهم الأرض، فلا يكادون ينظرون إلى سرير أو شيء يشبه السرير حتى يسرعوا اليه، ويلقوا بانفسهم عليه، وإذا هم يتصلون به ويتصل بهم، وإذا هم يمتزجون به ويمتزج بهم، وإذا هم يصبحون مثله شيئاً جامداً خامداً لا حركة فيه ولا حياة، إلا هذه اليقظة الفاترة البطيئة الثقيلة السمجة التي تلم بهم من حين إلى حين، حين يثقل عليهم الحر، ويشتد عليهم القيظ، فيفيقون أو يهمون بالأفاقة، ثم يغرقون في النوم ليفيقوا، ثم ليعودوا إلى الغرق فيه. ثم ينحسر النهار عن الأرض بشمسه المحرقة الملتهبة، ويقبل الليل متثائباً، يبعث في الجو أنفاساً حارة، كأنها أنفاس العاشق الولهان المحروم قد أوقد الحب الخائب في قلبه ناراً مضطرمة قوية اللظى فلا تكاد أطراف هذا الليل الكسلان تمس الأرض حتى تبعث في الناس نشاطاً كسِلا يدفعهم إلى حركات متخاذلة، فيخرجون من بيوتهم متثاقلين قد ضاقوا بالدنيا وضاقت بهم. فهم يهيمون إن حملتهم أقدامهم يلتمسون مكاناً نضراً لعلهم يجدون فيه فضلاً من نسيم قد صافح الماء، وأطال عشرته بعض الوقت، فيحمل إلى وجوههم وإلى قلوبهم شيئا من هذا البرد الخفيف اللطيف الذي يردهم إلى شيء من الدعة والهدوء.
هنالك يريدون أن يخرجوا من أنفسهم وأن ينسوا أشخاصهم، فيعمدون إلى اللغو يقبلون عليه كما يقبل المريض على الطعام، لا يكادون يذوقونه إلا على كره وفي مضض، ولعل الجو أن يعتدل، ولعل الجو أن يرق، ولعل هذه الأشربة الباردة المثلوجة أن تخفف بعض
стр. 1988
هذا اللظى الذي يجدونه في نفوسهم وفي أجسامهم فتنطلق الألسنة من عقلها بعض الشيء، وتستطيع النفوس أن تحرك أجنحتها قليلاً وأن تصعِّد في الجو بعض التصعيد ويستطيع المرح الهادئ أن يبعث في القلوب شيئاً من الراحة والابتهاج. ثم يتقدم الليل ويذكر الناس أن الصبح سيشرق بعد حين ومعه الأعمال والأثقال، والتكاليف والحر والضيق، وإذا هم مضطرون إلى أن يعودوا إلى بيوتهم ويسعوا إلى مضاجعهم كارهين.
كذلك نقضي الصيف في بلادنا إن لم نكن من المترفين الذين لا يكادون يحسون الصيف حتى ليعبروا البحر إلى حيث يحيون حياة اخرى، أو لا يكادون يحسبون الصيف حتى يسرعوا إلى ساحل البحر، فيحيون حياة خير منها ما نحن فيه من كسل وفتور، ومن تقصير وقصور، فلغو الصيف شيء طبيعي ملائم أشد الملاءمة لحياة الصيف. أما الشتاء فشيء آخر كله فرح ومرح، وكله حركة ونشاط، وكله حياة خصبة عذبة منتجة، تجد فيه النفوس أقصى لذاتها، وتجد فيه الأجسام أقصى قدرتها على الاستمتاع. أكل كثير، وشرب كثير، واضطراب في الأرض كثير، وإقبال على العمل. ونسيان الكسل، وحياة مملوءة إلى حافتها، تفيض أو تكاد تفيض بما يفعمها من الآمال والأعمال. ثم ضيق بالحياة، لأن الحياة تضيق بما نريد. وتعجز عن أن تسع كل ما تسعه آمالنا ورغباتنا وشهواتنا، وقد كدت أنسى واجباتنا. وهل للواجبات مكان في حياة الشتاء هذه التي يفعمها الجنون؟ مسكينة هذه الواجبات! يطاردها فتور الصيف ويطاردها نشاط الشتاء فحظها من عنايتنا قليل دائماً. ولعمري إنّا لمعذورون، أما عذرنا في الصيف، فلا يقبل جدالاً ولا مراء، ومن ذا الذي يستطيع أن يكلف الناس أن يعملوا وهم عاجزون عن العمل، أو يكدوا وهم مصروفون عن الكد. والله لا يكلف النفوس إلا وسعها، ولا يحمل الناس ما لا طاقة لهم به، واما في الشتاء فعذرنا أبلغ منه في الصيف، وكيف تريدنا على أن نفرغ للعمل، ونخلص للإنتاج، ونؤدي واجباتنا مشغوفين بها، مقبلين عليها، وحولنا من المغريات ما لا تقاومه إلا نفس سقراط أو أشباه سقراط،. ومن يدري لعل سقراط لو عاش في أيامنا، واضطراب في بيئتنا، لكان رجلاً مثلنا تصرفه المغريات عن أن يعرف نفسه بنفسه، وعن أن يولد نفوس محاوريه ويخرج منها كل ما احتوت من حقائق العلم والحكمة، وفنون المعرفة وألوان الخير.
