← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

هكذا ايضاً قالوا أو يصح أن يقولوا. وهذه الآراء وإن كان فيها شية من الحق ليست حقاً كلها، وليست حقاً في أساسها، وقد بذل بعض العلماء المحدثين مجهوداً حميداً في بيان ما فيها من حق وباطل وحاولوا أن يفلسفوا الذوق، ويفلسفوا الجمال ووضعوا للذوق والجمال علماً وعدوه فرعاً من فروع الفلسفة، وحاربوا الفكرة السائدة: (إن الذوق لا يعلل)، ووضعوا قواعد لتعليله نجحوا فيها أحياناً وفشلوا أحياناً، ولا يزال مجال البحث أمامهم فسيحاً، وكان لهذا الاتجاه الجديد في عالم الجمال أثر كبير في خلق نظريات في الأدب، ووضع أسس جديدة للبلاغة والنقد الأدبي مما ليس هذا موضعه. والذي أميل اليه أن الفن نتيجة الذوق لا محالة، وأن الذوق يمكن تربيته وترقيته، فالطفل إذا لفتَ نظره إلى الأزهار وجمالها تكوّن فيه الميل إلى حبها والاستمتاع بها، فإذا كان يعدُ أديباً اتصلت حياته الأدبية بها، وظهر في نتاجه الفني هذا الحب وهذا التقدير. والذوق العام للأمة في قوته وانحطاطه، ليس يظهر فجأة ولا نتيجة المصادفة البحتة، انما هو نتيجة لكل ما يحيط بالأمة من ظروف وأحداث، هو نتيجة النظم السياسية، والحياة الاقتصادية والاجتماعية، والثقافة العقلية وغير ذلك، وإن شئت فقل أن ذوق الأمة هو تعبيرها عما تُقوِّم، فالأمة إذا قَوّمت المناظر الطبيعية تذوقتها، وإذا قومت جمال الأزهار تذوقته، وإذا لم تقوم نظام المجتمعات لم تتذوقه ولم يجرح ذوقها تهويش على محاضر أو مغن أو ممثل والفنان ليس إلا معبراً عن ذوق الأمة، والأديب ليس إلا الموقع للأصوات التي تستلذها الأمة. ومن أهم الأسباب ضعف الأدب العربي مسألتان تتصلان بهذه الحقيقة: الأولى أن الأدب العربي لا يتصل بالذوق العام للأمة اتصالاً وثيقاً، لأنه يصاغ بلغة غير لغة الشعوب، ولا يتصل إلا بذوق خاص وهو ذوق محترفي الأدب، ومن تكون ذوقهم تكّوناً كلاسيكياً , ولا أمل في نجاحه إلا أن نعمل بأي شكل كان على ان نصل الأدب أو أكثره بالذوق العام، والثانية تتصل بالأولى. وهي أن الآداب في أكثر الأمم كانت أرستقراطية النزعة يوم كانت القوة في يد الأرستقراطيين، فلما انتشرت الديمقراطية تبعها الأدب، فأصبح ديمقراطي الموضوع، ديمقراطي النزعة، أما الأدب العربي فقد أصبح أرستقراطيا منذ العهد الأموي، وأصبح أهم انواع الأدب إنما ينشأ حول قصور الأمراء والأغنياء، وفي الموضوعات التي

стр. 1997

تناسبهم من مديح لهم وهجاء لاعدائهم، فلما عمت النزعة الديمقراطية العالم لم تؤثر في الأدب العربي أثرها في غيره من الأداب، بل ظل محتفظاً إلى حد ما بأرستقراطيته، وهذا قلل من غير شك اتصاله بالذوق العام للأمة. وقد نعود إلى توضيح ديمقراطية الأدب في مقال تال. على كل حال لا وسيلة لترقية الفن ومنه الأدب إلا بترقية الذوق، وربط الفن به، ولذلك وسائل: من أهمها التأذين في الناس بصوت عال يهزهم هزاً عنيفاً حتى يشعروا بأن أذواقهم مريضة، لا يشعرون بالجمال كما ينبغي ولا يهيمون بالحسن كما يجب، ولست اعني جمال الوجوه وحدها، ولكن جمال الأزهار، وجمال الطبيعة، وجمال الموسيقى، وجمال الحركة، وجال النظام، وجمال النظافة، وجمال المعاني، ويجب أن لا يقتصر دعاة الفن على الدعوة لجمال الكرنك وأنس الوجود والمساجد الأثرية بل يجمعون إلى الدعوة لجمال الماضي وجمال الحاضر. وهذا أكثر وضوحاً في الأدب فدعوة الأدباء دائماً وقول الأدباء دائماً انما هو إلى الماضي وفي الماضي، وهذا حسن لدرجة ما ولكن يجب أن يقرن به الدعوة القوية أيضاً إلى النظر إلى أنفسنا والقول في أنفسنا. يجب أن نغير تسعيرة الأشياء، ونضع تسعيرة جديدة لما يدور حولنا، ونضع أمام ناشئتنا قيماً جديدة لما يقع عليه نظرهم، فإذا كانت بيوتنا تعنى بكمية الأكل وتعطيها أكبر قيمة، وجب أن نرفع قيمة الكيفية فنضع قيمة كبرى للأزهار على المائدة ولجمال الترتيب والنظام ولجمال الحديث. يجب أن نوجه إرادتنا في ترقية الذوق كما نوجه إرادتنا لترقية العلم وترقية النظام السياسي، ونضع للذوق برامج كالتي نضع لبرامج التعليم. إنا إن فعلنا ذلك تمخض المجتمع عن فنان ماهر، وأديب قادر.

стр. 1998

حب العرب في مناجم الذهب للعلامة الشيخ عبد القادر المغربي. عضو مجمع اللغة العربية الملكي (دَرَى) الصيد يدريه إذا توارى عنه وما زال به حتى أمسكه. فدَرَى هذه بمعنى خَتَل. ولها أخت مشهورة بيننا: وهي (دَرَى المسألة) بمعنى علِمها وأدركها. وبعضهم جعل (دَرَى) هذه من بابة (دَرَى) الصيد، فاشترط في دراية المسألة الوصول اليها بضربٍ من الحيلة. ولم لا أقول في (أدرك) كما قالوه في (دَرَى)؟ فيكون إدراك المسألة وتعقلها بعد سعيٍ وجهد. كما أن إدراك الصيد واعتقاله بعد جريٍ وجهد. ولا تقل أيها القارئ أن (دَرَى) بمعنى (خَتَل) لا عهد لنا بها. بلى! فإننا نستعمل حتى في لغتنا تخاطبنا أختاً لها: وهي كلمة (دَارى) من (المفاعلة) ونريد بها أن يُلين الشخص القولَ لآخر، ويسارع إلى هواه، ويتجنب سخطه، فنستعملها بمعنى المجاملة، وإن كان اشتقاقها في الأصل يدل على معنى الخديعة والختل. اما شاهد (دَرَى) الصيد بمعنى ختله فهو قول الشاعر: فإن كنتُ لا أدري الظباء فأنني … أدُّس لها تحت التراب الدواهيا فالشاعر يريد بقوله (أدري الظباء) أنه يختلها ختلاً إذا أراد اصطيادها، حتى إذا عجز عن ختلها وإمساكها باليد، فانه يصيدها بالفخاخ والحبائل يدسّها لها تحت التراب. فالدواهي إنما أراد بها هذه الفخاخ؛ كما أن المراد بالظباء ظباء الوحش. ويبعد أن يكون أراد بها ظباء الأنس: أعني الحسان من النساء بدليل الرواية الأخرى وهي (أدسُّ لها تحت العِضاه المكاويا) و (العِضاه) شجر عظام في البادية، تأوي اليها الظباء عند اشتداد الهجير فتقيل تحتها، وتعطُو إلى أوراقها و (المكاويا) جمع مكواة: آلة الكي المعروفة، وأراد بها هنا الفخاخ نفسها. ولكلمتي (دَرَى) و (دارى) أختان هما (ادَّرى) الصيد من الافتعال. و (تَدَرَّى) الصيد من (التفّعل) وكلتاهما بمعنى (خَتَل) أيضاً. أما شاهد (ادَّرى) بتشديد الدال، فبيتٌ من الشعر كلنا ينشده هكذا: وماذا يبتغي الشعراء مني … وقد جاوزتُ حدَّ الأربعين وهو لسُحَيْم بن وثيل الرياحي. وصواب الرواية:

стр. 1999

وماذا يدَّري الشعراء مني الخ (يدَّرى) بتشديد الدال من (ادَّرَى) الصيد ختله حتى اصطاده. أي لا يظن الشعراء أنهم قادرون على ختلي وخديعتي بعد أن بلغت سن الكمال والأستحصاف. هذا شاهد (ادَّرى). أما فعل (تَدَّرى) بتشديد الراء (من التفعُّل) فله شاهد عجب، من أنباء حب العرب، في معادن الذهب. وهو قول شاعرهم: كيف تراني أذَّرى وادَّرى … ِغرّات (جُملٍ) وَتَدرَّى غِرِرَى على أن هذا البيت شاهد لكل من الفعلين: (ادَّرى) (من الأفتعال) و (تَدَّرى) (من التفُّعل). أما (اذَّرى) بالذال المعجمة فليست من معنى الختل في شيء. وإنما هي من تذرية الَحِب ونحوه في الهواء، فيذهب القشر والتراب، ويبقى الحب واللباب. وأصل (اذَّرى) (اذترى) من الأفتعال. كما أن اصل (اذَّكر) أي تذكر (إذتكر)، وثلاثيه ناقص وأو: يقال ذَرَا فلان حَبّ بيدره. و (ذَرَّاه) من التفعيل، فاذَّرى في بيت الشعر المذكور هو بهذا المعنى. والفعلان الأخران (ادَّرى) و (تَدَّرى) بالدالين المهملتين هما بمعنى خَتَل الصيد. وقائل البيت لم يرد أنه ادَّرى وختل ظبيةً من ظباء الوحش وإنما كان غرضه أن يختل ظبيةً من ظباء الأنس وهي (جُمل) الحسناء. فهو يقول: قد كنت أنا و (جُمل) نعمل في تحصيل الذهب وتنقيته من التراب، وكنت أعمل أنا في تذريته وتعريضه لهبوب الريح فيتطاير التراب والشوائب هنا وهناك، وتقع ذرَّات الذهب وقطعه الصغيرة على الأرض. أما (جُمل) فلها وظيفة غير وظيفتي: وظيفتها (التحصيل). فأنا (المذرِّى) وهي (المحصِّلة). قال ابن فارس: أصل معنى التحصيل استخراج الذهب من حجر المعدن. وقال علماء اللغة: (المحصَّلة) كمحدِّثة المرأة التي تحصّل تراب الذهب أو تراب المعدن. ومعنى تحصيله تخليص الذهب منه. والتحصيل في الذهب كالتصويل في الحنطة ونحوها. وقال ابن بّري: المحصَّلة هي التي تميز الذهب من الفضة. وجميع أرباب المعاجم لم يذكروا (اسم فاعل) التحصيل إلا بصيغة المؤنث (المحصَّلة) ولا يكادون يقولون (المحّصل) بالتذكير، إلا على سبيل بيان الاشتقاق القياسي. أما (المحصلة) الأنثى فقد أصبح وصفاً غالباً على امرأة ذات عمل خاص بها هو تحصيل الذهب وتنقيته.

