Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
من بعد عين.
أما الهرم الأكبر فلم يلبث أن عاوده السكون وغشيه الهدوء، وكأني سمعته حين أغمض عينيه ينشد شعرا غريبا، بل أكاد أجزم أني سمعته يتمتم، في صوت غامض مبهم، بهذه الأبيات الغامضة المبهمة:
العيش مستعذب عذاب … والعمر تلهو به سراب
والناس تبني. وما بناءٌ … إن كان في أسه الخراب؟
في إثر فوج يروح فوج … فهل لذى روحة إياب؟
مهدٌ يضم الورى ولحد … فهل هما البدء والمآب؟
الناس تجري على سفين … في بحر وهْم له حباب
فلا سرور ولا صفاء … ولا انتحاب ولا اكتئاب
ولا شقاء ولا نعيم … ولا ابتعاد ولا اقتراب
للمرء من دهره سؤالٌ … ما بالهُ راعه الجواب؟
ثم عاوده سباته العميق. وظل راقدا غارقا في رقاده، نائما يغط في نومه.
لم يكد عيسى بن هشام أن يبلغ هذا الموضع من حديثه، حتى هاج سامعوه وماجوا. وأخذوا يتصايحون ويتصارخون، وقال قائل منهم: اشهد يا ابن هشام لقد أدركك الخرَف ولم تعد تحسن الحديث. فما أحراك أن تمتنع عن التحدث إلى الناس! أو تكف عن الإدلاء بمثل هذه الترهات. أو قل إنك رأيت هذا في المنام، وإنه أضغاث أحلام.
ثم انصرفوا. ولبث عيسى بن هشام في مكانه، حزينا كئيبا، يندب جده العاثر، وبأسف على مجده القديم، حين كان يتحدث، فترهف لحديثه الإذان، وتميل نحوه الأعناق. ولا يكاد الناس يملكون أنفسهم من الإعجاب.
стр. 2172
علم النفس والتربية والأخلاق عند إخوان الصفا
فلسفة اللذة والألم - كيف تحس وكيف تتجمع التذكارات في الدماغ غاية التربية - الطفل صحيفة بيضاء - واجبات المتعلم والمعلم - فعل البيئة - الوظيفة بحسب الاستعداد. . . منشأ الأخلاق التساهل - أسباب التعصب - فوائد التعصب - الدين العملي - اختبار الأصدقاء. . .
في رأي الأخوان أن الحيوانات في اكثر الأحيان تحس باللذة والألم (لأن أبدانها مركبة من الأمهات الأربعة ذات الطباع المتضادة: وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة. وهي دائمة التغيير والاستحالة والزيادة والنقصان. فهي تخرج المزاج تارة من الاعتدال إلى الزيادة في أحد الأخلاط والطباع، أو إلى النقصان في واحد منها. واللذة هي رجوع المزاج إلى الاعتدال بعد أن يكون خارجا عنه. فمن أجل هذا لا يحس الحيوان باللذة إلا بعد أن يتقدمها ألم. وكل محسوس يخرج المزاج عن الاعتدال فأن الحاسة تكرهه. وكل محسوس يرد المزاج إلى الاعتدال فأن الحاسة تحبه)
تأمل هذه الأفكار فأن لها - على سذاجتها - حظاً كبيراً من الصدق والإصابة.
أما كيف تصل المحسوسات إلى الدماغ فهو انه ينتشر في مقدم الدماغ عصبات لطيفة لينة، وتتصل بأصول الحواس وتتفرق هناك وتنسج في أجزاء جرم الدماغ كنسيج العنكبوت. فإذا باشرت كيفية المحسوسات من أجزاء الحواس، وتغير مزاج الحواس عندها وغيرتها عن كيفياتها، وصل ذلك التغيير في تلك الأعصاب التي في مقدم الدماغ فتتجمع كلها عند المخيلة كما تتجمع رسائل أصحاب الأخبار عند صاحب الخريطة الذي يوصل تلك الرسائل كلها إلى حضرة الملك. ثم ان الملك يقرأها ويفهم معناها ثم يؤديها إلى القوة الحافظة لتحفظها إلى وقت التذكار.
هذا رأي الأخوان في تفسير الإحساس واختزان التذكارات في الدماغ. وللقارئ أن يتناول كتابا في علم النفس الحديث ليرى كيف يفسرون هذه الظواهر النفسية كالإدراك والإحساس والتذكر، ثم ليقابل ذلك بما يبثه إخوان الصفا من رأي صائب في هذه القطعة الطريفة الساذجة. بيد إنني لا احب أن يستقر في روع القارئ أن رسائل الأخوان كلها أو جلها على هذا النحو، وفي هذا الحد من الابتكار والإصابة. فان فيها من السخف والضحولة الشيء الكثير. ولهذا كان حتما على المطالع لهذه الرسائل ان يوطن النفس على ما فيها من تجاوز
стр. 2173
بين الفكرة الملهمة العميقة والفكرة الغثة المضحلة إذا شاء أن يمضي في هذه المطالعة ويواصل المجهود إلى النهاية.
أما التربية فغايتها ومثلها الأعلى، في رأي الأخوان، هما الغاية والمثل الأعلى اللذان كانا لها في القرون الوسطى حينما كانت الأديرة والكنائس وما إليها هي معاهد التثقيف الوحيدة في أوربا. ولعلك تعلم ان نظرية القرون الوسطى هذه هي أن هذه الحياة دار فناء، والآخرة دار بقاء، فالسعيد السعيد هو الذي كانت حياته عدة وسلماً يرقى عليها مبراً من كل وزر إلى دار البقاء. واليك ما يقوله الإخوان في هذا الشأن، وان لم يكن صريحا في الدلالة على قصدهم كل الصراحة، قالوا:
(وأما رتبة الإنسانية التي تلي رتبة الملائكة، فهي أن يجتهد الإنسان ويترك كل عمل أو خلق مذموم ويكتسب أضداداها من الأخلاق الجميلة حتى يكون إنسانا خيراً فاضلا. فإذا فارقت روحه جسده عند الموت صارت ملكا بالفعل، وعرج بها إلى ملكوت السماء، ويرى أخوان الصفا - كما رأى غيرهم - أن الطفل صحيفة بيضاء قابلة لكل ما يطبع عليها من تأثيرات. ومتى لوثت هذه الصحيفة مرة أو سودت كان من الصعب جلاؤها وإماطة السواد عنها (لانه إذا كتب فيها شيء حقاً كان أم باطلا فقد شغل المكان ومنع أن يكتب فيه شيء آخر ويصعب حكه ومحوه)
لهذا فالإخوان لا يطمعون في إصلاح المشايخ الهرمين (الذين اعتقدوا من الصبي آراء فاسدة وعادات رديئة وأخلاقا وحشية. فأنهم يتعبونك ولا ينصلحون، وان صلحوا قليلا فلا يتعلمون. ولكن عليك بالشباب السالمي الصدور الراغبين في الآداب المبتدئين بالنظر في العلوم
وهم يحددون واجبات المتعلم والمعلم تحديداً صريحاً إذ يقولون: (ان ما يحتاج إليه المتعلم من الأخلاق الجميلة والخصال الحميدة هو فصاحة اللسان والتواضع للمعلم والتعظيم له ومعرفة حقه. أما المعلم فواجب عليه الشفقة على تلاميذه وعد الضجر من إبطاء فهمهم، وقلة الطمع في اخذ العوض، وقلة المنة عليهم)
ويدرك أخوان الصفا ما لفعل الوسط والقدوة من أثر في تربية الطفل فيقولون:
(وأعلم أن كثيراً من الصبيان إذا نشأوا مع الشجعان والفرسان يتخلقون بأخلاقهم ويصيرون
стр. 2174
مثلهم. وهكذا أيضا كثير من الصبيان إذا نشأوا مع الصبيان والمخانيث فانهم يكتسبون أخلاقهم، وعلى هذا القياس يجري حكم سائر الأخلاق التي ينطبع عليها الصبيان منذ الصغر)
وإخوان الصفا يوصون بأن يدأب المعلم (ولفظهم صاحب الشريعة) في دراسة تلاميذه والتفطن إلى احوالهم، والانتباه إلى أخلاقهم وسجاياهم واحداً واحداً (حتى يعرف كل واحد منهم، ما اسمه وما نسبه وما صناعته وما هو سبيله في أمر معاشه وما هو الغالب عليه من الطبع الجيد والرديء وحتى يثق بهم علما ويتبين منازلهم، ويستعين بكل واحد منهم في العمل المشاكل له، ويستخدمه في الأمر اللائق به)
تقرأ هذا فيخيل إليك أن إخوان الصفا مطلعون على فلسفة التربية الحديثة التي تصر على وجوب دراسة الطلاب دراسة دقيقة منظمة تقضي إلى فهم كفايات كل طالب ليعطي من الدروس والأعمال ما يتلاءم وأعظم هذه الكفايات بروزاً وأكثرها خيراً مأمولا.
والأخلاق عند إخوان الصفا خاضعة لفعل الوراثة ولفعل الوسط الطبيعي والوسط الاجتماعي ولشيء آخر هو فعل الكواكب فيهم يقولون:
(اعلم يا أخي إن أخلاق الناس وطبائعهم تختلف من أربع جهات: أحدها من جهة أخلاط أجسامهم ومزاج أخلاطها، والثاني من جهة ترب بلدانهم واختلاف أهويتها، والثالث من جهة نشوئهم على ديانات آبائهم وعادات معلميهم وأساتيذهم ومن يربيهم ويؤدبهم، والرابع من جهة موجبات أحكام النجوم في أصول مواليدهم، وقد تكلم إخوان الصفا في الأخلاق كثيراً ولا نستطيع أن نعطيك رأيهم إلا في النذر القليل.
يعجبك حقا من إخوان الصفا اقتناعهم اقتناعا عميقا بفائدة التساهل. فلسفتهم الانتخابية قد بنوها على هذا المبدأ. فالأديان والشرائع كلها عندهم سواء. وليس لدين فضل على دين إلا بمقدار ما فيه من صدق وإصابة. ولذا فهم ينصحونك بان تخضع دائما للحق وتحترمه أنى كان مصدره. واليك ما يوصون به:
(لا تتمسك بما أنت عليه من دين ومذهب واطلب خيراً منه، فأن وجدت فلا يسعك الوقوف على الأدون، ولكن واجب عليك الأخذ بالأخير. ولا تشغلن بذكر عيوب مذاهب الناس، ولكن انظر هل لك مذهب بلا عيب؟
стр. 2175
وهم يعتقدون أن للتصلب في الرأي والتعصب للعقيدة أسبابا جمة منها: (شدة تعصب المرء فيما يعتقده بقلبه من غير بصيرة، وأخرى إعجابه بنفسه في اعتقاده، وأخرى اعتقاده أصولا خفي فيها خطأه بين ظاهر الشناعة في فروعها. ولهذا فهو يلزم هذه الشناعات في الفروع مخافة أن تنتقض عليه الأصول، فيطلب لها وجوه المراوغة عن إلزام الحجة عليه: تارة بالشغب، وتارة يموه وتارة يروغ في الجواب والإقرار بالحق ويأنف أن يقول: (لا أدري)
على أن أخوان الصفا لا يمقتون التصلب في الرأي كل المقت لأنهم يرون فيه فوائد تغطي على بعض مضاره. يرون أن اختلاف العلماء في آرائهم وتعصبهم لها يدعوان إلى شحذ الافكار، لان كل فريق يحاول أن ينصر مذهبه على مذهب غيره مما يدعو إلى الغوص على المعاني الدقيقة، والنظر إلى الأسرار الخفية، فيكون ذلك سبباً في يقضة النفوس.
كذلك هم يرون أن اختلاف العلماء يدعو لي نشر معائبهم، إذ يكون هم كل واحد تبيان مساوئ الآخر وإظهار رذائله، فيكون ذلك حاثاً للجميع على ترك الرذائل.
ويرون أيضاً أن هذا الاختلاف في الآراء والمذاهب يوجد مضطرباً أوسع في أمور الدين وممارسة شعائره.
