Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
الهواء.
ويقدر الحوت المصيد في السنة بما بين ٣٠٠و٤٠٠ مليون حوتة، ثمنها دون دون الزيت خمسة ملايين من الجنيهات والطازج منه كثير في إنجلترا فقد قصد صيادوها بعد الحرب العالمية إلى منافسة الأمم في اصطياده فبرزوا عليهم. والطازج منه رخيص في إنجلترا، كنا ندفع في الرطل منه ستة بنسات أو دون ذلك. أما القديد فثمن الرطل منه دون هذا.
والحوت له المحل الثاني في جدول أسماك العالم الاقتصادية أما المحل الأول فلسمك الرنكة المعروف بالرنجة ولا نراه في مصر إلا مملحاً أو مدخناً.
وقد بدأ القلق يظهر خشية على الحوت والرنكة وغيرهما من الأسماك أن تنفد من المحيطات وذلك لإمعان الإنسان في اصطيادها ولتحسن العدة التي يستخدمها في ذلك، فهو بتحسنها يأتي بالمحصول الأكثر لقاء مجهود أقل وزمن أقصر. وهم يحاولون اتقاء هذا بإغلاق المصايد أحياناً، وبإنشاء المرابي الصناعية أحياناً أخرى. ويطهر أن الطريقة الأولى هي الوحيدة الناجعة، إذ لابد من أن يتباطأ الصيد حتى يتمشى مع سرعة إنسال السمك فلا يصيد الإنسان غير المزيد. أما الطريقة الثانية فتقليد للطبيعة عسير، وقد دلت التجارب على أن تلك المرابي يأتي أكبرها في العام من الخلف بالمقدار الذي يأتيه بضع مئات فقط من الحوت الطليق في المحيط.
ومصر، مصر الواقعة جنوب البحر الأبيض؛ وغرب البحر الأحمر، وكلاهما مزرعتان تناهضان في أمل الثراء ضياع الدلتا والصعيد، ما دخلها مما أحاطها الله من بحاره؟ لا أدري. إنما الذي أدريه أنها في يوم عيدها القومي تأكل سمك البكلاه، وهو لا ينزرع في بحرها الأبيض، إنما يأتي من أصقاع بعيدة نائية.
أحمد زكي
стр. 2382
العالم المسرحي والسينمائي
الدرامة والحياة
لناقد (الرسالة) الفني
من الجلي الواضح أننا قبل أن نطرق بحثاً كهذا، علينا أن نتريث برهة نسائل فيها أنفسنا ماذا نعنيه تماماً بكلمة (درامة) - أو بمعنى آخر - ما هو التعريف الذي نستطيع أن نضعه لفن الدرامة إذا ما قورن بالفنون الأخرى كالشعر والتصوير والقصص؟ من الواضح أن الدرامة فن، ولكن أي القيود نستطيع بها أن نحدد صفاته الخاصة التي تميزه عن الفنون الأخرى؟ ولقد يبدو هذا عند النظرة الأولى سهلاً ميسوراً ومطلباً هيناً لا عسر فيه ولا عناء، ولكن قليلاً من التفكير يكشف لنا عن الصعاب التي تواجهنا، وتقد يكون من الخير لنقدر دقة هذا المطلب العسير أن نرجع خطوة أو خطوات إلى الوراء فنمر سراعاً عاجلين بتلك المحاولات التي بذلها أقطاب هذا الفن في تاريخه الطويل ليجيبوا على هذا السؤال وليضعوا لفن الدرامة تعريفاً واضحاً وصريحاً.
من أولى النظريات التي وضعت في هذا الصدد ومن أكثرها ذيوعاً وانتشاراً، تلك النظرية التي نستطيع أن نسميها (نظرية التقليد) والمحاكاة. ولعل من الخير أن نذكرها في أبسط صورها كما جاءت في أقوال (شيشرون) الخطيب الروماني المعروف، فالدرامة عنده (نسخة للحياة، مرآة للعادات، انعكاس للحقيقة) وهذا التعريف، إذا صح أن نسميه كذلك، قال به كثير من النقاد المتعاقبين مئات من السنين، واتخذ أساساً لأبحاث فنية لا عد لها، خصوصاً في عصر النهضة (رنيسانس). بل لقد وجد حتى في العصور الأخيرة أنصاراً وأشياعاً لأنه يتمشى مع أغراض الكتاب الواقعيين (ريالست) في القرن التاسع عشر.
ومن أنصار هذه النظرية في تعريف الدرامة زولا الكاتب الفرنسي المعروف وبومارشيه رجل المسرح الشهير. ومن المقدمة التي وضعها الأول لروايته (تيريس راكوين) ومن كتاب الثاني عن الفن المسرحي نستطيع أن نستخلص الكثير من العبارات التي ندلل بها على أن المثل الأعلى للمسرح عند الاثنين أن يكون (مرآة الحقيقة وصورة مطابقة لما في الحياة)
فإذا أخذنا بهذا الرأي وبحرفيته قلنا أن الدرامة اقتباس من الحياة. وهذا معناه أن المؤلف
стр. 2383
المسرحي الحق يجب أن يضع نصب عينيه أن يكتب لنا مشاهد للمسرح تطابق قدر المستطاع ما يحدث في الحياة أو يمكن حدوثه فيها حتى لتجيء هذه المشاهد كالصور وخيالها في المرآة أو كالنسخ المتعددة المتطابقة للشيء الواحد. وتكون محاورات أبطال الرواية الأروع والأجمل إذا كانت تنقل لنا نفس الحديث، بل الكلمات والألفاظ للحوار الذي يقع بين الأحياء كما ينقله الحاكي دون نقص أو زيادة، ويكون اجمل ما في الرواية صدقها وأمانتها للحقيقة.
وإذا نظرنا إلى هذه الآراء في مجملها قد نغرى بأن نصدق أن ثمة ما يمكن أن يقال للدفاع عنها أو تأييدها، ولكن لو فكرنا قليلاً لتبين لنا زيفها وخطؤها. وبغض النظر عما إذا كان في مقدور المرء أن يعتبر أن المؤلف المسرحي ليس أكثر من حاكي يسجل ما يسمع وينقله حرفياً إلى المسرح، فإنه من السهل أن نتبين أن هذا المثل الأعلى للدرامة مستحيل لأن الرواية المسرحية لا يمكن أن تكون صورة مطابقة تمام المطابقة للحياة. وحتى إذا فرضنا أن المؤلف في أحد مشاهد روايته نقل نفس الألفاظ التي تحدث بها فعلاً الأشخاص الذين اتخذهم كنماذج لأبطاله، فإن الحقيقة الواقعة من أن هذا المشهد فصل عما سبقه أو تلاه من المشاهد الأخرى تجعله شيئاً صناعياً محضاً، أو بمعنى آخر تكسبه الصبغة الفنية. وإذا لم يستعين لمؤلف بالآلات الميكانيكية المسجلة للأصوات، فإنه لا يستطيع أن يطمع في نقل الحوار الذي دار في الحياة الحقة بألفاظه وحروفه وتفصيلاته نقلاً دقيقاً غاية الدقة لا تحريف فيه. فإذا كان المؤلف هو الذي خلق المشهد وخلق أبطاله، كما يحدث على الأغلب، لكان من السخف أن نتخيل أن هذا المشهد لو أنه حدث حقاً في الحياة، لتحدث هؤلاء الأبطال، لو أنهم أحياء من لحم ودم، بنفس هذه الكلمات ولدار بينهم هذا الحوار دون زيادة أو نقنص. فمطابقة الحياة في الدرامة شيء مستحيل ومطلب عسير فالريالزم الحق لا وجود له، ثم هو بعد ذلك ليس من عمل الفنان، لأنه ليس من الفن. ولم يكن في يوم من الأيام مطمح كبار الكتاب الخالدين بآثارهم المعروفة، ولا المثل الأعلى الذي حاولوا تحقيقه بأعماله وكتاباتهم ونحن إذا أخذنا بهذه النظرية في معناها الحرفي وحدودها الضيقة طرحنا من مكتبة الفن أحسن ما فيها من أعمال رجال الأدب والمسرح وألقينا بمخلفات أشيل وارستفان وشاكسبير وموليير وأندادهم طعمة للنار.
стр. 2384
فإذا أردنا أن نتحرر من هذا الحرج وأن نأخذ هذه النظرية، نظرية التقليد أو المحاكاة، بمعنى أوسع وأرحب، كان لنا أن نعود إلى أرسططاليس الذي جعل أساس آرائه أن الفن في مجمله ينطوي على عنصر التقليد، وأظن أننا في غنى أن ندخل في بحث مستفيض في هذا الصدد وحسبنا أن نقول أن أرسططاليس قد ذكر أن التقليد هو أصدق تمثيل للحقيقة إلا في النادر القليل.
ومن المعروف أن النصوص التي وجدت ونسبت إلى الفيلسوف اليوناني القديم والتي يتحدث فيها عن فن التراجيديا والشعر القصصي اتخذت مرجعاً لرجال الفن ونقاده في شتى العصور وكانت لها مكانة القداسة في عصر النهضة وأطال مناقشتها وبحثها كثير من النقاد في العصر الحديث. ومن الخير أن نلم بهذا كله قدر المستطاع وهو ما سنحاوله في القريب العاجل إن شاء الله.
ونعود إلى بحثنا لنكرر ما قلناه في أسطر سلفت من أن نظرية التقليد وجدت في العصور الحديثة مشايعين وأنصاراً ولكن في معناها الشامل الرحب، وهناك فيكتور هوجو الذي قال في المقدمة التي وضعها لرواية كرمويل (لقد قيل إن الدرامة مرآة تنعكس فيها الطبيعة. ولكن إذا كانت هذه المرآة عادية، مسطحة لامعة، فإنها لا تقدم لنا إلا صورة ضئيلة للأشياء التي تعكسها دون أن تبرزها، صورة صادقة ولكن لا روح فيها، ومن المعروف أن اللون والضوء ينعدمان في الانعكاس البسيط. فالدرامة على ذلك يجب أن تكون مرآة تتركز فيها المرئيات، وبدلاً من أن تضعفها تجمع الأشعة وتكثفها وتطغى عليها قوة التركيز فتجعل من القبس شعاعاً، ومن الشعاع لهيباً وهاجاً، وبهذا وحده تستحق الدرامة أن تكون فناً له خطره وقيمته).
وهذه العبارة في وضوحها وقوتها لها أهميتها الكبرى فيما نحن بصدده، وتتمشى معها كلمة سارسيه من أكبر نقاد المسرح الفرنسي إذ (يقول إن الطبيعة المجردة على المسرح لا تثير اهتمام الجمهور بل تبدو له فضلاً عن ذلك مزيفة كاذبة). ويضيف (في رأيي أن الحقيقة إذا أظهرت على المسرح بصدق وأمانة بدت مزيفة للجمع الحاشد من المتفرجين. إننا نعد فن الدرامة الخلاصة التي تمثل الحياة على المسرح ونعطي الجمهور عن طريقها خيال الحق).
