Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
قبل وجودنا.
لقد كنت في إحدى القهوات مرة، فلمحت مربياً معروفاً خالس الناس وأخفى بيبة منسية في جيبه، وهو مع ذلك رجل معروف كان يجب أن يكون له من تربيته حصانة فلا يتدنى، ومن رزقه حائل فلا يسفل، ولو لم يكن من ظروف هذا الرجل ما يحميه من الإسفاف لما كان إلا من طريدي القانون.
وإذن فما ذنب مريض قد مرض برغم انفه، ثم بعد ذلك قد بريء، ومع ذلك فما معنى أن نجعل الماضي رجسا للحاضر ودنسا للمستقبل، لقد مات هذا الماضي ولم تعد له من علامات الحياة وا أسفاه إلا ذكريات من عمل الرؤوس وخيالات النفوس.
ليمض هذا الصديق في حبه، فليس في الدنيا كافة ما يعدل القلب المفعم بالحب بهجة ولذة وسعادة، ولينبض قلبه بهذا الحب قبل أن تسكن نامته، وليملأ بيته وعشه الجميل قبل أن يوحش قبره، ولينعم حياته بالأمل والحب والجمال قبل أن تجف الحياة.
стр. 2102
الشافعي واضع علم أصول الفقه
للأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرزاق. أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية
الآداب
- ٣ -
وكان الشافعي في أول أمره يطلب الشعر وأيام الناس والأدب. قال الشافعي: (وخرجت من مكة، يعني بعد أن بلغ قال: فلزمت هذيلا بالبادية أتعلم كلامها وآخذ اللغة وكانت أفصح العرب) ابن حجر ص٥٠.
ثم توجه الشافعي إلى الفقه يدرسه وقد اختلفت الروايات في سبب توجهه إلى الفقه أو تكاد ترجع كلها إلى نصح الناصحين له: إن يصرف جهده وذكاءه في علم تكمل به سيادته من غير خطر على دينه ولم يكن يومئذ إلا الفقه سبيلا إلى ذلك
ويعبر عن روح الوقت من تلك الناحية: ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: لما أردت طلب العلم جعلت أتخير العلوم وأسأل عن عواقبها فقيل لي: تعلّم القرآن، فقلت: إذا تعلمت القرآن وحفظته فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد ويقرأ عليك الصبيان والأحداث ثم لا تلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك أو يساويك في الحفظ فتذهب رياستك، قلت: فان سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني، قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت واجتمع عليك الأحداث والصبيان ثم لم تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب فيصير عاراً عليك في عقبك، فقلت لا حاجة لي في هذا، ثم قلت: أتعلّم النحو، فقلت: إذا تعلمت النحو والعربية ما يكون آخر أمري؟ قالوا تقعد معلما واكثر رزقك ديناران إلى الثلاثة، قلت وهذا لا عاقبة له، قلت: فان نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني، ما يكون من أمري؟ قالوا: تمدح هذا فيهب لك ويحملك على دابة أو يخلع عليك خلعة، وأن حرمك هجوته فصرت تقذف المحصنات، فقلت: لا حاجة لي في هذا قلت: فأن نظرت في الكلام فما يكون آخره؟ قالوا لا يسلم من نظر في الكلام من شنعات الكلام فيرمى بالزندقة، فأما أن يؤخذ فيقتل، وأما بسلم فيكون مذموما، قلت: فأن تعلمت الفقه؟ قالوا: تسأل وتفتي الناس وتطلب للقضاء وإن كنت شابا، قلت: ليس في العلوم شيء أنفع من هذا، فلزمت الفقه وتعلمته) - تبييض الصحيفة - ص١١و١٢
стр. 2103
وتفقه الشافعي أول أمره على (مسلم بن خالد الزنجي) مفتي مكة سنة ١٨٠هـ ٧٩٦م مولى بني مخزوم، وقد اختلف النقاد في أمر مسلم فقيل: ثقة وقيل ضعيف وقيل: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث
ونقل: انه كان يرى القدر ولعل هذا هو سر تضعيفه
ويقولون: أن مسلم بن خالد الزنجي قال للشافعي: أفت يا أبا عبد الله فقد آن لك أن تفتي، وكان الشافعي حينئذ دون عشرين سنة.
وأخذ الشافعي في مكة عن: (سفيان بن عيينة الهلالي) المتوفى سنة ١٩٨هـ ٨١٣م أحد الثقاة الأعلام، روي عن بعضهم: أنه اختلط سنة ١٩٧هـ ٨١٢م.
ثم رحل الشافعي إلى المدينة ليطلب العلم عن (مالك بن أنس) فقرأ الموطأ على مالك بعد أن حفظه عن ظهر قلب في مدة يسيرة وأقام بالمدينة إلى أن توفي (مالك) سنة ١٧٩هـ ٧٩٥م.
وخبر رحلته إلى مالك مروي على وجوه مختلفة تتفق كلها في أن الشافعي كان فقيرا لا يملك نفقة السفر على فرط شوقه إلى الأخذ عن إمام دار الهجرة.
ثم يسر الله له أسباب الرحلة، وأحسن مالك لقاءه لما تفرس من نجابته وفضله.
وتلقى الشافعي في المدينة عن غير مالك كإبراهيم بن أبي يحيى الذي يقول الرازي: اتفقوا على أنه كان معتزليا.
وخرج الشافعي إلى اليمن بعد موت مالك.
(قال الشافعي: لما مات (مالك) كنت فقيرا، فاتفق أن والي اليمن قدم المدينة فكلمه بعض القرشيين في أن أصحبه فذهبت معه واستعملني في أعمال كثيرة وحمدت فيها والناس أثنوا علي) الرازي ص ١٨.
وكادت الولاية تشغل بالشافعي عن العلم حتى نبهه بعض شيوخه فانتبه
قال الشافعي: كنت على عمل باليمن واجتهدت في الخير والبعد عن الشر، ثم قدمت المدينة فلقيت ابن أبي يحيى وكنت أجالسه، فقال لي: تجالسوننا وتسمعون منا فإذا ظهر لأحدكم شيء دخل فيه. ثم لقيت ابن عيينة فقال؛ قد بلغنا ولايتك فما أحسن ما انتشر عنك، وأديت كل الذي لله عليك ولا تعد
стр. 2104
قال الشافعي ﵁: موعظة ابن عيينة أبلغ مما صنع ابن أبي يحيى - الرازي ص ٢٠
وقد أخذ الشافعي عن جماعة من أهل اليمن منهم مطرف بن مازن الصنعاني المتوفى سنة ١٩١هـ ٨٠٦م
وقد كذبه يحيى بن معين وقال النسائي ليس بثقة، وقال غيره كان قاضي صنعاء، وكان رجلا صالحا وعمرو بن أبي سلمة المتوفى سنة ٢١٤هـ ٨٢٩م وهو صاحب الاوزاعي
ويقولون إن الشافعي جمع كتب الفراسة من اليمن واشتغل بها حتى مهر فيها
ارتفع شأن الشافعي في اليمن (ثم أن الحساد سعوا إلى هارون الرشيد، وكان باليمن واحد من قواده فكتب إليه يخوّفه من العلويين وذكر في كتابه: إن معهم رجلا يقال له: محمد بن إدريس الشافعي يعمل بلسانه ما لا يقدر المقاتل عليه بسيف، فإن أردت أن تبقي الحجاز عليك فاحملهم إليك. فبعث الرشيد إلى اليمن وحملوا الشافعي مع العلوية إلى العراق) الرازي ص١٨.
وتلك هي المحنة التي اقتضت دخول الشافعي العراق. وفي حديث هذه المحنة اختلاف كبير وقد يكون أسلم هذه الروايات من الحشو وأدناها إلى الاعتدال والقصد: ما رواه ابن عبد البر في كتاب (الانتقاء) قال:
حمل الشافعي من الحجاز مع قوم من العلوية تسعة وهو العاشر إلى بغداد وكان الرشيد بالرقة، فحملوا من بغداد إليه وأدخلوا عليه ومعه قاضيه (محمد بن الحسن الشيباني) وكان صديقا للشافعي وأحد الذين جالسوه في العلم وأخذوا عنه فلما بلغه أن الشافعي في القوم الذين أخذوا من قريش بالحجاز واتهموا بالطعن على الرشيد والسعي عليه، اغتم لذلك غما شديدا: وراعى وقت دخولهم على الرشيد قال: فلما أدخلوا على الرشيد سألهم وأمر بضرب أعناقهم: فضربت أعناقهم إلى أن بقى حدث علوي من أهل المدينة وأنا، فقال للعلوي: أأنت الخارج علينا والزاعم أني لا اصلح للخلافة؟ فقال العلوي: أن أدعى ذلك أو أقوله قال: فأمر بضرب عنقه، فقال العلوي: أن كان لابد من قتلي فأنظرني أكتب إلى أمي بالمدينة فهي عجوز لم تعلم بخبري، فأمر بقتله فقتل.
ثم قدمت و (محمد بن الحسن) جالس معه فقال لي مثل ما قال للفتى فقلت: يا أمير
стр. 2105
المؤمنين لست بطالبي ولا علوي وإنما أدخلت في القوم بغياً علي؛ وإنما أنا رجل من بني المطلب بن عبد مناف بن قصيولي مع ذلك حظ من العلم والفقه والقاضي يعرف ذلك. وأنا محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان ابن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. فقال لي: أنت محمد بن إدريس؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين قال: ما ذكرك لي محمد بن الحسن ثم عطف على محمد بن الحسن فقال: يا محمد ما يقول هذا هو كما يقوله؟ قال: بلى وله من العلم محل كبير، وليس الذي رفع عليه من شأنه، قال: فخذه إليك حتى أنظر في أمره، فأخذني محمد وكان سبب خلاصي لما أراد الله منه ص - ٩٧ - ٩٨.
ويقول ابن حجر في كتاب (توالي التأسيس) ص٧١ (وأما الرحلة المنسوبة إلى الشافعي المروية من طريق عبد الله محمد البلوي فقد أخرجها (الابرى) و (البيهقي) وغيرهما مطولة ومختصرة وساقها (الفخر الرازي) في مناقب الشافعي بغير إسناد معتمدا عليها وهي مكذوبة وغالب ما فيها موضوع، وبعضها ملفق من روايات ملفقة، وأوضح ما فيها من الكذب، قوله فيها: أن أبا يوسف ومحمد بن الحسن حرضا الرشيد على قتل الشافعي، وهذا باطل من وجهين: أحدهما أن أبا يوسف لما دخل الشافعي بغداد كان مات ولم يجتمع به الشافعي
والثاني أنهما كانا أتقى لله من أن يسعيا في قتل رجل مسلم لاسيما وقد أشتهر بالعلم، وليس له إليهما ذنب إلا الحسد على ما آتاه الله من العلم، هذا ما لا يظن بهما وان منصبهما وجلالتهما، وما أشتهر من دينهما ليصد عن ذلك.
والذي تحرر لنا بالطرق الصحيحة: أن قدوم الشافعي بغداد أول ما قدم كان سنة ١٨٤هـ٨٠٠م. وكان أبو يوسف قد مات قبل ذلك بسنتين، وأنه لقي محمد بن الحسن في تلك القدمة، وكان يعرفه قبل ذلك من الحجاز وأخذ عنه ولازمه.