وقد قادهم تساهلهم إلى هذا الدين العملي: وهو اعتبارهم: أن العبادة ليست كلها صلاة وصوماً، بل عمارة الدين والدنيا معاً، لان الله يريد أن يكونا عامرين)
وللإخوان رأي جميل في اختيار الأصدقاء والوفاء للصداقة الصادقة فيقولون:
(ينبغي لك إذا أردت أن تتخذ صديقاً أو أخاً أن تنتقده كما تنتقد الدراهم. واعلم بأن إخوان الصدق هم نصرة على دفع الأعداء، وسلم للصعود إلى المعالي، فان غبت حفظوك، وإن تضعضعت عضدوك. والواحد منهم كالشجرة المباركة تدلت أغصانها بثمرها إليك، وأظلتك أوراقها بطيب رائحتها، وسترتك بجميل فيئها. فإذا أسعدك الله يا أخي بمن هذه صفته فابذل له نفسك ومالك وق عرضه بعرضك، وافرش له جناحك، وأودعه سرك، وإن هفا هفوة فاغفرها له، وإن زل زلة فصغرها في عينيه).
هذا بعض ما في رسائل الإخوان من طرافة في التفكير، وهدى في البحث، وجدة في التعليل والتفسير. وعسى أن يتاح لهذه الرسائل من يكشف كشفاً أعم وأشمل عما استتر فيها
стр. 2176
من لؤلؤ وغاب من در.
شرق الأردن
أديب عباسي
стр. 2177
من الأدب الفارسي
إيوان كسرى بين التاريخ والشعر
للدكتور عبد الوهاب عزام
المدائن أو مدائن كسرى اسم لطائفة من المدن قامت على جانبي دجلة في عهد الدولة الساسانية. أعظمها على الشاطئ الشرقي طيسفون، وتخص باسم المدائن في التاريخ الإسلامي. وهي محلتان: المدينة العتيقة إلى الشمال وهي مدينة قديمة قامت قبل عهد الساسانيين وكان بها القصر الأبيض الذي بناه بعض المتأخرين من الاشكانيين أو الأوائل من الساسانيين، والمحلة الجنوبية تسمى اسفانبر وكان بها القصر الذي عرف عند العرب باسم (إيوان كسرى) ويظن أن بانيه سابور الأول (٢٤١ - ٢٧٢ م)
وقد اضمحلت المدائن على مر الزمان حتى لم يبقى منها في القرن السابع الهجري إلا قرية صغيرة حملت هذا الاسم العظيم، يقول ياقوت: (فأما في وقتنا هذا فالمسمى بهذا الاسم بليدة شبيهة بالقرية بينها وبين بغداد ستة فراسخ. وأهلها فلاحون يزرعون ويحصدون والغالب على أهلها التشيع على مذهب الإمامية) وليس في موضع المدائن الشرقية اليوم إلا قرية صغيرة جداً فيها مسجد سلمان الفارسي ﵁ على نحو ٣٠ كيلو إلى الجنوب الشرقي من بغداد.
وعلى مقربة من هذه القرية التي تسمى (سلمان باك) أي سليمان المطهر، يرى اليوم (طاق كسرى) وهو الذي سماه العرب والفرس في العهد الإسلامي إيوان كسرى أو إيوان المدائن. وهو بقية من بنية عظيمة بناها سابور الأول وعمرها كسرى أنوشروان وتدل الخرائب حول هذا الطاق أن البناء كان ٤٠٠ متر في عرض ٣٠٠، ويظن أن البناء كله بقى إلى عهد العباسيين، وأن المنصور أو الرشيد حاول أن يهدمه ثم كف عنه. ثم تعاورته غير الزمان حتى لم يبق منه في القرن السابع الهجري إلا الإيوان. يقول ياقوت في الكلام عن الإيوان: (رأيته وقد بقى منه طاق الإيوان حسب) وقد بقى هذا الطاق وجناحان من البناء على جانبيه يمتدان زهاء مائة متر إلى زمن قريب. ثم انقض الجناح الشمالي (٥ أبريل سنة ١٨٨٨ م) وبقى الإيوان وجناحه الأيسر. وظاهر من بقية هذا الجدار أن علوه كان نحو ٢٥ مترا وأن القصر كان ذا ثلاث طبقات. وقد سقط بعض سقف الطاق وجداره
стр. 2178
الخلفي وبقى معظم العقد والجداران الجانبيان في علو وجلال يرتاع لهما كل زائر، وقد زرت بقية الأحداث من هذا الإيوان يوم الاثنين ٢٢ رمضان سنة ١٣٤٩ في بعثة كلية الآداب من الجامعة المصرية فشهدت جلاد الزمان والإنسان، وتخيلت الطاق نسرا قشعما أنحت عليه الخطوب فحصت ريشه وذهبت بجناح، وهاضت الآخر ولكنه بقى متجلدا مستكبرا يقلب عينيه في لوح الجو محاولا أن يسمو إلى ملكه الواسع في عنان السماء. وصدقت قول البحتري:
فهو يبدي تجلدا وعليه … كلكل من كلاكل الدهر مرسى
وأما القصر الأبيض أو أبيض المدائن فقد هدم في عهد المكتفي بالله العباسي سنة ٢٩٠ وبنى بأنقاضه قصر التاج، ولكن كثيرا من المؤخرين يخلط بين الإيوان والقصر الأبيض كما يتبين من معجم البلدان وغيره
رويت في إيوان كسرى أشعار ذكر بعضها ياقوت في معجم البلدان. ومنها بيتان خطهما على الإيوان الملك العزيز جلال الدولة البويهي:
يا أيها المغرور بالدنيا اعتبر … بديار كسرى فهي معتبر الورى
غنيت زمانا بالملوك وأصبحت … من بعد حادثة الزمان كما ترى
وأعظم ما نظم في الإيوان قصيدتان: قصيدة البحتري وقصيدة فارسية نظمها الخاقاني الشاعر الفارسي المتوفى سنة ٥٩٥ والبحتري يذكر في قصيدته ثلاثة أسماء: أبيض المدائن، والإيوان. والجرمان. والظاهر ان ابيض المدائن في شعره غير الايوان، وإن خلط المؤرخين بينهما، وكأن هذا الخلط كان بعد عصر البحتري وبعد أن هدم الخليفة المكتفي القصر الأبيض سنة ٢٩٠. فالبحتري يصف في قصيدته أبنية عدة لا بناء واحدا.
وقراء العربية يعرفون سينية البحتري، فلا حاجة إلى إثبات بعضها هنا. وحسبي أن أترجم قصيدة الخاقاني. ويرى القارئ أن الشاعر اقتصر منها على الرثاء والبكاء ولم يصف وصف البحتري وقد حذفت منها بضع أبيات بنيت على جناسات، ورموز مألوفة في الفارسية ولا يمكن نقلها إلى العربية نقلا معجبا:
هيا أيها القلب المعتبر أنعم النظر، فما إيوان المدائن إلا مرآة العبر. عرج عن طريق دجلة إلى المدائن للذكرى، وأسل على تراب المدائن دجلة أخرى. إن دجلة لتبكي حتى تحسبها
стр. 2179
مائة دجلة من الدمع القاني - وانه لدمع نقطر به الاهداب نارا. هذه دجلة تضرم قلبها الحسرات، فهل سمعت بماء تحرقه الجمرات؟ أسعد دجلة بالبكاء كل حين، واجعل لها زكاة من دمعك وان يكن البحر يأخذ الزكاة منها. لو مزجت دجلة آهاتها بحرقة قلبها لا نقلب نصفها جمدا، ونصفها للنار موقدا هلم فناد الإيوان بلسان الدمع حينا بعد حين فلعل قلبك يستمع جواب الإيوان الحزين. ان هذه الشرفات لا تفتأ ترسل إليك العظات فأصخ واحسن الاستماع إليها: إنها تقول: أنت من التراب، ونحن هنا من ترابك، فامنحنا بعض خطواتك، ولا تبخل علينا بعبراتك. إن برءوسنا صداعا من نعيب البوم فهات من دمعك الجلاب، وخفف عنا هذه الهموم. قد كنا مجالس للعدل وقد أصابنا من جور الزمان ما ترى، فكيف بقصور الجائرين ماذا أعد لها من النوائب؟ ما الذي نكس هذا الإيوان الذي يحاكي الفلك؟ احكم الفلك الدائر، أم قضاء مدير الفلك القادر؟
أيها الضاحك من عيني الباكية! تقول ما يبكيه ها هنا. إن العين التي لا تبكي هنا جديرة أن يبكى عليها. هلم فتمثل الإيوان والكوفة معا، ثم سعر من القلب تنورا وأفض من العين طوفانا. . . ذلك الإيوان الذي نقشت خدود الرجال على تراب عتبته جدارا من الدمى والصور. وتلك هي السدة التي كان يقف بها ملوك الديلم وبابل، والهند والتركستان. تصور ذلك العهد، وانظر بعين الفكر تر الصفوف مترادفة، والمواكب متزاحمة.
لا تعجب فليس عجبا أن ترى في بستان هذه الدنيا أسراب البوم بعد البلابل، وزفرات البكاء بعد ألحان الغناء. . . . سكرى هذه الأرض، فقد شربت مكان الخمر دم قلب أنوشروان في كأس من رأس هرمز. تقول أين ذهب أصحاب التيجان واحدا إثر واحد. فانظر فهذه الأرض حبلى بهم إلى الأبد. . . ان دم قلب شيرين هذه الخمر التي تشربها، وهذا الدن الذي يضعه الدهقان ماء برويز وطينته. كم ابتلع هذا التراب من أجساد الجبابرة ثم لا يزال نهما لا يشبع. .!!