стр. 1989
وقد زعموا أن امرأة سقراط كانت مسلطة عليه، وانه كان يخافها خوفاً شديداً، ويشفق منها إشفاقاً لا حد له، فلو عاشت امرأة سقراط في مدينة القاهرة وفي القرن العشرين لاتخذت لها يوماً في كل اسبوع، تستقبل فيه الزائرين والزائرات، فلا تكاد تطلع الشمس حتى تهيئ وتضطر زوجها إلى أن يهيئ معها غرف البيت لاستقبال الزائرين والزائرات، وحتى تسعى وتضطر زوجها إلى أن يسعى معها إلى حيث تشتري ألوان الحلوى وفنون الزهر وصنوف الفاكهة، حتى إذا تقدم النهار ودنت الساعة الرابعة قامت واضطر زوجها إلى أن يقوم معها لاستقبال الأصدقاء وغير الأصدقاء، من هؤلاء الذين يغشون غرف الاستقبال لأنهم يَكلَفٌون بغشيانها، أو لانهم يكرهون غشيانها. تكرههم عليه امرأة سقراط وأمثالها، لان امرأة سقراط لا تغفر لفلان وفلان من العلماء والأدباء وأصحاب الفن أن يهملوها، أو ينصرفوا عن غرفة استقبالها، وهي تصر أشد الإصرار على أن يظهروا في بيتها مرة في كل اسبوع، حتى لا يقول صديقاتها أن غرفتها ليست حافلة بأعلام الفن وأفذاذ الأدب، ورجال المال والأعمال، فإذا فرغت امرأة سقراط وفرغ زوجها من الاستقبال وما فيه من حديث مختلف مؤتلف، معوج مستقيم، واضح غامض، خصب جدب، خطر بريء، فلم تنته امرأة سقراط ولم ينته سقراط من كل شيء، وانما ابتدأ شيئاً لا سبيل إلى أن ينتهي، فهؤلاء الزائرون والزائرات لابد أن ترد لهم الزيارات، لأنهم كسقراط وامرأة سقراط مضطرون إلى أن يستقبلوا كما كانوا مضطرين إلى أن يزوروا، وكذلك تقضي امرأة سقراط ويقضي معها سقراط مساء كل يوم متنقلين من دار إلى دار، ومن غرفة استقبال، يقولان كلاماً، ويسمعان كلاماً، يصدِّقان ويكذِبان، وويل لسقراط إن أدركه الكسل أو أصابه الملل أو شغلته الفلسفة أو صرفه عن زيارة من هذه الزيارات حوار مهما تكن قيمته، ومهما يكن المحاورون، فأفلاطون وكسنوفون، وفيدون، وفيدر، كل هؤلاء يستطيعون أن يلقوه في داره يوم استقباله. أو في دار من هذه الدور التي تستقبل من الساعة الرابعة والثامنة من كل يوم، وإذا لم يكن بد من الحوار في الطبيعة أو في أي شيء من هذه الأشياء التي تنجم من الأرض، أو تهبط من السماء، فليدبر لهم سقراط وقتاً من هذه الأوقات التي يمكن فيها اللقاء دون أن تصرفه عن واجباته الاجتماعية وتعرضه للغضب، وأي غضب؟ غضب السيدات!
فإذا فرغت امرأة سقراط وفرغ معها سقراط من الاستقبال والزيارة وأقبل الليل، فالويل كل
стр. 1990
الويل للفيلسوف العظيم إن دعته نفسه إلى أن يعرفها، أو يحقق ما كان مكتوباً على معبد دلف (اعرف نفسك بنفسك) وأين يجد سقراط الوقت الذي يخلو فيه إلى نفسه إذا جنه الليل؟ فالليل لا يلقي على الأرض أستاره المظلمة ليأوي الناس إلى بيوتهم بل ليخرجوا منها، وكيف تريد، أن يأوي سقراط إلى بيته أو يخلو سقراط إلى نفسه، وهذه الأوبرا قد فتحت أبوابها، ومدت أسبابها، وأقبل عليها الممثلون والمغنون يعرضون بدائع التمثيل وآيات الغناء.
وهذه دور السينما تعرض في كل يوم جديداً، وهذه قاعة (يورت) يوقع فيها فلان، وقاعة (الليسيه) يوقع فيها فلان، وقد يجمع سقراط شجاعته كلها ويقول بقلب متردد ولسان متلعثم انه لا يحب ما يمثل الليلة، أو ما يوقع، أو ما يغنى، وأنه يؤثر الراحة أو الانقطاع لبعض العمل، ولكن ويل لسقراط من هذه المقالة! فمن زعم له انه سيشهد التمثيل أو يسمع الغناء لأنه يحب أو لا يحب، ولأنه متعب أو مستريح، انما يشهد التمثيل ويسمع الغناء ويختلف إلى دور السينما لأن الناس يجب أن يروه في هذه المشاهد كلها، وإلا فليس هو من أهل القاهرة، ولا من ذوي المكانة فيها، وقد تظن أن سقراط حين يذهب إلى الملعب أو إلى دار من دور السينما أو إلى قاعة من قاعات الغناء يستطيع أن يفرغ للفن أو يستمتع به، فاطرد عن نفسك هذا الظن، واذكر أن هناك (الانتراكت) ومقابلات الانتراكت، وأحاديث النظارة والمستمعين عما رأوا وما سمعوا ويا لها من أحاديث تبغض الفن إلى أحب الناس للفن، يجب أن يكون لكل واحد من هؤلاء النظارة والمستمعين رأي يراه، وكلمة يقولها فيما رأى وما سمع، وقد يكون هذا الرأي سخفاً، وقد تكون هذه الكلمة جهلاً، وهما كذلك في أكثر الأوقات، ولكن سقراط مضطر إلى أن يسمعهما ويقرهما، أو يجادل فيهما مجادلة المقر الذي لا ينكر. وهناك ما هو أثقل من ذلك، فيجب أن يكون لسقراط رأي يقوله وكلمة يقولها وإن لم ير شيئاً، وإن لم يرد أن يقول شيئاً ذلك أنه إذا لم يقل كلمته اتهم بالجهل، أو وصف بالكبرياء، وكلاهما لا يليق بالحيوان الاجتماعي الذي ذكره ارستطاليس في كتاب السياسة، والذي يتألف منه ومن أمثاله سكان مدينة القاهرة، كما يتألف منه ومن أمثاله سكان باريس.