وقد لمس بعض النقاد في عصور متقدمة هذه الحقيقة ولكن في صورة غامضة مبهمة
стр. 2385
وذكرها هيدلين الناقد الكبير في قوله (إن المسرح لا يمثل الأشياء كما هي، بل كما يجب أن تكون) وشبيه بهذا ما يقوله جوته (إن من يعمل للمسرح عليه أن يدرسه، ويتفهمه حق الفهم، وأن يلم بتأثير المناظر المسرحية والإضاءة والألوان من نواحيها المختلفة، وليترك الطبيعة في مكانها اللائق بها)
وما نستطيع أن نلخص هذه النظرية بأصدق وأوجز مما لخصها به أحد كبار النقاد الذين يعتد بهم حيث قال: إن الدرامة ليست نسخة من الطبية ولكنها تقليد ومحاكاة لها) وإذا رجعنا إلى الآراء التي مررنا بها في هذا المقال لماماً وجدنا أن أجداها وأثمرها ذلك الذي يتحدث عن الدرامة كمرآة مركزة تجعل من القبس شعاعاً ومن الشعاع نوراً وهاجاً. وإنا لنلمس صدق هذا التحليل إذا ما درسنا الأعمال الفنية الخالدة، لأن الكاتب الموهوب، عندما يقتبس لمحة من الطبيعة، لا يقنع بعرضها مجردة من الروح والحياة، بل يسبغ عليها من وحي فنه وعبقريته ما يسمو بها إلى قمة الخلود ويجعل منها مشاهد قوية مثيرة تلهب الحواس والشعور وتصبغ العمل ذاته بالصبغة الفنية الحقة. وهذه إحدى خصائص الفنان الحق.
стр. 2386
الحركة المسرحية والسينمائية في العالم
نيويورك
نعت أنباء أمريكا أخيراً هوراس ليفريت من أكبر الناشرين المعروفين في الولايات المتحدة وهو صاحب الفضل الكبر في إظهار أوجين أونيل الكاتب الأمريكي الشهير فقد كان أول ناشر قبل أن يطبع كتاباً له في مستهل حياته الأدبية ونجح الكتاب أكبر نجاح مما ساعد أونيل على الاستمرار حتى وصل إلى ضهرته التي يتمتع بها اليوم. وكان من رأي هذا الناشر ان الكتب الأولى للمؤلفين الشبان المبتدئين يجب أن تعطى فرصة طيبة للظهور تشجيعاً لهم. وربما كان وراء هذا الشاب الحدث عبقي نابغ وكان هذا الناشر يحارب الرقابة الأدبية التي تفرضها الحكومات على الكتب والروايات بكل ما يملك من نفوذ ومال. وأشتهر هذا الناشر أيضاً كمخرج مسرحي ومن أشهر أعماله في هذه الناحية أخرجه في سنة ١٩٢٥ على أحد مسارح نيويورك الشهيرة رواية (هاملت) بملابس عصرية.
ونذكر بهذه المناسبة أن أوجين انتهى من رواية جديدة دعاها (الوحدة) وستمثل في الموسم القادم على مسرح (جلد) بنيويورك
لندن
عقد في لنده من أمد قريب الاجتماع السنوي (لجمعية الدرامة الإنجليزية) وهي جمعية من أغراضها نشر الدعاية للفن والمسرح في جميع أنحاء إنجلترا، في مدها وأطرافها النائية، وكثير من الكتاب الإنجليز المعروفين بدأت شهرتهم بين أحضان هذه الجمعية وظهرت أعمالهم الأولى على مسارحها. وقد ألقى مستر برنادشو خطاباً قيماً في هذا الاجتماع عن (الهواية والاحتراف) نرجو أن نقدمه لقراء (الرسالة) في عدد قادم.
- مس ميني رينر من أشهر ممثلات المسرح الإنجليزي المشهود لهن بالكفاية والمقدرة ويبلغ عمرها اليوم ٦٤ عاماً وقد التحقت بالمسرح وهي في سن الحادية عشر ولم تنقطع عن العمل خلال هذه المدة الطويلة. وفي إحدى حفلات الأسبوع الماضي أعلنت - بمناسبة عيد ميلادها - أنها اشتركت في ١٠ , ٠٠٠ حفلة مسرحية وهو رقم قياسي جديد في عالم الفن يعد الأول من نوعه.
روما
стр. 2387
سيتولى بيترو ماسكاني الموسيقار الإيطالي المعروف رئاسة مسرح الأوبرا الملكية في روما. والمعروف عن هذا الموسيقار أنه يكره التقيد بالمناصب الثابتة ولكنه رضي أخيراً بهذا المركز بعد أن ألح عليه شخصياً السنيور موسوليني. وستظهر على مسرح هذه الأوبرا أربع أوبرات جديدة في الموسم القادم أولها (نيرون) لماسكاني نفسه وبعدها (الشعلة) الأوبرا الجديدة لرسبيني، ثم (سيسليا) للوسيان رفيس، والرابعة أوبرا جديدة لمؤلف حديث لم نجد اسمه في برنامج الأوبرا الرسمي، وإذا أتم مالبيير والموسيقار المعروف الباليه الذي يضعه والذي اقتبسه من أحد كتب بيراندللو فسيكون القطعة الخامسة التي ستعرض على مسرح الأوبرا. وفي حديث لماسكاني مع أحد الصحفيين صرح أنه يعتزم أن يجعل من روما عاصمة العالم الموسيقي وقطب الرحى فيه.
стр. 2388
القصص
الوردة الحمراء
كوميدية عصرية في فصل واحد
لجاستون سوربيه والبريك كاهويه.
ترجمة فتوج نشاطي
(صالون على الطراز الحديث. . نافذة عند صدر المنظر وباب على كل من جانبي المسرح. . . بعض خور عائلية وأسلحة تاريخية تزين جدران الحجرة. فوق مكتب صغير تتألق باقة من لورود الحمراء داخل آنية شافة. . عند رفع الستار يرى جاستون جالساً على ديوان وثير، مطرق الرأس، حزيناً وقد تناهبته هموم مبرحة. . بعد فترة وجيزة ينتصب فجأة ويتجه نحو النافذة. . . يمر في طريقه بالورود الحمراء فيقف متردداً. . يرنو إليها ثم ينشق في رفق عبيرها العاطر ويمضي إلى النافذة فيلقي منها نظرة سريعة وجلة بعود بعدها إلى باقة الورد يتأملها، مشتت الفكر. وما يلبث طويلاً حتى يقترب ثانية من النافذة ويظل يتردد هكذا بين الورود والنافذة إلى أن يسئمه الانتظار فيحاول إشعال سيجارة لكنه يخفق فيرمي بها إلى الأرض، حانقاً يضغط على زر الجرس فيبدو الخادم فرنسيس)
المشهد الأول
جاستون - فرنسيس
فرنسيس - سيدي. .؟
جاستون - ألم يجئ أحد؟
فرنسيس - كلا يا سيدي.
جاستون - ويريد الساعة الرابعة؟
فرنسيس - لم يصل بعد
جاستون - (مشعلاً سيجارة) والمسيو شنسيريل؟
فرنسيس - لو أنه جاء. . .
جاستون - (مقاطعاً وقد فهم) حسناً. . . (يلقي في حركة آلية بسيجارته إلى الأرض) ألم
стр. 2389
ترد برقية؟
فرنسيس - لا ياسيدي
جاستون - والتلفون؟
فرنسيس - لو أن أحداً سأل عن سيدي بالتليفون لسمع سيدي رنين الجرس. .
جاستون - في الواقع. . . (وهو يشير حواليه، ضجراً) أعد عض النظام إلى الحجرة
(يحاول جاستون من جديد إشعال سيجارته في عصبية مضطردة بينما يرتب فرنسيس في صمت الأوراق المبعثرة المتراكمة على المكتب. عندما ينتهي الخادم من عمله يقترب من باقة الورود فيجمع أوراقها الذابلة المتناثرة على أرض الغرفة وحوالي الآنية الشفافة وإذ يحاول المضي بها.)
جاستون - ماذا تصنع؟
فرنسيس - (على أهبة الخروج) أمضي بهذه الورود. .
جاستون - (مستوقفاً إياه) لماذا؟
فرنسيس - لأنها. . . بدأت تذبل
جاستون - لكنك تعلم جيداً أنني لن أستبدل بها غيرها، بعد اليوم
فرنسيس - طبعاً لا. . بما أن سيدي. .
جاستون - (موقفاً سيل التوضيحات) إذن؟ (يعيد فرنسيس الورود إلى مكانها الأول)
جاستون - (مرهفاً سمعه فجأة) ألم يقرع الجرس؟
فرنسيس - ما أظن يا سيدي (يعود جاستون إلى النافذة. هنا يدوي رنين الجرس)
جاستون - (مرتعشاً) أما قلت لك؟
فرنسيس - (مبهوتاً) رن الجرس الآن فقط
جاستون - حسناً!. . اذهب وافتح (يخرج فرنسيس ويعود في الحال مصطحباً شنسيريل)
المشهد الثاني
جاستون - شنسيريل
جاستون - آه! يا صديقي. كاد ينفذ صبري في انتظارك!
شنسيريل - يبدو عليك في الواقع سيما الاضطراب الشديد
стр. 2390
جاستون - أقابلت جانين؟
شنسيريل - نعم. ولو أنها لم تتوجه اليوم إلى محل عملها
جاستون -. و. . كيف وجدتها؟
شنسيريل - حزينة جداً
جاستون - يا للصغيرة المسكينة!
شنسيريل - (مشعلاً سيجارة) كلفتني عملاً شاقاً اصاحبي! صدقني لن أحمل نفسي بعد اليوم عناء استنطاق الفتيات التعيسات اللائي هجرهن عشاقهن. . . ساعة القطيعة. .! النهاية. . .
جاستون - عجل، قص علي ما حدث
شنسيريل - لم أمكث بجوارها أكثر من لحظة. لكن. . يالها من لحظة مشئومة!
جاستون - نعم، أقدر حالتها النفسية. . . كانت واجمة دون شك من هول الخبر، مضعضعة الحواس، يائسة. .! الواجب كان يحتم عليك أن تشجعها، أن تهون عليها. . . لكنك فضلت النكوص على عقبيك
شنسيريل - تسمح لي بالجلوس؟
جاستون - إن شئت. . . لكن حدثني. . . أوضح لي. . هل انتزع منك الكلمات انتزاعاً؟ ماذا قالت لك؟
شنسيريل - لا شيء في البدء. شاءت الحديث، لكنها لم تستطع. . شبهت على أولئك الأصدقاء الذين نواجههم بعد كارثة ألمت بهم. . نراهم صامتين، نحسبهم متماسكين صابرين. . نمد لهم يد العزاء. . فإذا بهم يجهشون بالبكاء. . ذكرت لها أني حضرت أتسقط أخبارها. . فاستفسرت عما إذا كنت قد جئت من قبلك. . .
جاستون - وأجبتها؟. .
شنسيريل - إجابة غامضة. .
جاستون - عندئذ؟
شنسيريل - شاهدت وجهها الصغير المعتم تتناهبه سمات التفكير والألم والعزم. . ثم قامت فخطت لك هذا الخطاب
стр. 2391
جاستون - (يتناول الخطاب في لهفة وقد بدا عليه التأثر لكنه يقلبه بين يديه دون أن يجسر على فضه)
شنسيريل - يا صديقي لو تسمح لي نصحتك بإرجاء قراءة هذا الخطاب إلى غداة يوم زواجك (يجفل جاستون) لأنك صممت على الزواج
جاستون - بالتأكيد. بما أني قطعت كل علاقة لي بعشيقتي السابقة مع ذلك لكم أجبتها جانين!. . لقد كانت نعم الصديقة الحنون، النموذج الكامل لشريكة الحياة القانعة المحبة. الودود. .