إن القادمين من السفر يأتون بالهدايا لإخوانهم. وهذه القصة هدية إلى قلوب الأخوان. يا خاقاني استجد العبرة على هذه الأبواب ليقف الخاقان مستجديا على بابك. اهـ
عبد الوهاب عزام
стр. 2180
الحركة الوطنية الاشتراكية الألمانية
١ - كيف نشأت بعد الحرب
للأستاذ محمد عبد الله عنان
شهدت أوربا في العصر الأخير طائفة من الحركات والثورات القوية، السياسية والاجتماعية، التي قلبت نظم الحكم والمجتمع، وغيرت مناحي التفكير والعواطف، وأثرت في سير السياسة الدولية اعظم تأثير
ولا ريب أن الثورة الفاشستية الإيطالية، والثورة الوطنية الاشتراكية الألمانية أو الحركة الهتلرية أو النازية، هما اعظم هذه الحركات والثورات البعيدة المدى والآثار في مصاير أوربا القديمة والمجتمع الأوربي القديم. والثانية وليدة الأولى في معنى من المعاني، وشبيهتا في بعض الغايات وفي كثير من الوسائل والإجراءات. ولكنها تختلف عنها في البواعث والظروف التي نشأت فيها، وفي الغايات الجوهرية التي تعمل لها، ثم تختلف عنها في طوالعها، وفي الآثار التي أحدثتها ومازالت تحدثها في سير السياسة الدولية وفي الرأي العالمي
ولعل اعظم ما تتفق فيه الحركتان الإيطالية والألمانية انهما عملتا معا لسحق الشيوعية، ولتحطيم النظم الدستورية والديمقراطية كلها، والقضاء على الحريات العامة وكثير من الحريات الفردية بوسائل متماثلة ولغايات متماثلة. وقد كان تفاقم الفوضى الاشتراكية والشيوعية في إيطاليا عقب الحرب الكبرى اكبر عامل في وثوب الفاشستية الإيطالية. ولكن اكبر عامل في وثوب الحركة الوطنية الاشتراكية الألمانية هو معاهدة الصلح (معاهدة فرساي) وما فرضته على ألمانيا من صنوف التمزيق والذلة والمغارم، وما بثته شروطها وفروضها الفادحة في الشعب الألماني من يأس وتفكك وانحلال. ويكفي أن نذكر أن معاهدة فرساي قضت باقتطاع الألزاس واللورين، ووادي السار، وسيليزيا العليا، ودانتزج، وقسما من شلزقيج من ألمانيا؛ وقضت بإنشاء الممر البولوني داخل أرضها ليمزق بروسيا الشرقية إلى شطرين؛ وقضت بتجريد ألمانيا من سلاحها وسحق عسكريتها التاريخية، وتحطيم أسطولها الضخم وجعلها من حيث الدفاع القومي كأصغر دولة ثانوية؛ وقضت على ألمانيا بتحمل مسئولية الحرب الكبرى ومن ثم بإلزامها بتعويضات مالية فادحة استنزفت مواردها
стр. 2181
وقوى شعبها، واحتل الحلفاء من اجل ذلك بعض مناطق الرين الألمانية مدى أعوام، وجردت ألمانيا من جميع مستعمراتها. واستمر الحلفاء بعد الحرب مدى أعوام يعاملون ألمانيا بمنتهى العسف والشدة والكبرياء؛ ولم يكن لألمانيا في تلك الأعوام العصيبة سلاح تشهره للمقاومة أو الاحتجاج المجدي ولم يكن في وسعها إلا التسليم واللاذعان في معظم الأحوال
لبثت ألمانيا مدى أعوام وهي تتخبط في غمر من الصعاب والأزمات الفادحة. ثم كانت نكبة هبوط المارك سنة ١٩٢٣، وجاء التضخم النقدي كالسيل فقضى على معظم الثروات، وقضى على الطبقات الوسطى بنوع خاص، ودفعها إلى حضيض البؤس والفاقة، وبث إلى التعامل فوضى لم يسمع بها؛ وهبت على الشعب الألماني ريح قوية من الدمار واليأس كادت تذهب بما بقى له من أمل وقوى معنوية وكانت الدعوات الثورية التي تثب دائماً في غمر اليأس والانحلال تعمل من جهة أخرى عملها، فاشتد ساعد الشيوعية، واخذ شبح البلشفية يساور ألمانيا ويهدد مصايرها، وكان الشعب الألماني في تلك الأيام السود يعيش في نوع من الاستسلام لا يكاد يرى طريقا للخلاص من هذه المصائب المتعاقبة والظلمات الكثيفة
ولكن ألمانيا استطاعت منذ سنة ١٩٢٤ أن تشعر بشيء من الأمل والثقة، ذلك أن الحلفاء أنفسهم أدركوا أن العمل عل إرهاق ألمانيا وخرابها لا يعاون ألمانيا على الوفاء بشروط الصلح بل يدفعها إلى براثن البلشفية المتحفزة. والبلشفية خطر داهم على كل الدول الغربية. وألمانيا هي حاجزه من الشرق. ثم أن فرنسا اقتنعت مذ أقدمت على احتلال وادي الروهر في خريف سنة ١٩٢٣ لكي ترغم ألمانيا على أداء أقساط التعويضات، أنها ارتكبت خطأ فادحا ولم تفعل سوى أن أثارت في المانيا التي جنحت عندئذ إلى المقاومة السلبية روحا جديدا من النضال والتضامن، وان باقي الحلفاء ولاسيما إنجلترا لا يؤيدونها في هذه السياسة العنيفة، وإنها ستتحمل وحدها تبعات سياسة خطرة، وهنا تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ ألمانيا المعاصر، وتنحسر الظلمات من حولها نوعا، وتجد في تلك الآونة العصبية رجلها المنقذ في شخص الدكتور جوستاف شتريزمان الذي تولى رآسة الحكومة عندئذ (أغسطس سنة ١٩٢٣) ثم غادر الرآسة بعد قليل ليتولى وزارة الخارجية في
стр. 2182
الحكومات المتعاقبة مدى أعوام. وكان شتريزمان سياسيا وافر البراعة، استطاع أن يقود ألمانيا خلال هذه الغمار الكثيفة بذكاء وجلد، وان يحررها من كثير من فروض معاهدة الصلح، وكانت مسألة مسئولية الحرب التي سجلت على ألمانيا في معاهدة فرساي واتخذت أساسا لفرض التعويضات والمغارم الفادحة علها موضع الجدل المستفيض، وكانت الوثائق والمذكرات والبحوث المختلفة في ألمانيا وإنجلترا وأمريكا تلقي عليها الضياء تباعا، ويبدو للرأي العالمي شيئا فشيئاً ان القول بمسئولية ألمانيا وحدها عن إثارة الحرب، نظرية خاطئة مغرضة، فكان الأساس الذي بني عليه إلزام ألمانيا بتعويضات الحرب ينهار شيئا فشيئاً، وبذا أعيد النظر في مسألة التعويضات وسويت لأول مرة بمشروع داوز ثم بمشروع يونج، وكانت ألمانيا تظفر في كل خطوة بتخفيضات وتسهيلات جديدة، ولكن المغارم التي بقي على ألمانيا أن تؤديها لبثت مع ذلك فاتحة تحطم موارد أغنى الشعوب. وفي سنة ١٩٢٥، انتهت جهود شتريزمان الجلدة إلى عقد ميثاق لوكارنو بين ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وإيطاليا وبلجيكيا وبه ضمنت سلامة فرنسا وحدود ألمانيا الغربية كما قررتها معاهدة الصلح ضمانا متبادلا تشترك في تأييده كل الدول الموقعة، أكدت ألمانيا بذلك إنها تركت التفكير نهائيا في مسألة الألزاس واللورين وصفا الأفق الدولي بذلك نوعا، ودخلت ألمانيا عصبة الأمم في سبتمبر سنة ١٩٢٦ - وجلست في كرسيها الدائم إلى جانب أعدائها بالأمس، وبدأ عهد جديد من التفاهم والتقرب من بين فرنسا وألمانيا، وكان شتريزمان رجل ألمانيا في تلك المراحل، كما كان استريد بريان رجل فرنسا. وكان كلا السياسيين العظيمين يؤمن بقضية السلام وعقد الوفاق والتفاهم بين الأمتين. واستمرت هذه السياسة حتى توجت بظفر جديد لشتريزمان: هو حمل فرنسا على الجلاء عن مناطق الرين المحتلة في خريف سنة ١٩٢٩ قبل الموعد الذي حددته المعاهدة. وكان ذلك آخر ظفر للسياسي العظيم، إذ توفي بعده بقليل في أكتوبر سنة ١٩٢٩
وكانت وفاة شتريزمان خسارة فادحة لألمانيا إذ فقدت بذهابه اعظم سياسي أخرجته بعد الحرب وضربة جديدة لسياسة الوفاق والتفاهم التي جرت ألمانيا عليها مدى أعوام وجنت ثمارها كما تقدم. وقد حاول الساسة الذين خلقوا شتريزمان في تولي مصاير ألمانيا مثل فون ملير زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي ثم بريننج، ان يتابعوا سياسته ولكن دون نجاح.
стр. 2183
أولا لان حالة الاستقرار النسبي الذي تمتعت به ألمانيا بضعة أعوام اخذ يضطرب نظراً لاشتداد ساعد الحركات والأحزاب المعارضة لهذه السياسة، وتفكك الأحزاب التي تناصرها، ونهوض الحركة الوطنية الاشتراكية بالاخص، وثانيا لان نفوذ بريان في فرنسا اخذ في الضعف، أخذت الجبهة التي كانت تناصره تشعر بعقم سياسته أخذت الجبهة العسكرية القوية من جهة أخرى تقاوم كل تساهل جديد مع ألمانيا، وتندد بخطر هذه السياسة على سلامة فرنسا. وتفي بريان بعد ذلك بعامين (أوائل سنة ١٩٣٣) وكان اضطراب أفق السياسة الأوربية يزداد شيئاً فشيئاً. وظهرت ميول ألمانيا قوية في التحرر من أغلال معاهدة الصلح في مسألة التعويضات. ونزع السلاح، ومسائل الحدود التي تعتبرها ألمانيا جوهرية، لسلامتها، أصرت فرنسا على التمسك بنصوص المعاهدة بحجة المحافظة على سلامتها، وبدأ عهد من النضال الواضح بين الدولتين هو الذي نشهده اليوم في ذروة عنفه وأهميته.
هذه خلاصة موجزة لتاريخ ألمانيا بعد الحرب، وهذه هي نفس الحوادث والظروف التي نشأت في مهادها الحركة الوطنية الاشتراكية. فمنذ نوفمبر سنة ١٩١٨، أعني مذ نشبت الثورة التي انتهت بإعلان الجمهورية واختفاء الإمبراطورية من الميدان. وقيام الحكومة الشعبية الأولى برآسة ايبرت لتقبل شروط الهدنة؛ ومذ عقدت الجمعية الوطنية في فيمار (٦ فبراير سنة ١٩١٩) لتضع دستوراً ديمقراطيا لالمانيا؛ ظهرت في الميدان أقلية تصم بالخيانة العظمى تلك الكتلة الاشتراكية الديمقراطية التي أيدت الثورة واستولت على مقاليد الحكم، وقبلت الهدنة ثم معاهدة الصلح. وكان قوام هذه الأقلية بالأخص جمع من القادة والضباط القدماء أنصار الإمبراطورية: وكانت أثناء تلك الأزمات العصيبة التي غدت ألمانيا فيها فريسة الحرب الأهلية بين الديمقراطيين والشيوعيين بينما كان العدو الظافر يملي عليها شروطه ويثقل كاهلها بفروضه وأغلاله، ترقب مصاير ألمانيا في غمر من الحسرات واليأس؛ ولم تكن يومئذ قوية ولا ومنظمة، ولكنها كانت منذ الساعة الأولى تتلمس السبل لإنقاذ ألمانيا مما اعتقدت أنه منحدر الخطر والانحلال. وكان مركزها بالأخص في بافاريا، في مدينة ميونيخ التي لم يجرفها تيار الدعوة الاشتراكية كما جرف العاصمة البروسية (برلين). وكان التمزق الذي يسود جبهة اليسار (الديمقراطية
стр. 2184
والشيوعية) يفسح بعض الأمل لهذه الجبهة (الوطنية) الناشئة. ففي مارس سنة ١٩٢٠ بدأت أول محاولاتها على يد الجنرال فون لتفتز والدكتور فون كاب واستولت على مقاليد الحكم، ولكنها لم تثبت سوى أيام قلائل؛ وفشلت هذه الوثيقة الأولى ولكنها كانت بداية ذلك الصراع الذي شهرته الجبهة الوطنية المحافظة على الجمهورية الفتية؛ وكانت بالأخص دليلا على أن الجمهورية ليست من المناعة بحيث يستحيل غزوها وتحطيمها.
وكان بين الجماعات الوطنية المحافظة التي اتخذت ميونيخ مركزاً لها، حفنة من الرجال المغمورين عرفت باسم (حزب العمال الألماني) وزعيمها صف ضابط فتى يدعى (ادولف هتلر). وكانت تضم ستة رجال فقط في سنة ١٩١٩ حين انضم إليها هتلر. ويقول لنا هتلر في كتابه (جهادي)، انه حين هبط ميونيخ في ذلك الحين لم يكن ينوي أن ينظم إلى أي حزب قائم، بل كان يريد أن يؤسس لنفسه حزبا جديداً، ولكنه انضم إلى هذه الجماعة المتواضعة، وغدا منظمها وزعيمها ومن ذلك الحين يظهر اسم هتلر على مسرح التاريخ الألماني المعاصر، كزعيم وداعية وطني متطرف، وتسير عصبته المغمورة إلى ميدان الحوادث والظهور، وتزداد في العدد والنفوذ بسرعة، وتشق طريقها بعزم وجلد
ويجب قبل أن نتقدم في تتبع هذه الحركة الوطنية المحافظة أن نعرف القارئ بادولف هتلر، ذلك الفتى المغمور الذي شاء القدر أن يغدو اليوم زعيم المانيا، وسيدها المسيطر على مصايرها
ولد أودلف هتلر سنة ١٨٨٩ في بلدة براونا ومن أعمال النمسا العليا على مقربة من الحدود البافارية في أسرة نمسوية متواضعة، فهو إذن نمسوي الجنس والنشأة. وكان أبوه موظفا صغيراً في الجمارك، فتلقى تربية عادية. وتوفي والداه قبل أن يتجاوز الحداثة. وفي السابعة عشرة ألقت به يد القدر إلى العاصمة النمسوية فنزل بها وحيداً بائساً لا عائل له، أو على قوله: (لا يحمل سوى حقيبة من الملابس، ولكن يحمل في قلبه عزما لا يقهر) وأراد هتلر أن يدرس التصوير فلم يوفق لفقره؛ ورمت به المقادير إلى صناعة البناء يدرسها ويكسب منها قوته: فاشتغل مدى حين صبي بناء يعيش في ضعة ومسغبة، فلما لم يبسم له الحظ في العاصمة النمسوية، نزح إلى ميونيخ يبحث وراء طالعه؛ ولما نشبت الحرب الكبرى التحق بفرقة بافارية بإذن خاص من حكومته. وقاتل مع الجيش الألماني في
стр. 2185
الميدان الغربي، وظهر بأقدامه وشجاعته وكوفئ بوسام (الصليب الحديدي). وأصيب في أواخر الحرب من الغازات الخانقة فحمل عليلا إلى ألمانيا: ولزم فراشه حتى انتهت الحرب وعقدت الهدنة. ويقول لنا هتلر انه بكى حزنا وتأثرا حينما سمع بخبر الهدنة. كما أنه شكر الله حين نشبت الحرب، وما كاد يبرأ من علله حتى عاد إلى ميونيخ وانضم إلى أولئك الستة الذين أطلقوا على أنفسهم (حزب العمال الألماني)، فلم يلبث أن غدا قائدهم وزعيمهم، واتخذ للجماعة اسما آخر هو (حزب العمال الوطني الاشتراكي الألماني)
محمد عبد الله عنان
стр. 2186
في طريق المنفى
للأديب حسين شوقي
هي ذكرى مؤلمة من ذكريات الصبي حدثت في بداية الحرب العالمية.