حتى إذا تقدم الليل عاد سقراط إلى بيته متعباً مكدوداً فأوى إلى مضجعه ولم يلبث أن يأسره النوم. ولعلك تظن أن تكاليف سقراط تقف عند هذا الحد، فما أشد إغراقك في الوهم! وأين
стр. 1991
أنت من المحاضرات؟ وما أدراك ما المحاضرات؟ محاضرات الجمعية الجغرافية، وأخرى في الجمعية الاقتصادية، وأخرى في قاعة يورت التذكارية، وأخرى عند جروبي، وأخرى في الكونتننتال، ولا بد لأسرة سقراط من أن تشهد هذه المحاضرات لتكون ظريفة متلطفة، مجاملة للمحاضرين والمحاضرات، ثم لتظهر أيضاً، أو لتظهر قبل كل شيء. والمحاضرون قوم قساة لا يحفلون بالناس ولا يحفلون بانفسهم، وانما يحفلون بالمحاضرات، فهم يحاضرون في غير رفق، وهم يحاضرون في غير حساب، وهم يتنافسون في المحاضرات وقيمتها وحظها من الجودة، بل في عدد المحاضرات وعدد المستمعين. والإعلان في الصحف؛ وقد تسوء الحال فيلقي محاضران محاضرتيهما في وقت واحد وفي مكانين مختلفين طبعاً، ويومئذ يضطر سقراط إلى أن يشهد إحداهما، وتضطر امرأته إلى أن تشهد الأخرى، فلا بد من ظهور أسرة سقراط في المحاضرتين جميعاً فإذا انتهى كل من المحاضرين تقدم اليه نصف الأسرة فهنأه وحياه واعتذر له عن النصف الأخر لأنه مشغول بمحاضرة فلان. يا لهذا الفصل: فصل الشتاء! انه يشغل الوقت، ويصرف الناس حتى عن الحياة، وقد تعطف الظروف على سقراط وتؤئره الأيام بخير ما عندها من اللذات والمتاع. وإذا هو مضطر إلى أن يستمتع رغم أنفه بتناول الشاي عند فلان، ثم بالاستماع لمحاضرة يلقيها فلان في الساعة السادسة، وأخرى يلقيها فلان في الساعة السابعة، ثم يخطف عشاءه خطفاً، ويلقي ملابس النهار ويتخذ ملابس الليل ليسرع إلى الأوبرا، ويل لسقراط إن لم يكن من أصحاب السيارات! وويل للسيارة وسائقها ان كانت لسقراط سيارة، من هذه الأيام العذاب الكذاب أيام الشتاء، ثم حدثني بعد ذلك كيف يستطيع سقراط أن يفرغ لفلسفته ومعرفة نفسه وحوار تلاميذه إذا كان الصباح، وأين له القوة التي تمكنه من أن يفلسف أو يفتش عن نفسه أو يحاور أصدقاءه بعد هذا الجهد العنيف الذي أنفقه أو الذي احتمله منذ أقبل المساء إلى أن انقضى الليل أو كاد ينقضي، ومع ذلك فلا بد لسقراط من أن يعنى بفلسفته، ويبحث عن نفسه، ويجاور أصدقاءه، لأنه بذلك يعيش، ولذلك يعيش، زمن ذلك يعيش؟ أرأيت أن سقراط لم تظلمه الأيام حين جعلت حياته في القرن الخامس قبل المسيح في ذلك الوقت الذي لم تنشأ فيه الصالونات، ولم تكثر فيه المحاضرات، ولم تتعدد فيه ملاعب التمثيل وقاعات الغناء، ولم تظهر فيه دور السينما، لقد كان سقراط سعيداً حقاً، كان
стр. 1992
يشهد التمثيل أياماً في العام، مرة في الربيع حين يكون فصل التراجيديا، ومرة في الخريف حين يكون فصل الكوميديا. وكان يختلف إلى بعض الدور: إلى دار بيركليس مثلاً، ليسمع بعض السفسطائية، وليحاور أو ليستمتع بجوار هذه المرأة الجميلة زوج بيركليس. وكان ينفق ما تبقى من وقته، وهو أكثره من غير شك، متنقلا بفلسفته في شوارع أثينا، أو باحثاً عن نفسه في حمام أثينا وملاعب الرياضة فيها. وأنا واثق بان سقراط لو خير بين حياتنا الحلوة العذبة، وبين سجنه الثقيل وما تناول فيه من السم لآثر السجن والسم على هذه اللذات الطوال الثقال التي نتحملها نحن في فصل الشتاء.