стр. 2000

ومما يحسن التنبيه اليه أن فعل (اذّرى) التي هي بمعنى التذرية في قول الشاعر المذكور لم يقل أحد من علماء اللغة أن المراد بها تذرية حب الحنطة مثلاً، بل أجمعوا على أن مراد الشاعر تذرية الذهب وتنقيته من التراب فيظهر أن البيت من قصيدة حكى فيها الشاعر حادثة جرت له مع الحسناء (جُمل) وهما يعملان في معدن (حِلِّيت) على وزان (سِكّيت) في بلاد نجد أو غيره من مناجم جزيرة العرب التي كثر التحدث عنها في الآونة الأخيرة. وكما استفدنا من علماء اللغة أن (المحِّصلات) هن المشتغلات في المعادن، وأن (التحصيل) من أعمال النساء الخاصة بهن أو الغالبة عليهن، استفدنا ذلك ايضاً من شعراء العرب. فقد قال أحدهم: اإلا رجل جزاه الله خيراً … يدلُّ على محِّصلةٍ تبيت؟ وهذه الدلالة في مغزاها تشبه الدلالة في قول الأخر: يا من يدلُّ عَزَباً على عَزَبِ وإذا كانت وظيفة المرأة العربية في معادن الذهب ما ذكرنا، فتكون الحسناء (جُمل) بينا هي منهمكة في تحصيل الذهب وتخليص شذراته، كان الشاعر الذي قال: (كيف تراني أذَّرى وأدَّرى الخ) كان يدَّرى تراب الذهب ويلاعب المذراة أو المنسف بيديه، أما عيناه فكانتا تلاعبان عيني (جُمل)؛ فكان يختل (غرَّاتها) جمع (غرَّة) أي غفلتها، فإذا غَفلت رنا اليها. فيكون بذلك قد ختلها، أي خدعها مذ أوهمها أنه لا ينظر اليها مع أنه ينظر. ولم تكن (جُمل) بأقل كلفاً وحرصاً على مسارقته النظر، فكانت هي في نوبتها أو في دورها (كما يقولون) (تَدَرَّاه) أي تختله وتخدعه فتوهمه أنها لا تنظر اليه، ثم تتحَّين (غِرَره) جمع (غِرة) أيضاً أي غفلته حتى إذا سنحت لها غرة من غرره نظرت اليه معجبةً أو متفرّسة إن كان يصلح لها بعلاً أو لا. ومحصّل القول أنه كان للعرب معادن ذهب يجتمعون نساء ورجالاً، أحراراً في عملهم، أو مأجورين لصاحب (رأس المال) رومي أو فارسي يشغلهم على حسابهم. وإن النساء كان عملهن التحصيل، أي تنقية ذرّات الذهب وشذراته، بينما الرجال الأشداء كانوا يقومون بأعمال أخرى أشق من أعمالهن كالتذرية وتفتيت الصخور بالمعاول ونحو ذلك. ويظهر من لهج شعرائهم بذكر (المحصّلات) أنه كان لهن من تجمعهن في ذهابهن إلى

стр. 2001

المعدن وإيابهن، أو من زيّهن وشكل لبوسهن، أو من حديثهن ونوع تظّرفهن، كان لهن من ذلك حالة خاصّة لفتت عيون الشبان إاليهن، وحملتهم على ذكرهن وتمني معاشرتهن. وهذا كما هو الحال في نساء المعامل وفتيات المخازن في أوربا اليوم.

стр. 2002

الحركة القومية الارلندية منذ نشأتها إلى اليوم للأستاذ محمد عبد الله عنان. - ١ - المسألة الارلندية من أخطر واعقد مشاكل الإمبراطورية البريطانية. وخطورتها اليوم تبدو بنوع خاص، حيث تتأهب ارلنده لتحقيق الغاية التي تعمل لها منذ أحقاب. وهي التحرر من كل فروض التبعية البريطانية وإعلان نفسها جمهورية حرة موحدة، وأيرلندة اليوم من الوجهة الدولية دولة مستقلة ذات سيادة، ونعتها الدولي هو: (دولة ارلنده الحرة) ولكنها ما زالت طبق نصوص المعاهدة التي أنشأتها دولة حرة، تدين ببعض فروض الولاء والتبعية لبريطانيا العظمى. وإذا كانت ارلنده تعتبر من الوجهة الجغرافية إحدى الجزر البريطانية، وتجاور إنكلترا واسكتلنده مجاورة قوية، فهي مع ذلك وحدة جنسية وتاريخية مستقلة. فالشعب الارلندي لا يمت بنسب أو صلة للشعب الإنكليزي، بل يرجع إلى أصول جنسية أخرى، وله خواصه ومميزاته وتقاليده الخاصة. وله أيضاً لغته الخاصة الجايلقية أو الارلندية القديمة التي غدت لغة رسمية لدولة ارلنده الحرة، وعاطفة الاستقلال قديمة راسخة في الشعب الارلندي. فمنذ القرن الحادي عشر كانت ارلنده مملكة مستقلة قوية تهدد جيرانها بالغزو والسيادة ولكن إنكلترا أدركت منذ البداية خطر استقلال ارلنده وقوتها على استقلالها وكيانها، وعملت الملكية الإنكليزية منذ أواخر القرن الثاني عشر على فتح هذه الجزيرة القوية واستعمارها، فغزاها هنري الثاني وافتتحها (١١٧٢م) وبدأ الإنكليز باستعمارها؛ وتوالت حملات ملوك إنكلترا على الجزيرة الثائرة لاستقلالها. ولكن ارلنده لم تهدأ لها من ذلك الحين ثائرة. وتاريخ ارلنده حافل منذ القرن السادس عشر بأخبار هذه الثورات القومية العديدة التي كان الشعب الارلندي يضرم لظاها من آن لآخر طلباً لحريته واستقلاله، والتي كانت إنكلترا تسحقها دائماً بمنتهى الشدة والقسوة. وكانت إنكلترا تحكم ارلنده طوال هذه القرون بيد من حديد، ولكن لم تفلح قط في كسب محبة الشعب الارلندي أو التأثير في عواطفه الوطنية وصرفه عن طلب استقلاله. ولما رأت السياسة الإنكليزية بعد عدة قرون أن وسائل الشدة فشلت نهائياً في حكم هذا

стр. 2003

الشعب العريق في وطنيته واستقلاله جنحت إلى نوع من اللين والمودة. وفي سنة ١٨٠٠، أصدرت الحكومة البريطانية قانون الاتحاد الارلندي، وبمقتضاه اعتبرت ارلنده جزءاً من (المملكة المتحدة) (بريطانيا العظمى) تمثل في البرلمان البريطاني بثمانية وعشرين عيناً وأربعة أساقفة، ومائة عضو في مجلس العموم. وتدفع ارلنده للخزينة البريطانية مبلغاً معيناً. ولها حرية التجارة، وحرية الاحتفاظ بنظمها القضائية والتنفيذية الخاصة. وكان لهذه الخطوة أثرها في تهدئة الشعب الارلندي. ولكن الحركة الاستقلالية لبثت قوية تتحين فرص العمل. ولم يصف قط كدر العلائق بين بريطانيا وارلنده. على أن حركة قومية جديدة معتدلة ظهرت: قوامها المطالبة بالحكم الذاتي أو الحكم الداخلي لارلنده وقويت هذه الحركة في أواخر القرن التاسع عشر بقيادة الزعيم الوطني بارنل، وغلب هذا الاتجاه في الحركة الوطنية الارلندية حيناً. وحاول حزب الأحرار أن ينتهز هذه الفرصة المعتدلة لتحقيق الأماني الارلندية وكسب صداقة الشعب الارلندي، فقدم غلادستون رئيس الحكومة يومئذ إلى البرلمان مشروع الحكم الذاتي الارلندي، ولكنه رفض مرتين (سنة ١٨٨٦ و ٩٣)، وعاد الأحرار لاستئناف السعي قبيل الحرب، فقدم مستر اسكويث رئيس الوزارة مشروع الحكم الذاتي الارلندي وصودق عليه سنة ١٩١٤. ولكن نشوب الحرب الكبرى حال دون تنفيذه. وهنا تبدأ مرحلة جديدة في حركة الاستقلال الارلندية. - ٢ - وفي بداية الحرب بذل الزعماء الارلنديون وعلى رأسهم (جون ردموند) كل جهد لمعاونة بريطانيا العظمى، وتطوع كثير من الارلنديين في الجيش البريطاني. ولكن الأحقاد القومية القديمة ما لبثت أن اضطرمت، ووثبت الحركة الاستقلالية مرة أخرى، وقامت ثورة أيرلندية جديدة في سنة ١٩١٦ كان مدبرها حزب (السين فين) الجمهوري الذي أسس قبل ذلك بقليل ليعمل على استقلال ارلنده، فأخمدها الإنكليز بشدة، وفي نهاية الحرب توفي جون ردموند، فزادت علائق البلدين سوءاً واضطراباً، وقامت الجمعيات السرية الاستقلالية في جميع أنحاء ارلنده، وبرز حزب السين فين في الطليعة. وهنا نقف قليلاً للتعريف بحزب السين فين هذا الذي غدا روح الحركة القومية الأرلندية، وكتب لنفسه في سير الجهاد الوطني صحفاً خالدة. ففي سنة ١٩١٥ أسس فريق من

стр. 2004

الزعماء الارلنديين حزباً أو هيئة وطنية جمهورية باسم (السين فين) ومعناها (نحن فقط)؛ وغايتها تحرير ارلنده تحريراً مطلقاً، وفصلها عن بريطانيا العظمى فصلاً تاما. وكان شعار هذه الحركة منذ البداية الجرأة، والتضحية. فأعلن (السين فين) انهم (الحكومة المؤقتة للجمهورية الارلندية) وانشئوا قوة وطنية أطلق عليها (المتطوعة الارلنديون) ونظموا ثورة سنة ١٩١٦. ولبث (السين فين) أثناء الحرب يناصبون بريطانيا العداء. ولكن إنكلترا استمرت أثناء الحرب تحكم ارلنده بمنتهى الشدة، وتطارد الحركة القومية بمنتهى العنف. ولكن دعوة (السين فين) ما زالت تزداد قوة وانتشاراً حتى عمت سواد الشعب الارلندي. وظهرت قوة الحركة في انتخابات سنة ١٩١٨ إذ سقط معظم الزعماء القدماء أنصار فكرة التوفيق والحكم الذاتي؛ وفاز السين فين فوزاً باهراً. ورأت السياسة البريطانية نفسها في مأزق حرج لأن السين فين رفضوا مشروع الحكم الذاتي بقوة وتمسكوا بالاستقلال التام، وانشئوا (حكومة الجمهورية الارلندية) والبرلمان الارلندي الوطني. وهنا تدخل المسألة الارلندية في طور جديد، وتضطر السياسة الإنكليزية مرة اخرى للبحث عن سبيل لإرضاء ارلنده، أو بعبارة أخرى لتخدير حركتها القومية. وكان الحكم يومئذ ما يزال في يد الأحرار، وهم الذين سعوا إلى حل المسألة الارلندية بمنح الحكم الذاتي لارلنده. ففي سنة ١٩٢٠ اتخذت الحكومة البريطانية برآسة لويد جورج في المسألة الارلندية خطوتها الجديدة فأصدرت (قانون الحكومة الارلندية) بمنح الاستقلال الذاتي لارلنده الجنوبية واستثنيت ألصتر أو ارلنده الشمالية لاختيارها البقاء مع بريطانيا العظمى. ولكن السين فين رفضوا هذا القانون ورفضه البرلمان الارلندي الوطني (الديل ايران) بقوة واضطرمت ارلنده بثورة جديدة، وشهر السين فين على إنكلترا حرباً عنيفة، ونظموا العصابات المسلحة في أنحاء ارلنده، وتوالت حوادث الفتك والاغتيال على كبار الإنكليز والموالين لهم في ارلنده، وأبدى رجال السين فين بسالة وتضحية نادرتين. وقابل الإنكليز الاعتداء بمثله وارتكبت حوادث قسوة عديدة، وهلك من الفريقين في تلك الحوادث عدد من الزعماء والرجال البارزين. ولم تبد الحركة الارلندية قط بمثل هذا العنف، ورأت الحكومة البريطانية رجالها وجندها يسقطون تباعاً في ارلنده، ورأى فريق من الزعماء الارلنديين

