← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

تنتشر وسط الاضطهاد والمذابح، في مختلف الأنحاء: في مصر وبلاد الحبشة وفي نجران من بلاد اليمن. وكيف قام يهود اليمن فذبحوا نصارى نجران. وجاء الأحباش إلى اليمن ليثأروا من اليهود. وكيف بقى ابرهة الحبشي حاكما على اليمن، ثم حاول أن ينشر النصرانية فيها وفيما جاورها من الأقطار. وهكذا اقبل على الحجاز بجيشه وفيلته. وأراد أن يدمر الكعبة فرده الله ودمره هو وجنوده. وفي تلك السنة ولد الصبي اليتيم محمد بن عبد الله. كان لابد للمؤلف أن يبتعد عن السيرة قليلا، لكي يشرح لنا كل هذه الحوادث، واضطر لان يقوم بهذا الشرح في خمسة فصول (من السادس إلى العاشر)، تحس أثناء قراءتها أن المؤلف يكتب في شيء من السرعة والإيجاز، كأنما يخشى أن يطول غيابه عن مكة وأهلها، وعن السيرة وما يحيط بها. فهو يريد أن يسرع بالعودة اليها. وهو لهذا إلى أن مضطر يلخص الحوادث، على خطورتها (تلخيصا) ويكتفي في بعض المواضع بأن يلم بها إلماما. ولقد هممت بأن أؤاخذه على هذا لولا أني ذكرت أن المقام لا يحتمل الإطناب، وأن الإسراف في نقش الإطار يحجب جمال الصورة ويضعف تأثيرها. برغم ذلك كله فأن في هذا الوصف العجل للحالة الروحية في الشرق قطعا هي آية في دقة الخيال والتصوير. وإن كان لابد من الاستشهاد فلنذكر للقارئ على سبيل التمثيل تلك القطعة التي يعرض علينا فيها آلهة اليونان فيرينا أوبولو والمريخ وأرتيمس وأثينا، وقد اجتمعوا لينظروا فيما عساهم يفعلون؛ فلم يلبثوا أن أجمعوا أمرهم على أن يرحلوا عن الديار التي سادوا فيها زمنا طويلا، وتحكموا في أهلها قرونا، وقد آن لهم أن يتراجعوا أمام هذه الآيات السماوية الجديدة التي محتهم ونسخت دينهم. بمثل هذا الحوار الشعري الجميل يصف لنا المؤلف كيف زالت الوثنية اليونانية وحلت محلها اليهودية والنصرانية. وهذه القطعة وحدها تشهد بأن المؤلف قد رزق النصيب الأوفر من خصوبة الخيال، والمقدرة على إلباس الحادث العادي ثوباً شعرياً رائعاً. وهناك فائدة أخرى استفادها المؤلف في موقفه (على الهامش) ذلك أنه استطاع إلا يتقيد بالترتيب الزمني للحوادث؛ فإذا بدا له أن يسهب في وصف شخصية راقته وأعجبته اندفع في وصفها إلى النهاية، لا يلفته عن ذلك حادث أو خطب. فقد اعجب، مثلا، وحق له ان

стр. 2067

يعجب، بشخصية أم أوفى حاضنة النبي، فلم يزل يصف حياتها منذ ولادة محمد بن عبد الله إلى أن شهدت عهد أبي بكر وعمر وعثمان، ثم يعود بعد ذلك إلى حديث الرضاعة ووفاة عبد المطلب. وهذه الخطة التي الزم بها المؤلف نفسه قد تبدو غريبة وربما اعترض عليها بانها تدفع بالقارئ من أول السيرة إلى عصر الخلفاء الراشدين ثم تعود به مرة اخرى إلى بدء السيرة. ولا تزال بالقارئ هكذا ذهابا وإياباً، ومع أن لهذا النقد وجاهته التي لاشك فيها، فان للمؤلف عذره بان الذي يريد ان يكتبه ليس حديث السيرة بالذات بل دراسات مستقل بعضها عن بعض، وفي وسع القارئ أحياناً أن يطالع الفصل متقطعا من الكتاب فلا يكاد يفتقر إلى ما سبقه. بقيت كلمة لا بد منها عن أسلوب الكاتب، أي عن طريق الأداء عن المعاني والإبانة عما في صدر المؤلف. ان لطه حسين من السيطرة على اللغة العربية التي لا تضارعها لغة في قوتها وفصاحتها، كما لا تضارعها لغة في شدتها ومنعتها، أن لطه حسين من السيطرة على هذه اللغة وعباراتها المتينة الرصينة ما لا يعرفه إلا اللذين عاشروه من كثب وراقبوه وهو يعمل في قوة ونشاط. ومتى وفق إلى اختيار الموضوع الذي يرضاه؛ وهداه خياله الواسع إلى طريقة معالجته، فقد هان الأمر وسهل كل شيء ومضى في الإملاء كما يتدفق النهر الجاري. غير إننا إذا كنا نشكو شيئا فأنا نشكو هذه القوة بعينها. وهذه السيطرة التي تطغى أحياناً فتدفع بالكاتب إلى التعسف، وإلى الابتعاد عن الطريق التي يسلكها الناس جميعا، انظر اليه مثلا اذ يحدثك عن الدمع الذي يتساقط غزيرا من العينين فيقول لك أنها دموع غلاظ. ويكفي أن يعلم طه ان الناس جميعا يقولون دموع غزار، لكي يقول هو دموع غلاظ. هذا الشيء، والقليل مثله مما قد يصادفنا في الكتاب، سنة من سنن القوة والسلطان رأيناها من قبل في مثل ابي تمام وابي الطيب المتنبي الذي كان يتعمد قول الشيء الغريب النافر ولأنه قوي ولأنه مدل بقوته، ولأنه لا يبالي بالأرض ومن عليها. وما احسن المثل العامي الشهير (العافية هبله!). على أن المؤلف في هذا الكتاب قد أدى معانيه بلغة فيها بلاغة وإبداع يفوقان حتى الذي

стр. 2068

ألفناه منه وتعودناه. والسبب في هذه الإجادة سهل إيضاحه: فأن الموضوع الذي يعالجه هنا موضوع عربي صميم، والبيئة عربية خالصة. والمتكلمون من قريش وغير قريش من الناطقين بالضاد. وهذا كله قد أتاح للمؤلف فرصة لأن يتدفق نهره العربي الفصيح الذي لا تشوبه عجمة اللاتين ولا التواء السكسون. فانطلقت سليقته العربية حرة طليقة واكبر الظن أنه هو ليس مدركا لهذا الأمر. ومع ذلك فأن في الكتاب قطعا قد بلغت في الأسلوب الشعري منزلة يصعب أن نجد لها ضريباً. حقيقة أن أمثال تلك القطع ليس في كل مكان من الكتاب، ولكنها في كثير من المواضع، بحيث يصبح من العبث أن نستشهد هنا بقطعة أو قطعتين. ولابد للقارئ من الرجوع إلى الكتاب كله. ولابد له من قراءته في تأمل وتمهل وتذوق لهذه الفصول الرائقة التي يسمو فيها النثر حتى يضاهي الشعر، ويؤثر في النفس تأثيراً شعريا خالصا. وللمؤلف شغف بالوضوح والبيان، فهو لا يحاول أن يستر معنى ولا فكرة بستار أو غشاء. وما حاجة الوجه الجميل إلى الستر؟ فهو ليس من عشاق الغموض، بل انه ليسرف في حبه للوضوح والجلاء إسرافا، ولهذا نراه يكثر من هذا التكرار الذي يعرفه قراؤه دون أن يدركوا له سرا. بل ربما لم يدرك هو نفسه سر هذا التكرار. وقد يعده الناس من ضرورات النثر المنسجم ولهم في هذا بعض الحق؛ ولكن أكبر الحق في هذا أن الذي يدفعه إلى تكرار لفظ من آن لآن هو رغبته في أن يفهم عنه ما يقول من غير لبس ولا إبهام. والآن، وقد أوشك هذا النقد أن يختم، يتردد في النفس سؤال: سؤال من ذلك الطراز الذي يدفعنا اليه الفضول الأدبي. وهو من أي انواع الأدب هذا الكتاب الذي بين أيدينا؟ اهو رواية قصصية تاريخية؟ اهو من نوع المقامات أم مجرد مقالات؟ ولست ادري ما ولع النقد بتصنيف كل شيء وتسمية كل أثر؟ ولئن كانت الفاكهة لذيذة شهية، فهل يضرنا أن نجهل اسمها؟ أن الفكر البشري ما برح مولعا بأن ينسج على غير منوال. لكن إذا اجتهدنا أن نجد لهذا المؤلف شبيها بين المؤلفات، فلعل اقرب شيء يشبهه هو تلك الملاحم التي تصف العصور الغابرة، وتجمع بين القوة والإعجاز.

стр. 2069

العدد ٢٥ - بتاريخ: ٢٥ - ١٢ - ١٩٣٣

стр. 2070

رمضان نعم رمضان! ولا بد من رمضان بعد أحد عشر شهراً قضاها المرء في جهاد العيش، مستكلِب النفس، مستأسِد الهوى، متنمر الشهوة، ليوقظ رواقد الخير في قلبه، ويرهف أحاسيس البِر في شعوره، ويُرجع روحه إلى منبعها الأزلي الأقدس فتبرأ من أوزار الحياة، وتطهر من أوضار المادة، وتتزود من قوى الجمال والحق ما يُمسكها العامَ كله على فتنة الدنيا ومحنة الناس. فرمضان رياضة للنفس بالتجرد، وثقافة للروح بالتأمل، وتوثيق لما وَهى بين القلب والدين، وتقريب لما بعد بين الرأفة والمسكين، وتأليف لما نفر من الشمل الجميع، وتنديةٌ لما يبس من الرحم القريبة، ونفحة من نفحات السماء تفعِم دنيا المسلمين بعبير الخلد وأنفاس الملائكة! ورمضان كله عيد وطني شامل، تفيض بالسرور أنهاره، وتغرق في النور لياليه، وتفتَرُ بالأنس مجالسه. فالرجال يحيون أماسيه في محافل القرآن أو منازل اللهو النزيهة، والنساء يوزعن الوداد والأنس على الأبهاء الكثيرة، والأطفال الهازجون يزينون الطرقات بفوانيسهم الملونة الصغيرة، والبيوت الباقية على العهد تتقرب إلى الله بالذكر والصدقات، والمساجد المقفرة طول العام تعج بالوعظ والصلوات، والمآذن الحالية بالمصابيح، الشادية بالتسابيح، ترسل في أعماق الأبد نور الله وكلمته! وكل شيء في رمضان جذلان مغتبط، ما عدا الرومي في الحان، والشيطان في كل مكان! ورمضان مظهر قومي رائع، يعيد إلى القاهرة عز القرون المواضي، فيصبغ لونها الاوربي الحائل بصبغة الشرق الجميلة، ويرفع صوتها الخافت بشعائر الصوم الجليلة، ويبرز شخصيتها الضائعة في زحمة الاجانب بالمظاهر الرسمية للحكومة، والتقاليد العرفية للشعب. وما أروع القاهرة في سكتتها عند الإفطار، وجلبتها عند السحور، وهزتها ساعة انطلاق المدفع! ورمضان بعد ذلك كله رباط اجتماعي وثيق، يؤكد أسباب المودة بين أعضاء الأسرة بالتواصل والتعاطف، وبين أفراد الأمة بالتزاور والتآلف، وبين أهل الملة بذلك الشعور السامي الذي يغمرهم في جميع بقاع الأرض بأنهم يسيرون إلى غاية الوجود قافلة واحدة، ممتزجة الروح، متحدة العقيدة، متفقة الفكرة، متشابهة النظام، متماثلة المعيشة.