عند مغادرتنا محطة القاهرة في طريق المنفى، جاء أقاربنا يودعوننا وكانوا يعتقدون أن الحرب سوف تنتهي قريبا لأن الفيالق الألمانية المظفرة كانت وقتئذ عل أبواب باريس، فكان من المفروض أن فرنسا سوف تضطر إلى التسليم، وعلى هذا نرجع من المنفى بعد أشهر قليلة، ولكن اخطأ مع الأسف هذا الحساب لأننا بقينا في الخارج خمس سنوات، كما أن بعض هؤلاء الأقارب الأعزاء أدركتهم المنية قبل عودتنا إلى الوطن. قصدنا بعد ذلك السويس حيث ركبنا سفينة أسبانية قادمة من جزر الفلبين، وتقصد برشلونة (أسبانيا)، ولم تكن السفينة متينة ولا كبيرة، ولكن لم يكن لنا وقتئذ الخيار في ركوب سفينة أخرى وقديما قالوا ان المضطر يركب الصعب من الأمور وهو عالم بركوبه، وفوق هذا لم تشفق أمواج المحيطات الهندية على هذه السفينة في طريقها إلى السويس، فخلفتها في حالة سيئة.
انقضت الأيام من الرحلة في هدوء تام، وقد تعرفت أسرتي بمعظم المسافرين وأغلبهم أسر ألمانية ونمساوية اعتقل رجالها في مصر. وكم كان محزناً حال هذه الأسر وهي مدفوعة إلى مصير مبهم مجهول بلا مال ولا نصير! ولولا أمل هؤلاء القوم في النصر لما استطاعوا أن يصبروا على ما كانوا فيه من بؤس وشقاء.
أما أنا فقد تعرفت على الفور (قبل أقاربي) بالركاب الذين هم من سني، لأن الديمقراطية الحق هي التي تسود علاقات الأطفال
وكنا - هؤلاء الأطفال - وأنا - بطبيعة الحال غير شاعرين بالمأساة الكبيرة التي تمثل على مسرح العالم، بل العكس كانت فرصة لنا لنمثل معارك كالتي كانت ناشبة بين الألمان وخصومهم
ولكننا كنا نجد بصعوبة من يرضى منا ان يقوم بدور العدو لأن هذه الوقائع كانت دائما تنتهي بفوز ألمانيا، وبضرب الجنود المفروض أنهم أعداء ضربا مبرحا. وكان معنا على ظهر السفينة قسيس ألماني منفي من مصر، وكان يلومنا على عملنا ويدعونا إلى المحبة والوئام، ولكن لعمري هل كان الكبار وقتئذ ينصتون إلى مثل هذا القول حتى ينصت إليه
стр. 2187
الصغار؟
وكان على ظهر السفينة - غير هذه الأسر الألمانية - عشيقان أسبانيان قادمان من الفلبين، وكانت حالهما أشبه بحالنا - معشر الأطفال - في عدم الاكتراث بما يقع في الدنيا من حوادث جسام، إذ كانا يقضيان الأيام في غزل متواصل، كان لهما على ظهر السفينة كرسيان طويلان متلاصقان، فكنت إذا مررت أمامها قطعا الغزل، فإذا انصرفت استأنفاه، فأغضبني هذا التصرف منهما، وأقسمت أن أفاجئهما متلبسين بالجريمة، من اجل هذا وضعت كرسي بالقرب منهما ثم اضطجعت عليه، وغطيت وجهي بشال من الصوف متظاهراً بالنوم، فلما أستأنف العاشقان الغزل فزعت من مقعدي فجأة وضحكت ضحكة عالية لأنني كنت أرقبهما من ثقب صغير أحدثته بأسناني في الشال!
ثم كان هناك راكب اختل عقله من طول السفر، إذ مضى عليه أربعون يوما وهو في السفينة، وكانوا يسمحون له بالنزهة على ظهر المركب في حراسة بحار حتى لا يلقي بنفسه في اليم، ولكن جنون هذا المجنون كان من حسن حظنا هادئا. وكان بعضهم يزعم أن مثل هذا الجنون وقتي يذهب لدى نزول صاحبه على الأرض. ثم كانت معنا في السفينة شحنة من الثيران مرسلة إلى أسبانيا ليمثل بها - المسكينة - (في الكوريداس)، ولكن قبل وصولنا إلى برشلونة بيوم، هبت عاصفة شديدة لم أذكر أني شاهدت في حياتي مثلها، فكانت أمواجها الصاخبة تهاجمنا، وكأنها في بأسها قبائل الهون المتوحشة، وكانت تصيح أثناء الهجوم صياحا شديدا، فإذا كان غرضها إذ ذاك أن ترعبنا فأنها أدركت حقاً بغيتها، إذ كانت حالنا جميعاً سيئة جداً كما أن أضلاع سفينتنا كانت تئن من جراء هذه الصدمات أنين الشيخ الهرم عند أزمة (لومباجو) حادة. . . وقد أمر القبطان بإلقاء الثيران في البحر حتى يخفف عبء المركب، ولا زلت أذكر ذلك المنظر البشع برغم عهده البعيد! كان يلقى بالثيران الواحد تلو الآخر وهي تصرخ كأنها تشهد السماء على جبروت الإنسان!
وقد أخرتنا هذه الزوبعة - التي ما زالت إلى اليوم أعجب من نجاتنا منها - يوما كاملاً عن ميعاد الوصول. .
ولما بلغنا في النهاية برشلونة، وتراءت لنا المدينة عن بعد، لم يكن فرحنا إذ ذاك يقل عن فرح (كرستوف كولومب) حين شاهد (سان سلفادور). . وقبل أن ينزل إلى البر، اقترب
стр. 2188
مني أحد أصدقائي الصغار، وهمس في إذني قائلا: أتعلم لماذا نجونا من العاصفة؟ ان القسيس كان يصلي من أجلنا طول الليل. فلما نقلت هذا الحديث إلى والدي ابتسم وقال: بل هي دعوات جدتك يا بني!. . أما أنا فأرى ان العناية لم تشأ ان يموت هذا الشاعر قبل أن يتم رسالته، ويغني على قيثارته حضارة العرب الفخمة بالأندلس!
حسين شوقي
стр. 2189
الشافعي واضع علم أصول الفقه
للأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرزاق أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية
الآداب
- ٤ -
أ - الدراسات الفقهية إلى عهد الشافعي. ب - أهل الرأي وأهل الحديث. ج - الشافعي بين أهل الرأي وأهل الحديث وآثاره وكتبه. د - وضع الشافعي علم أصول الفقه
أ - الدراسات الفقهية إلى عهد الشافعي
١ - كان التشريع في عهد النبي ﵇ يقوم على الوحي من الكتاب، والسنة. وعلى الرأي من النبي ومن أهل النظر والاجتهاد من أصحابه بدون تدقيق في تحديد معنى الرأي وتفصيل وجوهه وبدون تنازع ولا شقاق بينهم
ومضى عهد النبي ﵇ وجاء بعده عهد الخلفاء الراشدين من سنة ١١م٥هـ - ٦٣٢ إلى سنة ٤٠هـ - ٦٦٠ وقد اتفق الصحابة في هذا العهد على استعمال القياس في الوقائع التي لا نص فيها من غير نكير من أحد منهم، وفي هذا العهد أخذت تبدو الصورة الأولى من صور الإجماع بما كان يركن إليه الأئمة من مشاورة أهل الفتوى من الصحابة، وكان أهل الفتوى من الصحابة يومئذ وهم المعتبرون في الإجماع قلة لا يتعذر تعرف الاتفاق بينهم في حكم من الأحكام
ولم يكن يفتي من الصحابة ألا حملة القرآن، الذين كتبوه وقرءوه وفهموا وجوه دلالته وناسخه ومنسوخه، وكانوا يسمون (القراء) لذلك، وتمييزاً لهم، عن سائر الصحابة بهذا الوصف الغريب في أمة أمية - لا تقرأ ولا تكتب -
ثم كان عصر بني أمية من سنة ٤٠هـ - ٦٦٠م إلى سنة ١٣٢هـ - ٧٤٩م وتكاثر الممارسون للقراءة والكتابة من العرب، ودخلت في دين الله أمم ليست أمية فلم يعد لفظ القراء نعتا غريبا يصلح لتمييز أهل الفتوى ومن يؤخذ عنهم الدين، هنالك استعمل لفظ العلم للدلالة على حفظ القرآن ورواية السنن والآثار وسمي أهل هذا الشأن (العلماء) واستعمل لفظ (الفقه) للدلالة على استنباط الأحكام الشرعية بالنظر العقلي فيما لم يرد فيه نص كتاب ولا سنة
стр. 2190
وسمي أهل هذا الشأن (الفقهاء) فإذا جمع امرؤ بين الصفتين جمع له اللفظان أو ما يراد فهما
وفي طبقات ابن سعد (كان ابن عمر جيد الحديث غير جيد الفقه، وكان زيد بن ثابت فقيها في الدين عالما بالسنن
وقد كان كثير من الصحابة والتابعين يكره كتاب العلم وتخليده في الصحف كابن عباس، والشعبي، والنخعي، وقتادة، ومن ذهب مذهبهم، وهؤلاء كلهم عرب طبعوا على حفظ جبلة العرب
قال ابن عبد البر: من كره كتاب العلم إنما كرهه لوجهين:
أحدهما - ألا يتخذ مع القرآن كتاب يضاهي به، ولئلا يتكل الكاتب على ما يكتب فلا يحفظ فيقل الحفظ. (مختصر جامع بيان العلم ص٢٤)
ولما انقرض عهد الصحابة ما بين تسعين ومائة من الهجرة وجاء عهد التابعين، انتقل أمر الفتيا والعلم بالأحكام إلى الموالي إلا قليلا (عن عطاء قال: دخلت على هشام بن عبد الملك فقال: هل لك علم بعلماء الأمصار؟ قلت: بلى قال: فمن فقيه المدينة. قلت: (نافع) مولى ابن عمر، وفقيه مكة (عطاء بن رياح) المولى، وفقيه اليمن (طاوس) بن كيسان المولى، وفقيه الشام (مكحول) المولى، وفقيه الجزيرة (ميمون) بن مهران المولى، وفقيها البصرة (الحسن، وابن سيرين) الموليان، وفقيه للكوفة (إبراهيم) النخعي الغربي، قال هشام: لولا قولك عربي لكادت نفسي تخرج) مناقب الأمام الأعظم للبزاز جـ١ - ص٥٧
عندئذ تضاءلت النزعة العربية إلى خطر التدوين وصارت كتابة العلم أمراً لازما (عن سعد بن إبراهيم قال: أمرنا عمر بن عبد العزيز المتوفى سنة ١٠١هـ - ٧٢٠م بجمع السنن فكتبناها دفترا دفترا فبعث إلى كل بلد له عليها سلطان دفترا) مختصر جامع بيان العلم ص٣٣
وقد بدت مخايل نهضته في التشريع الإسلامي منذ ذلك العهد فحصل تدوين بعض السنن وبعض المسائل ولم يصل إلينا من تلك المدونات إلا صدى
ويقول (جولد زيهر) في مقاله عن كلمة (فقه) في دائرة المعارف الإسلامية: (وينبغي ألا يعطى كبير ثقة لما نسب لهشام بن عروة من أنه في يوم الحرة حرقت لأبيه كتب فقه، ولا
стр. 2191
يمكن أن يتصور بحال أنه في ذلك العهد البعيد كانت توجد كتب بالمعنى الصحيح وإنما هي صحائف متفرقة، وتوفي عروة سنة ٩٤هـ - ٧١٢ التي كانت تسمى (سنة الفقهاء) لكثرة من مات فيها من الفقهاء)
وبالجملة: فانه إذا كان دون شيء لضبط معاقد القرآن والحديث ومعانيها في عهد بني أمية، فان التدوين في الفقه بالمعنى المحدث لم يكن إلا في عهد العباسيين.