شنسيريل (في ابتسامة) التي تغني بمحاسنها شعراء الشباب والربيع!
جاستون - نعم يا عزيزي روجيه، عشنا معاً قبل الحرب سنتين مترعتين بأجمل ذكريات حياتي!. .
شنسيريل - (ساخراً) أحمد الله على أنك الوحيد الذي يخرج من دنيا الغرام بذكريات سعيدة!
جاستون - غير أن هذه العاطفة الوهاجة. . لم تكن لتدوم إلى الأبد. . جانين التي تعرف دقة مركزي لم تكن لتجهل أن علاقتنا لابد آيلة إلى تلك النهاية المنطقية: الزواج، نعم الزواج الذي كان قد بات حتماً على، وقد أصبحت مضطراً أن أهجر مسكني هذا لألتجئ إلى برج العائلة، هناك في مقاطعة بريتانيا أعيش من أرضي دون إسراف. كان ذلك منذ ثلاث سنين. . إذ كنت أعتزم البعد عن باريس وعن جانين بالطبع، عندما وقعت الكارثة
شنسيريل - أية كارثة؟
جاستون - الحرب الكبرى!
شنسيريل - آه! عفواً! كدت أنسى أننا نصلاها! بالاختصار؟
جاستون - بالاختصار رغماً عن رتبة الضابط التي وصلت إليها ونياشيه الشرف الحربية التي أحملها وجراحي الباهرة التي حصدتها في المعارك لم يكن مركزي المادي قد تحسن عندما. . ساق إلي القدر العطوف. .
شنسيريل - اللؤلؤة النادرة. . . داخل علبتها الذهبية!
جاستون - لا تمزح. . . فالمدموازيل دي شاليني فتاة نبيلة جديرة بكل إخلاص ومحبة
стр. 2392
وأقر أني أحببتها في الحال تقريباً. . .
شنسيريل - بهذه السرعة؟
جاستون - نعم في الحال. . . أحببتها. . . لا كما أحببت جانين التي عبدتها عبادة. . . بل كما أتصور أن يحب الإنسان المرأة التي اصطفاها ليجعل منها رفيقة العمر، الشريكة التي يعقد وإياها ضد الحياة وللأبد معاهدة هجومية دفاعية. . . فهذا الحب يختلف عن الآخر كل الاختلاف. . . ربما كان أقل مرحاً وظرفاً وتوثباً. . . لكنه أثبت وأعمق وأبقى!
شنسيريل - يا للجحود!
جاستون - تخطئ يا صاحبي! لم أنس شيئاً. صورة جانين مازالت مطبوعة في خاطري، ومازلت أشعر نحوها. . . بعطف ممزوج بعرفان الجميل وإني لمصمم على رعايتها وتهوين مصاعب حياتها المعيشية. . .
شنسيريل - (ساخراً) لا شك أنها تعتمد عليك في ذلك كل الاعتماد!
جاستون - أؤكد لك أنني معذب لعذابها! حاولت كثيراً تخفيف وقع الخبر عليها وتوطين قلبها لتلقى هذه الصدمة القاسية فلم أقطع صلتي بها إلا عندما أصبح الأمر محتماً. . . البارحة فقط بعد بضع ساعات من تبادلنا خاتم الخطوبة أنا ومرجريت. . . عندها وجدتني مضطراً أن أصارح جانين بحقيقة موقفي وأن أقطع كل علاقة لي بها خصوصاً وقد كاشفتني خطيبتي البارحة برغبتها الملحة في أن تراني داخل إطار مسكني. . عش العزوبة كما تسميه مداعبة. فتصورها يا صديقي وقد جاءتني صحبة مربيتها واتفق وجود. . . الأخرى! أية مأساة!
شنسيريل - فعلاً!
جاستون - تلقاء هذه الزيارة المهددة لم أتمالك من أن أبوح لجانين بكل شيء! هكذا ودعنا بعضنا وداعاً مؤثراً أظهرت خلاله رباطة جأش نادرة، حتى لقد استفهمت مني عما إذا كانت خطيبتي شقراء. . .
شنسيريل - (متشككاً) سيجارة!
جاستون - (رافضاً) شكراً (يفض خطاب جانين الذي كان يقلبه بعصبية بين يديه حتى هذه اللحظة)
стр. 2393
شنسيريل - أما زلت مصراً على قراءة هذا الخطاب؟
المشهد الثالث
فرنسيس - فريسة اضطراب شديد) سيدي!
جاستون - ماذا تريد؟
فرنسيس - جاءت مدموازيل دي شاليني. . . مع مربيتها. . .
جاستون (إلى شنسيريل) وقع ما كنت أخشاه! (إلى فرنسيس) أدخلها (بعد خروج الخادم) لا مفر من استقبالها!
المشهد الرابع
جاستون - شنسيريل - مرجريت
جاستون - أنت مرجريت؟ (يقبل يدها)
مرجريت - (مبتهجة) نعم أنا. . . تذكر! أخطرتك أني سوف أزورك صحبة مربيتي. . . (تلمح شنسيريل) أوه! صباح الخير يا سيدي!
جستون - (مقدماً) أعز أصدقائي، روجيه شنسيريل، خطيبتي، مدموزيل دي شاليني
مرجريت - (في ظرف) نأمل أن نحظى برؤيتك قريباً في قصرنا يا مسيو شيسيريل. على شريطة ألا تبوح برؤيتك إياي هنا (تضحك) لأني أجد زيارتي هذه ولو بصحبة مربيتي الإنكليزية بعيدة عن كل لياقة.
شنسيريل - ثقي مدموازيل بتكتمي التام (منسحباً) يا صديقي العزيز. . .
جاستون - (متضايقاً) تنسحب؟
مرجريت - (لشنسيريل) بل ابق يا سيدي لن أطيل المكوث. . . مربيتي إنسانة ظريفة لكنها عصبية المزاج وأراهن أن معين صبرها قد فرغ. . .
جاستون - ما أظرف الخاطرة التي دفعت بك إلى هذه المفاجأة السارة. . . (يختلس نظرة قلقة إلى الساعة)
مرجريت - نعم الخاطرة التي جعلتني. . . أخاطر بسمعتي لأراك. . . بل نعم. . . لا تعترض. زيارتي اليوم شاذة ولا يبعد أن تثير تقولات عديدة. غير أن روح المخاطرة
стр. 2394
تغلبت على العقل وتركتني عزلاء عن مقاومة رغبتي الحادة في رؤية خطيبي داخل مسكنه الخاص وسط الأشياء التي اعتادها في ساعة من ساعات حياته اليومية. . لكن. . . ما حل لك؟ أراك مأخوذاً مشرد الفكر. . حتى لقد سهوت عن تقديم مقعد لجلوسي. . .
جاستون - أرجو العفو يا مرجريت. . .
مرجريت - على أني في غير حاجة إلى مقعدك. فليس أمامي من الوقت متسع. . . أولى لك أن تضع جانباً هذه الورقة التي تجعدها أصابعك وتقف على خاطرك الحائر. . (يجفل جاستون لقولها، يتردد لحظة ثم يخفي الخطاب في جيبه. تلقي مرجريت نظرة جائلة حواليها) ما أبدع مجموعة السلاح التي تملكها! (تجلس في خفة على ذراع مقعد)
جاستون - هذه أسلحة أسرتي يا مرجريت
مرجريت - (في اهتمام) ويرجع تاريخها إلى أي العهود؟
جاستون - إلى عهود مختلفة، فهذا الحسام الثقيل. قاتل في سبيل الملك لويس الثالث عشر وقضى في مبارزة على أحد أعوان الكردينال الأحمر: ريشيليو، فتسبب موته في ترحيل جدي الأكبر إلى غيابة الباستيل، أما هذا الرمح فقد كافح في معركة رينان ليحمي زمار الملك. الشمس ويبقي على العرش مجد ذريته. وقد وجد بعد المعركة على ما يظهر بجوار جثة صاحبه!
مرجريت - يروقني أن أضم إلى صدري هذه الذخيرة المقدسة!
جاستون - أما هذا السيف الرقيق الناعم، سيف البلاط المزركش فلكم تخطر على ساق صاحبه وسط حفلات الملكة غير المتوجة مدام لابومبادور في رحبات القصر الملكي! (لا يتمالك نفسه عن اختلاس نظرة عجل إلى الساعة)
مرجريت - والأسلحة الأخرى؟
جاستون - هذا الصارم البتار ناضل تحت أمره القائد روشامبو في سبيل استقلال الأميريكيين، ثم دافع عن الملك التعس (لويس السادس عشر) لكنه رفض المهاجرة إلى خارج فرنسا وقاد الصفوف في معركة واترلو. أما هذا الرمح الدقيق الصنع فقد قاتل أبهر قتال في حروب أفريقيا
مرجريت - (أثناء الحوار الأخير تقدمت من المكتب، وعبثت ببعض ما عليه من الكتب.
стр. 2395
تلمح الورود الحمراء فتنحني عليها) يا للأزهار الجميلة!
جاستون - (جافلاً) مرجريت!
مرجريت - (تهم بقطف) تسمح؟ (يشير جاستون بالنفي) لا؟
جاستون - لا
مرجريت - لمه؟
جاستون - (بالغ التأثر) لأن هذه الزهور. . . قاربت الذبول ولم تعد تصلح للزينة. . .
مرجريت - ليكن. أتخلي لك عن زهورك، لكن ما الذي دهاك فجأة؟ أأكون قد أغضبتك، عفو الخاطر؟
جاستون - مرجريت. . لا تعتقدي. . .
مرجريت - كأني بك مللت رؤيتي! أأكون تمطفلة؟ (ينظر جاستون إلى الساعة) والبرهان أنك تخالس الساعة النظر. . . (في حزن) الوداع إذن. أخطأت في مجيئي، أعذروني أيها السادة. سألحق بمربيتي (تخرج)
المشهد الخامس
جاستون - (يتنفس الصعداء) أوف! هذا الخطاب كان يلهب أصابعي!
شنسيريل - لا تتردد إذن. . . وأقرأه (يقرأ جاستون الخطاب واضطرابه يزداد فقرة بعد فقرة ثم يناوله لصديقه)
شنسيريل - (بعد قراءته) فهمت الآن سبب اضطرابك! يا للمخبولة! تريد أن تراك للمرة الأخير، وإذا لم تلمح الساعة الخامسة الإشارة المعتادة، هذه الباقة من الورود الحمراء التي اعتدت أن تضعها عند النافذة أيام كنت تنتظرها. . .
جاستون - سوف تطيع وساوس اليأس!
شنسيريل - وعلام عولت؟
جاستون - لو أنك مكاني ما الذي كنت تفعل، أنت؟
شنسيريل - أنا لا أؤمن بالانتحار العاطفي على أني لو خيرت بين أهون الشرين لفضلت أن أستقبلها. . .
جاستون - أخشى أن تكون هذه المواجهة مشئومة العاقبة. لا أذكر لنا (أنا وجانين) إساءة
стр. 2396
تبادلناها طوال مدة علاقتنا ويحضرني أني أبكيتها يوماً. فإذا شاء القدر أن يرينيها تتألم هنا بين سمعي وبصري. . فما يدريني إذا ظللت وقتها متمالكاً نفسي؟. . .