стр. 2071

ولكن رمضاننا الأول واأسفاه لم يخفَّ على طبع المدينة الحديثة! فرمته بقلة الإنتاج وكثرة الإهلاك وشل الحركة وقتل الصحة، ونفته إلى إحياء العمال وقرى الفلاحين، واتخذت لنفسها من بقاياه رمضان آخر رقيق الدين، خفيف الظل، باريسي الشمائل، يبيح النظرة المريبة والكلمة العارية والأكلة الدسمة والسيجار الغليظ، ولا يسألهم من ظرفه إلا إن يجعلوا العشاء عند الغروب وبعد طلقة المدفع! وإذا كان في بيوت المحافظين قارئ يقرأ القرآن، وذاكر يذكر الله، فليكن في بيوت المتجددين (راديو) يرجِّع أصوات الغناء، وحاك يردد أهازيج الرقص! وهكذا تُجِدُّ الليالي ونحن نلعب! كأنما كتب علينا أن نأخذ الحياة من جانبها الفضولي العابث فنتأثر بها ولا نؤثر فيها، وكأنما همنا ان نعيش صعاليك على تقاليد الامم دون أن تميزنا خصيصة من قومية، ولا شعيرة من عقيدة! وكأنما الشعائر التلمودية القاسية عاقت اليهود عن المغامرة والنبوغ والتقدم! أما رمضان القرية فلا يزال يحل من أهلها محل النور من العين والمهجة من القلب! تجسمت في خواطرهم صورته حتى جعلوه رجلا له حياته وعمره وأجله. . يذكرونه على شهرين من مقدمه. فيحسبون حسابه! ويهيئون أسبابه، حتى إذا دب إليهم من غيوب الآباد دبيب الهرم سُلسِلت الشياطين، وأُرسِلت الأملاك. وهبطت الأرواح، ودرَّت أخلاف الخير، واغدودقت أصول النعم! هنالك يملك القرية شعور تقي هادئ خاشع، فلا تعود تسمع لغواً في حديث، ولا عنفاً في جدل، ولا بغيا في خصومة! فإذا أذهل أحدهم الغضب فرفع صوته ندم عجلان واستغفر ثم قال: اللهم إني صائم! ذلك لأن رمضان يُرجع الفلاح نقيا كقطرة المُزن، طاهراً كفطرة الوليد، فلا يقتل ولا يسرق ولا يشهد الزور ولا يقول الهُجر ولا يأتي المنكر. وما أجمل أن ترى فاتك الأمس ناسك اليوم! يمشي من البيت إلى المسجد في ثوبه النظيف وئيد الخطو، غضيض الطرف، ولا تترك المسبحة يده، ولا يفتر عن التسبيح لسانه، فإذا قابل القروية الجميلة وعلى رأسها الجرة، اتحد جمالها في نظره، بجمال الخير في نفسه، فأمعن في التسبيح واستغرق في الله، لأن إبليس في رمضان سجين، وباب الغواية مغلق! يقضون صدر النهار في تصريف أمور العيش، ثم يجلسون على المصاطب في أشعة

стр. 2072

الأصيل الفاترة يستمعون القصص أو الوعظ. حتى إذا تضيَّفت الشمس جلسوا في الطريق أمام بيوتهم فمدوا الموائد على الأرض، ودعوا إليها عابري السبيل وطالبي الصدقة، ثم لا يلبث الأخاء المحض أن يجعل الموائد المتعددة مائدة واحدة، يصيب منها من يشاء ما يشاء! أما ليلهم فاستماع للقرآن، واستقبال للإخوان، ومسامرة مشتركة ساذجة تجمع أفنانا شتى من شهي الحديث، وكلما انقضى نهار من رمضان تَغَضَّن سرار من وجوه القوم، حتى إذا لم يبق إلا الأربعة الأخيرة تمثلوه محتضرا يكابد غصص الموت، فندبوه في البيوت والمساجد، ورثوه على السطوح والمآذن، وبكوه يوم (الجمعة اليتيمة) أحرَّ بكاء. فإذا كان المغرب الأخير ولم يبق من رمضان إلا بقية روح، خامرهم الخوف من انطلاق الشياطين السجينة، فجلس الصبيان على أبواب الغرف يكررون البسملة ويضربون حديدا بحديد، ليحفظوا البيت من دخول شيطان مَريد! ذلك رمضان كما تدركه الفِطر السليمة والقلوب المؤمنة، وهو وحده الباقي لفلاحنا من غفلات العيش ولحظات السعادة! ولكن وا أسفاه! لقد أفسدت الأزمنة رمضان القرية، كما أفسدت المدنية رمضان المدينة! احمد حسن الزيات

стр. 2073

وقفة على جسر إسماعيل للأستاذ عبد الحميد العبادي إذا حق لبغداد أن تباهي في غابر أيامها بلدان العالم بجسرها الأكبر الذي كان معقوداً فوق دجلة، والذي يقول فيه علي بن الجهم: عيون المها بين الرصافة والجسر … جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري وإذا كانت (فروق) عاصمة الترك من آل عثمان تذوب حياء وخجلا كلما أنشد قول شوقي في جسرها المتهدم المتساقط: أمير المؤمنين رأيت جسرا … أمر على الصراط ولا عليه فمن حق القاهرة أن تسحب الذيل تيها وافتخارا بجسر إسماعيل فهو من غير شك أعظم من جسر بغداد وأروع، وهو لم يظفر بمثله بلد عظيم ظل متبوع مصر أحقابا طوالا. أنشدتك الله أيها القارئ، إلا ما وقفت مرة بذلك الجسر في أي وقت شئت، وعلى أي حال كنت. قف بكرة، أو ضحى، أو أصيلا. قف في الهزيع الأول أو الثاني من الليل. قف صيفا، أو خريفا، أو شتاء، أو ربيعا. قف فتى مقتبل السن، أو كهلا قد توسط الحياة، أو شيخا نالت منه السنون، فأنا زعيم لك بأنك وأجد جمالا يملأ الجوارح، وحسنا يستغرق العقل. هنا الجمال! هنا الروعة! هنا الفتنة! هنا قطعة من رياض الجنة، أهبطها الله الأرض ثم أباحها الناس جميعا، يستمتع بها الغوي والمهتدي، والمقتصد في أمره، ومن كان على نفسه مسرفا. جسر رشيق التكوين، موزون الأبعاد، يساير الشمس من مشرقها إلى مغربها، والقمر من لدن بزوغه إلى أفوله. فان غابت الشمس وأبطأ القمر فللمدلج الساري عوض عنهما في السرج الوهاجة القائمة على جانبيه ترسل نورا هادئا لينا لا يفرق البصر ولا يحسره. حتى كأن الكواكب قد دنت فتدلت، فاختار منها مهندس ذلك الجسر ما شاء، ثم نظمه سمطين على حافتيه. ثم هولا تهدأ عنه الرجل ساعة من ليل أو نهار. ففي النهار ترى أفواج الساعين في الأرض تتدافع فوقه بالمناكب والمراكب. فإذا تصرم النهار، وطفلت الشمس للغروب، رأيت المستروحين المتنزهين يغشونه زرافات ووحدانا، يلتمسون طيب الهواء، وجمال المنظر، وبهجة الخاطر. فإذا اختلط الظلام وأرخى الليل سدوله بات الجسر مسترادا ومذهبا

стр. 2074

لقصاد الجزيرة من العابثين اللاهين، والعشاق المدلهين. سيماهم حديث مغمغم، ورؤوس متساندة وأصابع مشتبكة، وخطى مضطربة، قد لفهم الليل من نور القمر أو المصباح في مثل الكلة المخرمة تبين ما اشتملت عليه وتستره، وتخفيه وتظهره، على أن كلا آمن مطمئن كأن تلك الأسود المقعية عند طرفي الجسر أرصاد موكلة بحراسة الجسر ورواده. ثم ارم ببصرك ذات اليمين وذات الشمال. فهذا النيل اكثر انهار الأرض بركة، وأحفلها بالذكرى، ينساب مترفقاً، يصافح متنه نسيم الشمال فيحيله وشياً منمنماً، وتصب عليه الشمس أشعتها الفضية والذهبية فتحيله تارة لجيناً سائلا وأخرى ذهبا مذابا. حتى إذا غربت الشمس وتألق الأفق وانعكست فيه صور النجوم والمصابيح التي تكتنفه من كل نواحيه، رأيت المجرة بين يديك، إن شئت خضتها خوضا، وان شئت لججت فيها تلجيجا. وهذه الجزيرة تعترض الأفق الغربي بنخلها الذاهبة في السماء، وأشجارها الجاثمة على الأرض، وبنورها الضاحك وطيرها الصادح كأنما هي حجة بليغة على ما بقبالتها من معاهد وديار يهيب بها كل ما حولها أن (ليس هذا بعشك فادرجي) ومع ذلك فقد أعدت هذه الدار والمعاهد عدوى الحسن المجسم أمامها فأكسبتها رقة مدنية، وخلعت عليها مسحة من جمال تعرفها في الدار والديار. كل جزء من أجزاء هذا المنظر الفخم يسر إليك نجوى، ويتلو عليك نبأ. فهذا الجسر يصور لك الحياة معرَّفة بين نكرتين، ومعلوما بين مجهولين. وهذه الخلائق التي تتصرف فوقه آناء الليل وأطراف النهار، عملا، واستراحة، ولهوا، كأني بها تحدثك بأن لا بأس علينا من أعمالنا متى صدرت مطاوعة لحاجات نفوسنا. وهذه الجزيرة التي يبدو لك بالنهار نخلها وشجرها عرائس تونق العين وتفتن القلب، فإذا أظلم الليل تراءت فوق الأفق شخوصا وأشباحا توحشك وتروعك، كأني بها تفضي إليك بان للظواهر دون الحقائق الأثر الأقوى في توجيه حكمنا على الأشياء. وهذه الثكنات الغاصة بالجند والملأى بالسلاح، ما عبرتها وما بيانها؟ استمع إليها تخبرك لمن كانت أمس، ولمن هي اليوم؟ وتنشدك قول شجرة عدي بن زيد: رب ركب قد أناخوا عندنا … يشربون الخمر بالماء الزلال عصف الدهر بهم فانقرضوا … وكذاك الدهر حالا بعد حال

стр. 2075

أما النهر الدافق، والجو الرائق، والنجوم اللامعة، والشمس الساطعة، فتلك كلها السنة تهتف بأن العزة والدوام لله وحده.

стр. 2076

الأحنف بن قيس للأستاذ احمد أمين ضئيل الجسم، صغير الرأس، متراكب الأسنان، مائل الذقن، ناتئ الوجنة، غائر العينين، خفيف العارضين، أحنف الرِّجل، ليست خصلة تدل على قبح المنظر إلا وهو آخذ منها بحظ، تنبو عن مرآة الإحداق، وتتفادى من شخصه الأبصار، وهو مع هذا سيد قومه، سيد تميم، وهي ما هي في العظمة، إن غضب غضب لغضبته مائة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب. خطير النفس، بعيد المرمى، ما زال يسود حتى بلغ مرتبة لا يسمو إليها أمل، ومنزلة لا يتعلق بها درك، إذا أوفد وال وفداً إلى خليفة فالأحنف أحد الوفد أو رئيسه وخطيبه، وإذا اختلف الأمراء على الخلافة فالأحنف من أول من يفكرون في اصطناعه، وإذا حزب الأمر، وعظم الخطب، فالأحنف من يفزع إليه في المشورة. دوى اسمه بين المسلمين في الأحداث الأولى للإسلام، وخرج منها على كثرتها وتعقدها واضطراب الأهواء فيها، نقي السيرة، يقر بعظمته من كان له ومن كان عليه، وظل اسمه علما رفيعا في نواح مختلفة على مر الأزمان، إن أُرِّخت الحروب الإسلامية فأحد قادتها وغزاتها، وإن ذكرت الأخلاق فأحد أشرافها ونبلائها، وان أرخ الأدب والخطب والحكم والأمثال فهو ابن بجدتها. ولد قبل الإسلام ولكن لم ينل شرف الصحبة لرسول الله (، ووقف من أول أمره وهو فتى موقفا يدل على قوة عقله وصدق نظره، فان رسول الله (أرسل رجلا إلى بني سعد رهط الأحنف فجعل يعرض عليهم الإسلام، فقال الأحنف لقومه: إنه يدعو إلى خير، ويأمر بخير، فلم لا نجيب دعوته، وسرعان ما ساد تميما وهي قبيلة من أعز القبائل وأقواها وأشرفها، كانت تسكن مساحة كبيرة من جزيرة العرب تشمل نجداً وجزءاً من البحرين وجزءاً من اليمامة، وانقسمت تميم لكثرتها إلى فروع كثيرة كانت تتعادى أحيانا وتتحالف أحيانا، ولذلك لم يكن عجيباً أن يتهاجى الفرزدق وجرير شر هجاء، وكلاهما من تميم، ولكنهما من فرعين مختلفين. حاربت تميم نفسها ومن حولها في الجاهلية، وشغلت حروبها أياما كثيرة من أيام العرب. وكان لتميم راية في الحروب خاصة على صورة العقاب، كما كانت راية بني أسد على صورة الأسد، ثم أسلمت وحسن إسلامها، ولكنها ارتدت أيام الردة