стр. 2005

ان العنف صائر بالبلاد إلى الخراب والدمار، فاتفق الفريقان بعد نحو عام من تلك الحرب المضطرمة على عقد هدنة يحاولان خلالها التفاهم والمفاوضة، فهدأت البلاد حيناً، وعقدت عدة مؤتمرات للمفاوضة بين ممثلي السين فين وممثلي إنكلترا، وانتهت في ديسمبر سنة ١٩٢١ بعقد معاهدة عرفت بمعاهدة لندن؛ وبمقتضاها اعترفت إنكلترا باستقلال ارلنده الجنوبية ومنحها نظام الدومنيون (الأملاك المستقلة) مع احتفاظ بريطانيا ببعض رسوم السيادة على ارلنده: كفرض يمين الطاعة للعرش، وجعل استئناف الأحكام النهائي امام مجلس الملك الخاص، وتعيين حاكم يمثل التاج. ووافق البرلمان الارلندي (الديل) على المعاهدة في يناير سنة ١٩٢٢، ولكنها لم تصادف قبولاً من الجناح الجمهوري المتطرف الذي يقوده الزعيم دي فاليرا، فرفض المعاهدة واستقال دي فاليرا من رآسة البرلمان احتجاجاً عليها، فخلفه آرثر جريفث في رآسة البرلمان وأتم مع زميله ميخائيل كولنس المفاوضات مع إنكلترا. وعلى اثر عقد المعاهدة انسحبت القوات البريطانية من ارلنده الجنوبية، وأقيمت حكومة مؤقتة برآسة ميخائيل كولنس، وقامت دولة ارلنده الحرة طبقاً لنصوص المعاهدة. وأجريت في يونيه انتخابات جاءت بأغلبية في صف المعاهدة، ولكن الجناح الجمهوري المتطرف لبث على موقفه يعارض المعاهدة بكل شدة، ودب الخلاف في صفوف (السين فين)، واخذ كل فريق يرمي الأخر بالمروق والخيانة، واستعملت الحكومة الجديدة العنف في قمع خصومها، فرد هؤلاء بالعنف والعدوان، واغتيل كولنس في أغسطس وتوفي جريفيث قبله بأيام، فتولى الزعيم كوزجريف رآسة الجمهورية، وشدد على الجمهوريين ووضع الدستور الارلندي الجديد في دائرة معاهدة لندن، ونص على أن الشعب الارلندي هو مصدر جميع السلطات، وعلى أن البرلمان قوامه الملك ومجلسان هما (الديل) ومجلس الشيوخ، وعلى أن اللغة الارلندية (الجايلقية) هي لغة الدولة. وأنشئ جيش ايرلندي وطني. وعين الزعيم الارلندي هيلي حاكماً عاماً (ثم خلفه الزعيم ماكنيل) ليمثل حقوق التاج. - ٣ - استطاعت السياسة البريطانية ان تجعل من المعاهدة الارلندية أداة لتمزيق الحركة القومية الارلندية، وشطر السين فين إلى فريقين خصيمين وفق ما قدمنا، ولبث فريق الأغلبية وهو

стр. 2006

الجناح الذي قبل المعاهدة وعمل لتنفيذها قابضاً على ناصية الحكم بزعامة مستر كوزجريف رئيس الحكومة الارلندية مدى أعوام، ولبث فريق الأقلية بزعامة مستر دي فاليرا موضع الاضطهاد والمطاردة، وسارت دولة ارلنده الحرة في الطريق الذي رسمته معاهدة لندن، والتحقت بعصبة الأمم منذ عام ١٩٢٣. ولكن حزب السين فين الجمهوري لم يفتر عزمه ولم يتحول عن سياسته، وكان الاضطهاد الذي يلاقيه من عوامل تقويته وازدياد أنصاره، وجاءت الانتخابات سنة ١٩٢٧ مؤيدة لقوته ونفوذه، فنالت الحكومة فيها أقلية، ونال الجمهوريون أغلبية، ولكن الرئيس كوزجريف استطاع ببعض التدابير السياسية والبرلمانية أن يحتفظ بالحكم أعواما أخر. وفي فبراير سنة ١٩٣٢ حصل الجمهوريون على أغلبية جديدة، فانسحب كوزجريف، واستولى الجمهوريون بزعامة دي فاليرا على الحكم؛ وبدأ عهد جديد من النضال الرسمي بين إنكلترا وارلنده هو الذي نشهده اليوم. ويجب أن نذكر كلمة عن دي فاليرا زعيم ارلنده الحالي. فقد ولد ايمون دي فاليرا سنة ١٨٨٢ في نيويورك من أب إسباني وأم أيرلندية، ودرس في معاهد ارلنده، وتخصص في العلوم الرياضية ونال عدة إجازات جامعية، وتولى التدريس حيناً، ثم انتظم في الحركة الوطنية وخاض غمار السياسة، وانضم إلى حزب السين فين، وظهر في زعامته بسرعة، وكان من زعماء ثورة سنة ١٩١٦، فأسر وقضي عليه بالإعدام وخفف الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة. ثم أفرج عنه عند صدور العفو العام في سنة ١٩١٧ وعاد فتزعم حركة السين فين وأصبح قائدها ورأسها المدبر، وانتخب رئيساً (لجمهورية ارلنده) فاعتقل ثانية، ثم فر في سنة ١٩١٩ إلى أمريكا وعاد بعد عامين إلى ارلنده، واشترك في مفاوضات معاهدة لندن، ولكنه لم يقبل النتائج التي انتهت اليها؛ وشهر الخصومة على المعاهدة منذ عقدها؛ وأعلن الثورة على دولة ارلنده، فقبض عليه في أغسطس سنة ١٩٢٣، وافرج عنه بعد عام، فعاد إلى النضال السياسي، ودخل البرلمان سنة ١٩٢٧ على رأس كتلة جمهورية قوية، وتولى رياسة الحكومة الارلندية منذ أوائل سنة ١٩٣٢. وأبدى دي فاليرا مذ قبض على ناصية الحكم عزمه على تنفيذ البرنامج القومي الجمهوري، وخلاصته العمل على تحقيق الاستقلال التام لارلنده الموحدة في ظل النظام الجمهوري؛ وإلغاء كل ما فرض عليها من رسوم التبعية البريطانية. ذلك لأن معاهدة لندن شطرت ارلنده

стр. 2007

إلى شطرين: ارلنده الشمالية أو ألصتر وأعمالها، وقد بقيت في حوزة بريطانيا العظمى؛ ويبلغ سكانها مليون وربع نسمة؛ وتشمل أغنى بقاع ارلنده وبها أهم المراكز الصناعية وهي بروتستانتية المذهب. وارلنده الجنوبية وهي التي تناولتها المعاهدة وجعلتها دولة حرة؛ ويبلغ سكانها ثلاثة ملايين؛ وهي بلد زراعي؛ وتسودها الكثلكة. فمعاهدة لندن تمزق الوحدة الارلندية في الواقع. ولكن يرد على ذلك أن ارلنده الشمالية قد استعمرها الإنكليز منذ بعيد وهي تود البقاء كجزء من المملكة المتحدة، وهذا ما لا يسلم به الشعب الارلندي. واما فروض التبعية البريطانية التي يراد إلغاؤها فهي: (١) يمين الولاء والطاعة للتاج البريطاني (وقد ألغي، بالفعل بقانون أصدرته حكومة دي فاليرا) و (٢) استئناف أحكام المحكمة الارلندية العليا إلى مجلس الملك الخاص و (٣) حق الحاكم العام في تحديد الأبواب التي تنفق فيها الأموال العامة، وحق التصديق على القوانين. وأخيراً يراد إلغاء الديون الزراعية التي تلزم ارلنده بأدائها لإنكلترا، وتراها ارلنده ظالمة مرهقة ولا يحق أداؤها لأن الأراضي التي تؤدى عنها ملك للشعب الارلندي. وقد شهدنا الفصل الأول من هذا النضال الذي تشهره اليوم ارلنده على بريطانيا العظمى حينما قدم دي فاليرا قانون إلغاء يمين الطاعة إلى البرلمان الأرلندي، وامتنع عن أداء الأقساط الزراعية وقام بين البلدين من جراء ذلك جدل سياسي عنيف، واتخذت بريطانيا اجراءات اقتصادية شديدة ضد ارلنده؛ وعمد دي فاليرا إلى المثل. واليوم نشهد فصلاً آخر؛ فان دي فاليرا يريد إعلان الجمهورية في ارلنده؛ وقد وجه بالفعل مذكرة رسمية بذلك إلى الحكومة البريطانية يطلب فيها إيضاح موقفها فيما لو تم هذا الأجراء، فردت عليه الحكومة البريطانية بأنها لا ترى إبداء الرأي في احتمالات لم تقع وتستبعد وقوعها لأنها تكون خرقا للمعاهدة المعهودة. ولكن دي فاليرا ماض في طريقه، مصر على سياسته، وإن كان يجد معارضة لهذه السياسة من فريق كوزجريف، وفريق الجنرال (أو دوفي) (القمصان الزرقاء) اذ يخشيان عواقب هذا العنف على مصير ارلنده ومصالحها الأقتصادية، وهذه المصالح أشد ما تكون ارتباطاً ببريطانيا العظمى وتوقفاً عليها. فهل ينجح دي فاليرا في تحقيق برنامجه القومي المتطرف، وإنشاء ارلنده الجديدة مطلقة

стр. 2008

الاستقلال والحرية في ظل النظام الجمهوري؟ هذا ما سيكشف المستقبل القريب عنه.