أرأيت أن الصيف هو الفصل الذي يحسن فيه اللغو، وأن الشتاء هو الفصل الذي لا يحسن فيه إلا الجد، ولايمكن فيه إلا الجد، ولعلك تظن ان ما حدثتك به هو كل ما في الشتاء من جد، فُذد عن نفسك هذا الوهم، ففي الشتاء جد آخر مر كله، لا حلاوة فيه، فأنت توافقني على أن الزيارة والاستقبال، والاختلاف إلى المحاضرات، وشهود التمثيل والاستماع للمغنين والموقعين، كل ذلك يحتاج إلى نفقات، فثياب الشاي غير ثياب التمثيل، ولكن ماذا أريد أن أقول؟ ومالي أدخل بك في هذا الحديث الذي لا فكاهة فيه ولا متاع؟ أهذا كل ما يحمل إلينا الشتاء من الجد؟ كلا ففي الشتاء جد آخر، جد خصب حقاً، جد نافع حقاً، جد نعيش منه، ونلهو به، ولا يجني منه أصحابه إلا حياة كلها خشونة وشظف وحرمان، هو جد هؤلاء الفلاحين الذين يعملون في الأرض، لا يحفلون بالبرد ولا يحفل بهم البرد، وفي الشتاء جد آخر، جد يمزق القلوب، ويعذب النفوس، ويبعث اللوعة والأسى في أفئدة الذين يعرفون الرحمة واللين، ويذكرون حين يلهون إن في الأرض قوماً آخرين يعذبهم الجوع، ويلح عليهم البرد، فيقضون ليالي خير منها ظلمة القبور، في الشتاء هذا الجو المظلم القاتم، المرهق المحرق الذي تصوره اجمل تصوير وابلغه تلك الأغنية المشهورة أغنية الإحسان التي ما استطعت أن استقبل الشتاء منذ عرفتها دون أن اسمعها مرة ومرة:
هذا الشتاء يقبل، ومعه حاشيته الحزينة، إن الأشقياء ليألمون كثيراً في الشتاء، إن من الحق علينا أن نحميهم من هذا الشقاء، إن البرد لشديد في دورهم المقفرة!
стр. 1993
كيف يرقى الأدب
للأستاذ احمد أمين
أشرت في مقال سابق إلى العلاقة بين الذوق العام ورقي الأدب، ووعدت القراء أن أعود إلى هذه العلاقة، أزيدها بسطاً وايضاحاً، وذلك ما أحاوله في هذا المقال.
يذهب بعض المفكرين إلى أن الفنون (ومنها الأدب) ترتقي وتنحط، وتعلو وتسفل، وتتقدم وتتأخر، في الأمم اعتباطاً من غير أن يكون لذلك أسباب. أو على الأقل أسباب ظاهرة، فالناظر لتاريخ الفنون في العالم يرى أن أمة في عصر من العصور قد ترقى في فن من الفنون، كالموسيقى أو الحفر أو التصوير أو الشعر، على حين أن أمة أخرى ترقى في فن آخر من هذه الفنون، ثم بعد رقي عظيم تنحط الأمة في هذا الفن ويحل محل الفن فن آخر. أو لا يحل محله شيء، وتتبادل الأمم ذلك من غير أن يكون لهذا التقدم وهذا التأخر علة مفهومة، وشأن الفنون شأن النابغين، فقد ينبغ النابغ في أمة ولا نعرف لم نبغ وكيف نبغ، وتحاول الأمة أن تخلق نابغين فلا ينخلقوا. بل ترى الأمر عجباً، فقد يوجد النابغة والأمة على أسوأ ما يكون من ضعف في الخلق، وضعف في العقل، ثم ترقى الأمة عقلاً وترتقي خلقاً، وكان مقتضى هذا أن يكثر عدد النابغين فيها ويزدادوا نبوغاً بازدياد الأمة رقياً فينعكس الأمر حتى لتجد الأمة وأعضاؤها قوية ولا رأس، بينما كان لها في حال ضعفها رأس قوي ولا أعضاء، ما ذاك إلا لأن النابغة يوهب ولا يخلق. وقد قال هؤلاء إن الفنون في ذلك ليست كالعلوم، فالرقي في العلوم سبيله ميسور ممهد، وتستطيع الأمة أن تضع لها خطة تسير عليها لترقى في الطبيعة أو الكيمياء أو الرياضة. فإذا هي جدت في ذلك وصلت إلى درجة من الرقي تناسب جدَّها واستعدادها، ولكنها لا تستطيع أن تضع خطة تسير عليها للرقي في الشعر والموسيقى والتصوير، لأن ذلك نوع من الإلهام، والإلهام بيد الله يمنحه من يشاء كيف شاء متى شاء. ولعل الكاتب يشعر بهذا تمام الشعور في نوع ما يكتب، فهو إذا أراد أن يكتب بحثاً علمياً أو يحقق لفظاً لغوياً أو يحرر حادثاً تاريخياً، فهو في اكثر أوقاته مستعد لذلك، ما لم يكن مريضاً أو مهموماً، ولكنه وإذا شاء أن يكتب قطعة فنية أدبية إنشائية لا يستطيع ذلك إلا في حالة نفسية صافية، ومزاج يتناسب والقطعة الفنية التي ينشئها، من حزن أو سرور، وحلم أو غضب، ويصادفه وقت هو كما يسميه الصوفية
стр. 1994
- وقت تجلٍّ، يجيد فيه ويغزر ويسمو فيه ويصفو، ويعجب كيف أجاد وكيف غزر، ثم هو يحاول بعد مراراً أن يخلق مثل هذا التجلي، فيفشل ثم يفشل، ويحار في تعليل ذلك، وتعليلها هو ما قاله علماء الكلام (ولم تكن نبوة مكتسبة) هو في العلم مالك وقته يصرفه كما يشاء وهو في الأدب ينتظر الإلهام.