وممن أخذ عنهم الشافعي في العراق (وكيع بن الحراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي الحافظ) المتوفى سنة ١٩٠هـ ٨٠٥ - ٨٠٦م و (حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي) المتوفى سنة ٢١٠هـ - ٨٥٢م، و (عبد الوهاب بن عبد المجيد البصري) المتوفى سنة ١٩٤هـ ٨٠٩ - ٨١٠م. وقد قرأ الشافعي كتب (محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة ١٨٩هـ
стр. 2106
٨٠٤ - ٨٠٥م ولازمه وأخذ عنه.
ولم نر فيما بين أيدينا من تراجم الشافعي ذكر مدة مقامه في بغداد في هذه القدمة.
وقدم الشافعي بعد ذلك إلى بغداد سنة ١٩٥هـ ٨١٠ - ٨١١م فأقام سنتين واشتهرت جلالة الشافعي ﵀ في العراق وسار ذكره في الآفاق وأذعن بفضله الموافقون والمخالفون. وعكف عليه للاستفادة منه الصغار والكبار من الأئمة والأحبار من أهل الحديث والفقه وغيرهما، ورجع كثيرون منهم عن مذاهب كانوا عليها إلى مذهبه وتمسكوا بطريقته كأبي ثور وخلائق لا يحصون. . . . وصنف في العراق كتابه القويم ويسمى (كتاب الحجة) ويرويه عنه أربعة من جلة أصحابه وهم: أحمد بن حنبل، وأبو نور، والزعفراني، والكرابيسي) (شرح المذهب للنووي) ج١ ص٩
ثم خرج الشافعي إلى مكة وعاد إلى بغداد في سنة ١٩٨هـ ٨١٣ - ٨١٤م وأقام بها أشهراً، ثم انه خرج إلى مصر في هذه السنة كما في معجم الأدباء ويقول ياقوت في موضع آخر (ويقال: إن الشافعي ﵁ قدم إلى مصر سنة ١٩٩هـ ٨١٤ - ٨١٥م في أول خلافة المأمون وكان سبب قدومه إلى مصر أن العباس ابن عبد الله بن العباس بن موسى بن عبد الله بن العباس استصحبه فصحبه وكان العباس هذا خليفة لأبيه على مصر) ج٦ ص ٣٩٤. وفي شرح المهذب: (وقال الربيع قدم الشافعي (مصر) سنة مائتين ولعله قدم في آخر سنة تسع جمعا بين الروايتين)
وصنف كتبه الجديدة كلها بمصر وسار ذكره في البلدان وقصده الناس من الشام والعراق واليمن وسائر النواحي للأخذ عنه وسماع كتبه الجديدة) ص٩
وفي ابن خلكان: (ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة فأقام بها شهراً ثم خرج إلى مصر وكان وصوله إليها سنة تسع وتسعين ومائة وقيل إحدى ومائتين)
وأقام الشافعي بمصر إلى أن مات سنة ٢٠٤هـ و٨١٩ - ٨٢٠م كان في آخر عمره عليلاً شديد العلة من البواسير حتى قالوا: أن صدره أصبح ضيقا، وأنه كان يقول أني لآتي الخطأ وأنا أعرفه يعني ترك الحمية
وفي كتاب (توالى التأسيس) لابن حجر: (قلت: قد اشتهر أن سبب موت الشافعي: أن فتيان بن أبي السمح المالكي المصري وقعت بينه وبين الشافعي مناظرة فبدرت من فتيان بادرة
стр. 2107
فرفعت إلى أمير مصر فطلبه وعزره فحقد ذلك فلقي الشافعي ليلا فضربه بمفتاح حديد فشجه فتمرض الشافعي منها إلى أن مات ولم أر ذلك من وجه يعتمد) ص٨٦
لم تقتل الشافعي شجة (فتيان) المزعومة إنما قتل الشافعي ما بذله من جهد عنيف في السنين الأربع التي أقامها بمصر ما بين تأليف وتدريس ومناظرة وسعي في بث مذهبه ومدافعة كيد خصومه، هذا إلى مرضه المنهك، وقد كان في ذلك العهد مصابا بنزيف من الباسور.
قال الربيع تلميذه: (أقام الشافعي ههنا أربع سنين فأملى ألفا وخمسمائة ورقة، وخرج كتاب (اللام) ألفي ورقة وكتاب (السنن) وأشياء كثيرة كلها في مدة أربع سنين، وكان عليلا شديد العلة. . .) ابن حجر ص٨٣، وكان يلازم الاشتغال بالتدريس والإفادة في جامع عمرو. .
(وكان يجلس في حلقته إذا صلى الصبح فيجيئه أهل القرآن فيسألونه، فإذا طلعت الشمس قاموا وجاء أهل الحديث فيسألونه عن معانيه وتفسيره، فإذا ارتفعت الشمس قاموا واستوت الحلقة للمناظرة والمذاكرة: فإذا ارتفع النهار تفرقوا وجاء أهل العربية والعروض والشعر والنحو حتى يقرب انتصاف النهار ثم ينصرف إلى منزله) ابن حجر ص٩٢
واخرج أبو نعيم من طريق ابن حسين البصري سمعت طبيبا مصريا يقول: ورد الشافعي مصر فذاكرني بالطب حتى ظننت أنه لا يحسن غيره، فقلت له أقرأ عليك شيئا من كتاب أبقراط فأشار إلى الجامع فقال أن هؤلاء لا يتركونني. ابن حجر ص٦٦
وقد يكون الشافعي درس الطب فيما درسه من العلوم في العراق حينما جاءها أول مرة
وقد يكون درس علوم التنجيم أيضا هناك، وأنهم ذكروا أن الشافعي اشتغل بعلوم التنجيم؛ وكل ذلك يدل على ما كان شغف للإمام بالعلم كله.
وقد يكون هذا الجلوس المتوالي في الجامع من أسباب ما أصيب به الإمام من المرض. وذكر الأستاذ مصطفى منير أدهم في رسالته ورحلة الإمام الشافعي إلى مصر، أن أهل الإمام ذهبوا إلى الوالي في صباح الليلة التي توفي فيها، وكان الوالي هو محمد بن السري بن الحكم، وطلبوا إليه الحضور لتغسيل الإمام كما أوصى، فقال لهم الوالي: هل ترك الإمام دينا؟ قالوا نعم، فأمر الوالي بسداد ذلك الدين كله، ثم نظر إليهم وقال لهم هذا معنى تغسيلي له ص٤١.
стр. 2108
وان صحت هذه القصة التي لم يذكر راويها لها استنادا فهي تدل على أن الشافعي خرج من الدنيا فقيراً كما دخلها فقيراً ولسنا نشك في أن الشافعي مات فقيراً، لكنا نشك في أمر استدانته، فقد روي ابن حجر في (توالي التأسيس) عن ابن أبي حاتم عن أبيه عن عمرو بن سواد السرحبي قال: قال لي الشافعي أفلست ثلاث مرات فكنت أبيع قليلي وكثيري حتى حلي ابنتي وزجتي ولم أستدن قط ص٦٧.
وتزوج الشافعي (حميدة) بنت نافع بن عنبسة بن عمرو بن عثمان ابن عفان فولدت له (أبا عثمان محمدا) وكان قاضيا لمدينة حلب (وفاطمة) (وزينب).
стр. 2109
في الأدب العربي
الطبيعة في شعر ابن خفاجة
- ٤ -
ثم لاحظ في هذه المقطوعات أنه يتعرض للمكان الذي شرب عنده الخمر بالذكر، فيصفه ويصف الغمامة الدكناء والشمس المريضة: فإذا لاحظت ذلك فانك لابد واجد الاختلاف البين بين خمريات أبي نواس المطولة وبين خمريات ابن خفاجة القصيرة. فلعلك ترى أن ابن خفاجة لا يجعل الخمر ولا غيرها موضوعا يقول فيه الشعر، ولكنه يجعل مناظر الطبيعة ومتفرجاتها موضوعاً يتكلم عنه ويصفه، ثم يتعرض في أثناء وصفه إياه إلى الخمر الحمراء والى كؤوسها البيضاء بالوصف، ويتعرض إلى الساقي والشاربين بالذكر، فيكون من ذلك صورة قوم عاكفين على الشراب في أخريات النهار أو في رائعة الصباح على ضفاف الجداول في ظل الأدواح وبين العرار والاقاح.
هذا هو الفرق، تدركه حين تعلم أن أبا نواس كان مغرما بالخمر وان ابن خفاجة كان مغرما بالطبيعة، وان أبا نواس كانيقصد إلى الخمر قصدا فينشئ القصيدة فيها، وان ابن خفاجة كان يقصد الى الطبيعة قصداً فينشئ المقطوعة فيها، وحين تعلم أن أبا نواس في خمرياته يقصد إلى خمارة البلد فيدخلها ويشرب ويصف مجلسه فيها والخمر التي يتناولها والكؤوس التي يرشف منها، وان ابن خفاجة كان يقصد إلى المتفرجات والمناظر فيصفها ويصف مجلسه فيها، وحين تعلم أن أبا نواس كان يشرب ويكثر من الشرب في الحانات أو في المنازل في كل وقت حتى يسكر وتميل به الكأس، وان ابن خفاجة لا يشرب إلا حين يدعوه جمال المنظر ورقة النسيم واعتدال الإقليم.
فأبو نواس حين يصف الخمر كابن خفاجة حين يصف الطبيعة، وابن خفاجة كأبي نواس في الإقلاع عن الخمر وفي التوبة عنها يحسنان وصفها ويجيدانه: فيقول أبو نواس:
وقلت لساقيها أجزها فلم أكن … ليأبى أمير المؤمنين واشربا
فجوزها عني سلافا ترى لها … إلى الأفق الأعلى شعاعا مطنبا
إذا عب فيها شارب القوم خلته … يقبل في داج من الليل كوكبا
ويقول ابن خفاجة:
стр. 2110
يا حبذا نادى المدام ومجتلي … سر السرور به ومسلى الأنفس
ولئن كففت عن المدام فان لي … نفساً تهش بصدر ذاك المجلس
لولا الحياء من المشيب لقبلت … ثغر الحباب به وعين النرجس
فهو يتأوه ويقول: يا حبذا نادى المدام حيث السرور وحيث الطرب، ولئن كنت قد كففت عن الشراب وأقلعت عنه فأن لي نفساً تهش إليه مع الصدور، وتحن إليه على البعد، ولولا حيائي من المشيب لقبلت ثغر الحباب، وحضرت مجالس الأحباب، ويقول كذلك:
صحا عن اللهو صاح عافه خلقا … فقام يخلع سربالا له خلقا
وعطل الكأس من شقراء سابحة … ألا كفاها بريعان الصبا طلقا
ورب ليلة وصل قد لهوت بها … مغازلا فلقا أو شاربا شفقا
فهو يقول: لقد صحوت عن اللهو وعفته. وقمت أخلع سرباله الخلق الرث، وقد عطلت الكأس من الخمر الشقراء بعد أن كانت في ريعان الصبا طليقة غير معطلة، ومقربة غير مبعدة، وموصولة غير مقطوعة: إلى هنا يمسك نفسه عن تذكر الماضي ولكنه بعد ذلك لا يرى بداً من ذكره فيقول، ورب ليلة قد أجتمع لي فيها خمر حمراء ووجه جميل، فكنت أقضيها بين مغازلة صباح وضاء، وبين رشف شفق أحمر.
