← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

البنين فهو أبني وعن الخدم فهو تابعي الأمين. وعن الحراس فهو حارسي الذي يبذل دمه في سبيلي. أتصدق أنني لا أعاشر سواه في منزلي. ثم نظر إلى كلبه وقال: - أوه جيمي أي لاف يو فري ماتش وكان بجواري شيخ معمم فسمعته (يمصمص) بشفتيه ويتمتم قائلاً: - لله في خلقه شؤون! ووقف الترام على إحدى المحطات ودخل العربة محمد أفندي زكريا الموظف ببنك الكومرسيال الإيطالي فسلم علي في بشاشة. ثم إلتفت إلى الحكيمباشي وقال: - أهلاً أسعد بك. في غاية الأشواق يا حبيبي. وتحدثنا برهةً في العموميات، ثم رأيت أسعد بك الحكيمباشي ومحمد أفندي زكريا يفتحان باب البحث في المسائل المالية. فسكت وأصغيت لهما. وأخذا يتعمقان قليلاً قليلا فلم أعد أفهم من كلامهما شيئاً. وكانت أمثال الكلمات. . الكامبيو والبورصة وسندات الشركة البلجيكية وأسهم البنك العقاري والرنت الفرنساوي تطن في أذني طنيناً مزعجاً، وارتسمت على وجه أسعد بك أشد مظاهر الاهتمام فوجدت عينيه تحملقان في وجه محدثه حملقة الجائع الشره، وطاقتي أنفه تتسعان كأنهما تستجديان الهواء. . . وأخيراً وصلنا الجيزة فسلم أسعد بك علينا ونزل لأنه كان يسكن في هذه البلدة. أما أنا ومحمد أفندي زكريا فتابعنا ركوبنا إلى الأهرام إذ كنا نرغب في تناول الشاي في (مينا هاوس) وملت على محمد أفندي وقلت له: - إن لصاحبك باعاً طويلاً في الأمور المالية. - إنه يا عزيزي يلعب بالجنيهات في سوق المضاربة كما تلعب الأولاد (بالبلى) - وهل يكسب؟ - لم أسمع مرة واحدة أنه خسر. ومرت الأيام وكثرت مقابلتي لأسعد بك في القهوة وتوثقت بيني وبينه روابط الصداقة. وأتضح لي أنه شخص غير مزعج كما توهمت قبل معرفتي إياه. فكان إذا رآني في ركني المعهود منكباً على كتابي أذاكر درسي أحترم عملي ولم يفتح فمه بكلمة. أما إذا لاحظ أنني

стр. 247

لا عمل لي دعاني إلى الجلوس معه. ولا أذكر أنه أكرمني بفنجان قهوة. أو قدم لي سيكارة واحدة. أما حديثه فكان سخيفاً ولكنه مسل للغاية. معظمه حكايات عن حياته الماضية في الجيش ونوادر عن كلبه لا تخلو طبعاً من مبالغات ومغالطات. وكان إذا تكلم عن كلبه لمعت عيناه بوميض غريب وخيل إليك أنه يتكلم عن ابن وحيد له وهبه كامل محبته وحنانه. وتغيبت بضعة أيام عن القهوة ثم عدت إليها فكان أول شئ لاحظته هو أن أسعد بك غير موجود. ولما جاءني غلام القهوة سألته عنه فلم يفدني شيئاً. وبعد قليل ظهر عويس ماسح الأحذية. وكان مسروراً يخبط بظهر فرشته صندوقه فسألته: - ما الخبر يا ولد؟ - خبر عظيم جداً يا بيه. - لقد أخذوا كلب أسعد بك في عربة الكلاب. - يا شيخ! - شاهدت ذلك يعيني رأسي. ونالني شئ من الأسف. ولكنني لم أهتم بالأمر كثيراً. وأعتقدت أنني سأرى في الغد صديقي وكلبه يحتلان ركنهما المختار في القهوة. وبعد انقطاعي بضعة أيام ذهبت إلى القهوة فوجدت أسعد بك وبحثت بعيني عن الكلب فلم أجده. وكانت عينا صديقي مربدتين حائرتين ووجهه محتقناً. وسلمت عليه فسلم علي في اقتضاب وصمت فلم أشأ أن أثقل عليه. وقصدت إلى مكاني وفتحت كتابي وبدأت دراستي ولكنني ما كدت أفعل حتى سمعته يتكلم في لهجة شرسة وكأنه يتحدى إنساناً أمامه قائلاً: يأخذون الكلب ويطلبون مني جنيهاً مقابل إطلاق سراحه! جنيه! هذا نصب، نهب. . إخص على دي مصلحة. وبصق بصقة كبيرة. ثم أتم كلامه. . . -. . مع أني أفهمتهم أني حكيم. . حكيمباشي الأورطة التاسعة التي قهرت العصاة في الأبيض ودارفور. رجل مقامي معروف وماضي مفعم بجليل الأعمال. مصلحة دون! لا تعرف أصحاب المقامات. . إخص. .!

стр. 248

وبصق بصقة أخرى. وكان يتكلم دون أن يلتفت ناحيتي. ولكني كنت متأكداً أن الكلام موجه إلي إذ لم يكن في القهوة غيرنا. فرأيت من باب المجاملة أن أعير حديثه اهتمامي. وقلت: - جميع مصالح الحكومة بايظة. فاحتد في كلامه وهو ينظر أمامه دائماً وقال: - الا هذه المصلحة. إنها ليست بايظة فقط. إنها غير موجودة. . . . . أتصدق أنهم يرفضون شهادتي الرسمية بأن الكلب غير مكلوب وأنه ليس من الكلاب الضالة، ويقولون أن الإجراءات يجب أتتبع مجراها. إجراءات؟ هه!. . سأريهم كيف تتخذ أمثال هذه الإجراءات معي ومع كلبي. سأريهم. .! وضرب بشدة على المائدة والتفت إلي هذه المرة وعيناه تشعان باللهيب وقال: - لقد أرسلت عريضة اليوم إلى وزير الحربية لتخلية سبيل كلبي في الحال. . في الحال. فأجبته على الأثر. - حسناً فعلت. وفي الغد سافرت مع فرقة من طلبة المدرسة إلى الصعيد وقضينا هناك أسبوعاً كاملاً نتنقل بين ربوعه متفرجين على آثاره العظيمة. وفي اليوم التالي لعودتي إلى القاهرة قصدت إلى قهوتي المعروفة. فرأيت عويسا جالسا القرفصاء على الأرض بجوار إحدى الموائد وأمامه صندوقه ينتظر زبائنه. فناديته وسألته على الفور. - ماذا جرى لكلب أسعد بك؟ فابتسم ابتسامة عريضة وقال: - تعيش أنت! - قتلوه؟ - منذ أربعة أيام. ألم يدفع أسعد بك المبلغ؟ - يدفع المبلغ! انه يرضى أن يدفع لهم عينيه! ولا يتجاوز لهم عن الجنيه. وشاهدت أسعد بك آتيا صوب القهوة يتوكأ على عصاه الغليظة ويسير في ثقل وإعياء، ولما

стр. 249

اقترب منيابتسم لي ابتسامة هزيلة وسلم علي ثم جلس. وأشار إلى المقعد الذي أمامه وقال: - تفضل اجلس جلست وبدأنا نتحادث في أمور تافهة. وكانت لهجته مهملة ونظراته فيها بعض الشرود. ولم يتكلم بكلمة واحدة عن جيمي فعلمت أنه لا يريد الخوض في هذا الموضوع. ثم خيم علينا صمت ثقيل فاستأذنت وقصدت إلى ركني. ومنذ ذلك الحين اختلت مواعيد أسعد بك ولم أعد أراه دائماً في القهوة كلما ذهبت. وغير عادته في فنجان القهوة السادة الذي كان لا يحيد عنه ولا يزيد عليه واستبدل به بضع كوؤس من العرق. وكان كلما ثارت الصهباء في رأسه اندفع يتكلم في إسهاب ممض وبصوت مرتفع كأنه يصرخ أو يشتم. وكانت موضوعاته دائماً لا تخرج عن سبهمصلحة الطب البيطري وسب العالم كله على السواء. كان يقول دائماً: - الدنيا كلها نهب في نهب. إخص بلا قرف. وبدأ يضيفني على شرب الزبيب معه ويقول لي: - لا تخش ضرراً. أنا حكيم. إن الزبيب مقو للدم وفاتح للشهية. أحسن المشروبات كلها. وأصبح مجلس أسعد بك لا يطاق. فلم أكن أنعم بتلك المحادثات المسلية. ولم يكن يتركني أذاكر دروسي في هدوء. بل كاندائماً يقلقني بصياحه المزعج ويضطرني إلى الإنصات له وتحبيذ كلامه. وكان إذا رآني مقصراً في الالتفات إليه جاء إلى مائدتي ونقل مشروبه إليها واحتل مقعداً بجواري وبدأ يسح بشكاياته وشتائمه. وحدث مرة أن جاء صاحب القهوة بحساب الشهر (وكان من عادة أسعد بك أن يدفع الحساب شهرياً) فأخذ الورقة من يد الرجل وألقى عليها نظرة عابسة ثم صاح في وجهه: - مائة قرش؟ جنيه! أما لصوص صحيح! لن أدفع هذا المبلغ ماحييت ودعك الورقة ورماهافي وجه صاحب القهوة. وأراد الأخير أن يتفاهم معه في لطف فأقترب منه ومعه الحساب وأخذ يوضح له عدد الطلبات التي طلبها. فدفعه أسعد بك بشدة وصاح. . - اذهب من أمامي لن ادفع شيئا. كلكم لصوص أولاد كلب. فأحمرت عينا صاحب القهوة وقال: - اللصوص وأولاد كلب يا حبيبي هم الذين لا يؤدون ما عليهم.

стр. 250

- اخرس! أتعرف من الذي تكلمه؟ أنا أسعد بك حكيمباشي الأورطة التاسعة في الجيش المصري. - وماذا يهم؟ أنا أريد نقودي. ليس هذا الجنيه كجنيه مصلحة الطب البيطري الذي لم تدفعه إنقاذاً لكلبك. هذا جنيه ثمن مشروبات جررتها من محلي. . ورأيت سحنة أسعد بك قد انقلبت وصارت كسحنة النمر الهائج وقال وصوته يرتجف: - ماذا تقول يا وقح؟ جنيه الطب البيطري! أتظن أنني قد بخلت بالجنيه في سبيل إنقاذ كلبي؟ أتجرؤ على هذا القول يا لعين؟ أنا أرضى أن ادفع مائة جنيه لا جنيها واحداً من أجله. . ولكنني لا أدفع للصوص أولاد الحرام، كلكم تستحقون ضرب الصرم، ورأيته يدس يده المرتجفة في جيبه في حركة شاذة ويخرج ورقة مالية من ذات المائة قرش وينهال عليها تمزيقاً في وحشية غريبة ويقول: - أتستطيع أن تقول إنني لا أستطيع أن ادفع جنيهاً. . ثم قام وأنشب أظافره في رقبة الرجل. وقامت بين الاثنين معركة حامية استدعيت من أجلها الشرطة. وساءت أحوال أسعد بكفلم أعد أراه الا مخموراً رثالهيئة ممزق الملابس. قوي الشبه بهؤلاء المشردين مدمني المخدرات الذين تراهم في الطرق يستجدون المارة. وكان لا يسكت لسانه عن النقود وبالأخص عن الجنيه الذي لم يدفعه إنقاذاً لكلبه، وكان يؤكد لي في حماس غريب أنه لم يدفع هذا الجنيه نكاية في مصلحة الطب البيطري وليفهمهم أنه ليس مغفلاً أو ضعيفاً. وكان يروي الحكاية لكل من يقع عليه بصره في القهوة أو في الطريق وهو يصيح ويهدد ويشتم. وإذا لم يجد من يكلمه رأيته يحدث نفسه محتداً وهو يلوح بيده في حركات شاذة. وانقلبمن شحيح متكالب على المال إلى مسرف متلاف لا تعرف يمينه ما تنفقه شماله. وسمعت أنه كثيراً ما يذهب إلى مصلحة الطب البيطري ليفدي الكلاب الضالة ويخرج لها رخصاً بمبالغ لا يستهان بها. وكان يحرضني دائماًعلى التبذير ويقول: - اصرف وبحبح على نفسك. وقابلت مرة محمد أفندي زكريا الموظف ببنك الكومرسيال فروى لي أخباراً مزعجة عن

стр. 251

أسعد بك قال: أنه يضارب الآن بجنون ويخسر خسائر فادحة. وحلت الإجازة السنوية وانقطعت عن زيارة القهوة ثلاثة أشهر كاملة ولما عدت إليها رأيت كل شئ فيها لم يتغير. وكانت مائدتي المختارة في موضعها بجوار الجدول تظلها أغصان الشجرة العتيقة. فكأنني لم أفارقها إلا منذ ثلاثة أيام. واستقبلتني الوجوه التي أعرفها كل بابتسامته الخاصة. وألتفت حولي مشرق الوجه وأنا أقول: - كل شئ كما هو! وبغتة قلت لعويس الذي كان يمسح مقعدي في هرج وسرور ويهيء نفسه لمسح حذائي. . - أين أسعد بك؟ فتوقف عن عمله ورفع بصره إلي وقد غابت ابتسامته وانقطع ضجيجه المرح وقال بلهجة قابضة: - ألم تسمع عنه شيئاً؟ - كلا - لقد أرسلوه إلى المارستان. كانت حالة المسكين في المدة الأخيرة عبرة. وكنت أنا الذي أعتني به. - ما هذا الكلام؟ - الحقيقة ما أرويها لك. - وهل يمكن أن نزوره في المارستان؟ ومد عويس صندوقه تحت قدمي وبدأ يمسح في هدوء. وقال في لهجة غريبة: - كلا يا سيدي لا تستطيع أن تزوره. . . لن تراه أبداً. . ونكس رأسه. . . فنكست رأسي أنا أيضاً وبدأت أستغرق في تفكيري الحزين.