стр. 2077

إلى أن ردها خالد ابن الوليد إلى الطاعة، وكفرت عن ردتها بما بذلت من جهود في الفتوح، حتى إذا تم الفتح سكن بعضها الكوفة وبعضها البصرة، وكان الأحنف بن قيس سيد تميم البصرة. وقد ظلت تميم في الإسلام وفيها من ألوان البداوة، ومن هذا النوع من البداوة ما بدا من نزعتهم الخارجية، فقد كثر الخوارج من تميم، وكان قطرىّ بن الفُجاءة وكثير ممن تبعه من الازارقة من قبيلة تميم. وأنجبت تميم كثيرا من نوابغ الشعراء لا يعنوننا الآن، كما أنجبت كثيراً من السادة والأشراف والعظماء، وكانوا سلسلة كسلسلة الذهب متصلة الحلقات يتعلم بعضهم من بعض خلق السيادة كما يتعلم العلم على الأساتذة، وكان أستاذ الأحنف ابن قيس في السيادة (قيس بن عاصم) المنقري التميمي الذي قال فيه رسول الله (لما رآه (هذا سيد أهل الوتر) وقد قيل لقيس هذا: صف نفسك، فقال أما في الجاهلية فما هممت بملأمة، ولاحُمتُ على تُهمة، ولم أر إلا في خيل مغيرة أو نادي عشيرة، أو حامي جريرة، وأما في الإسلام فقد قال الله تعالى (ولا تزكوا أنفسكم) وقد نزل في البصرة كتلميذه الأحنف، وتعلم الأحنف من الحلم، ولما مات قال فيه القائل: عليك سلام الله قيس بن عاصم … ورحمته ما شاء أن يترحما وما كان قيس هلكه هلك واحد … ولكنه بنيان قوم تهدَّما خلف الأحنف قيسا في السيادة، وكان أبو موسى الاشعري واليا على البصرة فبعث بوفد منها إلى عمر بن الخطاب فكان الأحنف أحدهم وخطب بين يدي عمر يسترعيه النظر لأهل البصرة. فاعجب به عمر وقال (هذا والله السيد!) فدوت هذه الكلمة في الأنحاء. أكثر الواصفون في ذكر الأحنف ومزاياه وسيادته، والسيادة أنواع، وقد ترى لكل سيد طعماً لا تجده في سيد آخر، ولكل سيد نقطة تتركز فيها عظمته قد لا يشترك فيها سيد آخر، فسيدٌ عظمته في شجاعته، وسيد عظمته في سخائه وسيد عظمته في قول الحق يجهر به والسيف على رأسه، فان نحن سئلنا عن مركز العظمة في الأحنف، فعظمته كانت تتركز في خصلتين تتصل إحداهما بالأخرى اتصالا وثيقا: انه منح نظرا صائبا يتعرف به المحاسن والمساوئ، ومعالي الأمور وسفسافها، وقلَّ أن يخطئ في ذلك، ثم منح إلى ذلك إرادة قوية يحمل بها نفسه على ما أدرك من معال ومحاسن مهما كلفه من مشقة وحمله من جهد، فلو

стр. 2078

علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه؛ وهي (كما ترى) نقطة ارتكاز يحمل فوقها كثير من الفضائل، على حين أن نقطة الارتكاز عند كثير من السادة لا تتحمل إلا فضيلة واحدة. وهذا يفسر كل ما روي عن الأحنف، كان لا يعبأ بالمال، وكان لا يعبأ بالحياة، وكان يفر من الشرف والشرف يتبعه، وكان يخضع للحق إذا لزمه خضوع الذليل المستخدي، وإذا كان الحق بجانبه دافع عنه دفاع المستأسد الضاري، يقف أمام علي وأمام معاوية وأمام زياد بن أبيه فيجهر بالحق الصريح من غير مجمجمة ولا مواربة ولا يبالي ما بعده. تولى في زمن عمر بن الخطاب فتح خراسان فدوخ الفرس وملكهم يزدجرد ولقي من الحروب ما تشيب من هوله الولدان، ولكنه صبر وظفر، وأنجد ملك الفرس الترك وأهل فرغانة والصغد فلم يكن فيهم أمام الأحنف وجنده غناء. ووقف الأحنف العربي البدوي وليد الصحراء في شملته يطارد يزدجرد المتوج ربيب النعمة، وعصارة المدنية، وسليل الأكاسرة، ونتاج الحروب المنظمة بين فارس والروم، في العدد والعديد، والجنود والبنود، فظفر التميمي بسيد فارس وطارده حيثما حل حتى جاوز حدود بلاده وخرج منها لا إلى رجعة، (وأقبل أهل فارس - كما يقول ابن الأثير - على الأحنف فصافحوه ودفعوا إليه الخزائن والأموال وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم، على أفضل ما كانوا عليه زمن الأكاسرة، واغتبطوا بملك المسلمين) فلما نشبت الحرب بين علي ومعاوية رأى الحق في جانب علي فانضم إليه بقومه، وأعان عليا بسيفه ورأيه، فاشترك معه في حرب صفين ونصحه إلا يكون أبو موسى الاشعري حكما، وظل مخلصاً له العمل والقول حتى قتل علي. ودانت البلاد لمعاوية فأطاع معاوية في شمم وإباء، فقد دخل عليه يوما فقال له معاوية: أنت الشاهر علينا سيفك يوم صفين، فقال له يا معاوية لا تذكر ما مضى منا، ولا ترد الأمور على أدبارها، فان السيوف التي قاتلناك بها على عواتقنا. والقلوب التي أبغضناك بها بين جوانحنا، والله لا تمد إلينا شبراً من غدر إلا مددنا إليك ذراعا من ختر، وان شئت لتستصفين كدر قلوبنا بصفو من عفوك. فقال له معاوية فإني أفعل، ثم استرضاه ومن معه. ولما أراد معاوية أن يبايع لأبنه يزيد أخذ الناس يتكلمون مدح يزيد والثناء عليه، ويمدحون معاوية على عمله والأحنف ساكت، فقال له معاوية، مالك لا تتكلم يا أبا بحر وكانت كنيته

стр. 2079

فقال قولته المشهورة: (أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت) فكانت كنايته أبلغ من التصريح. ويظهر أنه بعد أن قتل علي رأى من المصلحة للمسلمين أن يشايع الأمويين، فان هذا أقرب إلى الوحدة وأدعى إلى الألفة حتى مع ما هم فيه من ظلم أحيانا وطغيان أحيانا، يدل على ذلك تاريخه وقوله فقد استنصر به الحسن بن علي علىمعاوية فلم يجبه وقال (قد بلونا حسنا وآل حسن فلم نجد عندهم ايالة الملك ولا مكيدة الحرب) وكان بينه وبين عبد الله بن الزبير جفاء. فلم يشايعه في الخروج. ورأيناه ينصح قوما من تميم أرادوا أن ينضموا إلى ابن الزبير إلا يفعلوا. ولكنه كان يطيع الأمويين وولاتهم طاعة الحازم العاقل، ينقدهم فيما يرى ويمحضهم النصح في صدق وإخلاص، وله كموقف مع زياد من خير المواقف أثراً في تاريخ الإسلام، فقد هم زياد أن يقتل الموالي لكثرتهم ومزاحمتهم العرب فاستشار الأحنف فقال، إن ذلك ليس لك، إن رسول الله (لم يقتل من الناس من قال لا إله إلا الله وشهد أن محمدا رسول الله وانهم غلة الناس، وهم الذين يقيمون أسواق المسلمين، أفتجعل العرب يقيمون أسواقهم قصابين وقصارين وحجامين؟ فأذعن زياد لرأيه ونزل على إشارته، ويقول الأحنف انه ما بات ليلة أطول منها خشية أن ينفذ زياد فكرته. ووقف في البصرة موقفا بديعا يصلح بين القبائل المختلفة المتعادية من الازد وبكر وعبد القيس، ويبذل من ماله ديات لما يقع من القتل حتى يلتئم صدعهم ويجتمع شملهم ويعيشوا في البصرة عيشة هادئة مطمئنة. لقد عابوا عليه انه ذُكر أمامه الزبير بن العوام عندما ترك القتال يوم الجمل ومر ببني تميم فعابه الأحنف وقال جمع الزبيريين الناس يقتل بعضهم بعضا ويريد أن ينجو إلى أهله! فتبعه رجل سمع هذا القول فقتله، فقال الناس إن الأحنف قتل الزيبر بكلامه. كما عابوه بأنه كان سميعا مطيعا لجاريته (زبراء) حتى كان الناس يكنون عن وقوع الحرب بقولهم (غضبت زبراء) لأنها إذا غضبت غضب الأحنف، وإذا غضب الأحنف شرعت الأسنة وانتضيت السيوف. ولكن أي عظيم لا يعاب؟ وكفى الأحنف نبلا أن كانت عيوبه من هذا القبيل لا تخدش شرفا

стр. 2080

ولا تجرح عرضا وللأحنف ناحية أخرى بديعة هي ناحية أدبية غزيرة أمدت كتب الأدب العربي بغذاء صالح قوي، هو ما روي عنه من جُمل حكيمة جمعت إلى حسن اللفظ وقوته، جودة المعنى وصحته، ونضحت عليها صفات الأحنف النبيلة الشريفة وكانت خلاصة لحياة حافلة بالتجارب. كانت هذه التجارب والمعاني في دماغ ارسطو اليوناني الفيلسوف فصاغها صياغة علم وفلسفة، وكانت في دماغ الأحنف بن قيس العربي البدوي فصاغها في شكل حكم وأمثال وجمل موجزة، تحمل معاني غزيرة، فكان لكل مزايا منهجه في النظر ومنهجه في القول لقد وصل الأحنف في الإسلام ما بدأ به أكثم بن صيفي من الحكم في الجاهلية، وزاده الإسلام غزارة وفيضا، وكانت حياته العملية من حروب واتصال بالسلطان والولاة وخبرة بالناس ونزاعهم وأنظارهم، وسيادته وكثرة سؤال الناس له عما سوده مددا صالحا يستقي منها حكمه وأقواله، من مثل قوله: (انصف من نفسك قبل أن يُنتصف منك، ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة، شريف من دنئ، وبر من فاجر، وحليم من أحمق. لا خير في قول إلا بعقل، ولا في منظر إلا بمخبر، ولا في مال إلا بجود، ولا في صديق إلا بوفاء، ولا في حياة إلا بصحة وأمن ومن حق الصديق أن تحتمل له ثلاثاً: ظلم الغضب، وظلم الدالة، وظلم الهفوة، الخ وله أقوال في الولاة وفي الصداقة وفي السؤدد وفي مكارم الأخلاق ملئت بها كتب الأدب، تدل على صدق نظر، وصحة التجربة، وقدرة على صياغة ذلك في جمل رصينة من أجل هذا كله نال عند الناس منزلة قل أن يطمع فيها طامع، يعجب الناس بعقله حتى يقول سفيان: ما وزن عقل الأحنف بعقل أحد إلا وزنه، ويعجبون بسيادته وهيبته حتى يقول القائل: إذا الأبصار أبصرت ابن قيس … ظللن مهابة منه خشوعا فلله الأحنف قائدا في الحروب لا يبارى، ولله الأحنف سيدا في قومه مطاعا، ولله الأحنف حكيما مجربا، ولله الأحنف بليغا مفوها، ولله السعدية إذ رثته فقالت: (نسأل الله الذي ابتلانا بموتك، وفجعنا بفقدك أن يوسع لك في قبرك، وأن يغفر لك يوم حشرك، فلقد عشت مودوداً

стр. 2081

حميدا، ومت سعيداً فقيدا، ولقد كنت رفيع العماد، وارى الزناد، ولقد كنت في المحافل شريفا، وعلى الأرامل عطوفا، ومن الناس قريباً، وفيهم غريبا، وإن كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك متبعين. رحمنا الله وإياك.) لقد عمر طويلا ومات سنة ٦٩ هـ ودفن بالكوفة فرحمة الله عليه.

