← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

في سينما الحياة للأستاذ الشيخ إبراهيم الدباغ // ليس المعين على بغى بمشكور … ولا القوي على ظلم بمنصور قل للألى ضربوا من حكمة مثلا … للقوم والقوم عند الأفك والزور تغاير الناس في سعي لمهلكة … وما لهم من حذار عند تحذير إني أراهم وقد أنذرتهم طمسوا … نهج الهدى أين أنذاري وتبشيري؟ أنا الرشيد ولي في كل مملكة … أمرأ جرد فيه سيف مسرور يبقي على الخير من قول ومن عمل … حر فيمحق فيها كل شرير وأنشر العدل أعلاما إذا خفقت … أمنت من كل مطوي ومنشور واجعل الدين والأخلاق لي هدفا … الدين ديني والدستور دستوري يا سائلي عن هوى نفسي وبغيتها … من الحياة وقد غصت بتكدير هواي تحرير أهل الأرض من ملأ … من الهداة وأقطاب الدساتير فكل نفس لها من سعيها أمل … ولن تنال مناها دون تحرير هل تمنع النفس من آمالها جدة … لغيرها وهي منه دون تقدير يا ثاني الغصن دع للغصن نضرته … وخل قامته من ذام تكسير وخل للروض والأغصان زينتها … وغادها بين مشموم ومنظور كم وردة جرحت جان بشوكتها … وزهرة مزقت أحشاء هيصور روض الحياة وروض الموت أجدره … بالحر ما كان بيتا غير مهجور ورد الحياة ابتدر من صفوها خلسا … البؤس في السوق والآلام في الدور والأرض شر مقيل للنسور إذا … طغت وأشقى مراحا للزرازير تضرى الذئاب وتبدو في مصاولة … في مسك شاة توارت خلف تحضير ينام حارسها عنها فينذره … موت، ودنياه منها أجر ناطور وللحياة نوال من سلامتها … لو انها لم تشب صفوا بتكدير تحلو وتبنى بها اللذات ما هدمت … منها وتدرك تدميرا بتدمير في سينماها خيال من حقيقتها … فردية حولها شتى التصاوير

стр. 2032

طلاسم تحت ارقام يفسرها … عيث الخرافة في لوح الفوازير فيا حقول (ابيقور) وشيعته … لا ضقت ذرعا بقطعان الخنازير

стр. 2033

في الأدب الغربي مارسلين أو (مدام ديسبور دفالمور) ١٧٨٦ - ١٨٩٥ للأستاذ خليل هنداوي في الحياة أزاهير تقضي أعمارها منثورة هنا وهنالك، لا يكاد يشعر إنسان لها بوجود، متواضعة في أرضها، منعزلة عن الأعشاب الطويلة والأزهار المنتصبة. تعطر الفضاء بانفاسها، فهو أنم عليها من الصبح! وهنالك شعراء يعيشون في أجواء عواطفهم في عزلة نائية عن الناس، إذا ترنموا فإنما ليطربوا أنفسهم، وإن بكوا فإنما يبكون لتصيب أدمعهم زهرات أمانيهم، كما تصيب الروضة قطرات الطل، هؤلاء لا يعرفهم الناس لأنهم ما شاؤا أن يعرفوهم، فهم (وأنفسهم تسكب الألحان) كالأزاهير المنسية، وقد ملأت الفضاء أريجا. ومن هؤلاء الشعراء صاحبة هذه الترجمة وهذا الشعر الوجداني، من شاءت ان تقضي حياتها هامسة بأنغام نفسها، ليس في قلبها وبين الوجود إلأ ترجمان الحس والعاطفة: هذه هي مارسلين. . . ولدت في (دواى) في بيت تسود جوه روح الفاقة، ويغلب على قلوب أصحابه شيء من الأيمان الذي يضحي بكل شيء إلا بنفسه، فيبعث هذا الأيمان في صدورهم من الراحة والطمأنينة والرضا ما لا تبعثه مظاهر الثروة الضخمة، على أن (أمها) جربت أن تنقذ الأسرة من مرارة الفقر، فركبت وابنتها إلى (بوردو) حيث تنتظرها ثروة قريبة. فاتخذت مارسلين الصعود إلى المسرح مهنة، ترضى بأجرها اليسير، ولكن الحظ أبى إلا أن يسود الصفحة الأخيرة، لأن هذه الثروة الموهومة قد تدهور أمرها قبل أن يدركا قريبتها، فأصابت أمها (حمى صفراء) أودت بحياتها، فآبت الابنة على الأثر، وعوامل اليأس والخيبة تطغي عليها. الحياة!! كيف تعمل على تأمين أسبابها؟ فتذرعت (بالخياطة) مهنتها الأولى، وامتزجت مع الممثلين والممثلات، تقف عليهم صناعتها، فجدد هذا الاختلاط رغبتها الباطنية في العودة إلى المسرح، فعادت اليه ونالت كثيرا من مظاهر الاستحسان والتصفيق على مسرح الفنون في (روان) ولكن ما عسى تجديها هذه المظاهر؟ وهي التي كتبت في مذكراتها (ما أكثر ما

стр. 2034

تنهمر عليّ باقات المعجبين بي؟ وأنا أكاد أموت جوعا دون أن أصارح أحداً بأمري). ثم كفلها أحد اصحابها، فألحقها بمسرح جديد، لا يتجأوز أجرها فيه الثمانين (فرنكا) طيلة الشهر. وفي عام (١٨١٧) شاهدها عارفوها في (بروكسل) متأبطة ذراع الممثل (فرانسوا بروسير) مرتبطين برابطة الزواج، وما حل عام (١٨٢٣) حتى كفت مارسلين عن الحياة المسرحية، وسعت وراء نفسها مستلهمة ما توحيه اليها، بعد أن تلمست شيئاً غير قليل من الظفر الشعري في ديوانها الأول (أغاني ومراثي) ولكن حياتها ظلت (برغم عوامل المدح الطافية عليها) طافحة بالكآبة، وقد أصابها الدهر بابنتيها خلال حياتها، ثم غزاها سرطان داخلي لم يمهلها كثيرا. ومارسلين على رغم هذه البواعث على الياس والقنوط لبثت صامتة راضية بأحكام القدر، لا تلوث ديوانها بشيء من الهجو لمعاصريها وأصدقائها، وذلك ما دعا (أناتول فرانس) إلى القول عنها أنها حقاً امرأة قديسة. اما مارسلين فقد كان وجهها المشرب بشيء من الصفرة جميلاً جذابا، ونفسها مشبوبة العواطف، متعددة اللواعج، وحيثما قلبت في ديوانها تبد لك آثار هذه النفس المشتعلة التي تذوقت الحب، ورضيت به مرهقا للروح، ومنهكا للقوى. لأن الحب عندها هو ربيع الحياة. . وقد حار النقاد في العاشق الذي ظلت مارسلين تلهج باسمه وبصفاته في قصائدها حتى أدركها الموت، وطبيعي أن يجر خلاف النقاد إلى اعتبارنا هذا الاسم المتردد اسما شعرياً ترمز به صاحبته إلى اسم حقيقي. اما موقف معاصريها من نقاد وأدباء فقد اعترف أكثرهم بما يثور في صدر مارسلين من عاطفة متقدة يؤول اليها سر براعتها الشعرية. (ولسانت بوف) فصول درس بها فن الشاعرة. رفعت كثيراً من قدرها وبراعتها، أضف إليها فضولًا ومقاطيع متعددة لكبار الأدباء يرفعون بها شهرتها: وهذا (شيرر) يقول (ان مجد مارسلين شيء لا جدال فيه لأنه مجد كثير الإحساس) وهذا (اميل مونتيكو) يكتب في (معرض العالمين) ان مكان الشعر العطفي يقاس بمقياس العاطفة الشخصية، فان مارسلين هي اكبر شعراء العاطفة على الإطلاق. والشاعر (ملارمي) كانت تستخفه اسباب الطرب عند ما يتلو على أصدقائه قصيدة مارسلين الخالدة (حياة اليمام وموته) وأي قلب (أوتى الحاسة الفنية) يسعه الأ يحس هذه

стр. 2035

العاطفة التي يتغلغل فيها معنى الشعر الحقيقي، ورحم الله (اناتول فرانس) فقد كان يستظهر قصيدتها الإكليل المنثور ويقول عنها انها من قصائد العبقرية النادرة. وديوان مارسلين يطفح بروح المرأة المحبة التي يخرجها الحب عن نفسها، وهو أثر واضح لدرس نفس المرأة وترددها وضعفها حين تطغي عليها عاطفة الحب، لأن مارسلين لم تتقيد بالتقاليد التي لو لم تعمل على قتل عاطفتها لخففت من عوامل بؤسها وحدتها، وجدير بأدبنا أن يطلع على مثل هذا الشعر، وعلى مثل هذا الحب، وعلى مثل هذه العاطفة.

стр. 2036

العلوم حقيقة التطور للأستاذ السر آرثر طمسن ترجمة بشير الياس اللوس يرى علماء التطور ان الأصناف المختلفة للنباتات والحيوانات الوحشية انحدرت في أسلاف أبسط تركيبا وأعم صفات، وقد جرت عملية التطور هذه في وقت طويل جدا وبتأثير عوامل مشابهة للعوامل المؤثرة في الوقت الحاضر، ونشأت خلال تلك العملية تنوعات جديدة تدرجت في سلم الارتقاء، فعاش منها من استطاع ان يكيف نفسه للمحيط، وانقرض الأخر الذي لم يستطع ذلك. نظرية التطور في الوجهة المنطقية وهنا ينشأ هذا السؤال: ما هو نصيب نظرية التطور العامة من الإثبات المنطقي إذا لم نبحث الآن في العوامل التي لعبت دورا مهما في هذه العملية؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال يجب ان نعترف أن هذه النظرية لايمكن إثباتها تجريبيا كنظرية الجذب، ولا نستطيع البرهنة عليها كي نبرهن على صحة نظرية حفظ الطاقة فهي تتناول الماضي السحيق، ويمكن وضعها من الوجهة المنطقية في صعيد واحد مع الفرضية السريمية التي تخبرنا عن تكوين الشمس وسياراتها. لا يستطيع أحد أن يعكس الشريط الكوني ليرينا عن كثب الحوادث التي جرت في سالف العصور، ومع ذلك يجب ان نتذكر ان في السماء سدماً تسلك نفس السبيل الذي يظن الفلكيون أن السديم العظيم سلكه في العصور القديمة فولد نظامنا الشمسي الحاضر. وهكذا نعثر في التطور العضوي على عمليات جارية تمثل ما حدث في القديم كنشوء الطيور في أرومة الزحافات، أو نشوء البرمائيات في الأسماك. كيف نشأ عالم الحياة أن الجواب العلمي الوحيد لهذا السؤال يستمد عناصره من التطور الذي يقرر اساليب التغيير والتطوير. نشأت جميع افراد المملكة الحيوانية بطريقة مماثلة لنشوء أنسال الحمام الداجن المعروفة من حمام الصخور - الذي لا يزال يعشش على الجروف حول بريطانيا