стр. 252

قصة عراقية تريد أن تحب. . .؟ للأستاذ أنور شاءول الأستاذ أنور شاءول كاتب عراقي وشاعر غزلي رقيق يمارس المحاماة ويزاول الصحافة ويصدر مجلة (الحاصد) وهي أرقى المجلات الأسبوعية في بغداد. وهو ثاني إثنين أقاما القصة العراقية على قواعد من الفن الصحيح وله فيها كتاب الحصاد الأول. (الرسالة) فرغت من قراءة المقال وفي هذه المرة لم ترم المجلة بعنف ويأس شأنها كل يوم إنما وضعتها بلطف قرب وسادتها ثم مدت يدها تضغط على زر المصباح فساد الظلام. وفي حلكة الغرفة كانت عيناها مفتوحتين يلتمع فيهما بريق غريب. لم تستلم للنوم لأنها كانت تشعر بحاجة ملحة إلى الإنتباه والتفكير. عجباً أيمكن أن يكون شقاؤها الملازم قد أشرف على النهاية فتشرق شمس الغد ضاحكة وتقبل السعادة المفقودة لترتمي بين أحضانها؟ إنه مقال (في الحياة والحب والجمال) لا مثيل له فيما قرأته قبل يوم من تلك الفصول المطولة. أنه قطعة من وجد، فلذة من قلب بل هو حياة مثلى مصغرة لما حنت إليها بعد نكبتها قبل سنتين. ولكن هذا المقال لم يثر من اهتمامها قدر ما أثار منه كاتب المقال، ذلك اللوذعي القدير المتفنن ذو القلم الساحر الذي استطاع ما لم يستطعه قبله من أهاجة الجمرات الكامنة من أعماق صدرها. فمن هو هذا الكاتب؟ المقال مذيل بإمضاء ولكن الإمضاء لا يشير إلى شخصية حقيقية إنما هو من تلك الإمضاءات المستعارة المبتكرة. (سمير النجوم). ومن هو هذا سمير النجوم؟ وضغطت على زر المصباح فتفجرت الأنوار تغمر الظلمة وكانت المجلة في يدها فجلست متكئة على وسادتها وراحت تطالع المقال ثانية. وهي في كل فقرة من فقراته تستمهل النظر فتطلق لأفكارها الجامحة العنان. لم تعرف (م) كم مرة أعادت تلاوة ذلك المقال في تلك الليلة. ولم يكن ليهمها أن تعرف ذلك. وعندما دقت الساعة إثنين بعد منتصف الليل تذكرت أنها آوت إلى فراشها في منتصف الساعة الثامنة.

стр. 253

و (م) من هي؟ هي تلك الزنبقة التي ما كاد ثغرها يفتر في الحديقة الغناء فتمتص الندى وتتشرب العصير وتستحم بأنوار الشمس حتى قطعت عنها الطبيعة مجاري المياه فراحت تشكو العطش وتحذر الهلاك!. هي الزوجة الحسناء بالأمس المترعة الكأس سعادة قدسية، الأرملة البائسة اليومالممتلئة الجوانح شعوراً غريباً علوياً!. يا للجمال الرائع تلامسه يد الأسى بأصابعها النارية! يا للقلب الفارغ بعد امتلاء تتسرب إليه الوحشة والحنين بين الذكريات الوامضة الجميلة! ويا ليالي الشتاء ما أطولها وما أقسى بردها على هذه الحمامة الوحيدة الوادعة! توفي زوج (م) ولم يمر على زاوجهما أكثر من عام فخلف شريكة حياته ولا سلوى لها سوى طفلة في مهدها وذكريات طيبة مشوبة بمرارة الفراق الأبدي. من الذي سيبادلها الحديث الحلو؟ الابتسام؟ القبلات والعناق؟ ومن سيشاطرها الحياة شهورها وسنيها؟! أحبت وحيدتها شأن كل أم وأفرطت في الحب ولكن هذا الإفراط ما كان ليخفف من مصابها بشريك حياتها. ومرت الأيام والأشهر وتصرم عام وبعضه و (م) تستهدف سهام الحياة. فتتألم ذلك الألم الأخرس الذي يجيش في نفس جريح خانته قواه فما استطاع كلاماً حتى ولا أنينا!. سل الوسادة عما بللها من دمعها الغزير في ظلمات الليل! سل النجوم عما تصعد إليها من حسرات على أجنحة الرياح! وسل المرآة الصافية عما صوب إليها من نظرات حزينة! ومن خلال لآلئ الدموع كانت عيناها تنظران بخيلاء كسير إلى الجمال المضاع. - إنني ما زلت حسناء. . . جاذبيتي ما زالت ثائرة. . . وقلبي فارغ. . . هل سيظل هكذا. . .؟ ولماذا يظل هكذا. . . . . .؟ تجول هذه الأفتكارات وأشباهها في رأس (م) فلا تلبث أن ترتمي على كرسي قريب وتجهش بالبكاء. فإذا ما دنت إليها طفلتها تصيح (ماما) انقلبت من البكاء للضحك ومن الإجهاش للقهقهة، وبقي شيء لم يتغير هو الألم الممض في قلبها الوديع. (أريد أن أحب). . وحي علوي هبط على نفس (م) هبوط قطرات الطلعلى الزهرة العطشى

стр. 254

ولامس كل عاطفة من عواطفها ملامسة لفحة الموقد للجسم البارد ولكن أين من تحب؟ ومن هو؟ وكيف الحصول عليه؟. شاب في مقتبل العمر، ممشوق القوام، ضحوك الوجه، براق العينين؛ جرسي الصوت؛ محبوب المعشر؛ مثقف؛ ذكي؛ ذلك من كانت تبحث عنه أو تحاول أن تبحث عنه (م) ليملأ فراغ قلبها الفتي. ولكن أين نجده ومجتمعنا من القساوة بحيث يراقب منها الحركات والسكنات ويحصي عليها حتى أنفاسها. طريقها طويلة شائكة فهل تسير وهي حافية القدمين أم تنكص الأعقاب؟ (أريد أن أحب) كانت وحياً هابطاً ما أن له مرد. بعد تفكير أيام بلياليها وصلت إلى أن بإمكانها أن تحب أحد كواكب السنما، وكواكب السنما كثيرون تتمتع بجمالهم وأصواتهم في السنما الناطق كل أسبوع، فما عليها إلا أن تحب أحدهم مثال روبرت مونتكومري أو كلارك كابل أو موريس شفاليه أو جاك بوكانان أو شارلس فارل أو رامون نوفارو أو أي كوكب آخر تقبل على إقتناء صوره ومشاهدة أفلامه وقراءة أخباره وتتبع كل أثر من آثاره. وهي فكرة جميلة تخفف من لواعجها ولكنها لا تطفئ أوار قلبها! إنها في حاجة إلى حب حقيقي، فلتبحث عن أمنيتها في غير هذه السبيل. - لماذا لا تطالع الروايات العصرية التي ما زال أشخاصها أحياء يرزقون! فإذا ما تملك إعجابها بطل ما فلتبحث عنه عساها تصل إلى معرفته والانتصار عليه فتفوز به وعلى رأسها إكليل (كيوبيد) وإلى جانبها عشيقها العزيز المغلوب! فكرة جميلة جداً حاولت أن تخرجها إلى حيز الوجودفقرأت أكثر من خمسين رواية فلم تظفر بمطمح أنظارها وأفكارها فأشاحت بوجهها حزينة ولهى! وكومضة البرق الخاطف تحت جنح الظلام خطر لها خاطر أنست إليه ورأت فيه مخرجاً لهاً من هذه الحالة الأليمة، هو أن تبحث عمن (تريد أن تحب) في الجرائد والمجلات المحلية منها بوجه خاص، ففي هذه الصحف يكتب العشرات من الكتاب والقصصيين والشعراء فما عليها إلا أن تطالعها بانتظام حتى تعثر على ضالتها المنشودة. مقالات! قصائد من الشعر المنظوم أو المنثور! كلمات مأثورة لا يحصى لها عدد! هذا سياسي؛ ذلك أديب؛ الآخر عالم. ألا إنهم كثيرون؛ كثيرون جداً ولكنهم على رغم كثرتهم لم

стр. 255

يثر واحد منهم كامناً في نفس (م) فكانت تطالع ما ينشرونه ثم لا تلبث أن ترمي الصحيفة جانباً ثم يتملكها شعور هو أقرب إلى النفور منه إلى سواه. حتى كانت تلك الليلة السعيدة التي وقع نظرها فيها على مقال (سمير النجوم) في الحياة والحب والجمال فتنفست الصعداء وبرقت أسارير وجهها وخفق قلبها خفقة غريبة لم تستطع (م) تأويلها إلا بأنها عثرت على من تريد أن تحب. والمجلة التي نشرت مقال (سمير النجوم) أسبوعية كانت (م) تشتريها صباح كل أحد من بائع الجرائد المجاور لدارها أما اليوم فقد كتبت إلى إدارة المجلة ترجو أن تعدها مشتركة في ثلاث نسخ أرسلت بدل الاشتراك السنوي عنها سلفاً. وكان نهار الأحد التالي فصدرت المجلة، ويا لحزن (م)! فهي بعد انتظار أسبوع كامل كان أطول من عام لم تقرأ شيئاً لـ (سمير النجوم) ويا لوحشة القلب! (أريد أن أحب) وحي أخذ يتجسم مفعوله في نفس (م) يوما فيوما باعثاً الأمل في أعماقها؛ وفي الأسبوع الرابع قرأت ودمع الفرح تترقرق في أجفانها مقالاً ثانياً لسمير النجوم عنوانه (السعادة، الزواج والمال) فكان له أثر عميق في نفس (م) فأعادت قراءته ثانية وثالثة ورابعة حتى أوشكت أن تحفظه عن ظهر قلب. وفي الأسبوع التالي نشر (سمير النجوم) قصيدة في ٢١ بيتاً بعنوان (قلبي. .) كل بيت من أبياتها يسيل رقة وجمالاً، فكررتها (م) حتى حفظتها كلها وراحت تتغنى بها صباح مساء. وظلت (م) تتعقب آثار (سمير النجوم) عشيقها؛ مثلها الأعلى، معبودها، فتلتهمها التهاماً ولا تقرأ سواها. وفي أحد الأيام فكرت حقاً في الأمر وارتأت أن عليها أن تعمل عملاً جازماً في هذا الشأن فتقول لسمير النجوم وجهاً لوجه (أني احبك. . احبك إيه الكاتب القدير. . احبك أيها الفتى الجميل. .) فكيف تصل إلى ذلك؟ وأجهدت فكرها وإذا بوحي الحب يهبط فيلهمها أن تدعو (سمير النجوم) (برسالة تبعثها إليه بواسطة المجلة) لتناول الشاي لديها في مساء الثلاثاء القادم. ما أبدعها فكرة مصيبة سهلة التنفيذ.! وفي هدوء الليل جلست إلى مكتبها تحبر الدعوة إلى سمير النجوم وكان القلم يرتجف بين أناملها فتكتب وتشطب وتمزق ثم تكتب وتشطب وتمزق ثم تعود فتكتب وتشطب وتمزق. . هذه كلمة خشنة. . هذه جملة مفككة. . هذا تعبير غير صحيح. . وأخيراً استقرت على أن