стр. 2009

ذات القميص الأزرق أو فتاة الريف عيني على رمانتي صدر! … أو مهجتي يا عين لا أدري يا للبروز أدق ما وجبا … يا للحجاب أرق ما حجبا! أفذاك غصن أثمر العجبا؟ أم أنت يا قرويةٌ تسري … مثل النسيم على قرى مصر هذا جمالك صنعه اللهِ … آهٍ لفتنة سحره آهِ! يا سمرةً في وجهك الباهي! سحرت عيون البيض والسمر … وهفا الجميع للونكِ (الخمري) هذا قوامكِ يا أبنة الريف … أخزى قدود الخرَّد الهيف في إسكندرية أو بني سويفِ أو في (الزمالك) أو على الجسر … والنيل تحت عيوننا يجري هذا قميصك ساذج حال … لون السماء بلونه الغالي عند الضحى أو في الدجى الخالي بنت الطبيعة أنت والدهر … والشمس والجنات والنهر أغرى قميصك فنَّ (مختار) … فبرزت فيه بثوبك العاري يمناكِ توقظ ذلك الضاري بو الهول كان كمُغرَق البحر … فإذا بكفك طلسم السحر ما عبقرية حسنك البادي! … شبه المهاة وأنت في واد تصحين قبل الطائر الشادي وعلى ضفاف الترعة الخُضر … تردين بين عرائس الفجر لو تعلمين لكدت تلقينا … شغفاً بنفسك بين أيدينا كالورد يعتنق الرياحينا والأختُ عند مغيب القبر … ألقت بروعة ذلك الصدر لكننا نهفو اليك هوى … لا الطرفُ زاغ ولا الفؤاد غوى يا للجوى إن كان ذاك جوى! أو يا لصَون الطرف عن عهر! … حاشا لنا وحيائك العذري

стр. 2010

يا بنت (قاسم) حيثما كنتِ … أنت الوحيدة بنته أنتِ ما عز قط سواكِ من بنتِ لم تسفرين وأنت كالبدر؟! … علّمت حتى ربة الخِدر ماذا أصابك حين أسفرت؟ … جارت عليك الأرض أم جرتِ أم من سفورك قد تأخرت؟ أم أخرتك طبيعة الخير؟ … وغريزة في العيش كالطير يا أختَ أين شعاعك الماضي؟ … وحمية خلقت لإنهاض؟ لم يبقى منها غير أنقاض من أطفأ اللهب الذي يسري … في الليل مثل محلِّق النسر؟ أيزيس أنتِ وأنتِ نفريتي … لكِ في ذرى التاريخ ما شيتِ يا جذوةً من غير كبريتِ دفنوكِ تحت ركائم الغمر … حتى نسينا حمرة الجمر يا أختَ هبّي فانفضي عنك … رَجَماً أحالك حالة الضنكِ سيبث في أرواحنا منكِ فإذا أعيدت شعلة الصدر … فهناك حقَتَ ليلة القدر كوني فتاة الغاب والأسدِ … يا بنت مصر الروح والجسدِ وتضرمي فينا إلى الأبدِ شعلاً تفك سلاسل الأسر … وتنير فوق الكوخ والقصرِ قليوب. ابراهيم ابراهيم علي المحامي

стр. 2011

أمريكا بين الحظر والإباحة في اليوم الخامس من هذا الشهر ختمت في أمريكا تلك المحاولة الخطيرة التي أطلقوا عليها بحق (التجربة النبيلة): أي محاولة تحريم الخمور في جميع الولايات المتحدة بأمريكا، والأن ونحن نشهد ختام هذه التجربة يجمل بنا أن نقف لحظة لنفكر في أمرها، كيف بدأت وكيف انتهت، فإننا ونحن نعيش في أقطار إسلامية يحرم دينها شرب الخمر ويحظر بيعها وشراءها، لا يجوز لنا أن نمر بهذا النبأ الخطير كأنه أحد الأنباء العادية. بل يجمل بنا أن ننعم النظر فيه قليلا. ليست الولايات المتحدة دولة كسائر الدول، بل يميزها أمور عديدة: منها حجمها الهائل، فانها تكاد تعدل أوربا في المساحة. وهي وحدها عالم قائم بذاته. ثم سكانها، وهم يربون على مائة وعشرين مليونا من الناس، أكثرهم يمت إلى أصل سكسوني، ولكن بينهم جماعات كبيرة من الاسكندنافيين واللاتين والسلاف وخليط من شعوب الأرض جميعاً، هذا عدا الزنوج الذين يزيدون على عشرة الملايين، وقد جيء بهم فيما مضى عبيداً لكي يعملوا في الحقول، ثم أصبحوا اليوم (أحراراً) لهم من الوجهة النظرية، ما لغيرهم من الحقوق. ثم هنالك أمر آخر يميز نظام الحكم في الولايات المتحدة، وهو أن لكل من الثماني والأربعين ولاية التي تتألف منها الدولة نصيباً كبيراً من الاستقلال الداخلي، ولهذا كانت في الولايات المتحدة دائماً سلطتان: السلطة المحلية ومركزها عاصمة كل ولاية، والسلطة الاتحادية ومركزها واشنطون. وهي التي تدير الأمور التي تهم الدولة كلها. ونظراً لحرص كل ولاية من الولايات على حقوقها واستقلالها، فان دستور أمريكا يوضح تماماً ما هو داخل في اختصاص الحكومات المحلية، وما هو داخل في اختصاص الحكومة الاتحادية كل هذا لابد لنا من تذكره كي نستطيع أن ندرك الصعوبة التي كابدتها حكومة أمريكا من أجل تنفيذ قانون التحريم. فان هذا القانون بقي حبراً على ورق، لأن معاقبة المجرمين من أجل جرائم التهريب والاتجار في الأشياء المحرمة كان من اختصاص كل ولاية وليس من

стр. 2012

اختصاص الدولة. وهذا يفسر لنا أن مجرما خطيرا مثل آل كابوني لم تستطع الدولة أن تحاكمه من أجل الجرائم العديدة التي ارتكبها في سبيل تجارة الخمور المحرمة، بل حاكمته من أجل تقصيره في دفع ضريبة الدخل. اذ كان من اختصاص الدولة أن تحاكمه من أجل هذا الجرم الخفيف نسبياً، لا من أجل الجرائم الكبرى التي هي من اختصاص الولاية. ولابد لنا أن نتساءل عن المؤثرات والقوة التي دفعت بالولايات المتحدة نحو التحريم، اذ ليس من السهل أن نفهم هذا الانقلاب الهائل في الرأي العام، فان الأمة التي نادت بالحظر الشديد في سنة ١٩١٩ هي بعينها التي تنادي اليوم بالإباحة. إن هذا القانون لم يفرضه الحكام على الناس فرضا، بل لقد فرضته الأمة على نفسها بعد انعام النظر وطول التجربة. وقد كانت في الولايات المتحدة قوى كثيرة تعمل بنشاط لتحريك الرأي العام وتحويله نحو التحريم. وهذه القوى كانت موجودة دائماً تنتظر الفرصة الملائمة، وكان لها تأثيرها قبل سنة ١٩١٩. ونرى هذا واضحاً في أن اكثر من الثلاثين ولاية قد حرمت الخمر من تلقاء نفسها قبل سنة ١٩١٩. ولكن هناك فرق كبير بين أن يحرم الشيء في كل ولاية على حدة، وبين أن يحرم بقانون من الدولة؛ ففي الحالة الأولى تراعي كل ولاية مصلحتها الخاصة ويسهل عليها تعديل وإلغاء الأحكام، ويمكن لمن لا يرضيه قانون أن ينزح إلى ولاية مجاورة (وهذا هو الحال مثلاً فيما يتعلق بقانون الطلاق). أما قانون الدولة فيفرض على جميع الولايات بمجرد موافقة ثلثيها. فيفرض على الراغبين والكارهين على حد سواء، ويصبح كل فرد ولا مفر له من الإذعان أو العصيان، ثم تجرد جميع قوى الدولة لتنفيذ هذا القانون بكل ما تقدر عليه الدولة من الشدة والصرامة. ولهذا كله فان تحريم ثلاثين ولاية للخمور لم يكن له تأثير ذو شأن، ولكن التحريم في الدولة كلها كان حادثاً ذا شأن خطير. كان اهم الراغبين في التحريم رجال الصناعة في الشمال، ورجال الزراعة في الجنوب. فالأولون (ويمثلهم المستر هنري فورد) قد رأوا أن الخمر تذهب بقوى العمال وتضعف صحتهم وتقلل من جهودهم، فلا يستطيع صاحب المعمل أن يحصل من عماله على الجهود التي يرجوها في مقابل الأجور التي يدفعها. أما أصحاب الزراعة في الجنوب فيعتمدون في زراعتهم على الزنوج، وهؤلاء كانت تذهب الخمر بألبابهم وتقعدهم عن العمل، وتتركهم

стр. 2013

في حالة زرية. والزنجي أقل قدرة على ضبط نفسه والوقوف في الشراب عند حد. وكان هناك غير هؤلاء جماعات من محبي الخير الذين يكرهون الخمر لذاتها، ويريدون أن يخلصوا الناس من شرورها، مؤمنين بأن في هذا رفعاً لشأن بلادهم، وإعلاء لكلمتها، ويمثل هذه الجماعة المستر جون ركفلر الصغير وزمرته. وقد انتشر في الولايات المتحدة قبل التحريم نوع من الحانات أطلقوا عليها اسم الصالون قد أصبح على مضى الزمن بؤرة فساد وموبقات. وقد كبر بغض الناس لهذه الصالونات حتى دفعهم إلى المطالبة بالتحريم. مع أن إبطال هذه الأماكن قد لا يستدعي هذا العلاج الصارم. بذلت هذه الجماعات كلها جهوداً جبارة ومالأ كثيرا من أجل استمالة الرأي العام. وساعدتهم الحرب العامة التي استدعت تحريم الخمر في بعض الولايات، والتقليل من شربها في البعض. وتم لهم النصر في يناير سنة ١٩١٩ حين حرمت الخمر في جميع الولايات بإجماع ٤٦ ولاية من الثماني والأربعين التي تتألف منها الدولة، وحرم بيعها وصنعها والاتجار بها واستحضارها من الخارج. وجهزت الدولة جيشا هائلا وأسطولاً قوياً لتنفيذ هذا القانون. الذي أعطى شكل تعديل في الدستور وأطلق عليه اسم التعديل الثامن عشر، ومن الغريب أن دستور الولايات المتحدة لم يعدل يوما بمثل هذا الإجماع وهذا الاقتناع وتلك الأكثريات الساحقة. لقد وصفت الولايات المتحدة بأنها معمل هائل للتجارب الاجتماعية، ولكن لا يعرف في تاريخ العالم كله تجربة اجتماعية ضخمة كهذه التي أقدمت عليها أمريكا في تلك السنة. فان المعمل الذي أجريت فيه هذه التجربة ليست بلدا صغيرا كفنلنده، بل دولة مساحتها تزيد على ثلاثة الملايين من الأميال، وسكانها يربون على المائة والعشرين مليوناً مختلفي الجنس والثقافة والميول. وان البلاد الإسلامية نفسها هي أولى من أي بلد في العالم بإجراء مثل هذه التجربة لم يعرف عنها يوماً أنها حاولت بذل مثل هذا الجهد في أي عصر من العصور من أجل تنفيذ أحكام الشريعة. ولهذا دهش العلم كله يوم أقدمت الولايات المتحدة (حرة مختارة) على هذه التجربة الخطيرة. وإننا اليوم (وقد أصبحنا عقلاء بعد أن وقعت الواقعة) نستطيع أن نقول أنه كان الأفضل أن تترك مسألة الإباحة والتحريم إلى كل ولاية تتصرف فيها بما تشاء بدلا من أن