شنسيريل - إذاً لا تستقبلها
جاستون - وإن كانت قد صممت حقيقة على الانتحار. . . (فزعاً) أوه! عندها يلازمني تقريع ضميري مدى الحياة!
شنسيريل - إذاً استقبلها وعجل فالوقت يمر (يخف جاستون إلى باقة الورود لكن ما إن يتناولها حتى يسمع نقراً خفيفاً على الباب ثم تدخل مرجريت فجأة متبوعة بفرنسيس)
المشهد السادس
مرجريت - معذرة أيها السادة أرجوكم. . . نسيت قفازي! يالي من طائشة! يا عزيزي جاستون أخشى أن تكون في نفسك فككرة سيئة عن امرأتك المقبلة! (تنظر يمنة ويسرة وفجأة وقد وجدت ما تبحث عنه) هاهو! (تلاحظ مظهر القلق البادي على جاستون) أوه! جاستون - ما بك؟ أراك تخفي عني شجناً ما.
شنسيريل - هذه المرة انسحب. تسمحين يا آنسة؟
مرجريت - تفضل يا سيدي
جاستون - (لشانسيريل وقد أوشك على الخروج) أيها الخائن أتتخلى عني وأنا في أشد المواقف حاجة إليك؟
شنسيريل - يا صديقي سوف أعود (يخرج)
مردجريت - والآن. . حدثني لا تنكر. أراك في حالة اضطراب شديد ومن غير المعقول أن يكون وجودي هو الذي يصعب عليك إلى هذا الحد
جاستون - أوه!
مرجريت - (ملحة) خبرني. إني أكاد أكون زوجتك. . إن كنت تعاني ألماً أو تقوم في نفسك رهبة مرتقبة فلي الحق أن أطالبك بنصيبي
جاستون (متأثراً) مرجريت!
مرجريت - يخيل لي أن شيئاً تبدل في عينيك وفي قلبك
جاستون - فضلت أنك لم تجيئيني اليوم!
стр. 2397
مرجريت - إذاً لأدعك لنفسك
جاستون (في لهفة) تحسنين صنعاً
مرجريت - ألا تقتضيني أكثر من ذلك، لتستعيد صفاء نفسك لا تكذبني الحقيقة. جاستون. عهدي بك أجهر صراحة وأخلص نية. (لا يجيب) صدقني. تشرف حبنا لو أنك تفضي إلي بما يعذب قلبك
جاستون - أنت على حق. . لكن يساورني وسواس أسود إذ أعتزم أن أفتح بين يديك مغاليق روحي الحائر. مع ذلك أقسم لك أني ما تصورت يوماً موقفاً مثل هذا ممكناً وأن تتزاحم الظروف أو تترى. . . دافعة بي إلى موقف التردد بين واجبين
مرجريت - واجبين؟ ماذا تعني يا صديقي؟
جاستون - لا تحمليني على أكثر مما قلت
مرجريت - قلت أكثر مما يجب كي لا تتم. . . إن القلق الذي يساورك خف إلى قلبي وليس من مصلحة مستقبلنا أن تدعني أتخبط فيه. تكلم!
جاستون - (تعد أن يلقي نظرة محمومة إلى الساعة يخرج من جيبه الخطاب ويدفعه إليها بعد تردد قصير) إذن، إقرأي!. .
مرجريت - (تقرأ مرتعشة وقد تهالك جاستون على مقعد ثم تقول في صوت أبح) هذا هو السر!
جاستون - (متأثراً) عفواً (تكاد مرجريت تهوي إعياء فيحاول أن يسندها) مرجريت
مرجريت - (تدفعها عنها في رفق) لم يصبني أذى. . أرجو العفو. . . لكني أحس ألماً ممضاً. . .
جاستون -! مرجريت أخطت إذ بحت لك. . .
مرجريت - (مقاطعة) بالمرة، جاستون. لي سؤال واحد: هذه الإنسانة، مدموازيل. . . (تعود إلى الخطاب) جانين له هي جديرة حقاً بالـ. . . بالاهتمام الذي حملته لها مدى عامين؟
جاستون - نعم يا مرجريت
مرجريت - آه! (تندفع إلى باقة الورود وتضعها على منضدة أمام النافذة.)
стр. 2398
جاستون - (في لهفة) ماذا تصنعين؟
مرجريت - أعطي الإشارة
جاستون - كيف؟ تجيزين لي استقبالها؟
مرجريت - أنت؟ لا. . بل أستقبلها أنا
جاستون - أنت؟ لكن هذا محال. .
مرجريت - لم؟ أتخشى على حياتي؟
جاستون - كلا، أخاف عليك مما ينتظرك من عميق التأثيرات. . .
مرجريت - أعنف التأثرات شعرت بها وأنا أقرأ هذا. . (تشير إلى الخطاب) والآن دعني أعم ما يتراءى لي
جاستون - لكن. .
مرجريت - لا تعاند (يسمع رنين الجرس ويدخل فرنسيس على الأثر) أدخل السيدة، فرنسيس (يدهش الخادم لكنه ينحني ويختفي) إن مقاديرنا الساعة في كفتي ميزان. صدقني جاستون. يجب أن أواجه الآن هذه الفتاة. . أحس حاجة ملحة في أن أستوضح أشياء. . دعنا أرجوك، سوف أرجوك، سوف أدعوك في الوقت المناسب
جاستون - (يحاول إقناعها وهي تقوده إلى الباب) مرجريت. . لا أحتمل أن أتصورك أنت خطيبتي. . زوجتي. .
مرجريت - خطيبتك نعم!. . أما زوجتك، فلم أصرها بعد. ينسحب جاستون منهزماً (تبقى مرجريت وحيدة فريسة اضطراب بالغ وقد لفت وجهها تجاه الباب متكئة بيد إلى المكتب)
المشهد السابع
مرجريت - جانين
جانين - (تدخل مندفعة) آه! عفواً. مدام. . أبحث عن جاستون (مستدركة) لكن. . . من أنت؟ آه!. . . حزرت من تكونين!. . . ووجدت من نفسك الشجاعة على اقتحام باب عشيقي؟! (تندفع نحو الباب فتهزه في عنف جنوني)
مرجريت - (صارخة) ابقي!. . (تلتفت جانين إليها، دهشة فتقول لها في لهجة أرق) أتوسل إليك!. . .
стр. 2399
جانين - (دهشة) تتوسلين إلي؟
مرجريت - نعم، إن دعى الحال. . . لأستبقيك.
جانين - والداعي؟
مرجريت - لأعلم إذا كان الخطاب الذي وجهته إلى. . . المسيو كيرولون.
جانين - (ثائرة) وأطلعك عليه؟. . .
مرجريت - لم يطلعني عليه بدافع عاطفة الزهو التي تتصورين.
جانين - قبل أن نخوض غمار هذا الحديث الشاذ، خبريني. . ماذا تصنعين في هذا البيت، أنت ما من ليس مكانك هنا؟
مرجريت - أتعرفينني؟
جانين - حدثني عنك بما فيه الكفاية!
مرجريت - إلى هذا الحد؟
جانين - لقد تابعت خيالك الممقوت في نظراته الشاردة، في فترات صمته الحالم بل وفي كل همسة وحركة. . . . آه! لكم عذب قلبي وأضناه (تلتفت حواليها) ألهذا السبب بات الآن يخشى مقابلتي؟
مرجريت - تخطئين، مدموازيل. . لك أن تقابليه إن رغبت. . . على أني شئت قبلها أن أحادثك وبما أن الصدف الأليمة تسوق بين يدي هذه الفرصة السانحة
جانين - لا أطمع في شفقتك، مدموازيل!
مرجريت - وأنا لا أسمح لنفسي بها. . ولكن ألا يمكنني أن أحاول تهوين وقع. . .
جانين - مصابي؟ وكيف؟ أتعشم أن لا يكون ذلك بتقديم. . ما في مكنة الوارثات السريات أمثالك أن تقدميه من مال. . . ما أهون الثمن!
مرجريت - أسفاه
جانين - لا تشتكي، فلولا مهرك لما فزت بالزواج من جاستون
مرجريت - هل ألقى جاستون في روعك أنه يقترن بي طمعاً في ثروتي؟
جانين - (هازة كتفيها) لو أنه صارحني بذلك لما صدقته. .
مرجريت - إذن؟. . . آه!. . فهمت ما يجول بخاطرك وهو أسمى مما نطقت به؛
стр. 2400
تتصورين أن مالي سيساعد بلاستول في جهوده المقبلة، لكنك تتناسين، أنه في مقابل ذلك يحمل إلي كنزاً لا يقوم بثمن من التقاليد المجيدة والأفكار المبتكرة التي تفوق في قيمتها جميع أموال العالمين. واتفقت معي من برهة على أن جاستون يشعر نحوي بعض العطف وأنا، من جهتي. . لا لا. عفواً:
جانين - أنت تحبينه، حزرت ذلك
مرجريت - إذن. . ألا تجدين ارتياطنا طبيعياً؟
جانينن - لو أنني أملك ثروتك لفكرت مثلك، على أنك محقة في النهاية، خذي إذن جاستون، امضي، وثقي أنه أسعد منك حظاً: سوف تكونين ملكاً له بكليتك. أما هو فلن ينالك منه أكثر مما تركت لك من فضلات. .
مرجريت - لم توجهين إلي هذه العبارات القاسية؟
جانين - إنني أحمل في قلبي سنتين من أجمل سني شبابه بما فيهما من فتوة حارة. . . ونشوة فياضة. . .
مرجريت - أوه! صمتي!
جانين - (متهالكة على المقعد) أضحي بالحزن يعميني حتى ليدفع بي إلى الشر والأذى
مرجريت - مدموازيل. . .
جانين - دعيني وشأني.
مرجريت - جانين، هل لك أن تجيبيني على سؤال أخير يجمع تذكاراتك الحية، يجمع قلبك المعذب في صراحة تامة؟
جانين - وهل أملك من الجهد ما أجيبك به على سؤالك؟
مرجريت - قد يبدل ردك حظوظنا نحن الثلاثة. أتفهمين؟ إذن أجيبي. هل وعدك جاستون يوماً ما. . بالزواج؟
جانين - وعدني بالزواج؟. . كلا لم يعدني بشيء!
مرجريت - (تتنفس) و. . سامحيني إن كنت لح، لكني في أشد الحاجة إلى استيضاح الحقيقة كاملة. . ألم يحاول جاستون أن يعللك بيوم مقبل تصبحين فيه زوجته دون أن يقطع على نفسه عهداً صريحاً بالزواج؟ أقسم لك بأعز من أحب لو أنه بذر في قلبك مثل هذه
стр. 2401
الفكرة لأكونن على استعداد تما للابتعاد عنه إلى الأبد دون أمل في الرجوع. . (ترفع جانين رأسها في بطء) وتطيل النظر لحظة إلى مرجريت ثم تطرق من جديد) لم لا تجيبين؟
جانين - وما الفائدة؟. . ألا تحسين أني ما عدت آمل شيئاً؟
كلا لم أحب جاستون إلا حباً خالصاً لا يداخله وعد ولا أمل. . إني لم أكن اجسر على المجيء إلى هنا إلا عندما كنت المح من الشارع قرب النافذة هذه الباقة من الورود الحمراء. . . فهل كان في مكنتي أن أحلم بمشاركته يوماً في حياته النبيلة، أن أحيا بقرب هذه المجموعة من الأسلحة الأثرية , , أمام هذه الصور العائلية التي يطالعني منها الأشراف والقواد العظام، أنا ابنة الشعب البائسة؟ صدقيني يا مدموازيل. . مثل هذا الحلم الباهر لم يقم بخاطري. . على أني لا أملك نفسي عن الشعور بأن كل شيء قد انتهى. . (تنكي)
مرجريت - (في تأثر بالغ) وهل أنا التي أهجت في قلبك هذا الألم الممزق؟. . آه عفواً! يا صغيرتي جانين
جانين - ليس في مقدورنا الآن أن نبدل شيئاً!