стр. 2037

العظمى، وكذلك نشأت افراد المملكة النباتية بطريقة مشابهة لنشوء كرنب الحدائق والقرنبيط والخضراوات من الكرنب الوحشي النابت في السواحل البحرية. وهكذا تتضمن فكرة التطور العضوي العامة نوعا من البرهان يستند على المقابلة والمشابهة. إذن فتلك الحالات القليلة التي يعلمها الإنسان عن نشوء حيواناته ونباتاته الداجنة تنير له طرائق العلم بحدوث النشوءات العظيمة خلال العصور السحيقة في القدم. لذلك لا نرى مسوغا لما يطلب من الأدلة على التطور ما دام يمكن اتخاذ كل حقيقة من حقائق علوم التشريح والفسلجة والمتحجرات والأجنة دليلاً قويا على التطور إذا ألممنا بشيء كاف منها. وكل ما في الأمر أنه يجب أن نفتش عن حجة تمهد لنا سبيل الاهتداء إلى كيفية استعمال حقيقة التطور لفهم جميع المغلقات والألغاز التي نجابهها في درس البيولوجيا. أثر الإنسان في التطور كان لدارون ولع شديد بدرس مساعي الإنسان لتدجين الحيوانات والنباتات وتربيتها على السواء، وغير خاف علينا ما وصلت اليه جهود الإنسان في الحصول على ضروب متعددة من الحمام الداجن وذلك مهد لدارون أن يضع فكرته على النمط الأتي: لما كان في وسع الإنسان أن ينشئ في زمن قصير أنسالاً عديدة قويمة التهذيب فلماذا لا يعقل أن الطبيعة قامت بذلك العمل نفسه في زمن طويل جداً؟ وكيف يقوم الإنسان بتلك العملية؟ لاشك أنه ينتقي الأنواع التي تروقه أو تلائم حاجاته ويدعها تتزاوج مع بعضها على قدر الإمكان ويستأصل من النسل الجديد الأفراد التي لا يرغب فيها ومن ثم يقوم بتهذيب وتربية الأفراد التي يريد الاحتفاظ بها، فعمليته تقوم على أمرين مهمين: الاستئصال والتوليد. فيستأصل الرديء ويولد الجيد. وبسعيه المتواصل في (عملية الانتخاب الصناعي) هذه وصل الإنسان إلى نتائج مدهشة، فكان له ضروب عديدة من الخيول والمواشي والكلاب والحمام والدجاج الخ، وضروب كثيرة من النباتات كالحنطة واللفت والبطاطا والورد والبانسيه الخ. . . ومن السهل أن تذهب إلى المعارض الزراعية لتحصل على أمثلة واضحة من التطور لا تزال تعمل بقوة. لاشك أن هناك أمثلة عديدة أكثر تعقيداً من نشوء الحمام لأنه يصعب علينا عندئذ تحديد

стр. 2038

الأسلاف الوحشية كمعرفة أصل الكلاب مثلا. ولكن ذلك لا يقلل شيئا من قوة الحجة القائلة إذا تمكن الإنسان من إيجاد ضروب عديدة من الحيوان والنبات في وقت قصير فكيف لا تستطيع الطبيعة ذلك في وقت طويل جداً؟. . . والآن يجب إلا نغفل عن أمرين مهمين: أولهما أن الإنسان لا يبتدع الضروب الجديدة بل ينتظر ظهورها، وثانيهما أن القوى المؤثرة في الطبيعة التي تماثل عمل الإنسان في الاستئصال والتهذيب هي التناحر على البقاء ونزوع المخلوق إلى الحياة. مصدر القوة عندما يمضي العالم الطبيعي في تمحيص انواع مختلفة من الحيوانات القريبة من بعضها حسب الظاهر يجد تغايرات مدهشة جداً، وسرعان ما يلاحظ أن بعض العضويات وحتى بعض الأعضاء هي أكثر عرضة للتغاير من البعض الأخر. وتدلنا جميع الحقائق المستقرأة بالمشاهدة على أن قابلية التغيير هي من أميز صفات الكائنات الحية. والواقع إننا لا نستطيع ان نجد طائرين يتشابهان تشابها تاما بحيث يعسر علينا تفريق أحدهما عن الأخر. فالأخوان يختلفان عن بعضهما بالرغم من تولدهما من أرومة واحدة. ويذكر لنل البروفسور لوتسي انه رأى في متحف (ليدن) نحوا من ٢٠٠ ضرب من طيور الباز لا يوجد بين اثنين منها تشابه تام. وكذلك نعرف عن بعض المرجان المركب أن بنية الأفراد فيها تختلف باختلاف الأغصان في المستعمرة الواحدة. على أن مصدر التغيير كائن في الماكينة العضوية دفين بين تضاعيفها. ويجب على الباحث ان يميز الفروق الخارجية التي يمكن إرجاعها إلى خصائص المحيط أو الغذاء عن الفروق الداخلية أو الموروثة التي يظهر انها تتقدم من الباطن، ويطلق على الأخيرة فقط تعبير (التغايرات) أو (التغيرات الفجائية) إذا نشأت بصورة فجائية. ارتقاء الحياة من المحتمل أن كائنات حية كانت تعيش على اليابسة وفي المياه إلى مدة تزيد على المائة مليون سنة، ولكنها لم ترتق في ذلك الوقت كثيرا لأسباب ترجع أولاً إلى المحيط. إن تقدم الحياة مشهد بليغ وصفه لوتز وهو احد علماء الحياة ايضا، بقوله (انه كالنغمة المطربة

стр. 2039

التي يعلو صوتها كلما تقدمت واقتربت من السامع). لم توجد خلال عصور عديدة حيوانات عظمية أو فقرية بل أن جميع الحيوانات التي كانت عائشة آنئذ كانت رخوة لا عظمية أو لا فقرية. ولكن الأسماك كانت موجودة في البحار السيليورية ومرت عصور عديدة ظهرت خلال أحدهما وهو العصر الرملي الأحمر القديم البرمائيات بعد أن اجتازت خطوات من التطور عظيمة كاكتساب الأصابع والرئتين الحقيقيتين والأوتار الصوتية واللسان المتحرك والقلب الثلاثي المخادع الخ. . كان هذا التقدم واضحا ولو ان هذه الحيوانات ظلت ضفدعية الخواص حتى عندما وصلت عصرها الذهبي في العصر الفحمي وبعد مضي عصور أخذت الزواحف الملونة تظهر في العصر البرمي والتي نرى فيها التغاير والتنوع والتقدم بمقاييس كبيرة. فبعضها كانت بحرية وبعضها برية وبعضها هوائية والبعض الأخر يعيش بين الأشجار. وكان بعضها عظميا هائلا والبعض الأخر صغيرا دقيقاً. وهكذا حصلت تنوعات كثيرة بين الزحافات القديمة. على انها جميعا لم تكن قد وصلت إلى درجة تامة في النمو العقلي بل كان فيها استعداد عظيم لذلك. ويظهر ان كثيرا منها اصبح في منتهى الاختصاص كالتنين الطائر أو البتيرودكتل لأنها انقرضت بدون أن ترقى أكثر من ذلك. ان بعض الزحافات القديمة لا تزال متمثلة بالتماسيح والضبياب وفصائل اخرى موجودة في الوقت الحاضر، ولكن البعض الأخر أصبحت أنسالاً منقرضة وأفضت غيرها إلى نشوء الطيور واللبائن وهما الصنفان اللذان نستطيع إرجاعهما إلى الأجداد الداينوسورية ولكن الحقيقة التي نعتقدها هي أنه في خلال العصور ظهرت صنوف تدرجت في سلم الارتقاء حتى وصلت إلى الإنسان وهو أرقى الحيوانات في الوقت الحاضر. يضاف إلى هذه الحقيقة العظيمة جميع السلالات النسبية المحفوظة بين الصخور كسلالات الخيول والفيلة والجمال والتماسيح. ومن ينقب يقرأ سجلات التطور بين ثنايا الصخور.

стр. 2040

هل للعلم قيود ترفضها الأخلاق؟ للدكتور هنسن أسقف درهام بإنجلترا ترجمها بتصرف الدكتور أحمد زكي (بدا شيء من القلق في منطوقات رجالات العلم ارتاع له الناس. وكيف لا يرتاع الرجل العادي وقد أنذر رؤساء ثلاثة لرابطة العلوم البريطانية في سنوات ثلاث متعاقبة بالخطر الذي يحيق بالمجتمع المتدين من جراء التقدم السريع الجاري. أن رجل العلم في العصر الحالي كساحر للقرون الخوالي يبعث الشياطين فلا يلبث أن تفلت من قبضته، وتتحرر من سلطته، فتعبث في الكون إفسادا وتخريباً) من خطبة قريبة. العقل العلمي كلنا متفق على أن العقل العلمي يجب أن يكون خلوا من كل غرض، بعيدا عن كل شهوة، إن هَوِى صاحبه فلن يتأثر بهواه، وإن أبغض فلن يتأثر ببغضه، فهو عقل يطلب الحقيقة للحقيقة وحدها، وهو يطلبها في هدوء وثقة واتِّزان ورجاحة، لا يزعجه اصطخاب تثيره التقاليد حوله، ولا يهزه اضطراب يبعثه العرف السائد من جراء ما تكشفه له، وهو يطلبها في قناعة وعفة ونبل، فلا تحدثه نفسه بما قد تؤدي له الحقيقة المكشوفة من نفع، وما قد تدر عليه من مال، وهو يطلبها لحاجة شديدة في نفسه تدفعه دفعا إلى علم ما لم يعلم، كما يندفع الهالك الظمآن إلى الرِّي والماء، وهو لا يفرق بين الحقيقة الصغيرة الحقيرة، والحقيقة الكبيرة الهامة، ولا بين الحقيقة تأتيه هوناً، وبين الحقيقة يأتي بها الجهد الجهيد، فلكل مكانه من الخريطة العامة، وهي لا تتم إلا بتمام أجزائها، وهو لا يجد لنفسه عوضاً كافياً من هذه الجهود، ولا جزاء وفاقاً على متاعب البحث ومصابرة التنقيب، كالعلم الذي تحصله تلك الجهود والأبحاث. وبعد فليس بمستغرب أن من يطلب العلم لذاته دون مراعاة شيء غيره ولا مجاملة أحد سواه يصطدم بكل سلطان قوي الدعائم قديمها، ومن ذلك سلطان الدين. العلم والدين وقد اشتبك الدين والعلم في معارك بدأت في أواخر العصور الوسطى وامتدت إلى وقتنا

стр. 2041

هذا. ولاشك أن من أكثر اسباب هذا العراك سوء فهم للدين، وعدم التمييز بينه وبين علم اللاهوت التقليدي الموروث. وقد خلف لنا هذا العراك سجلات عديدة من مساجلات ومناظرات امتلأت بها رفوف عديدة بدور الكتب، ولكنها لا تجد الآن قارئا إلا دارسا متشوقاً يأتي اليها الفينة بعد الفينة، مناظرات لم تولد غير كراهات غاشمة أفسدت الأذهان وأساءت إلى التفكير الخالص في كلا المعسكرين على السواء، نظر فيها رجال الدين بأعينهم إلى الوراء، إلى السنوات الزاهرة الذاهبة حين المجد للدين وحده، والجبروت للعقيدة وحدها، والسلطان الذي لا يدافع لرجال الكنيسة وحدهم بلا منازع ولا متحدٍّ، فعز عليهم أن يسلموا كل هذا وان يعترفوا للعلم بكثير أو قليل. على أن الخصام الذي بين العلم والدين قل في العصور الحديثة، أو على الأقل هدأت حدته، وذلك أن أهل اللاهوت تعلموا ولو في كثير من التباطؤ، وأذعنوا ولو في كثير من التلكؤ، واهتدوا أخيراً إلى التوفيق بين تعاليمهم وتعاليم العلوم الطبيعية من فلك وجيولوجيا حتى علم الحياة وكان أصعبها توفيقاً. العلم والأخلاق وما دام العلم يشتغل بملاحظة حقائق الوجود عن كثب، وبتدوين أحداث العالم المادي في أمانة ودقة، وما دام يخرِّج النتائج من الفروض تخريجاً صحيحاً، فقد جاز أن يصطدم بعقائد المسيحية التقليدية، وقد أصطدم فعلاً. وليس من الضروري (ما حبس نفسه في هذه الحدود) أن يصطدم بالأخلاق ما توجبه وما ترتضيه. ولكن عندما يبدأ العلم يطبق طرائقه التطبيقية على جسم الإنسان وبدنه فانه بذلك يخرج عن حدوده الأولى، ويبدأ يمس رأي الناس في أنفسهم وأعمالهم، وبدل أن يكون الخصام بين العلم والدين، يصبح خصاماً بين العلم وقانون الأخلاق العام وهو قانون يشد أجزاء المجتمع بعضها إلى بعض، كما يشد الملاط آجرَّ البناء، وعند ذلك يصبح قانونا مزعزع الأساس مشكوكا في سلطانه، ويصبح قضاؤه غير مبرم. ثم يتقاصر ظله ويتقاصر حتى يصبح عبداً للعلم خاضعا لنتائجه، مأموراً بعد ان كان آمراً؛ وعندئذ ينظر الإنسان بعين جديدة إلى الطبيعة البشرية، ويصبح الواجب البشري ذا سيطرة، ولكنها محدودة مشروطة. وهُنا يتساءل: هل يكون للمعمل فتأوي أخلاقية خاصة يتحلل بها أصحابه من القانون