стр. 2082

فلسطين بقلم كنيث وليمامس سياسة الانتداب في فلسطين سياسة غير عملية، وقد فشلت. وسوف تعاني بريطانيا العظمى منها المتاعب ما بقيت تسير عليها. هذا رأي وضعي، واقعي، تنبؤي معا، والحقائق أسهل الأشياء إثباتا. وقليل من الإنكليز العارفين بالمسألة الفلسطينية يجادلون في هذه النبوءة. وقد جاءت حوادث أكتوبر الماضي مؤيدة لها. بيد أنه لم تقم قرينة حقيقية على أن سياسة الانتداب مذ بدئ بها سنة ١٩٢٠ قد قبلتها أغلبية السكان الفقراء، بل لقد غص العرب دائما بذلك العهد الذي احتواه الانتداب بالعمل على تسهيل إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين؛ وليست هناك وسيلة أو ظاهرة من الفوائد المادية التي تزعم الصهيونية أنها تغدقها على فلسطين يمكن أن تحمل العرب على قبوله، فالعرب لا يريدون الانتداب بكل بساطة. ولكن الساسة الإنكليز لا يؤمنون بهذا، أو على الأقل يتظاهرون بعدم الأيمان به، ويقولون إن عرب فلسطين أقلية ضعيفة ممزقة، وليس لها مميزات عقلية من الوجهة السياسية، ومن هم حتى يجرءوا على مقاومة الانتداب الذي أخذته بريطانيا العظمى على نفسها، والذي حصلت من أجله على مصادقة عصبة الأمم. ثم يقولون إن العرب شعب مشاغب، يشغفون بالتظاهر وإرسال الوفود السخيفة إلى لندن، ويقولون أخيراً: نحن نعرفهم جيداً، فاحكموهم بحزم، ودعوهم يستفيدون من الذهب اليهودي، والزمن كفيل بانضوائهم إلى رأينا. ولكن ساستنا يخففون من غلوائهم أحيانا، فقد صرح وزير المستعمرات في ٣١ اكتوبر الماضي بقوله: (أريد أن أتحدث إلى الشعب الفلسطيني بجلاء. إن الانتداب يحمل واجبا للعرب واليهود، وسوف نؤدي هذا الواجب تاما عادلا دون خوف أو تحيز. . . وسوف تضع السياسة البريطانية نصب عينها دائما أن تعمل على خير فلسطين كلها). ولا يستطيع وزير المستعمرات أن يزعم أن في كلماته طرافة، فهي على صحتها ودقتها خالية من التعمق وبعد النظر. وقد قال مثلها كل وزير للمستعمرات، ولم تثمر كلها شيئا. ولماذا؟ لأنك لا تستطيع اليوم أن تخدع العرب بالوعود والشروح، فهم يعرفون كل تدليل يمكن أن تقدمه الدولة المنتدبة أو الصهيونية لتأييد التعاون بين العرب واليهود في فلسطين، أو القول بأن

стр. 2083

قيام الوطن القومي اليهودي في أرضهم فيه خير لهم. وقد نفهم وان كنا لا نستسيغ ما نفهم، أن يلقي كل وزير للمستعمرات كلما وقع اضطراب في فلسطين، نفس الكلمات القديمة، أقول لسنا نسيغ هذا، لأن الحقيقة الواضحة هي أن السياسة البريطانية في فلسطين قد أظهرت أنها تتأثر بعوامل الخوف والتحيز، فكل إنسان يذكر كيف أن الاضطرابات التي وقعت في ايرلنده بعد الحرب قد انتهت بعقد المعاهدة الإنكليزية الأيرلندية، وكيف أن ثورة العرب في الجزيرة (العراق) قد أحدثت تغييرا جوهريا في السياسة البريطانية في العراق، وكيف أن الاضطرابات التي وقعت بمصر بعد الحرب قد انتهت بإعلان استقلالها سنة ١٩٢٢ (تصريح فبراير) وهكذا. الواقع أن السياسة البريطانية تقلبت في فلسطين تقلبا ظاهرا ومن الصعب أن نقول إن الإدارة العسكرية التي قامت في فلسطين منذ الهدنة إلى سنة ١٩٢٠ رحبت بالصهيونيين الذين سمح لهم بدخول فلسطين تطبيقا لعهد بلفور، فقد كان عطفها على العرب ظاهرا، ولكن حكومة لندن لم تكن تعنى كثيرا بشأن العرب، وكانت بالعكس تعنى ليل نهار بأماني الصهيونيين ومقاصدهم. وكان مستر لويد جورج وقت رآسته للوزارة قبل الحرب، قد عقد الصداقة مع الدكتور ويزمان الزعيم الصهيوني، فادى ويزمان للحلفاء خدمة جليلة باختراع المفرقعات القوية، وكانت هذه الصداقة نواة تصريح بلفور واصله، حسبما يصرح مستر لويد جورج في مذكراته. ويمضي الكاتب بعد ذلك في الحديث عن الإدارة الإنكليزية في فلسطين، فيقول أن عهد السير هربرت صمويل أول مندوب سام كان حسنا، وانه ترك فلسطين سنة ١٩٢٥ في حالة يسر وان لم ينجح في إقناع العرب بقبول الانتداب. ولم يعن خلفه اللورد بلومر بالمشكلة السياسية، ولكنه عني بالعمل على توطيد أركان الأمن والسلامة. وسادت السكينة في عهده حتى أنه نصح بتخفيض عدد القوات المحتلة. بيد أن هذه السكينة ترجع إلى اغتباط العرب بما آلت إليه الصهيونية من الاضطراب، وما عانته من أزمات جعلت اليهود يغادرون فلسطين بكثرة. وفي عهد خلفه السير جون تشانسلور وقعت اضطرابات سنة ١٩٢٩، فاقتضت تعزيز القوات المحتلة وإرسال لجنة برلمانية للتحقيق (لجنة شو)، ولجنة لبحث مسألة الأراضي والهجرة. وألقت تقارير اللجنتين ضوءا جديدا على قضية العرب؛

стр. 2084

ونوهت بضرورة إعادة النظر في طبيعة الانتداب وتوجيه السياسة البريطانية في فلسطين توجيها واضحا. ولما صدر الكتاب الأبيض سنة ١٩٣٠، شعر العرب أن قضيتهم تسير في سبيل الفوز. ثم يقول: ولكن اغتباط العرب بالكتاب الأبيض لم يطل أمده؛ فقد بذلت الصهيونية جهودا عظيمة مقرونة بالوعيد لنقض الكتاب الأبيض، فعاد مستر مكدونالد يفسر الكتاب الأبيض في خطابه الشهير إلى الدكتور ويزمان في فبراير سنة ١٩٣١؛ فكان الكتاب مثلا محزنا جديدا على ضعف الحكومة في المسألة الفلسطينية. وليس مثل هذا الضعف مما يرضي، بل ليس عادلا ولا متفقا مع الكرامة. ولن يستتب السلام في فلسطين إلا إذا أعيد النظر في مسألة الانتداب؛ ومن الواجب أن توضع سياسة جديدة على أسس التصريحات الرسمية السابقة في الموضوع، وتجري عليها كل الوزارات البريطانية، ويجب أن يستشار زعماء الأحزاب البريطانية الثلاثة، وان يقنعوا بضرورة إخراج المسألة الفلسطينية من معترك السياسة الحزبية؛ والسير فيها على خطة لا يحيد أحد عنها. ولا يستطيع سياسي بريطاني أن يزعم أنه قد وضعت بعد قاعدة لسياسة مرضية في فلسطين؛ والأمر يقتضي شجاعة أكثر لمواجهة الحقائق، فزمن المعجزات في فلسطين قد مضى. واستمرار السياسة الحاضرة ليس في صالح اليهود ولا العرب ولا الإمبراطورية البريطانية. فانظر إليها من الوجهة اليهودية مثلا: هل يبقى الانتداب إلى الأبد؟ وهل نتصور أن يقنع الصهيونيون إلى الأبد بالاعتماد على الحراب البريطانية؟ لا ريب أن الدولة المنتدبة لم تكسب عرفان الشعب اليهودي بسياستها في فلسطين أما معارضة العرب للانتداب فلا حاجة إلى ذكرها، ويزعم البعض أن هذه المعارضة من تدبير أقلية مغرضة من (الافندية) الذين يفقدون نفوذهم السابق بين الفلاحين بسبب ازدياد الرخاء الذي يحدثه الصهيونيون. وهي قصة سخيفة، لا يؤمن بها غير أولئك الذين يعتقدون بقيامأية ثورة شعبية في أي بلد. وسواء أكان الحكم الذاتي نعمة أم لا، فلا ريب أن عرب فلسطين قد تطلعوا إليه، ولكن على غير طائل. ثم إنا نجد الدليل على أن العرب إنما يعارضون سياسة الانتداب في مظاهرات اكتوبر الماضي التي لم توجه إلى اليهود كما كان يحدث من قبل، ولكنها وجهت إلى الدولة المنتدبة ذاتها.

стр. 2085

وإذا لم تتفق الأحزاب البريطانية على اتباع سياسة جديدة في فلسطين، فان خير سبيل تسلكه الحكومة البريطانية هو أن تتقدم إلى عصبة الأمم، وتقترح عليها أن ترد إليها الانتداب الذي منحته. وهو رأي سيعترض عليه بمنتهى الشدة، وينعت بالخيانة، وضياع الهيبة. ولكن الهيئة تعرف أن الانتداب (قسم ٢) يراد به السير بالشعوب ذات الشأن إلى الاستقلال. وإذا لم يكن ثمة ريب في أن على بريطانيا واجبا أدبيا في حماية اليهود الذين دخلوا فلسطين، فان أولئك اليهود لا يقيمون أي دليل على انهم يستميلون أهل البلاد، فهل تحمل بريطانيا في مثل هذه الحالة واجبها إلى الأبد؟ وإذا القي مثل هذا الاقتراح إلى عصبة الأمم فهي إما أن ترد بان تطلب إلى بريطانيا استئناف سياسة الانتداب، وهنا تستطيع الدولة المنتدبة أن تضع بنفسها شروطها، وأما أن تقبل العصبة نزول بريطانيا عن الانتداب. ولو قبلت العصبة هذا النزول فماذا يكون؟ هل في ذلك ما يضير الإمبراطورية البريطانية؟ إن الصهيونيين يتحدثون كثيرا عن أهمية فلسطين للدفاع عن قناة السويس، ولكن الدفاع عن القناة إنما يكون على يد القوى المعسكرة على ضفافها، ثم يقولون إن ميناء حيفا الذي افتتح منذ أسابيع سيغدو قاعدة عظيمة للأسطول البريطاني. ولكن أين هي القوات البحرية التي يمكن أن تهاجم الأسطول البريطاني في مياه الليفانت؟ والخلاصة أن الحاجة اشد ما تدعو إلى انتهاج سياسة عملية حقيقية في الشرق الأدنى. فقد خرجت العراق من الدائرة الإمبراطورية، وما اتخذ هنالك من الإجراءات لضمان المواصلات الجوية يمكن اتخاذه في أي مكان آخر، وسوف تحذو سورية عاجلا أو آجلا حذو العراق. والبلاد العربية في تقدم، وهذا التقدم يزيد المسألة الفلسطينية تعقدا، فإذا لم يمكن الاحتفاظ بالانتداب طبق شروطنا المعدلة، فليس من الحكمة أن نحتفظ به. فلسنا بسياستنا الحاضرة نكسب عرفان اليهود ولكنا نكسب غضب العالم الإسلامي، والعالم العربي بوجه خاص.

стр. 2086

التفاؤل والتشاؤم وهل لهما أسباب تاريخية؟ بعض غرائب الخرافات عند الغربيين والشرقيين على الرغم من انتشار الحضارة في مدن الغرب والشرق وتأصل المدنية والمعرفة فيهما منذ عشرات السنين فلا يزال الكثيرون في بعض مناحي تفكيرهم واعتقاداتهم مقيدين بأغلال خرافية يؤمنونبالتفاؤل والتشاؤم على نفس النمط الذي كان يعتقد به من عاشوا في عصور ما قبل التاريخ وبعده. ما اعجب هذا الإنسان. .! خضعت له عناصر الطبيعة وطمأنت من كبريائها أمام جبروته، ودفع بسفينته إلى المحيطات الثائرة تشق عبابها آمنة لا تهاب غدرها، وبعقله الجبار دانت له العلوم وتفتحت الأسرار، ومع ذلك ما زال هذا الإنسان على ما بلغ منسيادة ومدنية وحضارة وثقافة يستمسك ببعض الأوهام الخرافية التي استمسك بها أسلافه وقد كانوا اقل منه حضارة وتعلما واستنارة، وسيظل عبدا لها مهما قرأ وتثقف. إن الحضارة لن تقضي على الخرافات مطلقا، وكل ما هنالك أن الناس يستبدلون خرافة بخرافة تحت ضغط المدنية، ولكنالأساس واحد والأصل لا يتغير. من العجب أن الغربيين يعتقدون أن الشرق (مهد الخرافة) وان أهله هم اكثر الشعوب تعلقا بالخرافات وإيمانا بها، ويعزون هذا التعلق وذاك الإيمان إلا أن هؤلاء لا يزالون في ضلالات الجهل. ومعنى ذلك أن الغرب بما وصل إليه من الحضارة ورقي العلم والأدب قد تجرد عن مثل هذه الأوهام، ولكن الواقع غير ذلك فما زال قوم منهم من أرقى الطبقات يعتقدون أحط الخرافات التي لا تقوم على أساس علمي. ولئن صدق هؤلاء المتقولون وانتحلوا للشرقيين عذرا من الجهل فماذا يقولون عن أنفسهم وهم الذين يدعون سيادة الشرق استنارة وحضارة. . .؟! فقد سألت إدارة إحدى كليات المعلمين لمقاطعة (ونكونسن) الأمريكية ٤٨٨ طالبا أن يذكروا الخرافات التي يعرفونها والتي سمعوا بها، فأجمعت ردود الطلبة على خرافات بلغت زهاء ١٢٢٥ خرافة. وهناك في الغرب طائفة من الكتب بمختلف اللغات مقصورة على البحث في الخرافات والمعتقدات المختلفة.