وهو في القطعة الأولى جعل لأحباب ثغراً وأنه لولا المشيب لقبله، وفي القطعة الثانية شبه الخمر بالشفق الأحمر؛ والثغر والشفق منظران من مناظر الطبيعة.
هذا ما وعدناك به في هذا الفصل، فهل ارتحت إليه وهل أعجبت بشعر ابن خفاجة حين يذكر الخمر ويذكر معها جمال الوقت واعتدال الزمان فيسكرك بوصفه الخمر ويطربك بوصفه الطبيعة: (له رشفها دوني ولي دونه السكر)
وكأني بك تتمايل من شدة الطرب وتترنح من شعر ابن خفاجة كما ترنح العباس بن الأحنف حين سمع قول ابن الدمينة يتشوق إلى نجد:
إلا ياصبا نجد متى هجت من نجد … لقد زادني مسراك وجداً على وجد
إذا كان ذلك فاسمع إذن هذه المقطوعة في الخمر:
ندى النسيم فما ارق وأعطر … وهفا القضيب فما أغض وانظرا
فزففتها بكراً إذا قبلتها … ألقت على وجهي قناعا احمرا
стр. 2111
ورفلت بين قميص غيم هلهل … ورداء قد تمزق اصفرا
والريح تنخل من رذاذ لؤلؤاً … رطبا وتفتق من غمام عنبرا
الطبيعة في الغزل: -
قرأت قولنا في خمريات ابن خفاجة ورأيت أقواله في الخمر، ولابد لنا حتى تزول عنك تلك النشوة التي أصابتك من جمال وصفه ومن جودة تشبيهه من أن نورد على مسامعك هذه الأبيات:
وابتع بكيس كأس مشمولة … واسحب ذيول اللهو واخلع وهب
واستضحك المجلس عن قهوة … قد نبهت للصبح هدءا فهب
نارية اللذعة نورية … في صفرة فاقعة أو صهب
وهز من عطفيك عن نشوة … غضا إذا ما نفس الصبح هب
بأبيض كالماء مستودع … ما شئته من أحمر كاللهب
لو ذاب هذا لجرى فضة … أو جمدت تلك لكانت ذهب
فإذا صحوت من نشوتك فاصغ إذا شئت إلى قولنا في غزله والى وصفه الطبيعة في ذلك الغزل.
وانك بعد أن نورد على مسامعك غزله الرقيق ووصفه الأعضاء وتناسقها، والليالي وجمالها، والطيف وزيارته، ستجد في كل هذا وصفا للطبيعة لم يبلغه الكثير من أساطير الشعر. قال يتغزل:
فتق الشباب بوجنتيها وردة … في فرغ أسحلة تميد شبابا
وضحت سوالف جيدها سوسانة … وتوردت أطرافها عنابا
بيضاء فاض الحسن ماء فوقها … وطفا به الدر النفيس حبابا
فهو يقول: إنها شابة فتق الشباب بوجنتيها وردة حمراء، كأن قامتها الهيفاء شجرة الأسحل تميد نضارة وشبابا، وكأن سوالف جيدها البلوري سوسانة، وكأن أطراف أصابعها عناب، وهي إلى ذلك بيضاء كأنما الحسن ماء فاض فوق جسمها فطف عليه حباب أبيض: يشير بذلك إلى أنها مطوقة بقلادة من الدر. ثم يختم تغزله بهذه الأبيات:
بين النحور قلادة تحت الظلا … م غمامة دون السحاب نقابا
стр. 2112
نادمتها ليلا وقد طلعت به … شمسا وقد رق الشراب سرابا
وترنمت حتى سمعت حمامة … حتى إذا حسرت زجرت غرابا
ثم اقرأ قوله:
ومهفهف طاوى الحشا … خنث المعاطف والنظر
ملأ العيون بسورة … تليت محاسنها سور
فإذا رنا وإذا مشى … وإذا شدا وإذا سفر
فضح الغزالة والغما … مة والحمامة والقمر
ولاحظ بعد ذلك ما يمكنك أن تلاحظه: فلعلك ترى أن غزل ابن خفاجة لا يشابه غزل غيره من الشعراء: فهو غزل أشبه شيء بوصف مناظر الطبيعة: فهو حين يقف أمام محبوبته فيتغزل بها يكون كأنه واقف أمام منظر من مناظر الطبيعة، وكأن غرامه بالطبيعة وبمناظرها يغلب على شعره حتى في أوقات الغزل، فيشبه حمرة وجنتيها بالوردة الحمراء، وقامتها بشجرة الأسحل، ثم يرى من سوالفها السوداء فوق جيدها البلوري، ومن أطراف أصابعها التي خضبتها الحناء ما يذكره بالسوسن والعناب، ويشبه حسنها بالماء الصافي، وقلادتها اللؤلؤية بالحباب، وفي القطعة الثانية يشبه محبوبه بحيوانات الطبيعة: يشبه رنوه بالغزالة، ومشيه بالغمامة، وشدوه بالحمامة، ووجهه السافر بصفحة القمر المنير،
ولعلك تلاحظ أيضا أن غيره من الشعراء يقف في غزله موقف الولهان فيمعن في وصف محبوبه. وفي وصف حاله، ثم ينبري فيبدي شكواه ويتألم ويتوجع ويصف عاطفته المهتاجة ونفسه الملتاعة.
ألا ترى إلى ابن الدمينة كيف يبث في مقطوعته لواعج نفسه وكيف يبوح بوجده الذي يسره لمحبوبه حين يهب عليه ريح الصبا فيذكره بديار الحبيب:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد … لقد زادني مسراك وجداً على وجد
أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى … على فنن غض النبات من الرند
بكيت كما يبكي الوليد صبابة … وشجوا وأبديت الذي لم تكن تبدي
وقد زعموا أن المحب إذا دنا … يمل وان النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا … على أن قرب الدار خير من البعد
стр. 2113
على أن قرب الدار ليس بنافع … إذا كان من تهواه ليس بذي ود
وانظر إلى البحتري كيف يبكي على فراق علوة الحلبية بما يثير العواطف والشجون:
قضت عقب الأيام فينا بفرقة … متى ما تغالب بالتجلد تغلب
فإن أبك لا أشف الغليل وإن أدع … أدع لوعة في الصدر ذات تلهب
ألا لا تذكرني الحمى أن ذكره … جوى باطن للمستهام المعذب
أتت دون ذاك العهد أيام جرهم … وطارت بذاك العيش عنقاء مغرب
ويالائمي في عبرة قد سفحتها … لبين وأخرى مثلها للتجنب
تحاول مني شيمة غير شيمتي … وتطلب مني مذهبا غير مذهبي
وما كبدي بالمستطيعة للأذى … أسلو، ولا قلبي كثير التقلب
ولما تزايلنا من الجزع وانتأى … مشرق ركب مصعد عن مغرب
تبينت أن لا دار من بعد عالج … تسر، وأن لا خلة بعد زينب
ولكن ابن خفاجة لم يكن له من ذلك حظ قليل ولا كثير لأنه لم يكن له حبيب يبكي على فراقه ويطلب الشفاء مما قد ساهمه حبه ولم يكن له من لائم يلومه ويكلفه ما لاطاقة له به.
يكلفني عنك العذول تصبراً … وأعوز شيء ما يكلفنيه
وإنما كانت حبيبته الطبيعة، والطبيعة ماثلة في كل مكان وزمان قريبة الوصال هينة اللقاء، ولأنه كان يرى أن كل ما في الحياة مجلس إخوان ود في بستان أو على ضفة جدول يقرضون الشعر، ويرشفون الخمر، ويمتعون أنظارهم بجمال الطبيعة الساحر، فلم يك في غزله إلا وصافاً للطبيعة، ولم يك في غزله ولهان، ولم يكن في غزله مفحشا. هذه ملاحظات قليلة خلاصتها انه لم يتفنن في غزله تفنن المحبين المغرمين أمثال ابن الدمينة والبحتري وغيرهما، ولم يفحش في غزله فحش أبي نواس.
أدلب. عبد الرحمن جبير
стр. 2114
من طرائف الشعر
بعد ٢٥ سنة
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
تذكر الشاعر الكبير أخاه المرحوم عبد الغني الزهاوي فهاجته الذكرى ودفعته إلى زيارة قبره فبكى عليه ما شاء له الحزن أن يبكي، ثم نظم قصيدته هذه متأثرا كأن أخاه قد مات بالأمس
أخي إلى الموت سلكْ … أخي قضى، أخي هلكْ
دار عليه بِرَحا … هـ طاحناً له الفلك
أخي عن النور تولَّى … راحلا إلى الحَلَك
ليس طريقا للرجو … ع ماله أخي سلك
ما دلَكتْ شمس النها … ر إنما أخي دَلك
أخي أخي أني أنا … ديك ولا جواب لك
أخي أخي ماذا من ال … أسباب عني شغَلك
ليت إله الطب وا … فاك فدواى شللك
قد زرتُ قبرك الذي … ترابهُ قد شملك
من ذا بهذا الجدَث الفد … نك أخي قد جعلك؟
من ذا عن الحراك في … هذا الحفير كبَّلك
درستَ يا قبر وقد … زرتك ابكي طلَلك
لم يبق غيرُ الحزن لي … أما دموعي فهي لك
كيف وجدت يا أخي … في جوف قبرٍ منزلك!
وعندما دخلت من … هـ البابَ من ذا استقبلك؟
من ذا نضا عنك الثيا … بَ البيضَ من ذا دلّلك؟
من ذا من الأموات حيّا … ك ومن ذا قبّلك؟
والخير أن تجهل في … ملحودة مستقبلك
لا تخشَيَن من أبدٍ … سوف يلاقي أزَلك
стр. 2115
مالي أراك ذا صُمو … تٍ غير مُبدٍ جذَلك
آخرك المثير لل … حزن ينافي أوّلك
ابكي عليك كلما … ليَ الخيال مثلك
ابكي لذكراك كما … بكيتُ يوم مُتَّ لك
ابكي خلالك التي … سمت وابكي جُمَلك
يا يوم في صبحك أظ … هرت لعيني طفَلَك!
يا موت أشرعتَ على … صدر شقيقي أَسَلك
يا ليل أحزاني من … بعد أخي ما أطولك!