مرجريت - من يدري؟
جانين - لو أنك شئت إعادة جاستون إلي لما استطعت. . لن يعود بعد اليوم. . . انتهى. . . على أني أفضل الآن وقد عرفتك أن تكوني أنت التي تمضين به لا امرأة أخرى. . . لكن عفوا!. . . عيوني مازالت تغص بالدموع. . . مدموازيل! اغفري لي أقوالي الطائشة التي فهمت بها منذ لحظة. . . كنت مجنونة. . . لم أك أتوقع رؤيتك هنا. . . أسأت إليك، فعفواً! والآن، وداعاً!
مرجريت - ألا تفضلين رؤيته قبل الرحيل؟
جانين - (بسرعة) كلا.
مرجريت - إذن، قبيل أن نفترق، يا جانين، عديني بأن ما ورد في خطابك قد تبخر. . . أتسمحين لي أن تكوني جد شجاعة؟ (تسير جانين) مهما تصورتني بعيدة عنك فثقي أن لك في صديقة حبيبة. . .
стр. 2402
جانين - الوداع يا مدموازيل (تجيل بصرها في أنحاء الججرة) أبحث عن تذكار. . . هذه الورود. . . (تنزع الزهور في لهفة من الآنية) إنها ملكي هذه الورود! كل ما أملك من متاع العالم! (في يأس دامع) على أن الزمن العاتي سينويها عن قريب! (تضم باقة الورد إلى قلبها وتختفي) (تتابعها مرجريت في نظرة أليمة ثم تسقط باكية على مقعد أمام المكتب)
المشهد الثامن
مرجريت - جاستون
جاستون - (مقبلاً) أأنت وحدك؟
مرجريت - (ترفع رأسها دون أن تنظر إليه) فضلت ألا تراك، على أنها وعدني ألا تستسلم إلى اليأس
جاستون - مرجريت
مرجريت - يا للصغيرة المسكينة لن تبرح خاطري صورتها وهي تمضي إلى حال سبيلها، وحيدة، باكية
وقد ضمت إلى صدرها تلك الباقة من الورود الحمراء. . التي تشبه قلبها الدامي.
جاستون - مرجريت! كأني بك لم تعودي تحبينني. أتجدينني مذنباً
مرجريت - لا يا جستون. إني لا أتهمك. لقد دفعت عنك جانين لم تكن تلك خطيئتك، بل خطيئة المقادير، خطيئة الحياة، الحياة التي تجعلنا بالرغم منا قساة إلى هذا الحد
ينزل الستار
стр. 2403
وجه صالح للسينما
للكاتبة الألمانية فيكي بوم مؤلفة الفندق الكبير
(تتمة)
وفي صباح أحد الأيام التقى بها رناتس ثوربج وهي صاعدة إلى غرفة الملابس في الأستوديو لتأخذ الشال الذي تضعه على كتفيها أثناء التمثيل. وسألها قائلاً: صباح الخيرز يا دريجالسكي. كيف حالك؟
- بخير يا سيدي ونظر إليها ثوربج ملياً ثم قال:
- بخير نعم. أراك تحسنت كثيراً. .
وكأن في صوته ما يدل على عدم رضاه لأنها بخير. . . وفكرت دريجالسكي فيما تحمله قلوب الناس من حقد وحسد!
(عند عودتها اشترت زهوراً وآنية جديدة للزهور. واشترت طعاماً تحمله إلى ولدها في المصحة إذ كانت تزوره كل أحد. وكان سعيداً في تلك المصحة مسروراً بتلك العصي الحمراء والزرقاء التي كانوا يقدمونها له هناك ليلهو بها.
كانت دريجالسكي تبتسم كلما فكرت في ولدها. وهاهي تفكر فيه وتبتسم وتنظر إلى خيالها في المرآة - وكانت قد اشترت مرآة - وابتسمت أيضاً وقد اطمأنت إلى شكلها في مرآتها الجديدة.
وكانت أعدت طعاماً فاخراً لهر بوش، واشترت دهاناً لشعرها وزينت رأسها، واشترت غطاء جديداً للمائدة التي كانت تتناول عليها وهر بوش القهوة، وقد بدأ هر بوش يفكر فيها وفي أنها تصلح قرينة له.
جاء شهر أكتوبر، ولأول مرة أحست دريجالسكي أن القوم في الأستوديو غير راضين عنها. وكان ما طلبوه منها سهلاً بسيطاً. إذ كان عليها أن تعبر شارعاً ثم تقف قليلاً تحت المصباح وتسعل ثم تمضي في طريقها في بطء. . . ولكنها أخطأت في كل حركة قامت بها، وقد استقام ظهرها وزال الانحناء الذي كان يزيدها ضعفاً، وجفت عيناها، وقد تعودتا النظر إلى الضوء الساطع وأعاد المخرج المنظر ثلاث مرات، ولكنها لم تفلح فطردها وعادت إلى بيتها.
стр. 2404
وفي المرة الثانية جاءت في ثوبها الأبيض ومعطفها الأزرق الجديد، فتلقوها بشيء كثير من العنف وقدموا لها ملابس بالية ولكنها لم تظهر في صورتها الحقيقية الأولى، وأمرت في قسوة وحدة أن تحضر دائماً مرتدية تلك الأسمال البالية التي جاءت بها الأستوديو لأول مرة، ولكنها لم تدرك قط ما يريده أولئك الناس وقد أصبحت الآن تخجل من لباسها القديم، ولماذا يسمح لغيرها من النساء أن يظهرن في أثواب جميلة، ويأبون عليها ألا أن تظل في مظهرها التعس؟
ومر شهر نوفمبر ولم تدع للعمل إلا قليلاً؛ وكانت تصور في يوم من أيام ديسمبر بين جمع من الناس في رواية (الأشقياء) ولم تدرك أن هر فيلب المخرج كان يشير إليها حين كان يصيح بعماله لماذا تركتم هذه المرأة من غير تزيين وجهها؟ ما هذا الإهمال؟ ومد أحدهم يده وجرها من ذراعها إلى غرف التزيين وقام العامل بطلاء وجهها وتصوير التجاعيد عليه، تجاعيد الفقر والجوع التي فقدتها من شهور مضت.
جاء فيليب إلى غرفة ثوربج فوجد امرأة تبكي بكاء مرا ًوسأل ما الخبر، فأجابه ثوربج
- هذه دريجالسكي جاءت تشكو لأننا لم نستدعها من عهد بعيد، فأجابت وهي تنتحب
- كنت أقول. إنه ليس من العدل ألا أدعى إلى العمل وقد أصبح في وسعي الآن أن أحضر في ثياب لائقة، ويخيل إلي أنكم ترونها جريمة من عاملة مثلي أن تأكل وتتغذى، إني أستطيع بتلك الدهانات التي يصبغ بها الوجه أن أسدي لكم ما تريدون. ولا أحسبكم تريدون مني أن أظل جائعة في أسمالي البالية، فكل ما في الأفلام غير حقيقي، وقد رفضتم عودتي إلى العمل لا لسبب إلا لأن غذائي قد تحسن. فأجابها فيليب وحدة وغضب:
- لا، يا سيدتي فأنت مخطئة، إننا نريد في الأفلام شيئاً أكثر من التمثيل نريد حياة، الحياة الحقيقية. وإذا كنت تريدين لنفسك عيشة راضية فلا شأن لنا بك.
قال ذلك وسكت وترك الغرفة، ثم قال ثوربج وهو يفكر:
- نعم، إنه على حق يا دريجالسكي، إن الفن شاق وقاس، عودي إلى حياتك الأولى، أنهكي قواك في العمل، لا تفري من الشقاء، أقضي الليالي ساهرة، وأعيدي إليك ولدك، وعندئذ ندعوك ثانية، هل فهمت الآن؟
لا، لم تفهم درجالسكي قط، وخرجت من الغرفة وكأنما انحنى ظهرها قليلاً مرة أخرى،
стр. 2405
خرجت وقد استحال عليها أن تفهم شيئاً
وكانت تسائل نفسها؛ علام كل هذا؟ أيدفعون نقوداً لكي أظل جائعة؟ فإذا كسبت من النقود ما يكفي لأحسن طعامي طلبوا إلي أن أعود إلى الجوع، وإذا وجدت من الغذاء ما يكفيني طردوني من العمل! سأحدث بوش عن هذا كله. ربما كان خيراً لي أن أعود إلى عملي، غسيل الملابس، يخيل لي أنهم هنا في الأستوديو كلهم مجانين
محمود عزي
стр. 2406
الكتب
ابن خلدون وتراثه الفكري
تأليف الأستاذ محمد عبد الله عنان
أصدر الأستاذ المؤرخ الكبير محمد عبد الله عنان كتابه القيم، (ابن خلدون، حياته وتراثه الفكري) فأدى به واجباً طالت بنا الأيام ونحن عاجزون عن أدائه. ولئن كان أهل الأدب ورجال العلم والتاريخ قد قابلوا هذا الكتاب بما يليق به من الترحيب والتقدير لما رأوا فيه من ترجمة وافية لحياة العالم المؤرخ الفيلسوف عبد الرحمن بن خلدون الذي شهد له كبار رجال الغرب بالعبقرية وقدروه حق قدره، واعترفوا بأنه واضع أصول علم الاجتماع وفلسفة التاريخ، فأني قد قابلت هذا الكتاب النفيس لا بما قابله الناس فحسب، وإنما قابلته كذلك بفرح وغبطة، ذلك بأنه قد حقق أمنية لي طالما تمنيتها وناديت بها على صفحات الصحف وهي أن نعمل على إحياء ذكرى مؤرخنا الفيلسوف العظيم حتى يعلم المسلمون خاصة والشرقيون عامة مقدار علو مقامه، وليقفوا على مدى سمو علمه فيجعلوه مفخرة لهم وينتفعوا بعد ذلك بتراثه الفكري العظيم.