هذا هو الرأي الذي كان مقررا بين الباحثين لكن (جولد زيهر) يذكر في المقال الذي أشرنا آنفا ما يأتي: (وقد اكتشف (جرفيني) بين المخطوطات القيمة في المكتبة (الامبروزية) بميلانو الخاصة ببلاد العرب الجنوبية مختصرا في (الفقه) اسمه (مجموعة زيد بن علي) المتوفى سنة ١٢٢هـ - ٧٤٠م وهو منسوب إلى مؤسس فرقة (الزيدية) من الشيعة، وعلى ذلك تكون هذه المجموعة أقدم مجموعة في الفقه الإسلامي، وعلى كل حال ينبغي أن يوضع هذا الكتاب موضع الاعتبار فيما يتعلق بتاريخ التأليف في الفقه الإسلامي. وإذا صح: أنه وصل إلينا من بطانة (زيد بن علي) وجب أن نعترف بأن أقدم ما وصل إلينا من المصنفات الفقهية هو من مؤلفات الشيعة الزيدية
على أن البحث الذي أثير لتعيين مركز هذا الكتاب بين المؤلفات الفقهية لم يكمل
ومن أسف ان هذا البحث لم يثره مسلمون ولا أثير في بلاد أسلامية
وقد ذكر صاحب (الفهرست) عند الكلام على (الزيدية) ما نصه: الزيدية الذين قالوا بإمامة زيد بن علي ﵇، ثم قالوا بعده بالإمامة في ولد (فاطمة) كائنا من كان بعد أن يكون عنده شروط الإمامة، وأكثر المحدثين على هذا المذهب مثل: (سفيان ابن عيينة) و (سفيان الثوري). . . ص١٨٧
وعلاقة هذين الإمامين بنهضة الفقه عند أهل السنة تجعل للبحث الذي يشير إليه (جولدزيهر) شأنا خطيرا
وجاء عهد العباسيين منذ سنة ١٣٢هـ و٧٤٩ - ٧٥٠م وشجع الخلفاء الحركة العلمية وأمدوها بسلطانهم، فكان طبيعيا ان تنتعش العلوم الدينية في ظلهم، بل كانت حركة النهوض أسرع إلى العلوم الشرعية لأنها كانت في دور نمو طبيعي وتكامل
وهناك سبب آخر يذكره (جولدزيهر) في كتابه (عقيدة الإسلام وشرعه) هو: أن حكومة
стр. 2192
الأمويين كانت متهمة بأنها دنيوية فحلت محلها دولة دينية سياستها سياسة ملية
كان العباسيون يجعلون حقهم في الإمامة قائما على: أنهم سلالة البيت النبوي، وكانوا يقولون: انهم سيشيدون على أطلال الحكومة الموسومة عند أهل التقى بالزندقة نظاما منطبقا على سنة النبي وأحكام الدين الإلهي
ويلاحظ أن المثل الأعلى للسياسة الفارسية، وهو الاتصال الوثيق بين الدين والحكومة، كان برنامج الحكم العباسي
(وقد اقتضى ضبط أمور الدولة على منهاج شرعي، جمع الأحكام الشرعية، وتدوينها)
стр. 2193
مِن طرائف الشِعر
نشيد النيل
للأستاذ محمود الخفيف
طالما سرت وقد طاب النسيم … في بهاء الصبح أو صفو الأصيل
أجتني اللذات من روض النعيم … حيث يجري النيل في الوادي الظليل
وأرى الشاطئ رفَّاف الأديم
يسحر الأعينَ مرآه الوسيم
سندس طلق وماء سلسبيل
مسرح للعين والقلب معا … رائق الآصال وضاح البُكَر
قامت الأطيار فيه سُجَّعا … وزكت فيه أفانين الزَّهَر
وبسلط الروض يبدو ساطعا
يمرح الشاعر فيه راتعا
بين دوْح ونخيل ونَهَر
ينجلي النيل لديه رائقا … رائع الأقبال موفور الجلال
كجنين الصبح يبدو مشرقا … في معاني الحسن مفقود المثال
ساقه الله فراتا دافقا
طافح البشر نميرا مونقا
آية في الكون من آي الجمال
يا وريد القلب في الوادي الخصيب … أنت يا من وهب الوادي ثراه
سر تدفق أيها النهر الحبيب … يا عبابا يبهر الفكرَ مداه
يا جديدا وهو للدهر ضريب
يتجلى فيك لي معنى عجيب
فطن القلب إليه فوعاه
أنت كالمصريِّ في نزعته … زاخر بالخير فياض المعين
خالد تحكيه في فطرته … وداع تنساب في خفض ولين
стр. 2194
حالم كابنك في رقته
ولقد تحكيه في غضبته
باعتكار ثم تصفو بعد حين
أنت في الوادي تراث الأزل … لم تنل منك تصاريف الزمن
وستبقى مستدام الأجَلِ … ليس يعروك فناء أو وَهَن
ذاكراً للناس عهد الأول
باعثا في مصر روح الأمل
حافزا للجد أشبال الوطن
إيه يا رمز المعالي والخلود … قد شهدت المجد والدهر غلام
وصحبت العز في كل العهود … في هجير الحرب أو ظل السلام
قِرَّ عينا أيها النهر الودود
قد صحونا بعد أن طال الهجود
وجمعنا بين رأي واعتزام
أيها النيل سلام عاطر … ما أضاء الصبح أو أمسى المساء
لك يا نيل وفاء ظاهر … وصفاء لم يكدره الجفاء
قد دعانا منك عزم صابر
لا روانا بعد فيض غامر
ان صدفنا اليوم عن هذا الدعاء
تحية الرسالة في مستهل عامها الثاني
للأديب فخري أبو السعود
حيَّ الرسالة في أولى مراحلها … وودِّع العام عنها خير توديعِ
أوْفَتْ على عامها الثاني فلا برحت … تسير للنُّجح سيراً غير مقطوع
تحية الشعر يهديها لأروعَ ذي … ماضٍ مكينٍ وفضل غير مدفوع
صافي النسيج إذا ما راح يحْكِمُه … ورصّع اللفظ فيه خير ترصيع
стр. 2195
عف المقالة لم تهمم يراعته … يوما بهجوٍ ولم تعمد لتقريعِ
ضمتْ جهابذةَ الفصحى رسالتُه … في حُسنِ سمْطٍ نضيدِ النَّظم مجموع
ومهَّدتْ لحصيف النقد مخلصه … ونَوَّهَتْ برصين الشعر مطبوع
فجال فيها جِيادُ النثر واستَبَقَتْ … ورَّجع الشعر فيها أي ترجيع
وصال فيها أساطينٌ الو هِمَم … مِنْ كلْ ذي قلم للعلم مشروع
يُبَسطَّون بها للدرس منهجه … على طراز عزيز النَّدِ ممنوع
أئِمة الضادِ من عِشرينَ تَعْرِفهمْ … في منتدًى للحجى والفضل مرفوع
قد أترعها بنبع من قرائحهم … ومِن مَعين اللغى الأخرى بينبوع
ترضي صحافة مصر عن رسالتهم … وعن جهاد لها بالنجح مشفوع
قد احتوتْ في قليل من صحائفها … كل الفنون وجابت كل موضوع
وأشرقت كلْ شهر مرتين لنا … واليوم تشرق فينا كل أسبوع
حلم
للشاعر الدمشقي أنور العطار
ذَوبْتُ في رَوْعهِ الامْسَاء أتْرَاحى … وَصُغْتهَا نَغَمَات ذَاتِ أفْرَاح
أعيِذٌ أشعْارٍيَ الضَّحَّاك مَبْسِمُها … منْ كُلِّ مُسْتَرْسِلِ الأعْوَالِ نَوَّاح
مَا قيمةُ العَيش نمضيهِ مُرَوَّعةً … أحْلَامُنّا بخَيّالَات وأشْبَاحِ
يَسْمُو بِكَ الكَونُ إمَّا زدّتَهُ مَرحاً … وَالكَوْنُ ملكُ لعُوبِ الْحُلْم مِمْراحِ
إِغْفَاءةٌ تَعْدلُ الدُّنْيَا بمَا نِهلتْ … أفْيَاؤهِا مْن نَعِيِمٍ غَيْرِ مِنْجَاحِ
فَغطَّ فيِ حُلْمِكَ الفِضِّيِّ مُطَّرحاً … إِسَار عَيْش طَويل الهَمِّ مِلْحَاحِ
فقِي غيَابَتِهِ تغفى موَاجُعنا … كَأنَّمَا قَد مَحَا آثَارَهَا مَاحِ
يا غيْبُ! مهدِّ لِرُوحي فيكَ معتكَفا … رحبَ الاعاليلِ خصْباً جِدَّ مَنَّاحِ
مُجنَّح الحُلْم مبثوثَ الأطار رُؤىً … كالفجرِ ما بينَ تعتيمٍ وإِصباح
يُعِله النورُ أو تَعرى مَحِفته … كأنها زهرةٌ في كف سباح
تِغيم بالزَّبد الواهي غِلالتُها … فتنجلي عن جبينٍ مُشْرقٍ ضاح
стр. 2196
وإِن تَضِع في مطافٍ جاهد عسِرٍ … تظفرْ بفيءٍ وأمواهٍ وأرواح
هذى سماؤك فانظمْ في روائِعها … شعرَ الخلودِ بتَبيانٍ وأفصاح
يعيرُك الشفق الرَّجراج قافيةً … من كل مؤتلق الألوانِ لماح
ففي الغيوم أناشيد وأخيلةٌ … صبَيغةٌ بسَناً كالفجرِ وضَّاح
يا زورقَ الشعرِ جُزْ يَمَّ الدنى فرِحا … لأنتَ في غُنيةٍ عن كل ملاَّح
رُبَّانكِ الحبٌ، لا تثنيه غاشيةٌ … عن السُرى في سماء ذاتِ ألواح
الخلود
للأستاذ خليل هنداوي
وساقية راعها قائل … (نجئ، ونذهب كالساقيه)
فقالت - واَلمها قوله … متى أدركت روحه شانيه؟
خرجْت من الأرض دفَّاقة … وودَّعتُ أرض الحمى باكيه
ما كان معنى خريري سوى … بكائي على نفسي الفانيه
هويتُ إلى البحر مضطرة … لي الله من قطرة هاويه!