ويا نهار كنت بساماً … فمن ذا بدلك؟
يا طرف اهرِق من دمو … عك البواقي وشلك
يا همُّ إنَّ ما جرى … من ادمعي ما غسلك
يا قلبُ لا يرجع مَن … أحببت فاقطع أمَلك
يا شعر قل مؤرخا … (عبد الغنيّ قد هلك)
(١٣٢٦)
стр. 2116
غربة النبوغ
للعالم الشاعر الأستاذ احمد الزين
مَن لثاوٍ في الأهل يشكو اغترابه … سئم العيش عَذبه وعذابَه
ودَّ لو تطفئ المنون وميضاً … من حياةٍ بُرُقُها خلابة
راحَ في الليل يعِقد الأمل الضخ … م فلمّا بدا الضياءُ إذابة
كلَّ يوم أمانيُّ تَفنى … ورجاءٌ تُذوي الليالي شبابه
تتهاوى الآمال منه فتهوى … فَلَذاتٌ من نفسه الوثابة
جحدوا عنده المواهبَ حتى … لم يبالوا أن يجحدوا وهّابه
يرسلُ النّورَ في عيون الخفافي … ش فتأبى العيون إلا احتجابه
ويسوق اللحن الشجيَّ إلى الص … م فتأبى الأسماعُ إلا نُعابه
ويفيض العذبَ الشهيَّ على أف … واه مرضى لا تستسيغ شرابه
ولكم نفحةٍ من الروض صدّوا … عن شذاها واستروحوا أحطابه
أكثر الإنس لا تحس لديه … من صفات الإنسان إلا إهابه
حاملٌ في أديمه نفسَ عَجما … ء وفي الشكل مشبهٌ أضرابه
يالجهدٍ قد كان يذكو التهاباً … أخمد الغبنُ والعقوق التهابه
وفؤادٍ قد كان مَهدَ الأماني … صار لحداً تسقى الدموعُ ترابه
وذكاءٍ يُجزى عليه جحوداً … حين يجزي الغبيُّ منهم ثوابه
ونبوغٍ يضيع بين جهولٍ … وحَسودٍ بالضغن ضل صوابه
تملأ الشمسُ عينه فيراها … وعليها من الحقود ضبابه
كم دعىٍّ قلدتموه خطير الأم … ر فيكم وذدتمو أربابه
وغبيٍّ يحيا سعيداً ويعزو … ن إليه من كل فنٍّ لبابه
حين يشَقَى أخو الذكاء ويطوي … فيكُم العمرَ حاملا أوصابه
لم ينافق فيستحقَّ لديكم … رَغَدَ العيش مُحكِماً أسبابه
علَّموه الرياَء ممّا علمتم … وخداعَ النهي فيَقرع بابه
بل دَعوه وشأنه لن تروه … بائعاً نفسه ولا آدابه
стр. 2117
إن سفك الدماء أوهى حسابا … من دم الفضل تَحملون حسابه
إنما العبقري روحٌ من الل … هـ أمينٌ يوحي إليكم كتابه
إن قتل النبوغ قتلٌ لشعبٍ … وعناد لله فيمن أنابه
-
стр. 2118
ساجعة
وساجعة في السدر والليل ساكن … سوى نسمة في الروض تستقبل الفجرا
ترجع أنات الحنين بغصنها … فتحسب رجع الصوت من شجوها جمرا
وتدعو جناحا لا يلبي نداءها … أبى البين إلا في مفاصله كسرا
يرف الخميل الطلق غصناً وزهرة … فما نظرت غصنا ولا رمقت زهرا
إذا ذرفت من لاعج الشوق دمعة … أجابت هواها في محاجري الأخرى
وما خضبت كفا ولكن أدمعاً … تكفكفها ردت أناملها حمرا
هو البين يا ورقاء كدر صافياً … من العيش فاستبدلت من حلوه المرا
تعالي خذي حر الأسى عن مجرب … حوى اللحظ أسيافاً وعالية سمرا
له كبد كالربع ضاعت سطوره … سوى أثر فيهن لم يبلغ السطرا
تظل عيون الشوق تنشد رسمها … إذا ما دعتها في جو انحى الذكرى
وعين هتون الدمع غشى جفونها … قروح على أيامها أبداً عبرى
جفاها الكرى إلا غراراً فنومها … كحسو القطا تلوى مناقيرها ذعرا
يزيد محولا خدها كلما همت … وما أن عهدت الجدب لا يحمد القطرا
سقا الريف من (دمياط) هتان ديمة … وحيا الصبا فيه ملاعبنا الخضرا
تركت بنانا في رباها مخضبا … كأن على أطرافها الورق النضرا
عجبت لنفسي يوم ودعت كيف لم … أمت شجنا أو تحترق كبدي الحسرى
علي شرف الدين. دبلوم دار العلوم
стр. 2119
مختارات من شعر الشاعرة الفرنسية مارسلين
ترجمة الأستاذ خليل هنداوي
- ١ -
حياة اليمام وموته
يا بنات الهديل!
ايه! لله دركن فانتن … اللواتي تحسن حفظ الوداد
المعري
هذا هو شأن الورشان الأمين بين سراب اليمام!
يطير في الغابة، لا يستهويه القعود، ليظل هافياً حول محبوبته.
ولا يقدر على أن يأوي الا إلى الوكنة التي سكن فيها الهواء،
حيث جناح محبوبته الملتهب يدفئ جسده دائماً
دعواالقلبين المؤتلفين يخفقا ويضطرما،
فما حياتهما الا خيط ذهبي تربطه عقدة سرية،
بربكم! لا تفصلوا بينهما! فانهما يموتان
هما لا يبغيان الا قليلا من ساري الهواء، وقليلا من وارف
الظل، ومتكأ على ساقية ندية تروِّح عن قلبيهما!
ولا يريدان - من كل السماء والأرض - الا عشا جميلا مظلما
يتقاسمان فيه أسباب الحياة، ويواري سعادتهما.
إذا لم تعد عيناك تلمحان - يمامة الغابة - يلمع نصفها الأبيض في الفضاء
وهي تجوز عبر الشاطئ، فلا تقل: هجر أحدهما رفيقه
فانهما - وهما يحبان دائما - لم يعرفا الحب الا مرة واحدة.
دع شكوك نفسك واتبع آثارهما الضائعة
فانك واجد في الوكنة - في الضريح الصامت -
أربعة أجنحة مسوطة تغمر قلبين هامدين
стр. 2120
سيضطرمان حبا في السماء!
- ٢ -
اليقظة
هل في استطاعتي أن أتذوق النوم الشهي، على هذا السرير القصبي؟
أنا أشعر بالهواء يطيب شذاه حين يهفو من حولك
لأن تغرك زهرة طافحة بالعبير!
فتعال يا كنزي! ولا تضرم سواي!
وتيقظ! ألا تتيقظ!
لكن هذه النفحة الغرامية
هذه القبلة التي أتمناها، لا أجرؤ على طبعها على شفتيك،
وهي تضاعف لي أيام حياتي إذا سمح بها قلبك،
ولكن نعاسك يطول! وأنت تميتني
وأنا لا أجرؤ على طبعها!
تعال! إننا سنجد ظلا وارفا تحت شجرات الموز
والعصافير ستستأنف تغريدها إذا لمحتنا غارقين في الحب
والشمس غلبت عليها غيرتها، فتوارت وراء الغيوم
وأنا لا أبحث عن نور الضحى الا في عينيك!
ألا تعال! وابسط على الحب نوراً
لا لا! أنت لن تنام، أنت تقاسمني لواعجي
وقبلاتك هي الأرى الذي تمنحه لنا الأزهار،
لماذا يتنهد قلبك؟ هل تفتش عن نفسي؟
إن نفسي تطفو على ثغري، وتهم بان تجفف دموعك،
ألا وارني تحت الأزهار!
стр. 2121
من الأدب الغربي
الشعر
محاضرة للشاعر الكبير (بول فاليري). عضو المجمع
الفرنسي
مترجمة بقلم الأديب عبد الرحمن صدقي
(منذ أسابيع عرض الدكتور طه حسين على صفحات هذه المجلة لرأي (فاليري) في الشعر، ومنذ أسبوع حاضر فيه جمهرة حاشدة من سامعيه، ونحن ننتهز هذه المناسبة لترجمة محاضرة للشاعر الفرنسي عن الموضوع بعينه إتماما للفائدة. ولما كان موضوع البحث دقيقا فقد حرصنا على دقة الأصل، ولم نستحل لأنفسنا - بحجة التوضيح والتبيين - تحريف الكلم أو الإضافة إليه أو الاقتضاب منه. ويعذر القراء إذا نحن أوصيناهم أيضا بالتدقيق في مطالعته واكتناه مراميه.) المترجم.
جئنا اليوم نحدثكم عن الشعر فهو موضوع العصر. وعجيب أن عصراً يجمع بين العمل واللهو المسرف معا - وقد يعد بعيداً عن سبحات التفكير والتأمل النظري عامة - يهتم هذا الاهتمام كله بالشعر، ولا يقف عند الشعر ذاته، بل يتعدى اهتمامه أيضا الى نظرية الشعر.
إذن: أستبيح لنفسي اليوم أن أسبح قليلا في النظر التجريدي، وعذري أني بهذه السبيل أستطيع الإيجاز في القول.
وأنا مقترح عليكم فكرة عن الشعر، ونيتي مجمعة على ألا أذكر غير ما كان من قبيل المقررات البحتة، وما كان في إمكان الناس أجمعين أن يلحظوه في أنفسهم أو بأنفسهم أو على الأقل يجدونه باستدلال هين ميسور.
وسأبدأ من البداية. والبداية (في هذا المعرض من الآراء في الشعر) هي بالضرورة تناول الاسم نفسه بالنظر. كما يجري على الألسنة في الكلام المعتاد.
كلمة الشعر
نعرف لهذه الكلمة مدلولين، أعني وظيفتين بينهما فرق بعيد، فهي تعني أولاً نمطاً من
стр. 2122
الخوالج النفسية، أو حالة عاطفية خاصة تثيرها أشياء شتى أو ظروف جد مختلفات.
فنحن نقول عن منظر من المناظر الطبيعية أنه شعري. ونحن نقولها عن طور من أطوار الحياة، وأحيانا نقولها عن شخص. ولكن هناك محملاً آخر لهذا اللفظ. ومدلولاً ثانياً هو أخص من الأول. والشعر على هذا الوجه الثاني يذهب بأذهاننا الى أحد الفنون، الى صناعة عجيبة غرضها أن تعيد كرة أخرى إنشاء هذه العاطفة التي يدل عليها الوجه الأول للفظ. فاستعادة العاطفة الشعرية عند القصد وبواسطة افانين اللغة دون الظروف الطبيعية التي تولدت فيها عفوا، هو مطلب الشاعر، وهو هو الفكرة المقترنة بكلمة (الشعر) في مفهومها الثاني، وفيما بين هذا التصور وذاك يوجد من العلائق والفروق مثل ما بين أرج الزهرة وبين عملية الكيميائي العاكف على تأليف العطر من كافة الأجزاء.
على أن الناس يخلطون في كل لحظة بين هاتين الفكرتين، فتنجم من ذلك طائفة من الأحكام والنظريات فضلا على المصنفات، فاسدة في أساسها للإطلاقها كلمة واحدة على شيئين هما على ارتباطهما جد مختلفين.
العاطفة الشعرية
ولنجعل أول كلامنا على العاطفة الشعرية! أي عن الحالة العاطفية الأصلية.