стр. 2014

تصبح مسألة الدولة بأجمعها، ولكن في سنة ١٩١٩ لم يكن من شك في أن أكثرية الأمة في جانب التحريم. وقد أقدم نحو ثلاث وثلاثين ولاية على تحريم الخمر. على كل حال سارت التجربة في طريقها أول الأمر، وأنظار العالم كله تتطلع إلى أكبر دولة في العالم، وهي تحاول اكبر تجربة اجتماعية في التاريخ. وكان الكثير من الناس يبدي عطفهم على أمريكا وكأنما الكل واثق من نجاح التجربة في النهاية برغم ما قد تلاقيه من الصعوبات، وجعل بعض المصلحين يحلمون بان سنّّة التحريم ستنتشر من الولايات المتحدة إلى سائر الأقطار. ولكن كانت هنالك قوى تعمل للشر، وإن لم يتوقع احد أن سيكون لها كل هذا الخطر، فنهضت هذه القوى الشريرة لتنظيم الاتجار بالخمور بكافة انواعها؛ مما قد يصنع خلسة في داخل البلاد أو يستورد من الخارج. وسرعان ما أنشئت أساطيل لا عمل لها غير هذه التجارة المحرمة؛ واتسع نفوذ هذه الجماعات حتى أصبح لها نفوذ كبير (بل أحياناً النفوذ الأكبر) في كل ولاية، حتى كانت لها الكلمة النافذة في تنصيب رجال الحكم. وانتشر الأجرام بين هذه العصابات ومن يعترضها في أعمالها، وكذلك فيما بين العصابات المتنافسة نفسها؛ وأصبح أمرها حديث النوادي والصحف وموضوعاً للصور السينمائية؛ وبطريق العدوى تجاوز الأجرام دائرة تجارة الخمور، إلى الأجرام في نواح أخرى كالاختطاف والسلب والنهب وما إلى ذلك. بات من الواضح للعالم كله أن تلك التجربة الهائلة قد فشلت فشلاً تاماً. فأن الحصول على الخمر برغم التحريم كان أمرا في غاية السهولة. ولئن كانت الحانات القديمة (الصالونات) قد أغلقت، فقد نشأ مكانها حانات خفيفة اشد خطرا واكثر وزرا. وهذه أطلقوا عليها اسماً غريباً وهو ويؤكد أكثر الكتاب أن شرب الخمر في زمن التحريم كان أوسع انتشاراً مما كان عليه قبل التحريم. وبرغم فشل التجربة الذي كان واضحاً لكل ذي عينين، بقي في الولايات المتحدة جماعات كثيرة تنادي باستمرار التحريم، وبتجديد المراقبة والضرب على أيدي المجرمين. غير أن هذه الجماعات أخذت تضعف على مضي الزمن. حينما انتشرت في طول البلاد وعرضها جرائم منكرة من نوع اختطاف طفل لندبرج، فأيقن الناس أن التحريم قد أوقع البلاد في

стр. 2015

حال من الفوضى والاختلال هي شر من الخمر التي أريد تحريمها. ومن أكبر مظاهر التحول في الرأي العام ذلك الخطاب الشهير الذي كتبه المستر جون ركفلر الصغير في صيف سنة ١٩٣٢ يبدي فيه أسفه الشديد لأنه (وهو من اكبر دعاة التحريم) مضطر إلى الاعتراف بان التجربة النبيلة قد فشلت فشلاً محزناً. وهكذا أخذ الرأي العام يتحول حتى استطاع المستر فرانكلين روزفلت أن يستميل الأمة إلى صفه، حينما أعلن في شجاعة وصراحة أن من مبادئه إلغاء التحريم. ومنذ انتخب للرآسة في أوائل هذا العام وهو يسير بالبلاد نحو الإلغاء حتى تم له في أول هذا الشهر ما أراد، بأن حصل على موافقة ست وثلاثين ولاية على إلغاء التعديل الثامن عشر. والأن وقد انتهى التحريم، فما عسى أن يكون المستقبل؟ إن الذين نادوا بإلغاء التحريم، لم يفعلوا ذلك برغبتهم في شرب الخمر وحبهم لها؛ بل أن أكثرهم قد فعل ذلك أملاً في أن الإباحة تقضي على تلك الشرور التي ولدها التحريم. فتنتهي بانتهائه. ولكن من الصعب أن يتنبأ المرء بشيء. فأن بضع عشرة سنة تقضيها عصابات الأجرام في نشر الأجرام والفساد في جميع أنحاء البلاد، لا يتصور أن تنتهي آثارها في عشية أو ضحاها. ومما لاشك فيه أن البلاد اليوم في حال انتقال شديد الخطورة فقد تفيق بسرعة من تأثير هذه السنين العصيبة، وقد تبقى تحت ظلها القاتم زمناً طويلاً، خصوصاً إذا ذكرنا أن عدد الذين يشربون الخمر قد ازداد ولم ينقص أثناء التحريم. وأن الإباحة الجديدة لابد ان تؤدي زمنا ما إلى الإسراف في أمر محبوب كان ممنوعا فاصبح مباحا. ومن غير شك أن الحكومة تعزي نفسها بانها ستجني من الإباحة ضرائب تقدر بنحو خمس مائة مليون دولار. (أي نحو مائة مليون جنيه). على كل حال لا يستطيع المرء أن يملك نفسه من الأسف الشديد على فشل هذه التجربة الشريفة التي لم تكن ترمي إلا إلى اشرف المقاصد واسماها وهو إعلاء شأن الإنسان وإسعاده. م. ع. م

стр. 2016

وحدة الوجود. . . كثير من المناحي الفكرية، والمذاهب العقلية، والطرائق الرياضية، ترمي إلى (وحدة الوجود) وكلها تتباين في طرق التفكير، ونهج الفلسفة، ولكنها متفقة مجمعة على حقيقة واحدة، تلك الحقيقة هي أنه بين غير المتناهي والمتناهي علاقة يتأدى بها إلى اتحاد الطرفين. وكما اتفقت تلك الفرق في اختلافها على هذه الحقيقة، اتفقت في وجهة النظر التي سارت بهم على ضوء المقدمات حتى انتهت بهم إلى هذه النتيجة، فهم متحدون في المصدر والمورد مختلفون في الطريق الذي بينهما. فالكثرة الغالبة من فلاسفة الصوفيين في الإسلام يعتبرون أن الحق موجود قبل كل موجود (وهذا صحيح) ثم يقولون وقد وجدت الكائنات بعد أن لم تكن، ولما كان غير معقول أن يوجد شيء من لا شيء لزم بالبداهة أن يكون الوجود هو عين الموجود، وأن ليس وجود إلا وجود الحق يصور أحوال ما هي عليه الكائنات، فالله ظاهر في المظاهر، والمظاهر هو على ما هي عليه. وهذا بعينه هو ما انتهى اليه (هيراكلت) الفيلسوف اليوناني إذ استنتج أن الكائن الإلهي يتخلل صور الأشياء المتناهية، والمتناهي نفسه لا يوجد إلا في الله. وتكاد تكون عين ما وصل اليه (تولاند) أول من أطلق اسم الاتحاد في أوربا. حيث زعم أن العالم ليس منفصلاً عن الله الأ في وهمنا فقط. وقديما تساءل الناس من اين جاءت الروح، ومم نشأ الجسم؟ ثم قالوا إذا كان واجب الوجود غير متناه وجب إلا يوجد شيء خارجاً عنه، لأن غير المتناهي يستغرق كل موجود. وإذا تقرر أن الأرض وما تتبع ليست إلا مجموعة صغيرة حقيرة من مجاميع لا عدد لها تسير بقانون في فضاء لا يتناهى. إذا تقرر هذا جاء العقل فقال إن شيئين غير متناهيين لا يوجدان معا، فإذا كانت الكائنات غير متناهية، والخالق غير متناه، وجب أن أحدهما هو الأخر. وعلى ضوء هذا الفكر مشى العقل طفلاً يحبو إلى الاتحاد، فلما أن شب واستطاع أن يمشي على ساقي الاعتقاد بافتراض الشك جرى إلى المذهب ما استطاع إلى ذلك سبيلا. سرى هذا المذهب إلى الإسلام في القرن الثالث، ومشت به الفلسفة ممثلة في أساطين

стр. 2017

الفكر، وكبار الصوفيين، وإذ كانت الفكرة جديدة، وكل جديد (في الغالب الأعم) منظور اليه بنظرات الخوف والحذر، إذ كانت الفكرة كذلك لقى أصحابها الشيء الكثير من الإيذاء فقتل البعض، ومثّل به، وربما حرقت جثث البعض وهرب البعض إما من وجوه أولئك المتفقهين، وإما من النظرية ذاتها، وعمد البعض إلى الرمز في الكتابة يعبر به عما يريد في عبارة مشكلة مطاطة تلين مع التأويل والتخريج، فخرجت في تأليفهم كثير من المعميات، يقول بعضهم: جلست عن ابن سبعين من وجه النهار إلى آخره، فجعل يتكلم بكلام تعقل مفرداته، ولا تعقل مركباته. . . وغلبت هذه الدندنة في كتبهم الكبيرة، فأنت إذا قرأت الفتوحات لابن عربي أو الفصوص مشيت في سهل وحزن، ومرت بك مأمن ومجاهل، ومثل هذين فيما قلنا كثير من كتب رجالات التصوف القدامى. وتبدو هذه الظاهرة قوية في أشعارهم، لأن النثر يبنى على البسط والإيضاح الذي لا يقبله كله الشعر، ولهذا عمدوا إلى النظم فألقوا فيه بآرائهم ملفوفة رمزية لتقبل التأويل كلما حزبهم من المتفقهة حازب. لم نستطع ان نتعرف بالضبط متى نشأت (وحدة الوجود) إطلاقا، ولا أين، أما الكيفية فمنطق الصوفيين فيها أبلج. وقديماً كان لوحدة الوجود أثر كبير في الأديان القديمة (غالبها) فمست خرافات الهند القديمة أطرافها مساً رفيقا وشديدا على اختلاف الأساطير بعدا عنها وقربا منها، وذهب بعض اليونانيين القدماء إلى أن اصل العالم يجب أن يكون مادة لا وصف لها، ولا تقبل الفناء، وأشرنا إلى قولهم أن غير المتناهي يستغرق كل موجود. وتلك هي بعينها فكرة ابن سبعين ومنطقه القائل: أن واجب الوجود كلي وممكنة جزئي، ولا وجود للجزئي إلا في كلي، كما لا يتحقق وجود الكلي إلا بجزئياته. ولابن عربي في الباب تسع وعشرين ومائة في ترك المراقبة؛ لا تراقب فليس في الكون إلا … واحد العين، فهو عين الوجود ويسمى في حالة بالَه … ويكنى في حالة بالبعيد. وشعر الصوفية طافح بالوحدة الوجودية منغمس فيها في تلميح أو تصريح، ومازال القوم يرددون قول الغزالي، أو ما قيل انه قاله (ليس في الإمكان أبدع مما كان) وقالوا بعيداً عن