стр. 2042

الأخلاقي العام الذي يتبعون أوامره ونواهيه عن طيب خاطر حيثما ساروا في الدنيا الوسيعة حتى إذا هم دخلوا المعمل أغفلوها جميعا؟ أيجوز استخدام التجربة، ذلك السلاح الرهيب دون مراعاة صالح غير صالح المعرفة للمعرفة ذاتها؟ إلا ينقلب رفض العلم لمراعاة اعتبارات الحياة الأخرى سببا إلى اقتراف كثير من الأثام؟ وجملة الأمر هل تتقيد الطريقة العلمية بقيود خلقية أم تترك طليقة؟ وإذا هي تقيدت فما هي تلك القيود؟ قال هكسلي: (إن كل الفلسفات وكل الأديان تقريبا متفقة على أن الحقيقة والجمال والخير غايات ثلاث يطلبها الإنسان لذاتها دون ما عداها؛ أو على الأقل تتفق الفلسفة والأديان على ذلك نظريا، أما عند التنفيذ فتظهر اختلافات وتلوح مصاعب). ومع ذلك فهكسلي لا يتنازل عن شيء للتنفيذ، ولا يجود بشيء مما يتطلبه العمل من الضرورات. فهو يقول: كثيرا ما يقال إن من الأشياء ما يعلو على الفحص والتمحيص لقداسته، ولكن الرغبة الشديدة في المعرفة الخالصة إذا ملأت رأس الإنسان لم تجز له تمحيص كل شيء فحسب، بل تحتم عليه ان يتتبع مباحثه غير آبه لأي المواضع قادته، غافلا عن كل صفات الأجسام المبحوثة ما دامت قابلة للبحث والفهم، فأن العقل الممحص لا يرى أن بحث الشيء يمنع منه قدسيته، وفضلا عن هذا فان التجربة دلت على أن المعرفة التي تنال من أجل نفسها عن هذا الطريق، تقع من النفس منزلة لا تنزلها هي نفسها لو أنها أصيبت عن طريق غير هذا. قال هكسلي ذلك وهو يعرض للدين أكثر من عرضه للخلق، ولكن كلامه يمكن تمديده حتى يسع الأخلاق. وهكذا يصبح السؤال: هل يصح لنا أن نفترض أن (الغايات الثلاث التي يطلبها الإنسان لذاتها دون ما عداها) متوافقة في جوهرها كل التوافق حتى أن من يطلب الواحدة يحصل في النهاية على الجميع. يقول عميد كاتدرائية سانت بول: (يجب علينا إلا نفارق بين القيم الثلاث أو نخاصم بينها. فكلنا نتسلق الجبل في طريقنا إلى الله. ولكن من طرق ثلاث تؤدي كلها إلى قمة الجبل. ومن المحتمل أن نجد من هذه الطرق واحدة هي أيسرها في الصعود). أنا لا أعُنى الآن بالنهاية التي تؤدي اليها القيم الثلاث، ولكن عنايتي الحاضرة بالنتائج العملية التي تنشأ عنها. أن استعارة العميد نفسها تتضمن انفصال الثلاث في سبيلها من

стр. 2043

الجبل، وهذا الانفصال هو بيت القصيد. فلنسلم جدلاً بأن النزاع القديم بين الفن الجميل والأخلاق أكثره سوء في فهم هذا، أو فهم ذلك، أو فهمهما كليهما، ولكن السؤال: هل للفنان أن يغمض بحق عينه عن الاعتبارات الخلقية وهو يعمل في دار فنه؟ هل دراسة الفن للفن قضية رصينة مقنعة؟. . . شرائط العلم ثلاث أنا أقول إن الطريقة العلمية مشروطة بشرائط ثلاثة، أولها الواجب الذي تفرضه الأخلاق على دارس العلم بحكم رجولته، ذلك الواجب الذي لا يستطيع أن ينسخه أي مأرب من مآرب العلم مهما كان. وثانيهما قيود لا بد من تقيد الطريقة العلمية بها، تحتمها حقوق أولئك الذين تؤثر فيهم تلك الطريقة، وثالثهما قيود يفرضها نوع النتاج المقصود من التجربة.

стр. 2044

القصص من غير عنوان للقصصي الروسي تشيكوف كانت الشمس في القرن الخامس عشر تشرق كل صباح وتغرب كل مساء كما هي اليوم. وحينما تقبل أشعتها الأولى ندى الأرض تنفض هذه عنها غبار الكرى، وتشيع في الدنيا البهجة وتحلو الأماني! وتعود الأرض في المساء إلى سكونها ثم تغوص في غياهب الليل. وقد ترى أحياناً سحابة راعدة تلوح، ويقصف الرعد وهو يزمجر، أو تهوى نجمة من شاهق وهي وسنانة، أو يقبل راهب حثيث الخطى شاحب اللون ليخبر رفاقه بأنه رأى نمراً قريبا من الدير. كان هذا كل شيء، ثم تعود ثانية الأيام تشابه الأيام، والليالي تحاكي الليالي. كان الرهبان يصلون ويعملون: أما رئيس الدير فيعزف على الأرغن، ويقرض الشعر اللاتيني، ويؤلف النغم الموسيقى. وكان للكهل الحلو الوديع ذكاء نادر وسجايا حميدة. فهو يعزف على الأرغن ببراعة، حتى أن معظم الرهبان القدماء الذين يضعف سمعهم كلما قربت نهاية حياتهم ما كانوا يستطيعون أن يحبسوا دموعهم كلما هفا صوت أرغنه من صومعته. وعندما يتكلم ولو عن الشؤون العامة كالشجر والوحوش الضارية والبحر الخضم، لا يسمعه إنسان دون أن ترى دمعة تترقرق في عينيه، أو بسمة ترتسم على شفتيه، فيخيل اليك أن الأنغام التي تتجاوب في الأرغن هي بعينها التي تعتلج في نفسه. وحينما يهيجه غيظ متمكن، أو يأسره فرح شديد، أو يتحدث عن أشياء مروعة تأخذه نشوة قوية، ويتسايل الدمع من عينه اللامعة، وتضرج وجهه الحمرة، ويدوي صوته كالرعد. هنا يحس الرهبان المستمعون أن أرواحهمتذيبها عظمته وأنها تفنى فيه. لقد كانت قوته في هذه الدقائق العظيمة العجيبة لا تحد، فلو أمر شيوخ الدير أن يقذفوا بانفسهم في البحر لاستبقوا اليه مسرعين. كان موسيقاه وصوته وشعره الذي يمدح به الله منبعاً لسرور الرهبان لا ينضب. ففي مدة حياتهم الرتيبة تنقلب الأشجار والأزهار والربيع والخريف إلى أشياء مملة، ثم يقلقهم هدير اليم الزاخر، ويصبح شدو الطير مملول النغم مرذول الجرس. ولكن سجايا رئيسهم كانت

стр. 2045

لهم بمثابة القوت المحيي والقوة المجددة. كرت السنون ومازالت الأيام تشابه الأيام، والليالي تحاكي الليالي وما دنا من الدير أحد اللهم إلا ضواري الوحش وجوارح الطير. وكانت أقرب المساكن الإنسانية بعيدة جداً. ولا تصل اليها من الدير أو تصل إلى الدير منها حتى تعبر صحراء ذرعها مائة ميل. والذين يجرءون على القيام بهذا هم أولئك الذين لا يجعلون للحياة قيمة ولا يقيمون لها وزناً، والذين نبذوها وراءهم ظهرياً ونفضوا أيديهم منها جملة. يولون وجوههم شطر الدير وكأنهم يسيرون إلى القبر. ولشد ما كانت دهشة الرهبان عند ما قرع بابهم في ليلة من الليالي رجل برهن لهم على أنه من سكان المدينة: وكان هذا الرجل أكثر الناس ارتكاباً للإثم وحبا للحياة. وقبل أن يصلي أو يرجو رئيس الدير أن يباركه طلب طعاما ونبيذا. فلما سألوه عن سبب قدومه من المدينة إلى الصحراء قص عليهم قصة طويلة: خرج يطلب الصيد ومعه شراب كثير فضل الطريق، وعند ما أشاروا اليه أن الواجب عليه أن يمسي راهباً أجابهم في ابتسام: (لست لكم بصاحب!) شرب واكل ملء بطنه، ثم رفع بصره إلى الرهبان الذين يقومون بخدمته وهز رأسه لائماً وقال: (إنكم معشر الرهبان لا تعملون شيئا، كل ما تعنون به هو طعامكم وشرابكم، هل هذه هي الطريقة لخلاص أرواحكم؟ فكروا الآن! بينما أنتم تعيشون في هدوء هنا، تأكلون وتشربون وتحلمون بالخيرات والبركات إذا بإخوانكم هناك قد كتب عليهم عذاب الجحيم، انظروا ما الذي يحدث في المدينة! بينما بعض الناس يموتون جوعا، إذا بالآخرين لا يعرفون أين يبذرون الذهب، ينغمسون في الدعارة ويهلكون فيها كما يهلك الذباب في العسل، ثم لا صدق ولا إخلاص بين الناس. من الذي يجب عليه انتشالهم مما هم فيه؟ أأنا الذي أروح صريع الكأس من الصباح إلى المساء؟ هل أنعم الله عليكم بالخلاص، ومنَّ عليكم الحب، وحباكم بالقلوب الرحيمة، لتجلسوا هنا بين هذه الجدران الأربعة ولا تعملون شيئا؟!). ومع أن كلام الرجل السكير كان ينطوي على الجرأة والقحة فقد أثر تأثيراً غريبا في رئيس الدير فنظر هو والرهبان بعضهم إلى بعض ثم قال رئيسهم بوجه شاحب (إخواني انه

стр. 2046

محق. فصحيح أن الحماقة والضعف البشري جرفا الإنسانية التعيسة في تيار الجحود والإثم فأهلكاها وقضيا عليها. وها نحن أولاء لا نريم من هذا المكان كأن لا عمل لنا ولا واجب علينا. لماذا لا أذهب إليهم فاذكرهم بالمسيح الذي نسوه؟). نالت كلمات رجل المدينة من نفس رئيس الدير، ففي اليوم التالي أمسك بعكازه وودع إخوانه، وركب الطريق إلى المدينة، فأمسى الرهبان لا ينعمون بموسيقاه ولا بحلو حديثه ولا برائع قريضه. ترقبوه شهراً ثم شهرين فما عاد، وأخيرا في نهاية الشهر الثالث سمعوا نقر عصاه المألوف فخف الرهبان لملاقاته وأمطروه بالأسئلة، ولكنه بدلا من مشاركتهم في حبورهم بكى بكاء مراً وما نبس ببنت شفة. رأى الرهبان أنه أصبح نحيلاً وأن أعراض الكبر قد بدت على ملامح وجهه. فما تمالك الرهبان وقد رأوا منه ذلك أن أجهشوا بالبكاء وسألوه عما يبكيه، فما أجابهم بكلمة وغادرهم موصدا عليه بابه ومكث في صومعته. لبث فيها خمسة أيام ما شرب فيها شرابا ولا طعم طعاما ولا عزف على الأرغن. ولما طرق الرهبان عليه بابه وألحوا عليه في الخروج ليشاركوه في أساه كان جوابه الصمت العميق. خرج من معتكفه أخيرا وجمع حوله الرهبان وأخذ يقص عليهم ما حدث له خلال الشهور الثلاثة التي خلت والدمع ينضح وجهه والألم يأكل قلبه، ثم هدأت نفسه وتهللت أساريره حينما أخذ يصف لهم رحلته من الدير إلى المدينة. غنى الطير وخر الجدول على جوانب الطريق، وجاش صدره بالأماني الحلوة والآمال المعسولة. شعر بانه جندي يتهيأ لاقتحام الموقعة والوصول إلى النصر المحقق. سار حالما يقرض القصيد ويصوغ النشيد، وسرعان ما وجد نفسه في نهاية الرحلة. على أن عيونه أومضت باللهب، ونفسه جاشت بالغضب، وصوته ارتعش عندما بدأ يحدثهم عن المدينة والإنسانية. ما كان رأى ولا تخيل قبل اليوم كل ما رآه وأحصاه في قلب المدينة. رأى وفهم لأول مرة في حياته سلطان إبليس وسيادة الجور وضعف القلب الإنساني الخاوي. هنا خمسون أو ستون رجلا جيوبهم مترعة بالمال يقصفون ويشربون النبيذ دون حد. أخذوا وقد تملكتهم نشوة الراح يرفعون عقائرهم بالغناء الساقط، وينوهون في شجاعة بأشياء جارحة لا يجرؤ إنسان يخاف الله جل سلطانه أن