فما غمرتني - سوى برهة - … من البحر أمواجه الطاغيه
فحُمَّلْت فوق متون السحاب … وعدت إلى وطني ثانيه
فِأدركتُ بخلود الوجود … فتسمعني إذن واعيه
وقد أدرك الروض هذا الحديث … فلم يبك أزهاره الذاويه
وقد فهمتهُ طيور المروج … فما أسلمت روحها شاكيه
وان تبك لا تبك إلا على … مظاهرَ قد بُدِّلت ثانيه
مظاهر تسمو بقدر الطموح … وتسفل في الأنفس الدانيه
فمن وردة رجعت شوكة … ومن شوكة. . . وردة ساميه
ومقياس ذلك في رغبة … تقود إلى المثل العاليه
رويداً! فأنت هنا خالد … تروح وترجع كالساقيه. .
دير الزور
стр. 2197
احب السماء
أحبُّ السماَء إذا ازَّينتْ … بأنجهما وأطل القمرْ
وماجتْ بموكبها في الظلام … كبحرٍ تَلَامَحُ فيه الدُّرَرْ
أحِبُّ السماَء إذا أبرقتْ … بليلٍ وجَلْجَلَ فيها السحابْ
وغارت بها الانجم الزاهراتُ … كما غَيَّبَ الهامدينَ التراب
وعمَّ الدُّجَى واكفهرَّ الغمامُ … كوجهٍ تلبَّدَ فيه الأَسَى
وهَبَّتْ تعربد ريح الشتاءِ … وضَلَّ شريدُ القضاء الحمَى
أحبُّ السماء إذا ما الربيعُ … كساها من الورد أبهى وشاح
وأضحت مجالا لأنفاسه … ومهداً عليه الأصيلُ استراح
حمص
رفيق فاخوري
الوردة الذابلة
قالت وقد ألفْت على وجها … لفحة سقم لم تكد تنجلي
إن تذبل الوردة ظلّت لها … بقيةٌ من عطرها الأوّل
قلنا وطيّ النفس ماطْيها … لو شاءت الوردة لم تذبل
لو شاءت الوردة كنا لها … ندى إذا الأنداء لم تنزل
لو شاءت الوردة كنا لها … شوكا يقيها عبثَ الأنمل
لو شاءت الوردة كنا لها … أرضا مُوَّطاة على جدول
لو شاءت الوردة كنا لها … شمسا تريقُ الضوء في معزل
فظلّ للوردة ما أُعطيت … من ناضر الحسن وغالي الحلي
لكنها اختارت لها مغرسا … بمثلها في الورد لم يجمل
حيث الثرى سمُّ وحيث الندى … هم وحيث الضوء لم يُرسل
فكان حقا أن ترى حسنها … يذوي وأن لا تُعجب المجتلى
стр. 2198
وإن تعّزتْ ببقايا الشذى … فهو عزاء الكحل للأحوال
محمود عماد
стр. 2199
استدراك
كتب إلينا الأديب محمد حسنين احمد يلاحظ على عبارة وردت في مقالة (فلسطين) المنشور في العدد الماضي بقلم مستر كنيث وليمامس، يستفاد منها أن مستر لويد جورج كان رئيسا للوزارة البريطانية قبل الحرب، ويقول ان الحقيقة ليست كذلك، والواقع ان هذه العبارة وردت بنصها في مقال الكاتب الإنجليزي ونقلتها الرسالة مترجمة كما وردت. وهي سهو من الكاتب بلا ريب، لان لويد جورج كان قبيل الحرب وزيرا للمالية في وزارة مستر اسكويث، ثم كان في بداية الحرب وزيرا للذخائر في هذه الوزارة أيضا ولم يتول الرياسة إلا في ديسمبر سنة ١٩١٦. والمرجح ان كاتب المقال يقصد (أثناء الحرب) (لا قبل الحرب)
العلوم
في النبات، وحشة وأنيسة
للدكتور أحمد زكي
كلما كثر السكان وضاقت المناطق العامرة بالناس، نزحوا عن أوطانهم طلب الوسعة في الأرض وما يستتبعها من الوسعة في العيش، والاستعمار دأب الإنسان من قديم. إلا أن صفات العصر وأساليب الوقت في مرافق الحياة كانت تؤثر فيه فيتئد حينا ويسرع حينا. فلما كانت الدواب وسيلة التقلب في جَنَبات اليابسة، والشراُع حامل الإنسان على ظهر المائعة ودفاع الإنسان لما يلقى من وحش جائع وناب كاشر سيفاً ورمحا، وأدائه في تذليل الأرض مِعولا وفأسا، وسقايته لها رهينة بما يجد عفوا من نبع يتفجر أو نهر يزخر، أو مطر يهطل حينا ويمتنع حينا، وعلمه بزراعتها علما يسيرا علمته إياه التجربة المبتَدَهة والأخطاء المتكررة، كان استعماره للأرض بطيئا، وانتشار الجنس الإنساني على هذه الكرة محدودا. وكان يزيد في بطئ استعماره وقلة انتشاره ما في طبيعته من حب ارتباط بأرض ألفها ومهابط اعتادها، وذكرى لماضيه أوثقها بحاضره، وعادة يسرت حاضره فأمل اضطرادها في تيسير مستقبله، أما وقد تغيرت صفات العصر وتبدلت أساليب العيش، فأصبح البخار دابته على اليابسة والمائعة، والبنزين مطيته يشق به الأرض ويفلق الهواء،
стр. 2200
واصبح دفاعه الحديدَ الصارخ والجمر الطائر، وأداته في تذليل الأرض المكنات الكثيرة تديرها الأكف القليلة، وسقايته لها ترتبط بإرادته أكثر من إرادة الماء، وترتهن بهندسته أكثر نم ارتهانها بالأمطار والانواء، وصار علمه بزراعتها علماً غزيراً علمته إياه التجربة المقصودة والأبحاث المنتظمة، فقد أسرع الاستعمار إسراعا لم يعهده التاريخ، حتى ليُنذر بأن لا تبقى رقعة من الأرض لا تطؤها قدم مستعمر. حتى الروابط التي كانت تربط الإنسان بأرضه الأولى، فتمنعه، أن ينزح النزحة الأولى، قد هانت بسهولة المواصلات وسرعتها لانه إذا هو استبدل جديداً بقديميستطيع الآن إلى حد كبير ان يجمع بين موطن عتيق وموطن مستحدث، ويمد خيوطه طويلة ميسورة إلى سلف وراءه وخلف أمامه، ويؤلف في سهولة بين ما استدبر من أمسه واستقبل من غده
جميلٌ أن يرى الإنسان الحضارة تعم الأرض، ومعجبٌ مُزهٍ أن تلفّ العمارة المعمورةَ لفَ الهواء لها، ولكنها خسارة كبرى كذلك أن تذهب هذه الحضارة والعمارة بكل حيوان يَستْأنس، وبكل نبات لا يخضع لترويض الإنسان. لقد ضاع من أمثال هذا الحيوان ما ضاع، أو قلّ حتى إذن بالضياع، وانقرض من النبات ما انقرض، أو إذن بالانقراض وارتفعت أصوات في العصور القريبة تنبه إلى ذلك وتطلب حماية المستوحش من الحيوان، والنبات على السواء، وانعقدت أخيرا بلندن جمعية غرضها حماية الأصقاع الأفريقية الوسطى من التعمير وحفظها من عبث المدينة، وصيانتها صيانة الأثر الحي الخالد، وهي صيانة بالسلب، وحفظبالترك، فلا تكلف دينارا ولا درهما. وفي الحق كيف تجوز علينا صيانة المعابد ورعاية الهياكل والاعتزاز بصحاف من خزف ودوارق من صلصال وهي جميعا من صنع الإنسان المتحضر، فلا تزيد أعمارها عن قليل من آلاف السنين، ثم لا نصون آثارا أذهب من هذه في القدم وأبعد في العراقة من الإنسان. تلك يستعاض عنها إذا افتقدت، ويقام على أنقاضها إذا تهدمت، أما هذه فما ذهب منها فلغير رجعة، وما فني فلغير إيجاد. تلك تعيدها الصناعة، وهذه لا يعيدها إلا الخلق، والخلق ليس من عمل الإنسان.
وفوق هذا فالحيوان المستوحش والنبات البريّ، ان رثت صلتهما بالإنسان في نظام الخليقة العام. وتباعدت منابتها عن منبتة في جدول الاجناس، فان بينهما صلات قريبة وبين ما
стр. 2201
استأنس الإنسان منهما فكل حيوان مستأنس كان متوحشا يوما ما ونحن الذين أنّسنَاه، وكل نبات كان مستوحشا كذاك يوما ما ونحن الذين ألفناه، ولا يزال يوجد في الوحشي من الحيوان والنبات أشباه ونظائر لتلك التي تعيش بيننا في رخاوة ودعة، ولكن هذه النظائر كانت قليلة فزادت قلَّة، وهذه الأشباه كانت نادرة فزادت ندرة، فإذا نحن إذنا للعمارة أن تمتد بلا حدّ فقد قطعنا آخر الخيوط الواهنة التي تربط حاضر الأحياء بماضيهم، وطمسنا في رقعة الأحياء الخانات القليلة الباقية التي فاتها الطمس، وجئنا على آخر الأدلة الحية على أصل الإنسان والحيوان والأواصر التي بينهما
متى كان تأنيس النبات وأين كان؛ ومن أول من قام به - كلها أسئلة لا يستطيع إجابتها إلا بالحدس والظن وإعمال الخيال. والخيال إذا أصاب مرة أخطأ مرارا، ولكن مما لا شك فيه أن هذا كان والإنسان في حداثته الأولى، قبل التاريخ المعروف، وقبل العصور التي سّجل أحداثها الحجر. ففي مقابر المصريين فيما قبل عصر الأسر وفي العراق في منازل عريقة في القدم. وكذلك في الحفائر عن بقايا سكان مناطق البحيرات السويسرية والإيطالية كشفوا عن حبوب من القمح في درجة عاليه من التقدم النباتي ما كان يبلغها لولا تدريب سبق، طال حتى ضاع أصله في الأحقاب القديمة وامتد إلى الوراء حتى اختفى في حلوكة العصور الأولى. ان مكتشفات الإنسان كثيرة واختراعاته الخطيرة عديدة، وكلها كان لها نصيب في تقدم الانسان، وقد تختلف في المفاضلة بين هذا المخترع وذلك المبتدع، ولكن قليل من يماري في أن أكبر اكتشاف وأخطر ابتداع ساق قدم الإنسان إلى أول الدرجات من سلم الرقيّ الذي نراه اليوم، ذلك الاكتشاف الذي امحي أصله بإمحاء الحياة الأولى، وضاع سره مع سر الإنسان القديم، ذلك إمكان تأنيس النبات - تلك الحقيقة التي فطن إليها آباؤنا الأولون من أن بعض النباتات يمكن ترويضها وتمريضها وتَنْشِئتها وهدهدتها فتعطي ثمرات كثيرة وغلاّت وفيرة تكون غذاء مأمونا مضمونا يسكن الإنسان إليه في المكان الواحد العام بعد العام؛ لا يقلقه الترحل ولا تتلاقفه السهول والجبال. تلك الحقيقة التي خلقت أولى الصناعات وأكثرها تأصلا وعراقة، تلك الزراعة التي كانت وما زالت أس المدنيات جميعها،
إن النباتات القابلة للتأنيس قليلة، وقليل من هذه ما يعطي حبا أو ثمراً يصح أن يتخذ غذاء
стр. 2202
أساسيا كافيا للإنسان، وهذه متفرقة على سطح البسيطة، وهي كالحيوان لها مواطن خاصة من سطح الأرض، فمنها الأفريقي والأسيوي والأمريكي، وفي هذه المواطن دون سواها نشأت المدنيات البائدة، حتى ليكاد الفكر والبحث يردّ كل مدنية قديمة إلى حب أساسي، وكل حضارة بائدة إلى ثمر أصلي. فالمدنيات الأمريكية قبل كولومبس تركزت في الأصقاع الاستوائية وامتاز كل منها بغلة كانت أساسا لمدنية، فغلة المكسيك الذرة، وغلة بوليفيا واكوادور وبيرو البطاطس، فحضارة المكسيك العتيقة التي كشفت عنها الحفائر الحديثة حضارة ذرويه، وحضارة أمريكا الجنوبية بطاطسية
