← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

هكذا خطب الناس بالأمس لما نعى إليه أخوه مصعب. هو لا يخاف الموت، وإنما آمال لا يمثلها إلا هو، آمال كاد أن يصل إليها وما زال يأمل في الوصل إليها، آمال شيعة له في جميع الأقطار العربية، من يقوم بها من بعده؟ خمسون ليلة وأهل مكة يعانون من الحصار كل ضيق. لابد من انفجار، لابد من حدث حاسم، فلقد كادت أن تزهق الأرواح. جند الشام لا يضيرهم استمرار الحصار، ولكن أهل مكة، أهله وشيعته ورعيته يعانون من الأهوال. صمم ابن الزبير على القتال، أبناء حمزة وحبيب لا يزالون معه، فتيان من خيرة الفتيان أحدهما يقود فريق، والآخر يقود الفريق الآخر. وخرج ابن الزبير من بيته في الليلة الخمسين ليلقي على ابنيه تعاليم معركة الغد. (حمزة!. . حمزة!. . حبيب!. . حبيب!. .) ولكن أحدا لم يجب. وبدأت الحقيقة تتكشف لناظره الحزين قليلا قليلا، فإذا هي أبشع مما كان يقدر. حمزة وحبيب ابناه تركاه في هذا الضيق! والى أين؟ إلى عدوه، إلى من حاصره، وأذاقه هو وأعوانه كل كرب وضيق. وتلاشت صورة القلة من أل أعوان أمام هذه الخيبة. أي ألم؟ أي يأس؟ أي حسرة؟ لم يعد شيء يرجى. بينما اليأس يحرق قلب الشيخ حرقا إذا بعروة الزبير يناديه. ماذا يريد منه عروة؟ عروة يناصر عبد الملك وهو في أمان من هذا الحصار وهذا الجند. ماذا يبغي عروة منه في ساعة اليأس هذه. عروة رسول أمل جديد جاء ليعرض عليه الأمان بشروط مرضية. هم يعطونه كل ماله: املاكه، سلامته، حريته التامة، كل شيء إلا الخلافة. وفي ساعة اليأس يرى اليائس بصيص النور ضياء ساطعا وهاجا، ولكن السن أملت عليه التدبر فليترو قليلا وليستشر. ولكن من يستشر؟ في ركن من أركان بيت عبد الله بن الزبير قبعت عجوز في المائة من سنها عجوز لها من تجارب الحياة ذخر ثمين، ولها من الصحة ورجاحة العقل رغم هرمها ما شهرت به، ولكن لها فوق هذا كله منزلة في نفس عبد الله لم يبلغها أحد. هي أمه هي أسماء بنت أبي بكر الصديق. فليستشرها هي. واقترب الابن من أمه الوالهة التي جثم الحزن على قلبها طويلا. لقد فجعت حديثا في ابنها مصعب بعد أن ملأ ذكره الآفاق، بعد أن استولى على قطر من أهم الأقطار العربية وهو

стр. 2137

العراق، بعد أن قاتل فقتل في ميدان الجهاد كريما شريفا شهما شهيدا. ولكن حزنها لم يشفع لها لدى الدهر فما زال الدهر يلوح لها بين حين وآخر، يسلب ابنها عبد الله أعز أولادها وأطيرهم ذكرا وأكثرهم جهادا. دنا ابنها منها وسألها: - كيف تجدينك يا أماه؟ - إني لشاكية فقال لها وكأنه يحدث نفسه اليائسة: - إن في الموت راحة. فأجابته: - لعلك تمنيه لي وما احب أن أموت حتى يأتي على أحد طرفيك، إما قتلت فاحتسبك، وإما ظفرت فقرت عيني بك. صدمه جواب أمه، وكأنما كان جواباً عما أتى يستشيرها فيه، كيف يسألها؟ ولكنها لا تعرف عما عرضوه عليه شيئا، وفي صوت متهدج قال لها: - أماه لقد خذلني الناس حتى ولدي وأهلي ولم يبق معي إلا اليسير، ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة. والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا. . فما رأيك؟ وجاشت في صدر الأم عواطف ونوازع شتى كلها تتزاحم فلا يتاح لأحدها فرصة التغلب أو الظهور - حنان، شفقة، خوف، شجاعة، حب لولدها، حب لوطنها، حب لربها وللحق ولرسول الحق ولتعاليم الحق. ظلت كل هذه تتصارع في صدر العجوز صراعا عنيفا، وظلت الأم تعاني آلام هذا الصراع حينا وآلام الهزيمة لكل عاطفة تهزم منها، كل عاطفة جزء منها فصراعها يؤلمها وهزيمتها تكاد تقتلها. ولكن حميتها العربية انتصرت أخيرا وتغلبت من كل هذه العواطف: العواطف الخلقية بأسماء بنت أبي بكر الصديق. وفي صوت ملؤه اليقين قالت لولدها: - أنت اعلم بنفسك، إن كنت تعلم انك على حق وإليه تدعو فامض له، فقد قتل عليه أصحابك ولأتمكن من رقبتك غلمان بني أمية، وان كنت إنما ردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن قتل معك. . كم خلدوك في الدنيا؟ القتل أحسن. القتل أحسن ولكن ماذا بعد القتل؟ لن يتورع الجبار من ارتكاب شيء، لن يردعه دين ولن

стр. 2138

يردعه خلق، فقال وكأنما الحقيقة تمثلت له قبل وقوعها. - أماه! إني أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ورفعت ستر المستقبل المغيب عن عين الأم فرأت ابنها مصلوبا، وتمثل لها ما سيلاقيه المصلوب من احتقار وتشهير وضحك واستهزاء، ولكن الحق. الحق وروح من سفكت دماؤهم في سبيله أملت عليها الجواب - الشاة المذبوحة لا يؤلمها السلخ. فامض على بصيرتك واستعن بالله. سرت روح الأم إلى ابنها فقشعت من صدره كل يأس وكل خوف، وظلت كلماتها تتردد في نفسه كوجيب قلبه، القتل أحسن، القتل أحسن، حلت الشجاعة محل اليأس، وحل جلال الحق محل الخوف من الموت والمثلة. لم يعد يألم لشيء إلا لتلك الثكلى التي ستفقده بعد فقد أخيه بالأمس. - أماه إني مقتول يومي هذا فلا يشتد حزنك وسلمي الأمر لله، إن ابنك لم يتعهد إيثار كفر ولا عمل بفاحشة، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر في امان، ولم يتعهد ظلم مسلم أو معاهد، ولم يبلغني ظلم من عمالي فرضيت به بل أنكرته، ولم يكن شيء عندي آثر من رضى ربي. ثم رفع رأسه إلى السماء قائلا: - اللهم لا أقول هذا تزكية لنفسي ولكن أقول تعزية لأمي حتى تسلو عني خيم الصمت على الأم وولدها وقد أحست أنها ستراه لآخر مرة كما أحس هو بذلك. وترقرق الدمع حارا ملتهبا في عين العجوز. الدمع الذي ظل محتبسا من أهوال الأيام الأخيرة انفجر في الموقف الذي يجل عن كل دمع. بدأ ابنها يحس شيئا من الإحجام بعد أن صمم على القتال والاستشهاد، وخاف أن يستولي عليه هذا الشعور إن لم يسرع بتنفيذ ما صمم عليه. وكأن الأم ما زالت بروحها تدفعه إلى الاستشهاد كما حضته بقولها منذ قليل فأسرع نحو الباب بعد أن قبلها قائلا - (أماه لا تدعي الدعاء لي) - (لا ادعه لك أبدا) وكأنها تريد أن تذكره فقالت - (فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق)

стр. 2139

خرج ابن الزبير من عند أمه فإذا الفجر لاح والمؤذن يدعو إلى الصلاة فليذهب إلى المسجد إذن، عسى أن يبعث الله إلى القلب طمأنينة يجتاز بها قلاقل اليوم صلى ابن الزبير صلاة حارة أرسل بها إلى ربه ما وسعه من الشكوى، وما استطاع من الرجاء، وأحس بان روحا من العالم الأعلى حلت في نفسه من جديد، فلم يعد شيخا ضعيفا بل أصبح شابا مندفعا في ميدان الاستشهاد. ظل ابن الزبير بعد الصلاة في المسجد طويلا ترن كلمات أمه في أذنه حينا، ويصلي إلى ربه حينا آخر فيقول: يا رب إن جنود الشام قد كثروا … وهتكوا من حجاب البيت أستارا يا رب إني ضعيف الركن مضطهد … فابعث إلي جنودا منك أنصارا لم يطل الزمن بابن الزبير حتى هاجمه جند الشام من كل فوج. لاذ بأستار الكعبة ملاذه وملاذ غيره من قبل، ولكن الحجاج لا يردعه عن غايته رادع مهما عظم، فرمى الكعبة بالمجانيق وحميت المعركة الفاصلة لا بين المؤمنين والمشركين وإنما بين المؤمنين يمثل كل فريق منهم رأياً جديداً وسياسة جديدة. كانت معركة بين سياسة الشام الفتية، وسياسة الحجاز الهرمة، بين الخلافة كما كانت، وبين الخلافة كما تكون، بين النظم السياسية القديمة، وبين النظم السياسية الحديثة، هي معركة القديم والحديث يكررها التاريخ فلا يمل من تكرارها. معركة القديم والحديث، هل يفوز بها إلا الحديث.

стр. 2140

القصص صديقها عشيقها للكاتب الروائي الأستاذ محمد خورشيد رواية مصرية عصرية في فصل واحد - ٢ - المنظر الثالث: إحسان وحده إحسان - (يقف ويسير على المسرح ذهابا وإيابا وهو يقول)؛ صدق فايد لم تحبني إحدى الفتيات الراقيات مع إني أجيد مغازلتهن. كما إني لم احب فتاة أبدا. . نعم لم احب حبا حقيقيا. . أريد أن احب فتاة راقية وان تبادلني الحب. نعم أريد ذلك. . . أريد أن أتذوق الحب مرة. . . مرة واحدة. . لأتذوق الاندماج والائتلاف والاتصال البديع و. . . نعم يجب أن أحب. . . لكن من؟. . . من التي سيقع عليها اختياري؟ (يفتح الخادم الباب الذي في الصدر ويقول لفتاة رشيقة تدخل منه إلى المسرح): الخادم - تفضلي يا هانم، سيدي إليك سيحضر حالا. (عندما يراها إحسان يقف ويلتفت إلى الجمهور ويقول): هاهي التي يجب أن احبها وتحبني. (ثم يسرع إليها) المنظر الرابع إحسان وسميرة إحسان - أهلا. أهلا سميرة هانم. كنت مشتاقا إلى رؤيتك (ويقبل يدها) سميرة - كيف حال إحسان بك؟ أين انت؟ لم انقطعت عن زيارتي؟ لم أرك منذ زمن طويل. ما السبب؟ إحسان - إني أتألم سميرة - ممه؟ إحسان - من القسوة سميرة - والحنان؟