стр. 2047

يشير اليها. فهم أحرار سعداء شجعان لا يخافون الله ولا يخشون الجحيم ولا يهابون الموت. يقولون ويفعلون ما يشاءون، ويذهبون إلى حيث تسوقهم رغباتهم الجامحة. اما النبيذ فصاف صفاء الكهرمان! وهو أيضا ذكي الرائحة لذيذ الطعم، لأن كل من يعب منه يطفح وجهه بالبشر ويرغب في الشراب ثانية. وهو يجزى على ابتسام بابتسام، ويتهلل غبطة كأنه يعرف أي ضلال جهنمي يختبئ تحت حلاوته. غلى مرجل غضبه، وبكى أحر البكاء وأشجاه. ثم استطرد يقص عليهم ما رأى: (وقفت امرأة نصف عارية على منضدة وسط القاصفين، ويصعب عليكم أن تتصوروا شيئا اكثر فتنة وسحرا منها، صبى ناصر زاهر، وشعر طويل جثل، وعيون سوداء لامعة، مكتنزة محمرة، ثم سفاهة وجرأة وقحة. هذه البهيمة تبتسم فتفترعن عن أسنان بيضاء كالبرد كأنها تقول: (انظروا إني جميلة، ومستهترة. . . .) وتتدلى من عاتقها الملابس الحريرية البديعة المشجرة. على أن جمالها لا تخبئه ملابس، لأنه بشره يفسح لنفسه الطريق بين طيات ثوبها. . . . كأنه الأعشاب الصغيرة وهي تشق لنفسها الطريق في الأرض زمن الربيع. وتشرب المرأة التي لا تستحي النبيذ، وتغني الأغاني، ثم تستسلم بعد ذلك للمعربدين. . . .). لوح الرجل الكهل بذراعيه حانقا ثم استمر يصف لهم سباق الخيل، وصراع الثيران، والملاعب، وحوانيت الفنانين، حيث يعرض هيكل المرأة العارية مرسوما بالزيت أو منحوتا من الصلصال. كان الرجل في حديثه لسِناً ملهماً جهوري الصوت حلو الجرس كأنه يعزف على آلة موسيقية لا تقع عليها العين. والرهبان ذاهلون عن أنفسهم غائبون عن رشدهم وقد أسرتهم كلماته وسحرهم بيانه، فهم يلهثون من فرط السرور. ولما فرغ من وصف إغواء إبليس وفتنة الفسوق وسحر المرأة لعن إبليس ثم غادر المكان واختفى وراء بابه. فلما خرج من صومعته في صباح اليوم التالي لم يجد راهبا واحدا في الدير. فقد انطلقوا جميعاً مسرعين إلى المدينة!! محمود البدوي

стр. 2048

صديقها عشيقها رواية مصرية عصرية في فصل واحد للكاتب الروائي الأستاذ محمد خورشيد أشخاص الرواية فايد بك عمره ٢٨ سنة. فتى راق وارث بيت مجيد وثروة واسعة إحسان بك٢٥ سنة. صديق فايد ذكي متهكم ماكر مختار بك٦٠ سنة. أعزب. صديق حكمت الصدوق حكمت هانم٢٧ سنة. أرملة رجب باشا. فتاة راقية غنية سميرة هانم٢٥ سنة. صديقة حكمت من عهد الدراسة خادم فايد بك. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . غرفة المكتب بمنزل فايد بك يصلها في الصدر ببهو المنزل، وإلى اليسار باب آخر يفضي إلى باقي الغرف. إلى اليمين مكتب فاخر ومكتبة زاخرة بالكتب المجلدة تجليدا ثمينا، وأمامهما كنبة لثلاثة، وأمام هذه الكنبة منضدة عليها صندوق سجاير ومنفضة من الفضة، وحولها كراسي، جميع القطع من خشب (الموجنة) مكسوة بالقطيفة الحمراء. وفي وسط الغرفة سجادة، والطابع العام الأناقة واجتناب الكظة وحسن الجمع بين الألوان. الوقت عصر. المنظر الأول (يرفع الستار عن مختار وإحسان واقفين في جهة اليمين بين الكراسي وفايد واقفا جهة اليسار قريبا من باب مفتوح قد وقف بعتبته خادم). فايد: (يخاطب الخادم) ضع الملابس التي ذكرتها لك في الصندوق، ولما تصل إلى الأشياء الصغيرة: أربطة الرقبة والمناديل وما يشابهها، اخبرني لأجيء واختار منها ما أريد. الخادم: سمعا وطاعة سيدي. (يخرج ويغلق الباب خلفه). فايد: (وقد ذهب إلى حيث إحسان ومختار) أهلا مختار بك! مساء الخير! مساء الخير يا إحسان! تفضلا. (يردان تحيته ثم يجلس ثلاثتهم. يقدم فايد صندوق السجاير فيأخذ كل منهما سيجارة

стр. 2049

ويشعلها، ويأخذ هو سيجارة لنفسه ويشعلها.) (يبدأ مختار الحديث فيقول:) مختار: أخبرني إحسان بك أنك ستسافر هذا المساء إلى استامبول، فاستغربت، أولا لأنك كنت قد قررت إلا تسافر هذه السنة، وثانيا لأن فصل الصيف أوشك أن ينتهي. نحن الآن في أواخر شهر يوليه، خير إن شاء الله! ما الداعي للسفر بغتة؟ فايد: شعوري بضعف، وحاجتي إلى تبديل الهواء. إحسان: لا ضعف هناك ولا خلافه. لابد أن هناك سبب تخفيه وأظنني أدركته. فايد: (ينظر إلى إحسان نظرة عتاب ويقول:) قد يعتقد مختار بك الآن ان لسفري سببا أخفيه، مع أن الحقيقة هي ما ذكرت. نعم كنت قررت إلا أسافر هذا العام، ولكن حر الصيف فوق المألوف فأضعفني وشعرت بضرورة الفرار منه، لذلك عزمت على السفر إلى استامبول لأمكث بها شهري أغسطس وسبتمبر، ثم أعود في أوائل أكتوبر حين يصبح جو القاهرة محتملا. وقد حجزت لي محلا بالباخرة التركية التي ستبرح الإسكندرية غدا. . . مختار: ومنعك استعدادك للسفر عن الحضور ليلة أمس لقضاء السهرة بمنزل حكمت هانم، فسألتني عنك فأجبتها انك لابد حاضر، ولكنك كذبتني ولم تحضر. فايد: أرجو المعذرة، كنت عازما على الحضور ولكن خانني الوقت. فلم أكد أفرغ من ترتيب أموري مع الكاتب والخدم أثناء غيابي عنكم حتى كان الليل قد انتصف. مختار: كنت أظنك مغتبطا بصداقة حكمت هانم التي رحبت بك وخصتك بكثير من عطفها، وكانت دائما تدعوك إلى سهراتها البديعة البهيجة. كنت أظنك مثلي قد بلغ بك الإخلاص في الود إلى درجة لا تستطيع معها فراقها، ولكن يظهر أن قلبك لم يقدر صداقتها كما يقدرها قلبي، لذلك سمح لك أن تسافر وتحرم رؤيتها شهورا عدة، بينما لا يمكن لقلبي أن يسمح لي أن احرم منها يوما واحدا. ولكن لا بأس في ذلك، فلكل منا ميله وشعوره، وكل ما ألومك عليه أنك لم تحضر عندها ليلة أمس ولم تستأذن منها في السفر. لا تؤاخذني يا فايد بك. أنا الذي عرفتك بها وقدمتك اليها كولدي العزيز وأنت تعلم مكانتها عندي. فايد: إني آسف اشد الأسف لأني لم أتمكن من الذهاب اليها ليلة أمس وتوديعها وشكرها

стр. 2050

على ما غمرتني به من عطف، وسأمر اليوم في طريقي إلى المحطة وأترك لها بطاقة اذكر فيها أسفي وشكري ووداعي. مختار: هذا حسن، ولكن الأحسن منه أن تذهب اليها بعد نصف ساعة. لأنها ستنتظرني للشاي في الساعة الخامسة والنصف والسعة الآن الخامسة: فتعال بعد نصف ساعة نشرب الشاي معها ثم تستأذنها في السفر وتنصرف. لديك من الوقت متسع، فان القطار الذي سيقلك إلى الإسكندرية يتحرك في تمام الساعة السابعة. فايد: أسفي لا يقدر! لأني في انتظار من لابد لي من مقابلتهم قبل سفري. أرجو أن تشرح لها عذري، وان تحتفظ لي بصداقتها التي لها عندي أرفع منزلة. وإن وجدت بعد عودتي أن مكانتي عندها لم تتغير، أعدك إني حينئذ أبذل قصارى جهدي لأكسب عطفها ورضاها. مختار: ليكن، سأجتهد في فعل ما تريد. إحسان: تصريحك يا مختار بك بأن لابد لك أن تراها كل يوم يبرهن على أن لصداقتها مكانة رفيعة عندك. مختار: صداقتها هي غاية حياتي، هي قوتي، هي هنائي. نتقابل كل يوم اما للغداء أو للشاي. هذا إذا لم أقض سهرتي في مجلسها السعيد. إحسان: أقديمة معرفتك بها؟ مختار: عرفتها منذ خمسة أعوام عندما تزوج منها صديقي المرحوم رجب باشا، فاستولت على قلبي بصراحتها وسامي عواطفها. فلما توفي الباشا زوجها شاركتها في أحزانها، وبذلت جهدي في التخفيف من آلامها. ودأبت على خدمتها في خضوع وإخلاص حتى اتخذتني صديقا لها وكشفت لي عن قلبها فرأيت العفة والكمال والطيبة وحسن الخصال والعطف والحنان، والآن مضى على عامان وأنا سعيد بصداقتها واثق من إخلاصها ووفائها. إحسان: إلا ترغب هي في الزواج؟ مختار: كلا. وقد صرحت لي انها ستبقى وفية لذكرى من أحبته وأحبها ولن يكون لها زوج غيره. إحسان: إذن لابد لها من عشيق تهواه.