وليس معنى هذا أن تلك البلاد لم تنتج من النباتات غير الذرة والبطاطس، فقد أنتجت أنواعا من الخضر والفواكه لكنها ثانوية في تغذية الإنسان. وفي الدنيا القديمة، أو التي لا نزال نسميها الدنيا القديمة على الاعتبار الخاطئ، ان أمريكا لم يكن لها حياة مسرفة كذلك في القديم قبل أن (اكتشفها) كولومبس، تركزت فيها المدنيات حول المناطق التي تنتج أغذية أساسية لحياة الإنسان. وهي القمح والشعير والقرطم والشيلم وتنبت فيما حول البحر الأبيض المتوسط وآسيا الصغرى والجانب الجنوبي الغربي لآسيا، والأرز في الهند والصين. ولا نزال اليوم نجد نوعا من الأرز البري ينبت (شيطانيا) في الهند وفي جنوب الصين؛ وهو لا شك جَدٌّ لأنواع الرز الحديثة. كذلك نجد في آسيا الصغرى وفي الجنوب الغربي لآسيا أنواعا من النبات تمتّ إلى القمح والشعير والقرطم بوشائج من الرحم على بعدها بيِّنة واضحة
ومن المدهش أن نباتات أمريكا فيما قبل (كولومبس) أي عام ١٥٠٠ ميلادية تختلف كل الاختلاف عن نباتات الدنيا القديمة. فلم يكن بينهما نبات مشترك واحد. كان في أمريكا الذرة والبطاطس والبطاطا وأنواع من الفول والطماطم والفلفل والفول السوداني والأناناس والجوافة والكاكاو وغير هذه من أجناس أخرى غير مشهورة لدى الناس. ولم يكن في أمريكا في تلك العهود من حيوانات الدنيا القديمة غير الكلب. وكان في الدنيا القديمة من النباتات المستأنسة القمح والشيلم والشعير والقرطم والدخن، والأرز وكلها حبوب أساسية في تغذية الانسان، واللفت والبصل والسبانخ والخس والحمص والعدس والسمسم وغيرها
قال العمدة النباتي (ألفونس دي كندول) في كتابه الأثري (أصل النباتات المزروعة) عام
стр. 2203
١٨٨٢: (وفي تتبع تاريخ هذه النباتات لم أجد أثرا لصلة كانت بين سكان الدنيا القديمة وسكان الدنيا الجديدة فيما قبل العصر الكولومبسي) وقال العالم الأحدث فافيلوف (١٩٣١): (ان الزراعة في أمريكا قبل العهد الكولومبسي نشأت نشوءاً مستقلا عن الزراعة في الدنيا القديمة، فإذا نحن قلنا مع أغلب البحاث ان سكان أمريكا القديمة أتوا من آسيا وجب أن نقول أيضا أنهم أتوا فارغة أو طابهم من كل نبات أسيوي. ومعنى هذا إن النبات في الدنيا الجديدة استأنست عن أجناس وحشية نبتت في تلك الأصقاع ذاتها) ولكن لما فتح كولومبسي أمريكا للعالم القديم، وصح عند الناس أن بلداً كبيرا واسع الغنى خبيئ الثورة قد انكشف، ركبوا إليه أفواجا بأهلهم ومتاعهم وحملوا معهم ما عرفوا من الحيوان وما ألفوا من النبات وبذوره. وبذلك نقلوا المستأنس من الحيوان والنبات إلى ذلك البلد الجديد، ورجعوا إلى بلدهم القديم بنبات تلك القارة الجديدة الواسعة وبحيوانها. ودارت الأفلاك بالسنوات والأحقاب. والإنسان دائب في مزج أحياء المشرق بأحياء المغرب غير متعمد ذلك ولا قاصد إليه، حتى ضاعت المواطن الأولى لتلك النباتات وأمحت قوميتها، وتأقلمت فاستترت سيماء الأجنبية منها، واستعربت فاختفت مظنة العجمة فيها. أو استعجمت فذهبت العروبة عنها، فالمصري يزرع الذرة والبطاطس ويحسب أنها مصرية وهي أمريكية، والأمريكي يزرع الأرز والموز وجوز الهند ويحسب أنها أمريكية وهي أسيوية. وما جرى بين أمريكا والدنيا القديمة جرى لا شك بين تلك القارات فيما بينها وبين أصقاع القارة الواحدة
اختلطت نباتات الأرض فاستبهمت أصولها، وانتشرت حيواناتها في البلاد فأصبحت كل أرض بلدها، فهل يكون للإنسان، وهو جنس واحد من الحيوان. مثل هذا المآل؟
احمد زكي
стр. 2204
البلجاء
للآنسة سهير القلماوي ليسانسييه في الآداب
ظلت العراق شوكة في حلق الدولة الأموية إلى أن جاءها منه ما قوض أركانها وهدم سلطانها. وظلت العراق موطنا لكل خارج على الدولة الأموية تأوي كل من يرى فسادا فيما آلت إليه الحال وكل من يحس سخطا على القائمين بالأمور. آوت العراق أهم فرقتين كانتا ساخطتين على خلفاء بني أمية وسياستهم وهم الشيعة والخوارج.
كان هم كل وال جديد على العراق أو أحد مصريه الكوفة والبصرة، أن يحارب هاتين الفرقتين حربا تختلف قوة وضعفا باختلاف شدة معارضتهما أيام ولايته وباختلاف طبيعته الشخصية وما تحتمل تلك الطبيعة من منظر سفك الدماء وإزهاق الأرواح
ما كاد العراق يتنفس في شيء يسير من الراحة بعد موت زياد حتى ابتلاه معاوية بمن هو إلى السر أسبق ولو في تهور، وإلى سفك الدماء أسرع ولو في ظلم وعدوان - ابتلاه بعبيد الله بن زياد
أما الشيعة فكانت تصطنع الاستكانة شيئا ما، وما زال عهدها بزياد قريبا وما زال مقتل حجر بن عدي وصحبه يتمثل لها فترتجف لهوله القلوب ويثور من اجله في النفوس شيء من السخط. ولكنه سخط مستسلم أو قل هو سخط يستعد ويدبر للثورة والانتقام
وأما الخوارج فما زالت دعوتهم قوية لا تعرف تسترا ولا رفقا كانت شعلة تحرق ما يقف في طريقها كانت نارا مقدسة من الإيمان الجارف القوي تلهبه القلوب وتلهبه الضحايا البريئة الطاهرة التي كانت تقدم في كثير من التنكيل والإسراف قربانا على مذبحه.
أصبحت البصرة منذ مقدم ابن زياد مرجلا يغلي بما فيه من خوف وقلق واضطراب، كل يتستر بعقيدته، يجتمع وصحبه ولكن في حذر كل الحذر. كل يبث دعوته ولكن في حيطة دونها كل حيطة. عرف أهل البصرة في وإليهم الجديد نوعا من البطش قلل في نظرهم شيئا من بطش زياد على قرب عهدهم به. هذا البطش الجديد لم يكن يقف عند حد، لم يكن يعرف شيئا من الأناة في تنفيذ اشد العقوبات وانكاها، لم يكن يعرف هوادة ولا تريثا وإنما كان قوة تكتسح أمامها كل شيء، لا تعرف إلا إنها قوة وإلا إنها يجب ان تندفع.
نال الخوارج من هذا البطش ومن هذا النكال النصيب الأوفر فقد قتل منهم عدد غير قليل
стр. 2205
ولم يكن قتلا عاديا وإنما كان قتلا يقصد به الردع والإرهاب كأشد ما يمكن ان يكون الردع والإرهاب كان صلبا، كان تقطيعا للأيدي والأرجل في الساحات العامة، كان قتلا لا ككل القتل، كان القتل صبرا ولم تكن الضحايا فرادى وإنما كانت جماعات.
عرف الخوارج منذ أول ظهورهم بشجاعة نسائهم وجهادهن معهم. ويذكر الخوارج في تاريخهم عددا غير قليل ممن استشهدن وحاربن بل ممن قاتلن وتبارزن في سبيل نصرة المذهب الجديد. ولقد غاظ زياد أمر هؤلاء النسوة، ماذا يفعل بهن لقد نهى الرسول عن قتل نساء المشركين أثناء حروبه معهم فكيف بنساء المسلمين. ولكن أمر هؤلاء النسوة لم يكن يسيرا. لقد كن ينشرن الدعوة فتسير كالنار في الهشيم لابد لهن من عقاب رادع، لابد لهن من شيء فوق طاقتهن حتى يعدن إلى ما خلقن له حتى يدعن الجهاد لمن هم به أولى وعليه أقدر. وتذكر فعل الوالي قبله. لقد قتل زياد خارجية وعراها وعراها في الميدان العام فلم تظهر خارجية بعدها أمرها أيام زياد. لقد خفن العار وإن لم يخفن الموت. أتتحسبن انه لن يقدر على هذا، كلا فوالله لو ظفر بإحداهن ليجعلها عبرة لمن بعدها.
وبسط هذه القلاقل كان أبو بلال مرواس زعيم الخوارج إذ ذاك يجتمع بصحبه كل مساء يتدارسون مذهبهم ودينهم ويتدبرون حالهم وما يستطيعون أمام هذا السلطان العاتي. يفكرون في أمور الدولة وأعمال الوالي الجديد ويدبرون خططا جديدة لبث الدعوة وتيسير السلطان لمذهبهم.
كان بين هؤلاء الصحب امرأة تعرف بالبلجاء فإذا ما جلس أبو بلال جلست إلى جواره تستمع إلى حديثه في شغف وتلتقط الكلام من فم هذا الذي كادت تؤلهه الجماعة كأنما كلامه قطرات ماء وكأنما إذنها قد أعياها طول العطش. وكان أبو بلال سمح الطبع قوي الإيمان فاستراح لقرب تلك السامعة، وحفظ لها في قلبه مكانة عظيمة. لقد أعجبه منها إيمانها وتعلقها بالمذهب، تسأل عما أشكل عليها فيه فلا تمل سؤالا. ولم يكن هو ليدخر جهدا حتى يوفق في إجابتها إلى الجواب المقنع الشافي.
ظلت البلجاء هكذا زمنا إلى ان آمنت بالمذهب الجديد إيمانا لا يرتضى سكوتها وهدوءها. فبدأ الإيمان يملي عليها العمل والتضحية في سبيله شأن كل إيمان يتم نضوجه ويعم القلب نوره. قامت البلجاء بدورها تبث الدعوة بين أهل البصرة فيلبي دعوتها الكثير. ولكنها ما
стр. 2206
زالت تختلف إلى مجلس أبي بلال بعض الليالي تأنس بالشيخ وبصحبه فينمو إيمانها في هذا الجو المشبع إيمانا ويقوى جلدها على احتمال أتعاب النهار وأخطاره
جلس أبو بلال ذات ليلة وانضم حوله الصحاب متشوقين إلى سماعه، فما عرفوا لديه إلا الصواب، متلهفين إلى حجمه وآيات إيمانه، فقد كانت لقلوبهم وعقولهم خير غذاء في هذا الجو المكفهر المضطرب. ولكنه ما كاد يلتئم جمعه ويبدأ حديثه حتى قام إليه أحدهم وهو غيلان بن خرشة الضبي وقال: (يا أبا بلال أني سمعت الأمير البارحة عبيد الله بن زياد يذكر البلجاء واحسبها ستؤخذ.)
وجم المجلس وفكر الشيخ طويلا. فالبلجاء كانت من خير أعوانه، وكان الذين دخلوا على يديها في المذهب الجديد غير قليلين، فلابد إذن أن ابن زياد عرف هذا ولابد أنه بعد أن عرف قدر وفكر، ولابد انه من بعد أن قدر قرر، ويا عظم ما قرر! وتنازعت نفسه عوامل عدة ولكن أقواها كان الخوف على البلجاء، خوف العار لا خوف القتل.
ولم يستمع القوم لأبي بلال هذا المساء فقد كان فكره مشغولا وعقله مضطربا. ينتظر البلجاء فلا تأتي، ويطول الانتظار. وما كاد المجلس يخلو حتى عدا إليها مسرعا. وفي الطريق قدر رغم إسراعه وفكر. ماذا يقول لها؟ ثم يصحها؟ لقد كان يذكي إيمانها كل يوم فيسره هذا الإذكاء، أيطفئ اليوم هذا النور بيده أو يداريه فيحجب شعائه، ولكن بطش زياد عظيم وانه لجبار عنيد.