تعرفون ما يخالج معظم الناس من شعور يتفاوت قوة وصفاء. بين يدي مشهد طبيعي رائع، فمناظر الغروب؛ والليالي القمراء، والأحراج الشجراء، والبحر، تطربنا وتحرك عواطفنا، وعظائم الأحداث وأزمات الحياة النفسانية، وأشجان الحب، وتذكر الموت كلها مناسبات أو أسباب مباشرة لما يقع في الوجدان من تجاوب وأصداء داوية، بالغة في الشدة أو غير بالغة، قوية التنبه أو ضعيفته. وهذا اللون من خوالج الإنسان يتميز من سائر خوالجه الاخرى. فبم يتميز؟ ذلكم ما يعنينا بحثه في مطلب اليوم، فيهمنا أن نقابل بكل ما يستطاع من الوضوح بين العاطفة الشعرية والعاطفة العادية، والتفريق بين هذين عمل جد دقيق. إذ هما لم ينفصلا قط في الحياة الواقعة. فتجد الانفعال الشعري الأصلي مشوبا على الدوام بالحنو أو الأسى، بالغيظ أو الوجل أو الأمل، ولا تبرح مصالح الشخص وعلائقه الخاصة متحدة بهذا (الإحساس بالكون) الذي يتميز به الشعر.
الإحساس بالكون
стр. 2123
قلت (الإحساس بالكون) وأعني أن الحالة أو العاطفة الشعرية قوامها (فيما أرى) إحساس ناشئ متولد، أو بعبارة أخرى، ميل الى الإحساس (بعالم) أو نظام مستكمل من النسب، ذواته وكائناته، وحوداثه وفعاله، وان شابهت واحدة واحدة ما يعمر به عالم الحس ويتألف منه وهو العالم المباشر الذي هي مستعارة منه، إلا أنها ذات صلة محكمة لا يحدها الوصف بأساليب حساسيتنا العامة ونواميسها. ومن ثم فهذه الذوات وهذه الكائنات المعهودة تتغير قيمها ومعانيها بوجه من الوجوه. فهي تتداعى وتتوارد ويلابس بعضها البعض على وجه يخالف كل المخالفة ما يجري في الأحوال العادية. فإذا هي (مدوزنة) إن جاز لي هذا التعبير، وإذا هي قد أصبحت متناسبة القياس متجاوبة.
وعالم الشعر بهذا الوصف فيه مشابه كبيرة بعالم الحلم.
صورة الشعر وأطياف الحلم
وإذ تطرقت كلمة (الحلم) الى مقالي، فإني أذكر لكم في كلمة عابرة انه في العصور المتأخرة من عهد مذهب المجازيين في الكتابة حدث خلط جل خطبه وإن هان تفسيره بين تصور الناس للشعر وتصورهم للحلم! فليست الأحلام ولا حالة النفس الحالمة شعرية بالضرورة. وهي قد تكون كذلك. ولكن صوراً تكونت بالمصادفة لا يمكن أن تكون صوراً ذات سياق وانسجام الا بالمصادفة.
بيد أن (الحلم) لشيوع معالجتنا له وتكرارها يساعد على تفهيمنا كيف أن الوجدان يمكن أن تطغى عليه وتفعمه وتجبله مجموعة من شتى ما تحدثه الانفعالات والمدركات العادية. فهو يضرب لنا مثلا متعارفاً عن (عالم محصور) تتراءى فيه سائر الأشياء الواقعة وتشكل بتشكل حساسيتنا العميقة، وعلى هذا النحو تقريباً تستقر الحالة الشعرية في أنفسنا وتنمو وتتحلل، أي أنها لا تجري بالضبط على قياس، وإنها متقلبة وغير اختيارية وسريعة العطب. وإننا نفقدها كما نحصل عليها عرضا. وفي حياتنا فترات لا ينجلي فيها هذا الإحساس الشعري، ولا تتبدى فيها هذه التوليدات المحببة، بل لا يخطر لنا إمكانها في بال، فالصدفة تهبنا إياها والصدفة تستردها منا.
الخلود رسالة الفن
стр. 2124
ولما كان الإنسان إنسانا بما له عزيمة وقدرة على استنقاذ ما يهمه من حكم العفاء الجاري على الأشياء، واحتفاظه بما ينقذ وإصلاح حاله وإقامة صرحه، فقد صنع الإنسان لهذه العاطفة الرفيعة ما صنعه أو عالج صنعه لسائر الأشياء التي يدركها الزوال مأسوفا عليها. فبحث واهتدى الى الوسائل التي يثبت بها وينتحي بسرها كيف يشاء أجمل أطواره النفسية وأصفاها، والتي يستطيع بواسطتها أن يعرض وينقل ويصون على تطاول الحقب أنماط أريحيته وهيامه وجيشان وجدانه. ثم كان من حسن العقبى أن اختراع وسائل البقاء هذه أتاح للإنسان الفكرة والقدرة معا على تعهد ما تمن به سليقته عليه أحيانا من قطع الحياة الشعرية بما ينميها اصطناعيا ويزيد في زينها وغناها. فتعلمّ أن ينتشل من مجرى الزمن وان يستخلص من الظروف هذه التواليف وهذه المدركات العجيبة العارضة التي قد كانت ذاهبة بلا رجعى لو لم يبادر فينا الكائن المتفنن الأريب الى معونة الكائن الوقتي ويسعف بمخترعاته النفس المحسة.
ولقد نشأت الفنون طراً لكيما تخلد أو تبدل (كل فن بحسب جوهره) لحظة من لحظات النعيم الزائل الى حقيقة راسخة من لحظات ممتعة لا انتهاء لها. فالعمل الفني ليس الا أداة مادية لهذا الإكثار أو التوليد المستطاع.
اللغة
والموسيقى والتصوير والعمارة أساليب شتى تتناسب مع اختلاف المعاني. وهي كلها وسائل لإنشاء عالم شعري أو لإعادة إنشائه، وهي تهيؤه بحسن التنظيم للبقاء، وتفسح بالعمل المدبر نطاقه وتوسع رحابه. إلا أن أقدم هذه الوسائل وأقربها مساساً وإن تك أشدها تعقدا هي اللغة. ولكن اللغة، بسبب طبيعتها المجردة وتأثيرها على الأخص في الفكر تأثيرا غير مباشر، وبسبب نشأتها الأولى ووظائفها في الشئون العملية، تورد الفنان الذي يمارس تنسيقها وصرفها الى الشعر مورداً معقداً عجيب التعقيد.
وما كان يكون في الدنيا شعراء لو أن الإنسان تمثل في وعيه المشكلات المطلوب حلها. (وما كان إنسان يستطيع تعلم المشي لو أستلزم المشي منه أن يتمثل ويستحضر في خاطره صوراً واضحة لجميع العناصر في أقل خطوة من خطاه)
стр. 2125
ولسنا هنا - بحمد الله - في مقام قرض الشعر، بل نحن إنما نعالج النظر في الأشعار كأنها شيء مستحيل صنعه، وذلك لكي نكبر جهود الشعراء إكبارا صافيا مبينا، ولكي ندرك مبلغ أقدامهم وكدهم وركوبهم الصعاب، ونتصور فضائلهم، ونعجب فلا نقضي العجب من قوة فطرتهم.
وسأحاول بوجه الإجمال أن أعطيكم فكرة عن هذه الصعاب:
ذكرت لكم منذ هنيهة أن اللغة آلة وأداة، أو بالأحرى هي مجموعة أدوات وعمليات صاغها العمل وسخرها لخدمته. فهي وسيلة جافية غليظة لا محالة، يستخدمها كل شخص، ويوقفها لحاجاته الراهنة، ويمسخها بحسب الظروف، ويطابق تفصيلها على كيانه الجسماني وتاريخه النفساني.
وأنتم تعرفون ما نسلطه على اللغة أحياناً من التجاريب والمحن. فان المدلولات ومعاني الكلمات وقواعد تأليفها ومخارجها وتقييدها هي ألد عيب لنا وآلات تعذيب معا. ولا مشاحة أننا نراعي بشيء من الاعتبار ما يقرره المجمع اللغوي، ولا مشاحة أن رجال التعليم ونسق الامتحانات وعلى الأخص غرور الناس يقيم بعض الحوائل دون تصرف كل فرد في اللغة على هواه. فضلا عن أن الطباعة في العصور الأخيرة كانت عاملا قويا للمحافظة على أوضاع الكتابة.
ومن ثم أبطأت الى حد ما تعديلات الإفراد، إلا أن أهم مزايا اللغة عند الشاعر هي كما لا يخفى خواصها أو طاقتها الموسيقية من ناحية، ومن الناحية الاخرى مدلولاتها المعنوية التي لا حصر لها (وهي القائمة على تكثير المعاني المشتقة من معنى واحد). واللغة من هاتين الناحتين أقل امتناعا على هوى الإفراد وابتكاراتهم وتصرفاتهم ونزعاتهم. وإن لهجة كل شخص وذخره الوجداني الخاص ليدخلان على تداول اللغة عنصر لبس، ومظان وهم، ومكامن بغتة، كلها لامناص منها ولا معدى عنها. وأرجو أن تلقوا بالكم جيدا الى هذين الأمرين: أولهما أن اللغة فيما عدا استعمالهافي أبسط لوازم العيش وأعمها ليست على الإطلاق أداة تحديد، بل هي على النقيض من ذلك، وثانيهما أنه فيما عدا بعض الاتفاقات التي لا تجيءإلا في النادر جدا وفيما عدا بعض تعابير ميمونة مفلحة اقترنت بقالب مفرغ محسوس، فليس في اللغة ما يجعلها وسيلة للشعر
стр. 2126
وجملة القول أن حظ الشاعر العاثر المتناقض قد فرض عليه أداة شائعة الاستعمال ممتهنة ليستخدمها في أغراض غير اعتيادية وغير عملية. فلا مندوحة له من استعارة هذه الوسائل وهي نكرات إغفال كأرقام التعداد، ليؤدي بها مطلبه من سمو بالنفس وتعبير عن أخص ما فيها وأزكاه.
стр. 2127
العلوم
هل للعلم قيود تفرضها الأخلاق؟
للدكتور هنسن أسقف درهام بإنجلترا
ترجمها بتصرف الدكتور أحمد زكي
(قيد الكاتب البحث العلمي في المقال السابق بقيود ثلاثة، أولها الواجب الذي تفرضه الأخلاق على دارسالعلم بحكم رجولته، وثانيها شروط تحتمها حقوق أولئك الذين تقع عليهم التجربة العلمية ذاتها، وثالثها أمور يفرضها نوع النتاج المقصود من التجربة)
القيد الاول
أما فيما يختص بالقيد الاول فلا حاجة بنا فيه الى الإفاضة الكثيرة. ان البحث العلمي يتطلب المزاج العلمي، وان يباشره الباحث بإخلاص للحقيقة، وولاء مطلق لها، وإغفال تام لصالح الباحث ونفعه الشخصي، واستسلام صريح للعمل المضني، واحتمال غير شاك للآلام في سبيل الطلب.
