Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
غزارته، ومفتاح إنتاجه، وأنه يستنزل بها العصم من الأفكار، ويستسمح بها الأبي من المعاني، ولكن هل نجحت كل هذه المحاولات في استكشاف قوانين التجلي.؟ أظن إن نظرة بسيطة تكفي للقول بأنها لم تنجح، فقد تستوفي كل الشروط التي قالوها، فالصحة في أجود حالاتها، والغذاء خير غذاء، والكاتب أو الشاعر مطمئن النفس، هادئ البال، بين الرياض المزهرة، والمياه الجارية، والوجوه الناظرة، وهو مع هذا أجدب ما يكون قريحة، وأنضب ما يكون معيناً، ثم هو يكون على العكس من ذلك كله فيواتيه شيطانه، وتتزاحم في صدره المعاني، وتتبارى على قلمه الآراء والأفكار والألفاظ.
ثم هذا أديب أو شاعر يجود قوله وتتجلى نفسه، في الأماكن الخالية والسكون العميق وذاك لا يأتي له هذا الموقف إلا في الأوساط الصاخبة والحركة المائجة. وأديب لا ينتج إلا إذا امتلأ جيبه واطمأنت نفسه لحاجات الحياة، على حين إن الآخر لا يجد إلا إذا فرغ وطابه. وعضه الفقر بنابه، وتكاثرت عليه الهموم.
فأين قوانين التجلي إذا كان يحدث في البيئة وضدها، والظروف وعكسها؟ قد تكون كل المظاهر وكل ما يحيط بالنفس مع ذلك فياضة جياشة متجلية، وقد تكون المظاهر كلها تدل على نفس متفتحة للعمل، مليئة بالفكر فإذا هي مجدبة متقبضة، وترى الآراء القيمة والمعاني السامية قد تنبع من بيئة قائمة، ونفس مظلمة كما تخرج الزهرة من طين أو كما يخرج الذهب من الرغام، والحرير من الدود، وقد حكي لنا عن أدباء آخرجوا روايات هزلية تستخرج الضحك من أعماق القلب وحالتهم النفسية وقت تأليفها كان يسودها الحزن، ويشيع في جوانبها الألم والبؤس.
أخشى أن يكون الذين قد وضعوا هذه القوانين وأمثالها للحظات التجلي قد تسرعوا في وضعها، فالإنسان معقد كل التعقيد، ولئن كان جسمه معقداً مرة فنفسه وروحانيته وعقله معقدة ألف مرة بل آلافاً، وإن العوامل التي تؤثر في نفسه وروحانيته ليست الحالة البدنية، ولا الغذاء الصالح، ولا المناظر الجميلة، ولا الغنى والفقر، وحدها، بل هنالك عوامل أدق وأعمق واغمض، الإنسان لا يعيش في بدنه وحده، ولا في محيطه فقط، بل إنه ليعيش في أصدقائه الأقربين والأبعدين، وإنه ليعيش في ذريته الذين كانوا وسيكونون، وإنه ليعيش في أحلامه وآلامه وآماله، ويعيش في شبكات من تموجات نفسية دونها بمراحل شبكات
стр. 2417
التلغرافات والتليفونات وتتسلط عليه أنواع من الأشعة لا عداد لها لعلنا لا نستطيع أن نكتشف قوانين التجلي إلا إذا عرفنا نوع النفس التي تتلقى هذه الأشعة، وعلمنا كل هذه المؤثرات، وهيهات!!
أحمد أمين
стр. 2418
حنجرة
للدكتور محمد عوض محمد
اشهد إن الطبيعة قد تمنح، فتسرف في المنح، وتعطي فتجزل في العطاء وتنسى نفسها أحياناً، فتكيل السعادة لمن رضيت عنه بمكيال هائل، وتبذير منقطع النذير. وكان ذلك شأنها يوم أفرغت على الرجل العجيب (أنطون سو كيلوف) أسجال الهبات: بأن منحته تلك الثمينة الرائعة!