وإذا كان الأستاذ الكبير محمد عبد الله عنان قد أرضى العلم والتاريخ بترجمة حياة عالمنا ومؤرخنا الفيلسوف بعد أن كان لا يعرف من حياته ألا ذرو يسير لا يحيط به إلا القليلون، وأطلع جيلنا على عظمة هذا الرجل ومبلغ أثره الفكري، وكشف عن فضله على العلم والتاريخ والأدب، فإنه قد بقي أمر ذو خطر لم يسع حضرة المؤلف نفسه إلا أن يتحدث عنه ويشيد هـ، ذلك هو مقدمة تاريخ ابن خلدون، تلك المقدمة التي حملت نتاج عبقريته وكانت سبب عظمته التي بهرت علماء الغرب جميعاً وجعلتهم يشهدون له بالنبوغ والألمعية، فإن طلاب الأدب والعلم الذين ناشدهم الأستاذ عنان أن يعكفوا على دراستها والانتفاع بها لا يجدون بين أيديهم نسخة صحيحة منها يرجعون إليها، ذلك بأن كل ما طبع منها قد مسه التحريف، وناله التصحيف، وقد ذكر لنا الأستاذ أحمد زكي باشا أنه لما استيقن من وجود المسخ والتحريف والتصحيف فيما طبع من هذه المقدمة ظل يسعى حتى أسعده التوفيق بالعثور على نسخة خطية من هذه المقدمة مصححة بقلم ابن خلدون نفسه وعلى أنه قد أنفق في سبيل نقل هذا الأثر النفيس نحو ثمانين جنيهاً فإنه يأسف جد الأسف إن لم يجد
стр. 2407
أحداً من رجال العلم أو من أصحاب المطابع قد سعى في طبعها ونشرها، ولا يزال هذا الكنز مدفوناً بالخزانة الزكية
فإذا كان الأستاذ الكبير محمد عبد الله عنان قد قام بهذا الفرض الكفائي فأرخ حياة ابن خلدون فإنه لا يزال عليه فرض آخر لا يتم الفرض الأول إلا به، ذلك أن يعمل على طبع نسخة صحيحة من مقدمة ابن خلدون فيحظى بالحسنيين ويتم بذلك عمله الخالد وحبذا، لو تولت لجنة التأليف والترجمة والنشر طبع هذه المقدمة ووقف على تصحيحها مع الأستاذ عنان الأستاذان الجليلان أحمد أمين وأحمد حسن الزيات فيؤدوا بذلك أجل عمل للأدب والعلم والتاريخ
إني أناشد حضرات الأساتذة الأجلاء عنان وأمين والزيات بحق العلم الذي يعملون له مخلصين أن يجعلوا من عملهم للعلم طبع مقدمة ابن خلدون ولتجعلها لجنة التأليف والترجمة والنشر من حسناتها في (نشر) الكتب القيمة والأسفار النافعة.
محمد أبو ريه
стр. 2408
العدد ٢٩ - بتاريخ: ٢٢ - ٠١ - ١٩٣٤
стр. 2409
من أحاديث العيد. . .
للدكتور طه حسين
ابتسم الصبح فابتسمت معه الثغور، وأرقت الشمس فأشرقت معها الوجوه وغنت الطير فتغنت معها النفوس بالآمال والأماني وبالأهواء والميول وتغنت معها نفوس أخرى بالأحزان اللاذعة، والآلام الممضة، والعواطف التي تفطر القلوب وتسفح الدموع. وأندفع قوم إلى السرور العريض، واندفع قوم آخرون إلى الحزن العميق، وتردد قوم بين هذا وذاك يأخذون من كليهما بحظ معتدل، ويؤلفون لأنفسهم منهما مزاجاً لا هو بالمشرق المبتهج ولا هو بالمظلم القاتم، وإنما هو شئ بين ذاك، فيه مكان للذة والأمل، وفيه مكان للألم والذكرى. وأضطرب الناس أيام العيد بين دور الأحياء ودور الموتى، يتحدثون إلى أولئك ويفكرون في هؤلاء.
وكثير من حديث الناس الأحياء، وكثير من حديثهم عن الموتى، خليق أن يسجل ويتخذ موضوعاً لألوان مختلفة من الأدب والفن. ولكن هذه الأحاديث تقبل مع أيام العيد، وتذهب معها كأنها لم تكن. تترك آثارها في نفوس الناس ولكنها لا تترك آثارها فيما ينشئون ويكتبون. لأنهم لا ينشئون ولا يكتبون، ولأنهم إن أنشأوا أو كتبوا فقلما يقفون عندما يشعرون أو يجدون، إنما يلتمسون موضوعاتهم في السماء حيناً، وفي السحاب حيناً، وبعيداً عن حياتهم إثما. فأن مسوا حياتهم فهم لا يمسون إلا ظاهراً منها، وهم يمسونه في رفق أقرب إلى الجدب الموئس منه إلى الخصب الذي يحيي النفوس ويغدو القلوب.
أما أنا فقد كنت أتحدث إلى نفسي وإلى أصدقائي في أيام العيد أحاديث مختلفة، منها الباسم ومنها العابس، فيها الجد وفيها الهزل. ولكني كنت أحتفظ لنفسي بأشد هذه الأحاديث مرارة ولذعاً. لأني أعلم إن الناس يكرهون في أيام العيد وفي غير أيام العيد مرارة الحزن ولذع الألم. وأشهد لقد استقبلت يوم العيد بحزن عميق لأني استعرضت صوراً تعودت أن أستعرضها كلما أقبلت الأعياد، وفكرت فيمن أزوره ويزرني، وفيمن أسعى إليه ويسعى إلي، فإذا كثير من هذه الصور قد محي من صفحة الحياة ولم يبق له إلا رسم في صفحة القلب، قوي عند قوم، ضعيف عند قوم آخرين. محيت هذه الصور من صفحة الحياة فلن أسعى إلى أصحابها، ولن يسعى أصحابها إلي، إما لأن أصحابها قد نقلوا من هذه الدار التي
стр. 2410
نضطرب فيها بالألم والأمل إلى دار أخرى، لا تعرف الحركة ولا الاضطراب، وإما لأن أصحابها ما يزالون يضطربون معنا في هذه الدار، ولكن ظروف الحياة وأسباب العيش قد نقلت أهواءهم عنا إلى قوم آخرين ليسوا منا ولسنا منهم الآن في شئ، لقد كنت أبدا زيارات العيد بهؤلاء النفر من الأصدقاء الأعزاء أكون معهم ليلة العيد، فإذا تنفس الصبح فكرت فيهم، وإذا ارتفع الضحى سعيت إليهم، فلقيتهم وكأننا لم نلتق منذ دهر طويل، وقضيت معهم ساعة قصيرة ضيقة لم أفرغ لهم فيها، ولم يفرغوا إلى كثرة المقبلين والمنصرفين، ولكنها على ذلك ساعة عريضة خصبة لكثرةما فيها من هذا الود الذي ينتقل إلى قلبك مريحاً عذباً لا لشيء إلا لأن اليد صافحت اليد ولن التحية الهادئة البريئة من التكلف قد مست الإذن فملأت النفس حياة وغبطة وسروراً. فإذا قضيت مع هؤلاء الأصدقاء هذه اللحظة القصيرة الخصبة خرجت من عندهم وقد ادخرت من الغبطة والسعادة ما يعينني على احتمال أثقال العيد فذهبت إلى دار عدلي ثم دار ثروت ثم إلى دار فلان وفلان. وقد أخذت الأيام تتخطف هؤلاء الناس واحداً واحداً حتى لقد زرت هؤلاء الأصدقاء فقضيت معهم ما قضيت من الوقت، ثم خرجت فإذا أنا أنصرف إلى كوكب الشرق لا إلى دار عدلي ولا إلى دار ثروت ولا إلى دار فلان وفلان من أولئك الذين كنت احب أن أسعى إليهم واغتبط حين يسعون إلي أو حين يرسلون إلي تحياتهم مع البريد وكنت لا أكاد أتهيأ للخروج يوم العيد حتى ينبئني المنبئون بأن فلاناً وفلاناً وفلاناً من الأصدقاء قد أقبلوا وهم ينتظرون، منهم من يريد أن يبدأ العيد بلقائي لأن لقائي كان أحب شئ إليه يوم العيد، ومنهم من يريد أن يصحبني في زيارات العيد لأنه يجد في هذه الصحبة لذة ويسراً فأما الآن فأني أنبأ بأن قوماً آخرين قد أقبلوا وبأنهم ينتظرون، أما أولئك الذين كانوا يقبلون وينتظرون قد أنقطع إقبالهم وانقطع انتظارهم إلى حين، لأنهم يخشون الأحداث ويخافون الظروف ويشفقون من الجواسيس ويربأون بأنفسهم من غضب السلطان. هم أحياء ولكن ظروف الحياة قد قطعت ما بينهم وبيني من الأسباب، كما إن ظروف الموت قد قطعت ما بين الموتى وبيني من الأسباب. ولم تكن أيام العيد تنقضي حتى أزور داراً من الدور في ناحية من نواحي القاهرة فألقى فيها ابتسام الزهرة النضرة، والشباب الغض، والحياة التي تبتسم للحياة. وقد انقضت أيام هذا العيد فلم أزر هذه الدار لأنها محزونة لا تحتفل بالعيد، ولأن
стр. 2411
زهرتها النضرة قد اجتثت منها اجتثاثا، وانتزعت منها انتزاعاً، وحملتها الريح إلى حيث لا ينظر الزهر ولا تبتسم الحياة للحياة. لم أزر هذه الدار ولم أنعم بتلك الابتسأمة ولم أسمع ذلك الحديث ولكن الله يشهد إني قضيت أيام العيد كلها، ويظهر إني سأقضي أياما ًطويلة أخرى وأن صوتاً من الأصوات سيتردد في نفسي جافاً خشناً متعثراً موئساً كما تتردد النغمة من الأنغام في القطعة الطويلة من الموسيقى، وتسألني عن هذا الصوت الذي تردد في نفسي منذ أشهر وسيتردد فيها أشهراً وأشهراً وأعواما، فهو صوت ذلك النعش حين خرج الحاملون به من الصلاة في مسجد من مساجد القاهرة وهم يعالجون إثباته على سيارة من سيارات الموتى وهو يأبى عليهم بعض الإثم يطيعهم ويستسلم لهم، وإذا خفقة جافة كأقفال الباب، وإذا النعش قد استقر، وإذا أزيز ضئيل نحيل يرتفع في الميدان ثم يتسع ويضخم، وإذا السيارة تنطلق كأنها السهم إلى ذلك المكان الذي لا يعود منه من استقر فيه. وإذا نحن نتبعها كاسفين ونعود كاسفين، وإذا الحياة تتصل بنا وتضطرب خطوبها حولنا، وتصرفنا عن أنفسنا وعن الناس، ولكن ذلك الصوت الجاف الخشن المتعثر يعود إلي من حين إلي حين فيذكرني بذلك اليوم الثقيل الذي شيعت فيه فقيدين عزيزين في اقل من ساعتين.