стр. 256

تكون الدعوة كما يلي: (أنا إحدى المعجبات بكتاباتك الفياضة بالروح. أتشرف بدعوتك إلى تناول الشاي في داري الواقعة. . . في الساعة الخامسة زوالية من عصر الثلاثاء القادم. أهلاً بك منذ الآن). قرأتها ثانية وثالثة فأعجبتها، عند ذلك وضعتها في غلاف معطر وكتبت عليه: إلى الكاتب المحترم سمير النجوم - بواسطة مجلة. . . الغراء. وحين استلقت على فراشها أرادت أن تقرأ الرسالة للمرة الأخيرة قبل أن تلتحف فتناولتها وتلتها بصوت عال كأنها تريد أن تتحسس موسيقى نبراتها فصدمتها منها الجملة الأولى (أنا إحدى المعجبات) لا. . لا لا. . يجب أن تكون هكذا (أنا معجبة ألخ. .) لماذا أتحدثإليه عن إعجاب الغير؟ ونهضت إلى مكتبها تعيد تبييض الرسالة وبعد هنيهة كانت تساورها الأحلام الجميلة. بعد ثلاث ساعات يأزف الموعد. كل شئ منظم بذوق سليم. الأواني، الطنافس، الوسائد، الصور، في وسط الغرفة رسم لها كبير يريك ثديها الأيمن تغطيه ملاءة حريرية شفافة، مجموعات الرسوم الفنية، الراديو غرامافون، السكاير، العطور. ما أعظمه يوماً في التاريخ.! لم يبقى إلا ساعتان لم يبق سوى ساعة ونصف! ساعة واحدة فقط. . ثلاثة أرباع الساعة. . نصف ساعة. . ربع ساعة. . ما لقلبها يدق سريعا سريعا. .؟ ما لها لا تستطيع الثبات على المقعد. .؟ إنها تروح وتغدو كأن في صدرها ناراً تحركها. . بقي عشر دقائق. . تسع. . سبع. . وأحست بقلبها كأنه يريد أن يتحرك من مقره وبصدرها يعلو ويهبط. . وبأفكارها وأنظارها زائغة لا تستقر على قرار. تن. . تن. . تن. . تن. . تن دقت الساعة خمسة فطرق الباب على الأثر فهرولت تستقبل سعادتها المنتظرة. فتحته قليلاً وهي تقول بصوت عذب متقطع. تفضل!

стр. 257

فدخل سمير النجوم يتوكأ على عصاه. . كان شيخاً تجاوز الستين، محدودب الظهر، غائر العينين. . . . . . - مساء الخير سيدتي. . - تفضل!! وأومأت إليه أن يدخل غرفة الاستقبال وركضت إلى غرفتها فارتمت على فراشها تبكي بكاء الأطفال. . . أنور شاءول المحامي. بغداد

стр. 258

رحلة إلى دير طورسينا للأستاذ الدمرداش محمد. مدير الامتحانات والسجلات بوزارة المعارف ١ كنا تسعة من الرفاقمن شعوب مختلفةجمعتنا المصادفات فأحسسنا رغبة مشتركة للقيام برحلة إلى قلب شبه جزيرة طور سيناء لزيارة ديرها الشهير (دير سانت كاترين) فاتفقنا على تنفيذ الرغبة رغم ما تنطوي عليه من مشقة ومتاعب جمة ولكنها كانت رغبة ثائرة دفعتنا إلى العمل بحماس شديد ساهم فيه الشباب منا والكهل والشيخ على حد سواء. وبعد أن استكملنا عدتنا من مرافق السفر والإقامة وتزودنا بكل ما يلزمنا من معلومات وخرائط. استأجرنا أربع سيارات من نوع معروف بالمتانة ومقاومة الصدمات والرجات العنيفة. ثم جعلنا إحداها لحمل المعدات والأخريات لركوب الجماعة. تستغرق هذه الرحلة عادة أسبوعاً كاملاً ثلاثة أيام في الذهاب ويومين في الإقامة والتفرج على الدير ومثلهما في العودة، هذا إذا لم تصادفك عراقيل في الطريق ولكن كثيراً ما يضيع على المسافر يوم أو بعض يوم في إصلاح ما قد تصاب به سيارته من عطب أو في إنقاذها من ورطة، فقد تغوص عجلاتها في الرمل ولا يتيسر إخراجها منه إلا بجهد ومشقة، وتعتبر الكثبان الرملية من أكبر معطلات الانتقال السريع في الصحراء. وهي تعترض الطريق في كثير من الجهات، وكذلك جلاميد الصخر وهيمنتشرةفي كثير من الوديان ومجاري السهول، الا أنها أقل خطورة من الكثبان. والمسافة بين القاهرة والدير نحو ٤٢٥ كيلو متراً يقطعها المسافر عادة في ثلاثمراحل من القاهرةإلى السويس، والمرحلة الثانية إلى أبي زنيمة على خليج السويس، والمرحلة الثالثة من أبي زنيمة إلى الدير. غادرنا القاهرةبعد ظهر يوم الخميس ٢٣ أبريل ١٩٣١ بساعتين قاصدين السويس عن طريق الصحراء، فوصلناها في الأصيل وبتنا فيها. وفي اليوم الثاني عند الفجر عبرنا قنال السويس إلى الضفة الشرقية عند نقطة الشط، وبعد أن فحصنا سياراتنا ورتبنا معداتنا انطلقنا نسير نحو الجنوب في طريق رملي منبسط (وعن يميننا خليج السويس وعن يسارنا تلال تتدرج في الارتفاع كلما

стр. 259

بعدت عنا نحو الشرق) وبعد ساعة من الشط مررنا بعيون موسى وهي عبارة عن واحة صغيرة قريبة من الخليج خالية من السكان وبها عين ماء راكدة ونخيل وبعض أشجار أخرى. وعند الظهر قطعنا وادي الغرندل. وهو واد عريض يسير من الشرق إلى الغرب، كثير الشجيرات، وافر الكلأيتوسطه مجرى من الماء العذب. وبعد وادي الغرندل تتغير طبيعة الطريق فيصير صخريا في كثير من أجزائه كثير التعاريج والالتواءات بين انخفاض وارتفاع، وتقوم في جهته الغربية سلسلة من جبال عالية تحجب البحر ونسيمه. وقبيل العصر برزت أمامنا جبال المنجنيز بلونها الأدكن وعلوها الشاهق. وبعد أن مررنا بوادي الطيب وهو كوادي الغرندل كثير الماء، أنعطف الطريق نحو الغرب وبعد أن اجتزنا مضيقاً بين جبلين، انحدرنا نحو البحر إلى سهل واسع مواز للخليج تقع أبو زنيمة في طرفه الجنوبي وعلى مرفأ صغير للسفن وهي عبارة عن قرية صغيرة بها منشئات شركة المنجنيز ومستودعاتها ومساكن الموظفين والعمال ومسجد ومدرسة أولية ونقطة بوليس ومكتب للبريد والتلغراف ودكان صغير (كانتين) قد يجد فيها المسافر بعض ما يلزمه كالأطعمة المحفوظة والبنزين والسجاير، وبالقرب من الدكان المذكورة مستودع للماء العذب الذي يؤتى به من السويس في البواخر والشركة تعطيه للمسافر من غير مقابل. كان وصولنا إلى أبي زنيمة قبل الغروب بساعة فلم نشأ المبيت بها بل تابعنا السير والطريق بعدها لمسافة ليست قصيرة ضيق يسير فوق صخور عالية تشرف على البحر من جهة وتحف بها الجبال من الجهة الأخرى، وعند الغروب وصلنا إلى نقطة بوليس لخفر السواحل واقعة على البحر تبعد عن السويس نحو ١٥٤ كيلومتراً فبتنا بالقرب منها. وفي صباح اليوم الثالث تابعنا السير جنوباً في الطريق المؤدي إلى الطور مبتعدين عن الطريق الشرقي للدير لكثرة رماله الناعمة وهو الذي تسلكهعادة سيارات مصلحة الحدود. وعند الظهر وصلنا إلى نقطة تفرع منها طريقيتجه شرقاً وهو طريق وادي فيران الموصل إلى الدير فتبعناه وبعد ساعة (وكان تقدمنا بطيئاً جداً لليونة الأرض وكثرة الجلاميد بها) دخلنا وادي فيران العظيم، وهو من أجمل الوديان التي شاهدتها. طوله نحو ١٢٠كم، كثير التعاريج وجباله جرانيتية شاهقة ذات ألوان متعددة بين أبيض وأسود وأحمر، وجوانبها

стр. 260

تكاد تكون رأسية وقممها مخروطيةتناطح السحاب والوادي كثير العشب والخيرات. وتقع واحة فيران في منتصفه طولها نحو أربعة كيلومترات، يرويها نبع من الماء الزلال يتفجر من جوانب الصخر، ويسيل في مجاري تتخلل بساتين الواحة وترويها، والواحة عامرة بالناس والحيوان والمزروعات والحشائش، ففيها من الحيوانات الجمل والغنم والماعز، ومن المزروعات القمح والشعير والبقول، ومن الأشجار النخيل والليمون المالح والتفاح والنبق والتين والزيتون والسرو والعنب والصبير وغير ذلك من الأشجار البرية التي لا أعرف لها أسماء. كان وصولنا إلى الواحة قرب الغروب بساعة فنزلنا ضيوفاً على الحديقة التابعة للدير وبتنا تلك الليلة بها، وقد رحب بنا الراهب المشرف على الحديقة وزاد في إكرامنا فهيأ لنا عشاء شهياً مركباً من شاة مشوية وبعض البقول المطبوخة والفواكه المحفوظة. وبعد العشاء جلست إلى الراهب أستمع لما يقول وهو من أصل يوناني يتكلم العربية برطانة ولكنها مقبولة مفهومة قال: جئت هذه الواحة موفداً من قبل المطرانية منذ ستة عشر عاماً وكنت قد جاوزت الستين فوجدت فيها ما كنت أنشده من العزلة وطيب الإقامة ولا يزيدني مرور الأيام إلا التصاقاً بها ومحبة فيها وقد عشت مع هؤلاء البدو الطيبين عيشة عائلية لم تشب عشرتنا طول هذه المدة أي شائبة، وكل ما أتمناه أن تكون حجرتي الصغيرة هذه (مشيراً إلى حجرة تتوسط الحديقة) وهي التي آوتني طول هذه السنين في قيظ الصيف وزمهرير الشتاء، أتمنى أن يكون فيها لحدي كذلك. ثم سكت وأطرق برأسه، وبعد أن تثاءب طويلاً أخذ يرتل نشيداً دينياً بصوت خافت ونغمة عذبة شجية طربت لها واهاجت عواطفي حتى كدت أبكي ثم اتجه إلى ناحية في الحديقة ودعانا نرقب الهلال من ربى سربالة فكان مشهداً لم أر أجمل منه. ومظهر الحديقة وحسن تنسيقها يدلان على ما يبذله هذا الشيخ من عناية ومجهود، ويقوم على خدمتها جماعة من البدو بإرشاده وله عندهم مكانة واحترام، وهو يعيش بينهم آمناً مطمئناً ويعيشون في كنفه مسالمين قانعين، وهو المتصرف في شئون النبع فلا يسمح لبساتين الأهالي من مائه الا بما يزيد عن حاجة حديقته. ويشرف على الواحة جبال سربالة بجدرانها القائمة وقممها الضاربة نحو السماء برؤوس مخروطية كالسهام. وقد شاهدنا بين

стр. 261

الربى مبان قديمة قيل لنا أنها منازل رومانية أثرية ومن بينها صوامع للرهبان. وفي صباح اليوم الرابع تابعنا السير بين مناظر طبيعية رائعة خلابة وكان تقدمنا بطيئاً كاليوم السابق لتصعيد الطريق وقبل الظهر مررنا بقبة على ربوة بجانب الوادي قيل لنا أنها مقام نبي الله صالح ﵇ وبعدها تغيرت معالم الوادي واتجهنا نحو الجنوب ثم مال بنا الطريق نحو الشرق وارتقى بنا في واد شديد الانحدار، وهناك في أحضان جبال ثلاثة وعلى ارتفاع ألف متر من سطح البحر أو يزيد، ظهرت لنا حديقة الدير بأشجارها الباسقة ومن خلفها الدير نفسه رابضاً عند سفح جبل موسى كالحصن ثابت الأركان عالي الجدران تعلوه المنازل والأبراج.