وقالوا إن رقي الأمة في الأدب لا يرتبط بدرجة ثقافتها، ولا برقيها العقلي، ولا بأي سبب من الأسباب، فالأمة المصرية قديما رقيت في فنون النحت والنقش والبناء رقياً بديعاً جعلها من أساتذة العالم في هذا الباب، وخلّفت على مر الأزمان ثروة لا تقوّم، ولا تزال قبلة الفنانين تستخرج إعجابهم وتلهم أذواقهم، والمصريون الآن ليسوا أساتذة في الفن، حتى ولا تلامذة، مع أن أحداً لا يستطيع أن يقول أن المصريين القدماء كانوا أرقى منا عقلاً وأعلى ثقافة. وكذلك يشكو كثير من الأوروبيين من أن الفن (ما عدا الموسيقى) أخذ يتدهور من القرن السادس عشر مع أن انواع العلوم في رقي مستمر. وعقليات الأمم في تقدم دائم، ولو كان الأمر بالعلل والأسباب المنطقية لوجب أن يكون المصريون اليوم أعلى فناً وأكثر نبوغاً، ولكان الفن الأوربي الآن أسمى وأتم منه في القرون الوسطى، فأما وقد عجز المنطق عن تقديم مقدمات ونتائج صحيحة فليس إلا الإلهام، وليس للأمة إلا أن تنتظر ما يأتي به القدر.
هكذا قالوا، أو حالوا أن يقولوا، وبهذا احتجوا، أو حاولوا أن يحتجوا ولكن هل هذا صحيح؟ إن في هذا الرأي غلواً مفرطاً، انه يخرج الأدب عن دائرة الإرادة ويجعله مجرد انتظار للوحي والإلهام، ومن الحق أن للأدب خطة تنتهج كمنهج العلم، وأن من نعده للأدب يجب أن تثقفه ثقافة خاصة كالذي نعده للعلم، ولكن من الحق أيضاً إننا لا نخلق الأديب ببرنامجنا، بل لابد أن تكون قد هيأته الطبيعة ومنحته استعدادات خاصة وكفايات ممتازة، وتهيؤا لقبول الإلهام، ولكنه في كل ذلك كالعاِلم، فبرنامج العلم لا يخلق نابغة في العلم انما يعده، والعالم لابد أن يكون مهيأ للإلهام كالأديب، واكثر المخترعات والمستكشفات في العالم كانت نتيجة الهام اكثر منها نتيجة لمقدمات منطقية وتجارب عملية، وانما التجارب تهيئ للإلهام وتحقق ما يأتي به، وتبين صحيحه من فاسدة وتسمى هذه الإلهامات فروضاً.
ويظهر أن اتجاه هؤلاء الباحثين هذا الاتجاه سببه عقيدة سادت بين علماء الفن وعلماء
стр. 1995
الجمال عهداً طويلاً وهي (ان الذوق لا يعلّل) فالناظر ينظر إلى الصورة فيستجملها أو يستقبحها، فإن أنت سألته لم أستجملها أو لم استقبحها لم يحر جواباً، وإذا أجاب أجاب بكلمات منمقة ولكنها جوفاء لا تحوي علة ولا توضح سبباً، وانما هي نفس الدعوى بألفاظ رشيقة جميلة، وإذا رأيت طاقة من الزهر قلت ما أجملها ولكن إن سئلت لم كانت جميلة قلت انها منسقة، انها بديعة الألوان، أن نفسي لترتاح إلى رؤيتها، انها لتسر النظر، وتبهر العقل، وأنت غنى بعدُ عن أن أقول لك إن هذه الألفاظ وجمل قد ترضي البلاغة ولكن لا ترضي المنطق وقد تعرض صورة أو يظهر إنسان امام جمع من النظارة فهذا يستحسنه وذاك يستقبحه، وثالث لا يستحسنه ولا يستقبحه، فإذا سألت من استحسن لم استحسن ومن استهجن لم استهجن، ومن حايد لم حايد، كانت الإجابات مثاراً للعجب وموضعاً للضحك، وقد ترى إنساناً كل عضو من أعضائه على انفراد جميل، ولكنه ليس جميلاً ككل، فما الذي كوّنه هذا التكوين؟ وما الذي وضعه هذا الوضع؟ ولم استحسنته مفرقاً ولم تستحسنه جملة؟ لا شيء في الحقيقة إلا الذوق الذي لا يعلل، وهذا هو الشأن في الأدب، وأظهر مثل لذلك ما فعله عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة ودلائل الأعجاز، فماذا صنع؟ انه يأتي بالبيت الجميل ثم يقف ويتساءل فيم كان جماله، فما هو إلا أن يصوغ لك جملاً رشيقة فيقول: إن هذا اللفظ يروقك ويؤنسك، وغيره يثقل عليك ويوحشك، وهذا الوضع يبهرك جماله، وهذا النظم يأخذ بلبك ما فيه من نسج وصياغة، ووشي وتحبير، ويعلل سبب ذلك أحياناً بالتقديم والتأخير، وأحياناً بالفصل والوصل , وكلها علل لا تصلح، فأنا كفيل بأن آتيك بتقديم يحسن، وتقديم مثله يقبح، وفصل يروعك وفصل مثله يسوءك وقد حاول أن تفرق بينهما فلا تستطيع، ثم تسلم سلاحك وتكتفي بأن تقول هذا جميل، وهذا قبيح، وهذا يحسن في ذوقي وهذا لا يحسن، وبذلك تكون قد قطعت شوطاً بعيداً، ثم في آخر الأمر عدت إلى النقطة التي بدأت منها سيرك، وما علوم البلاغة كلها إلا محاولة لتعليل الذوق الأدبي، ولكن هل أفلحت في التعليل؟ إنا لنخشى أن تكون قد دارت حول نفسها، ولم تأت بشيء (لأن الذوق لا يعلل).