стр. 2087

يقول الدكتور كلارك ويسلر وهو من العلماء العاملين في متحف التاريخ الطبيعي في نيويورك: (يظهر أن المدنية وقد درجت وتطورت من مهد الجهالة لا زالت ذات صلة بطريقة التفكير التي تسيطر على العقول البدوية في الجاهلية الأولى، فالسحر والخرافات يلعبان الى الآن دورا كبيرا في الحياة العصرية). ويقول أحد علماء النفس من الفرنسيين: (إن الخرافات لم تنج منها أمة في الزمن الغابر ولا في العصر الحاضر وإن تأصل عادة التفاؤل أو قلة ظهورها لا علاقة لها بحالة الشعوب ومبلغ رقيها وتقدمها في الحضارة.) ووجه الدكتور ا. باودن مدير كلية المعلمين بولاية (مكسيكو) الجديدة بالولايات المتحدة وأحد كبار علماء النفس الأمريكيين سؤالا إلى جمهرة من الناس ولفيف من المعلمين هذا نصه: إذا كنت ذا تعلم جيد وصحة طيبة تشتغل بجد وضميرك مرتاح. . . أتظن أن هناك قوة تحيد بك عن سوى الصراط وتميل بك قسرا إلى تغيير سبيلك المرسوم؟) فكانت إجابة ٧٧ في المائة من تلك الجمهرة من الناس (نعم) و ٦٢ في المائة من المعلمين. فزهاء ثلثي الأمريكيين تقريبا من المعلمين يؤمنون بالتفاؤل والتشاؤم. إن للبيئة والإقليم والدين شيئا من التأثير في الطباع وفي الأجسام، ولكن التأثير الأعظم للوراثة. للخرافات الشائعة أصول تتفق وعقلية الإنسان الأول، وسبيلنا إلى فهمها أن نعرف أحوال المتوحشين الآن وعقائدهم وكيفية تعليلهم للأشياء والحوادث، لأن المشابهة تكاد تكون تامة بين المتوحش الذي يعيش الآن في أواسط أفريقيا واستراليا، وبين الإنسان الأول، بل يمكننا أن نقول إن المتوحشين هو أسلافنا المعاصرون الآن. إن معظم الخرافات التي ترجع إلى التفاؤل والتشاؤم ليست كلها ناشئة عن أسباب تاريخية وحوادث وقعت في الأزمنة الماضية، فكم من خرافات عاشت دهورا بلا سبب، ويرجع هذا إلى ما جبل عليه الإنسان من سرعة تصديقه بكل ما يسمعه. لا تجد أمة تخلو من اعتقادات خرافية راسخة في عقول أهلها ولكن بعض الخرافات تكاد تكون شائعة بين معظم الشعوب، وقد جمعنا في هذا المقال من أوثق المصادر طائفة من

стр. 2088

الخرافات الكثيرة الشيوع مع تعليل اصلها وفقا لآراء الباحثين. البوم أول ما يلفت النظر من الخرافات هو البوم، فمعظم الناس يتشاءمون منه، ويقولون إن رؤيته تجلب المصائب وتجر النوائب، فهو طائر الشؤم وناعي الخراب، وان الأوربيون يتشاءمون من صوت البوم ويتطيرون منه أيضا. فالمشهور عنه انه يتخذ الأماكن الخربة المهجورة والمحال المظلمة مأوى له، ولذلك قرنت في ذهن الإنسان صورة الخراب مع البوم، ومن هنا نشأ التشاؤم، وهو يقيم في الأماكن الخربة ليأكل ما يجده من الفيران والجرذان والحشرات والبعوض وغيرها. إن البوم غالبا يعشش في أجواف الأشجار، ولكن بعضها يعشش بين الصخور وعلى الرمال وفي البيوت الخربة ومن ذلك قول بعضهم: يا قصر جمع فيك الشؤم واللؤم … متى يعشش في أركانك البوم ومن أنواع البوم الهامة وهي مشهورة في قصص العرب؛ والصدى وهو الوارد في قول توبة: ولو أن ليلى الاخيلية سلمت … عليّ ودوني جندل وصفائح لسلمت تسليم البشاشة أو زقا … إليها صدى من جانب القبر صائح وقد جاء في كتاب سراج الملوك إن عبد الملك بن مروان أرق ليلة فاستدعى سميراً له يحدثه، فكان فيما حدثه به أن قال يا أمير المؤمنين (كان بالموصل بومة وبالبصرة بومة، فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة بنتها، فقالت بومة البصرة: لا افعل حتى تجعل لي صداقها مائة ضيعة خراب، فقالت بومة الموصل: لا اقدر على ذلك الآن ولكن إن دام والينا سلمه الله علينا سنة واحدة فعلت لك ذلك.) الغراب ومن الخرافات الشائعة التشاؤم من الغراب، ويعرف في الشام بالزاغ والقاق، وفي العراق بالزاغ والغراب. وكان الرومانيون يقولون: إذا طار الغراب عن يسار إنسان أنبأ بالشر وجلبه عليه. وانه

стр. 2089

يسبق المقاتلين إلى ساحة الوغى ينتظر وقوع القتلى. وإذا طار فوق بيت فلا بد أن يموت أحد فيه. وإذا وقع به أذى انتقم ممن آذاه ولو بعد موته. وكثيرون من الإنجليز يعتقدون أن نجاحهم في الدنيا نتج عن حمايتهم لغراب عشش في بستانهم، وانه إذا قتل قصدا فلا بد أن يموت أحد من الأسرة على اثر ذلك. ويقول أهالي اسوج إن الغربان التي تنعق في المستنقعات ليلا هي أرواح القتلى الذين قتلوا غيلة، ولذلك حمي الغراب من الأذى في كثير من البلدان الشمالية. وكان العرب يتشاءمون من الغراب، قال أبو الفرج المعافى ابن زكريا في كتاب الجليس والأنيس: (كنا نجلس في حضرة القاضي أبي الحسن فجئنا على العادة فجلسنا عند بابه وإذا إعرابي جالس كانت له حاجة فوقع غراب على نخلة في الدار فنعب ثم طار، فقال الإعرابي: إن هذا الغراب يقول أن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام، قال فزجرناه فقام وانصرف ثم خرج الأذن من القاضي إلينا، فدخلنا فوجدناه متغير اللون مغتماً، فقلنا له مالخبر؟ قال رأيت البارحة في النوم شخصاً يقول: منازل عباد بن زيد … على أهليك والنعم السلام وقد ضاق صدري لذلك. فدعونا له وانصرفنا، فلما كان في اليوم السابع من ذلك اليوم دفن) قال القاضي أبو الطيب الطبري: سمعت هذه الحكاية من لفظ شيخنا أبي الفرج المذكور. وقال يعقوب بن السكيت: (كان أمية بن أبي الصلت وهو شاعر مسيحي مشهور من فحول شعراء الجاهلية، في بعض الأيام يشرب، فجاء غراب فنعب نعبة، فقال له أمية: بفيك التراب! ثم نعب أخرى فقال له أمية: بفيك التراب! ثم اقبل على أصحابه وقال: أتدرون ما يقول هذا الغراب؟ زعم أني اشرب هذه الكأس فأموت، وأمارة ذلك انه يذهب إلى هذا الكوم فيبتلع عظما فيموت. قال فذهب الغراب إلى الكوم فابتلع عظما فمات، ثم شرب أمية الكأس فمات من حينه)، وهذه الحكاية من أقاصيص العرب. والتشاؤم من الغراب ربما يرجع إلى سواده، والسواد رمز للحزن حتى أن العرب يسمون السود منهم (أغربة العرب) مثل عنترة وغيره؛ ويقول محيط المحيط: إن الحاتم أي الغراب الأسود سمي كذلك لأنه يحتم بالفراق في اعتقاد العيافة، وزاد على ذلك قوله: إن الغراب سمي غراب البين لأنه إذا بان أهل الدار للنجعة وقع في موضع بيوتهم فتشاءموا به

стр. 2090

وتطيروا منه، فقالوا في المثل أشأم من الغراب إذ كان لا ينزل منازلهم إلا إذا بانوا (أي بعدوا) عنها. وربما يرجع أيضا إلى علاقة لفظية بين اسمه وبين الغربة والغراب أي النزوح عن الوطن والأهل والأحباب. وعلل الجاحظ تطير العرب من الغراب في كتاب الحيوان فقال: (وأصل التطير إنما كان من الطير إذا مر بارحا أو سانحا (أي عن اليمين أو عن اليسار) ورآه المتطير يتفلى أو ينتف ثم صاروا إذا عاينوا الأعور من الناس أو البهائم أو الأعضب أو الأبتر زجروا عند ذلك وتطيروا كما تطيروا من الطير، فكان زجر الطير هو الأصل اشتقوا منه التطير ثم استعملوا ذلك في كل شيء، والغراب لسواده إن كان اسود، ولاختلاف لونه إن كان أبقع، ولأنه غريب يقطع إليهم، ولأنه لا يوجد في موضع خيامهم يتقمم إلا عند مباينتهم لمساكنهم ومزايلتهم لدورهم، ولأنه ليس من شيء من الطير اشد على ذوات الدبر من ابلهم من الغربان؛ ولأنه حديد البصر قالوا عند خوفهم من عينيه الأعور، كما قالوا غراب لاغترابه وغراب أبي لأنه عند بينونتهم يوجد في دورهم. وقال ولإيمان العرب بباب الطيرة عقدوا الرتائم وعشروا (أي نهقوا عشر مرات) إذا دخلوا القرى تعشير الحمار. والغراب اكثر من جميع ما يطير به في باب الشؤم. لكنهم لم يكونوا في ذلك سواء، بل نفى بعضهم التطير، قال سلامة بن جندل: ومن تعرض للغربان يزجرها … على سلامته لابد مشؤوم وقال غيره: يا أيها المزمع ثم انثنى … لا يثنك الحادي ولا الشاحج بينا الفتى يسعى ويسعى له … تاح له من أمره ذائج إبراهيم تادرس بشاي

стр. 2091

فلسفة ديكارت للأستاذ زكي نجيب محمود تمهيد وثبت الفلسفة في عهد الإغريق وثبة جريئة، كانت من غير شك شذوذا نابيا لا يستقيم مع طفولة العقل عندئذ، ولا يتفق مع سير الإنسانية الوئيد المتثاقل. وما ظنك بثلاثة من قادة الفكر وأفذاذهم البارزين الذين لا تزال فلسفتهم إلى هذا اليوم موضوعا للبحث والدرس، واغلب الظن أنها ستظل موضوعا للبحث والدرس إلى غد وبعد غد! ما ظنك بهؤلاء الجبابرة ينشرون تلك الفلسفة العالية وذلك الفكر الرفيع في أوساط من الناس يستحيل على عقولهم الفجة الساذجة أن تتسع لأشباهها، أو قل لا تدنو من عشر معشارها! ما ظنك بسقراط وأفلاطون وأرسطو، أولئك العباقرة الفحول ينتجون هذه الفلسفة في القرن الخامس قبل ميلاد المسيح، أي منذ خمسة وعشرين قرنا! لم تسغها العقول وقتئذ، إذ لم تقو على هضمها وتمثيلها، فكان طبيعيا أن يكون نصيبها الطي والإهمال، حيث استقرت في بطون أسفارها قرونا وقرونا، تنتظر العقل الناضج الرشيد، تنتظر هذه الإنسانية المتلكئة في سيرها حتى تسمو وترتفع إلى حيث هي، وعندئذ تستطيع أن تنشر صفحاتها المطوية وتخرج إلى شمس كنزها الدفين. ولكنها وقفت تنتظر حينا طويلا من الدهر حتى سئمت الانتظار! وحق لها أن تمل وتسأم، فقد أقبل الناس على عصر بل عصور، اصطلح المؤرخون على أن يطلقوا عليها اسم العصور الوسطى كانت مظلمة شديدة الظلام، تتخبط في ديجور من الجهل، لا يكاد ينفذ فيه قبس واحد من نور، كأنما أصاب الدهر سنة من النوم أو إغفاءة من السهو، فبدل في مواضع الأزمان، حيث قدم ما كان يجب أن يؤخر، وأخر ما يجب أن يقدم!! في تلك العصور سيطرت الكنيسة على العقول إلى أقصى حدود السيطرة، وحرمت على الناس كل ضرب من ضروب التفكير الحر الطليق، كما حضرت عليهم كل دراسة لا تمت إلى الدين بسبب وثيق. اسمع إلى البابا غريغوري الأكبر، رئيس الكنيسة الأعلى، كيف ينحو باللائمة المرة، والتقريع اللاذع، على رجل من رجال الدين، وشى به إليه انه يصرف شطرا من زمنه في قراءة الآداب القديمة فيقول:

стр. 2092

(لقد وصل إلى علمنا ما نخجل لذكره، ذلك انك تدرس الآداب القديمة لأصدقائك فامتلأ قلبنا غضبا منك، وازدراء بك، وحسرة عليك، فان لسانا ينشد مديح المسيح، لا يستطيع أن يتغنى بالأدب القديم) ولكن هيهات أن تصاب الإنسانية بالجمود دون أن تمضي في سبيلها قدما، لا تتقهقر خطوة إلا لكي تتحفز للوثوب الفسيح، فبالرغم من هذا الستار الصفيق الذي اسدلته الكنيسة في العصور الوسطى دون العقول، لتحول بينها وبين التفكير في مظاهر الوجود، فقد نفذ إلى النفوس بصيص من نور، فساورها القلق من هذا الاستسلام المطلق للكنيسة ورجالها. وهنا بدأ الشك يتسرب إلى العقيدة الراسخة شيئا فشيئا، حتى قال (ابيلار) في جرأة الثائر: (يجب إلا نؤمن بمذهب لأنه من عند الله، بل لأن الدليل العقلي قائم على صحته. فان الشك يدعونا إلى البحث، والبحث يوصلنا إلى العلم الصحيح) ثارت النفوس إذن ثورة عنيفة هدامة، وتناولت بالتحطيم تلك الأغلال الثقيلة التي فرضتها عليهم الكنيسة فرضا؛ والتي كبلت عقولهم حينا طويلا، فحبست عنها الحياة والنور: وكانت فورة الغضب حامية جارفة، اكتسحت أمامها الحدود والسدود، وقوضت العقائد المتأصلة في النفوس، وزلزلت بمعول الشك تلك الآراء التي بلغ يقينها درجة تدنو من التقديس. كانت العصور الوسطى تفرض على ساكنيها التسليم بكل شئ، فجاءت هذه النهضة الفكرية تحتم الشك في كل شئ:: ولم يكن ذلك الشك هداما وكفى، لم يكن يريد أن يقوض البناء، ثم يهمل أنقاضه مركومة بغير تشييد، كلا بل أراد أن يهدم باطلا ليقيم صرح الحق قويا متينا. ذلك ما قصدت إليه الفلسفة في فجر العصر الحديث، ولكن أين عساها أن تجد اللبنات التي تقيم بها ذاك الحصن الجديد؟ أتلتمس ذلك في فلسفة العصور القديمة، أم تلتمسه في فلسفة العصور الوسطى؟ لقد مزجت بينهما جميعا، وكان لها من هذا المزيج ما تريد. فقد كان القدماء ينشدون الحكمة الفلسفية، أو أن شئت فسمها حكمة دنيوية، وكان أهل العصور الوسطى يبحثون عن الحكمة اللاهوتية، فجاءت الفلسفة الحديثة واعترفت بالمطلبين، ثم ألفت بينهما، واتخذت منهما غرضا واحدا. فكان لابد لها أن تأخذ بالحياتين الأولى والآخرة في وقت معا. لابد لها أن تميل بأسرها نحو هذه الحياة الواقعة، وأن تتجه بكليتها نحو الغريب

стр. 2093

المرقوب على السواء. فقد كانت الوثنية الأولى تعتد بالعالم الكائن فحسب، وكانت مسيحية العصور الوسطى تعنى بالعالم الآخر فحسب، ثم تبع ذلك مرحلة انتقال ظهرت فيها النزعتان جنبا إلى جنب: النزعة الوثنية المطبوعة بالطابع الدنيوي، والنزعة الدينية الزاهدة في الحياة الدنيا، ثم جاء العصر الحديث فكان ما أسلفنا من تآلف بين الوجهتين،، وجمع كل رجل في نفسه كلا الجانبين. وذلك إنما يكون بأن نخلق من روحك عالما تعيش فيه عيشة مطمئنة راضية، لا تقف عند الحياة الدنيا محصورا في حقائقها المحسة الضيقة، وكذلك لا تقصر نفسك على الحياة الروحية، فتمر عليك الحياة، أو على الأصح تمر أنت على الحياة، دون أن تشق عبابها وتخترق غمارها. لا تنصرف بالأولى عن الآخرة، ولا تصدفنك الآخرة عن الأولى. لا تعن بالجسد وتهمل الروح، ولا تعن بالروح وتزدري الجسد، بل أجمع بينهما في وحدة متآخية، وأنا أظن أن ذلك ما يدعو إليه الإسلام في الحديث النبوي الشريف: أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، وأعمل لأخرتك كأنك تموت غدا. . . مزج بين الروح والمادة، بين الدين والدنيا. نعم ينبغي ألا تكون ماديا فتنكر هذه القوة التي يفيض بها الوجود، كما يجب ألا تكون صوفيا زاهدا، يزوّر عن هذه المادة التي تملأ جوانب الكون. ولتكن (أيها الإنسان) موضعا يتصافح عنده الطرفان المتخاصمان، ونقطة يلتقي لديها الشطران النقيضان. . . ألست تريد أن تمجد الطبيعة المادية إلى أقصى حدود التمجيد، مفتونا بدقائقها المتناغمة؟ ثم ألا تريد أن تكون مع ذلك لاهوتيا يعبد الروح الأعلى الذي يستغرق الوجود بقوته؟ أو بعبارة جلية موجزة، ألا تريد أن تسرح فكرك في الطبيعة وما فوق الطبيعة على السواء؟ أذن فأبحث الإنسان: تناول الإنسان بالتحليل والدرس، فهو جماع الحكمتين، وملتقى الجانبين. التمس عنده الطبيعة المادية في أدق ترتيب وأحكم تصوير، والقوة الروحية في أروع مظاهرها وأسمى مجاليها. أنه الإنسان الذي أنزله الله في الأرض، ليكون لسانا ناطقا بحكمته، وترجمانا يفصح عن قوته، ورسولا أمينا يصل ما بين الله والعالم المادي، وأذن فقد بات طريق الفلسفة واضحا معبدا. . . فإذا أرادت الحق، فلتبدأ سيرها من النفس، نفس الإنسان، ثم تسلك سبيلها، راسخة القدم موطدة اليقين، حتى يصل بها البحث إلى معرفة الله والعالم

стр. 2094

المادي. . . لقد انعكس الوضع، وانقلب المنطق نتيجةً لمقدمة، فقد كانت الفلسفة في بادئ أمرها. تفتح سيرها ببحث القوة والمادة، أعني الله والطبيعة، لكي تنتهي إلى الإنسان؛ أما الآن فهي تبدأ جهادها بدراسة النفس الإنسانية ثم تنتقل منها إلى العالم الخارجي. بذلك الشك حطمت الفلسفة الحديثة كل ما نزل عند القدماء منزلة اليقين، وعلى هذا الأساس الجديد من توحيد المادة والروح في الإنسان، واختصاصه بالبحث أولاً، ثم الانتقال منه إلى العالم الخارجي، قام البناء الجديد. وكان أول من وطد ذلك الأساس وشيد عليه البناء فيلسوفنا رنيه ديكارت فلسفته ١ - العقل يثبت وجود نفسه: أن هذا الرأس الصغير الذي تحمله فوق منكبيك، ليفيض بالآراء ويزدحم بالعقائد، وتعمره شتى المعلومات، التي تقطر إلى ذهنك من هنا وهناك. فهذه الطائفة من المعارف قد رأيتها بعينيك وتلك سمعتها بأذنيك، وثالثة لم تسلك إلى ذهنك طريق الحواس، ولا أوحي إليك بها إنسان آخر، إنما نبعت من نفسك الباطنية، فأنت توقن ولا ريب أن النار محرقة لأنك لمستها بيديك، ولا يخامرك شك في أن رجلا أسمه نابليون كان يعيش في أوائل القرن التاسع عشر، لأن إجماع الرواة يؤكد ذلك، ولا تتردد في أن تحكم بأنك ما دمت موجودا في حجرتك، يستحيل أن تكون أنتفي نفس الوقت جالسا في المقهى، لأن عقلك يعلم ذلك بالضرورة. . . وهكذا تستطيع أن تستعرض معلوماتك جميعاً، فتراها قد سلكت إليك هذا الطريق أو ذاك، فهي إما نفذت إليك من الخارج بواسطة الحواس، أو لدنية نبعت من ضرورة عقلية، ومع ذلك فكثرتها الغالبة تقع عندك موقع اليقين الذي لا يحتمل الشك والجدل. ولكن ألا يجدر بك أن تثوب إلى نفسك فتعسر معها الحساب على هذا الاطمئنان السريع والتصديق العاجل بصحة هذه الحقائق مع أنها قد تكون خطأ كلها؟ أليست هذه الحواس التي تركن إلى أمانتها، خادعة في كثير من الأحيان، فتوهمك مثلا أن القمر لا تعدو مساحته القرص الصغير، وهو ليس كذلك؟ وهذا العقل الذي تعتمد على أحكامه، ألا يقدم لك صورا وأفكارا بعضها وهم خاطئ؟ هذا صحيح لا ريب فيه. فأفرض منذ الآن أن تطمئن

стр. 2095

إلى ما يقدمانه إليك من الحقائق، تقبلها بالشك ولا تجزم بصحتها، وإذن فهذه معلوماتك جميعا قد هدمت من أساسها. . . فما يدريك أن هذه الأجسام المادية موجودة حقيقية؟ وما يدريك أن الله موجود؟ ثم ما يدريك أنك أنت نفسك موجود؟ ستقول العقل أو الحواس: كلا، لا تفعل. فقد تبين لك أنهما كثيرا ما يكونان مبعث الخطأ والزلل، ولا يحتمان الحق واليقين. . إذن فلا تتردد في أن تنزع من نفسك جميع العقائد والآراء والأفكار، وأفرض أن كل ما يصادفك باطل ليس له وجود، ولا تصدق ما تمدك به الذاكرة الكاذبة والحواس الخادعة؛ وأدَّع أن الجسم والصورة والامتداد والحركة والمكان كلها من خلق الخيال. فما الذي يبقى من الحق بعد؟ لا شئ: اللهم ألا حقيقة واحدة، ستصمد لهذا الشك الجارف، وتظل ثابتة لا تميل أمام عاصفة الأفكار والجمود، لا بل تزداد يقينا كلها أمعنت في الشك والإنكار، تلك هي أن هناك شخصا يشك!. . أرفض الحقائق، وشك في صحتها ما وسعك الرفض والشك ولكنك لن تستطيع أن تشك في أنك تشك. نعم مهما شككت فلست أنكر أني أشك، ولما كان الشك ضربا من ضروب التفكير، أذن فلا شك أني أفكر. وبديهي أي لو لم أكن موجودا لما فكرت، وأذن فأنا موجود وليس في وجودي شك (أنا أفكر فأنا إذن كائن) تلك هي القاعدة الأساسية التي اتخذها ديكارت أساسا قديما أقام عليه فلسفته بأسرها. ويلاحظ أن إثبات الوجود هنا لا ينصب إلا على العنصر المفكر من الإنسان ولا يتعداه إلى الجسم، ذلك لأنه أثبت وجوده بناء على وجود تفكيره، أي عقله، ولم يقم الدليل بعد على وجود الجسم. ولكن مالنا وللجسم الآن؟ هانحن أولاء قد حصلنا على العقل وأيقنا بوجوده، وهو أساس المعلومات جميعا، وحسبنا ذلك لنهتدي عن طريقه إلى معرفة الحقائق التي ننشد، وهكذا بدأ ديكارت بالشك إلى حيث انتهى إلى اليقين. وقد قال قائل: (كلما فكرت ازددت شكا) فعارضه ديكارت بقوله: (بل كلما شككت ازددت تفكيرا، وازددت بالتالي يقينا بوجودي). حقا لقد انتزع ديكارت من غمار الأنقاض التي ركمها الإنكار والشك، يقينا لا يأتيه الباطل، ذلك أنه هو موجود لا ريب في وجوده. ثم يقرر أن كل حقيقة يستطاع إثباتها بمثل هذا اليقين القاطع، لا يجوز له أن يتردد في اعتبارها حقا لا يقبل الشك. ثم يستطرد قائلا أن