стр. 2141

إحسان - قد زال سميرة - من أين؟ إحسان - من قلبك سميرة - قلبي أنا؟ إحسان - نعم قلبك سميرة - قلبي يحمل لك اخلص صداقة إحسان - الصداقة هي نصف الطلب سميرة - آه، له نصف آخر؟ إحسان - طبعا وهو النصف المهم سميرة - لكن الصداقة أهم والاهم يفضل المهم إحسان - الصداقة أهم من الحب في أي شرع؟ سميرة - في شرع العقلاء إحسان - وفي شرع المجانين؟ سميرة - يتساويان (وتشير بإصبعين متلاصقين وتضحك) إحسان - أبدا في كل شرع الفرق بين الحب والصداقة كالفرق بين الليل والنهار سميرة - خصصت الليل بالحب والنهار بالصداقة، يالك من حاذق ماهر! إحسان - ليس في قولي مكر أو حذق. صداقتك سوف تملأ نهاري ولكن ليلي سيبقى خالياً. وما أطول الليل الخالي من الحب! سميرة - كفى مغازلة لا طائل تحتها يا إحسان بك. إني احب زوجي كما تعلم إحسان - لكنك تحبينه منذ أربعة أعوام يا هانم. هذا كثير. . كثير سميرة - أربعة أعوام كثيرة؟ والذين مضى على زواجهم عشرون عاما؟. . . إحسان - على زواجهم لا حبهم. . . أما أنت فقد تزوجت منذ أربعة أعوام، وللآن لا تزالين تحبين زوجك. هذا شيء كثير يا هانم، غريب لا سابقة له. . الحياة الزوجية تصبح على مر الأيام فاترة مملة محتاجة إلى نجدة من الخارج تنعشها وتلهب حرارتها التي

стр. 2142

ضعفت سميرة - لي صديقة تزوجت قبلي وللآن لم تضعف حرارة حبها لزوجها إحسان - هذا لا يمكن. حرارة الشمس نفسها قد ضعفت عما كانت عليه سميرة - من قال ذلك؟ إحسان - علم الفلك سميرة - ضاحكة: دعنا منه انه كعلم الركة لا أول له ولا آخر (يدخل فايد من باب اليسار قائلا) المنظر الرابع فايد. إحسان. سميرة فايد - مساء الخير يا هانم. أرجوك المعذرة. كنت أتمم عملا مستعجلا، والآن تجديني تحت أمرك سميرة - مساء الخير فايد بك. أريد محادثتك على انفراد إحسان - اسمح لي بالانصراف يا فايد إني على ميعاد سميرة - إلى اللقاء يا صديقي إحسان - سأحضر إليك غدا يا هانم، لنتمم حديثنا وسوف أقنعك (يقبل يدها) سميرة - إني قانعة بحبي لزوجي. ولا أستطيع أن اصدق نظرياتك إحسان - أنا طويل البال يا هانم. والأيام بيننا، إلى اللقاء يافايد (يصافحه) فايد - متى أراك؟ إحسان - سأعود بعد ساعة (يخرج) المنظر الخامس: فايد وسميرة فايد - تفضلي اجلسي يا هانم (تجلس ويجلس هو قريبا منها) سميرة - إني آتية من عند حكمت. أتعلم أنها حزينة؟ فايد - وأنا لست بفرحان سميرة - أنت تغضبها كثيرا ولا تشفق عليها فايد - هي تغضب من لاشيء، دعيك من غضبها ماذا قالت لك؟ سميرة - تخاصمتما أول أمس فخرجت غاضبا ولم تعد إليها حتى الآن.

стр. 2143

فايد - نعم تخاصمنا ولكن هل تعلمين فيم كانت الخصومة؟ سميرة - فيمه؟ فايد - كانت في أني ذهبت إلى الجزيرة الصغيرة سميرة - ولم ذلك؟ فايد - الجزيرة الصغيرة من الأمكنة المحرمة علي لأنه يحتمل أن أقابل فيها إحدى الغانيات الجميلات فتفتنني رؤيتها أو إحدى الهوانم المستهترات فأهيم بحبها سميرة - ومن قابلت بالجزيرة الصغيرة؟ فايد - لم أقابل أحدا. إنما حدث بينما كنا أنا وإحسان في طريقنا بالسيارة إلى فدق مينا هاوس أن رجاني أن نعرج على صابر بك في ذهبيته ونأخذه معنا، وذهبية صابر راسية بالجزيرة الصغيرة فخشيت إن أنا صرحت لاحسان بان حكمت تأبى علي الذهاب إلى الجزيرة الصغيرة أن يهزأ بي ويجعلني مضغة في الأفواه، لأنه كما تعلمين مستهزئ متهكم. لذلك اضطررت رغما عني أن أجيب رجاءه وأذهب معه. ولكن إحدى صديقات حكمت كانت لسوء الحظ تتنزه هناك في تلك اللحظة فرأتني وأخبرتها. هذه كل جنايتي التي تخاصمنا من أجلها. عندما ذهبت إليها أول أمس أمطرتني وابلا من الأسئلة فأخبرتها بالحقيقة كما ذكرتها لك، لكنها لم تصدقها وصممت على رأيها أني إنما كنت على موعد مع فتاة لي بها علاقة، وطلبت مني أن أذكر اسمها، فأقسمت أن لا علاقة لي بغيرها وأني لا أحب سواها. أخذت ألاطفها وأهدئ روعها حتى خيل إلي إني أفلحت في إقناعها، لكنها ما لبثت أن عادت تلح على أن اذكر لها اسم الفتاة فعدت أقسم وأؤكد وهي مصرة لا تتحول حتى عيل صبري ولم أتمالك نفسي فتخاصمنا وخرجت غاضبا. هذه حال لا تطاق. تغضب من لاشيء. لا تصدق لي كلاما، ترتاب في كل أعمالي. تشك في جميع أقوالي. سميرة - إنها تحبك وهي ككل امرأة تحب، مستبدة غيورة فايد - لكن يا هانم للغيرة حدود سميرة - آه لو رأيتني مع زوجي في مطعم أو في دار تمثيل أراقب حركاته في يقظة، وأتتبع نظراته باهتمام، حتى إذا ما أتى بحركة (أشتبه فيها) أو رمى ببصره جهة معينة يتحول في الحال نظري إليها، والويل له لو كانت هناك امرأة، أغمره بأسئلة لا تنتهي، لا

стр. 2144

أصدق له كلاما، وأستمر اسأل وأحقق وأقول وأعيد حتى أنغص عليه عيشه، لكنه برغم كل ذلك الرجل الوحيد الذي أحببته والذي لا أزال أحبه، أسبب له الحزن والكدر ثم أعود فأتودد إليه وأسترضيه حتى إذا ما عانقني ألجأ إلى صدره وأنا أسعد المخلوقات، كلنا هكذا عندما نحب صدقني. فايد - (لا يجيب وإنما يطرق برأسه إلى الأرض) سميرة - لا يجوز لعاشقين أن يفترقا من اجل نزاع غرامي فايد - لا. يجب أن نفترق أو تغير طبعها سميرة - وكيف تغير طبعها وهي تحبك؟ انك لا تطلب من سيارة ألا تسير، فكيف تطلب من امرأة ألا تغير؟ يجب أن تتساهل يا فايد بك؟. يجب على الرجل أن يتحمل فايد - تحملت كثيرة سميرة هانم سميرة - تحمل هذه المرة أيضا فايد - هي التي أرسلتك أم حضرت من تلقاء نفسك؟ سميرة - هي التي أرسلتني ولكنها رجتني أن أخفي عنك ذلك، إنها تحبك وتتألم لبعدك. لا تكن قاسياً فايد - لست بقاس يا هانم سميرة - حكمت لا مثيل لها ذكاء وظرفا وطيبة ووفاء فايد - إني واثق من ذلك سميرة - إذن. . . اذهب الليلة إليها وصالحها فايد - سأسافر الليلة إلى استامبول سميرة - تسافر؟. . تسافر دون أن تقابلها وتودعها؟ فايد - يجب ألا أقابلها الآن. أريد أن أفكر على انفراد في حبنا. . في مستقبلنا سميرة - لكنها ستحزن. . . أيرضى قلبك أن تسافر وتتركها هكذا حزينة؟ فايد - قلبي مطمئن عليها لأني سأتركها معك. أخبريها أني مازلت احبها وان غيبتي لن تطول سميرة - لا يمكنني. لتعلم بسفرك من غيري. ولكن ماذا أقول لها؟ إنها في انتظاري فايد - (يفكر قليلا ثم يقول) قولي انك لم تجديني

стр. 2145

سميرة - حسن. افضل أن اكذب عن أن ابلغها ما يحزنها، مع السلامة يا بك، عد إلينا سريعا (وتقف) فايد - (ويقف ويقول) سلمت يا هانم، وشكرا على جميل سعيك (يقبل يدها) سميرة - حكمت صديقتي من عهد الدراسة ولها مكانة خاصة (تقول وذلك وهي خارجة مع فايد) المنظر السادس: فايد وحده (يعود فايد ويجلس إلى المكتب ويرتب أوراقا في أدراجه وهو يقول) ستحزن كما قالت سميرة، ستحزن لأنها تحبني، إني واثق من حبها. . وأنا احبها. . آه لو لم تكن غيورة. . تباً للغيرة كم تعذب وكم تشقي!. . إنها الآن تتعذب. . وأنا. . امصيب أنا في سفري أم مخطئ؟ هل في استطاعتي البقاء شهرين بعيدا عنها محروما من رؤية وجهها النضر وعينيها الناعستين وفمها العذب؟. . . أخشى ألا أستطيع. . أشعر أني لا أستطيع. . لقد منعتني عزة نفسي عن العودة إليهما مغتنما فرصة إرسالها سميرة. . أصبحت ولابد لي من السفر. . نعم لابد. . ما باليد حيلة. (هنا تدخل حكمت؟) المنظر السابع فايد وحكمت فايد (يقف ويسير إلى حكمت قائلا (أنت؟ أنت؟) حكمت - نعم أنا، جئت لأنك رفضت المجيء عندي. جئت عندما علمت من سميرة بنبأ سفرك، ولم تمنعني عزة نفسي. أحقا ستسافر الليلة؟ فايد - نعم حكمت - لو لم أجيء كنت سافرت دون أن تراني؟ فايد - كنت سأكتب إليك واشرح. . . حكمت - (متهكمة) مادمنا قد تقابلنا تكلم. قل ما كنت ستكتب، أشرح كما تشاء، كن مطمئنا لا نزاع ولا خصام. ولو أن النزاع قد اصبح من مستلزماتي أني أصبحت أنغص عليك

стр. 2146

عيشك فايد - لقد نقلوا إليك الكلام محرفا كالعادة. عزمت على السفر دون أن أحظى برؤيتك خوفاً من نفسي لا منك