стр. 2051

مختار: ما هذا الكلام؟! حكمت هانم يكون لها عشيق؟! هي مثال العفة والفضيلة؟!. . . إحسان: لكنها يا بك في عنفوان الشباب وكمال الصحة. وللحب على الشباب نفوذ، كما أن للطبيعة على الصحة سلطانا. مختار: الصداقة عندها قهرت الحب، والعفة تغلبت على الطبيعة. فايد: إحسان يجهل قوة الصداقة وسلطانها على القلوب. أنه فتى مادي، فلا تتعب نفسك معه. إحسان: على كل حال لا يستطيع مختار بك أن ينكر انها ذات دلال. وإني وإن لم أكن من أخصائها لي بها معرفة، وقد سبق أن زرتها ورأيت بعيني دلالها. مختار: لا أنكر انها ذات دلال، ولكن دلالها حلو: دلال كله طيبة، دلال خلا من المكر والخداع. دلال النساء قوامه الدهاء عادة، دلال يخفي أغراضاً مقصودة، دلال أثيم، دلال مصطنع؛ اما دلال حكمت هانم فقوامه الصراحة، لا غرض له سوى ملاطفة الأخصاء. دلال بريء، دلال طبيعي. خلقت ذات دلال فلا يجوز لإنسان أن يلومها على دلالها، كما لا يجوز له أن يلوم وردة على عطرها. إحسان: أن إعجابك بها لا حد له، لكن أصغ لي. كل فتاة في مثل جمالها ودلالها لابد أن يكون لها عشاق كثيرون، فكيف تعتقد انها بغير عاشق؟. مختار: قد يكون لها عشاق، لكني واثق من انها لم تعشق أحداً منهم. الا تعلم يا إحسان بك أن ذوات الدلال لا يفرطن في عفتهن مطلقا. وأن كل واحدة منهن تسعى بدلالها وراء غرض واحد، هو أن تحوز الإعجاب وتستثير الرغبة. لذلك لا تجود حتى بقبلة واحدة لتبقى دائما موضع الإعجاب ومثار الرغبة. إحسان: نظريتك غريبة أتحرم نفسها الحب لتبقى مرغوبا فيها؟ مختار: شاءت المقادير أن تتكلم ذوات الدلال على عتبة الحب والباب المغلق! إحسان: وان فتح الباب؟ مختار: لا يفتح لهن أبدا! إحسان: لنفرض انه فتح مختار: تكون معجزة

стр. 2052

إحسان: فلتكن. ألا تعلم يا مختار بك أن الحب قادر على هذه المعجزة؟ الحب هو الذي يشفيها من الدلال. مختار: سبحان الله يا إحسان بك! قلتلك إنها لا تحب ولن تحب، وستبقى وفية لذكرى زوجها الذي أحبته، إني أكثر علما بها وبعواطفها منك ومن كل الناس. لقد استعاضت عن الحب بالصداقة، ووجدت خلا وفيا وصديقا صدوقا. يا للساعات السعيدة التي نقضيها معاً!! ساعات تتجلى فيها الصداقة بأعلى واجمل معانيها. ذكاؤها وسرعة خاطرها لا يعادلان جمالها ودلالها، حديثها ينم عن طيبة قلبها ووفائها، ولصوتها رنات عذبة هي أشبه بنغمات روحانية تبعث الأمل في الفؤاد. إذا تحاورنا تتم فكرتي بنفس الألفاظ التي تحوم حول شفتي، أو تجيبني بما يولد في نفسي طائفة من الأفكار الطريفة. نصف كلمة منها تنبئني أكثر من جملة من غيرها، لأننا تعودنا أن نفكر معا. تعلم كل ما يجيش بصدري من شعور. وأدرك كل ما يتخلل نفسها من إرادة. نحن مخلوقان يتمم كل منا الأخر. إحسان: لا نزاع في ذلك. صداقتكما لا ينكرها إلا مكابر. فايد: ولا نزاع في أن الصداقة عاطفة اثبت من الحب، لأنها ترتكز على أنقى ما في النفس على الجزء الروحاني منها. مختار: (وقد نظر إلى ساعته): أزف الوقت. اسمح لي يا فايد بك. أريد أن اذهب إلى مكتبة سكر لاشتري كتابا طلبته مني حكمت هانم ثم آخذه معي اليها. سأحضر إلى المحطة هذا المساء لوداعك. فايد: (وهو يشيعه إلى الباب). لا تكلف نفسك. أرجوك مختار: لا. . . . هذا واجب. إحسان: (وقد لحق بمختار ومد له يده). إلى الملتقى مختار: (وقد اخذ يده) إلى الملتقى. (ثم يحيي إحسان قائلا: إلى هذا المساء. . . (يخرج) المنظر الثاني فايد، إحسان إحسان: يا له من غبي! غبي تماما سابح في خياله، غارق في أحلامه

стр. 2053

فايد: ما لك وما له؟ دعه في اعتقاده. صداقة حكمت هي نبراس حياته. في سنه تلعب الصداقة دورا هاما. إحسان: دورا يعمي! النهاية، دعنا منه. . بلغني انك غاضبتها. أصحيح؟ فايد: غاضبت من؟ إحسان: غاضبت الحبيبة المحبوبة، غاضبت حكمت هانم. فايد: كيف علمت ذلك؟ إحسان: كل القاهرة تعلم ذلك. كل القاهرة إلا واحدا. . . سعادته. (وهو يشير إلى الباب الذي خرج منه مختار) فايد: كل القاهرة؟ اشكرها على اهتمامها بشأني. آه! فهمت الآن لماذا أتيت. جئت تدرس نفسي لترى وقع الألم عليها. لكن يا عزيزي، صدقني إني لا أتألم. لا أتألم الآن. ربما تألمت غدا. وربما بعد ساعة، لكن الآن لا اشعر بأقل ألم. بلغ ذلك من فضلك كل القاهرة. إحسان: يصل!. . . فايد: بل إني أشعر بسعادة. نعم إني لسعيد الآن. حريتي ردت إلى. أصبحت طليقا اذهب حيث أشاء متى أشاء ومع من أشاء. أصبحت غير مضطر إلى تقديم بيان عن جميع حركاتي وسكناتي يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة غير مقيد بموعد لا يمكنني أن اخلفه ولا أن أتأخر عنه، لا. . . لا. . . كنت مستعبدا!. . . إحسان: ضعفك أمامها هو الذي مهد لها سبيل التسلط عليك، أين ذهبت قوة إرادتك؟ فايد: ألمن يحب قوة ارادة؟ لابد انك أحببت يا إحسان وتعلم. . . إحسان: أحببت مرة واحدة. كنت في الخامسة عشرة من عمري. والتي أحببتها كانت خادمة في بيتنا تدعى خضرة. عيناها الناعستان سحرتا فؤادي. خصرها النحيل أطار لبي، فأصبحت طوع أمرها، تسلطت علي ففقدت إرادتي. صدقت يا فايد! يستحيل على من أحب ان يعصي لحبيبته أمراً. لكني كنت في دور المراهقة، ومنذ أصبحت رجلا لم أحب مطلقا. فايد: ذلك من حسن حظك. إحسان: ربما! لكني على كل حال لست فارغا للحب. . . مثلك. إني اهتم كثيرا بالعلوم والفنون الجميلة.

стр. 2054

فايد: الحب علم وفن وله فائدته وجماله. إحسان: أبداً لا فائدة من الحب ولا جمال، اللهم إلا إذا اعتبرت الألم فائدة والمنكر جمالاً. فايد: وماذا يدري عن الحب من تنحصر معرفته به في حبه لخادمة؟ مسكين يا إحسان! لم تحب فتاة راقية. لم تحب على الأخص فتاة تبادلك الحب. وإلا لعرفت أن الحب هو هبة النفس كلها. . . كلها. . . بلا ترو ولا تبصر. هو اندماج تام لنفسين. هو ائتلاف كامل لقلبين. هو صلة بديعة عذبة تمزج بين روحين وتشرق عليهما لا يفصلهما شيء مطلقا. إحسان: كيف؟ والشرائع والعادات؟ فايد: الحب يثور على كل شيء. ينسف كل شيء كما يغفر كل شيء. إحسان: والضمير والواجب؟ فايد: من أحب لا يعقل إحسان: هذه فوضى. فايد: هذا هو الحب (يدخل الخادم من الباب الذي إلى اليسار قائلا:) الخادم: وضعت الملابس جميعها. ليتفضل سيدي فيختار أربطة الرقبة والمناديل ما شاء. فايد: انتظرني من فضلك يا إحسان. سأعود اليك بعد قليل إحسان: وهو كذلك. (يخرج فايد من الباب الذي إلى اليسار ويتبعه الخادم)

стр. 2055

العالم المسرحي والسينمائي فلم (الوردة البيضاء) لناقد (الرسالة) الفني - ٢ - أفضنا في الأسبوع الماضي في الحديث عن موسيقى عبد الوهاب في فلمه الأول (الوردة البيضاء) لأنها العماد القوي الذي رفع هذا الصرح الشامخ عاليا وأناله هذه المكانة الرفيعة من النجاح والتقدير. وهذه الألوف التي تزاحمت لمشاهدة الفلم انما جذبتها موسيقى عبد الوهاب وألحانه القوية الفياضة التي يصوغها من روحه فتخرج ملؤها الحياة، تعمر جوانبها، وتفيض في نواحيها، وكأن عبد الوهاب يضع فيها من نفسه ومن حاسته، ويفرض عليك عند سماعها ألوانا شتى من العواطف والاحساسات لا قبل لك بدفعها أو الفرار منها، وانك لتسمع الحان هذا الشاب بقلبك وجوانحك قبل أن تسمعها بأذنك. شغلتنا موسيقى عبد الوهاب إذن عن الحديث في النواحي الأخرى من الفلم، وما ينبغي أن نغمط الممثلين الأكفاء الذين اشتركوا في تمثيل هذا الفلم ما أبدوه من الكفاية في أدوارهم جميعا. ونبدأ بالأستاذ محمد عبد القدوس (خليل أفندي) وكيل الدائرة، فقد كان الممثل الكامل، وليس للناقد عليه من سبيل، إذ أدى دوره على أحسن ما يكون، في بساطة وسهولة ويسر، وفي كثير من الدقة والأمانة للشخصية التي يمثلها، وهو ما اشتهر به عبد القدوس في تمثيله السهل الممتنع. وعبد القدوس لا يمثل، ولكنه يعيش الدور الذي يقوم به. وهذا هو المثل الأعلى لفن التمثيل. والأستاذ سليمان نجيب في دور (إسماعيل بك) والد رجاء كان كثير التوفيق في مشاهده المختلفة، غير أن نزعته المسرحية كانت تبدو واضحة في حركاته وإشاراته وحديثه. ولو حاول قليلا أن يتخلص منها لما كان ما نأخذه عليه. ويبدأ سليمان جملته قوية، في صوت مرتفع واضح، وما يزال يخافت بها حتى يتلاشى صوته في النهاية فلا نسمع الكلمات الأخيرة التي تخرج أشبه ما تكون بالهمس أو المناجاة. وهذا العيب لا يغتفر في المسرح فمن باب أولى في السينما. على أن مظهر سليمان نجيب بقامته المديدة، وطلعته الوضاحة،