стр. 262

النقد لاتينيون وسكسونيون لم أحب أن تنتقل المناقشة بين الأستاذ العقاد وبيني من نقد اللاتينية والثقافة السكسونية. ولست أحب أن تنقل هذه المناقشة إلى هذا الموضوع. ولست أريد ولا أستطيع أن أجاري العقاد في المفاضلة بين هاتين الثقافتين. ذلك لأني أحب هاتين الثقافتين جميعاً وأوثرهما جميعاً وأريد أن أتثقف بهما جميعاً بل أريد أن أتثقف بكل ثقافة أستطيع أن أصل إليها وأن أظفر منها بحظ سواء كان ذلك من طريق القراءة في النصوص الأولى أو من طريق القراءة في التراجم. وإذا كنت أشكو شيئاً أو أضيق بشيء فهو أن قدرتي ووقتي لا يسمحان لي بأن أقرأ كل شئ، وأن آخذ من كل ثقافة بطرف قوي أو ضعيف طويل أو قصير. ولم أفهم قط مناقشة في تفضيل ثقافة على ثقافة أو إيثار ثقافة على ثقافة بالقياس إلى أديب كالأستاذ العقاد، أو إلى رجل مثلي كل همه أن ينتفع ما استطاع بالثقافات الإنسانية على اختلافها. بل أذكر أن مسألة الثقافات المختلفة قد فرضت نفسها فرضاً في بعض الأوقات حين كنت أستطيع أن أوجه التعليم في بعض البيئات المصرية بعض التوجيه: فكرهت دائماً أن أؤثر ثقافة على ثقافة، ووقفت دائماً موقف الخصومة العنيفة من الذين كانوا يريدون أن يفرضوا على مدارسنا الثقافة اللاتينية أو الثقافة السكسونية، ودعوت وسأدعو دائماً إلى أن تكون مدارسنا وجامعاتنا ملتقى لأعظم حظ ممكن من الثقافات، وأن يترك للطلاب وأسرهم حق الاختيار بين هذه الثقافات. وقد دعوت وسأدعو دائماً إلى ألا تفرض على طلابنا وتلاميذنا لغة بعينها من لغات أوربا الكبرى، وإنما تدرس هذه اللغات الكبرى كلها في المدارس ويختار منها الطلاب وأسرهم ما يشاءون. وحجتي في ذلك أن للثقافات كلها قيمة خصبة وأن منفعتنا الصحيحة إنما تتحقق يوم نأخذ منها جميعاً بحظوظ مختلفة فلا نكون أسرى الإنجليز ولا أسرى الفرنسيين ولا أسرى الألمان وإنما نكون مصريين قبل كل شئ يأخذون بحظهم من الثقافات الحية حسب أمزجتهم ومنافعهم وحاجاتهم وطاقاتهم أيضاً. وإذا كان هذا

стр. 263

مذهبي في الصلة بيننا وبين الثقافات الحية فمن غير المعقول أن أجادل في تفضيل ثقافة على الأخرى، والذين قرءوا الفصل الذي كتبته في الرسالة يذكرون أني لم أوثر اللاتينيين على السكسونيين ولم أفضل هؤلاء على أولئك، وإنما أنكرت وما زلت أنكر على الأستاذ العقاد زعمه أن النقاد اللاتينيين يؤثرون الظواهر والأوضاع الاجتماعية ويتتبعون النكت ومراسم الصالونات على حين يعنى النقاد السكسونيون ببساطة الطبيعة وبالرجل من حيث هو رجل. هذا بالضبط هو موضوع الخلاف بين الأستاذ العقاد وبيني. ويسرني أن الأستاذ قد برئ في الفصل الذي كتبه رداً علي من أن يكون قد أراد أن يعم اللاتينيين كلهم بهذا الحكم. فهذه البراءة في نفسها إنصاف لهؤلاء النقاد اللاتينيين اللذين جنى عليهم مدحالأستاذ أنطون الجميل لشعر شوقي ﵀. وليس الدفاع عن النقاد اللاتينيين تعصباً لثقافتهم اللاتينية أو تنكراً لثقافة السكسونيين وإنما هو العلم ينبغي أن يقر الأشياء في نصابها. وليس من الحق بحال من الأحوال أن نقد اللاتينيين كله أو أكثره أو نصفه أو ثلثه كما أراد الأستاذ العقاد أن يصوره؛ وإنما النقد اللاتيني كان دائماً وما زال نقداً جدياً يقصد إلى طبيعة الكاتب أو الشاعر في بساطتها. ويقصد إلى الرجل من حيث هو رجل، وقد يصطنع في ذلك التأنق والظرف ولكن ذلك ليس عيباً له ولا غاضاً منه وإنما يعيبه ذلك ويغض منه لو لم يكن في النقد اللاتيني إلا تأنق وظرف؛ فأما وفيه بحث وتحقيق، فأما وفيه التماس لطبيعة الكاتب والشاعر في بساطتها. فقد يكون التأنق والظرف شيئاً لا بأس به ولا معنى للزهد فيه. وعجيب جداً من الأستاذ العقاد أن يكره الاعتراف بأن النقد الحديث كله يقوم رغم تطوره واختلاف المذاهب الحديثة فيه على الثقافة الأدبية اليونانية واللاتينية وعلى ما شرعه ارسططاليس في كتاب الخطابة والشعر من أصول البيان. غريب جداً كره الأستاذ العقاد لهذه الحقيقة. فأن العقل الأوربي كله مهما تكن بيئته ومهما تكن جنسية أصحابه ومهما يكن حظه من التطور وليد العقل اليوناني الروماني سواء رضينا أم كرهنا. ولست أدري لماذا يقبل الأستاذ العقاد أن تكون طبيعة ارسططاليس ومنطقه وإلهياته ورياضيات اقليدس أصولاً لطبيعة الأوربيين المحدثين ومنطقهم وإلهياتهم ورياضياتهم ولا يرضى أن يكون نقد

стр. 264

اليونانيين والرومانيين أصلاً للنقد الحديث، مع أن اتصال الأدب الحديث بالأدب اليوناني واللاتيني مازال أقوى وأشد وأمتن من اتصال العلم الحديث بالعلم اليوناني. ولست أدري لم يرضى الأستاذ العقاد أن يكون تفكير اليونانيين والرومانيين في السياسة والتشريع أصلاً من أصول التفكير الأوربي الحديث في السياسة والتشريع ولا يؤمن للنقد بمثل هذه الصلة؟ أم هل الأستاذ العقاد ينكر أن يكون بين العقل الأوربي الحديث وبين العقل اليوناني الروماني صلة ما بين الأصل والفرع؟ فأن كان هذا مذهبه فليس من السهل أن نلتقي أو أن نتفق، بل ليس من السهل أن يلتقي الأستاذ أو يتفق مع الأوربيين أنفسهم. ومن الذي يزعم أن رقي النقد الحديث وبعد ما بينه وبين أصله القديم يقطع الصلة بينهما؟ وما عمل التطور إذن في حياة الأحياء؟ وهل بيننا نحن المتحضرين المترفين وبين آبائنا الذين كانوا يسكنون الكهوف والأغوار ويهيمون في الأحراش والغابات صلة! أم هل نحن قوم قد خلقنا أنفسنا وابتكرناها ابتكاراً؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يوافق الأستاذ العقاد على أن النقد لا يمكن أن يكون علماً يذكر قبل أن يوجد علم النفس الحديث؟ أما أنا فلا أعرف أن النقد علم ولا أحب له أن يكون علماً وإنما أرى كما قلت في غير هذا الموضع أن يكون النقد مزاجاً من العلم والفن وهو على هذا النحو قد وجد منذ عهد بعيد، وجد منذ كان السفسطائيون يعلمون الناس في صقلية وأثينا صناعة الخطابة وفن الجدل. وجد حين كان أرسطوفان يوازن بين ايسكولوس وايروبيدس أمام النظارة من اللاتينيين وهو يمثل لهم قصة الضفادع أو عيد سبرس، وجد حين وضع ارسططاليس فن الخطابة وفن الشعر وأستمر في روما عند سيسرون وعند خلفائه من نقاد الرمان، ووجد ذلك عند العرب. ووجد عند الأوربيين المحدثين قبل أن يوجد علم النفس الحديث. إنما الذي نستطيع أن نوافق الأستاذ عليه هو أن هذه الفنون من النقد القديم قد أصبحت الآن لا ترضينا ولا تغنينا كما أصبحت طبيعة ارسططاليس وطب ابن سينا وفلك جالينوس لا تعجبنا ولا تغنينا، ولكن هذا الشيء وما يذهب إليه الأستاذ العقاد شيء آخر. أما أنا فاعتذر إلى الأستاذ من أني لا أستطيع أن آخذ الأشياء هذا الأخذ السهل الهين القريب ولا أن اقف بها عند أصولها القريبة وإنما أحب أن أتبعها وأن اتبعها إلى ابعد ما أستطيعأن اصل إليه من الأصول، وقد يكون ذلك عيباً من عيوب الثقافة العربية التي نشأت عليها أو من عيوب الثقافة اللاتينية التي تأثرت بها

стр. 265

ولكني حريص على هذا العيب لأني أراه الأصل الصحيح لكل بحث علمي له صبغة من الجد. ولست أشك في أن الأستاذ العقاد نفسه حريص على هذا العيب لأن الثقافة السكسونية تكبره أشد الإكبار ويخيل إلي أن قد كلن سكسونيا ذلك الرجل الذي لم يرضه أن ينتهي بالإنسانية إلى آدم فترقى بها أو تنزل في طبقات الحيوان الأخرى. ولست أدري لم نقر دروين حين يرد الناس إلى القردة ولا نقر الأديب الذي يرد النقد الحديث إلى نقد ارسططاليس؟ وبعد فأيهما أنشأ صاحبه: أهو علم النفس الذي انشأ النقد أم هو النقد الذي انشأ علم النفس الحديث؟ مسألة غريبة بعض الغرابة لأن المعروف أن علم النفس فرع من فروع الفلسفة قد تطور حتى أصبح الآن علماً تتناوله المعامل بالدرس والتحليل، والنقد فن من فنون الأدب. ومع ذلك فهذه الغرابة لا تثبت إذا فكرنا في أن هذا النقد إنما هو تحليل للآثار الأدبية وإن هذه الآثار الأدبية إنما هي صور لنفوس الأدباء الذين أنشئوها لنفوس القراء الذين استمتعوا بها. فدراسة الآداب دراسة للنفس الإنسانية. وليست هذه الفكرة جديدة ولا عصرية وإنما هي قديمة جداً عليها أعتمد ارسططاليس في كتاب الخطابة والشعر وعليها أعتمد العرب أنفسهم في فنون البيان. ومن المحقق الذي لا شك فيه أن الدراسات النقدية التي نشرها (سانت بوف) قد أعانت جداً على تكوين علم النفس الحديث. ومن المحقق الذي لا شك فيه أن (تين) كان ناقداً ولكنه ألف كتاب العقل الذي لا يزال له خطره العظيم في علم النفس الحديث. فليس وجود النقد الحديث نتيجة لنشأة علم النفس، وإنما النقد مؤثر جداً في نشأة علم النفس ومتأثر جداً بهذا العلم، وكلاهما قديم وضع اليونان أصوله الأولى. وأنا معتذر إلى الأستاذ العقاد من الرجوع دائماً إلى اليونان فقد أراد الله أن نرجع إليهم دائماً كل ما أردنا تاريخ مظهر من مظاهر الحياة العلمية أو الفنية أو الأدبية. وهنا أريد أن أعاتب الأستاذ العقاد عتاباً رفيقاً. فقد زعم الأستاذ أن (سانت بوف) لا يشهد لمذهبي في نقد اللاتينيين، وإنما يشهد لمذهب الأستاذ لأنما في (سانت بوف) من مزايا راجع إلى تأثره بالثقافة السكسونية والدم السكسوني. ذلك أن أم سانت بوف من أصل إنجليزي وأنه كان يؤثر الشعر الإنجليزي على الشعر الفرنسي في بعض الفصول التي كتبها عن الإنجليز، وفي بعض رسائله الخاصة.