أجل وان المرء لتأخذه الدهشة عن يمينه وشماله، ومن ورائه وأمامه، ومن فوقه ومن تحته، حين يفكر في الوسائل المختلفة العديدة، التي تتوسل بهاالآلهة، لكي ترفع من تحبه على الناس درجات، وتحلق به في ملكوت السماوات: - ترضى عن هذا فتمنحه المال عن وفر وعن سعه، وتحب هذه فتكسوها أثواب الجمال: ثوباً فوق ثوب - كأنها ورق الكرنب - ويحلو للآلهة أن تنعم على ذلك فإذا هو ذو جاه عريض طويل، عميق غليظ.
ولكن اغرب شيٌ تهبه الآلهة هو مهن غير شك - تلك المميزات الجسدية: تلك القطع من اللحم والعظم والغضروف والجلد - يجري فيها الدم أحياناً؛ وأحياناً لا يجري فيها الدم مطلقاً. وطوراً يكسوها الشعر، وكثيراً ما تكون صلعات عارية من الشعر - تلك الأجزاء الجثمانيه؛ التي يحسبها الجهال من مصادفات الولادة، أو من غلطات الولادة وفي الحق هي السر الباتع الذي يحرك الفلك، وتدور له الكرة الأرضية من الغرب إلى الشرق.
وما على الذي يشك في صحة هذه الدعوى، أو يريد أن يتهمنا بالغلو والمبالغة، إلا إن يلقي نظرة يسيرة على التاريخ المكتوب وغير المكتوب، ويكفي أن يلقي النظرة على عجل وهو مغمض العينين، ليرى كم من صلعة لامعة قد ساست الممالك، ودوخت الجيوش، وكم من ذقن غليظ استطاع إخضاع القطار وتسخير كل جبار. وها نحن نسوق للقارئ أمثلة لا تحتمل الشك أو الإنكار.
هذه كيلوباطرة! بأي سلاح وبأية قوة استطاعت أن تخضع يوليوس قيصر، وتلفه حول إصبعها الخنصر؟ إبالقنابل والاساطيل؟ أما بالجيوش والدبابات، ام بالغازات الخانقة وغير الخانقة؟ لا بهذه - لعمرك - ولا بتلك. بل بقطعة انف مستدق مستطيل: خارت أمامها عزمة العأهل الروماني الهائل، الذي فتح الغال وبلاد الأسبان واستولى حتى على بريطانيا
стр. 2419
العظمى - التي لم تكن عظمى في ذلك الوقت.
ثم شمشون: الجبار شمشون، الذي استطاع أن يقتل ألفاً من الفلسطينيَّين وما بيده سلاح سوى عظمة الفك الأسفل لحمار نفق حديثا، والذي استطاع أن يقبض على العمودين اللذين يمسكان الهيكل الأكبر - وقد احتشد فيه أعداؤه آلافا مؤلفة - أمسك عموداً باليمين، وعموداً بالشمال، ثم مال بالعمودين وهو يقول: (على وعليهم يا رب!) فإذا الهيكل يتداعى والسقف ينقض بمن عليه، والبناء يندك بمن فيه. وإذا الآلاف المؤلفة تقبر، بما فيهم دليلة الخائنة الماكرة!.
ألا رحم الله شمشون! أنى جاءته كل هذه القوة وهذا الجبروت؟ ذلك هو السر الخطير، الذي أدلى به إلى دليلة الخائنة، حين أنبأها إن قواه كلها كاملة في تلك الشعارات التي نبتت في رأسه كما تنبت الأشعة في رأس الشمس.
وهكذا كان عضو بسيط من أعضاء الجسم سبباً في تحويل سطح الأرض، وفي قلب مجرى التاريخ. . .
إذن لماذا نعجب من إن الآلهة حينما أرادت أن تغدق النعم على (انطون) لم تزد على إن وهبته حنجرة؟. لم تهبه مالاً ولا عقلاً، ولا ذكاء ولا فهماً، ولا طرفاً ناعساً ولا وجهاً وسيماً. بل كل ما منحته وحبته به: حنجرة.
نفس عصام سودت عصاما
وعلمته الكر والإقدام
وصيرته ملكاً هماما
هذا جائز في عصام المذكور. أما (انطون سو كيلوف) فلم تكن له نفس تستحق الذكر، ولم يكن شجاعاً ولا هماماً ولا يعرف كراً ولا إقداماً. ولم يكن صاحب علم ولا جاه، بل صاحب حنجرة فحسب. يملكها وتملكه، وليس له من حطام الدنيا شيُ سواها، وليس لها من حطام الدنيا شيُ سواه وكانت هي سر سعادته؛ واستطاع هو أيضاً أن يجعلها سعيدة منعمة.