ورجل العلم لا يدعي حظا من العلم أكبر مما بين يديه، ولا يحاول أن يفيد من جهل الجمهور بعلمه ومن ثقة اعتاد أن يوليها العلماء ضرورة أو اختيارا، وهو لا يستخدم سلطان العلم فيما يحط ويزري، ويعمل كل هذا لأنه واجبه الواضح البين باعتباره إنسانا، ولأنه في علميته لا يستطيع أن يتنصل من إنسانيته، فمُثل الإنسان العالية هي مُثل العالِم العالية، والغايات النبيلة لهذا هي عينها غايات تلك، وموقف الاثنين جميعا من الواجب العام هو الذي حدّث عنه غلادستون حين قال: (أنا لا أبالي أن أسأل كم في الناس سَقَط، وكم فيهم من حُثالة هربت من الأخلاق فحاق بها ما حاق. . . وإ ' نما أنا اعتقد أن الواجب قوة حيّة، تصحو معنا في الصباح، وترقد معنا في الليل، وتصحب كل عمل يصدر في يقضتنا عن ذكائنا الإنساني. الواجب ظل يتبعنا إنما سرنا في مدارج الحياة، ولا يتركنا إلا عندما نغمض الجفن الى الأبد عن نور هذه الشمس)
إن إخضاع العلم للأخلاق بهذا المعنى مبدأ اعترفت به الدنيا قديما وآمنت عليه القرون. وضع أبقراط حلِفه المشهور وحدّد به مسلك الطبيب، واحترمته الأجيال على السواء،
стр. 2128
فاحترمه العرب المسلمون، واحترمه إليهود، واحترمه المسيحيون، ولا يزال الى يومنا هذا أول عمل يأتيه الطبيب قبل ممارسة طبه. وهو عهد لا يختص به علم الطب وحده، فكل شعبة من شعب العلم لا شك تقبل ما يتضمنه من هيمنة الخُلُق على جميع مناشط الإنسان.
القيد الثاني
الى هذا الحد ليس هناك خلاف، فليس من ينكر أن العلم لا يستطيع تحرير رجاله باعتبارهم أناسي من الشروط الأخلاقية التي تضبط سائر الرجال والتي بدونها تضيع ثقة الناس بالناس. ولكن عندما ننتقل من رجل العلم الى طريقته ندخل أرض الفتاوى والمحللات، وهي دائرة يكثر فيها الجدل ويطول الحجاج، وهنا قد يسرف العلم ويغلو كما أسرف الدين من قبله وغلا. فالعلم الحديث يشغل من الدنيا الحديثة مكانا أشبه بالمكان الذي كان يشغله الدين في العصور الوسطى من الدنيا القديمة، ففي تلك العصور كان التفكير الإنساني ينبت في أرض طينتها دينية، وهي اليوم طينة علمية. كان هوى الناس في الدين وكان تقديسهم لقساوسته، فصار اليوم هو أهم للعلم وتقديسهم لأساتذته. ومن طلب الدليل على ذلك وجده في الذوق العام، فعظات الأحبار لا تقرأ إلا قليلا، وكتب رجال العلم المبرزين تشترى بكثرة وتطلب بلهفة.
وهنا يتساءل المرء، وقد نزل الدين عن عرشه للعلم، أيخضع هذا المتوج الجديد للغواية كما خضع المتَّوج القديم، وهل يستدرج استدراجه ليؤول الى مثل مآله. ليس في التاريخ ما هو آلم من تاريخ (الافتاء) في النصرانية، ولا أزرى منه ولا أكثر تحييرا وإرباكا، وهو مع ذلك موضوع للمتأمل خصيب. انه مليء بمناقضات من الجسامة بحيث لا يتصورها العقل. أنحى القديس بول على الفتوى التي تقول (دعونا نفعل الشر ليكون منه الخير) ومع هذا لم يؤثر هذا الأنحاء شيئا في أفعال القسيسين ولا في نظريات الأخلاقيين، وكان كل سؤالهم (في أي الظروف والى أي حد يجوز لنا فعل الشر ليحصل منه الخير؟)
هل يكون من العلماء يسوعيون كما كان من أهل الدين يسوعيون؟ وهل يكون لهؤلاء ناقد ساخر في القرن العشرين كما كان لأولئك في شخص بلايز باسكال في القرن السابع عشر؟ كان من مبادئهم أن لا عهد لهرطيق، ولا ذمام لزنديق، وان الكذب والتزييف مباحان في سبيل حماية العقيدة وانتشارها، وان التعذيب والقتل مشروعان في صالح الكنيسة، هذه
стр. 2129
ومبادئ أخرى قبلها رجال مسيحيون استحلوا بها أشنع الجرائم التي سجلها مداد واحتواها قرطاس.
فهل يتطور العلم في هذه الناحية مثل تطور الدين؟ هل يسيطر الاعتبار الخلقي على الطريقة العلمية، أم هل يتغلب صالح العلم المزعوم على هذه الاعتبارات جميعا؟ هذا هو المحور الذي يدور عليه كثير من النقاش الذي يمس التجارب العلمية الحديثة، ومنها تشريح الحيوان الحي الذي كثر اللغط فيه وتطاول الحجاج في السنوات الأخيرة. قال قوم انه عمل حلال أمَنّ عليه القانون واطمأن فيه الى أن العلماء إنما يأتونه خدمة للمعرفة، وقال آخرون انه عمل محرم، تحرمه الإنسانية لأنه يتضمن ألماً لحي، وقال غير هؤلاء: إن تحليله وتحريمه منوطان بمقدار الألم الذي يعانيه الحيوان. والحق أن المسألة لها طرفان أولهما يتعلق بالغرض الذي من أجله يجري التشريح. وثانيهما يتعلق بالحي الذي يشرَّح. أما الغرض فيجب أن يكون من الكفاية بحيث يتزن مع التضحية ويستأهل الآلام. جميل أن نصيح (أن العلم للعلم)، ولكن هل نقبل هذه الجملة على إطلاقها أم لابد من الحذر الشديد عند تطبيقها؟ أي المعارف يجب أن نقصد إليه، وهل كل معرفة جديرة بالعرفان؟ يفرّق الأستاذ (وايتهد) بين الطلب يطلبه المرء في سبيل العلم، والطلب يطلبه حلاً لقضية رخيصة أخطرها بالبال الخيال السائب اللاهي. أما فيما يتعلق بالحي الذي يشرح، بالحيوان الأعجم الذي ينطق، فأمره يتوقف على النظرة التي ينظرها به الإنسان، وهنا نجد العلم الحديث نفسه سلَّح أعداءه في هذا الصدد بسلاح قاطع ماض، فان البيلجة الدرونية أزالت الحاجز الذي وضعته الفلسفة بين الإنسان والحيوان، واعتبرت الحياة العضوية ظاهرة فردة واحدة مهما اختلفت أوضاعها وتعددت مظاهرها، وبهذا استوى الإنسان بالحيوان أو قارب، وبهذا جاز على الإنسان ما يجوز على الحيوان، والإنسان يأبى تشريح الإنسان حيا، فلا بد أن يأبى تشريح الحيوان حيا. أم هو يجيز التشريح على إطلاقه ثم يتنصل منه باعتبار ان الإنسان له (شخصية) تكسبه حقوقا لا تكون لغيره من الحيوانات لانعدام (الشخصية) فيها.
أن الغرض مهما طاب ومهما خطر لا يبرر التجربة التي تخل بمسلك الإنسان الخلقي.
حكوا فيما يحكى عن الإمبراطورفردريك الثاني انه دعا رجلين الى الغداء وأطعمهما حتى امتلأ، وبعث بأحدهما لينام، وبعث بالآخر ليصيد، وفي المساء أمر فشق بطناهما ليعلم أيهما
стр. 2130
أسرع هضما، الذي نام فاستراح، أم الذي ظل نهاره يجري وراء الصيد؟ وقضى أطباؤه بالفوز للذي نام. لا يقول أحد أن رغبة فريدريك في المعرفة لم تكن مشروعة، ولا أن اتجاهه الى تحقيقها بالتجربة العلمية لم تكن محمودة، ولكن الذي يدم ان التجربة لم تخضع لشروط المسلك الخلقي العام.
القيد الثالث
قرأت حديثا مقالا افتتاحيا في (مجلة تحسين النسل) تناول فيها محررها موضوع الدعوى الحديثة في استكشاف طريقة علمية جديدة يتعين بها النسل قبل ولادته. فبعد أن تشكك الكاتب في المكتشف قال:. . ومهما يكن من الأمر فلا بد ان نتهيأ لأن نسمع يوما ما بأن قد انكشفت طريقة صحيحة مؤكدة للتنبؤ بالنسل أو التحكم فيه. فان وقع هذا، وهو لابد واقع وإن تأخر يومه، فقد وقعت اكبر ثورة في تاريخ البشر، فعندئذ يتجه الناس لا محالة في الانسال اتجاهاً يخل التوازن بين الذكر والأنثى اختلالا لن نختلف في نوعه وان اختلفنا في مقداره، فيصبح عدد الذكور عشرة أضعاف الاناث أو خمسة عشر أو عشرين ضعفا، وعندئذ كيف تكون الحال، لا أجسر أن أقول، ولا يجسر ذو الخيال الرائع ان يقول، وحسبنا أن نقدر أن أول ما يذهب من مُثُل الإنسان عفة المرأة وحرمة الزوجية، فهل من الحكومات حكومة تنظر الى الغد فتعد لهذا الانقلاب عدته؟ لعل أقرب من ذلك أن نرجو أن يتفق البيلجيون فيما بينهم، أن يتفقوا من الآن، على أن يحفظوا هذا السر عن الناس إذا هي تمخضت عنه الأبحاث، لأنه حدث سيكون أوخم عاقبة على المجتمع مما عرف من الأحداث. بالطبع ما من سر إلا افتضح على الأيام، ولكن سيكون قد انقضت مهلة قبل افتضاحه قد تمكِّن أولي الأمر وذوي السلطان من رفع الحواجز وإقامة السدود في وجه هذا السيل الداهم
فلنفترض ان ما يقوله المحرر حق، وان العلماء باتوا على مقربة من كشف هذا السر، وأن هذا السر إذا انكشف للناس فعلوا كالذي خاله الكاتب، فما يكون موقف العالم البيلجي عندئذ وما واجبه؟ أينصرف عن أبحاثه خشية ما تجره نتائجها؟ أيقف في السبيل وقد قارب النهاية احتفاظا بالعفاف الجنسي، ام يقول ان المنشط العلمي من حقه أن يتحلل مما قد لا تستطيع أن تتحلل منه مناشط الحياة الاخرى، وأنه رجل علم فهو بمعصم من المبدأ القائل
стр. 2131
بأن الرجال مسؤولون عن أعمالهم وما يصدر عنها من شر تأكدَ أو ترجّح.