стр. 266

أما أن (سانت بوف) كان يؤثر الشعر الإنجليزي على الشعر الفرنسي فذلك شيء مشكوك فيه جداً لأن (سانت بوف) لم يكن يؤثر شيئاً أو قل كان يؤثر كل شيء أو قل ان أردت التحقيق أن أخص ما يمتاز به هذا الناقد العظيم أنه كان شاكاً مسرفاً في الشك يقر اليوم شيئاً ويعدل عنه غداً ويجوز أن يرجع إليه بعد غد. ولقد أراد (أميل فاجيه) أن يشخص عقلية (سانت بوف) فقال أنه لم يؤمن بشيء ولم يقتنع بشيء ولم يؤثر شيئاً على شيء حتى حين أعتنق الكاثوليكية في الدين والرومنتسم في الأدب، وخدع عن نفسه زعماء الدين حتى هم (لامنيه) أن يستصحبه إلى روما، وزعماء الرومنتسم، حتى فتن عظيمهم (فيكتور هيجو). كان (سانت بوف) إذا عني بشيء جديد من شعر أو نثر أو تاريخ فتن به فتنة المؤمن الفاني في الأيمان حتى إذا أتقنه وقتله بحثاً وفهماً زهد فيه وانصرف عنه ونفر منه نفوراً شديداً. ولم يكن هذا دأبه في حياته العقلية والأدبية فحسب. بل كان دأبه في حياته العملية والشعورية. فقد كلف بالمذاهب السياسية كلها وزهد فيها كلها وكلف بالكاثوليكية حتى فتن الكاثوليك وبالبروتستنطية حتى شغف به البروتستنطيون. وقال عنه (فاجيه) انه لم يكن يستطيع ان يحب امرأة بعينها او كان يستطيع أن يحب النساء جميعاً. وإذن فلا ينبغي ان يخدعنا (سانت بوف) حين يثني على الشعر الإنجليزي ثناء المفتون به، فلعله لم يكد يفرغ من هذا الثناء حتى أنكره. وهو كذلك قد أثنى على الشعر الفارسي حين ظهرت ترجمة الشهنامة ثناء المفتون به وهو مع ذلك لم يعرف الفارسية ولم تفتنها ثقافته حقاً، وهب هذا الناقد العظيم قد آثر الشعر الإنجليزي حقاً على الشعر الفرنسي ولم يخدع نفسه ولم يخدع الناس عن رأيه الصحيح في ذلك فمن ذا الذي يزعم مخلصاً أن هذا يكفي لإثبات أن الناقد مدين بمزاياه للثقافة الإنجليزي؟ أؤكد للأستاذ أني لم أعتقد يوماً من الأيام أنه هو مدين حتى بوحي الأربعين وغيره من دواوينه ولا بكتابه عن ابن الرومي ولا بكتابه عن جوت ولا بأبحاثه الكثيرة الممتعة لثقافته الإنجليزي الخصبة التي يحبها ويذود عنها. وإنما هو مدين بهذا كله كما يرى (سانت بوف) لشخصيته ولبيئته الخاصة التي نشأ فيها عقله والتي لا تكاد تتجاوز الكتب التي قرأها والمعاني التي فكر فيها والمسائل التي عرض لدرسها. فحب (سانت بوف) لشعر الإنجليز إن صح لا يجعله مديناً بأدبه للإنجليز. وأين يقع تأثير الثقافة

стр. 267

الإنجليزي في (سانت بوف) من تأثير الثقافة الفرنسية فيه؟ والذي كتبه سانت بوف عن الإنجليز وعن الأجانب كلهم ليس شيئاً يذكر بالقياس إلى ما كتبه عن الفرنسيين في كتبه الضخمة المدهشة في هذه المجلدات الستة عن بورويال وفي هذه المجلدات الثمانية عن الصور، وفي هذه المجلدات الثلاثة والعشرين التي سماها أحاديث الأثنين، وفي هذين المجلدين عن شاتوبريان وأصحابه. أين يقع ما كتبه (سانت بوف) عن الإنجليز مما كتبه عن الفرنسيين بل مما كتبه عن اليونانيين واللاتينيين؟ فالأستاذ العقاد يعلم بالطبع أن (سانت بوف) عين أستاذاً للأدب اللاتيني في الكوليج دفرانس، ولما منعه الطلاب من إلقاء دروسه عن فرجيل لأنه كان يؤيد سياسة الإمبراطورية الثانية طبع الدروس التي لم يستطع إلقاءها فكان منها كتاب قيم عن صاحب الانيادة. وقد كتب (سانت بوف) عن كثير من الشعراء اليونانيين وعن الإسكندريين منهم خاصة. فما بال الأستاذ العقاد يرى تأثر سانت بوف في نقده بالثقافة الإنجليزي ولا يرى تأثره بالثقافة اللاتينية واليونانية لأنه أحب شعراء اللاتين واليونان، وبالثقافة الإيطالية لأنه كتب عن شعراء إيطاليا في عصر النهضة، وبالثقافة الألمانية لأنه كتب عن جماعة من الألمان وعن جوت؟ أما أن أم الناقد العظيم كانت من أصل إنجليزي فالأستاذ يبالغ في نتيجته، فقد كانت أم (سانتبوف) نصف إنجليزية كما تقول دائرة المعارف البريطانية، وذلك أن أباها كان بحاراً فرنسياً وأن أمها كانت إنجليزية. فإذا كان الأستاذ العقاد يرى أن هذا يكفي ليكون (سانت بوف) مديناً بمذهبه في النقد للإنجليز فليسمح لي بألا أذهب معه في هذه الطريق لأنها طريق شديدة الالتواء. للوراثة أثرها في تكوين الفرد ولكن من الإسراف أن نذهب في تقدير هذا الأثر مذهب الأستاذ ومن الغريب أن الذين أرادوا أن يدرسوا مذهب (سانت بوف) في النقد لم يحفلوا بهذا العنصر الإنجليزي في تكوينه، فلم يلتفت (فاجيه) ولا (لنسون) إلى أم (سانت بوف) كثيراً. أما تين فرأي الأستاذ العقاد فيه عجيب، فهو يرى أني لم أوفق حين استشهدت به أيضاً لأن عمه علمه الإنجليزية في صغره ولأن تين شغف بالآداب الإنجليزية فكتب لها تاريخاً، ولكن الأستاذ العقاد نفسه تعلم الإنجليزية صغيراً وشغف بها وقرأ كثيراً من الآداب الإنجليزية. والثقافة العربية ضعيفة بالقياس إلى الثقافة الإنجليزية. ومع ذلك فأنا لا أطمئن إلى الحكم بأن الأستاذ مدين بأدبه للإنجليز. فكيف إذا عرفنا أن الثقافة الفرنسية التي نشأ

стр. 268

فيها تين ونبغ بفضلها قوية تستطيع أن تثبت للثقافة الإنجليزية، وأن تين لم ينبغ بتاريخه للآداب الإنجليزية وإنما نبغ بكتب أخرى أجل خطراً من هذا الكتاب، نبغ بكتابه عن لافونتين الذي نال به الدكتوراه من السوربون، ونبغ بكتابه الضخم الذي أرخ فيه فرنسا الحديثة، ونبغ بكتابه عن العقل، ونبغ بكتابه في فلسفة الفن. فهل يظن الأستاذ بعد هذا كله أني لم أوفق حين اتخذت سانت بوف وتين أعلى مثل للنقد اللاتيني الفرنسي؟ وما ذنبي أنا إذا كان الله قد أراد أن يكون هذان الرجلان رمزين خالدين لحياة الأدب الفرنسي في القرن الماضي؟ وقد بعدنا جداً عما كنا بسبيله من تشخيص النقد الفرنسي اللاتيني، أهو نوع من تتبع النكتة وتأنق الصالونات أم هو نقد بأدق معاني كلمة النقد؟ لن ينفع الأستاذ العقاد أن يحتاط وأن يقول أنه لم يرد النقاد الفرنسيين جميعاً، وإنما أراد كثرتهم أو قلتهم، فليس من الحق أن كثرة النقاد الفرنسيين أو قلتهم كما يظن الأستاذ. وإنما الحق الذي لا سبيل إلى الشك فيه أن السمة الفنية الخالصة هي أظهر ما يتصف به النقد الفرنسي، وأن من ظلم العلم والحق أن يقال في هذا النقد غير ذلك. وأما بعد فهل يسمح لي كتاب آخرون أرادوا أن يخوضوا معنا في هذا البحث بأن أتحدث إليهم حديثاً قصيراً ولكنه لا بد منه. فأما أحد هؤلاء الكتاب فالأستاذ سلامة موسى الذي تفضل فجلس مجلس القاضي وأصدر بين الثقافتين حكم الواثق المطمئن في أسطر ما أحسبها تتجاوز العشرة، ووجد طريقاً إلى أن يقارن هذه الأسطر القليلة بين الإنجليز والفرنسيين وبين أناطول فرانس وبرنارد شو وأن يقول أن الفرنسيين قادوا العالم في القرن الثامن عشر وإن الإنجليز يقودون العالم الآن. أظن أن الأستاذ سلامة موسى يوافقني على أن هذه المسألة أعسر وأعظم خطراً من أن يقضي فيها بجرة قلم وبهذا الإيجاز الذي لا يمكن أن يوصف بأقل من أنه يدعو إلى الابتسام. وأما الكاتب الآخر فهو الأستاذ محمد علي غريب، فقد كتب الأستاذ في البلاغ فصلاً أشهد أنه أضحكني وأضحكني ضحكاً فيه إعجاب كثير. فهو يسخر من العقاد ومني لأنا نتناقش في مسألة كهذه لا تصلح موضوعاً للمناقشة ولا تنتهي المناقشة فيها إلى نتيجة عملية. وله كل الحق في أن ينكر هذه المناقشة لولا أنه يخطئ حين يطلب إلى كل بحث أو مناقشة أن تكون له نتيجة عملية. قد تكون المناقشة خيراً في نفسها وقد يكون من القصور أو التقصير

стр. 269

ألا يكتب الناس إلا ليحققوا غرضاً عملياً، وقد يكون إحقاق الحق في نفسه أهم غرض ينبغي أن يكتب من أجله الكتاب. وقد يكون الأستاذ مخطئاً أيضاً حين يزعم أن ليس في مصر نقد أدبي مصري ويكفي أنه هو ينقد الأستاذ العقاد وينقدني. وقد يكون الأستاذ مخطئاً أيضاً حين يزعم أننا نجادل في الأدب الأجنبي ولا ننتج شيئاً، فأنا أظن أن الأستاذ العقاد قد أنتج شعراً ونثراً وأظن أني لم أنفق حياتي عبثاً. وأنا أحب أن ينقدنا الناقدون بل أنا شديد الحرص على هذا النقد وقد أفتن به أحياناً، ولكني أحب أيضاً أن يتلقى هؤلاء الناقدون نصحنا لهم لقاء حسناً، لعل أحسن ما ننصح به لهم ألا يسرفوا على أنفسهم ولا على الناس.