ليس على فضل الآلهة من حَرَجْ
إن شاء ضاق الأمرُ، أو شاء الفرجْ
ويدرك العلياءَ من به عرجْ
стр. 2420
وترتقى حنجرةٌ أعلى الدَّرَجْ!!
إن سر النجاح في الحياة هو ما قاله سقراط: أن تعرف نفسك: وهكذا فعل انطون. فقد خلا إلى نفسه يوماً، وجعل يجهد فكره الكليل في معرفتها وفي الكشف عن أمرها. لعله إن يرى في ركن من أركانها كنزاً مخبوءاً، أو قوة مدفونة. فهداه طول التفكير، والتدبير الكثير، إلى إن له حنجرة ليس لها في العالم نظير. أجل وإنها لجديرة بأن ترفعه ويرفعها إلى المقام الأسمى والسِّماك الأعلى. وان ينفض بواسطتها غبار الفاقه الذي يوشك أن يقبره ويقبرها.
وكانت ساعة إلهام أدرك فيها انطون إن برلمان إنكلترا - أبو البرلمانات جميعاً - هو ميدانه الوحيد وميدان حنجرته العزيزة. . . عجباً كيف لم يوفق إلى هذا الكشف الهائل من قبل، فيقضى على عيش الضنك والفقر الذي لازمه طوال هذه السنين؟.
وفي مساء ذلك اليوم الخطير كان انطون جالساً - وحنجرته - إلى رئيس (المحافظين) يحدثه حديثاً شائقاً طليا. والصوت يدوي من حنجرته دويا - ولولا إن الريح في ذلك المساء كانت تهب من الجنوب، لسمع أهل فرنسا صدى تلك الحنجرة تنبئ الساكنين على ضفاف السين. إن على ضفاف التايمز رجالاً.
وأدرك رئيس المحافظين - ويا سرعان ما أدرك! - إي كنز قد ظفر به، وأي ذخر ثمين قد قدمنه الآلهة له ولحزبه! انهم بفضل هذه الحنجرة الرعدية لن يلبثوا طويلا حتى يتربعوا على دست الحكم، ويتحكموا في الدولة التي لا تغرب عليها الشمس.
ولم يبرح انطون مجلس الرئيس إلا وقد حمل في صدره - وفي جيبه - ألف دليل على إن نجم نحسه قد اودع في بطن الثرى وان نجم سعده قد اشرق في السماء لامعاً صاعداً.
كان انطون من رعايا الروس، وقد حاول السنين الطوال أن ينال الجنسية البريطانية، فلم تلق جهوده إلا الفشل. إن الجنسية البريطانية أجل وأثمن من أن تمنح للصعاليك أمثاله أما اليوم فقد جاءته تلك الجنسية تجرر اذيالها، وهي تمشي على استحياء، نزلت عليه من المحل إلا رفع من بعد طول تعزز وتمنع.
وفتحت بين يديه نوادي المحافظين، المفرطين في أرستقراطيتهم، وفي عزلتهم. فجعل يفشاها هو وحنجرته التي كان صداها يدوي في تلك الحجرات الهائلة، فتمتلئ بها الآذان وتميل نحوها الأعناق.
стр. 2421
ولم تمض أسابيع قلائل حتى أخليت له دائرة من دوائر البرلمان، وحتى اقسم يمين الطاعة للملك ولدستور الدولة العظمى التي قلما تغرب الشمس عليها.
هنالك بدأت معجزته الهائلة تقرع الأسماع، وتأتي بكل إبداع، يوم تبوأ مقعده في (وستمنستر) وقد لف على الحنجرة العزيزة كوفية من الدمقس الخالص، براً بها، وعطفاً عليها. وهي بهذا لعمري جديرة بعد أن أصبحت ينبوع ثورة، ومبعث قوة وصوله، وعماد حزب ودولة.