وصل إلى بيت البلجاء فوجدها قد آوت إلى فراشها من تعب النهار ولكنها ما كادت تسمع صوت أبي بلال في الفناء حتى قامت إليه مسرعة وقلبها يكاد يحطم صدرها من اضطرابه ما سر هذه الزيارة المتأخرة؟ وماذا عند أبي بلال وقد آوى الناس إلى فراشهم إلا القليل؟ ولكن أبا بلال لم يطل عليها الاضطراب فقد قر رأيه ولم يعد لديه إلا قولا واحد يقوله لها
- إن الله قد وسع على المؤمنين بالتقية فاستتري فان هذا المسرف على نفسه، الجبار العنيد قد ذكرك.
وكان موقف البلجاء جليا واضحا فلم يكن ذكر ابن زياد لها أمرا مستبعدا ولم يكن خوف أبي بلال عليها شيئا غير منتظر ولكن ألام يدعوها أإلى اليقين وهل عرف التقية ذوو الإيمان القوي؟ ورنت في إذنها الآية (إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان) أي رحمة، أي
стр. 2207
شفقة، أي تقدير للإنسان أي فهم لضعفه ولنواري ولكن الإيمان النار القوية الملتهبة ما هذه الحشرات التي تدنو منها الخوف؟ أخوف الموت؟ أعار التعرية؟ والنار القوية تحرق كل حشرة تدنو منها فتزداد بهذا الاحتراق قوة ولهبا وهؤلاء الذين دعتهم فلبوا أيشهدون خبو هذه النار التي مسهم شررها فآنسوا إليه؟ كلا كلا وايم الله!
- أن يأخذني فهو أشقى أما أنا فما احب أن يعنت إنسان بسبي.
السوق هائجة مائجة والناس تروح فيها وتغدو وعلى وجوههم غبرة قاتمة حاسرة. كل وجه عليه مزيج من علائم الحزن والاضطراب والاشمئزاز والسخط ماذا في السوق ما الذي يثير كل هذه العوامل في نفوس الناس فتغير من ملامحهم تغييراً أليما منكرا:
جاء أبو بلال إلى السوق والفى القوم على تلك الحال ولكن لم يتساءل فقد وجد أبصارهم عالقة بشيء منصوب عن بعد فما لبث أن رفع هو بصره إليه، مإذا؟ أجسد امرأة قطعت يداها ورجلاها؟ ومن تكون تلك التي أثارت حفيظة الأمير فنكل بها هذا التنكيل البشع؟ الجواب يضطرب في صدره ولكنه لا يقوى على تصديقه والمرء إزاء المصائب اعزل لا سلاح له إلا محاولة إنكار الواقع أيكون حلما؟ أأكون مخدوعا؟ والمصائب ثابتة في عالم الحقيقة تهزأ بهذا الإنكار.
دنا أبو بلال من أحدهم وفي نفسه أمل ضعيف خائر وهمس في إذنه من تكون؟
- البلجاء
واقترب أبو بلال من الجسد المنصوب وعيناه عالقة به ونفسه كليمة حسرى. ما اعجب الحياة وما أمر هزء الحقيقة إذا ما انتصرت على كل إشفاق من حقيقتها.
وأملت البلجاء على أبي بلال درسا عوض كل ما ألقاه عليها من دروس. ما هو؟ ما قيمته؟ وما قيمة تعظيم الجماعة إياه امام هذه في عليائها؟ ما أعظمها! ما اجلها! وما أحلى رضائها عن نفسها! وعض الشيخ على لحيته وقال لنفسه:
لهذه أطيب نفسا عن بقية الدنيا منك يا مرداس.
سهير القلماوي
стр. 2208
العَالم المسرحيّ والسّينمائِي
أزمة المسرح في مصر
لناقد (الرسالة) الفني
أصيب المسرح المصري في السنوات الأخيرة بضربات شديدة قضت عليه أو كادت. وانه ليحتضر الآن. ولا مفر من أن نشيعه عاجلا أو آجلا إلى مثواه الأخير لنعيد خلقه من جديد إذا وسعتنا الحيلة، وتوفرت الوسيلة، وتهيأت الأسباب التي تؤدي بنا إلى هذه الغاية.
وانظر كيف أصبح اليوم، وماذا كان بالأمس، وها نحن أولاء في أواخر ديسمبر والموسم المسرحي لم يبدأ إلا منذ أيام، ويالها من بداية فاترة لا تبشر بخير ولا تسفر عن عظيم. ولا نرى من الفرق القديمة إلا فرقة رمسيس، ثم إن هناك فرقة دار التمثيل العربي التي ألفت هذا الموسم وما نظن أن العمر سيمتد بها كثيرا لفقرها المادي والمعنوي وان كنا نرجو مخلصين للأستاذ عزيز عيد كل توفيق ونجاح، فقد خدم المسرح في السنوات الأخيرة خدمات كثيرة لا شك في قيمتها ونفعها، ولقد كان وما يزال من أهم العوامل البارزة في المسرح.
وهذا الفشل الذريع الذي أصيب به المسرح يرجع إلى عوامل عدة، يتصل بعضها برجال المسرح أنفسهم، وبعضها بالحكومة والبعض الآخر بظروف لم يكن في الوسع التغلب عليها إلا بتضافر القوى والجهود وهو ما لم يحدث مع الأسف.
وأعتقد مخلصا ان رجال المسرح هم الذين يحملون العبء الأكبر من المسئولية في هذا الانحطاط الذي وصلت إليه حالة المسرح اليوم. وأذ أقول رجال المسرح إنما اعني في المقدمة مديري الفرق لأنهم الرءوس المفكرة والأيدي العاملة، ثم هم الممولون الذين يتحكمون في كل شيء بحكم سيطرتهم المإليه فعليهم تقع التبعة الكبرى، ولا مناص لهم من مواجهة الحقائق والاعتراف بخطئهم.
قام نزاع شديد بين النقاد وبين مديري الفرق حول تقدير ذوق الجمهور الفني وتذوقه لبعض الأنواع من الروايات وإقباله عليها. فمديرو الفرق يقولون أن الميلودراما هو النوع المفضل عند الجمهور وان الروايات الفنية التي يطلب النقاد تمثيلها، لا يتذوقها المتفرجون ولا يقبلون على مشاهدتها الإقبال الذي يضمن لمدير الفرقة نفقاته التي تكبدها فضلا عن الربح
стр. 2209
الذي ينتظره كغيره من أصحاب رءوس الأموال. وطال النزاع بين الفرقين وكل يصر على رأيه، على أن مديري الفرق اندفعوا يخرجون على مسارحهم الروايات الميلودرام المليئة بالمشاهد المفزعة، المثيرة للأعصاب، وحذرهم النقاد من مغبة الأمر ولكنهم مضوا في طريقهم غير آبهين لشيء.
والآن. . . ها هو الزمن يقول كلمته الحاسمة في الحكم على الفريقين أيهما كان أهدى سبيلا وأبعد نظرا، وهذا الفشل الذي مني به المسرح أخيرا دليل صادق وحجة قاطعة على إن مديري الفرق كانوا على ضلال، وان النقاد كانوا على حق في تحذيرهم. فلو أن الجمهور كان يتذوق حقا الميلودراما لكان مديرو الفرق اليوم من أثرياء العالم المعدودين، فقد ظلوا لا يخرجون إلا هذا النوع من الروايات، ولكان حال المسرح اليوم غير هذه الحال، ولكن هذا الفشل الذي أصيب به المسرح، وصيحات الاستغاثة التي يصم بها مديرو الفرق آذاننا، دليل قاطع على انهم لم يجدوا في الميلودراما كنز قارون الذي كانوا يتوهمون.
على أن جريرة مديري الفرق لم تقف عند هذا الحد فقد أبعدوا عن المسرح خير الكتاب والأدباء الذين خدموا هذا الفن الجليل منذ نشأته بأقلامهم وروايتهم فرفعوا من شأنه، ووجهوا أنظار الشعب إليه، وجعلوا له مكانة محترمة ومنزلة سامية في النفوس، وانفض هؤلاء الكتاب عن المسرح وما يزال مكانهم شاغرا إلى اليوم، وخسر المسرح بابتعادهم خسارة لا تعوض.
ومن الحق ان نذكر ان الحكومة ينالها من المسئولية فيما يصل إليه حال المسرح الشيء الكثير، فسياستها حياله كانت دائما سياسة ملؤها التردد والحيرة، وطابعها البارز الاضطراب والفوضى. فقد بدأت بأن أقامت مباراة للمثلين، ثم أوفدت أحد المبرزين فيها في بعثة فنية إلى أوربا؛ وكان المظنون أنها ستتبع هذه الخطة الحميدة في السنين التإليه، ولكنها عدلت عنها حتى اليوم وبقى الأستاذ زكي طليمات عضو البعثة الوحيد. على ان الوزارة عدلت عن طريقة المباراة السنوية وألفت لجنة تمر على دور التمثيل طوال السنة وفي نهايتها توزع مبالغ متفاوتة من المال على مديري الفرق وعلى الممثلين في حدود المبلغ المخصص لذلك.
стр. 2210
وقامت الوزارة بإنشاء معهد لفن التمثيل، ثم ما لبثت أن الغته واستعاضت عنه بما سمته قاعة المحاضرات، ووضعت في السنة الماضية شروطا دقيقة لتوزيع إعانتها السنوية على مديري الفرق ولكنها لم تتقيد هي نفسها بالشروط التي وضعتها.
ولا ننسى قبل كل شيء أن ننوه بالمبلغ الضئيل المخصص لاعانة المسرح المصري إذ لا يتجاوز عشر المبالغ التي تصرف على دار الأوبرا وتقدم للفرق الأجنبية التي تفد للتمثيل على مسرحها في موسم الشتاء.
من هذا، ودون أن ندخلفي تفصيلات دقيقة أخرى، نرى مبلغ التردد وعدم الاكتراث في سياسة الوزارة حيال فن التمثيل حتى هذه المبالغ الضئيلة التي تقدمها للممثلين كل سنة على سبيل (الإعانة) لم يكن لها أثر، لضآلتها أولا، ولان الوزارة لم تشرف على نفاقها ثانيا، ومن يدرينا لعلها صرفت في أغراض شخصية لا تتصل بالفن في كثير ولا قليل؟
ومن العبث على ما أرى أن نطيل الحديث مع الوزارة فأنها إلى اليوم لم تنظر إلى المسرح وإلى فن التمثيل نظرة جدية، وأغلب الظن أنها إذ تقدم هذه المبالغ الزهيدة لرجال المسرح في نهاية العام تقول: (إنما نطعمكم لوجه الله، لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) وما دام هذا هو يقين الوزارة فكل حديث معها عبث محض وضياع للوقت فيما لا طائل تحته.
بقيت بعد ذلك بعض الظروف الطارئة التي كانت عاملا من العوامل التي ساعدت على اشتداد أزمة المسرح، منها هذه الأزمة التي اكتسحت مصر في السنوات الثلاث الأخيرة وشدت عليها الخناق، ومنها طغيان السينما الناطقة ونجاحها هذا النجاح الباهر الذي نراه ونلمسه كل يوم، ثم رخص الأجور في دور السينما عنها في المسارح مع فخامة ما نراه هناك على الشاشة الفضية، وضآلة ما نشاهده هنا.
ولعل من اشد العوامل التي كان لها اكبر أثر في المستوى الذي هبط إليه المسرح إخراج الأفلام المصرية وما لاقته من النجاح والإقبال مما ساعد أصحابها على موالاة الجهود وزيادة الإتقان في العمل ولفت أنظار الآخرين إليها، حتى رأينا بعض مديري الفرق أنفسهم ينصرفون إلى هذه الناحية الجديدة ويخصصون لها من المال والجهد أضعاف ما ينفقون في مسارحهم.
والجهد الذي يجب أن يبذل للنهوض بالمسرح لابد من أن يتناول كل هذه النواحي التي
следующие страницы →