стр. 270

الكتب ضحى الإسلام ألفه العلامة أحمد أمين الأستاذ بكلية الآداب ونشرته لجنة التأليف والترجمة والنشر في ٤٥٠ صفحة من القطع الكبير وقدم له (الدكتور طه حسين بهذه المقدمة) وستعود الرسالة إلى هذا الكتاب القيم فنقول كلمتها فيه. قال الدكتور: أراد ناقد من نقاد التمثيل أن يثني على قصة راقته، وملكت عليه إعجابه، وكان صاحب القصة له صديقاً حميماً فتوقع أن يلام في الثناء عليه، ولكنه لم يتحرج من إهداء هذا الثناء إلى صديقه في غير تردد ولا تحفظ. وأعلن في صراحة (أعجبتني) أن من خيانة الأصدقاء أن تتخذ صداقتهم وسيلة إلى جحود مالهم من حق وإخفاء مالهم من فضل، وتجاملهم هذه المجاملة السلبية التي تدفعك إلى أن تتردد وتتحفظ، وتقدم إليهم ثناء ممتقعاً شاحباً، حتى لا تتهم بالإغراق، ولا توصف بالمحاباة. وحتى لا يسوء ظن قرائك بنصيبك من الأنصاف، وحظك من الاستقلال. رأى ذلك الناقد (وأنا أرى معه) أن هذا النحو من معاملة الأصدقاء خيانة منكرة، وظلم قبيح. وأنه فالوقت نفسه نوع من اتهام النفس، والإسراف في سوء الظن بها. فليس ينبغي للناقد أن يصدر (فيما أرى من رأي) عما يقول الناس فيه أو ما يمكن أن يقولوا فيه، وإنما هو مدين لنفسه ولقرائه بما يعتقد أنه الحق الخالص، سواء أرضي الناس أم سخطوا، وسواء أوافق رأيه هوى القراء، أم أنحرف عنه. وعلى هذا النحو من الاستعداد عمدت دائماً إلى النقد، واجتهدت ما استطعت أن لا أظلم الصديق لصداقته، ولا الخصم لخصومته، وليس الظلم مقصوراً على أن تغضَّ من العمل الأدبي أو العلمي، أو تنقص من قيمته لأن صاحبه صديق لك، أو حرب عليك. بل هناك ظلم أقبح من هذا وأشنع، وهو أن تثني على من لا يستحق الثناء أو تغلو في حمد من لا يستحق الحمد إلا بمقدار، وأن تحمد الخصم لأنه خصم، ولأنك تكره أن يقول الناس فيك خاصمه فعجز عن إنصافه وتحامل عليه. ولست أريد أن أخون صديقي (أحمد أمين) بالإسراف في الثناء عليه، ولا أن أخونه بالغض منه والتقصير في ذاته، وإنما أريد أن أنسى صداقته، وأهمل (ولو لحظة قصيرة) ما بيني

стр. 271

وبينه من مودة كلها صفو وإخاء استطعنا أن نجعله فوق ما يتنافس الناس فيه من المنافع وأغراض الحياة، وإنما أريد أن أنصفه، وأشهد لقد فكرت وقدرت، وجهدت نفسي في أن أجد شيئاً من العيب ذي الخطر أصف به هذا الكتاب الذي أقدمه إلى القراء فلم أجد، ولم أوفق من ذلك إلى قليل ولا كثير. وليس ذنبي أن (أحمد أمين) قد قصد إلى عمله في جد وأمانة وصدق، وقدرة غريبة على احتمال المشقة والعناء، والتجرد من العواطف الخاصة. والأهواء التي تعبث بالنفوس، فوفق من ذلكإلى أعظم حظ يستطيع العالمأن يظفر به في هذه الحياة. نعم؛ وليس من ذنبي أن (أحمد أمين) قد استقصى فأحسن الاستقصاء، وقرأ فأجاد القراءة، وفهم فأتقن الفهم، واستنبط فوفق إلى الصواب. ليس من ذنبي هذا ولا ذاك، وليس من ذنبي أن (أحمد أمين) بعد هذا كله، وبفضل هذا كله، قد فتح في درس الأدب العربي باباً وقف العلماء والأدباء أمامه (طوال هذا العصر الحديث) يدنون منه ثم يرتدون عنه، أو يطرقونه فلا ينفتح لهم، ووفق هو إلى أن يفتحه على مصراعيه، ويظهر الناس على ما وراءه من حقائق ناصعة، يبتهج لها عقل الباحث والعالم والأديب، ليس شيء من هذا ذنبي أنا! وإذا لم يكن بد من أن يلام أحد لأن عالماً مصرياً قد وفق إلى هذا الفوز المبين، أهدي إلى اللغة العربية كتاباً لم يسبق إلى مثله، فليُلَم هذا العالم المصري نفسه، وليعاقب (أحمد أمين) لأنه ظفر بهذا الفوز. لقد اختار (أحمد أمين) لكتابه عنوانه هذا (ضحى الإسلام) وهو لا يقدر إلا أن الضحى يأتي بعد الفجر، وأنه وقد أظهر (فجر الإسلام) يجب أن ينغمس في ضحاه. أما أنا، فكنت أفهم معه هذا الفهم، وأذهب معه هذا المذهب، ولكني لم أكد أبدأ معه قراءة الكتاب حتى أخذت أحس شيئاًلم أرد أن أتحدث به إليه، مخافة أن يكذب ظني مضينا في قراءة الكتاب، ولكننا مضينا، ومضينا حتى أتممنا هذا الجزءالذي نقدمه إلى القراء. فإذا هذا الشيء الذي كنت أحسه يزداد وضوحاً وجمالاً وقوة. وإذا ظني يصدق شيئاً فشيئاً حتى يصبح يقيناً وإذا أنا مؤمن إيماناً لا يشوبه الشك بأن هذا الكتاب الذي أنا سعيد بتقديمه إلى القراء يلقي على تاريخ الإسلام في العصر العباسي الأول نوراً رائعاً وضاء قوياً هو أشبه شيء بنور الضحى. فالكتاب (ضحى الإسلام) لأنه يدرس تاريخ الحياة العقلية للمسلمين في القرن الثاني

стр. 272

للهجرة، وهو (ضحى الإسلام) لأنه قد جلى هذه الحياة وأظهرها للناس كأوضح ما يمكن أن تكون، وكأجمل وأبهى ما يمكن أن تكون، ولست أدري أيهما أهنئ بهذا الفوز (أحمد أمين) لأنه قد جدوألح ومضى في الجد وإلحاح، حتى انتهى إلى هذا التوفيق، أم الجامعة المصرية لأنها قد اهتدت إلى (أحمد أمين) ووكلت إليه ما وكلت من أنواع الدرس وفنون البحث، ولعل الخير كل الخير في أن أصرف هذه التهنئة عن (أحمد أمين) وعن الجامعة إلى الذين يقرءون اللغة العربية، ويعنيهم أن يؤرخوا آدابها، ويستكشفوا ما اشتملت عليه من الكنوز التي كانت مجهولة إلى الآن، هؤلاء أحق بالتهنئة لأنهم سيسيرون منذ اليوم إلى أغراضهم في طريق واضحة سهلة معبدة، يغمرها نور الضحى. لن تكون حياة المسلمين منذ اليوم، كما كانت من قبل، غامضة مضطربة، يتحدث عنها مؤرخو الآداب بالتقريب لا بالتحقيق، ويقولون فيها بالظن لا باليقين. ذلك عصر قد انقضى، وألقى بينه وبين الذين سيؤرخون الآداب ستار صفيق. ألقاه (أحمد أمين) وأصبح الذين يقصدون إلى تاريخ الأدب قادرين منذ اليوم على أن يحققوا ويستيقنوا، ويسيروا فيبحثهم على بصيرة وهدى. ما أكثر ما كنا نضيق صدراً بهذه الرموز الغامضة التي كان يلجأ إليها مؤرخو الآداب حين كانوا يذكرون تطور الحياة الإسلامية (أيام بني العباس) بفضل الاختلاط بين العرب وغيرهم من الأمم. وبفضل اتصال العقل العربي بالعقول الأجنبية، وبفضل الترجمة والمترجمين؛ والتأليف والمؤلفين. كانت هذه الألفاظ كلها رمزاً إلى الآن تدل على أشياء كثيرة، ولكنها لا تدل على شيء. تُصَوِّرُ أمام الباحثين صوراً مختلطة مضطربة لا تحصى ولا تستقر، فهي ذاهبة أبداً، جائية أبداً، غامضة أبداً. نسعى إليها، ولا نظفر بها. أو يصرفنا عنها الكسل العقلي؛ الذي هو آفة حياتنا الأدبية في هذا العصر. أما الآن فقد ضبطت هذه الصورة أحسن ضبط وجليت أحسن تجلية، وأصبحنا إذا ذكرنا تطور الأمة العربية أو الأمم الإسلامية في القرن الثاني للهجرة نعرف بل نحس حقيقة هذا التطور ومصدره، والآماد التي انتهى إليها، وأصبحنا إذا ذكرنا الحياة الاجتماعية للمسلمين في هذا العصر لا نقول كلاماً مبهماً، وإنما نقول كلاماً يدلعلى ما يراد به أحسن دلالة وأجلاها؛ يدل على طبيعة هذه الحياة وما تقوم عليه من اتصال بين الأفراد والجماعات،

стр. 273

على اختلاف الأجناس والبيئات والأمزجة، يدل على طبيعة الزواج الذي كان يكون بين هؤلاء الناس فيخلط دماءهم خلطاً، أو قل يمزجها مزجاً، يدل على طبيعة الرق الذي محا الشخصيات الفردية والاجتماعية لكثير من الأفراد والأمم، وصهرها كلها في مرجل واحد هو الدولة الإسلامية، فكون منها شخصية جديدة كل الجدة، طريفة كل الطرافة، هي شخصية الأمة الإسلامية. نعم ويدل على هذه الطبقات التي كان يتألف منها الجسم الاجتماعي، للأمة الإسلامية، والتي كانت تتقسم فيما بينها الأعمال الكثيرة المختلفة، التي يحتاج إليها هذا الجسم لا ليحيا فحسب، بل ليرفه هذه الحياة ويرقيها، ويأخذ فيها بأعظم حظ ممكن من الترف المادي والعقلي والشعوري جميعاً. وإذا ذكرنا الثقافة اليونانية، فلن نفهم منها منذ اليوم هذا المعنى المبهم الذي نرمز إليه بالفلسفة أحياناً، ولكنا سنعرف بالضبط مقدار ما أخذ العرب عن اليونان، وكيف أخذوه، ومن أين أخذوه، وكيف أساغوه أولاً، ثم تمثلوه بعد ذلك؟. وقل مثل هذا في الثقافة الهندية والفارسية، أستغفرالله بل خيراً من هذا، قل أكثر جداً من هذا فما أعلم أن باحثاً عن تاريخ الأدب العربي وفق إلى تحقيق الصلة بين العرب والهند، أو بين العرب والفرس إلى مثل ما وفق إليه (أحمد أمين) وهو (بعد هذا كله) أول من بسط هذا في اللغة العربية بسطاً يطمئن إليه الباحث الذي يسلك إلى بحثه طريق الجد والصدق، لا طريق العبث والتضليل. وإذا ذكرنا الثقافة المسيحية والثقافة اليهودية، فلن نفهم منهما منذ اليوم ما كنا نفهمه من قبل، من أن اتصال المسلمين باليهود والنصارى قد أحدث بين أولئك وهؤلاء ضروباً من التأثير العقلي العام. ولكننا سنعرف طبيعة هذا التأثير ومقداره ومصدره، ثم سنضع أيدينا على مظاهر هذه الحياة الجديدة، فيما أنتج المسلمون من أدب وعلم وفن. أستطيع أن أقول إن (أحمد أمين) حينما انتدب لتأليف هذا الكتاب قد أتخذ لأمة المحارب، ووضع أمام عينيه غرضاً أقسم ليبلغنه، أو ليعدلن عن إظهار الكتاب. وهذا الغرض: هو تخليص الحياة العقلية الإسلامية في القرن الثاني من الغموض والإبهام، وما زال بهذا الغموض والإبهام حتى أجلاهما عن موقفهما، وانتزع منهما حياة المسلمين العقلية إلى

стр. 274

منتصف القرن الثالث للهجرة. وكان يزورني كل أسبوع ومعه طائفة جميلة رائعة من الغنائم التي كان يكسبها في هذه الحرب الشاقة المتصلة، فأقاسمه سعادته بالظفر، واغتباطه بالفوز. ولست أحب أن تقدر أني أعمد في هذا الكلام إلى ضروب المجاز وألوان التمثيل لأزين القول وأنمقه، ولكني أحب أن تستيقن أني إنما أقول الحقخالصاً من كل زينة، بريئاً من كل تنميق. فقد كان تأليف هذا الكتاب حرباً عنيفة طويلة مملة بين المؤلف وبين الغموض والإبهام. وكان المؤلف كلما تقدم خطوة وقف ينظم انتصاره، ويصوغ ثمراته هذه الصيغة الجميلة التي ستراها في فصول هذا الكتاب ويتأهب في الوقت نفسه لهجمة أخرى يكسب بها موقعة أخرى، وينتصر بها انتصارا جديداً. ومع أن المؤلف قد أنفق جهداً قوياً في أن يجنبك مشاركته فيما كان يحتمل من عناء، ويلقى من مشقة، ويذوق من مرارة الصبر والمصابرة، ومطاولة المسائل المعضلة التي كانت تعرض له. فأنت واجد أثر هذا كله في فصول الكتاب، حين ترى المؤلف يسير في أناة تشبه البطء، ويعرض عليك جزئيات ضئيلة، تشبه أن تكون إغراقاً في التفصيل، وتقليداً للجاحظ في حب الأستطراد، ولكن إثْبُتْ لهذا البطء، واصبر لهذا التفصيل، وامض مع الكاتب في رفق وأناة فسترى أن نتيجة هذا الثبات والصبر والرفق أقوم جداً مما كنت تظن، وأنفس جداً مما كنت تنتظر، وأن الكاتب لم يتورط فيها تورطاً، وإنما قصد إليها قصداً، وتعمدها تعمداً. لأنه لم يكن يستطيع أن يعدل عنها حتى يضحي بالأمانة العلمية، والتحقيق الذي يفرضه البحث الحديث فرضاً على العلماء. ولا تَخَفْ من هذا البطء، ولا تشفق من هذه المطاولة، فلن يعترضك ملل، ولن يفل من حدك سأم، ولن تضيق بالكتاب لحظة، فقد عرف الكاتب كيف يهون عليك طول الطريق إلى غايتك، وكيف يبث أمامك في هذه الطريق من الزهر ما يستهوي عينك، وكيف ينشر حولك في هذه الطريق من الأصداء الحلوة ما يخلب أذنك. وأنا زعيم بأنك ستحتاج إلى أن تعيد قراءة بعض الصحف وبعض الفصول، وسترى أن الكاتب على إبطائه وأناته مسرع مسرف في السرعة بعض الأحيان. أشهد لقد وفق (أحمد أمين) في هذا الكتاب إلى الإجادة العلمية والفنية معاً: أستكشف الحياة العقلية الإسلامية استكشافا لم يُسْبَقْ إليه، ثم عرضها عرضاً هو أبعد شيء عن جفاء العلم