стр. 2018

التأويل نعم. لأن المخلوق صورة الخالق وليس أكمل منه تعالى. ووقف لهم جماعة بالمرصاد توفروا على تفنيد أقوالهم، ومناقشة آرائهم، ثم التشهير بهم، والنيل منهم، وهذا ابن تيمية يعلن عليهم في الفتاوى حربا شعواء، وقديما قال، ما أظن الله بغفل عن المأمون لأباحته الفلسفة (!!). عرج قوم بالفلسفة في أيام العباسيين على الدين وحاولوا أن يوفقوا بينهما، فرجعوا يحملون عبء الهزيمة ثقيلا، ومشت وراءهم الحكمة القائلة (سلم وأنت أعمى) تلوح لهم ظافرة بهم، ظاهرة عليهم. وجاء صاحب جلاء العين فكان كابن تيمية فيما أراد وقال، ثم جاء صالح المقبلي في كتابه العلم الشامخ فسخر بهم، وفسق كلامهم، وعراه من الحقيقة، وامتدت كلماته إليهم فأصابت منهم مقاتل. أعيا المتصوفون أمرهم فقام الجيلي يقول: (صح لنا هذا كشفاً فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر). وبدهي ان دعوة الجيلي هذه كاذبة، وإلا فما هذا المنطق يقدمونه بين يدي كل قضية؟ وما هذه المقدمات التي تتكئ عليها النتائج؟ على أنهم لم يعدموا نصراء يدافعون عنهم ويدفعون، وهذا القزويني يعقد في كتابه (درر الفرائد) باباً في ذكر مصطلحات القوم. قال: أتطمعون في فهم كلامهم وهو انما يعرف بالذوق لا بالمنطق؟ (من ذاق طعم شراب القوم يعرفه. .) ثم أخذ يفسر رموزهم، ويستدل عليها فناقض نفسه. ويقول غلاة المنتصرين: إذا ظهر كلام الصوفية خارجا عن ظاهر الشريعة فهو مقول في حال سكرهم، والسكران سكرا مباحاً غير مؤاخذ، فان لم يكن كذلك فلابد أن يكون له تأويل ظاهر، فان لم يكن فله تأويل باطن لا يعلمه إلا الله والراسخون. فأنت ترى أنهم يريدون أن يبرئوهم (إذا كان هناك جرماً) على أي حال، ومهما كانوا، ولنا عليهم أن نقول لو كان كلام الصوفيين موافقا للشريعة الظاهرة ففيم الرمز وفيم الإبهام؟ وبعد، فهذا مذهب وحدة الوجود في اظهر مناحيه، ولعلي مستطيع أن أعود اليه فيما بعد؟ طاهر محمد أبو فاشا

стр. 2019

الشافعي واضع علم أصول الفقه للأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرزاق. أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب - ٢ - والمروي عن الشافعي: انه قال: انه حمل إلى مكة وهو ابن سنتين من غزة أو عسقلان. وفي كتاب (معجم الأدباء) لياقوت: وفي رواية أن الشافعي قال: ولدت باليمن فخافت أمي على الضيعة فحملتني إلى مكة وأنا يومئذ ابن عشر أو شبيه ذلك. وتأول بعضهم قوله (باليمن) بأرض أهلها وسكانها قبائل اليمن، وبلاد غزة وعسقلان كلها من قبائل اليمن وبطونها. قلت: وهذا عندي تأويل حسن إن صحت الرواية وإلا فلاشك انه ولد بغزة وانتقل إلى عسقلان إلى أن ترعرع، ج٦ص٣١٨. ويقول ابن حجر في توالي التأسيس ص٤٩: (والذي يجمع الأقوال أنه ولد بغزة عسقلان، ولما بلغ سنتين حولته أمه إلى الحجاز ودخلت به إلى قومها وهم من أهل اليمن، لأنها كانت أزدية، فنزلت عندهم، فلما بلغ عشراً خافت على نسبه الشريف أن ينسى ويضيع فحولته إلى مكة). وليس من رأيي التوفيق بين الروايات المتضاربة قويها وضعيفها على هذا الوجه، فتلك طريقة ليست من التمحيص التاريخي في شيء، بل يجب تخير الروايات الصحيحة السند التي يرجحها ما يحف بها من القرائن والذي تدل عليه الروايات الراجحة أن الشافعي ولد بغزة ومات فيها أبوه كما مات بها من قبل هاشم جد النبي ﵇. ثم حملته أمه إلى عسقلان وهي من غزة على فرسخين أو أقل. وكان يرابط بها المسلمون لحراسة الثغر منها. وكان يقال لها (عروس الشام) وفي كتاب (أحسن التقاسيم) للمقدسي المعروف بالبشاري: (أن خيرها دافق، والعيش بها رافق). وكل هذه الاعتبارات جديرة بأن تجعل الأيم الفقيرة تختارها سكنا لها ولطفلها اليتيم الغريب. فلما بلغ الطفل سنتين وترعرع وأصبح يحتمل السفر حملته أمه إلى مكة لينشأ بين قومه

стр. 2020

من قريش، ولعلها كانت تريد أن تستعين على تكاليف العيش بما ينال الطفل من سهم ذوي القربى باعتباره مطلبياً. على أن حظ الطفل من خمس الغنائم لم يكن ليرفه من عيشه فنشأ في قلة من العيش وضيق حال. قال الرازي: (وذكروا أن الشافعي ﵁ كان في أول الزمان فقيرا، ولما سلموه إلى المكتب ما كانوا يجدون أجرة المعلم، وكان المعلم يقصر في التعليم إلا أن المعلم كلما علم صبيا شيئا كان الشافعي ﵁ يتلقف ذلك الكلام، ثم إذا قام المعلم من مكانه أخذ الشافعي ﵁ يعلم الصبيان تلك الأشياء، فنظر المعلم فرأى الشافعيرضي الله عنه يكفيه من أمر الصبيان أكثر من الأجرة التي يطمع بها منه، فترك طلب الأجرة واستمرت هذه الأحوال حتى تعلم القرآن كله لسبع سنين) ص١٥و١٦. ويروى عن الشافعي: انه كان يحدث عن طفولته فيقول: (وكانت نهمتي في شيئين؛ في الرمي، وطلب العلم. فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة عشرة. وفي رواية من عشرة تسعة، وسكت عن العلم، فقال عن بعض من كان يستمع اليه: أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي). ويروى عنه أيضا: أنه قال: كنت ألزم الرمي حتى كان الطبيب يقول لي: (أخاف أن يصيبك السل من كثرة وقوفك في الحر) تاريخ بغداد ج٦ ص٥٩، ٦٠. ويظهر: أن حب الرماية لم ينزعه من بين جوانب الشافعي جلال السن وجلال الإمامة. (عن المزني قال: كنت عند الشافعي فمر يهدف، فإذا رجل يرمي بقوس عربية، فوقف عليه الشافعي وكان حسن الرمي فأصاب سهاما، فقال له الشافعي: أحسنت، وبرك عليه، قال لي: ما معك؟ فقلت: ثلاثة دنانير، فقال: أعطه إياها واعذرني إذ لم يحضرني غيرها (توالي التأسيس) ص٦٧. قال الشافعي: (لما ختمت القرآن دخلت المسجد أجالس العلماء وأحفظ الحديث والمسألة، وكان منزلنا بمكة في شعب الخيف، وكنت فقيرا بحيث ما أملك ما أشتري به القراطيس، فكنت آخذ العظم أكتب فيه وأستوهب الظهور من أهل الديوان وأكتب فيها) - الرازي ص١٦.

стр. 2021

أبيات للمنفلوطي كان المرحوم السيد مصطفى لطفي المنفلوطي يجلس في جمع من أصدقائه منهم: المرحوم حافظ إبراهيم وإمام العبد والشيخ الكاظمي والشيخ منصور، وكان هذا الشيخ من أشهر لاعبي الشطرنج لا يكاد يبزه أحد وكان مجلسهم في مقهى (كتكوت) (بحي الحسين). فحدث يوما أن تغلب غلام في الرابعة عشرة من عمره على الشيخ منصور فكانت هذه الحادثة موضوع تنادر الجماعة مدة طويلة وقد قال كل منهم فيها شعراً فمما قاله المنفلوطي هذه الأبيات: وظبيٍ سقيم الطرف حلوٍ مهفهفٍ … تُميت وتُحيي كيفما شاَء عيناهُ يداعب في الشِّطرنج كلَّ ملاعب … فلا ينثني إلا وقد قتل الشاهُ فو الله ما يدرى الحروبَ وإنما … رماه بسهمي مقلتيهِ فأرداهُ

стр. 2022

في الأدب العربي الطبيعة في شعر ابن خفاجة - ٣ - وصف الآلات والأدوات: - كان علينا أن ننتقل بك في هذا الفصل إلى وصف الخمر ووصف مجالسها في شعر ابن خفاجة، وأن نريك الطبيعة الماثلة في ذلك النوع من الشعر؛ ولكنا رأينا أن نذكر شيئا عن تشبيهه الآلات والأدوات، ووصفه للخيل والذئاب، قبل أن نذكر لك شيئا من أقواله في الخمر، ومن تشبيهه إياها، خوفا عليك من أن تنتشي وتطرب فلا تعود تصغي إلينا. وهو في وصفه السيف والرمح والقوس والكأس والزورق، وفي وصفه للفرس الأشقر، والكلب والأرنب، لا يخرج في كل هذا عن الطبيعة في شيء، ولا يشبه تلك الأدوات إلا بما يماثلها في الطبيعة. فيقول في السيف: ومرهف كلسان النار منصلت … يشفى من الثار أو ينفى من العار فهو يشبهه بلسان النار الملتمع. ثم يقول: تخال شعلة نار منه طائرة … في عارض من عجاج الخيل موار يمضي فيهوى وراء النقع ملتهباً … كما تصوَّب يجري كوكب سار وهو يشبه قول بشار: كأن مثار النقع فوق رءوسنا … وأسيافنا ليل تهاوي كواكبه ويقول أيضاً في وصف كأس أهديت اليه: ومثلك مد يمين الندى … بعلق يطيل عنان النظر بأزرق سالت به صفرة … كما طرز البرق ثوب السحر يقول إنه كأس ازرق قد سالت به صفرة فبدا كسماء أبرقت في ليل مظلم. ويقول كذلك في الرمح: وأسمر يلحظ عن ازرق … كأنه كوكب رجم وقد يعتمد العين اعتماد الكرى … وينتحي القلب انتحاء الكمد فان السمرة والزرقة وكواكب الرجم المتوقدة والكرى والكمد كلها صور لأشياء طبيعية،