стр. 2147

النفس والرقص للكاتب الشاعر الفرنسي العظيم بول فاليري ترجمة الدكتور طه حسين استكشف صديقي الدكتور محمد عوض محمد في نقده القيم الظريف لكتابي على هامش السيرة أن وراء هذا الطلاء الرقيق الذي أظهره من الثقافة الغربية أزهريا قحا. فحق عليّ أن أهنئه بهذا الاستكشاف وأن اشكره له، فقد دلني على نفسي أظهرني على حقيقة أمري. ولعله يأذن لي في أن اهدي إليه هذه الترجمة اعترافاً بفضله ومكافأة له على جهده الخصب العظيم. وأحب أن اقدم بين يدي هذه الترجمة ملاحظات لابد منها الأولى: إنني حرصت اشد الحرص على أن تكون الترجمة دقيقة تشبه الحرفية، لأنقل إلى القراء صورة إن لم تكن مطابقة فهي مقاربة لما أراد الكاتب أن يقول والكاتب نفسه غامض. فهذا النحو من الترجمة يزيده غموضا ولكني سأجتهد في توضيحه بتعليقات قصيرة تبين ما يريد. الثانية: أن الكاتب زعيم من زعماء الرمزيين فهو يطلب الاستعارة والمجاز فالتشبيه والتمثيل، ويبعد فيها ويصل بهذا الأبعاد إلى إشراك القارئ معه في لذة التفكير والاستنباط، فلا ينبغي إذن أن يضيق القارئ بما سيرى من غرابة، وإنما يجب عليه أن يصبر على هذه الغرابة ويروض نفسه على مواجهتها حتى يألفها ويطمئن إليها فيصبح صديقا للكاتب ومحبا لآثاره. الثالثة: إن هذا الكتاب حوار بين سقراط واثنين من تلاميذه في آخر وليمة من ولائم العشاء، فليلاحظ القارئ هذا وليلاحظ أن سقراط وأصحابه كانوا وثنيين، فهم يتحدثون لغة الوثنيين، يذكرون آلهة عدة، لا إلهاً واحداً. الرابعة: أن عنوان هذا الكتاب وموضوعه قد يؤذيان سمع المتحرجين من الشرقيين، ولكنهما لا يؤذيان سمع الفرنسيين، ومن المحقق أن بول فاليري لم يكتب كتابه لنا، ولو أنه فكر فينا وقدر أنا قد نترجم كتابه لكان من الممكن أن يتخذ لكتابه موضوعا وعنوانا غير الرقص. ومن يدري لعله كان يحس أن الأسباب بينه وبيننا مقطوعة غير موصولة، وانه

стр. 2148

قد يعجز عن أن يكتب لنا، وقد نعجز نحن عن أن نقرأه. وليس هذا الكتاب ما يسوء، وليس فيه ما يغضب المتحرجين، إنما هو أثر من الآثار الفنية أراد صاحبه أن يصور في وضوح وقوة ما بين النفس والجمال الخارجي من صلة. فهو إلى أن يكون رسالة في علم الجمال أدنى منه إلى أي شيء آخر. والآن نستطيع أن نأخذ في الترجمة. أركسيماك - أي سقراط إني أموت!. . اعطني شيئا من الروح! صب لي الفكرة!. . قدم إلى انفي ألغازك الحادة! هذا الطعام الذي لا رحمةفيه يتجاوز كل رغبة معقولة في الطعام، وكل ظمأ جدير بالثقة!. . يالها من حال، حال الذين يعيشون بعد جيد الألوان ويرثون عنها هضما!. . لم تعد نفسي إلا حلما تصنعه المادة التي تجاهد نفسها! أيتها الألوان الجيدة المسرفة في الجودة إني آمرك أن تمضي!. . وأحزناه! مازلنا منذ وجبت الشمس فريسة لخير ما يوجد في الأرض، هذا الخير الهائل يضاعفه امتداد الزمان، يثقل محضره على النفوس حتى أني لتهلكني رغبة شاذة في أشياء جافة، خالصة للعقل. . . إيزن أن أجيء فأجلس إلى جانبك أنت والى جانب فيدر، موليا ظهري في جرأة لهذه اللحوم التي تتجدد دائما، ولهذه الأقداح التي لا تنضب، دعني أمدد لكلماتك، هذه الكأس العليا كأس عقلي، ماذا كنتما تقولان؟ فيدر - لم نكن نقول شيئا بعد. إنما ننظر إلى أمثالنا يأكلون ويشربون. اركسيماك - ولكن سقراط لا ينقطع عن التفكير في شيء ما. . . . وهل استطاع قط أن يخلو إلى نفسه وأن يظل صامتا إلى أعماق النفس! لقد كان يبسم في حنان لشيطانه على الحافة المظلمة لهذه المأدبة. بم تغمغم شفتاك أي سقراط العزيز؟ سقراط - هما تقولان لي في هدوء أن الرجل الذي يأكل هو أعدل الناس. . . اركسيماك - هذا هو اللغز وهذه هي شهوة العقل التي خلق اللغز ليثيرها. سقراط - تقولان أن الرجل الذي يأكل يغزى ما فيه من خير وشر. كل لقمة يجدها تذوب وتتفرق في جسمه تقدم قوة جديدة إلى فضائله، كما تقدم قوة جديدة إلى رذائله دون تمييز وتنقسم في بعض الأنحاء بين الشهوة والعقل، وهي تقيم أود آلامه كما تنمي آماله. يحتاج إليها الحب كما يحتاج إليها البغض. وان فرحي وحزني وذاكرتي وهمي لتقتسم كما الاخوة

стр. 2149

ما في اللقمة من غذاء. ما رأيك في هذا يا أبن اكومين؟ اركسيماك - رأيي إني أرى ما ترى سقراط - يالك من طبيب! لقد كنت أعجب في صمت بأعمال كل هذه الأجسام التي تتغذى. كل واحد منها يعطي على غير علم لما فيه من قدرة على الحياة، أو جرثومة للموت، حظه العادل من الغذاء. هي لا تعرف ما تأتي ولكنها تأتيه كأنها الآلهة. اركسيماك - لقد لاحظت منذ زمن بعيد أن كل ما يمتزج بجسم الإنسان يمضي بعد ذلك بوقت قريب كما يريد القضاء. كأن برزخ الحلق عتبة للضرورات الجامحة والألغاز المنظمة. هنا تنقطع الإرادة وينتهي الميدان المحقق للمعرفة. ولهذا أعرضت في ممارسة فني عن كل هذه الأدوية المضطربة التي يفرضها عامة الأطباء على مرضاهم المختلفين وأخذت نفسي في غير تسامح بأدوية بديهية مرتبة كل واحد منها بازاء الآخر فيدر - ما هذه الأدوية؟ اركسيماك - هي ثمانية؛ الحار والبارد، الحمية ونقيضها، الهواء والماء والسكون والحركة؛ هذه هي. سقراط - أما النفس فليس لها إلا دواءان يا اركسيماك فيدر - وما هما؟ سقراط - الصدق والكذب. فيدر - وكيف ذلك؟ سقراط - أليست الصلة بينهما كالصلة بين اليقظة والنوم؟ الست تلتمس اليقظة وصراحة الضوء حين يؤذيك حلم رديء؟ أليست الشمس نفسها تبعثنا من مراقدنا؟ أليس حضور الأجسام الصلبة يقوينا؟ ثم على العكس من ذلك ألسنا نطلب إلى النوم والى الأحلام أن تفرج همومنا وان تقف آلامنا التي تتبعنا في عالم النهار؟ وإذن فنحن نهرب من أحدهما إلى الآخر وندعو النهار في أثناء الليل. ثم ندعو الظلمة حين نستمتع بالنور، تشوقنا المعرفة، ويسعدنا الجهل، نبحث فيما هو موجود عن دواء لغير الموجود، ونلتمس فيما لا وجود له راحة مما يوجد، يتلقانا الحق الواقع تارة، ويتلقانا الوهم تارة أخرى. والنفس في آخر الأمر لا حلية لها إلا في الصدق الذي هو سلاحها، والكذب الذي هو وقاؤها.

стр. 2150

أركسيماك - حسن! حسن!. . ولكن ألا تظن أي سقراط العزيز أن لخاطرك هذا نتيجة سقراط - أي نتيجة أركسيماك - هذه: وهي أن الصدق والكذب يرميان إلى غاية واحدة. فشيء واحد يستطيع من طريقين مختلفين أن يجعلنا صادقين أو كاذبين، وكما أن الحر والبرد يهاجماننا حينا ويحمياننا حينا آخر، فان الصدق والكذب والإرادرت المختلفة التي تلائمهما، تنفعنا حينا وتضرنا حينا سقراط - ليس شيء أوكد من هذا ولا حيلة لي فيه. إنما هي الحياة تريد هذا، وانك لتعلم اكثر مني إن الحياة تستخدم كل شيء. كل شيء حسن عندها يا أركسيماك، ثم هي لا تنتهي بشيء إلى غاية ما، ومعنى ذلك أنها لا تنتهي إلا إلى نفسها. أليست هي هذه الحركة الخفية التي تحولني دائما إلى نفسي بفضل كل هذه الحوادث التي تطرأ ثم تردني سريعة إلى شخص سقراط لألقي نفسي فيه ثم لأكونه لأني أتخيل أني سأعرفه من غير شك - إنما هي امرأة ترقص ولو استطاعت أن تمضي في وثبتها حتى تبلغ السحاب لتنزهت عن أن تكون امرأة، وكما أننا لا نستطيع أن نمضي إلى غير نهاية لا في الحلم ولا في اليقظة فهي أيضا تعود دائما إلى نفسها وتخرج عن أن تكون ثلجا منثوراً أو أن تكون طائراً، أو أن تكون فكرة، أو أن تكون أي شيء أراد المزمار أن تكونه لأن الأرض التي بعثتها تدعوها وتردها متعبة إلى طبيعتها الأولى طبيعة المرأة، ثم إلى صديقها. فيدر - يا للمعجزة!. . . يالك من رجل عجيب. . يكاد ما أرى أن يكون معجزة حقا! لا تكاد تنطق حتى تخلق ما لابد منه. . . لا تستطيع الصور التي تحدثها أن تبقى صورا. . انظر محققا كأنما فمك الخالق قد انشأ النحلة والنحلة. انظر إلى الجوقة ذات الأجنحة تتألف من الراقصات الشهيرات!. . . إن الهواء ليدوي مرجعا ما سيتكشف عنه فن الرقص!. . . كل المشاعل تستيقظ! وغمغمة النائمين تتحول، وعلى الجدران التي يهزها اللهب المضطرب تذهل وتشفق الظلال العريضة ظلال السكارى. . . انظر إلى هذه الفرقة التي تجمع بين الخفة الظريفة والجد الحازم! - هن يدخلن كأنهن الأرواح سقراط - لله ما أوضح هؤلاء الراقصات؟. . يالها مقدمة حية رشيقة لأفكار أدنى إلى الكمال!. . أن أيديهن لتنطق وكأن أقدامهن تكتب - كم من دقة في هذه الكائنات التي تجتهد