стр. 2056

وأناقته المعروفة، مما يكسبه دائما طابعا خاصا يجعله بارزا، ويكسب الشخصية التي يمثلها اهمية خاصة، ويحيطها بجو ملائم لها مما من الترف والنعيم. وسليمان يعد بحق في مرتبة الممثلين المجيدين بين الهواة والمحترفين على السواء. وكم كنت أود أن أراه في موقفه من جلال عندما يطلب منه قطع علاقاته بابنته رجاء، خيرا مما رأيته، وقد كان ذلك في وسعه. وشخصية (شفيق بك) التي مثلها الأستاذ زكي رستم مضطربة بعض الشيء، وأنت لا تستطيع أن تفهمها من سياق القصة تمام الفهم، ويبدو التناقض في تصرفات هذا الشخص وفي أعماله طول الرواية، وتستطيع أن تقول عن شفيق بك انه رجل لا طعم له ولا لون، وهذه الشخصيات التي لا تجد لها معالم أساسية واضحة من الصعب أن تحاسب الممثل على أدائها حسابا دقيقا. على أن زكي رستم استطاع بجهده انه ينقذ بعض المشاهد. وليس الذنب ذنب الممثل إذا كان المؤلف لم يخرج الشخصية واضحة محدودة المعالم والمظاهر. وقد أدى الأستاذ توفيق المردنلي دوره (ناظر العزبة) بتوفيق يغبط عليه، وكان فيه طبيعيا لا تلمح في مشاهده أثراً للتكلف، بل كان صورة صادقة للفلاح المصري الطيب القلب السليم الفطرة الصادق في خدمه مولاه، وبرغم قلة مشاهده استطاع أن يبرز شخصيته ويجعل منها مكانة واضحة. مثلت الآنسة سميرة خلوصي دور (رجاء) وهي المرة الأولى للآنسة التي تظهر فيها على الشاشة، كما أنه لم يسبق لها مران على مهنة التمثيل، وإنها ولا شك خطوة جريئة أن تمثل دورا له هذه الأهمية في الفلم، ولا يكاد يخلو منه مشهد من مشاهده. ولذلك كان التقصير الذي يبدو من الآنسة انما يلام عليه المخرج، وهو في هذه الحالة المسئول الأول عن رجاء، لأنه هنا يعمل في عجينة لدنة يشكلها كيف شاء، ويدربها جهد ما تستطيعه مقدرته، وما تتحمله موهبتها واستعدادها. وقد استطاعت الآنسة سميرة أن تجتاز بعض مشاهد الفلم موفقة، كما بدت في مشاهد اخرى كالطفل الخائف الذي ينفذ أوامر بنصها خوفا من (العلقة) التي تنتظره إذا حاد عن هذه الأوامر قيد شعرة. ولذلك كانت تبدو حركاتها أحياناً وفيها بعض التكلف، وتحس باضطرابها تحت نظرات المخرج الواقف لها بالمرصاد في احدى الزوايا. وبرغم كل هذا نستطيع أن نقول انها نجحت في دورها ووفقت في اداء بعض

стр. 2057

مشاهده توفيقا كبيرا. وفي صوت الآنسة رنة مستحبة، عذبة الوقع في الأذن، ساعدتها كثيرا على أن تجد لها مكانا رفيعا في قلوب النظارة، فكسبت بذلك عطفهم وإعجابهم، وبين الاثنين خطوة قصيرة المدى، وأريد أن أهنئها على ذوقها السليم في اختيار ملابسها التي ظهرت بها في الفلم: كلها أنيقة بديعة التنسيق تناسب جسمها وتلائمه. قامت السيدة دولت بدور زوجة إسماعيل بك والد رجاء. وكان من سوء الحظ ان بدت ممتلئة الجسم إلى درجة كبيرة أضاعت عليها كثيرا من رشاقتها المعروفة، ولم يبذل المخرج جهدا في ملافاة هذا العيب. والسيدة دولت ممثلة معروفة، فلست بحاجة إلى الإفاضة في هذه الناحية، غير إني آخذ عليها أنها أسفت بشخصيتها كثيرا في المشهد الذي تشتم فيه (رجاء) فقد أتت فيه من الحركات ما لا يتفق والاحترام الذي نحمله لشخصية الدور، وما لا ترتجله سيدات الطبقة الراقية مهما كانت الظروف. ولا أنسى الأستاذ ادمون تويما في مشهده القصير الذي قام فيه بتمثيل دور المستأجر الأصم، فقد كان من مشاهد الفلم الموفقة. أخطاء الإخراج كثيرة في الفلم، وعلى الأستاذ محمد كريم أن يتقبل نصيبه من اللوم بشجاعة وسعة صدر، فلا يزال إلى اليوم في خطاه الأولى، ونرجو له إذا تفرغ لدراسة هذا الفن، فن الإخراج السينمائي بنواحيه المختلفة وأبوابه المتعددة، أن يكون في المستقبل أكثر توفيقا وإلماما بعمله. أول ما آخذه على المخرج أن مشاهد (جلال) وخصوصاً الغنائية منها لم تظهر في المستوى الفني الذي كان يجب أن تظهر فيه، وقد حد بذلك من حرية عبد الوهاب ولم يهيئ لبعض أغانيه الجو الذي يلائمها فيزيدها جلالاً وسحراً ويضاعف تأثيرها في النفوس، وشتان بين المشهد الختامي والمشهد الذي يغني فيه عبد الوهاب (جفنه علم الغزل) وبين مشاهد (يا وردة الحب) و (سبع سواقي) ومشهدي التخت. وقطعة النيل كان في مقدور المخرج النابه أن يستفيد مما فيها من حركة وحوار ووصف، وكان يمكنه أن يخرج منها مشهداً رائعاً. فالنيل في ضوء القمر على مقربة من الأهرام، وبعض المراكب الشراعية تسير على مهل، ورجاء وجلال في قارب منها، وفي خلوة رقيقة بين أحضان الطبيعة، هذا وأنغام اللحن الشجي تنساب في مثل رقة النسيم وخرير الماء؛ فأية روعة كانت تكون لهذه القطعة؟ ولكن المخرج حبس جلالاً بين اربعة جدران

стр. 2058

وهو يغني أنشودته الجميلة، ولم يحاول حتى أن يستفيد من وجود (رجاء) في الغرفة المجاورة، فقد كان في وسعه أن يتنقل بين الغرفتين، فنرى جلالاً يغني، ثم نرى (رجاء) مأخوذة بسحر صوته، وتبين على وجهها ملامح الانفعال والنشوة والطرب، مما يكسب القطعة حياة. وأي فارق بين هذا المشهد كما أخرجه كريم وبين أن نسمع هذا اللحن من الحاكي؟! وفي مشهد (يا وردة الحب) اضطر عبد الوهاب أن يقف ويدور، ويجلس تارة على الكرسي، وتارة على المنضدة. وأن يتكلف في الجملة كثيراً من الإشارات والحركات حتى ينتهي من اللحن، كما أن إنشاده لقطعة (سبع سواقي) في مكتب العمل لم يكن طبيعيا مطلقا، وكان يمكن أن يهيأ الجو المناسب للقطعتين. وإني لأعنى اكبر عناية بمشاهد الغناء في الفلم لانها الأساس فيه. ولذلك أطلت الحديث عنها عامدا. وكنت أود أن تكون عناية الأستاذ كريم بها اكبر، وتوفيقه في إبرازها أقوى واظهر. وقد كانت ميداناً صالحاً لإبراز الكفاية والموهبة والذوق الفني للمخرج. ومما يعاب على الفلم القفزات التي فيه من ناحية الحوادث، والتي لم يمهد لها المخرج تمهيدا كافيا، ثم بساطة الإخراج في مجموعه مما يجعله اقرب إلى تسجيل الحوادث على طريقة مخبري الجرائد اليومية منه إلى الإبراز الفني الصحيح الذي يطبع الرواية بطابعه، ويجعل لها قيمة فنية تكسبها ذاتية خاصة. وكان في الوسع الاستغناء عن بعض مشاهد الفلم واختزال البعض الأخر. وكان يفيد ذلك في اضافة مشاهد جديدة تستقيم بها الحادثة، أو إطالة بعض المشاهد الموجودة التي تبدو كأنها مبتورة. ومن المشاهد التي ضاعت تماما وكان يمكن أن تكون من المشاهد الفنية القوية التي لا ينساها المتفرج ابدا، مشهد إسماعيل بك عند زيارته لجلال يطلب منه كوالد قطع صلاته برجاء. ولست أدري كيف غابت أهمية هذا المشهد عن المخرج، مع انه يكاد يكون أهم مشاهد الرواية، وهو نقطة التحول فيها. كان مشهدا فاتراً عليه مسحة التكلف وقد يكتفي مخرج نابه قدير بخلق موقف كهذا في سياق القصة ليبني عليه مجده وشهرته، وليضفي عليه من فنه حياة وقوة، لما فيه من أهمية الحادث وصراع العوامل المختلفة، مما يجد فيه المخرج

стр. 2059

مجالاً لإبراز كفايته. وكان يستطيع المخرج بفنه وبما يظهره في ثنايا المشهد من العراك القوي العنيف بين إسماعيل بك وجلال وما ينتاب كلا منهما من مختلف عوامل النفس، وشتى الانفعالات، واضطراب جلال وألمه الدفين، وقسوة إسماعيل بك وإلحاحه إلى غير ذلك من المواقف التمثيلية التي يخلقها المخرج، كان يستطيع بذلك أن يقوي نقطة الضعف في الرواية من قبول جلال للتضحية دون مسوغ أو مبرر، بل كان يمحوها محوا، ويخلق الرواية خلقا جديدا. ولم يلاحظ المخرج التلاؤم بين الأضواء والأشخاص في بعض مناظر الفلم، كما فاته أن يلائم بين ملابس الممثلين وألوان المنظر والأثاث، كما أن ساعات الليل والنهار امتزجت امتزاجا كبيرا بحيث كان يصعب علينا أحياناً أن نحددها: فترى مثلا ضوء النهار، ثم مصباحا كهربائيا منارا في نفس الوقت. وقس على ذلك كثيرا من الأخطاء المنثورة هنا وهناك، على أن هذا الفلم يعد خيرا من فلمي (زينب) و (أولاد الذوات) اللذين إخرجهما كريم من قبل فلنهنئه إذن.

стр. 2060

الحركة المسرحية والسينمائية في الخارج فينا يعد ماكس رينهاردت من اشهر رجال المسرح في العالم اليوم، وقد عرف بنظرياته الحديثة في الفن والإخراج المسرحي. ووضع احد كبار النقاد كتابا عن فنه ومسرحه يقع في عدة اجزاء، ويعتبر من اهم المراجع في الفن المسرحي الحديث. وكان لرينهاردت مسرحه الخاص في ألمانيا وإلى جانبه مدرسته لتلقى أصول الفنون الجميلة، وشهرتها معروفة في العام اجمع، وقد اضطر إلى هجر عمله في ألمانيا عقب قيام الحركة الهتلرية الأخيرة التي ناصبت اليهود العداء. ورينهاردت يهودي، وهو يقيم الآن في فينا وسيبرحها قريبا إلى باريس للإشراف على إخراج احدى المسرحيات المعروفة. ثم يقصد استكهلم فكوبنهاجن، وسيخرج في كل من المدينتين بعض الروايات المسرحية. وفي مارس القادم سيرجع إلى فينا للعمل في احد مسارحها الكبرى ثم يبرحها إلى أمريكا في رحلة يطوف فيها اشهر مدنها. وقد أرسل اليه السنيور موسوليني ليتفق معه على ان يتولى إخراج رواية (المائة يوم) في أمريكا. وهي الرواية التي كتبها السنيور موسوليني عن نابليون وظهرت في جميع عواصم أوروبا في الشتاء الماضي وتدور المفاوضات مع رينهاردت، على أن يتولى إخراج رواية (المحراث والنجوم) للكاتب المعروف سان أوكنزي في كوبنهاجن في موسم الشتاء الحالي. ميلان وضع رينالتو ليللي من الكتاب المعروفين في إيطاليا درامه غنائية، تدور حوادثها حول حياة ريشارد وجنر الموسيقار الشهير. وقد اقتبس لها كثيرا من الحان وجنر في أوبراته المعروفة. دون كيشوت تعد قصة (دون كيشوت) لسرفانتس الكاتب الأسباني الشهير من احسن القطع الأدبية المعروفة، ولها شهرتها ومكانتها في العالم اجمع، وقد ترجمت إلى جميع اللغات وأخرجت في العام الماضي على الستار الفضي، ومثل فيها شاليابين المغني الروسي الشهير (دون

стр. 2061

كيشوت) وعمل من الفلم عدة نسخ بلغات مختلفة. ولقي نجاحا كبيرا عند عرضه في عواصم أوربا، غير ان النقاد في لندن اختلفوا في الحكم عليه، فناقد السنداي اكسبريس يرى ان الفلم ليست له قيمة فنية. ويقول سيدني كارول من النقاد المعروفين في سنداي تيمس انه ممل، وان المخرج فشل في اخراجه، بينما يعده ناقد نيوز كرونكل من احسن الأفلام العظيمة التي أخرجت على الشاشة. وقال بعض النقاد ان هذه القصة لا تصلح للعرض على الشاشة، لان قوتها وبلاغتها في اسلوب الكاتب وفي دقة وصفه، وهو ما لا تستطيع السينما ان تنجح في إخراجه. لندن تعمل الآن على مسرح (دوق أوف يورك) فرقة من الممثلين الألمان اليهود من اللذين طردوا من ألمانيا عقب قيام حركة هتلر الأخيرة، وتعرض الفرقة اشهر روايات شيلر وزدرمان المؤلفين الألمانيين الشهيرين، وقد اهتم النقاد الإنجليز بالكتابة عن هذه الفرقة وعن رواياتها. ونالت حفلاتها كثيرا من النجاح. هوليود يخرج الآن في هوليود فلم بطله الهر هتلر رئيس الحكومة الألمانية وزعيم حزب النازي. وقد أطلق على الفلم اسم (كلب أوربا المجنون) ويمثل دور البطل فيه شخص لم يسبق ظهوره على الشاشة الفضية ويشبه الهر هتلر تمام الشبه.