стр. 275

وجفوته، وأدنى شيء إلى جمال الفن وعذوبته. فلينعم القراء بفصول هذا الكتاب، ولينعم المؤلف بما ينعم به الظافر حين ينتهي إلى فوز لا تشوبه شائبة. ولتكن هذه الحياة الجادة الخصبة المنتجة (في تواضع ولين جانب) التي يحياها (أحمد أمين) درساً نافعاً، ومثلاً صالحاً للذين يريدون أن يحيوا في مصر حياة العلماء. طه حسين

стр. 276

المنهل الصافي لأبي المحاسن بن تغرى بردى للأستاذ عبد الله عنان من آثارنا التاريخية النفيسة كتاب (المنهل الصافي، والمستوفي بعد الوافي)، تأليف أبي المحاسن بن تغرى بردى المؤرخ المصري الكبير المتوفي سنة ٨٧٤هـ (١٤٦٩م) وهو معجم ضخم للتراجم يقع في ثلاثة مجلدات كبيرة، وتوجد منه نسختان خطيتان بدار الكتب المصرية. وفيه يترجم المؤلف أعلام الإسلام منذ أوائل الدولة التركية ويبدأ بالمعز أيبك التركماني زوج شجرة الدر وملك مصر (٦٤٨ - ٥٥هـ) أعني منذ منتصف القرن الثالث عشر الميلادي إلى منتصف القرن الخامس عشر، ويفيض بوجه خاص في سير أعلام مصر والشام من ملوك وساسة وجند وعلماء وأد باء، ويترجم أيضاً بعض ملوك النصرانية وأمرائها في هذه العصور، مرتباً ذلك كله على حروف المعجم. وقد جعل أبو المحاسن مؤلفه تكملة أو ذيلاً لمعجم الصفدي الشهير (الوافي). ولهذا الأثر قيمة تاريخية خاصة، لأن مؤلفه وهو من أمراء البلاط القاهري في القرن التاسع الهجري لم يتأثر في وضعه بمؤثرات أو أهواء خاصة، ولا سيما فيما يتعلق بترجمة معاصريه، حسبما يشير إليه هو في مقدمته، إذ يقول إنه وضع كتابه (غير مستدعى إلى ذلك من أحد من أعيان الزمان، ولا مطالب به من الأصدقاء والأخوان ولا لتأليفه وترصيعه من أمير ولا سلطان). والمعنى الذي يقصده المؤلف بهذه الإشارة ظاهر؛ فقد كانت معظم التراجم في عصره توضع بوحي معين أو تحقيقاً لشهوات لخصومات السياسية والأدبية، التي جعلت من كتاب القرن التاسع ومؤرخيه أحزاباً أدبية متنافرة متخاصمة. ولكن أبا المحاسن يقدم لقارئه سيَّر معاصريه والقريبين من عصره في صور أكثر استقلالاً وحرية في التقدير والحكم. هذا الأثر المصري النفيس ما زال مخطوطاً لم ينشر، كمعظم آثارنا الأدبية. ولكن المستشرق المعروف الأستاذ (فييت) مدير دار الآثار العربية، أخرج لنا منذ عهدقريب بالفرنسية مجلداً ضخماً عن محتويات (المنهل الصافي) وسماه بنفس الأسم، ونشر ضمن مجموعة المجمع العلمي المصري، وكان ضمن مجلدات ثلاثة من وضعه قدمها أخيراً إلى جلالة الملك. والواقع أن كتاب مسيو فييت هذا لا يمثل كتاب (المنهل الصافي) لا في كثير

стр. 277

ولا قليل من محتوياته. فهو على رغم كونه يقع في ٤٨٠ صفحة كبيرة، ليس أكثر من فهرس الكتاب الأصلي، يمهد له مسيو فييت بمقدمة صغيرة يصف فيها الكتاب ومحتوياته، ويحصي عدد التراجم التي يتضمنها (وعددها ٢٨٢٢ترجمة) حسب صفات أصحابها من أمراء وقادة وساسة وتجار وأدباء وعلماء. . ألخ، ثم يكتفي في كل ترجمة بذكر أسم صاحبها وتاريخ مولده ووفاته ورقم الورقة التي يشغلها من المخطوط الأصلي؛ ويذكر المراجع الأخرى التي تشير إلى هذه الترجمة، وأخصها كتاب النجوم الزاهرة لنفس المؤلف (أبي المحاسن) وخطط المقريزي، وإبن حجر، والسخاوي. . ألخ، ثم يذيل ذلك بفهرس أبجدي عام. وهذا مجهود له قيمته من الوجهة العلمية بلا ريب. ولكنا نلاحظ أن الفائدة التي تترتب عليه بالنسبة لكتاب المنهل الصافي ليست كبيرة، فهو كما قدمنا فهرس أو دليل فقط للبحث في الكتاب الأصلي. والتراجم التي يتضمنها الكتاب الأصلي مرتبة على حروف المعجم، ولم يكن عسيراً على الباحثين أن يستخرجوها منه. وليس مما يقدم البحث كثيراً أن يرشدنا مسيو فييت إلى أرقام المجلدات والصحائف، وأن يحيلنا في التراجم إلى مراجع يعرفها كل مشتغل بالتاريخ المصري. وكان خيراً لو أن مسيو فييت بذل هذا المجهود في نشر الكتاب نفسه أو جزء منه، لأن هذا الفهرس الضخم يقع في نحو الخمسمائة صفحة، أعني نحو نصف المخطوط الأصلي، وقد أنفق في إخراجه ما يكفي لإخراج مجلد ضخم على الأقل من المخطوط الأصلي. على أننا نرجو أن تتقدم لنشر هذا الأثر المصري النفيس لجنة التأليف والترجمة والنشر، إلى جانب كتاب (السلوك في دول الملوك) الذي تشتغل الآن بطبعه فتسدي بذلك إلى التاريخ المصري وإلى البحث فيه خدمة جليلة.

стр. 278

العدد ٤ - بتاريخ: ٠١ - ٠٣ - ١٩٣٣

стр. 279

ملكة الجمال للدكتور طه حسين هناك ابتسامة تتردد كثيراً قبل أن ترتسم على بعض الثغور. وتتألق في بعض الوجوه. أو قل إن هناك ثغوراً ووجوها تتردد كثيرا قبل أن تقبل أن ترتسم عليها، وتتألق فيها بعض الابتسامات. أو قل إن هناك نفوساً تتردد كثيرا قبل أن تتخذ ثغورها ووجوهها مظاهر لهذا الذي يعرب عنه الابتسام في بعض الظروف. وقد فكرت في هذه الابتسامة المترددة، وفي هذه الثغور والوجوه والنفوس التي تتردد بين الرضا والسخط، وبين ما يظهرهما، ويدل عليهما من الابتسام والعبوس، حين قرأت في الصحف أخبار ملكة الجمال وتشريفها لمصر بزيارتها السعيدة الموفقة. فكرت في هذه الابتسامة المترددة، لأني أحسست ترددها على شفتي، فرأيتهما تحاولان الانبساط ثم تعودان فتنفرجان وتنبسطان بالابتسامة، ثم تستقر عليهما هذه الابتسامة التي كانت مترددة؛ ولكنها تستقر في سخرية إلا تكن شديدة المرارة، فليس فيها شيء من حلاوة الرضا. ذلك لأني لا أدري أوفقت الإنسانية حين فتحت على نفسها هذا الباب الظريف السخيف، الذي يدخل عليها منه ظرف كثير، ويدخل عليها منه سخف كثير؟ ومن يدري لعل الظرف والسخف صديقان لا يفترقان، وحليفان لن يختصما، أو تتغير الأرض ومن عليها وما عليها. وهذا الباب الظريف السخيف الذي يبعث الرضا ويبعث السخط، والذي يغيظ ويلهي هو باب المسابقة إلى الفوز بسلطان الجمال! خطرت هذه الفكرة لكاتب فرنسي، ليس هو من المتعمقين في الجد، ولا هو من المتهالكين على الهزل. وإنما هو كاتب خفيف ظريف، يرضى في سهولة، ويرضي الناس في يسر، وتنفق عندهم سوقه في غير مشقة. وأكبر الظن انه يسخر من الناس ومن نفسه وأكبر الظن انه إنما يرضي الناس ويعجبهم لأنه يسخر منهم، يستهزئ بهم ويخيل إليهم أنه يجد كل الجد حين يسوق إليهم الأحاديث، مع أنه لا يزيد على أن يهزل أشد الهزل وألطفه، ولعله إنما يفعل هذا كله، فيهزل جاداً ويجد هازلاً لأنه صحفي، أو قل لعله إنما أصبح صحفيا رائجا نافق السوق لأنه يفعل هذا كله. وأنا اعتذر إلى الصحفيين ولكني أعتقد أن صاحبة الجلالة الصحافة إنما أقامت عرشها العظيم على هذه الدعائم المتينة الصلبة من

стр. 280

سياسة الجمهور. وإنما تساس الجماهير في ظل الديمقراطية أحسن سياسة وأجداها حين تلبس لها ثوب الجد وأنت تهزل، وترتدي لها رداء الهزل وأنت تجد، وتظهر لها على كل حال من نفسك ما تريد أن تظهر لا ما ينبغي أن تظهر. هذا الكاتب الفرنسي اللبق الذي فتح للإنسانية باب الجمال على مصراعيه وأثار في رءوسهاالفارغة فكرة المسابقة إلى سلطان الحسن هو (موريس دواليف). خطرت له هذه الخاطرة ذات يوم وهو يمزح، أو ذات ليل وهو يلهو، فتحدث فيها إلى صديق أو صديقين ثم إلى زميل أو زميلين ثم إلى إدارة الجرنال. وما أصبح الصباح حتى ملأت الفكرة باريس. وما أمس المساء حتى ملأت الفكرة فرنسا. وما كان الغد حتى ملأت الفكرة أوربا، وما مضت أيام حتى ملأت الفكرة الأرض كلها ولعبت برؤوس الناس جميعا. وهذا مصدر آخر من المصادر المادية لسلطان صاحبة الجلالة الصحافة هو أنها ترى الرأي فإذا هو أمام الناس جميعا أو أمام جماعات ضخمة منهم في وقت واحد أو في أوقات متقاربة. ومن حوله المغريات والمرغبات والمثيرات للميل. فيلقى الناس بعضهم بعضا وقد قرءوا الصحيفة وإذا هم يتساءلون: وما رأيك في هذه الفكرة الطريفة الظريفة معا فكرة موريس دواليف في هذه المسابقة التي ستدعى إليها الفتيات لإظهار ما لهن من جمال بارع وحسن فتان. ثم تعود أصداء الدعوة من باريس وفرنسا وأوربا وأطراف الأرض إلى الجورنال، وإذا الفكرة قيمة، وإذا التجربة الأولى تهيأ ثم تتم، وإذا للجمال ملكة في فرنسا، وإذا البلاد الأخرى تسير مسيرة فرنسا، وإذا لكل بلد ملكة للجمال، وإذا المسابقة أوربية بين صاحبات الجلالة القومية. وإذا لأوربا ملكة، ثم للعالم كله ملكة، وإذا نظام جديد قد أقيم، وإذا الديمقراطية المتطرفة والاشتراكية الغالية والأرستقراطية المعتدلة والأوتقراطية المسرفة. كل هذه النظم المختلفة المتباعدة قد اتفقت على الإذعان لسلطان الجمال. ولكن سلطان الجمال وان استعار ألقاب الملكية، أحاط نفسه بألوان القوة وضروب الأبهة، ضعيف نحيف، فاتر قصير المدى كالجمال نفسه، فهو ملك، ولكنه أشبه بالجمهورية، وأي جمهورية؟ أشبه بالجمهورية القديمة؛ جمهورية اليونان والرومان لا يدوم السلطان فيه لصاحبته أكثر من سنة، وهو ملك، ولكنه لا يورث، وإنما يكسب بالانتخاب، وأي انتخاب!! انتخاب ضيق محدود متأثر بالأغراض والأعراض السياسية في كثير من الأحيان، فيجب