стр. 2151

في أن تستخدم موفقة مالها من قوى ناعمة. كل مصاعبي تهجرني، وليست هناك الآن مسألة تجهدني، إنما أطيع سعيدا حركة هذه الأشكال! إنما اليقين هنا لعب، كأنما المعرفة قد وجدت نفسها، وكأنما العقل يستجيب فجأة للجمال الظريف الذي لا تكلف فيه انظر. إلى هذه الفتاة أشدهن نحافة وأكثرهن فناء في الاستقامة الخالصة. . . من تكون؟ أنها لصلبة في عذوبة، وأن مرونتها لتعجز الواصفين. . إنها لتسلم أنها لتستعيدانها لتؤدي الوزن في دقة حتى لو أغمضت عيني لرأيتها كما هي بمسعى أني لاتبعها، إني لأجدها وليس إلى أن افقدها من سبيل ولو قد سددت أذني ونظرت إليها كما هي وزن وموسيقى لكان المستحيل ألا اسمع القيثارة! فيدر - هي رودبيس هذه التي تخلبك سقراط - إذن فما اجمل اتصال أذن رودبيس بكعبها. . . ما أدقها. . . إنها لترد إلى الزمن الشيخ شبابه اركسيماك - كلا يا فيدر!. . . . . رودوبيس هي هذه الأخرى التي تلاطف بطرفها إلى غير حد في عذوبة وسهولة. سقراط - وإذن فمن هذه النحيفة ذات المرونة الشاذة؟ اركسيماك - هي رودينا سقراط - ما أجمل اتصال إذن رودينا بكعبها! اركسيماك - على أني اعرفهن جميعا واحدة واحدة وأستطيع أن اسميهن لكما فأسماؤهن تنتظم انتظاما حسنا في شعر قصير يسهل حفظه: نبس، نفويه نيما - نكتيريس، نيفيليه، نيكتيس - رودوبيس، رودينا، بتليه. . . أما هذا الراقص القصير الدميم فيسمى نتاريون. ولكن ملكة الجوقة لم تدخل بعد. فيدر - ومن تملك على هذه النحل؟ (يتلى) طه حسين

стр. 2152

العدد ٢٦ - بتاريخ: ٠١ - ٠١ - ١٩٣٤

стр. 2153

الرسالة في عامها الثاني في مثل هذا الأسبوع من عامنا المنصرم أخذت الرسالة طريقها الصامت إلى المطبعة. ثم خرجت منها إلى الناس تخطو خُطى الوقار في عِطاف الحشمة، لا يَجذب الطرف ظاهرها المتبرج، ولا يخلب اللب باطنها الفكِه. وكانت منذ انطلاقها من عقال التردد نتظنن في عواقب الجرأة على لقاء الجمهور بهذا المزاج في هذا الزي، فلا تدري أيصّدق ظنّها أم يكّذبه، ويحقق أملها أم يخيبه. فلما بش لها بشاشة الزهر، وأقبل عليها إقبال الدهر، تبدلت لهذا الشعب الكريم صورة مكان صورة، ونشأت عنه فكرة بدل فكرة، وأيقن الذين رموا عقليته بالاعتلال، وثقافته بالهزال، وأدبه بالعبث، إن وراء هذا المظهر المزور عقلا قويما يلذه التفكير، وذوقا سليما يروقه الجد والواقع أن الرسالة كانت صرخة الحق في ضجة الباطل، دلت على العمق الصحيح لثقافة الكتاب، والاتجاه الصادق لهوى القراء، والمستوى الحق لرقي الأمة، وكان لها أن تزعم - إذا استجازت الفخر - بأن مجموعتها سجل مضبوط لألوان الأدب العربي في هذا العصر لم تلبث الرسالة على قرب عهدها بالوجود ان عقدت أسباب المودة بينها وبين القلوب العربية في أقطار الأرض، فظلوا يخالصونها الولاء، ويصادقونها النصح، ويواضعونها الرأي، ويربأون بها أن تسف أو تخف أو تشغل مكانا منها بإعلان؛ وظلت هي على العهد الذي قطعته تتحرى وجوه الرشد وتتوخى سبيل القصد، وتحدوا أهواء النفوس إلى الغاية التي يتوافى عليها الاخوة، وتلتئم عندها الوحدة، والله يعلم ما لقيت الرسالة في طريقها من عنَت الشهوات، ورَهَق الحوادث، فما خنست لها همة، ولا انقبضت لها عزيمة، لان المؤمن الصادق لا يُفْتَن عما يعتقد، ولَا يُخدع عما يرى، ولا يُؤفك عما يقصد لم تكن الرسالة متجنيَة على الحق يوم أخذت على نفسها الموثق بأداء هذا الواجب، فأن القائمين بها كانوا يعملون من دلائل الحال ان الأدب الصحيح الناضج إنما يتجلجل داويا في أعماق أهله، ثم لا يجد السبيل إلى الخارج لتسلط الوساوس التي ذكرناها في صدر العدد الأول من الرسالة. فكان كل أديب موهوب يقصر الحان قلبه على سمعه، كأنه الينبوع الشادي في خلوة الوادي، لا يقع شدوه في إذن، ولا يتصل نشيده بنشيد. فكان سبيل الرسالة إذن أن تضم الأشتات إلى الأشتات، وتوفق بين الأصوات والأصوات،

стр. 2154

ثم تؤلف من هذه الآلات المفردة جوقة موسيقية متحدة تسكب في مسامع الوجود، أناشيد الخلود! ولانت للرسالة بحمد الله أعطاف الأمور فنجحت في هذا التوفيق، وكانت كما ترى في فهارس سنتها الأولى صدى حاكيا لتلك الأصوات الصوادح بالمجد العربي والأدب العربي في العراق وسورية ولبنان وفلسطين ومصر والسودان والمغرب نضّر الله بالحمد وجوه اؤلئك الأدباء البررة الذين استجابوا دعوة الوطن الأكبر فساهموا في تبليغ الرسالة، وأعانوا على تأدية الأمانة، وأضافوا خيرهم الفَمْر إلى تراث آبائنا الخالد! في السنة الأولى للرسالة هنات يصيبها المتعقب ويُخْطِئها الكريم، ولم يكن في مقدور المبتدئ ولا تقديره أن يتسلف النظر إلى كل الطوارئ، وقد اكتسبنا بفضيلة الصبر خبرة في العمل وقدرة على صعابه، نرجو أن يظهر أثرهما في هذه السنة، فيحسن الطبع، ويجود الوَرق، ويدق التصحيح، وتتسع الأبواب، ويكبر الحجم، ويكمل النقص، وتزداد في كل ذلك العناية وقد استقبل القراء صدور الرسالة أسبوعيا بأريحية السرور وهزة الأمل، واستهال الأمر بعض الأصدقاء فأشفقوا على الرسالة أن تقوض العجلة ما بنته الروية من هيكلها المتين وسَمكها العالي وأنا لنشكر للمتفائلين الفرح، ونحمد للمتشائمين الخوف، ونؤكد لهؤلاء أن الرسالة تمضي بعون الله قُدُما إلى الغاية، فلا يمكن أن تهبط عن مستواها، ولا أن تقصر عن مداها وأنا لنجدد للقراء عهد الرسالة ونحن أقوى ما نكون اعتماداً على فضل الله، واطمئنانا إلى عطف الأمة، واتكاء على عون الشباب، واعتداداً بإخلاص العمل وإذا كنا قد قطعنا موفقين أول العهد، والرسالة رسالة فرد، والمجهود مجهود نفر، فكيف يتلكأ الحظ ويتعثر الأمل، وقد أصبحت الرسالة رسالة أمة، والمجهود مجهود شعب؟! احمد حسَن الزيات

стр. 2155

النفس والرقص للكاتب الشاعر الفرنسي العظيم بول فاليري ترجمة الدكتور طه حسين اركسيماك - هي المدهشة، هي البالغة غاية الإبداع في الرقص (اتكتيه) فيدر - ما أعرفك بهن! اركسيماك - لكل هؤلاء الحسان أسماء كثيرة أخرى بعضها يأتيهن من الاسرة، وبعضها يأتي من الاخصاء فيدر - أنت أخص هؤلاء الأخصاء!. . تعرفهن اكثر مما ينبغي! اركسيماك - أنا اعرفهن اكثر جدا من المعرفة الحسنة، ومن بعض الأنحاء أحسن مما يعرفن أنفسهن. أي فيدر! الست أنا الطبيب؟ عندي وبي تستحيل أسرار الطب كلها، أسرارا تشترى بها كل أسرار الراقصة! هن يدعونني لكل شيء، يدعونني لالتواء القدم، وللدمل، والذهول، ولما يمس القلب من حزن، وللأحداث المختلفة التي تصيبهن من الصناعة (وهذه الأحداث الجوهرية التي تنتج في سهولة من مهنة شديدة الحركة) وضبقهن الخفي، حتى الغيرة سواء أكان مصدرها الفن أو الغرام، وحتى للحلم. . أتعلم انه يكفي ان يسررن إلى ببعض ما يقلقهن من الأحلام لاستنبط من ذلك ان في بعض أسنانهن فساد؟ سقراط - يالك من رجل خليق بالإعجاب يعرف الأسنان بالأحلام! أتظن إن أسنان الفلاسفة كلها فاسدة؟ اركسيماك - لتحمني الآلهة من عض سقراط؟ فيدر - دع هذا وانظر إلى هذه الأذرع والسوق التي لا تحصى! عدد ضئيل من النساء يظهر ألف شيء ألف مشعل، ألف رواق معمد قليل البقاء، عروشا، عمدا. . الصور تذوب تنمحي. إنما هي جماعة من الشجر حسان الغصون يهزها نسيم الموسيقى! أترى يا اركسيماك أن هناك حلما يصور من الألم واضطراب العقل اكثر مما يصور هذا الذي نراه الآن؟ سقراط - ولكن هذا الذي نراه إذا حققت ابعد الأشياء عن الحلم أي فيدر العزيز فيدر - ولكني أنا حالم. . حالم بالعذوبة تضاعف نفسها بنفسها إلى غير حد بما يكون بين