بهذا وأمثاله كنت أتحدث إلى نفسي أيام العيد، فإذا سألتني عما كنت أتحدث فيه إلى الناس وعما كان الناس يتحدثون فيه إلى حين كنا نلتقي، فيا للبؤس! ويا للفقر ويا للشقاء! ويا لجدب الحياة وإفلاس الاحياء، كنا نتحدث عن الأزمة المالية، وكنا نتحدث عن السياسة، وكنا نتحدث عن غدو المندوب السامي مع الطير يوم العيد وما يحيط بغدوه ذلك من أسرار وأخبار ومن تأويل وتعليل. ثم كنا نتحدث عن بعض هذه الأشياء الممتازة التي ظفرت بأحاديث الناس وشغل الصحف وعناية رجال الأمن: كنا نتحدث عن ذلك الخاتم الذي اضطرب له رجال الأمن وعطلت له دار من دور التجارة، واتصل حوله تحقيق طويل ودقيق ولم تبح صحيفة مصرية عربية أو غير عربية لنفسها أن تعرض عنه أو تطوى أخباره عن قرائها، ثم اصبح الناس يوم العيد فإذا الصحف تنبئهم بأن سيدة التقطته أمام مدرسة من المدارس فظنت جوهره من الزجاج ولم تعلم انه حجر نفيس، وان مدينة القاهرة مضطربة له اشد الاضطراب، وان قيمته تربى على ألف من الجنيهات. وكنا نتحدث عن
стр. 2412
هذا الدبوس الذي افتقدته صاحبته فلم تجده فارتاعت لفقده وهم أصحابها أن يقولوا قصة كقصة الخاتم، ولكن شابا لم يلبث إن التقطه فرده إلى صاحبته، فلم يضطرب رجال الأمن ولم يحتج رجال التحقيق إلى النشاط، ولم تزد الصحف على أن روت الخبر رواية يسيرة قصيرة في مكان غير ظاهر ولا ممتاز. وكنا نقارن بين قصة الخاتم وقصة الدبوس وبين حظ الخاتم وحظ الدبوس. وكنت أقول لأصدقائي وهم يبتسمون ويضحكون ويفلسفون: على رسلكم أيها السادة، فلو قد سألتم ذلك الخاتم أو ذلك الدبوس عما يعرفان من التاريخ، ولو قد أراد الخاتم وأراد الدبوس أن يقص عليكم بعض ما يعرفان لما ابتسمتم ولا ضحكتم ولا أغرقتم في الفلسفة هذا الإغراق. فليست قيمة الخاتم والدبوس في هذه الجنيهات التي تربى على الألف أو تبلغ المئات فحسب، ولكن قيمتها فيما يحملان من ذكرى وما يصوران من حياة، وفي هذه الصلة التي تصل بينهما وبين القلوب والنفوس. قال صديق ماكر: فحدثنا إذا عن خاتمك الذي فقدته، فقد يظهر انك فقدت خاتما أيضاً وان أمره قد ارتفع إلى رجال الشرطة ثم هبط إلى الصحف ثم ذاع بين الناس. قلت وانك لتتحدث عن هذا الخاتم هازلا كأنما تغض من أمره وتزدريه، فهل تعلم إني حزنت عليه حزنا شديدا! وهل تعلم انه ليس اقل خطرا ولعله اعظم خطر عندي من ذلك الخاتم وهذا الدبوس؟ وهل تعلم أنه يمتاز من ذلك الخاتم وهذا الدبوس بان له الحياة المصرية العأمة آثاراً باقية، به اصبح قوم دكاترة. وبه أدرك قوم آخرون إجازة الليسانس، وبه صرف كثير من أمور الدولة، وقضى في مصالح كثير من الأستاذة والطلاب أعواما، فحدثني أين يقع من هذا كله اثر ذلك الخاتم وهذا الدبوس في حياة المصريين؟ ومع ذلك فلم تبلغ قيمته ألفا ولا مائه، ولا عشرة من الجنيهات، استغفر الله، بل لم تبلغ قيمته عشرة من القرش، وإنما كانت قيمته قرش ونصف قرش ليس غير، اتخذته حين كانت الأشياء رخيصة، في ذلك الزمن، الذي كنا نستطيع أن نبلغ فيه بالقرش كثير من المآرب والحاجات، اتخذته في باب الخلق، خارج ذاتيوم من دار الكتب، وكنت في الرابعة والعشرين من العمر، وكنت أريد أن أسافر إلى اوربا، واظهر لي هذا السفر إني شخص من الأشخاص، يجب أن اذكر مولدي، واعرف سني، واقدر ما آتي من الاعمال، في ذلك الوقت بحثت عن شهادة الميلاد وكانت ضائعة، فعرفت سني وكنت أجهلها، وفي ذلك الوقت قيل لي من أتى عملا أو قالقولا وجب عليه أن يمضيه، فاتخذت
стр. 2413
هذا الخاتم، صنعه لي رجل كان يصنع الخواتم قريبا من المحافظة، ثم عبر معي البحر، وصحبني في فرنسا طالبا، وصحبني في الجامعة أستاذاً، عمل معي في أعمال الدولة، وأمضى معي عن أمور الدولة، وكان صديقا أميناً، لست ادري، كيف قبلت فراقه حينا، وأتمنت عليه صاحبي، حتى اقبل ذات يوم ينبئني انه افتقده فلم يجده، هنالك ضقت به وضقت بالناس، وضقت بالحياة كلها وقتا غير قصير، ثم زعم لي زاعم إن الأمر يجب أن يرفع إلى الشرطة فرفع اليها، وهبط إلى الصحف، ولكن الشرطة تلقت أمره باسمه، لكن الصحف نشرت أمره مداعبة، ولكن الأصدقاء تحدثوا عنه حين، أفرأيت إن قيم الأشياء، تختلف لا باختلاف آثارها، ومكاناتها ولكن باختلاف أصحابها، فلو كنت رئيس الوزراء، لما ابتسم الشرطي، ولما داعبت الصحف لأني فقدت خاتما، ولكني لست رئيس الوزراء فيبسم الشرطي، ولا يأتي حركة وتداعب الصحف، وتمزح أنت ويمزح هؤلاء بهذا وامثاله، كنا نتحدث أيام العيد.
طه حسين
стр. 2414
لحظات التجلي
للأستاذ أحمد أمين
لكل إنسان - وخاصة العقليين - والروحانيين - لحظات تضيء فيها
نفوسهم، حتى كأنها المرآة الصافية، أو الشعلة الملتهبة، كل جانب فيها
مضيء، وكل العالم منعكس عليها، يراه فيها كما يرى السماء في
الماء.
يحس بهذا الأديب، فتراه حينا وقد غزرت معانيه وتدفقت عليه من كل جانب، حتى ليحار في الإختيار، ماذا يأخذ وماذا يذر، وبم يفضل بعضها على بعض، وحتى كأنه يغترف من بحر، أو يملي عن حفظ، ويصدر عنه إذ ذاك القول السلس والمعاني الغزيرة، والشعر المتدفق، هذه اللحظات عنده هي (لحظات التجلي)، وتأتي عليه أوقات وقد جمدت قريحته، وأجدب فكره، يعاني في البحث ما يعاني، ثم لا يأتي إلا بحمأة وقليل من ماء، ويصعب عليه القول كأنه يمتح من بئر، أو يستنبط من صخر، وقد عبّر الفرزدق عن هذا المعنى فقال (أنا أشعر تميم، وربما أتت عليّ ساعة ونزع ضرس أسهل عليّ من قول بيت) ونتاجه في مثل هذه اللحظات بارد جاف، لا يستسيغه الذوق، ولا تألفه الروح، أشبه شيء بقطع الجلاميد، وبأجدال الحطب.
ويحس بهذا الفيلسوف، فيشعر بلحظات تنكشف فيها حقيقة هذا العالم، فيراه ويستلذها، ويود أن تدوم، بل يود أن تعاوده الفينة بعد الفينة، ويتمنى أن يشتري عودتها بكل مالك، وينفق في ساعة منها كل متع الحياة الدنيا، يشعر في هذه اللحظات بذكاء في الفهم، وصفاء في النفس، ولطافة في الحس تكفيه في فهم هذا العالم الإشارة، وتجزئه الإيماءة، يستشف العالم من وراء مظهره، ويلمحه من رموزه، ويشعر إذ ذاك بسمو في العقل، ورقي في الروح، لا يعدل لذتهما شيء في الحياة. ثم تذهب عنه لحظات التجلي على الرغم منه، فإذا به في بعض أوقاته مظلم الحس، متخلف الذهن، بليد البصيرة، لا ينتبه للحن، ولا يفطن لمغزى، تستعجم عليه المدارك الظاهرة، وتَخْفَى عليه الأشباح المائلة، وتختلف لحظات التجلي عند الفلاسفة ولا صوفية كثرة وقلة، كما يختلف مدى التجلي بعداً وقرباً، حتى ليحكى عن
стр. 2415
افلوطين) الفيلسوف الروحاني المشهور أنه حظي بهذه اللحظات بضع مرات في حياته. وحظي بها تلميذه (فورفوريوس) مرة واحدة.
وتعرض للفنان فيلهم معنى يصوره بريشته أو يوقع به على قيثارته، فثَمّ الإبداع والجمال الرائع، والحسن البارع، ذلك يملأ العين حسناً بصورته، وهذا يملأ السمع والقلب عذوبة بنغمته، ثم تأتي على هذا وذاك أوقات ينضب فيها معينها، ويفتر عنهما وحيهما.
وترى العلماء من رياضي وطبيعي وكيمياوي، ى يرزق أحدهم الخطوة بلحظة من هذه اللحظات، يلهم فيها فكرة يكون من ورائها مخترع عجيب، أو استكشاف خطير، عرض له أثناء بحثه، وقد لا تكون هناك علاقة ما بين ما يحدث وبين ما ألهمه، بل قد لا تكون هناك مقدمات منطقية مطلقاً لما ألهم، ويقف العلم حائراً لا يستطيع أن يعلل كيف نشأت في ذهن هذه العالم تلك الفكرة، وكيف فطن لها، بل يحار المستكشف نفسه كيف عرضت له وكيف ألهم بها.
وبعد فهل يمكن أن نضع قوانين لهذه اللحظات، وهل هناك عوامل معروفة إذا استوفيت أمكننا اقتناؤها والحظوة بها؟ وهل يمكن أن نجمع هذه الشروط في زر كهربائي أو زر روحاني نفتحه فتنفتح علينا لحظات التجلي إن شئنا؟
لو استطعنا هذا لتضاعف الإنتاج الأدبي والعلمي في هذا العالم أضعافاً مضاعفة، ولسهل على الأديب أن يستوفي الشروط فما هو إلا إن يمسك بقلمه فيغزر ماؤه، ويسيل إتيهُّ، وتنثال عليه الألفاظ والمعاني إنثيالاً.
لقد حاولوا من قديم أن يستكشفوا قوانين (التجلي) فقالوا إن مما يعن عليه جودة الغذاء، وفراغ البال من هموم الحياة، وصحة البدن، وطمأنينة النفس واستعانوا على نيل لحظات التجلي بمختلف الألوان، فقد قيل لكثير عزة يا أبا صخر، كيف تصنع إذا عسر عليك قول الشعر؟ قال أطوف في الرباع المخلية، والرباع المعشبة، فيسهل علي أرصنه، ويسرع إلي أحسنه، وقال الأحوص
وأشْرَفَتُ في نشز من الأرض يافِع … وقد تَشْعَف الأيْفاع مَنْ كانَ مقْصِدَا
ولجأ الأدباء من قديم إلى الأزهار والرياض، والمياه الجارية والمناظر الجميلة، كما لجأ بعضهم إلى الخمر يستلهمها ويستوحيها، وتكاد تكون لكل أديب عادة يرى أنها علة
стр. 2416
غزارته، ومفتاح إنتاجه، وأنه يستنزل بها العصم من الأفكار، ويستسمح بها الأبي من المعاني، ولكن هل نجحت كل هذه المحاولات في استكشاف قوانين التجلي.؟ أظن إن نظرة بسيطة تكفي للقول بأنها لم تنجح، فقد تستوفي كل الشروط التي قالوها، فالصحة في أجود حالاتها، والغذاء خير غذاء، والكاتب أو الشاعر مطمئن النفس، هادئ البال، بين الرياض المزهرة، والمياه الجارية، والوجوه الناظرة، وهو مع هذا أجدب ما يكون قريحة، وأنضب ما يكون معيناً، ثم هو يكون على العكس من ذلك كله فيواتيه شيطانه، وتتزاحم في صدره المعاني، وتتبارى على قلمه الآراء والأفكار والألفاظ.