стр. 2096

الإنسان يخرج إلى هذا العالم وفي فطرته طائفة من هذه الحقائق اليقينية الثابتة التي تحتمل الإنكار أو الشك، وهي لا تأتي عن طريق التحصيل، كالحقائق الرياضية مثل٢و٢ تساوي٤، فهذه حقيقة مؤكدة، وليست تجيئك عن طريق الحواس، إنما هي مفطورة فيك منذ الولادة، وقل مثل ذلك في كل البديهيات العقلية كأن تقول أن الجزء أصغر من الكل وما إلى ذلك مما هو معروف معلوم. ٢ - إثبات وجود الله يتضح مما سبق أن ديكارت بعد أن أنكر كل شئ، عاد فأثبت وجود نفسه، ثم أتبع ذلك بالاعتراف بوجود بعض الحقائق الفطرية الثابتة، كالتي قدمناها مثلا. . . . فنحن إذا زعمنا أن شيئا لا يستخرج من لا شيء، فإنما نقرر حقيقة لا تقل يقينا عن حقيقة وجود العقل المفكر، لأنها واحدة من تلك البدائة التي لا تحتمل الرفض والإنكار. إذ لا بد أن يكون الفرع مستغرقا في أصله، والنتيجة في مقدمتها. ومن ذا الذي يستطيع أن يصدق أن الجبل الشامخ قد خرج من ذرة حقيرة، وأن البحر الخضم قد اشتق من قطرة صغيرة؟. يستحيل أن يكون ذلك لأن الذرة لا تلد إلا ذريرة أصغر منها، بناء على البديهية التي أسلفنا ذكرها وهي أن شيئا لا ينشأ من لا شيء أذكر هذه البديهية جيدا، ثم أستعرض ما يحويه رأسك من صنوف المعارف، قلب النظر فيما يدور بخلدك من أفكار، فماذا ترى؟ ترى أن لكل فكرة أصلا أعم منها وأشمل، وهذا طبيعي لأن الصورة لا يمكن أن توضح أكثر من أصلها، أو قل تجيء على مثاله على أكثر تقدير، كذلك ترى أفكاراً فطرية نشأت معك منذ ولدت ولم تستمدها من العالم الخارجي. ولكنك في هذا البحث الذي تستعرض به أفكارك وتردها إلى أصولها، ستصادف بينها فكرة ممتازة، هي فكرة الكائن اللانهائي، أي أنك تتصور كائنا لانهاية له ولا حدود، فمن أين جاءتك هذه الصورة؟ يستحيل أن تكون قد سبقت من فطرتك، لأنها أوسع منك، فأنت على نقيضها كائن محدود، وبديهي - كما أسلفنا لك القول - ألا تجيء الصورة أشمل من أصلها، ومحال أن يتفرع شيء من لا شيء، وبالتالي محال أن يتفرع الكائن اللانهائي المطلق من كائن نهائي محدود. تستطيع أن تعترض على هذا القول بأن تزعم أنك قد تستخرج من الواحد الصحيح عداً لانهائيا بالطرح المستمر، فتسير في العد سلبا، ناقص

стр. 2097

واحد، ناقص اثنان، ناقص ثلاثه. . . . . ناقص لا نهاية. وبذلك تكون قد حصلت على عدد غير محدود من رقم محدود. ولكنك نسيت حين تقدمت بهذا الاعتراض، إنها عندئذ تكون سلبية، في حين أني أتصور لا نهاية إيجابية، كالمكان اللانهائي والزمان اللانهائي وما إليهما. أتستطيع أذن أن تحدثني من أين جاءتك هذه الفكرة، بعد أن وثقت معي أنها لم تتفرع عن فطرتك؟ لا أحسبك مترددا في أن توافق ديكارت فيما ذهب إليه من أن هذه الفكرة اللانهائية الكاملة لا يمكن أن تنبعث عن الطبيعة البشرية الناقصة، بل لابد لها من أصل يوازيها كمالا وعظمة، لضرورة التكافؤ بين العلة والمعلول، ومن هنا أصبح حتما علينا أن نسلم بوجود اله جامع لكل صفات الكمال، وهو الذي خلق في الإنسان هذه الفكرة وألهمه إياها، وأذن فالله موجود وليس في وجوده شك. ٣ - إثبات وجود العالم الخارجي لقد رأيت فيما سبق كيف حمل ديكارت معول الشك، وقوض به كل فكرة ورأي، وأنكر الوجود بأسره، بل وأنكر نفسه، خشية أن يكون مخدوعا متورطا في خطأ أوحى به إليه فقابله بالتسليم، ثم سار في طريق المنطق السليم حيث انتهى إلى إثبات وجوده، ثم رتب على وجود نفسه وجود الله، وهاهو ذا يستنتج من وجود الله وجود العالم الخارجي. . . أليس الله هو ذلك الكائن اللانهائي، المطلق القوة، الذي لا تحده الحدود؟ أليس هو علة وجود نفسه وهو خالق الكون؛ أذن فلا ريب في أنه كائن كامل لا تشوبه شائبة من نقص، لأنه ما دام قادرا، مطلقا في قدرته، فمن الطبيعي أن يكون عمله مثلاً أعلى للكمال، لأن ذلك في حدود استطاعته، وما دام حائزا ضروب الكمالات المختلفة، فهو إذن متصف بالصدق الذي لا يخالطه ذرة من خداع، ومعنى ذلك أنه يستحيل على الله أن يكون سببا في تضليل الإنسان وخداعه. فقد منحنا عقلا مفكرا، وضمن لنا أن نصل به إلى معرفة الحق إذا أحسن استعماله، فلا نعتبر حقا ألا ما يحكم العقل بصحته حكما يقينا قاطعا لا يقبل الشك. وإذن فقد أصبح من اليسر أن نقيم الدليل على وجود العالم الخارجي، فقد كنا شككنا في وجوده، لجواز أن تكون عقولنا خادعة تصور لنا الباطل حقا، فأما وقد أقمنا الدليل على وجود الله، وأثبتنا له جميع صفات الكمال، ومن بينها الصدق، فيجب ألا يعثر بنا الشك في

стр. 2098

وجود الكائنات الخارجية، إذ لو كانت وهمية، لترتب على ذلك أن يكون الله خادعا، لأنه هو الذي أمدنا بتلك العقول الخادعة، وهو الذي يصدر لنا جميع ما ندرك، وإذن فالعالم الخارجي موجود وليس في وجوده شك. ولنوجز ما أسلفنا في حلقات منطقية متتابعة، نقول: أنا أفكر، فأنا موجود، وليس في وجودي شك. ومادمت أشتمل على فكرة الكائن اللانهائي، وهذه لا يمكن أن تشتق من طبيعتي المحدودة، فلا بد أن تكون ناشئة عن سبب خارجي يتكافأ معها، وهو الله. ومادام الله حائزا لجميع ضروب الكمال، فيستحيل عليه أن يضللنا، ولابد أن يكون ما وهبنا من عقل أداة صالحة، وأن ما ندركه حق واقع، وإذن فهذا العالم الخارجي الذي تصوره لنا عقولنا موجود لا ريب في وجوده، وبعبارة أوجز، نقول إن ديكارت بدأ بإثبات نيته، ثم رتب عليها وجود الله، ثم استنتج من وجود الله وجود العالم الخارجي. ٤ - ولكن ما هو لك العالم الخارجي؟ ومم يتكون؟ يحدثنا ديكارت أننا نستطيع أن نرد مظاهره إلى أصلين، أو فكرتين وهما الامتداد والفكر، أو بعبارة ثانية القوة والمادة. فهما شطران منفصلان لا يعتمد الواحد منهما على الآخر بأية حال من الأحوال، وهذا هو مبدأ ثنائية الوجود، أي شطر الكون إلى عنصرين متميزين، أما أحدهما وهو المادة وصفته المميزة هي الامتداد طولا وعرضا وعمقا، إذ لا نستطيع أن نتصور مادة بغير امتداد. وأما الثاني وهو العقل، فخاصيته المميزة هي الفكر، فهو يفكر تفكيرا متصلا لا ينقطع لحظة، كما ينبعث الضوء عن الشمس والدفء عن الحرارة. أي أنه في وعي مستمر دائم، حتى أن ديكارت لم يستطع أن يتصور الجنين وهو في أحشاء أمه بغير تفكير! ويظهر من هذا أن خلافا جوهريا يفصل بين شطري الوجود: المادة والروح، وبالتالي بين جسم الإنسان وعقله، فهما نقيضان مختلفان في الجوهر والعرض على السواء، وان كان ذلك كذلك، فكيف أمكن اتصالهما، وكيف يؤثر أحدهما على الآخر؟ هنا لا يتردد ديكارت في أن ينكر العلاقة بين عنصرين هما على أشد ما يكون التباين بينهما، ويعتقد أنها إرادة الله وحدها التي تشرف عليهما، وتدبر حركاتهما: فأما الجسم فخاضع لما تخضع له كل الأجرام المادية الاخرى من قوانين، وليس للعقل من القوة ما يستطيع بها أن يدفع الجسم إلى الحركة، اللهم إلا إذا وافقت إرادة الشخص إرادة الكائن الأعلى. إذن فالوجود عند ديكارت ينحل إلى

стр. 2099

عنصرين أساسيين، أو مادتين أوليتين، فكل أجزاء المادة، كائنة ما كانت صورها، مركبة من مادة متجانسة. وكل ما يحتوي عليه الوجود من قوة، أو بعبارة أخرى من روح، أو بعبارة ثالثة من عقل، فهو مركب من مادة متجنسة كذلك. ويشرف على العنصرين أو المادتين اله قادر حكيم. ومما يجدر ذكره أن سبينوزا، وقد جاء على أثر ديكارت، لم يطمئن إلى هذا التقسيم الذي لا مبرر له، وصهر الجميع في وحدة متجانسة لا إنفصال فيها ولا اختلاف. وقد عجب من ديكارت، وتساءل: لماذا تقصر القوانين الآلية على الجسم وحده دون الروح؟ أما هو فلا يحجم عن أن يمد من نطاقها حتى تشمل العناصر الثلاثة: الله والعقل والمادة، استغفر الله، بل ليس ثمت عند سبينوزا من تثليث للعناصر، إنما الجميع عنصر واحد متجانس، يسير وفق قانون شامل لا يتبدل ولا يفنى.