стр. 2156

هؤلاء العذارى من التلاقي ومن تبادل الصور. حالم بهذا التماس الذي لا يوصف والذي يحدث في النفس بين الأزمنة، بين بياض الأذرع واشتباكها بمقدار، وأصوات هذه الأنغام المؤتلفة الخافتة والتي يظهر عليها كل شيء كأنه مصور محمول. تنفس اختلاط هؤلاء الفتيات الساحات كأنه شذى مسكي مركب، ويهيم محضري في هذا الظرف المختلط حيث تضل كل واحدة منهن مع رفيقة ثم تظهر مع رفيقة أخرى سقراط - إن نفسك لمفتونة باللذة، إن ما تراه لنقيض الحلم لا أثر للمصادفة فيه. . ولكن نقيض الحلم ما هو يا فيدر؟ إنما هو حلم آخر! حلم تنبه ويقظة يحلمه العقل نفسه! - وماذا يمكن أن يحلم العقل؟ لو حلم العقل صلبا قائما مثلج العين مطبق الفم كأنه سيد شفتيه - فالحلم الذييراه هل يكون إلا شيئاً كالذي نراه الآن - هذا العالم من القوة الدقيقة والتخيل المتعمد في عناية وإتقان! حلم، حلم، ولكنه حلم يملؤه التناسق كله نظام، كله فعل وغناء. . من يدري أي القوانين المقدسة تحلم هنا الآن وقد اتخذت وجوها نضرة واتفقت على أن تظهر للناس كيف تستطيع الأشياء الواقعة وغير الواقعة والمعقولة ان تمتزج وتأتلف حسب ما لآلهة الفن من مقدرة؟ اركسيماك - من الحق يا سقراط ان كنز هذه الصور لا يقدر. . ألا تظن أن فكرة الآلهة هي بالضبط ما نرى وان هذا التشابه الفخم إلى غير حد. هذا التداور والتقابل والتقاطع التي لا تنتهي والتي تظهر لأعيننا ينقلنا إلى عالم المعرفة الإلهية؟ فيدر - ما أجمله ما أظرفه هذا المعبد الصغير الوردي المستدير الذي يؤلفنه الآن والذي يدور في بطء كأنه الليل! انه ليتفرق فتيات أن الأردية لتتطاير وكان الآلهة قد غيروا من تفكيرهم اركسيماك - إن الفكرة الإلهية الآن هي هذه الجماعات الكثيرة المختلفة الألوان من الوجوه الباسمة. أنها تبدئ المعاد من هذه الحركات الحدة وهذه العَواصف اللذيذة التي تتألف من جسمين أو ثلاثة أجسام ثم لا تستطيع أن تفترق. . لقد وقعت إحداهن فيما يشبه الأسر فلن تخرج من سلاسلهن السحرية! سقراط - ولكن ماذا يصنعن فجأة؟. . . إنهن ليختلطن، ثم يمضين مسرعات!. . . فيدر - هي يطرن إلى الأبواب، ينحنين ليستقبلن

стр. 2157

اركسيماك - أي اتكتيه! أي اتكتيه!. . . يا للآلهة!. . اتكتيه الخافقة! سقراط - ليست شيئاً. فيدر - هي طائر صغير سقراط - شيء لا جسم له! اركسيماك - شيء لا ثمن له! فيدر - أي سقراط! كأنها تطيع إشكالا لا ترى! سقراط - أو تذعن لقضاء جليل! اركسيماك - أنظر! أنظر! أترى أنها تبتدئ بمشي الاهي؛ مشي يسير مستدير. . تبتدئ بأرقى ما عندها من الفن، تمشي في يسر على ما انتهت إليه من القمة! طبيعتها الثانية هذه أبعد ما تكون عن طبيعتها الأولى، ولكن يجب أن تشبهها، حتى تخدعنا عنها. سقراط - إني لاستمتع إلى أقصى حد بهذه الحرية. أن صاحباتها الآن لمستقرات كأنهن مسحورات. وأن الموسيقيات ليسمعن لأنفسهن دون أن يحولن أبصارهن عنها. . . يمتزجن بها كأنما يلححن في كمال التوقيع. فيدر - إحداهن كأنها المرجانة الوردية قد انعطفت على نفسها وهي تنفخ في قوقعة عظيمة. اركسيماك - صاحبة المزمار هذه العالية في الطول ذات الفخذين النحيفتين كأنهما المغزلان، قد لفت إحداهما على الأخرى، ومدت قدمها الظريفة التي تخفق إبهامها بوزن الموسيقى. . . أي سقراط ما ترى في هذه الراقصة؟ سقراط - أي اركسيماك هذه المخلوقة الصغيرة تدعو إلى التفكير. . أنها تجمع على نفسها أنها تحتمل جلالا كان مفرقا فينا جميعا وكان يحل غير مشعور به كل الذين يشتركون في هذا اللهو. مشى يسير، وإذا هي الآهة، وإذا نحن جميعا كأننا الآلهة!. . . مشى يسير ايسر التسلسل كأنها تأجر الفضاء بأعمال جميلة متساوية وتضرب بعقبها حركات كالدنانير ذات الرنين. كأنما تعد وتحصي في قطع من الذهب الخالص ما ننفقه نحن غافلين نقدا عاديا من الخطوات حين نسعى لأي غاية من الغايات اركسيماك - أيها العزيز سقراط. إنها تعلمنا ما نعمل، مظهرة لنفوسنا في جلاء ما تأتي

стр. 2158

أجسامنا من الحركات، تظهر لنا ساقاها حركاتنا كأنها المعجزات. ثم هي تدهشنا بمقدار ما ينبغي أن ندهش فيدر - في أي شيء تمتاز هذه الراقصة عندك بشيء سقراطي، فتعلمنا من المشي كيف نعرف أنفسنا بأنفسنا خيراً مما كنا نعرفها، اركسيماك - في هذا بالضبط وهو أن خطواتنا تبلغ من اليسر والألف حدا لا نشرفها معه بملاحظتها في أنفسنا ومن حيث هي أعمال غريبة إلا أن يكون أحدنا مقعداً أو مريضاً فيضطره العجز إلى الإعجاب بها - وإذن فهن يحملننا كما يعرفن، ونحن نجهلهن، وهن يختلفن باختلاف الأرض والغاية والأخلاق والأحوال بل وضوح الطريق، ونحن ننفقهن في غير تفكير. ولكن انظر إلى هذا المشي التوقيعي الكامل. تمشيه اتكتيه على ارض لا عيب فيها، وهي حرة صريحة تكاد تكون مرنة تضع في تناسق على مرآة قوتها قدميها متتابعتين، عقبها يصب جسمها نحو مقدمة رجلها، ثم تمر رجلها الأخرى فتتلقى الجسم وتصبه إلى امام، وهكذا على حين تخط قمة رأسها البديعة في الحاضر الأبدي جبهة موجة متثنية وإذا كانت الأرض هنا كأنها مطلقة قد برت من كل عوج مفسد للتوقيع أو دافع إلى التردد فهذا المشي العظيم الذي لا غاية له إلا نفسه، والذي برئ من الوان الفساد على اختلافها يصبح نموذجا عاما (انظر أي جمال، أي أمن شامل للنفس ينشأ من طول خطواتها الفخمة، هذه الخطوات الممتلئة ملائمة لعددها الذي يلائم الموسيقى ولكن عدد الخطوات وطولها ملائمتان من ناحية أخرى لقوام الجسم سقراط - انك لتحسن الحديث عن هذه الأشياء أيها الخبير اركسيماك حتى أنى لمظطر إلى أن أرى كما تتفكر. إني لأنظر إلى هذه المرآة التي تمشي وتثير في نفسي شعور السكون لا اعني إلا بما لحركاتها من المساواة. . . فيدر - إنها لتقف بين محاسنها التي لا تنتهي. . اركسيماك - ستريان! فيدر - إنها تغمض عينها. .

стр. 2159

سقراط - إنها كلها في عينيها المغمضتين وحيدة مع نفسها في إفناء عنايتها الخاصة. تشعر كأنها أصبحت شيئاً حادثا جليلا. اركسيماك - انتظرا، ان. . . الصمت الصمت! فيدر - يالها لحظة حلوة! هذا الصمت تناقض. كيف السبيل إلى إلا أصبح. الصمت! سقراط - لحظة عذراء حقا. ثم لحظة نحس فيها كأن شيئا يجب ان ينقطع في النفس وفي الانتظار وفي الجماعة. . شئ ينقع ولكنه في الوقت نفسه كأنه يتصل. طه حسين

стр. 2160

كلمات في الحياة من الأدب العربي والأدب الغربي للأستاذ احمد أمين إنما الحياة الدنيا لعِبٌ ولهوٌ (قرآن كريم) خطَّ رسول الله (ص) خطا وقال هذا الإنسان، وخط إلى جانبه خطا وقال هذا أجله، وخط آخر بعيداً عنه وقال هذا الأمل، فبينما هو كذلك إذ جاءه الأقرب. (حديث) لما رجع رسول الله (ص) من غزوة غزاها قال: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والموت متوسط، ونحن في أضغاث أحلام. (الحسن البصري) الدنيا شوك، فانظر أين تضع قدمك (حكيم) الدنيا بيت له بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر (حكيم) أدرْها علينا مُزَّةً بابِلِيَّةً … تخَيَّرَها الجاني على عهد قَيْصرا فما الطَّيْشُ إلا أن تراني صَاحيِاً … وما العيش إلا أن ألَذَّ فأسكَرَا (أبو نواس) هل العيش إلا أن تَرُوح مع الصَّبَا … وتغدو صريعَ الكأس والأعين النُّجْلِ (صريع الغواني) أصاحِ هي الدنيا تشابه مَيْتَةً … ونحن حواليها الكلابُ النوابح (أبو العلاء المعري) وما العيش إلا عِلَّةٌ برؤها الرَّدَى … فَخلَّ سبيلي أنْصَرِفْ لِطِيَاتي (أبو العلاء)

стр. 2161

وما الأرض إلا مثْلنُا، الرَّزْقَ تبتغي … فتأكُلُ من هذا الأنام وتشربُ (أبو العلاء) عاقر الخمر فإنها مُلْكُ محمود، واسمع القيثارة فإنها لحن داود، ولا تذكر إلا الحاضر فذلك هو المنشود. (عمر الخيام) خذ كأسا وإبريقا وتجول في الرياض الناضرة على شاطئ الأنهار، فان هذا الفَلَك طالما جعل من قدود الغانيات كؤوسا، وجعل منها أباريق (عمر الخيام) ليست الحياة أن تتنفس، ولكن أن تعمل (ليكوغوس) إن الحياة طويلة لمن عرف كيف يستخدمها (سينكا) إذا أردت أن تعيش سعيداً فعش ليومك (بلوتوس) إنما يسيطر على الحياة الحظ لا الحكمة (بوبليوس سيروس) الحياة نسيج آراء (ماركوس أوريليوس) الحياة دمعة منسكبة تبتلعها الأرض (اليارذي) كثير من الناس لا يتمتعون بالحياة لأنهم لا يجدون نقطةَ تَوَازُنِها (تارشتي) حياة الإنسان كاليوم، فجره ميلاده وصباحهِ طفولته، وظُهْره إيقاعه، وغروبه موته (بوب كليمان) الحياة سباق إلى الموت

стр. 2162

(دانتي) حياة الإنسان تكيَّفُها عواطفه (بلزاك) الحياة أُغْنِية وكل نَفْس لحن (لامارتين) الحياة أن تستخدم كل أعضائك ومشاعرك وملكاتك وكل قوة فيك حيى تشعر أقصى شعور بوجودك (روسو) أكثر الناس يستخدمون شطر حياتهم لتنغيص الشْطر الآخر (لابرويير) الحياة بين أن تحارب وأن تستعد لان تحارب (أري شفر) الحياة حروفُ تعجب واستغاثة وندبة، ومجموعة من آه والله وأخّ وبخ (بيرون) وسئل فيلسوف ما رأيك في الحياة فهز كتفيه وانصرف لوجهه الحياة عمليات حسابية مختلفة الأرقام نتيجتها صفر دائماً أحمد أمين