стр. 2023

شبه بها عود الرمح الأسمر، وسنانه الأزرق، ولمعانه وقت الطعن. وأجمل ما قاله في وصف الإله وصفه القوس فهو يقول: عوجاء تعطف ثم ترسل تارة … فكأنما هي حية تنساب وإذا انحنت والهم منها خارج … فهي الهلال أنقض منه شهاب فلم يخرج في تشبيهها ووصفها عن حيوان الطبيعة وعن أفلاكها. ويقول في صفة كلب وأرنب: وأطلس ملء جانحتيه خوف … لأشوس ملء شدقيه سلاح فهو يشبه الأرنب الهاربة امام الكلب بالذئب للتشابه الموجود بين لونيهما، وللتشابه الموجود بين حاليهما، لأن الذئب يهرب من وجه الكلب، ويعبر عن الكلب بالأشوس، وهي حال ضم الجفنين للتحديق والنظر، ويشبه انيابه التي كشر عنها بالأسلحة التي يحملها الصياد. ويقول في صفة فرس أشقر عليه حلى لآلئه: بسام ثغر الحَلْي تحسب أنه … كأس أثار بها المزاج حبابا فهو يشبهه بكأس من الخمر قد مزجت بالماء فبدت صفراء اللون وطفا عليها حباب ابيض. واقرأ هذه المقطوعة في وصف نزهة ركب اليها زورقا: وانساب بي نهر يعب وزروق … فتحملتني عقرب وحباب نجلو من الدنيا عروساً بيننا … حسناء ترشف والمدام رُضاب ثم ارتحلت وللسماء ذؤابة … شهباء تخضب والظلام خضاب تلوى معاطفي الصبابة والصبا … والليل دون الكاشحين حجاب حيث استقل الجسر فوق زوارق … نسقت كما تتراكب الأحباب لم تستبق وكأنها مصطفةً … دُعم تنازعك السباق عِراب فقد شبه أولاً الزورق الأدهم بالعقرب لانحناء مقدمه إلى الأعلى، وانحناء متوسطه إلى الأسفل، وشبه ماء النهر الثائر المائج المزبد بالحباب. ثم شبه ثانية اصطفاف الزوارق باصطفاف الخيل العراب للسباق. إلى هنا انتهى كلامنا عن وصف ابن خفاجة للآلات والأدوات، وقد أريناك تشبيهاته وأوصافه التي أتى بها ولم يخرج فيها عن حبيبته الطبيعة التي يرى بها كل ما موجود،

стр. 2024

وكأنه لا يرى في الحياة إلا الطبيعة، فلا يتكلم إلا عنها ولا يشبه إلا بها. فان كان البحتري قد أثر فيه حب علوة الحلبية فقال الشعر الغنائي الرقيق، ورسم الصور الشعرية الجميلة، وأخذ في كل هذا على نفسه ألا يبوح باسمها. وسميتها من خشية الناس زينباً … وكم سترت حباً عن الناس زينب فان ابن خفاجة أثرت فيه الطبيعة فهام بها وأحبها حتى كان يذكرها في شعره واصفاً أو متغزلاً، صاحياً أو نشوان. وكأنه وهو نشوان أقدر على وصف الطبيعة والتشبيه بها، أو كأن حبه لها يهيج فيه قريحته الشعرية حين يجلس إلى الشراب ثم لا يرى بداً من ذكرها لأنه مفتون بجمالها مسحور بمناظرها. أقواله في الخمر: - يصف ابن خفاجة الخمر ويصف كؤوسها ويشبهها فيتفنن في التشبيه والوصف، فإذا أردنا أن نقايس بينه وبين أبي نواس في وصفها، فهو بلا شك دون منزلة أبي نواس. لأن أبي نواس يقصد إلى الخمر قصداً، فينشئ القصيدة على ذكرها ويجعلها موضوعاً من الموضوعات الشعرية، ولكن ابن خفاجة في مقطوعاته التي يذكر فيها الخمر يجعلها أحد المواضيع التي ينشئ فيها المقطوعة. فأكثر مقطوعاته الخمرية ينشئها على ذكر نزهة جميلة مع إخوان صدق في ظلال الأدواح يشربون ويسمرون، أو على ذكر مجلس إخوان وأصدقاء يقرضون الشعر ويصفون فيه مجلسهم واعتكافهم على الخمر، أو يصف الخمر أثناء تغزله، وفي كل مقطوعة من مقطوعاته التي فيها للخمر ذكر لا نرى الأ البيت والبيتين. قال من وصف يوم أنس وفكاهة: وجاء بها حمراء أما زجاجها … فماء، وأما ملؤه فلهيب فهو يقول: انها خمرة حمراء كأنها لهيب النار المتوقدة في كأس كأنه الماء صفاء وشفافية: ويصف الخمر بيد حبيب له فيقول: مشمولة بينا ترى في كفه … ماء، ترى في خده الهوبا فهو يقول: انها باردة الطعم لهبوب الشمال عليها كأنها الماء صفاء، وانه محمر الخدين كأنهما لهيب نار مستعرة، وقال ايضاً: فجاءت بحمراء وقادة … تلهب في كأسها كوكبا

стр. 2025

فقد شبهها بالكوكب المتوقد وهو يشبه قول ابي نواس: إذا عب فيها شارب القوم خلته … يقبل في داج من الليل كوكبا ويشبهها بالفرس الأشقر فيقول: وقد جاء من كاس السلافة أشقر … يسابقه من جدول الماء أشهب ويقول في وصفها أيضاً وهو يتغزل: حيا بها ونسيمها كنسيمه … فشربتها من كفه في دره منساغة، فكأنها من ريقه … محمرة، فكأنها من خده إلى هنا لا نرى في وصف ابن خفاجة الخمر وفي تشبيهه إياها شيئاً يخرج عن الطبيعة؛ فقد شبهها بلهيب النار المشتعلة وشبه كأسها بالماء الصافي الرائق، ثم شبهها بالكوكب المتوقد، ثم شبهها بالفرس الأشقر للونها الأشقر، ثم شبهها وقال انها منساغة فكأنها من ريق الحبيب الخصر العذب، وإنها حمراء كأنما قد عصرت من خده الوردي. واقرأ هذه المقطوعة يداعب بها الساقي الأسود، وانظر كيف يصف الخمر الحمراء والكؤوس البيضاء، ثم ينبري فيصف لنا المكان الذي جلسوا به، والوقت الذي شربوا فيه، ولاحظ إذا شئت تشبيهاته وأوصافه التي لا يخرج بها عن مناظر الطبيعة وعن أوصافها: رب ابن ليل سقانا … والشمس تطلع غره فظل يسود لونا … والكأس تسطع حمره كأنه كيس فحم … قد أوقدت فيه جمره إلى أن يقول: فظلت آخذ ياقو … تة واصرف دره حتى تثنيت غصنا … واصفرت الشمس نقره وارتد للشمس طرف … به من السقم حسره يجول للغيم كحل … فيه وللقطر عبره فهو يقول: إن عبداً اسود يسقينا منذ طلوع الشمس، وكأنه وهو يدير علينا الخمر في كؤوسها الحمراء كيس من فحم قد أوقدت فيه جمرة ملتهبة، وظللت على هذه الحال أتناول الكأس مملوءة حمراء كالياقوتة وأعيدها فارغة بيضاء كالدرة، حتى تثنيت من شدة السكر

стр. 2026

كالغصن تثنيه الرياح، وحتى اصفر لون الشمس وارتد طرفها إلى الغروب كما يرتد طرف الناعس من النعاس، وكانت الغمامة دكناء كأن بها كحل كاحل، وكانت ممطرة كأنها عين باك مستعبر. وقال أيضا يصف متفرجا. ويصف في أثناء ذلك الخمر: ومجر ذيل غمامة قد نمقت … وشى الربيع به يد الأنواء ألقيت أرحلنا هناك بقبة … مضروبة من سرحة غناء وقسَمت طرف العين بين رباوة … مخضرة وقرارة زرقاء وشربتها عذراء تحسب أنها … معصورة من وجنتي عذراء حمراء صافية تطيب بنفسها … وغنائها وخلائق الندماء أدلب. عبد الرحمن جبير

стр. 2027

من طرائف الشعر وداع للشاعر الوجداني الرقيق أحمد رامي أيها الفُلك على وشك الرحيل … إن لي في ركبك الساري خليل رقرقت عيناي لمّا … قال لي حان الوداع وبكى قلبي ممّا … ذاع في الكون وشاع غابت الشمس وراء الأفقِِ … ثم ذابت في مسيل الشفق لهف نفسي! كاد يخبو رمقي حين حيانّي حبيبي … وتبادلنا الوداع وانطوى منه نصيبي … عند تصفيق الشراع أيها الفلك على وشك المغيب … قف، تمهل! إن لي فيك حبيب لا أذوق النوم حتى نلتقي … والضحى يغمر وجه المشرق فأحييه بقلب شيّق شارحاً وجدي شاكياً … سهدي في الدجى وحدي وأناجيه بحبّي … بين ضمٍّ واعتناق ناسياً الأم قلبي … طول أيام الفراق

стр. 2028

الشعر والشاعر للدكتور عبد الوهاب عزام سيدي صاحب الرسالة: خطرت لي خطرة من الشعر في احدى الليالي منذ سبع سنين فأخذت القلم وكتبت الأبيات الآتية، ثم ألقيتها بين أوراقي. وكنت أقلب أوراقا منسية منذ أيام فعثرت عليها، وتذكرت اذ ذاك قوله تعالى: (وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت.) فأردت أن أحمل صاحب الرسالة تبعتها فأرسلتها اليه، وله الخيار أن يئدها كما كانت، أو ينشرها: هو وحيٌ في شعاع القمر … يملأ القلب ضياء وسلاما أو حديثُ في حفيف الشجر … أفشت الريح له سرّاً فهاما أو بكاء في حنين الوتر … ملأ الأنفس وجداً وغراما هو طل الفجر فوق الزَهر … يملأ الروض دموعا وابتساما ثم يبدو مثل قَدحْ الشرر … بين خفق القلب والهّمِ صداما أو تراه كالوصايا العشر … بين ومض البرق والرعد كلاما ذلك الشعر إذا ما تَرجما … عن خفايا وحيه اللفظُ المبين رب شعر وحيه قد كُتما … أبلغ الأشعار ما لا يستبين يخلق الشاعر خلقاً آخراً … من خيال حائر فيه المدى يجعل الليل غراباً طائراً … خاف نسر الصبح لما أن غدا ويرى النجم شريداً حائراً … هام يبغي في الدياجي موردا ويفيق الناس عنه ثائراً … فيرى القصة خلقاً مسعِداً يبرأ الأبطالَ فيها ساحراً … فتراهم في البرايا خُلَّدا مثلا في البِرِّ يبقى سائراً … أو حليف اللعن يبقى أبدا كم هدى الشاعر قبلا أمما … وحدا فيها إلى العز المكين وبنى للمجد فيهم سلّما … فاستقاموا للمعالي صاعدين وجه من يهواه روض ناضر … أٌلِّفتْ فيه من السحر معاني ومن الطرة ليلٌ كافر … ضُلِّلَتَ فيه دموع وأماني