وإذا كان الذوق لا يعلل فكل ما ترتب عليه لا يعلل، وإذا كان الفن وليد الذوق فالفن لا يعلل، ولا يعلل كيف ظهر وكيف قوى وكيف ضعف.
стр. 1996
هكذا ايضاً قالوا أو يصح أن يقولوا. وهذه الآراء وإن كان فيها شية من الحق ليست حقاً كلها، وليست حقاً في أساسها، وقد بذل بعض العلماء المحدثين مجهوداً حميداً في بيان ما فيها من حق وباطل وحاولوا أن يفلسفوا الذوق، ويفلسفوا الجمال ووضعوا للذوق والجمال علماً وعدوه فرعاً من فروع الفلسفة، وحاربوا الفكرة السائدة: (إن الذوق لا يعلل)، ووضعوا قواعد لتعليله نجحوا فيها أحياناً وفشلوا أحياناً، ولا يزال مجال البحث أمامهم فسيحاً، وكان لهذا الاتجاه الجديد في عالم الجمال أثر كبير في خلق نظريات في الأدب، ووضع أسس جديدة للبلاغة والنقد الأدبي مما ليس هذا موضعه.
والذي أميل اليه أن الفن نتيجة الذوق لا محالة، وأن الذوق يمكن تربيته وترقيته، فالطفل إذا لفتَ نظره إلى الأزهار وجمالها تكوّن فيه الميل إلى حبها والاستمتاع بها، فإذا كان يعدُ أديباً اتصلت حياته الأدبية بها، وظهر في نتاجه الفني هذا الحب وهذا التقدير.
والذوق العام للأمة في قوته وانحطاطه، ليس يظهر فجأة ولا نتيجة المصادفة البحتة، انما هو نتيجة لكل ما يحيط بالأمة من ظروف وأحداث، هو نتيجة النظم السياسية، والحياة الاقتصادية والاجتماعية، والثقافة العقلية وغير ذلك، وإن شئت فقل أن ذوق الأمة هو تعبيرها عما تُقوِّم، فالأمة إذا قَوّمت المناظر الطبيعية تذوقتها، وإذا قومت جمال الأزهار تذوقته، وإذا لم تقوم نظام المجتمعات لم تتذوقه ولم يجرح ذوقها تهويش على محاضر أو مغن أو ممثل والفنان ليس إلا معبراً عن ذوق الأمة، والأديب ليس إلا الموقع للأصوات التي تستلذها الأمة.
ومن أهم الأسباب ضعف الأدب العربي مسألتان تتصلان بهذه الحقيقة: الأولى أن الأدب العربي لا يتصل بالذوق العام للأمة اتصالاً وثيقاً، لأنه يصاغ بلغة غير لغة الشعوب، ولا يتصل إلا بذوق خاص وهو ذوق محترفي الأدب، ومن تكون ذوقهم تكّوناً كلاسيكياً , ولا أمل في نجاحه إلا أن نعمل بأي شكل كان على ان نصل الأدب أو أكثره بالذوق العام، والثانية تتصل بالأولى. وهي أن الآداب في أكثر الأمم كانت أرستقراطية النزعة يوم كانت القوة في يد الأرستقراطيين، فلما انتشرت الديمقراطية تبعها الأدب، فأصبح ديمقراطي الموضوع، ديمقراطي النزعة، أما الأدب العربي فقد أصبح أرستقراطيا منذ العهد الأموي، وأصبح أهم انواع الأدب إنما ينشأ حول قصور الأمراء والأغنياء، وفي الموضوعات التي
стр. 1997
تناسبهم من مديح لهم وهجاء لاعدائهم، فلما عمت النزعة الديمقراطية العالم لم تؤثر في الأدب العربي أثرها في غيره من الأداب، بل ظل محتفظاً إلى حد ما بأرستقراطيته، وهذا قلل من غير شك اتصاله بالذوق العام للأمة. وقد نعود إلى توضيح ديمقراطية الأدب في مقال تال.