أن التقدم الحديث في العلم يتجه اتجاهات لم تكن قديما في الحسبان. حتى أن أكثر المفكرين تفاؤلا، وأسرعهم إجابة إذا دعا العلم، بدءوا يتشككون في تفاؤلهم الكثير، ويرتابون في فرضهم القديم، أن زيادة المعرفة لن يكون منها غير خدمة الإنسانية، والسيطرة على الطبيعة لن يكون منها غير خير المجتمع. قال السير الفريد ايونج
(ائذنوا لي كدارس قديم للميكانيكا التطبيقية أن أعبر عن بعض خيبة أحس بها الآن، وأنا في اعتزالي منتحيا مع النظارة جانبا من الطريق أتفرج على موكب العلم يسير في عظم وفخامة، وأتسلى مع المتسلين بركائب المخترعات تتعاقب في أبهة وضخامة. الى أين يسير هذا الركب الكبير؟ وما أثره الأخير في مستقبل الأسرة الإنسانية؟. . لاشك أنه يحمل للإنسان هدايا تجعل حياته أملأ وأوسع وأصح وأغنى وأهنأ، تلك الهناءة التي تجلبها المادة الجامدة. ولكن كثيرا مما أهداه المهندس الباحث أسيء استخدامه ويساء وبعضه يحمل في أحشائه مآسي لم تنمخض عنها الأيام بعد. إن الإنسان لم يتهيأ بعد أخلاقيا ليتقبل تلك المنح الكبرى)
وجملة الأمر أن العلم وبال على الإنسانية إذا هو أطلق من القيود التي تضبط مسلك الإنسان بقصد إسعاده فردا ومجتمعا.
стр. 2132
العالم النسائي
نظرة في الحركة النسائية
للآنسة أسماء فهمي. درجة شرف في الآداب
بدأت النهضة النسائية في أوائل هذا القرن، إلا أنها لم تصبح (حركة) إلا عند نشوب الثورة المصرية سنة ١٩١٩ إذ نشطت المرأة نشاطاً كبيرا وسرت إليها روح الحماس الفياض فلبت نداء الوطن، وساهمت بنصيب وافر في الحركة السياسية، فاشتركت في المظاهرات معرضة حياتها لما كان يتعرض له الرجل من مخاطر، والفت اللجان لبث الدعوة الوطنية وتنظيم حركة المقاطعة، وظهرت في الاجتماعات الهامة. ولكم كانت لها مواقف مشهودة في تلك النهضة المباركة!
ولما هبطت درجة الحماس القومي بسبب الانشقاق بين صفوف العاملين أخذت الحركة النسائية تتجه اتجاها جديدا فاهتمت العاملات بتحسين مركز المرأة الاجتماعي، وعلى ذلك تألف الاتحاد النسائي سنة ١٩٢٣ تحت زعامة السيدة الجليلة هدى هانم شعراوي، ووجه عناية كبيرة إلى المشاكل الاجتماعية التي تمس المرأة كمسألة الطلاق وتعدد الزوجات وعدم تحديد سن الزواج للفتيات، ونجح في حمل البرلمان على الاهتمام بتلك المسائل. كذلك ظهر في ذاك الوقت من بين النساء من تطالب باشراك المرأة في التمثيل النيابي.
على أن تلك البداية الحسنة سرعان ما تعرضت للضعف بدورها وانكمشت في دائرة محدودة لا تتناسب مع مطامع المرأة بدل أن تنمو وتتسع ويصبح لها فروع تهتم بمعالجة نواحي النقص كلها، فلم نعد نسمع تلك الأصوات الجريئة الفتية التي تدافع عن قضية المرأة، كما أفلس معظم الجمعيات النسائية التي كان ازدهارها قصير المدى، وهكذا خلا الميدان مرة أخرى ولم يبق إلا عدد قليل من المجاهدات يثابرنشأن الأبطال متجاهلات المتاعب والنقد.
ولكن ذلك السكون في ميدان النهضة لم يكن إلا كسكون الطبيعة في الشتاء الذي فيه تتجدد القوى برغم التجرد والعراء، فقد دخلت الحركة النسائية على الرغم ذلك السكون الظاهر في طور خطير هو طور الانتقال الهام الذي فيه اتسع نطاق تعليم المرأة فانتشرت مدارس البنات ووحدت مناهج تعليم الذكور والإناث بعد بصلاحها وتوسيعها، فأصبحت الفتاة التي
стр. 2133
كان تعليمها قاصرا على مبادئ القراءة والكتابة وقشور اللغات وبعض الفنون المنزلية تتعلم كما يتعلم الفتى، بل وتفوقه في الإقبال على العلم واستساغته.
وفي سنة ١٩٢٨ سمح للبنات الحاصلات على شهادة إتمام الدراسة الثانوية بدخول الجامعة المصرية. بينما كثرت إرساليات البنات في تلك الفترة إلى الخارج للتخصص في مختلف العلوم والفنون.
وما زالت حركة تعليم البنات سائرة بنشاط رغم سوء الحالة الاقتصادية وما يوضع في طريقها من عقبات، وهذا لاشك أعظم انتصار اكتسبته المرأة، وأقوى سلاح في يدها، ولم يبق إلا أن تستغله إلى أبعد مدى ممكن.
والآن وقد تكاثر عدد المتعلمات وظهر من بينهن من يمتزن برغبتهن الحارة في الاصلاح، فستنتعش ولاشك الحركة النسائية. وان احتفاء زعيمة الاتحاد النسائي بأولى خريجات الجامعة المصرية والجامعات الأخرى في ١٦ ديسمبر سنة ١٩٣٣ لمبشر بقرب الوصول إلى هذه الغاية، إذ لا يفيد الحركة النسائية أكثر من جمع تلك العناصر النشطة مبدئيا تحت سقف واحد وأحداث التعارف بينهن وتشجيعهن وتذكيرهن بحقوقهن وواجباتهن نحو المجتمع، وبنات جنسهن، وبالجملة أصبح لدى الحركة النسائية أهم العناصر الأساسية اللازمة للنجاح، وهي الشعور بالنقص، والرغبة في الإصلاح، وعدد لا بأس به من السيدات الناهضات، كما أن لديها أيضا مؤازرة عدد كبير من أفاضل الرجال.
على أن مجرد وجود تلك العناصر لايكفي لاحداث الأثر المطلوب بل لابد من اتحاد تلك العناصر واستغلال جهود الناهضات بان تصبح لهن جماعات منظمة، فالحركات القوية الناضجة ذات الأثر الخالد والمشروعات العظيمة قامت بواسطة الجماعات والتعاون، لا بمجهود الأفراد. والحركة النسائية في حالتها الراهنة الخاملة أحوج ما تكون إلى مثل تلك الجماعات المنظمة التي تدرس وجوه النقص في مركز المرأة وتبسط فيها الآمال والآراء، وتكون نواة لظهور الخطيبات والباحثات اللاتي يوجهن أذهان الناشئات إلي مكانتهن الهامة في الحياة، والى أهمية عهد الانتقال الذي يجتزنه، وإلا أصبح تطور المرأة تطورا غير واع شبيه بتطور النبات والحيوان: يسير بمحرك التقليد لا بناء عن التفكير والانتخاب والتفضيل. والواقع أصبح يخشى طغيان عامل التقليد على الحركة النسائية بسبب قلة
стр. 2134
المرشدات والباحثات فكثير من النساء اللاتي سفرن مثلا واختلطن بالرجال فعلن ذلك تحت تأثير (الموضة) وتقليد الغربيات لا بمقتضى مبادئ ثابتة ولا بناء عن تدبر وتفكير. والنهضة إن لم تبن على مبادئ متينة ويكن لها مثل أعلى يوجهها في اتجاه خاص فلا أمل في بقائها، لأنها عرضة للتقلبات والأهواء كسحابة الصيف.
ثم أنه لا يمكن لغير تلك الجماعات المنظمة القوية القيام بأعباء قضية المرأة والدفاع عن حقوقها أمام التقاليد الجائرة، فالمرأة في مصر ما زالت محرومة من حقوقها السياسية، تلك الحقوق التي تمتعت بها المرأة المصرية في أقدم العصور، وتستمتع بها المرأة في كثير من الأمم الراقية لخير المجتمع. ثم هناك التشريع الذي لم يتطور مع روح العصر، والذي يعطي الرجل امتيازات يستعملها بمثابة سلاح يشهره في وجه المرأة كلما هزته شهواته ونزعاته، وهناك أيضا القيود التي تغل تقدمها العلمي، فلم تفتح أمامها بعد جميع أنواع التعليم والدراسات. هذا الحق الذي سلم به شيخ الفلاسفة سقراط الذي تعد تعاليمه لب النهى والحكمة. والذي نأخذ عنه وعن تلاميذه كثيرا من مبادئ السياسة والاجتماع والأخلاق.
كل هذه الأشياء التي تعدها المرأة حقا طبيعيا لها والتي لم تحصل عليها بعد، تبين بجلاء مبلغ خطورة القضية ومبلغ الحاجة إلى توحيد الصفوف وإنهاض جميع الهمم، فالمرأة في الواقع لم تقطع إلا جزءا يسيرا من مرحلة شاقة طويلة، فالأمل معلق على تكوين تلك الجماعات القوية التي بيدها مستقبل المرأة.
стр. 2135
أم عربية
للآنسة سهير القلماوي. ليسانسييه في الآداب
مكة أرض الله المقدسة في حصار الكعبة بيت الله الحرام يروح فيها الجند ويجيئون. ألوية هنا ورماح هناك، أسلحة وآلات وجنود داخل المدينة، قائدهم رجل في السبعين هو عبد الله بن الزبير خليفة الحجاز. وجنود حول المدينة كفاهم قوة انهم جند الشام، وكفاهم رهبة أن قائدهم شاب في الثلاثين هو الحجاج بن يوسف الثقفي. جو مكة كله هلع والتياع وكأنما كل شيء يوحي إلى أهلها إن استسلموا فالحرب ضروس والموت على الأبواب.
ماجت مكة بكثرة الوافدين عليها ليؤدوا فريضة الحج. ولكن جند الشام لم يترك مكانه، وجند مكة لم يبرح محاصرا لا يستطيع خروجا. لم يستطع الحجاج ولا جنده الطواف بالبيت بل ظلوا محرمين مكانهم لابسين الدروع فوق الإحرام ولم يستطع ابن الزبير الخروج إلى عرفة فنحر هديه في مكة. جاء جند الشام فافسد على الحجاز كل شيء، سلي الأمن أهلها، وشوه شعائر الدين المقامة بها، وبشرها بأفول مجدها السياسي بتحول مركز الخلافة عنها. الشام الفتية جاءت لتضطر الحجاز الهرمة إلى أن تقنع بما يقنع به الهرم من الحياة.
هدأت الحركة في مكة بعض الشيء منذ رجع الحاجون إلى أوطانهم. ولكن نفوس أهلها في حركة وأي حركة، هلع وخوف وقلق. لقد طال بها الحصار وضاقت نفوس أهلها فلا يستطيعون احتمال المزيد، طال الحصار واشتد الضيق، وصعب الامتحان وكلما صعب الامتحان قل عدد الناجحين: كل يوم يسير فوج إلى القائد الشاب طالبا الأمان. التفت الزبير فإذا هو قليل الأعوان قليل العدة، شيخ تربطه بالحياة خيوط واهية. ما مصيره؟ الموت. وما مصير آماله وهي آمال قطر وآلام شعب؟ ألم يكد يتم له الأمر لولا ظهور مروان في الميدان؟ ألم يكن العراق خاضعا له بآلام بعد أن قتل مصعب المختار؟ ولكن مصعبا قتل، وبقتله أفلتت العراق من يد الزبيريين، وغدا سيقتل هو ويفلت الحجاز من يد الزبيريين بعد أن لم يبق بها إلا هو.