стр. 2029

دولة الحسن، عليها ساهر … نابل من طرفه والحاجبان ومن البحر جحيم ساجر … ومن الوصل فراديس الجنان غضبة الشاعر ليل زافر … جلل الأرض بنار ودخان ورضا الشاعر صبح سافر … ملأ الأرض بنور وأمان يصبغ العالم ما شاء كما … لعبت باللون أيدي الراسمين فإذا شاء أراه مأتما … وإذا شاء فعُرس الفرِحين ويلف السحب من نيرانها … في إهاب الغيظ والحقد المكين ويسل البرق من أجفانها … سيف ثأر مٌصلتاً للظالمين ويقود المزن من أرسانها … بيد الريح شمالا أو يمين ويعد الرعد من تحنانها … حين يروي الأرض بالغيث الهتون أو يرى فيه صدى طغيانها … ردّدته رهبة للسامعين ويقيم الطير في أفنانها … شاديات باكيات كل حين ويرى النهر دموعا ودما … من عراك الدهر والقلب الحزين أو يرى الصفحة سرا محكما … نسجته الريح بين الناسجين ويرى الورد ضحوكا طًربا … إذ تُحليه من الطل درر فإذا الورد ذوى واكتأبا … وإذا الطل هو الدمع انتثر ويرى البانة قدّا معجبا … ماس في الروض دلالاً وخطر ويرى الجدولِ صّلا هاربا … في ظلال الأيك أعياه الوزَر ويظن الريح دارت لعبا … في ذرى الأشجار تلهو بالطرر ويخال الطير غنّى مطربا … يقرأ الحسن بصفحات الزهر ضاق هذا العيش إلا حلما … راق في الأهوال نومَ الكادحين تضحك الآمال فيه كلما … أبكت الآلام عيش البائسين صاح والشاعر في نظراته … يخرق الستر إلى سر الضمير فيرى الآمال في طياته … ودبيب الحزن فيه والسرور يكشف المحزون في أنّاته … اذ يراه الناس في ثوب الحبور

стр. 2030

ويجلي الخبِّ من سوءاته … وجميع الناس منه في غرور ويرى المحسن في هيئاته … حين يُخفى فضله كل كفور فشعاع الشعر في وهجاته … كاشف للناس عن ذات الصدور يقرأ الشاعر ما قد أبهما … في ضمير الدهر آلاف السنين ويرى الغائب مشهودا كما … يَصُر الهدهد بالماء المعين أو تراه مثل باز مدمر … ملأ الدَّوح صياحا وصيالا يجهد الشاعر طول العُمر … فيرى الآمال يأسا ومحالا فتراه مثل ليث هيصر … عض في الأسر قيودا وحبالا أو تراه كحمام هَدِر … رتّل الحزن نشيدا فأطالا ثم يلهو بجمال الزهَر … فَكأنْ في الصدر غما ووبالا فتراه عَنْدَليبَ الشجر … واصفا في الروض حسنا وجمالا صاح ما الشعر سبيلا، إنما … هو صهر القلب في نار الشجون صاح ما الشعر كلاما، انما … هو ذوب النفس أو ماء العيون

стр. 2031

في سينما الحياة للأستاذ الشيخ إبراهيم الدباغ // ليس المعين على بغى بمشكور … ولا القوي على ظلم بمنصور قل للألى ضربوا من حكمة مثلا … للقوم والقوم عند الأفك والزور تغاير الناس في سعي لمهلكة … وما لهم من حذار عند تحذير إني أراهم وقد أنذرتهم طمسوا … نهج الهدى أين أنذاري وتبشيري؟ أنا الرشيد ولي في كل مملكة … أمرأ جرد فيه سيف مسرور يبقي على الخير من قول ومن عمل … حر فيمحق فيها كل شرير وأنشر العدل أعلاما إذا خفقت … أمنت من كل مطوي ومنشور واجعل الدين والأخلاق لي هدفا … الدين ديني والدستور دستوري يا سائلي عن هوى نفسي وبغيتها … من الحياة وقد غصت بتكدير هواي تحرير أهل الأرض من ملأ … من الهداة وأقطاب الدساتير فكل نفس لها من سعيها أمل … ولن تنال مناها دون تحرير هل تمنع النفس من آمالها جدة … لغيرها وهي منه دون تقدير يا ثاني الغصن دع للغصن نضرته … وخل قامته من ذام تكسير وخل للروض والأغصان زينتها … وغادها بين مشموم ومنظور كم وردة جرحت جان بشوكتها … وزهرة مزقت أحشاء هيصور روض الحياة وروض الموت أجدره … بالحر ما كان بيتا غير مهجور ورد الحياة ابتدر من صفوها خلسا … البؤس في السوق والآلام في الدور والأرض شر مقيل للنسور إذا … طغت وأشقى مراحا للزرازير تضرى الذئاب وتبدو في مصاولة … في مسك شاة توارت خلف تحضير ينام حارسها عنها فينذره … موت، ودنياه منها أجر ناطور وللحياة نوال من سلامتها … لو انها لم تشب صفوا بتكدير تحلو وتبنى بها اللذات ما هدمت … منها وتدرك تدميرا بتدمير في سينماها خيال من حقيقتها … فردية حولها شتى التصاوير

стр. 2032

طلاسم تحت ارقام يفسرها … عيث الخرافة في لوح الفوازير فيا حقول (ابيقور) وشيعته … لا ضقت ذرعا بقطعان الخنازير

стр. 2033

في الأدب الغربي مارسلين أو (مدام ديسبور دفالمور) ١٧٨٦ - ١٨٩٥ للأستاذ خليل هنداوي في الحياة أزاهير تقضي أعمارها منثورة هنا وهنالك، لا يكاد يشعر إنسان لها بوجود، متواضعة في أرضها، منعزلة عن الأعشاب الطويلة والأزهار المنتصبة. تعطر الفضاء بانفاسها، فهو أنم عليها من الصبح! وهنالك شعراء يعيشون في أجواء عواطفهم في عزلة نائية عن الناس، إذا ترنموا فإنما ليطربوا أنفسهم، وإن بكوا فإنما يبكون لتصيب أدمعهم زهرات أمانيهم، كما تصيب الروضة قطرات الطل، هؤلاء لا يعرفهم الناس لأنهم ما شاؤا أن يعرفوهم، فهم (وأنفسهم تسكب الألحان) كالأزاهير المنسية، وقد ملأت الفضاء أريجا. ومن هؤلاء الشعراء صاحبة هذه الترجمة وهذا الشعر الوجداني، من شاءت ان تقضي حياتها هامسة بأنغام نفسها، ليس في قلبها وبين الوجود إلأ ترجمان الحس والعاطفة: هذه هي مارسلين. . . ولدت في (دواى) في بيت تسود جوه روح الفاقة، ويغلب على قلوب أصحابه شيء من الأيمان الذي يضحي بكل شيء إلا بنفسه، فيبعث هذا الأيمان في صدورهم من الراحة والطمأنينة والرضا ما لا تبعثه مظاهر الثروة الضخمة، على أن (أمها) جربت أن تنقذ الأسرة من مرارة الفقر، فركبت وابنتها إلى (بوردو) حيث تنتظرها ثروة قريبة. فاتخذت مارسلين الصعود إلى المسرح مهنة، ترضى بأجرها اليسير، ولكن الحظ أبى إلا أن يسود الصفحة الأخيرة، لأن هذه الثروة الموهومة قد تدهور أمرها قبل أن يدركا قريبتها، فأصابت أمها (حمى صفراء) أودت بحياتها، فآبت الابنة على الأثر، وعوامل اليأس والخيبة تطغي عليها. الحياة!! كيف تعمل على تأمين أسبابها؟ فتذرعت (بالخياطة) مهنتها الأولى، وامتزجت مع الممثلين والممثلات، تقف عليهم صناعتها، فجدد هذا الاختلاط رغبتها الباطنية في العودة إلى المسرح، فعادت اليه ونالت كثيرا من مظاهر الاستحسان والتصفيق على مسرح الفنون في (روان) ولكن ما عسى تجديها هذه المظاهر؟ وهي التي كتبت في مذكراتها (ما أكثر ما

стр. 2034

تنهمر عليّ باقات المعجبين بي؟ وأنا أكاد أموت جوعا دون أن أصارح أحداً بأمري). ثم كفلها أحد اصحابها، فألحقها بمسرح جديد، لا يتجأوز أجرها فيه الثمانين (فرنكا) طيلة الشهر. وفي عام (١٨١٧) شاهدها عارفوها في (بروكسل) متأبطة ذراع الممثل (فرانسوا بروسير) مرتبطين برابطة الزواج، وما حل عام (١٨٢٣) حتى كفت مارسلين عن الحياة المسرحية، وسعت وراء نفسها مستلهمة ما توحيه اليها، بعد أن تلمست شيئاً غير قليل من الظفر الشعري في ديوانها الأول (أغاني ومراثي) ولكن حياتها ظلت (برغم عوامل المدح الطافية عليها) طافحة بالكآبة، وقد أصابها الدهر بابنتيها خلال حياتها، ثم غزاها سرطان داخلي لم يمهلها كثيرا. ومارسلين على رغم هذه البواعث على الياس والقنوط لبثت صامتة راضية بأحكام القدر، لا تلوث ديوانها بشيء من الهجو لمعاصريها وأصدقائها، وذلك ما دعا (أناتول فرانس) إلى القول عنها أنها حقاً امرأة قديسة. اما مارسلين فقد كان وجهها المشرب بشيء من الصفرة جميلاً جذابا، ونفسها مشبوبة العواطف، متعددة اللواعج، وحيثما قلبت في ديوانها تبد لك آثار هذه النفس المشتعلة التي تذوقت الحب، ورضيت به مرهقا للروح، ومنهكا للقوى. لأن الحب عندها هو ربيع الحياة. . وقد حار النقاد في العاشق الذي ظلت مارسلين تلهج باسمه وبصفاته في قصائدها حتى أدركها الموت، وطبيعي أن يجر خلاف النقاد إلى اعتبارنا هذا الاسم المتردد اسما شعرياً ترمز به صاحبته إلى اسم حقيقي. اما موقف معاصريها من نقاد وأدباء فقد اعترف أكثرهم بما يثور في صدر مارسلين من عاطفة متقدة يؤول اليها سر براعتها الشعرية. (ولسانت بوف) فصول درس بها فن الشاعرة. رفعت كثيراً من قدرها وبراعتها، أضف إليها فضولًا ومقاطيع متعددة لكبار الأدباء يرفعون بها شهرتها: وهذا (شيرر) يقول (ان مجد مارسلين شيء لا جدال فيه لأنه مجد كثير الإحساس) وهذا (اميل مونتيكو) يكتب في (معرض العالمين) ان مكان الشعر العطفي يقاس بمقياس العاطفة الشخصية، فان مارسلين هي اكبر شعراء العاطفة على الإطلاق. والشاعر (ملارمي) كانت تستخفه اسباب الطرب عند ما يتلو على أصدقائه قصيدة مارسلين الخالدة (حياة اليمام وموته) وأي قلب (أوتى الحاسة الفنية) يسعه الأ يحس هذه

стр. 2035

العاطفة التي يتغلغل فيها معنى الشعر الحقيقي، ورحم الله (اناتول فرانس) فقد كان يستظهر قصيدتها الإكليل المنثور ويقول عنها انها من قصائد العبقرية النادرة. وديوان مارسلين يطفح بروح المرأة المحبة التي يخرجها الحب عن نفسها، وهو أثر واضح لدرس نفس المرأة وترددها وضعفها حين تطغي عليها عاطفة الحب، لأن مارسلين لم تتقيد بالتقاليد التي لو لم تعمل على قتل عاطفتها لخففت من عوامل بؤسها وحدتها، وجدير بأدبنا أن يطلع على مثل هذا الشعر، وعلى مثل هذا الحب، وعلى مثل هذه العاطفة.
следующие страницы →