стр. 2163

إلى سيدي الأستاذ العبادي وقفة أخرى على جسر إسماعيل أما أنا فقد وقفت أيضا بالجسر ولكني أشهد أنه لم يثر في نفسي إلا الأسى وحده، ولقد قطعته غير مرة ذهابا وجيئة، أرسلت الطرف في كل طريق، واسترسلت في التفكير العميق، لعلي أجد شيئا يرفع عن نفسي الحزن، أو يدفع إلى حسي قليلا من السرور، فارتد إلى البصر دامعا وهو حسير لست أنكر ان الجسر كان يوما مهبط الفخر ومسقط السحر ولكن متى؟ ذلك يوم كانت أسده طليقة من إسار الذل، أما اليوم وهي غريقة في بحاره فليس يستطيع السائر هناك أن يمسك دمعه أن يهلك لوعة سيدي: اسمح لي أن أقول إن وقفتي بجسر إسماعيل أعقبتني ندما وألما، وأنها ردتني إلى شيء من الحسرة والحيرة لا حد له، فلقد كنت أسمع في همس موجه، وجرس لجة، طنين تلك الأرواح الهاتفة من الماضي الزاخر بالمجد، وأنين هاتيك الأشباح الطائفة من الشهداء تبكي أسى على استقلال زال، واحتلال ما حال. . . سيدي، لقد كان لي فيما رأيت من منظر النهر ما أغرقني في فيض من الهم، فأغرقت في تفكير مرير ولم أفق إلا على صوت - البوري - فرفعت رأسي إلى المعسكر الأحمر وتحاملت على نفسي ومضيت دامع العين دامي القلب واليوم قرأت مقالك فانسابت الذكريات سراعا تباعا فنكأت الجرح بعد أن كاد يندمل، وطاب لي أن أمسح حول هذا الجرح فوجدت في ذلك شيئا من اللذة مصدرها الثقة في الله والأمل في المستقبل، وأنا الآن أكتب إليك هذا في الثالثة صباحا بينما تقرع إذني طرقات متواليات من طبلة (السحور) فتشيع في نفسي ألوانا من الإيمان، وتجعلني أرفع يدي إلى السماء في ضراعة وأهتف: (اللهم لا تمتني قبل أن أشهد مصر حرة) البكري القلوصناوي الجامعة المصرية. كلية الحقوق

стр. 2164

الحبس=الإعدام للأستاذ حسن جلال من أنباء الصحف اليومية: (أن المدعو محمد فضل الله الحمري دخل ذات ليلة بيته فوجد أحد أصدقائه ويسمى محمد خليفة الكاجاوي مع زوجته فأخرج مديته وأغمدها في صدره فقضى عليه لساعته، فقبض عليه رجال البوليس وحقق معه، ثم أحيل إلى المحاكمة الجنائية وشكلت له محكمة وطنية برياسة المستر بمفري المفتش بمديرية غرب كردفان وعضوية الشيخ بانقا مهيدي والشيخ الشرقاوي حماد عبد الكريم، ولما سئل الجاني اعترف بجريمته وقال أنه ارتكبها عامدا بسبب ما أثار حفيظته من تلك الفعلة الشنيعة التي ارتكبها المجني عليه، فأصدرت المحكمة أخيرا حكمها وهو يقضي بإعدام القاتل محمد فضل الله الحمري.) والذي يلفت النظر إلى هذا الخبر أن مثل هذه الفعلة الشنيعة إذا قابلها الزوج في مصر بمثل ما قابلها به (المدعو) محمد فضل الله الحمري لا تصدر المحكمة - أخيرا - حكمها عليه بالإعدام بأي حال من الأحوال، لان المادة ٢٠١ من قانون العقوبات المصري تنص على ما يأتي: (من فاجأ زوجته حال تلبسها بالزنا وقتلها في الحال هي ومن يزنى بها يعاقب بالحبس بدلا من العقوبات المقررة في المادتين ١٩٨ و٢٠٠ أما المادة ١٩٨ المشار إليها فهذا نصها. (من قتل نفسا عمدا من غير سبق إصرار ولا ترصد يعاقب بالإشعال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة. .) والمادة ٢٠٠ نصها كالآتي: (كل من جرح أو ضرب أحدا عمدا أو أعطاه مواد ضارة ولم يقصد من ذلك قتلا ولكنه أفضى إلى الموت يعاقب بالإشعال الشاقة أو السجن من ثلاث سنوات إلى سبع. . .) والمفهوم من مقارنة هذه المواد أن الأصل فيمن قتل نفسا عمدا ولكن من غير أن يكون قد بيت النية على قتله بل يكون القتل قد جاء مثلا نتيجة مشادة أو مشاجرة أو نحوهما - الأصل فيمن فعل ذلك أن يكون جزاؤه الإشعال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة. كما أن الأصل فيمن ضرب أنسانا ولم يكن يريد قتله ولكن الضرب أفضى إلى موته يكون جزاؤه الأشغال

стр. 2165

الشاقة أو السجن. . بيد أنه روعي بعد ذلك أن الشخص الذي يفاجئ زوجته بين أحضان رجل آخر فيعتدي على غريمته بالقتل أو بالضرب الذي يفضي إلى موته لا يمكن أن تعتبر جريمته مثل جريمة غيره. ولوحظ أن الظروف الخاصة بهذه الجريمة تبرر وقوعها نوعا ما، ولذلك خفف الشارع على مرتكبها في العقاب وجعل جزاءه الحبس بدل الأشغال الشاقة أو السجن. . على أن هناك نصا آخر في قانون العقوبات المصري تصح الإشارة إليه في مثل هذا المقام وذلك هو نص المادة ٥٧: (لا عقاب على من يكون فاقد الشعور أو الاختيار في عمله وقت ارتكاب الفعل إما لجنون أو عاهة في العقل وإمالغيبوبة ناشئة عن عقاقير محددة أيا كان نوعها إذا أخذها قهرا عنه أو على غير علم منه) وأول ما يتبادر إلى الذهن أن الرجل الذي يفاجئ زوجته وشريكها في حالة تلبسهما بالجريمة المنكرة فيقتلهما لابد ان يكون قد فقد شعوره نوعا ما، فلماذا لا تطبق عليه المادة ٥٧ ويعفى من العقاب بتاتا؟ والجواب على ذلك أن المادة ٥٧ قيدت فقدان الشعور المنصوص عنه بقيدين. فما لم يكن فقدان الشعور بسبب (الجنون) أو بسبب (العقاقير المخدرة) فلا يقبل كظرف مانع من العقاب وعذر الشارع في هذا التقييد واضح، وهو الإعفاء من العقوبة لو جعل نتيجة مطلقة لفقدان الشعور لوجد الدفاع عن المتهمين ما يقوله دائما في كل جريمة قتل لأثبات أن المتهم ما أٌدم على فعلته إلا بعد أن افقده الشر شعوره إما لاحتدام الخصومة بينه وبين غرمائه، وإما لأن المنهم حصل له من الاستفزاز ما لم يعد يدرك معه ما يفعله، وإما لغير ذلك من الأسباب ولسنا الآن بصدد البحث في المادة ٥٧ ولكننا ألممنا بها لما لها من المساس بموضوعنا من قريب أو من بعيد. ولنعد إلى المقارنة بين مركز الزوج في حكم القانون المصري وفي حكم القضاء السوداني، فقد رأينا أن الفعلة الواحدة لا تذهب بصاحبها في مصر إلى ابعد من الحبس بينما هي في

стр. 2166

السودان قد ساقت صاحبها فعلا إلى المشنقة، هذا هو الذي أردنا ان نوجه نظر القارئ إليه ليتمعن فيه ويستخلص لنفسه منه ما شاء أما الأسئلة التي تهاوت على رأس كاتب هذه السطور عند مطالعة الخبر في الصحف فهذا بعضها: ١ - ماذا كان يجب على الزوج أن يفعل بدلا من أن يغمد مديته في صدر (صديق الطرفين)؟! ٢ - إن كان لابد من ارتكاب جريمة قتل (حتى يسلم الشرف الرفيع من الأذى) فمن هو أحق الثلاثة بالمدية تغمد في صدره؟ أهي الزوجة الخائنة، أم هو الصديق الغادر، أم هو الزوج الخائب؟ ٢ - هل يمكن أن يكون الزوج (غير فاقد الشعور) وفي حالة (جنون) فعليه إذا ما وقعت عينه على هذا المشهد؟ ٣ - هل يكونمن المستحسن إعادة النظر في أمر العقوبة التي يجب توقيعها على الزوج القاتل في مثل هذه الأحوال؟ ٥ - هل يفهم من حكم المحكمة السودانية الوطنية أن الزوجة في السودان هينة على زوجها وعلى المجتمع إلى حد يجعل غيرة الرجل عليها أمرا غير معقول. وذياده عن نكبة شرفه فيها أمرا غير مقبول؟ الخ. . . الخ. . . . . حسن جلال

стр. 2167

المقامة الهرمية بين الهرم الأكبر وناطح السحاب للدكتور محمد عوض محمد أصبح عيسى بن هشام شيخاً فانياً خَرِفا، لم يبق منه الدهر سوى جلد ذابل، على عظم ناتئ. غير أن مر السنين لم يَزِده إلا ولعا بسرد القصص ورواية الأخبار: لكن حديثه أصبح كحديث كل شيخ يَفَنٍ كبير، قد اشتمل على شيء كثير من الخرافات والخيال. مما يجهد العقل، ويعيا به اللب، ويكاد حبل الفهم أن يْنبَتَّ دون إدراكه. أنْصِتْ إليه اليوم إذ يتحدث إلى جُلاسَّه عن الهرم الأكبر وناطح السحاب فيقول: كان الهرم الأكبر راقداً، غارقا في رقاده، نائما يغط في نومه. وقد وسد رأسه ترابا لينا ورملا ناعما. وقد وُطَّئ له الفراش. ومهُدَّ له الثرى. فمضجعه سهل وثير ويغشاه لحاف غليظ تِرب، قد أكل عليه الزمان وشرب. لكنه كان يجد تحت هذا الغطاء الكثيف الراحة والدعة، وهما أجل ما يتمناه. ولهذا بقى راقدا غارقا في رقاده، نائما يغط في نومه عصفت به العواصف، وأهابت به الأحداث. وثارت من حوله الأعاصير. واهاجت الرياح رمال الصحراء حتى امتلأت بها طباق الهواء. واحتجبت النجوم عن العيون، ولمع البرق وقصف الرعد، وملئت السماء حَرَسا شديداً وشهُبُا. . . ثم زلزلت الأرض زلزالاً عنيفاً مخيفاً. فمالت إلى اليمين ثم مالت إلى اليسار! وأخذت ترتجف وترتعد، وتعلو وتهبط. فهل حرك الهرم الجاثم؟ هل فتح جفنا أو حرك طرفا؟ هل أيقظته هذه القوارع الملمة والكوارث المحدقة من كل جانب؟ انه بقى راقداً، غارقا في رقاده، نائما يغط في نومه وفي يوم من أيام البلاء أتى إليه رجل فرنسي قصير القامة، دميم الصورة. مُقَشَّر الوجه. قد ملأ الغرور قلبه، وأعمى الوهم عينيه. . جاء هذا الفرنسي فنصب مدافعه أمام الهرم وصوبها إلى رأسه، يريد أن يوقظه من رقاده الطويل. فجعل يلقي بقذائفه: قنبلةً خلف قنبلة، وقذيفة إثر قذيفة. فهل تحرك الراقد أو التفت؟