стр. 2100

جواب رسالة حزينة للأستاذ مصطفى كامل أترى في الناس أحداً ينفر من إنسان كان مريضاً بداء خبيث ثم بريء منه؟ وإن نفراً يقره الناس على هذا الخوف السخيف أم يستحمقونه؟ ثم مالفرق بين المرض الجسماني وبين السقطة الخلقية وكلاهما مرض قد يبرأ منه المريض؟ ثم ما ذنبه؟ أيمكن أن إنساناً يطلب المرض بمحض اختياره أم ترى أن المريض ضحية بائسة لا تتمنى على الله شيئا في الدنيا إلا البرء منه؟ ولو أن إنسانا ترك لمناه وهواه لما طلب إلا أن يكون صحيح الجسم سليم النفس ثم ما فضل السليم على المريض أو الذكي على الغبي؟ وما فضل الكريم على اللئيم؟ هل يمكن أن يكون أحد من الناس من عمل نفسه، أم هو من عمل الأسلاف والبيئة والأجواء والتعليم والثروة وظروف الحياة؟ أليس الفرد نتاج ملايين من العوامل المتفاعلة التي تكوننا وتجعلنا في الصورة التي نحن عليها؟ أترى أحداً استطاع أن يكون ملكا ولم يرض، أو نبيا ولم يفعل؟ أو ثريا ولم يقبل؟ فوالله لو أن أمور الدنيا في مكنة الناس لكانوا ملائكة جميعاً طبعت على ما فيَّ، غير مخير … هواي، ولو خُيرت كنت المهذبا كلما عرضت لي في أمور الحياة مثل حال هذه الفتاة، خطرت ببالي جملة رائعة ما أزال أذكرها (لبول بورجيه) في كتابه (التلميذ) قال: (أيمكن أن نحترم لاعب الروليت الذي يلعب عشر مرات متوالية على الأحمر والأسود، ألا إنما الفضيلة والرذيلة هما الأحمر والأسود، والفتاة الشريفة، واللاعب المحظوظ سواء في المواهب) ألا إنما الفاضل من الناس فاضل بسبب الظروف التي عصمته، والمجرم من الناس مجرم بسبب الظروف التي أضعفته. ولو أن المجرم وضع مكان العالم الورع الشريف وله نفس العوامل في الماضي، ونفس الحوادث في البيئة وأوضاع الحياة، لما كان إلا الرجل الفاضل الورع الشريف، ولو أن امرأة شريفة عرضت لها نفس عوامل المرأة التي سقطت لما ظلت امرأة شريفة، وإذن فما فضل إنسان على إنسان؟ الا أننا كلنا من عمل ما لا نملك في نفوسنا مما قد يرجع إلى ما

стр. 2101

قبل وجودنا. لقد كنت في إحدى القهوات مرة، فلمحت مربياً معروفاً خالس الناس وأخفى بيبة منسية في جيبه، وهو مع ذلك رجل معروف كان يجب أن يكون له من تربيته حصانة فلا يتدنى، ومن رزقه حائل فلا يسفل، ولو لم يكن من ظروف هذا الرجل ما يحميه من الإسفاف لما كان إلا من طريدي القانون. وإذن فما ذنب مريض قد مرض برغم انفه، ثم بعد ذلك قد بريء، ومع ذلك فما معنى أن نجعل الماضي رجسا للحاضر ودنسا للمستقبل، لقد مات هذا الماضي ولم تعد له من علامات الحياة وا أسفاه إلا ذكريات من عمل الرؤوس وخيالات النفوس. ليمض هذا الصديق في حبه، فليس في الدنيا كافة ما يعدل القلب المفعم بالحب بهجة ولذة وسعادة، ولينبض قلبه بهذا الحب قبل أن تسكن نامته، وليملأ بيته وعشه الجميل قبل أن يوحش قبره، ولينعم حياته بالأمل والحب والجمال قبل أن تجف الحياة.

стр. 2102

الشافعي واضع علم أصول الفقه للأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرزاق. أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب - ٣ - وكان الشافعي في أول أمره يطلب الشعر وأيام الناس والأدب. قال الشافعي: (وخرجت من مكة، يعني بعد أن بلغ قال: فلزمت هذيلا بالبادية أتعلم كلامها وآخذ اللغة وكانت أفصح العرب) ابن حجر ص٥٠. ثم توجه الشافعي إلى الفقه يدرسه وقد اختلفت الروايات في سبب توجهه إلى الفقه أو تكاد ترجع كلها إلى نصح الناصحين له: إن يصرف جهده وذكاءه في علم تكمل به سيادته من غير خطر على دينه ولم يكن يومئذ إلا الفقه سبيلا إلى ذلك ويعبر عن روح الوقت من تلك الناحية: ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: لما أردت طلب العلم جعلت أتخير العلوم وأسأل عن عواقبها فقيل لي: تعلّم القرآن، فقلت: إذا تعلمت القرآن وحفظته فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد ويقرأ عليك الصبيان والأحداث ثم لا تلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك أو يساويك في الحفظ فتذهب رياستك، قلت: فان سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني، قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت واجتمع عليك الأحداث والصبيان ثم لم تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب فيصير عاراً عليك في عقبك، فقلت لا حاجة لي في هذا، ثم قلت: أتعلّم النحو، فقلت: إذا تعلمت النحو والعربية ما يكون آخر أمري؟ قالوا تقعد معلما واكثر رزقك ديناران إلى الثلاثة، قلت وهذا لا عاقبة له، قلت: فان نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني، ما يكون من أمري؟ قالوا: تمدح هذا فيهب لك ويحملك على دابة أو يخلع عليك خلعة، وأن حرمك هجوته فصرت تقذف المحصنات، فقلت: لا حاجة لي في هذا قلت: فأن نظرت في الكلام فما يكون آخره؟ قالوا لا يسلم من نظر في الكلام من شنعات الكلام فيرمى بالزندقة، فأما أن يؤخذ فيقتل، وأما بسلم فيكون مذموما، قلت: فأن تعلمت الفقه؟ قالوا: تسأل وتفتي الناس وتطلب للقضاء وإن كنت شابا، قلت: ليس في العلوم شيء أنفع من هذا، فلزمت الفقه وتعلمته) - تبييض الصحيفة - ص١١و١٢

стр. 2103

وتفقه الشافعي أول أمره على (مسلم بن خالد الزنجي) مفتي مكة سنة ١٨٠هـ ٧٩٦م مولى بني مخزوم، وقد اختلف النقاد في أمر مسلم فقيل: ثقة وقيل ضعيف وقيل: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث ونقل: انه كان يرى القدر ولعل هذا هو سر تضعيفه ويقولون: أن مسلم بن خالد الزنجي قال للشافعي: أفت يا أبا عبد الله فقد آن لك أن تفتي، وكان الشافعي حينئذ دون عشرين سنة. وأخذ الشافعي في مكة عن: (سفيان بن عيينة الهلالي) المتوفى سنة ١٩٨هـ ٨١٣م أحد الثقاة الأعلام، روي عن بعضهم: أنه اختلط سنة ١٩٧هـ ٨١٢م. ثم رحل الشافعي إلى المدينة ليطلب العلم عن (مالك بن أنس) فقرأ الموطأ على مالك بعد أن حفظه عن ظهر قلب في مدة يسيرة وأقام بالمدينة إلى أن توفي (مالك) سنة ١٧٩هـ ٧٩٥م. وخبر رحلته إلى مالك مروي على وجوه مختلفة تتفق كلها في أن الشافعي كان فقيرا لا يملك نفقة السفر على فرط شوقه إلى الأخذ عن إمام دار الهجرة. ثم يسر الله له أسباب الرحلة، وأحسن مالك لقاءه لما تفرس من نجابته وفضله. وتلقى الشافعي في المدينة عن غير مالك كإبراهيم بن أبي يحيى الذي يقول الرازي: اتفقوا على أنه كان معتزليا. وخرج الشافعي إلى اليمن بعد موت مالك. (قال الشافعي: لما مات (مالك) كنت فقيرا، فاتفق أن والي اليمن قدم المدينة فكلمه بعض القرشيين في أن أصحبه فذهبت معه واستعملني في أعمال كثيرة وحمدت فيها والناس أثنوا علي) الرازي ص ١٨. وكادت الولاية تشغل بالشافعي عن العلم حتى نبهه بعض شيوخه فانتبه قال الشافعي: كنت على عمل باليمن واجتهدت في الخير والبعد عن الشر، ثم قدمت المدينة فلقيت ابن أبي يحيى وكنت أجالسه، فقال لي: تجالسوننا وتسمعون منا فإذا ظهر لأحدكم شيء دخل فيه. ثم لقيت ابن عيينة فقال؛ قد بلغنا ولايتك فما أحسن ما انتشر عنك، وأديت كل الذي لله عليك ولا تعد

стр. 2104

قال الشافعي ﵁: موعظة ابن عيينة أبلغ مما صنع ابن أبي يحيى - الرازي ص ٢٠ وقد أخذ الشافعي عن جماعة من أهل اليمن منهم مطرف بن مازن الصنعاني المتوفى سنة ١٩١هـ ٨٠٦م وقد كذبه يحيى بن معين وقال النسائي ليس بثقة، وقال غيره كان قاضي صنعاء، وكان رجلا صالحا وعمرو بن أبي سلمة المتوفى سنة ٢١٤هـ ٨٢٩م وهو صاحب الاوزاعي ويقولون إن الشافعي جمع كتب الفراسة من اليمن واشتغل بها حتى مهر فيها ارتفع شأن الشافعي في اليمن (ثم أن الحساد سعوا إلى هارون الرشيد، وكان باليمن واحد من قواده فكتب إليه يخوّفه من العلويين وذكر في كتابه: إن معهم رجلا يقال له: محمد بن إدريس الشافعي يعمل بلسانه ما لا يقدر المقاتل عليه بسيف، فإن أردت أن تبقي الحجاز عليك فاحملهم إليك. فبعث الرشيد إلى اليمن وحملوا الشافعي مع العلوية إلى العراق) الرازي ص١٨. وتلك هي المحنة التي اقتضت دخول الشافعي العراق. وفي حديث هذه المحنة اختلاف كبير وقد يكون أسلم هذه الروايات من الحشو وأدناها إلى الاعتدال والقصد: ما رواه ابن عبد البر في كتاب (الانتقاء) قال: حمل الشافعي من الحجاز مع قوم من العلوية تسعة وهو العاشر إلى بغداد وكان الرشيد بالرقة، فحملوا من بغداد إليه وأدخلوا عليه ومعه قاضيه (محمد بن الحسن الشيباني) وكان صديقا للشافعي وأحد الذين جالسوه في العلم وأخذوا عنه فلما بلغه أن الشافعي في القوم الذين أخذوا من قريش بالحجاز واتهموا بالطعن على الرشيد والسعي عليه، اغتم لذلك غما شديدا: وراعى وقت دخولهم على الرشيد قال: فلما أدخلوا على الرشيد سألهم وأمر بضرب أعناقهم: فضربت أعناقهم إلى أن بقى حدث علوي من أهل المدينة وأنا، فقال للعلوي: أأنت الخارج علينا والزاعم أني لا اصلح للخلافة؟ فقال العلوي: أن أدعى ذلك أو أقوله قال: فأمر بضرب عنقه، فقال العلوي: أن كان لابد من قتلي فأنظرني أكتب إلى أمي بالمدينة فهي عجوز لم تعلم بخبري، فأمر بقتله فقتل. ثم قدمت و (محمد بن الحسن) جالس معه فقال لي مثل ما قال للفتى فقلت: يا أمير

стр. 2105

المؤمنين لست بطالبي ولا علوي وإنما أدخلت في القوم بغياً علي؛ وإنما أنا رجل من بني المطلب بن عبد مناف بن قصيولي مع ذلك حظ من العلم والفقه والقاضي يعرف ذلك. وأنا محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان ابن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. فقال لي: أنت محمد بن إدريس؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين قال: ما ذكرك لي محمد بن الحسن ثم عطف على محمد بن الحسن فقال: يا محمد ما يقول هذا هو كما يقوله؟ قال: بلى وله من العلم محل كبير، وليس الذي رفع عليه من شأنه، قال: فخذه إليك حتى أنظر في أمره، فأخذني محمد وكان سبب خلاصي لما أراد الله منه ص - ٩٧ - ٩٨. ويقول ابن حجر في كتاب (توالي التأسيس) ص٧١ (وأما الرحلة المنسوبة إلى الشافعي المروية من طريق عبد الله محمد البلوي فقد أخرجها (الابرى) و (البيهقي) وغيرهما مطولة ومختصرة وساقها (الفخر الرازي) في مناقب الشافعي بغير إسناد معتمدا عليها وهي مكذوبة وغالب ما فيها موضوع، وبعضها ملفق من روايات ملفقة، وأوضح ما فيها من الكذب، قوله فيها: أن أبا يوسف ومحمد بن الحسن حرضا الرشيد على قتل الشافعي، وهذا باطل من وجهين: أحدهما أن أبا يوسف لما دخل الشافعي بغداد كان مات ولم يجتمع به الشافعي والثاني أنهما كانا أتقى لله من أن يسعيا في قتل رجل مسلم لاسيما وقد أشتهر بالعلم، وليس له إليهما ذنب إلا الحسد على ما آتاه الله من العلم، هذا ما لا يظن بهما وان منصبهما وجلالتهما، وما أشتهر من دينهما ليصد عن ذلك. والذي تحرر لنا بالطرق الصحيحة: أن قدوم الشافعي بغداد أول ما قدم كان سنة ١٨٤هـ٨٠٠م. وكان أبو يوسف قد مات قبل ذلك بسنتين، وأنه لقي محمد بن الحسن في تلك القدمة، وكان يعرفه قبل ذلك من الحجاز وأخذ عنه ولازمه. وممن أخذ عنهم الشافعي في العراق (وكيع بن الحراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي الحافظ) المتوفى سنة ١٩٠هـ ٨٠٥ - ٨٠٦م و (حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي) المتوفى سنة ٢١٠هـ - ٨٥٢م، و (عبد الوهاب بن عبد المجيد البصري) المتوفى سنة ١٩٤هـ ٨٠٩ - ٨١٠م. وقد قرأ الشافعي كتب (محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة ١٨٩هـ
следующие страницы →