стр. 2062

الكتب على هامش السيرة تأليف الدكتور طه حسين للدكتور محمد عوض محمد إذا ذكرت كلمة (السيرة) في هذه الأقطار الفسيحة التي يظلها الإسلام، فإنها لن تنصرف إلا إلى معنى واحد، إلى سيرة واحدة: هي سيرة محمد بن عبد الله. . وهيهات أن يكون في الدهر كله سيرة أطيب نشرا وأعذب ذكراً من سيرة هذا النبي الأمي، الذي نشأ وسط الصحراء المقفرة المظلمة فلم يلبث أن ملأ العالم خصبا ونورا. وإني إذ اجلس لأقول كلمتي الضعيفة في هذا الكتاب الذي بين يدي تعود إلى خاطري ذكرى عهد بعيد، حين كنت اطلب العلم في مدرسة المعلمين، وكنت اكثر من الاختلاف إلى دار الكتب المصرية؛ حيث اعتكف على مطالعة الأسفار التي لها صلة بسيرة هذا النبي الكريم. وكنت اكثر على الخصوص، من مطالعة ما كتبه المستشرقون عن الإسلام، وعن الرسول ﵇. فكنت أحياناً أجد ما يطفئ الغلة، وتبرق له الأسارير، وينشرح له الصدر. فانطلق إلى الدار راضيا، تملأ قلبي الغبطة والسرور. وأحياناً كنت (يا للأسف!) أقرأ ما يبعث في القلب حنقا وكمدا، فانصرف إلى منزلي حزينا كئيبا مكلوم الفؤاد. ولست ادري تماما ما الذي كان يجذبني إلى كتب المستشرقين في تلك السنين، مع انها كتبت في لغة غير لغتي، وكنت أجد في مطالعتها عسرا ومشقة. . . لعلي كنت اقبل عليها اذ يشوقني الإنصات إلى شهادة غير المسلمين بفضل الإسلام، لكني كنت ارجح الآن هناك سبباً آخر أدق وأخفى، وهو إني كنت التمس سيرة محمد بن عبد الله في تلك الكتب غير العربية لان ما كتب فيها (على علاته) سهل التناول، منسق الوضع، ولهذا لم تنته أيام دراستي في ذلك العهد حتى طالعت، مثلا، مؤلفات السيد أمير علي الإنكليزية ولم استطع أن اقرأ جزءاً واحداً من سيرة ابن هشام. وكان اكبر ما ينفرني من هذه الكتب القديمة ذلك الإكثار من الأسانيد، وإدخال الحديث في الحديث، بحيث يختلط الكلام على غير من تعود مطالعة هذه الأسفار.

стр. 2063

ولقد شكوت إلى الأستاذ طه حسين إني بت مضطرا، قبل ان ابدي رأياً في كتابه الجديد، إلى مطالعة هذه الأسفار القديمة وإني ساعياً بكل هذه الأسانيد الطويلة العريضة، وهذه الأخبار المتداخل بعضها في بعض. وما أظن دراستي القاصرة ستساعدني على تذوقها والاستمتاع بها. فقال الأستاذ: إن ألذ شيء عندي في كل ما أطالع واقرأ هو هذه الأسانيد التي تنفر منها. وليس شيء احب إلي من أن أنصت إلى الخبر أو الحديث وأتتبعه من أول الرواية إلى أخرها. فعجبت أولاً كيف يتسنى لإنسان ذي ذوق سليم أن تحلو له قراءة العنعنات التي لا تكاد تنتهي. لكني لم البث أن أفهمت أن المرء متى عرف الرواة جميعا وعلم من أمر كل منهم شيئاً، فان هذه الأسماء تصبح مجرد أسماء، بل أشخاصاً تعرفهم يتحدثون اليك، وتعلم أيهم تستطيع أن تركن إلى كلامه وروايته. وبعد ان شرح لي الأستاذ هذا الأمر الذي أشكل علي، تبينت، أو على الأقل ثبت لدي ما كنت أتوهمه من أمره وما أكاد أثبته، ان ثقافة الدكتور طه حسين الحقيقية هي ثقافة أزهرية متينة قوية الأسس، ضخمة الدعائم، وطيدة الأركان. وان ليست ثقافته الغربية، التي نسمع عنها الشيء الكثير، إلا رواء وطلاء أن بهر العين منظره فانه لا يذهب إلى غور بعيد. وقديما قال نابليون في الروس: انك إذا حككت الروسي بدا لك التتري، وفي وسعنا أيضا ان نقول إذا حككت طه حسين، برفق، بدا لك الأزهري القح الصميم بكل ما تحمله هذه الكلمة من فضل وعلم. وقد استطاع طه حسين (على غير عمد) ان يصرف الناس عن حقيقة أمره بحديثه عن اليونان والرومان والسكسون واللاتين، واثارته هذه الزوابع التي برع في إثارتها أثناء كلامه عن اشخاص مثل ديكارت وليبنتز وبودلير، وعن التجديد، وما أدراك ما التجديد. فلعل أصدقاء طه حسين ان يحمدوا للشخص الضعيف كاتب هذه السطور أن كشف لهم أمر صديقهم ما خفي طوال هذه السنين. وبعد، فان بين يدي كتاباً ليس موضوعه جديداً على قراء هذه الصحيفة. فان الفصول الثلاثة الأولى قد ولدت مع الرسالة، وظهرت في إعدادها الأولى، واعرف ان الكثير من

стр. 2064

قرائها قد راقهم من الموضوع جدته وطرافته، ولست اشك في ان يهم شوقا للاستزادة من تلك الفصول. فها هو قد أتمها اربعة عشر فصلا، وما ظن، وما أرجو، أن سيقف بها عند هذا الحد. ان كتب الدكتور طه حسين من صنفين: الأول كتب أدبية بحتة والثاني كتب في نقد الأدب وفي تاريخه. وهو نفسه ينعت هذين النوعين بالأدب الإنشائي والأدب الوصفي، ويمثل الأول كاتب مثل شكسبير، ويمثل الثاني كاتب مثل سنت بوف. وأولى بنا أن ندعو النوع الأول بالأدب؛ والثاني بالنقد والضرب الأول هو الأسمى والأشرف، وكثير من الناس يستطيع أن يستحسن أو يستهجن وأن يبحث ويقرر. أما الابتداع فلم يتح إلا لقليل من الناس. ولقد حاول سنت بوف أن يكون شاعرا فلم يأت بعظيم، فانقلب إلى النقد ولسان حاله يقول: من استطاع فليكتب، ومن لم يستطع فلينتقد! في هذه العبارات شيء من التحامل على الناقدين، وقد أوردناها على هذه الصورة عمدا لأننا نريد أن نتحامل على طه حسين الكاتب الناقد، وأن ننتصف منه لطه حسين المؤلف الأديب. فقد رأينا في الأستاذ أحياناً ولعاً بالانصراف إلى النقد وإلى المؤلفات النقدية مثل حديث الأربعاء وحافظ وشوقي والأدب الجاهلي. ولقد تعجبه هذه الضجة التي تبعثها كتاباته، ويغتبط بهذا العثير الذي يثيره في الفضاء ويملأ به الجو حيناً من الزمان. والحقيقة التي نرجو أن يدركها الأستاذ قبل فوات الأوان هي أن الصفحة الواحدة من كتاب (الأيام) أبقى على الزمن من كتاب الأدب الجاهلي كله. ليس لطه حسين إذن في الأدب البحت سوى كتب ثلاثة: (الأيام) و (في الصيف) و (على هامش السيرة) الذي بين أيدينا. ويمتاز هذا الكتاب الجديد من سابقيه بأن المؤلف لم يلجأ هنا إلى حوادث حياته الخاصة، بل انصرف إلى الأخبار القديمة، فالتمس وحيه بين صفحاتها. . والذي يدهش له القارئ أن يرجع إلى تلك الكتب القديمة ثم يعود إلى (هامش السيرة) فيرى امامه شيئا مبتدعا مخترعا، وجدة جذابة، وطراقة معجبة. ومع هذا كله لا يرى خروجا عن الأصول التي استوحاها المؤلف واستلهمها. اعتمد طه حسين على الكتب القديمة كما اعتمد شكسبير على قصص فلوطرخوس وأمثاله،

стр. 2065

وشتان بين السبيل التي سلكها شكسبير وبين الأصل الذي استرشد به. . وكذلك كان طه حسين يتناول الحادث الذي يمر به قارئ السيرة عجلا، دون ان يلفت نظره منه شيء، يتناوله ثم يأخذ في تصويره وتحليله وإبرازه وإظهاره وتقليبه على نواحيه، حتى يثب امام العين وثوبا، ويبدو ما في الحادث البسيط من حكمة وشعر، ومن قوة وسحر. واكبر شيء ساعد طه على تأليف كتابه هذا مقدرته على تبين الموقف الذي ينطوي على شيء كثير من الحكمة ومن الشعر، فيختار هذا الموقف ثم لا يزال به بصقله ويجلوه حتى يبديه للعين رائعا مجسما ملموسا. وقد خدمه التوفيق في الكتاب كله، فان الفصول، وان تفاوتت أحياناً، فإنها جميعا تشهد بحسن الاختيار، والإبداع في التصوير. وقد أصبحت أشخاص هذا الحديث، وليست أسماء مجرة وألفاظاً مسطورة؛ بل كائنات حية بارزة نكاد ان نحسها ونراها تتحرك بين أي أيدينا: وقد أبدع طه أيما إبداع في وصف شخصية عبد لمطلب ووصف حياته منذ أن اخذ في حفر زمزم، إلى التقائه بابرهة الأشرم، إلى رقاده رقدة الموت بين الأبناء والأحفاد. يصف طه هذا كله فنرى الصور امام أعيننا ماثلة قوية لا لبس فيها ولا إيهام. في الكتاب الشيء الكثير الذي يستثير الإعجاب ولكن اكبر ما يعجبنا فيه هذا الإبداع في تصوير الأشخاص عامة وشخص عبد المطلب خاصة، ثم هذه الحياة التي تنتظم المناظر والمواقف، بحيث يرى القارئ نفسه وقد نقل نقلا إلى ذلك الزمن وتلك الأمكنة. وقف المؤلف في هذا الكتاب على (هامش) السيرة. لم يقف في وسطها ولا بعيدا عنها بل على هامشها. وقد كان من حسن التوفيق أن اختار هذا الموقف الذي مكنه من أن يبتعد عن السيرة أحياناً إذا دعا إلى ذلك داع: ثم يعود اليها بعد أن يطوف بالأفاق، معرجا على بلاد الروم والأحباش واليمن. وقد اضطر إلى أن يبتعد عن السيرة قليلا لكي يشرح لنا ماذا دعا ابرهة الأشرم إلى الإغارة على البيت الحرام في العام الذي قدر للعالم فيه أن يستقبل اكرم أبنائه وأشرفهم. فلقد جاء ابرهة من الحبشة إلى اليمن لكي يؤدب يهود اليمن على اضطهادهم للمسيحيين اللذين استوطنوا بعض جهاتها. . . وهذا كله اضطر المؤلف إلى أن يرينا كيف حلت اليهودية محل الوثنية، وكيف انتقلت اليهودية إلى بعض نواحي جزيرة العرب وكيف حملها (تبع) ملك اليمن وإلى صنعاء إلى اليمن. ثم كيف اخذت النصرانية