стр. 2168

إنه - والله! - لم يزد على أن رفع الرأس قليلا، وبصق في وجه ذلك المغرور. ثم عاد إلى سباته العميق. وظل راقداً، غارقا في رقاده، نائما يغط في نومه. ولهذا الغطيط الدائم ضوضاء هادئة حينا، عنيفة أحيانا وقد ألفتها الأسماع فهي قلما تزعج أحداً أو تقلق كائنا. . غير أن أبا الهول قد أصبح ذا مِزَاج عصبيً حساس. وقد استيقظ مرة فخيل إليه أنه لم يعد يطيق تلك الضوضاء. فالتفت مرة إلى الهرم في ليلة حالكة الظلام، وخاطبه بصوت أجش، فيه حدة وفيه عنف وشدة. وقال: أما كفاك رقاداً أيها الشيخ الهرم، الذي طال نومه وأظلم يومه، وخمد فهمه، وطاش سهمه؟ ألم يأن لك أن تفيق، وتكف عن الغطيط؟ لقد فضحني في الملأ الأدنى وفي الملأ الأعلى بنخيرك هذا الذي ليس له غاية، ورقادك الذي ليس منه إفاقة. حتى أصبحت مضرب الأمثال في الكسل والجمود وغدوتَ لي سُبَّةً وعارا. . فوا الذي نفس خوفو بيده، لولا بقية حلم ووقار لَلَكْزُتك لكزاً، أو سفعتك سفعا ولأطرت النوم عن عينيك أنهضتك من هذا الرقاد الشائن. . . قال عيسى بن هشام: هكذا أهاب أبو الهول بالهرم، هكذا صاح المسكين، وأمعن في الصياح، حتى انتفخت أوداجه، وجاشت مناخره، واحمرت عيناه وجف ريقه. . فلا والله ما تحرك الهرم ولا تحول. وما زاد على أن تثاءب، ثم عاد إلى سباته العميق. وهكذا ظل راقداً، غارقا في رقاده، نائما يغط في نومه حتى إذا كان الشتاء الماضي شهد العالم مشهداً غريبا، وحادثا عجيبا: ذلك أن الهرم تحرك. . أجل وأبيكم - بل وأبي أنا أيضا - لقد تحرك الهرم، ومدَّ يده إلى عينيه فدلكْهُما دلكا عنيفا، ومسحهما مسحا شديداً. . ثم رفع رأسه قليلا. . وأخذ يحرك شفتيه بالكلام، فإلى من كان يتحدث؟. . ذلك هو السر الخطير، والخطب الكبير! إنه كان يتحدث إلى بعض نواطح السحاب. . . ولا تعجبوا أنْ وُفَّق هذا الناطح إلى إيقاظ الهرم، حين أعيت فيه سائر الحيل. ذلك أن النظير أبداً يجذب النظير، والحجر العظيم يلين للحجر العظيم، ولا يفل الحديد إلا الحديد، وسيد أبنية الغرب جاء قاصداً سيد أبنية الشرق، لا زائراً أو حاجا، بل سائحا ومطلعا. فأبى السخاء الشرقي والكرم الشرقي إلا أن يتحرك له الهرم الأكبر بعض الشيء، ويكرم وفادته

стр. 2169

بعض الشيء. ولو تبين الهرم حقيقة أمر هذا الزائر وما امتلأ به قلبه من غرور؛ لأشاح عنه بوجه، وأعرض عنه كل الإعراض. ولعمركم ولعمري! متى جاء من الغرب شيء يسر القلب؟ سعى هذا الناطح إلى الهرم سعيا حثيثا. فلم يزل يسبح فوق البحار، ويجتاز القفار حتى أسْلمه طول المسير إلى رحاب الهرم الكبير. وربما سألوني لماذا جشم الناطح نفسه كل هذا العناء، وسط هذه الصحاري المحرقة المُنْصبة. وهو ربيب النعمة، حليف النعومة، ولقد تحسبون أنه ما جاء إلا ليلتمس الحكمة من منبع الحكمة، أو يطلب النور من حيث يطلع النور. أو يبغي إيقاظ الهرم الراقد، إذ عز عليه أن يطول رقاده. . ولكن الحق انه ما جاء لشيء من هذا كله. بل ساقه إلى الهرم الأكبر ذلك الفضول، ذلك الشغف بالاطلاع والاستطلاع، والذي هو من غرائز العجماوات. . ثم لكي يستطيع ان يقول للنواطح الأخر إنه طاف بالهرم الأكبر وحظي بالمثول بين يديه، بل قد يزعم أنه غالبه فغلبه، وسابقه فسبقه لم يكد يستقر المقام بناطح السحاب حتى انفتح منه الطابق الأعلى، وأخذ يخاطب الهرم وفي صوته تلك الغنةَّ التي امتاز بها أهل امريكا، كأنما يسدون أنوفهم إذ يتكلمون. . وقال له: عم صباحا يا عزيزي أبا الأهرام. إن الهواء ها هنا جاف حار، وقد طال سيرى في البيد، وبلغ مني الظمأ، ولا أجد في هوائكم سحابا يجلل هامتي، ويبرد أو أمي قال الهرم: عم صباحا ناطح السحُب! هل لك في الجلوس لتستريح قليلا من قطعك البحار في القفار؟ قال: هيهات لمثلي الجلوس! أني لا أقضي حياتي جاثما فوق أديم الثرى، بل ناهضا قائما، أحمل هذه الطباق السبعين بين جدراني. قال الهرم: أجل وفي طيها هذه الكائنات الغربية من كل ما هب ودب! قال: إن في باطني، وبين جوانحي إحياء ملؤها الحركة والنشاط، أما أنت فلم تشتمل إلا على أجساد هامدة. قال الهرم: تأدب يا ناطح! إن جسد خوفو الذي أضم بين جوانحي لأعز على الدهر من كل هذه الأحياء التي انطوت عليها طباقك السبعون.

стр. 2170

قال: ان بلادك تحيا حياة جمود. قال الهرم: ليست حياة الجمود بِشَرَّ من جمود الحياة قال الناطح: أرجوك ألا تكلمني، بلغة الكهان القدماء واذكر أننا في عصر البخار والكهرباء، وفي القرن العشرين بعد الميلاد. لا قبل الميلاد منذ أربعة آلاف من السنين، كان فرعونكم يسأل كاهنه عن الأمر العويص. فلا يحير الكاهن جوابا. فيُلْجئه العجز إلى هذه العبارات المبهمة والاسجاع الغامضة. أما أنت فما أخرك أن تخاطبني بلغة العصر، وان تحدثني في صراحة ووضوح. قل لي: انك لست إلا قبرا. ومع ذلك فأنت رمز لهذه الأمة القديمة. فكيف ترضى أمة حية ان يكون رمزها الذي يدل عليها قبراً من القبور. قال الهرم: أنا رمز الخلود، رمز البقاء: رمز السَّرْمَدية التي تنتظم الوجود. ما هذه الآلاف السنين التي تذكرها غير حباب يطفو على موج الأثير الأزلي، وما أنت والنواطح أمثالك، وما بخارك وكهرباؤك سوى ذرات في هباء تذروها رياح الأبد. وما كيانكم وأقداركم وحظوظكم سوى اهتزازات في أطراف جناح الدهر الخفاق. . لقد شغلتكم الحياة عن التفكير في الحياة. وأعماكم النور عن رؤية ما وراء النور، وألهاكم الوجدُ عن حكمة الوجود. . ولعمرك ماذا تستطيع في الدهر، وماذا تنال من الأزل شرارة لا تكاد تذكو حتى تخبو، ولا تكاد تبدو حتى تختفي؟ فأطرق الناطح مليا ثم قال: ان الحياة أعز لدي من سر الحياة، والوجود أحب إلي من حكمة الوجود. فدعني من أزليتك وأبديتك! ان ساعة واحدة من حياتنا الأمريكية الممتلئة حركة وجدا ونشاطا، أشهى إليَّ من آلاف السنين أقضيها مثلك رابضا فوق التراب في همود وخمود، وسبات ورقاد. إنني ضَحَّيتُ بالدهر من أجل الساعة، وأعرضت عن الأزل من أجل اللحظة. قال عيسى بن هشام: ولم يكن الهرم يوما ممن يُطيلون الجدل، فحينما أبصر في محدثه كل هذا التمادي والغرور أعرض عنه لحظة. ثم حدجه بنظرات حداد. فإذا المغرور يرتعد وينتفض، ولم يكن إلا مقدار ما يسقط الشهاب، أو يلمع البرق، فإذا الناطح تندك أركانه، ويتداعى بنيانه، وتتساقط طباقُه السبعون بعضها فوق بعض، فأضحى هشيما منثورا. وأثراً

стр. 2171

من بعد عين. أما الهرم الأكبر فلم يلبث أن عاوده السكون وغشيه الهدوء، وكأني سمعته حين أغمض عينيه ينشد شعرا غريبا، بل أكاد أجزم أني سمعته يتمتم، في صوت غامض مبهم، بهذه الأبيات الغامضة المبهمة: العيش مستعذب عذاب … والعمر تلهو به سراب والناس تبني. وما بناءٌ … إن كان في أسه الخراب؟ في إثر فوج يروح فوج … فهل لذى روحة إياب؟ مهدٌ يضم الورى ولحد … فهل هما البدء والمآب؟ الناس تجري على سفين … في بحر وهْم له حباب فلا سرور ولا صفاء … ولا انتحاب ولا اكتئاب ولا شقاء ولا نعيم … ولا ابتعاد ولا اقتراب للمرء من دهره سؤالٌ … ما بالهُ راعه الجواب؟ ثم عاوده سباته العميق. وظل راقدا غارقا في رقاده، نائما يغط في نومه. لم يكد عيسى بن هشام أن يبلغ هذا الموضع من حديثه، حتى هاج سامعوه وماجوا. وأخذوا يتصايحون ويتصارخون، وقال قائل منهم: اشهد يا ابن هشام لقد أدركك الخرَف ولم تعد تحسن الحديث. فما أحراك أن تمتنع عن التحدث إلى الناس! أو تكف عن الإدلاء بمثل هذه الترهات. أو قل إنك رأيت هذا في المنام، وإنه أضغاث أحلام. ثم انصرفوا. ولبث عيسى بن هشام في مكانه، حزينا كئيبا، يندب جده العاثر، وبأسف على مجده القديم، حين كان يتحدث، فترهف لحديثه الإذان، وتميل نحوه الأعناق. ولا يكاد الناس يملكون أنفسهم من الإعجاب.