(أما والله إنا لا نموت حتف انفنا كميتة آل أبي العاص، وانما نموت فعصا بالرماح وقتلا تحت ظلال السيوف)
стр. 2136
هكذا خطب الناس بالأمس لما نعى إليه أخوه مصعب. هو لا يخاف الموت، وإنما آمال لا يمثلها إلا هو، آمال كاد أن يصل إليها وما زال يأمل في الوصل إليها، آمال شيعة له في جميع الأقطار العربية، من يقوم بها من بعده؟
خمسون ليلة وأهل مكة يعانون من الحصار كل ضيق. لابد من انفجار، لابد من حدث حاسم، فلقد كادت أن تزهق الأرواح. جند الشام لا يضيرهم استمرار الحصار، ولكن أهل مكة، أهله وشيعته ورعيته يعانون من الأهوال. صمم ابن الزبير على القتال، أبناء حمزة وحبيب لا يزالون معه، فتيان من خيرة الفتيان أحدهما يقود فريق، والآخر يقود الفريق الآخر. وخرج ابن الزبير من بيته في الليلة الخمسين ليلقي على ابنيه تعاليم معركة الغد.
(حمزة!. . حمزة!. . حبيب!. . حبيب!. .)
ولكن أحدا لم يجب. وبدأت الحقيقة تتكشف لناظره الحزين قليلا قليلا، فإذا هي أبشع مما كان يقدر. حمزة وحبيب ابناه تركاه في هذا الضيق! والى أين؟ إلى عدوه، إلى من حاصره، وأذاقه هو وأعوانه كل كرب وضيق. وتلاشت صورة القلة من أل أعوان أمام هذه الخيبة. أي ألم؟ أي يأس؟ أي حسرة؟ لم يعد شيء يرجى.
بينما اليأس يحرق قلب الشيخ حرقا إذا بعروة الزبير يناديه. ماذا يريد منه عروة؟ عروة يناصر عبد الملك وهو في أمان من هذا الحصار وهذا الجند. ماذا يبغي عروة منه في ساعة اليأس هذه. عروة رسول أمل جديد جاء ليعرض عليه الأمان بشروط مرضية. هم يعطونه كل ماله: املاكه، سلامته، حريته التامة، كل شيء إلا الخلافة. وفي ساعة اليأس يرى اليائس بصيص النور ضياء ساطعا وهاجا، ولكن السن أملت عليه التدبر فليترو قليلا وليستشر. ولكن من يستشر؟
في ركن من أركان بيت عبد الله بن الزبير قبعت عجوز في المائة من سنها عجوز لها من تجارب الحياة ذخر ثمين، ولها من الصحة ورجاحة العقل رغم هرمها ما شهرت به، ولكن لها فوق هذا كله منزلة في نفس عبد الله لم يبلغها أحد. هي أمه هي أسماء بنت أبي بكر الصديق. فليستشرها هي.
واقترب الابن من أمه الوالهة التي جثم الحزن على قلبها طويلا. لقد فجعت حديثا في ابنها مصعب بعد أن ملأ ذكره الآفاق، بعد أن استولى على قطر من أهم الأقطار العربية وهو
стр. 2137
العراق، بعد أن قاتل فقتل في ميدان الجهاد كريما شريفا شهما شهيدا. ولكن حزنها لم يشفع لها لدى الدهر فما زال الدهر يلوح لها بين حين وآخر، يسلب ابنها عبد الله أعز أولادها وأطيرهم ذكرا وأكثرهم جهادا. دنا ابنها منها وسألها:
- كيف تجدينك يا أماه؟
- إني لشاكية
فقال لها وكأنه يحدث نفسه اليائسة:
- إن في الموت راحة. فأجابته:
- لعلك تمنيه لي وما احب أن أموت حتى يأتي على أحد طرفيك، إما قتلت فاحتسبك، وإما ظفرت فقرت عيني بك.
صدمه جواب أمه، وكأنما كان جواباً عما أتى يستشيرها فيه، كيف يسألها؟ ولكنها لا تعرف عما عرضوه عليه شيئا، وفي صوت متهدج قال لها:
- أماه لقد خذلني الناس حتى ولدي وأهلي ولم يبق معي إلا اليسير، ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة. والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا. . فما رأيك؟ وجاشت في صدر الأم عواطف ونوازع شتى كلها تتزاحم فلا يتاح لأحدها فرصة التغلب أو الظهور - حنان، شفقة، خوف، شجاعة، حب لولدها، حب لوطنها، حب لربها وللحق ولرسول الحق ولتعاليم الحق. ظلت كل هذه تتصارع في صدر العجوز صراعا عنيفا، وظلت الأم تعاني آلام هذا الصراع حينا وآلام الهزيمة لكل عاطفة تهزم منها، كل عاطفة جزء منها فصراعها يؤلمها وهزيمتها تكاد تقتلها.
ولكن حميتها العربية انتصرت أخيرا وتغلبت من كل هذه العواطف: العواطف الخلقية بأسماء بنت أبي بكر الصديق.
وفي صوت ملؤه اليقين قالت لولدها:
- أنت اعلم بنفسك، إن كنت تعلم انك على حق وإليه تدعو فامض له، فقد قتل عليه أصحابك ولأتمكن من رقبتك غلمان بني أمية، وان كنت إنما ردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن قتل معك. . كم خلدوك في الدنيا؟ القتل أحسن.
القتل أحسن ولكن ماذا بعد القتل؟ لن يتورع الجبار من ارتكاب شيء، لن يردعه دين ولن
стр. 2138
يردعه خلق، فقال وكأنما الحقيقة تمثلت له قبل وقوعها.
- أماه! إني أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي
ورفعت ستر المستقبل المغيب عن عين الأم فرأت ابنها مصلوبا، وتمثل لها ما سيلاقيه المصلوب من احتقار وتشهير وضحك واستهزاء، ولكن الحق. الحق وروح من سفكت دماؤهم في سبيله أملت عليها الجواب
- الشاة المذبوحة لا يؤلمها السلخ. فامض على بصيرتك واستعن بالله.
سرت روح الأم إلى ابنها فقشعت من صدره كل يأس وكل خوف، وظلت كلماتها تتردد في نفسه كوجيب قلبه، القتل أحسن، القتل أحسن، حلت الشجاعة محل اليأس، وحل جلال الحق محل الخوف من الموت والمثلة. لم يعد يألم لشيء إلا لتلك الثكلى التي ستفقده بعد فقد أخيه بالأمس.
- أماه إني مقتول يومي هذا فلا يشتد حزنك وسلمي الأمر لله، إن ابنك لم يتعهد إيثار كفر ولا عمل بفاحشة، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر في امان، ولم يتعهد ظلم مسلم أو معاهد، ولم يبلغني ظلم من عمالي فرضيت به بل أنكرته، ولم يكن شيء عندي آثر من رضى ربي.
ثم رفع رأسه إلى السماء قائلا:
- اللهم لا أقول هذا تزكية لنفسي ولكن أقول تعزية لأمي حتى تسلو عني
خيم الصمت على الأم وولدها وقد أحست أنها ستراه لآخر مرة كما أحس هو بذلك. وترقرق الدمع حارا ملتهبا في عين العجوز. الدمع الذي ظل محتبسا من أهوال الأيام الأخيرة انفجر في الموقف الذي يجل عن كل دمع.
بدأ ابنها يحس شيئا من الإحجام بعد أن صمم على القتال والاستشهاد، وخاف أن يستولي عليه هذا الشعور إن لم يسرع بتنفيذ ما صمم عليه. وكأن الأم ما زالت بروحها تدفعه إلى الاستشهاد كما حضته بقولها منذ قليل فأسرع نحو الباب بعد أن قبلها قائلا
- (أماه لا تدعي الدعاء لي)
- (لا ادعه لك أبدا) وكأنها تريد أن تذكره فقالت
- (فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق)
стр. 2139
خرج ابن الزبير من عند أمه فإذا الفجر لاح والمؤذن يدعو إلى الصلاة فليذهب إلى المسجد إذن، عسى أن يبعث الله إلى القلب طمأنينة يجتاز بها قلاقل اليوم
صلى ابن الزبير صلاة حارة أرسل بها إلى ربه ما وسعه من الشكوى، وما استطاع من الرجاء، وأحس بان روحا من العالم الأعلى حلت في نفسه من جديد، فلم يعد شيخا ضعيفا بل أصبح شابا مندفعا في ميدان الاستشهاد.
ظل ابن الزبير بعد الصلاة في المسجد طويلا ترن كلمات أمه في أذنه حينا، ويصلي إلى ربه حينا آخر فيقول:
يا رب إن جنود الشام قد كثروا … وهتكوا من حجاب البيت أستارا
يا رب إني ضعيف الركن مضطهد … فابعث إلي جنودا منك أنصارا
لم يطل الزمن بابن الزبير حتى هاجمه جند الشام من كل فوج. لاذ بأستار الكعبة ملاذه وملاذ غيره من قبل، ولكن الحجاج لا يردعه عن غايته رادع مهما عظم، فرمى الكعبة بالمجانيق وحميت المعركة الفاصلة لا بين المؤمنين والمشركين وإنما بين المؤمنين يمثل كل فريق منهم رأياً جديداً وسياسة جديدة. كانت معركة بين سياسة الشام الفتية، وسياسة الحجاز الهرمة، بين الخلافة كما كانت، وبين الخلافة كما تكون، بين النظم السياسية القديمة، وبين النظم السياسية الحديثة، هي معركة القديم والحديث يكررها التاريخ فلا يمل من تكرارها. معركة القديم والحديث، هل يفوز بها إلا الحديث.
стр. 2140
القصص
صديقها عشيقها
للكاتب الروائي الأستاذ محمد خورشيد
رواية مصرية عصرية في فصل واحد
- ٢ -
المنظر الثالث: إحسان وحده
إحسان - (يقف ويسير على المسرح ذهابا وإيابا وهو يقول)؛ صدق فايد لم تحبني إحدى الفتيات الراقيات مع إني أجيد مغازلتهن. كما إني لم احب فتاة أبدا. . نعم لم احب حبا حقيقيا. . أريد أن احب فتاة راقية وان تبادلني الحب. نعم أريد ذلك. . . أريد أن أتذوق الحب مرة. . . مرة واحدة. . لأتذوق الاندماج والائتلاف والاتصال البديع و. . . نعم يجب أن أحب. . . لكن من؟. . . من التي سيقع عليها اختياري؟
(يفتح الخادم الباب الذي في الصدر ويقول لفتاة رشيقة تدخل منه إلى المسرح):
الخادم - تفضلي يا هانم، سيدي إليك سيحضر حالا.
(عندما يراها إحسان يقف ويلتفت إلى الجمهور ويقول): هاهي التي يجب أن احبها وتحبني. (ثم يسرع إليها)
المنظر الرابع
إحسان وسميرة
إحسان - أهلا. أهلا سميرة هانم. كنت مشتاقا إلى رؤيتك (ويقبل يدها)
سميرة - كيف حال إحسان بك؟ أين انت؟ لم انقطعت عن زيارتي؟ لم أرك منذ زمن طويل. ما السبب؟
إحسان - إني أتألم
سميرة - ممه؟
إحسان - من القسوة
سميرة - والحنان؟
следующие страницы →