على كل حال لا وسيلة لترقية الفن ومنه الأدب إلا بترقية الذوق، وربط الفن به، ولذلك وسائل:
من أهمها التأذين في الناس بصوت عال يهزهم هزاً عنيفاً حتى يشعروا بأن أذواقهم مريضة، لا يشعرون بالجمال كما ينبغي ولا يهيمون بالحسن كما يجب، ولست اعني جمال الوجوه وحدها، ولكن جمال الأزهار، وجمال الطبيعة، وجمال الموسيقى، وجمال الحركة، وجال النظام، وجمال النظافة، وجمال المعاني، ويجب أن لا يقتصر دعاة الفن على الدعوة لجمال الكرنك وأنس الوجود والمساجد الأثرية بل يجمعون إلى الدعوة لجمال الماضي وجمال الحاضر. وهذا أكثر وضوحاً في الأدب فدعوة الأدباء دائماً وقول الأدباء دائماً انما هو إلى الماضي وفي الماضي، وهذا حسن لدرجة ما ولكن يجب أن يقرن به الدعوة القوية أيضاً إلى النظر إلى أنفسنا والقول في أنفسنا.
يجب أن نغير تسعيرة الأشياء، ونضع تسعيرة جديدة لما يدور حولنا، ونضع أمام ناشئتنا قيماً جديدة لما يقع عليه نظرهم، فإذا كانت بيوتنا تعنى بكمية الأكل وتعطيها أكبر قيمة، وجب أن نرفع قيمة الكيفية فنضع قيمة كبرى للأزهار على المائدة ولجمال الترتيب والنظام ولجمال الحديث.
يجب أن نوجه إرادتنا في ترقية الذوق كما نوجه إرادتنا لترقية العلم وترقية النظام السياسي، ونضع للذوق برامج كالتي نضع لبرامج التعليم.
إنا إن فعلنا ذلك تمخض المجتمع عن فنان ماهر، وأديب قادر.
стр. 1998
حب العرب في مناجم الذهب
للعلامة الشيخ عبد القادر المغربي. عضو مجمع اللغة العربية الملكي
(دَرَى) الصيد يدريه إذا توارى عنه وما زال به حتى أمسكه. فدَرَى هذه بمعنى خَتَل. ولها أخت مشهورة بيننا: وهي (دَرَى المسألة) بمعنى علِمها وأدركها. وبعضهم جعل (دَرَى) هذه من بابة (دَرَى) الصيد، فاشترط في دراية المسألة الوصول اليها بضربٍ من الحيلة.
ولم لا أقول في (أدرك) كما قالوه في (دَرَى)؟ فيكون إدراك المسألة وتعقلها بعد سعيٍ وجهد. كما أن إدراك الصيد واعتقاله بعد جريٍ وجهد.
ولا تقل أيها القارئ أن (دَرَى) بمعنى (خَتَل) لا عهد لنا بها. بلى! فإننا نستعمل حتى في لغتنا تخاطبنا أختاً لها: وهي كلمة (دَارى) من (المفاعلة) ونريد بها أن يُلين الشخص القولَ لآخر، ويسارع إلى هواه، ويتجنب سخطه، فنستعملها بمعنى المجاملة، وإن كان اشتقاقها في الأصل يدل على معنى الخديعة والختل.
اما شاهد (دَرَى) الصيد بمعنى ختله فهو قول الشاعر:
فإن كنتُ لا أدري الظباء فأنني … أدُّس لها تحت التراب الدواهيا
فالشاعر يريد بقوله (أدري الظباء) أنه يختلها ختلاً إذا أراد اصطيادها، حتى إذا عجز عن ختلها وإمساكها باليد، فانه يصيدها بالفخاخ والحبائل يدسّها لها تحت التراب. فالدواهي إنما أراد بها هذه الفخاخ؛ كما أن المراد بالظباء ظباء الوحش. ويبعد أن يكون أراد بها ظباء الأنس: أعني الحسان من النساء بدليل الرواية الأخرى وهي (أدسُّ لها تحت العِضاه المكاويا) و (العِضاه) شجر عظام في البادية، تأوي اليها الظباء عند اشتداد الهجير فتقيل تحتها، وتعطُو إلى أوراقها و (المكاويا) جمع مكواة: آلة الكي المعروفة، وأراد بها هنا الفخاخ نفسها.
ولكلمتي (دَرَى) و (دارى) أختان هما (ادَّرى) الصيد من الافتعال. و (تَدَرَّى) الصيد من (التفّعل) وكلتاهما بمعنى (خَتَل) أيضاً.
أما شاهد (ادَّرى) بتشديد الدال، فبيتٌ من الشعر كلنا ينشده هكذا:
وماذا يبتغي الشعراء مني … وقد جاوزتُ حدَّ الأربعين
وهو لسُحَيْم بن وثيل الرياحي. وصواب الرواية:
стр. 1999
وماذا يدَّري الشعراء مني الخ
(يدَّرى) بتشديد الدال من (ادَّرَى) الصيد ختله حتى اصطاده. أي لا يظن الشعراء أنهم قادرون على ختلي وخديعتي بعد أن بلغت سن الكمال والأستحصاف.
هذا شاهد (ادَّرى). أما فعل (تَدَّرى) بتشديد الراء (من التفعُّل) فله شاهد عجب، من أنباء حب العرب، في معادن الذهب. وهو قول شاعرهم:
كيف تراني أذَّرى وادَّرى … ِغرّات (جُملٍ) وَتَدرَّى غِرِرَى
على أن هذا البيت شاهد لكل من الفعلين: (ادَّرى) (من الأفتعال) و (تَدَّرى) (من التفُّعل).