стр. 2172

علم النفس والتربية والأخلاق عند إخوان الصفا فلسفة اللذة والألم - كيف تحس وكيف تتجمع التذكارات في الدماغ غاية التربية - الطفل صحيفة بيضاء - واجبات المتعلم والمعلم - فعل البيئة - الوظيفة بحسب الاستعداد. . . منشأ الأخلاق التساهل - أسباب التعصب - فوائد التعصب - الدين العملي - اختبار الأصدقاء. . . في رأي الأخوان أن الحيوانات في اكثر الأحيان تحس باللذة والألم (لأن أبدانها مركبة من الأمهات الأربعة ذات الطباع المتضادة: وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة. وهي دائمة التغيير والاستحالة والزيادة والنقصان. فهي تخرج المزاج تارة من الاعتدال إلى الزيادة في أحد الأخلاط والطباع، أو إلى النقصان في واحد منها. واللذة هي رجوع المزاج إلى الاعتدال بعد أن يكون خارجا عنه. فمن أجل هذا لا يحس الحيوان باللذة إلا بعد أن يتقدمها ألم. وكل محسوس يخرج المزاج عن الاعتدال فأن الحاسة تكرهه. وكل محسوس يرد المزاج إلى الاعتدال فأن الحاسة تحبه) تأمل هذه الأفكار فأن لها - على سذاجتها - حظاً كبيراً من الصدق والإصابة. أما كيف تصل المحسوسات إلى الدماغ فهو انه ينتشر في مقدم الدماغ عصبات لطيفة لينة، وتتصل بأصول الحواس وتتفرق هناك وتنسج في أجزاء جرم الدماغ كنسيج العنكبوت. فإذا باشرت كيفية المحسوسات من أجزاء الحواس، وتغير مزاج الحواس عندها وغيرتها عن كيفياتها، وصل ذلك التغيير في تلك الأعصاب التي في مقدم الدماغ فتتجمع كلها عند المخيلة كما تتجمع رسائل أصحاب الأخبار عند صاحب الخريطة الذي يوصل تلك الرسائل كلها إلى حضرة الملك. ثم ان الملك يقرأها ويفهم معناها ثم يؤديها إلى القوة الحافظة لتحفظها إلى وقت التذكار. هذا رأي الأخوان في تفسير الإحساس واختزان التذكارات في الدماغ. وللقارئ أن يتناول كتابا في علم النفس الحديث ليرى كيف يفسرون هذه الظواهر النفسية كالإدراك والإحساس والتذكر، ثم ليقابل ذلك بما يبثه إخوان الصفا من رأي صائب في هذه القطعة الطريفة الساذجة. بيد إنني لا احب أن يستقر في روع القارئ أن رسائل الأخوان كلها أو جلها على هذا النحو، وفي هذا الحد من الابتكار والإصابة. فان فيها من السخف والضحولة الشيء الكثير. ولهذا كان حتما على المطالع لهذه الرسائل ان يوطن النفس على ما فيها من تجاوز

стр. 2173

بين الفكرة الملهمة العميقة والفكرة الغثة المضحلة إذا شاء أن يمضي في هذه المطالعة ويواصل المجهود إلى النهاية. أما التربية فغايتها ومثلها الأعلى، في رأي الأخوان، هما الغاية والمثل الأعلى اللذان كانا لها في القرون الوسطى حينما كانت الأديرة والكنائس وما إليها هي معاهد التثقيف الوحيدة في أوربا. ولعلك تعلم ان نظرية القرون الوسطى هذه هي أن هذه الحياة دار فناء، والآخرة دار بقاء، فالسعيد السعيد هو الذي كانت حياته عدة وسلماً يرقى عليها مبراً من كل وزر إلى دار البقاء. واليك ما يقوله الإخوان في هذا الشأن، وان لم يكن صريحا في الدلالة على قصدهم كل الصراحة، قالوا: (وأما رتبة الإنسانية التي تلي رتبة الملائكة، فهي أن يجتهد الإنسان ويترك كل عمل أو خلق مذموم ويكتسب أضداداها من الأخلاق الجميلة حتى يكون إنسانا خيراً فاضلا. فإذا فارقت روحه جسده عند الموت صارت ملكا بالفعل، وعرج بها إلى ملكوت السماء، ويرى أخوان الصفا - كما رأى غيرهم - أن الطفل صحيفة بيضاء قابلة لكل ما يطبع عليها من تأثيرات. ومتى لوثت هذه الصحيفة مرة أو سودت كان من الصعب جلاؤها وإماطة السواد عنها (لانه إذا كتب فيها شيء حقاً كان أم باطلا فقد شغل المكان ومنع أن يكتب فيه شيء آخر ويصعب حكه ومحوه) لهذا فالإخوان لا يطمعون في إصلاح المشايخ الهرمين (الذين اعتقدوا من الصبي آراء فاسدة وعادات رديئة وأخلاقا وحشية. فأنهم يتعبونك ولا ينصلحون، وان صلحوا قليلا فلا يتعلمون. ولكن عليك بالشباب السالمي الصدور الراغبين في الآداب المبتدئين بالنظر في العلوم وهم يحددون واجبات المتعلم والمعلم تحديداً صريحاً إذ يقولون: (ان ما يحتاج إليه المتعلم من الأخلاق الجميلة والخصال الحميدة هو فصاحة اللسان والتواضع للمعلم والتعظيم له ومعرفة حقه. أما المعلم فواجب عليه الشفقة على تلاميذه وعد الضجر من إبطاء فهمهم، وقلة الطمع في اخذ العوض، وقلة المنة عليهم) ويدرك أخوان الصفا ما لفعل الوسط والقدوة من أثر في تربية الطفل فيقولون: (وأعلم أن كثيراً من الصبيان إذا نشأوا مع الشجعان والفرسان يتخلقون بأخلاقهم ويصيرون

стр. 2174

مثلهم. وهكذا أيضا كثير من الصبيان إذا نشأوا مع الصبيان والمخانيث فانهم يكتسبون أخلاقهم، وعلى هذا القياس يجري حكم سائر الأخلاق التي ينطبع عليها الصبيان منذ الصغر) وإخوان الصفا يوصون بأن يدأب المعلم (ولفظهم صاحب الشريعة) في دراسة تلاميذه والتفطن إلى احوالهم، والانتباه إلى أخلاقهم وسجاياهم واحداً واحداً (حتى يعرف كل واحد منهم، ما اسمه وما نسبه وما صناعته وما هو سبيله في أمر معاشه وما هو الغالب عليه من الطبع الجيد والرديء وحتى يثق بهم علما ويتبين منازلهم، ويستعين بكل واحد منهم في العمل المشاكل له، ويستخدمه في الأمر اللائق به) تقرأ هذا فيخيل إليك أن إخوان الصفا مطلعون على فلسفة التربية الحديثة التي تصر على وجوب دراسة الطلاب دراسة دقيقة منظمة تقضي إلى فهم كفايات كل طالب ليعطي من الدروس والأعمال ما يتلاءم وأعظم هذه الكفايات بروزاً وأكثرها خيراً مأمولا. والأخلاق عند إخوان الصفا خاضعة لفعل الوراثة ولفعل الوسط الطبيعي والوسط الاجتماعي ولشيء آخر هو فعل الكواكب فيهم يقولون: (اعلم يا أخي إن أخلاق الناس وطبائعهم تختلف من أربع جهات: أحدها من جهة أخلاط أجسامهم ومزاج أخلاطها، والثاني من جهة ترب بلدانهم واختلاف أهويتها، والثالث من جهة نشوئهم على ديانات آبائهم وعادات معلميهم وأساتيذهم ومن يربيهم ويؤدبهم، والرابع من جهة موجبات أحكام النجوم في أصول مواليدهم، وقد تكلم إخوان الصفا في الأخلاق كثيراً ولا نستطيع أن نعطيك رأيهم إلا في النذر القليل. يعجبك حقا من إخوان الصفا اقتناعهم اقتناعا عميقا بفائدة التساهل. فلسفتهم الانتخابية قد بنوها على هذا المبدأ. فالأديان والشرائع كلها عندهم سواء. وليس لدين فضل على دين إلا بمقدار ما فيه من صدق وإصابة. ولذا فهم ينصحونك بان تخضع دائما للحق وتحترمه أنى كان مصدره. واليك ما يوصون به: (لا تتمسك بما أنت عليه من دين ومذهب واطلب خيراً منه، فأن وجدت فلا يسعك الوقوف على الأدون، ولكن واجب عليك الأخذ بالأخير. ولا تشغلن بذكر عيوب مذاهب الناس، ولكن انظر هل لك مذهب بلا عيب؟

стр. 2175

وهم يعتقدون أن للتصلب في الرأي والتعصب للعقيدة أسبابا جمة منها: (شدة تعصب المرء فيما يعتقده بقلبه من غير بصيرة، وأخرى إعجابه بنفسه في اعتقاده، وأخرى اعتقاده أصولا خفي فيها خطأه بين ظاهر الشناعة في فروعها. ولهذا فهو يلزم هذه الشناعات في الفروع مخافة أن تنتقض عليه الأصول، فيطلب لها وجوه المراوغة عن إلزام الحجة عليه: تارة بالشغب، وتارة يموه وتارة يروغ في الجواب والإقرار بالحق ويأنف أن يقول: (لا أدري) على أن أخوان الصفا لا يمقتون التصلب في الرأي كل المقت لأنهم يرون فيه فوائد تغطي على بعض مضاره. يرون أن اختلاف العلماء في آرائهم وتعصبهم لها يدعوان إلى شحذ الافكار، لان كل فريق يحاول أن ينصر مذهبه على مذهب غيره مما يدعو إلى الغوص على المعاني الدقيقة، والنظر إلى الأسرار الخفية، فيكون ذلك سبباً في يقضة النفوس. كذلك هم يرون أن اختلاف العلماء يدعو لي نشر معائبهم، إذ يكون هم كل واحد تبيان مساوئ الآخر وإظهار رذائله، فيكون ذلك حاثاً للجميع على ترك الرذائل. ويرون أيضاً أن هذا الاختلاف في الآراء والمذاهب يوجد مضطرباً أوسع في أمور الدين وممارسة شعائره. وقد قادهم تساهلهم إلى هذا الدين العملي: وهو اعتبارهم: أن العبادة ليست كلها صلاة وصوماً، بل عمارة الدين والدنيا معاً، لان الله يريد أن يكونا عامرين) وللإخوان رأي جميل في اختيار الأصدقاء والوفاء للصداقة الصادقة فيقولون: (ينبغي لك إذا أردت أن تتخذ صديقاً أو أخاً أن تنتقده كما تنتقد الدراهم. واعلم بأن إخوان الصدق هم نصرة على دفع الأعداء، وسلم للصعود إلى المعالي، فان غبت حفظوك، وإن تضعضعت عضدوك. والواحد منهم كالشجرة المباركة تدلت أغصانها بثمرها إليك، وأظلتك أوراقها بطيب رائحتها، وسترتك بجميل فيئها. فإذا أسعدك الله يا أخي بمن هذه صفته فابذل له نفسك ومالك وق عرضه بعرضك، وافرش له جناحك، وأودعه سرك، وإن هفا هفوة فاغفرها له، وإن زل زلة فصغرها في عينيه). هذا بعض ما في رسائل الإخوان من طرافة في التفكير، وهدى في البحث، وجدة في التعليل والتفسير. وعسى أن يتاح لهذه الرسائل من يكشف كشفاً أعم وأشمل عما استتر فيها
следующие страницы →