стр. 2066

تنتشر وسط الاضطهاد والمذابح، في مختلف الأنحاء: في مصر وبلاد الحبشة وفي نجران من بلاد اليمن. وكيف قام يهود اليمن فذبحوا نصارى نجران. وجاء الأحباش إلى اليمن ليثأروا من اليهود. وكيف بقى ابرهة الحبشي حاكما على اليمن، ثم حاول أن ينشر النصرانية فيها وفيما جاورها من الأقطار. وهكذا اقبل على الحجاز بجيشه وفيلته. وأراد أن يدمر الكعبة فرده الله ودمره هو وجنوده. وفي تلك السنة ولد الصبي اليتيم محمد بن عبد الله. كان لابد للمؤلف أن يبتعد عن السيرة قليلا، لكي يشرح لنا كل هذه الحوادث، واضطر لان يقوم بهذا الشرح في خمسة فصول (من السادس إلى العاشر)، تحس أثناء قراءتها أن المؤلف يكتب في شيء من السرعة والإيجاز، كأنما يخشى أن يطول غيابه عن مكة وأهلها، وعن السيرة وما يحيط بها. فهو يريد أن يسرع بالعودة اليها. وهو لهذا إلى أن مضطر يلخص الحوادث، على خطورتها (تلخيصا) ويكتفي في بعض المواضع بأن يلم بها إلماما. ولقد هممت بأن أؤاخذه على هذا لولا أني ذكرت أن المقام لا يحتمل الإطناب، وأن الإسراف في نقش الإطار يحجب جمال الصورة ويضعف تأثيرها. برغم ذلك كله فأن في هذا الوصف العجل للحالة الروحية في الشرق قطعا هي آية في دقة الخيال والتصوير. وإن كان لابد من الاستشهاد فلنذكر للقارئ على سبيل التمثيل تلك القطعة التي يعرض علينا فيها آلهة اليونان فيرينا أوبولو والمريخ وأرتيمس وأثينا، وقد اجتمعوا لينظروا فيما عساهم يفعلون؛ فلم يلبثوا أن أجمعوا أمرهم على أن يرحلوا عن الديار التي سادوا فيها زمنا طويلا، وتحكموا في أهلها قرونا، وقد آن لهم أن يتراجعوا أمام هذه الآيات السماوية الجديدة التي محتهم ونسخت دينهم. بمثل هذا الحوار الشعري الجميل يصف لنا المؤلف كيف زالت الوثنية اليونانية وحلت محلها اليهودية والنصرانية. وهذه القطعة وحدها تشهد بأن المؤلف قد رزق النصيب الأوفر من خصوبة الخيال، والمقدرة على إلباس الحادث العادي ثوباً شعرياً رائعاً. وهناك فائدة أخرى استفادها المؤلف في موقفه (على الهامش) ذلك أنه استطاع إلا يتقيد بالترتيب الزمني للحوادث؛ فإذا بدا له أن يسهب في وصف شخصية راقته وأعجبته اندفع في وصفها إلى النهاية، لا يلفته عن ذلك حادث أو خطب. فقد اعجب، مثلا، وحق له ان

стр. 2067

يعجب، بشخصية أم أوفى حاضنة النبي، فلم يزل يصف حياتها منذ ولادة محمد بن عبد الله إلى أن شهدت عهد أبي بكر وعمر وعثمان، ثم يعود بعد ذلك إلى حديث الرضاعة ووفاة عبد المطلب. وهذه الخطة التي الزم بها المؤلف نفسه قد تبدو غريبة وربما اعترض عليها بانها تدفع بالقارئ من أول السيرة إلى عصر الخلفاء الراشدين ثم تعود به مرة اخرى إلى بدء السيرة. ولا تزال بالقارئ هكذا ذهابا وإياباً، ومع أن لهذا النقد وجاهته التي لاشك فيها، فان للمؤلف عذره بان الذي يريد ان يكتبه ليس حديث السيرة بالذات بل دراسات مستقل بعضها عن بعض، وفي وسع القارئ أحياناً أن يطالع الفصل متقطعا من الكتاب فلا يكاد يفتقر إلى ما سبقه. بقيت كلمة لا بد منها عن أسلوب الكاتب، أي عن طريق الأداء عن المعاني والإبانة عما في صدر المؤلف. ان لطه حسين من السيطرة على اللغة العربية التي لا تضارعها لغة في قوتها وفصاحتها، كما لا تضارعها لغة في شدتها ومنعتها، أن لطه حسين من السيطرة على هذه اللغة وعباراتها المتينة الرصينة ما لا يعرفه إلا اللذين عاشروه من كثب وراقبوه وهو يعمل في قوة ونشاط. ومتى وفق إلى اختيار الموضوع الذي يرضاه؛ وهداه خياله الواسع إلى طريقة معالجته، فقد هان الأمر وسهل كل شيء ومضى في الإملاء كما يتدفق النهر الجاري. غير إننا إذا كنا نشكو شيئا فأنا نشكو هذه القوة بعينها. وهذه السيطرة التي تطغى أحياناً فتدفع بالكاتب إلى التعسف، وإلى الابتعاد عن الطريق التي يسلكها الناس جميعا، انظر اليه مثلا اذ يحدثك عن الدمع الذي يتساقط غزيرا من العينين فيقول لك أنها دموع غلاظ. ويكفي أن يعلم طه ان الناس جميعا يقولون دموع غزار، لكي يقول هو دموع غلاظ. هذا الشيء، والقليل مثله مما قد يصادفنا في الكتاب، سنة من سنن القوة والسلطان رأيناها من قبل في مثل ابي تمام وابي الطيب المتنبي الذي كان يتعمد قول الشيء الغريب النافر ولأنه قوي ولأنه مدل بقوته، ولأنه لا يبالي بالأرض ومن عليها. وما احسن المثل العامي الشهير (العافية هبله!). على أن المؤلف في هذا الكتاب قد أدى معانيه بلغة فيها بلاغة وإبداع يفوقان حتى الذي

стр. 2068

ألفناه منه وتعودناه. والسبب في هذه الإجادة سهل إيضاحه: فأن الموضوع الذي يعالجه هنا موضوع عربي صميم، والبيئة عربية خالصة. والمتكلمون من قريش وغير قريش من الناطقين بالضاد. وهذا كله قد أتاح للمؤلف فرصة لأن يتدفق نهره العربي الفصيح الذي لا تشوبه عجمة اللاتين ولا التواء السكسون. فانطلقت سليقته العربية حرة طليقة واكبر الظن أنه هو ليس مدركا لهذا الأمر. ومع ذلك فأن في الكتاب قطعا قد بلغت في الأسلوب الشعري منزلة يصعب أن نجد لها ضريباً. حقيقة أن أمثال تلك القطع ليس في كل مكان من الكتاب، ولكنها في كثير من المواضع، بحيث يصبح من العبث أن نستشهد هنا بقطعة أو قطعتين. ولابد للقارئ من الرجوع إلى الكتاب كله. ولابد له من قراءته في تأمل وتمهل وتذوق لهذه الفصول الرائقة التي يسمو فيها النثر حتى يضاهي الشعر، ويؤثر في النفس تأثيراً شعريا خالصا. وللمؤلف شغف بالوضوح والبيان، فهو لا يحاول أن يستر معنى ولا فكرة بستار أو غشاء. وما حاجة الوجه الجميل إلى الستر؟ فهو ليس من عشاق الغموض، بل انه ليسرف في حبه للوضوح والجلاء إسرافا، ولهذا نراه يكثر من هذا التكرار الذي يعرفه قراؤه دون أن يدركوا له سرا. بل ربما لم يدرك هو نفسه سر هذا التكرار. وقد يعده الناس من ضرورات النثر المنسجم ولهم في هذا بعض الحق؛ ولكن أكبر الحق في هذا أن الذي يدفعه إلى تكرار لفظ من آن لآن هو رغبته في أن يفهم عنه ما يقول من غير لبس ولا إبهام. والآن، وقد أوشك هذا النقد أن يختم، يتردد في النفس سؤال: سؤال من ذلك الطراز الذي يدفعنا اليه الفضول الأدبي. وهو من أي انواع الأدب هذا الكتاب الذي بين أيدينا؟ اهو رواية قصصية تاريخية؟ اهو من نوع المقامات أم مجرد مقالات؟ ولست ادري ما ولع النقد بتصنيف كل شيء وتسمية كل أثر؟ ولئن كانت الفاكهة لذيذة شهية، فهل يضرنا أن نجهل اسمها؟ أن الفكر البشري ما برح مولعا بأن ينسج على غير منوال. لكن إذا اجتهدنا أن نجد لهذا المؤلف شبيها بين المؤلفات، فلعل اقرب شيء يشبهه هو تلك الملاحم التي تصف العصور الغابرة، وتجمع بين القوة والإعجاز.

стр. 2069

العدد ٢٥ - بتاريخ: ٢٥ - ١٢ - ١٩٣٣

стр. 2070

رمضان نعم رمضان! ولا بد من رمضان بعد أحد عشر شهراً قضاها المرء في جهاد العيش، مستكلِب النفس، مستأسِد الهوى، متنمر الشهوة، ليوقظ رواقد الخير في قلبه، ويرهف أحاسيس البِر في شعوره، ويُرجع روحه إلى منبعها الأزلي الأقدس فتبرأ من أوزار الحياة، وتطهر من أوضار المادة، وتتزود من قوى الجمال والحق ما يُمسكها العامَ كله على فتنة الدنيا ومحنة الناس. فرمضان رياضة للنفس بالتجرد، وثقافة للروح بالتأمل، وتوثيق لما وَهى بين القلب والدين، وتقريب لما بعد بين الرأفة والمسكين، وتأليف لما نفر من الشمل الجميع، وتنديةٌ لما يبس من الرحم القريبة، ونفحة من نفحات السماء تفعِم دنيا المسلمين بعبير الخلد وأنفاس الملائكة! ورمضان كله عيد وطني شامل، تفيض بالسرور أنهاره، وتغرق في النور لياليه، وتفتَرُ بالأنس مجالسه. فالرجال يحيون أماسيه في محافل القرآن أو منازل اللهو النزيهة، والنساء يوزعن الوداد والأنس على الأبهاء الكثيرة، والأطفال الهازجون يزينون الطرقات بفوانيسهم الملونة الصغيرة، والبيوت الباقية على العهد تتقرب إلى الله بالذكر والصدقات، والمساجد المقفرة طول العام تعج بالوعظ والصلوات، والمآذن الحالية بالمصابيح، الشادية بالتسابيح، ترسل في أعماق الأبد نور الله وكلمته! وكل شيء في رمضان جذلان مغتبط، ما عدا الرومي في الحان، والشيطان في كل مكان! ورمضان مظهر قومي رائع، يعيد إلى القاهرة عز القرون المواضي، فيصبغ لونها الاوربي الحائل بصبغة الشرق الجميلة، ويرفع صوتها الخافت بشعائر الصوم الجليلة، ويبرز شخصيتها الضائعة في زحمة الاجانب بالمظاهر الرسمية للحكومة، والتقاليد العرفية للشعب. وما أروع القاهرة في سكتتها عند الإفطار، وجلبتها عند السحور، وهزتها ساعة انطلاق المدفع! ورمضان بعد ذلك كله رباط اجتماعي وثيق، يؤكد أسباب المودة بين أعضاء الأسرة بالتواصل والتعاطف، وبين أفراد الأمة بالتزاور والتآلف، وبين أهل الملة بذلك الشعور السامي الذي يغمرهم في جميع بقاع الأرض بأنهم يسيرون إلى غاية الوجود قافلة واحدة، ممتزجة الروح، متحدة العقيدة، متفقة الفكرة، متشابهة النظام، متماثلة المعيشة.
следующие страницы →