أما (اذَّرى) بالذال المعجمة فليست من معنى الختل في شيء. وإنما هي من تذرية الَحِب ونحوه في الهواء، فيذهب القشر والتراب، ويبقى الحب واللباب.
وأصل (اذَّرى) (اذترى) من الأفتعال. كما أن اصل (اذَّكر) أي تذكر (إذتكر)، وثلاثيه ناقص وأو: يقال ذَرَا فلان حَبّ بيدره. و (ذَرَّاه) من التفعيل، فاذَّرى في بيت الشعر المذكور هو بهذا المعنى.
والفعلان الأخران (ادَّرى) و (تَدَّرى) بالدالين المهملتين هما بمعنى خَتَل الصيد.
وقائل البيت لم يرد أنه ادَّرى وختل ظبيةً من ظباء الوحش وإنما كان غرضه أن يختل ظبيةً من ظباء الأنس وهي (جُمل) الحسناء. فهو يقول: قد كنت أنا و (جُمل) نعمل في تحصيل الذهب وتنقيته من التراب، وكنت أعمل أنا في تذريته وتعريضه لهبوب الريح فيتطاير التراب والشوائب هنا وهناك، وتقع ذرَّات الذهب وقطعه الصغيرة على الأرض.
أما (جُمل) فلها وظيفة غير وظيفتي: وظيفتها (التحصيل). فأنا (المذرِّى) وهي (المحصِّلة).
قال ابن فارس: أصل معنى التحصيل استخراج الذهب من حجر المعدن.
وقال علماء اللغة: (المحصَّلة) كمحدِّثة المرأة التي تحصّل تراب الذهب أو تراب المعدن. ومعنى تحصيله تخليص الذهب منه. والتحصيل في الذهب كالتصويل في الحنطة ونحوها.
وقال ابن بّري: المحصَّلة هي التي تميز الذهب من الفضة.
وجميع أرباب المعاجم لم يذكروا (اسم فاعل) التحصيل إلا بصيغة المؤنث (المحصَّلة) ولا يكادون يقولون (المحّصل) بالتذكير، إلا على سبيل بيان الاشتقاق القياسي. أما (المحصلة) الأنثى فقد أصبح وصفاً غالباً على امرأة ذات عمل خاص بها هو تحصيل الذهب وتنقيته.
стр. 2000
ومما يحسن التنبيه اليه أن فعل (اذّرى) التي هي بمعنى التذرية في قول الشاعر المذكور لم يقل أحد من علماء اللغة أن المراد بها تذرية حب الحنطة مثلاً، بل أجمعوا على أن مراد الشاعر تذرية الذهب وتنقيته من التراب فيظهر أن البيت من قصيدة حكى فيها الشاعر حادثة جرت له مع الحسناء (جُمل) وهما يعملان في معدن (حِلِّيت) على وزان (سِكّيت) في بلاد نجد أو غيره من مناجم جزيرة العرب التي كثر التحدث عنها في الآونة الأخيرة.
وكما استفدنا من علماء اللغة أن (المحِّصلات) هن المشتغلات في المعادن، وأن (التحصيل) من أعمال النساء الخاصة بهن أو الغالبة عليهن، استفدنا ذلك ايضاً من شعراء العرب. فقد قال أحدهم:
اإلا رجل جزاه الله خيراً … يدلُّ على محِّصلةٍ تبيت؟
وهذه الدلالة في مغزاها تشبه الدلالة في قول الأخر:
يا من يدلُّ عَزَباً على عَزَبِ
وإذا كانت وظيفة المرأة العربية في معادن الذهب ما ذكرنا، فتكون الحسناء (جُمل) بينا هي منهمكة في تحصيل الذهب وتخليص شذراته، كان الشاعر الذي قال: (كيف تراني أذَّرى وأدَّرى الخ) كان يدَّرى تراب الذهب ويلاعب المذراة أو المنسف بيديه، أما عيناه فكانتا تلاعبان عيني (جُمل)؛ فكان يختل (غرَّاتها) جمع (غرَّة) أي غفلتها، فإذا غَفلت رنا اليها. فيكون بذلك قد ختلها، أي خدعها مذ أوهمها أنه لا ينظر اليها مع أنه ينظر. ولم تكن (جُمل) بأقل كلفاً وحرصاً على مسارقته النظر، فكانت هي في نوبتها أو في دورها (كما يقولون) (تَدَرَّاه) أي تختله وتخدعه فتوهمه أنها لا تنظر اليه، ثم تتحَّين (غِرَره) جمع (غِرة) أيضاً أي غفلته حتى إذا سنحت لها غرة من غرره نظرت اليه معجبةً أو متفرّسة إن كان يصلح لها بعلاً أو لا.
ومحصّل القول أنه كان للعرب معادن ذهب يجتمعون نساء ورجالاً، أحراراً في عملهم، أو مأجورين لصاحب (رأس المال) رومي أو فارسي يشغلهم على حسابهم. وإن النساء كان عملهن التحصيل، أي تنقية ذرّات الذهب وشذراته، بينما الرجال الأشداء كانوا يقومون بأعمال أخرى أشق من أعمالهن كالتذرية وتفتيت الصخور بالمعاول ونحو ذلك.
ويظهر من لهج شعرائهم بذكر (المحصّلات) أنه كان لهن من تجمعهن في ذهابهن إلى
следующие страницы →