стр. 281

أن يكون ملك الجمال قسمة بين الشعوب تتبادل سلطانه فيما بينها، تظفر به فرنسا ثم تمره إلى بلجيكا، وهذه تمره إلى هولندا، وعلى هذا النحو حتى يكون لكل شعب حظه من هذه السيادة العالمية البريئة. البريئة؟ مسألة فيها نظر! فهي سيادة بريئة بالقياس إلى الشعوب والأقاليم والمدن والقرى، ولكن براءتها تتعرض للشك والخطر في كثير من الأحيان، ذلك أن هذا الملك الطارئ السريع الزوال يعبث برؤس الملكات وأسرهن، ومن طبيعة الملك أن يعبث برؤس الا إذا اعتمد على دستور صحيح متين، وليس لملك الجمال دستور، وملك الجمال لا يعبث برؤس الملكات وحدهن، وإنما يعبث برؤس كثير من الرعية أيضا، من الشبان والشيوخ وأصحاب الملاعب والمراقص والسينما، ثم ملك الجمال فصيح على هذا العبث، فهو يجري أقلام الكتاب في الصحف، ويطلق ألسنة السيدات في الصالونات، ويزيد هذا كله في الدوار واضطراب العقول. لذلك لا تكاد ملكة ترقى إلى عرش الجمال حتى يصبح مصيرها بعد الخلع - أستغفر الله - بعد الاعتزال مشكوكا فيه. وأكبر الظن أنها صائرة إلى ملعب من ملاعب اللهو، أو ناد من أندية الرقص، أو دار من دور السينما، أو إلى هذه جميعا. فملك الجمال في حاجة إلى دستور يضمن الملكة الا يكون ارتقاؤها إلى العرش وسيلة إلى ابتذالها. على أن ناحية أخرى من نواحي هذا العبث الذي يعبثه ملك الجمال بالعقول خليقة بالملاحظة، فملكات الجمال يؤمن بملكهن عادة، ويصدقن أنهن ملكات حقا، وكثيرا ما تؤمن لهن الجماعات بهذا الملك، فيصبح المزاح جداً واللعب حقا لا شك فيه، وينشأ عن هذا الجد الطارئ وعن هذه الحقيقة الإضافية الموقوتة التي لم يفكر فيها اينيشتين بعد، لون من الحياة الذي يبعث هذه الابتسامات المترددة التي تحدثت عنها أول هذا الفصل. أنظر إلى ملكة الجمال التي شرفت مصر بزيارتها هذه الأيام لم تكد تهم بهذه الزيارة حتى سبقتها الأنباء فطربنا واستشعرنا شيئا من الغبطة لا حد له وتفضلت صاحبة الجلالة الصحافة فقامت لزميلتها في الملك بما يجب من الإعلان ونشر الدعوة. ثم وصلت ملكة الجمال فلم يكن بد لصاحبة الجلالة الجميلة من أن تتناول الشاي عند صاحبة الجلالة الفصيحة البليغة. وكانت دار الجهاد ملتقى الملكتين على مائدة صديقي توفيق دياب،

стр. 282

وتفضلت الملكتان ملكة الجمال وملكة الكلام بشيء من العطف الغالي الكثير على طائفة من الرعية المولهة المفتونة، وكنت ممن مسهم هذا العطف. ولكن ملكة أخرى ثقيلة ممقوتة تبسط سلطانها الآثم على الناس في الشتاء وهي صاحبة الجلالة البغيضة الأنفلونزا حالت بيني وبين الاستمتاع بهذا العطف السامي من صاحبة الجلالة الجميلة وصاحبة الجلالة الفصيحة. فأسفت وما أشد ما أسفت! وملكة الجمال ظريفة كما ينبغي أن تكون فلم تكد تصل إلى مصر حتى أدت طائفة من الواجبات بفرضها عليها جلال الملك وسماحة الجمال فقيدت اسمها في قصرها الملكي العالي ثم ثبت فزارت رئيس الوزراء. فلما فرغت من السلطة التنفيذية تعطفت على السلطة التشريعية فتفضلت بزيارة البرلمان. فأدى وكلاء الأمة واجبهم بين يدي جلالتها كأحسن ما تكون التأدية. ثم لم تكد صاحبة الجلالة تفرغ من مصر الرسمية حتى تفضلت ففكرت في مصر المعارضة. والملك فوق الأحزاب فتعطفت بزيارة حضرة صاحب الدولة رئيس الوفد المصري ثم فكرت في مصر التي لا تشتغل بالسياسة وإنما تشتغل بالإصلاح الاجتماعي والاقتصادي فتفضلت بزيارة حضرة صاحبة العصمة رئيسة الاتحاد النسائي وزارت دار الاتحاد وشهدت فيه التمثيل وزارت دور الصناعة والتجارة وهي في هذه الزيارات تؤدي لكل حقه بما فطرت عليه من جمال وظرف وأدب ورشاقة وخفة روح، وإذا جلالة أخرى رسمية تشرف مصر وهي الجلالة الإيطالية فينقطع حديث الجمال ويبتدئ حديث السياسة. وليست هذه الصحيفة من السياسة في قليل ولا كثير، فلتكتف إذا بأن ترحب في صدق وإخلاص بصاحبي الجلالة الإيطالية ثم لتعد إلى ملكة الجمال، فلتتمن لها التوفيق بعد الملك كما وفقت أثناء الملك ولتلتفت بعد ذلك إلى القارئ الكريم فننصح له بأن يقرأ قصة تمثيلية بديعة أنشأها الكاتبان الفرنسيان جورج بيرولويس فرنويل، موضوعها ملكة الجمال وعنوانها (مس فرانس) فسيجد القارئ في هذه القصة جداً وهزلاً وفكاهة وصراحة ولذة قوية على كل حال.

стр. 283

شعر جديد لأستاذ كبير في يوم واحد هو يوم ١٩ من هذا الشهر قرأت في جريدتين محترمتين من جرائد الصباح قصيدتين إحداهما من شعر آنسة تلقب نفسها (فتاة الصعيد) والأخرى لشاب شاعر من إخواننا السوريين. فتاة الصعيد توجه تغريدها المنظوم إلى رجل كبير من زعمائنا فتقول: احبك مهما أثار الخبر … كوامن حقد إذا ما انتشر أرى صورة لك في لوحة … فيلهب قلبي هوى مستعر وشاعر الشباب السوري يقرظ سيدة كبيرة هي أيضا في كل شيء الا في سنها، ألقت محاضرة في بعض النوادي فيهتف على آثارها: الله اكبر من سحر البيان ومن … سحر بعينيك خلى الحفل نشوانا هذا يدير على الألباب خمرته … وذا يدير على الأسماع ألحانا وما علمنا في الأدب العربي أن امرأة أرسلت كلمة (أحبك) في شعر سائر إلا رابعة العدوية حين قالت تخاطب ربها: أحبك حبين حب الوداد … وحبا لأنك أهل لذاكا فابتدعت فنا من الشعر الغرامي صوفيا لا يدرك مراميه الا أهل الأذواق والمواجد. قد يكون في سن الآنسة أو في شكلها أو في غير ذلك من أمرها ما يغفر لها التصايح بالحب في الميادين العامة. ولكنا على ثقة من أن فتيات الصعيد لا يعرفن الهوى المستعر. ومن صليت منهن نار الحب ماتت شهيدة الكتمان تردد أنفاسها الخامدة قول العباس بن الأحنف: لأخرجن من الدنيا وحبكمو … بين الجوانح لم يشعر به أحد فصاحبتنا بلا ريب ليست صعيدية ونسبتها إلى الشعر كنسبتها إلى الصعيد، يشهد بذلك قولها في منظومتها على سبيل المدح: وغيرك في زعمه كاذب … ومن ذا سواك زعيم، فشر أما شاعر الشباب السوري فقد كان من حقه إذ يحضر مجالس العلم والأدب أن يشغله شيء

стр. 284

آخر عن ملء عينيه من شيء غيره. وليس بمنكر أن يتحدث الشعر عن العيون السواحر، لكن حديث العيون لا يكون في محاضرة أدبية ولا يكون في النادي الكاثوليكي. غير أن شاعرنا المسكين يعترف بأنه كان سكران حين نحت قريضه. وما كان أجدره بحد السكر حتى يصحو من خمر العيون ثم لا يقول الشعر إلا صاحيا ولا يسكر بعدها إلا في ألحان من خمر الدنان. ليت شعري ما الذي يزين هذه البدع في أذواق شبابنا؟ ويا خوفي أن يحسبوها من أثر ثقافة لاتينية أو سكسونية على حين لا من ثقافة هي ولا من ذوق!

стр. 285

خواطر وصور بعض الناس للأستاذ محمد عبد الواحد خلاف عرفت فيمن عرفت من الناس رجلا اجتمع له كل ما يشتهي من جمال في المظهر، كان مديد القامة في غير شذوذ، مكتنز العضلات في غير ترهل، حسن قسمات الوجه في غير تخنث، اشرب لونه حمرة تنطق بما حباه الله من عافية في بدنه، محمود الملبس لا تنقصه فيه أناقة ولا حسن انسجام. وكان يغشى ناديا اختلف إليه جماعة من الإخوان فاستشعرت له أول الأمر هيبة وتوسمت فيه خطرا، وكان أحد الرفاق يتحدث في أمر شديد الاتصال بذاته فرأيت لهذا الرجل نظرة ساخرة. أدركت معها أنه يعلم عن هذا الحديث ما لا يعلم قائله، ولم يطل بي الانتظار حتى رأيته قد استولى على الحديث وأخذ يذكر عن نفسه وتجاربه المتصلة به كثيراً، وتشعب الحديث، وأثار الاستطراد ذكر مسائل مختلفة، وكان هو فارس كل ميدان والحجة في كل موضوع، وكان إذا ما اشتد الجدل علا صوته حتى غلب على كل صوت، وإذا أعوزه في دعوى أن يقيم الدليل، أفحم مناظريه بالضجيج والتهويل. وتكرر التقائي به حتى هان عليّ أمره، وصرت لا أحفل لقول يقوله. ولكني كنت أجد في دعواه العريضة شيئا من الفكاهة يروح عن النفس بعض ما تلقاه من جد الحياة. وقرأ خبيث من الرفاق في إحدى الصحف خبر اعتصاب الحمالين لخلاف بينهم وبين رؤسائهم، فبيَّت في نفسه أمراً يهتك به ستر هذا الدعي. وأقبل صاحبنا يتهادى في مشية بطيئة وقورة وقد تدلى من بين شفتيه سيكار فاخر. واشرق وجهه بتلك الابتسامة الساخرة التي توحي إلى الرائي هو أن الناس عليه، وعلمه من حقائق الأمور ما لا يعلمون. فتلقاه المداعب الخبيث بتهليل المعجب الذي وقف على ما أخفاه من فعال، وبدا عليه ما يشبه الخجل والحياء لافتضاح مكرمة يأبى عليه تواضعه أن تنشر وتذاع. وقال له الصديق المداعب: (لك الله من بطل! لقد لمست في الأمر أصبعك، وشممت منه ريحك، وقلت منذ قرأت الخبر أنها لا شك إحدى أياديك في نصرة الضعفاء. ولكن نبئني كيف وفقت في جمع كلمة أولئك الحمالين مع انقطاع كل صلة بينك وبينهم، وكيف تم لك تدبير أمرهم؟). وأشفقت من وقع تلك السخرية اللاذعة المكشوفة على نفس صاحبنا، ووجدت فيها قسوة
следующие страницы →