ثم هذا أديب أو شاعر يجود قوله وتتجلى نفسه، في الأماكن الخالية والسكون العميق وذاك لا يأتي له هذا الموقف إلا في الأوساط الصاخبة والحركة المائجة. وأديب لا ينتج إلا إذا امتلأ جيبه واطمأنت نفسه لحاجات الحياة، على حين إن الآخر لا يجد إلا إذا فرغ وطابه. وعضه الفقر بنابه، وتكاثرت عليه الهموم.
فأين قوانين التجلي إذا كان يحدث في البيئة وضدها، والظروف وعكسها؟ قد تكون كل المظاهر وكل ما يحيط بالنفس مع ذلك فياضة جياشة متجلية، وقد تكون المظاهر كلها تدل على نفس متفتحة للعمل، مليئة بالفكر فإذا هي مجدبة متقبضة، وترى الآراء القيمة والمعاني السامية قد تنبع من بيئة قائمة، ونفس مظلمة كما تخرج الزهرة من طين أو كما يخرج الذهب من الرغام، والحرير من الدود، وقد حكي لنا عن أدباء آخرجوا روايات هزلية تستخرج الضحك من أعماق القلب وحالتهم النفسية وقت تأليفها كان يسودها الحزن، ويشيع في جوانبها الألم والبؤس.
أخشى أن يكون الذين قد وضعوا هذه القوانين وأمثالها للحظات التجلي قد تسرعوا في وضعها، فالإنسان معقد كل التعقيد، ولئن كان جسمه معقداً مرة فنفسه وروحانيته وعقله معقدة ألف مرة بل آلافاً، وإن العوامل التي تؤثر في نفسه وروحانيته ليست الحالة البدنية، ولا الغذاء الصالح، ولا المناظر الجميلة، ولا الغنى والفقر، وحدها، بل هنالك عوامل أدق وأعمق واغمض، الإنسان لا يعيش في بدنه وحده، ولا في محيطه فقط، بل إنه ليعيش في أصدقائه الأقربين والأبعدين، وإنه ليعيش في ذريته الذين كانوا وسيكونون، وإنه ليعيش في أحلامه وآلامه وآماله، ويعيش في شبكات من تموجات نفسية دونها بمراحل شبكات
стр. 2417
التلغرافات والتليفونات وتتسلط عليه أنواع من الأشعة لا عداد لها لعلنا لا نستطيع أن نكتشف قوانين التجلي إلا إذا عرفنا نوع النفس التي تتلقى هذه الأشعة، وعلمنا كل هذه المؤثرات، وهيهات!!
أحمد أمين
стр. 2418
حنجرة
للدكتور محمد عوض محمد
اشهد إن الطبيعة قد تمنح، فتسرف في المنح، وتعطي فتجزل في العطاء وتنسى نفسها أحياناً، فتكيل السعادة لمن رضيت عنه بمكيال هائل، وتبذير منقطع النذير. وكان ذلك شأنها يوم أفرغت على الرجل العجيب (أنطون سو كيلوف) أسجال الهبات: بأن منحته تلك الثمينة الرائعة!
أجل وان المرء لتأخذه الدهشة عن يمينه وشماله، ومن ورائه وأمامه، ومن فوقه ومن تحته، حين يفكر في الوسائل المختلفة العديدة، التي تتوسل بهاالآلهة، لكي ترفع من تحبه على الناس درجات، وتحلق به في ملكوت السماوات: - ترضى عن هذا فتمنحه المال عن وفر وعن سعه، وتحب هذه فتكسوها أثواب الجمال: ثوباً فوق ثوب - كأنها ورق الكرنب - ويحلو للآلهة أن تنعم على ذلك فإذا هو ذو جاه عريض طويل، عميق غليظ.
ولكن اغرب شيٌ تهبه الآلهة هو مهن غير شك - تلك المميزات الجسدية: تلك القطع من اللحم والعظم والغضروف والجلد - يجري فيها الدم أحياناً؛ وأحياناً لا يجري فيها الدم مطلقاً. وطوراً يكسوها الشعر، وكثيراً ما تكون صلعات عارية من الشعر - تلك الأجزاء الجثمانيه؛ التي يحسبها الجهال من مصادفات الولادة، أو من غلطات الولادة وفي الحق هي السر الباتع الذي يحرك الفلك، وتدور له الكرة الأرضية من الغرب إلى الشرق.
وما على الذي يشك في صحة هذه الدعوى، أو يريد أن يتهمنا بالغلو والمبالغة، إلا إن يلقي نظرة يسيرة على التاريخ المكتوب وغير المكتوب، ويكفي أن يلقي النظرة على عجل وهو مغمض العينين، ليرى كم من صلعة لامعة قد ساست الممالك، ودوخت الجيوش، وكم من ذقن غليظ استطاع إخضاع القطار وتسخير كل جبار. وها نحن نسوق للقارئ أمثلة لا تحتمل الشك أو الإنكار.
هذه كيلوباطرة! بأي سلاح وبأية قوة استطاعت أن تخضع يوليوس قيصر، وتلفه حول إصبعها الخنصر؟ إبالقنابل والاساطيل؟ أما بالجيوش والدبابات، ام بالغازات الخانقة وغير الخانقة؟ لا بهذه - لعمرك - ولا بتلك. بل بقطعة انف مستدق مستطيل: خارت أمامها عزمة العأهل الروماني الهائل، الذي فتح الغال وبلاد الأسبان واستولى حتى على بريطانيا
стр. 2419
العظمى - التي لم تكن عظمى في ذلك الوقت.
ثم شمشون: الجبار شمشون، الذي استطاع أن يقتل ألفاً من الفلسطينيَّين وما بيده سلاح سوى عظمة الفك الأسفل لحمار نفق حديثا، والذي استطاع أن يقبض على العمودين اللذين يمسكان الهيكل الأكبر - وقد احتشد فيه أعداؤه آلافا مؤلفة - أمسك عموداً باليمين، وعموداً بالشمال، ثم مال بالعمودين وهو يقول: (على وعليهم يا رب!) فإذا الهيكل يتداعى والسقف ينقض بمن عليه، والبناء يندك بمن فيه. وإذا الآلاف المؤلفة تقبر، بما فيهم دليلة الخائنة الماكرة!.
ألا رحم الله شمشون! أنى جاءته كل هذه القوة وهذا الجبروت؟ ذلك هو السر الخطير، الذي أدلى به إلى دليلة الخائنة، حين أنبأها إن قواه كلها كاملة في تلك الشعارات التي نبتت في رأسه كما تنبت الأشعة في رأس الشمس.
وهكذا كان عضو بسيط من أعضاء الجسم سبباً في تحويل سطح الأرض، وفي قلب مجرى التاريخ. . .
إذن لماذا نعجب من إن الآلهة حينما أرادت أن تغدق النعم على (انطون) لم تزد على إن وهبته حنجرة؟. لم تهبه مالاً ولا عقلاً، ولا ذكاء ولا فهماً، ولا طرفاً ناعساً ولا وجهاً وسيماً. بل كل ما منحته وحبته به: حنجرة.
نفس عصام سودت عصاما
وعلمته الكر والإقدام
وصيرته ملكاً هماما
هذا جائز في عصام المذكور. أما (انطون سو كيلوف) فلم تكن له نفس تستحق الذكر، ولم يكن شجاعاً ولا هماماً ولا يعرف كراً ولا إقداماً. ولم يكن صاحب علم ولا جاه، بل صاحب حنجرة فحسب. يملكها وتملكه، وليس له من حطام الدنيا شيُ سواها، وليس لها من حطام الدنيا شيُ سواه وكانت هي سر سعادته؛ واستطاع هو أيضاً أن يجعلها سعيدة منعمة.
ليس على فضل الآلهة من حَرَجْ
إن شاء ضاق الأمرُ، أو شاء الفرجْ
ويدرك العلياءَ من به عرجْ
стр. 2420
وترتقى حنجرةٌ أعلى الدَّرَجْ!!
إن سر النجاح في الحياة هو ما قاله سقراط: أن تعرف نفسك: وهكذا فعل انطون. فقد خلا إلى نفسه يوماً، وجعل يجهد فكره الكليل في معرفتها وفي الكشف عن أمرها. لعله إن يرى في ركن من أركانها كنزاً مخبوءاً، أو قوة مدفونة. فهداه طول التفكير، والتدبير الكثير، إلى إن له حنجرة ليس لها في العالم نظير. أجل وإنها لجديرة بأن ترفعه ويرفعها إلى المقام الأسمى والسِّماك الأعلى. وان ينفض بواسطتها غبار الفاقه الذي يوشك أن يقبره ويقبرها.
وكانت ساعة إلهام أدرك فيها انطون إن برلمان إنكلترا - أبو البرلمانات جميعاً - هو ميدانه الوحيد وميدان حنجرته العزيزة. . . عجباً كيف لم يوفق إلى هذا الكشف الهائل من قبل، فيقضى على عيش الضنك والفقر الذي لازمه طوال هذه السنين؟.
وفي مساء ذلك اليوم الخطير كان انطون جالساً - وحنجرته - إلى رئيس (المحافظين) يحدثه حديثاً شائقاً طليا. والصوت يدوي من حنجرته دويا - ولولا إن الريح في ذلك المساء كانت تهب من الجنوب، لسمع أهل فرنسا صدى تلك الحنجرة تنبئ الساكنين على ضفاف السين. إن على ضفاف التايمز رجالاً.
وأدرك رئيس المحافظين - ويا سرعان ما أدرك! - إي كنز قد ظفر به، وأي ذخر ثمين قد قدمنه الآلهة له ولحزبه! انهم بفضل هذه الحنجرة الرعدية لن يلبثوا طويلا حتى يتربعوا على دست الحكم، ويتحكموا في الدولة التي لا تغرب عليها الشمس.
ولم يبرح انطون مجلس الرئيس إلا وقد حمل في صدره - وفي جيبه - ألف دليل على إن نجم نحسه قد اودع في بطن الثرى وان نجم سعده قد اشرق في السماء لامعاً صاعداً.
كان انطون من رعايا الروس، وقد حاول السنين الطوال أن ينال الجنسية البريطانية، فلم تلق جهوده إلا الفشل. إن الجنسية البريطانية أجل وأثمن من أن تمنح للصعاليك أمثاله أما اليوم فقد جاءته تلك الجنسية تجرر اذيالها، وهي تمشي على استحياء، نزلت عليه من المحل إلا رفع من بعد طول تعزز وتمنع.
وفتحت بين يديه نوادي المحافظين، المفرطين في أرستقراطيتهم، وفي عزلتهم. فجعل يفشاها هو وحنجرته التي كان صداها يدوي في تلك الحجرات الهائلة، فتمتلئ بها الآذان وتميل نحوها الأعناق.
следующие страницы →