ولم يك إن جالت هذه الحنجرة جولةً أو جولتين حتى سقط (الأحرار) المساكين، صرعى لا حراك بهم، وسقطت حكومتهم، التي كانت تحسب أنها باقية على الدهر، فإذا هي تندحر وتندثر وتمزَّق كل ممزَّق.
ثم أذَّنَ مؤذن بالانتخابات الجديدة للبرلمان الجديد، فإذا حنجرة أنطوان تكتسح كل شئ أمامها، وتجوب البلاد من جنوبها إلى شمالها، فتندك أمامها المعاقل والحصون، وتعنو لها الرقاب والأعناق، وتنجلي معارك الانتخاب عن فوز ساحق ماحق يفوزه المحافظون، ويعودون إلى البرلمان، يجرون ذيول التيه، ويبرمون شوارب الخيلاء.
وفي اليوم التالي غدا أنطوان إلى شركات التأمين فأمن على حنجرته بمائة ألف من الجنيهات.
إن اللآلهة قد تمنح، فتشرق في المخ، وتعطي فتجزل العطاء
стр. 2422
الحركة الوطنية الاشتراكية الألمانية
٤ - البرنامج الخارجي في طور التنفيذ
للأستاذ محمد عبد الله عنان
لم يكن أثر الثورة الوطنية الاشتراكية الألمانية في سياسة ألمانيا
الخارجية أقل منه في شئونها الداخلية. ولكن الثورة الوطنية كانت في
ميدان السياسة الخارجية أكثر توفيقاً، لأنها الفت الميدان عند قيامها
ممهداً صالحا ًللعمل القوي الجريء، ولأن الشعب الألماني يرى المسألة
الخارجية مسألة قومية محضة ويؤيد الثورة الوطنية فيها تأييداً قوياً
صادقاً، على إن هذا التوفيق الذي لقيته الوطنية الاشتراكية في بعض
نواحي السياسة الخارجية كان مقروناً من جهة أخرى بتطورات ونتائج
لم تكن صالحة ألمانيا، ولكنها كانت نتيجة لما أبدته الوطنية الاشتراكية
في وسائلها من ضروب العنف والاندفاع.
تولى الوطنيين الاشتراكيون الحكم وألمانيا ما زالت من الوجهة الدولية في المركز الذي وضعت فيه بمقتضى معاهدة الصلح (معاهدة فرساي) وهو مركز لا يجعلها على قدم المساواة مع باقي الدول العظمى من حيث الحرية في تدبير وسائل الدفاع عن نفسها وتنظيم مواردها الاقتصادية طبقاً لمصالحها، وهو مركز يرى الوطنيون الاشتراكيون بحق أنه لا يليق بألمانيا كدولة عظمى ولا يلائم كرامتها القومية. وكانت ألمانيا تجاهد منذ دخلت عصبة الأمم (في سنة ١٩٢٦) في سبيل الانتصاف لنفسها في مسألة الدفاع القومي لأنها جردت بمقتضى معاهدة الصلح من سلاحها، وفي سبيل التحرر من أعباء التعويضات الفادحة التي فرضت عليها لأن هذه الأعباء لبثت بعد الذي أدته منها خطراً داهماً على مواردها القومية ونشاطها الصناعي والتجاري، ولأنها فرضت على أساس مسؤولية ألمانيا في إثارة الحرب الكبرى، وقد ثبت فيما بعد بما صدر من تحقيقات ووثائق دولية مختلفة إن هذا الزعم باطل، وإن مسؤولية ألمانيا في الحرب ليست أكثر من غيرها، وقد سويت مسألة
стр. 2423
التعويضات غير مرة، ولكن ألمانيا لبثت تصر على وجوب التحرر منها، وقالت كلمتها الرسمية في ذلك منذ سنة ١٩٣٢ في عهد حكومة الهرفون بابن، وانتهت جهودها في هذا السبيل بعقد مؤتمر لوزان في صيف سنة ١٩٣٢، وخرجت ألمانيا من المؤتمر ظافرة بتقرير وجهت نظرها، ووافقت دول الحلفاء في البروتوكول الذي عقده المؤتمر على مبدأ إلغاء التعويض نظير قدر محدد تؤديه ألمانيا لا يتجاوز عشر ما كان مطلوب منها، وألقت ألمانيا في ذلك الحين أيضاً دعوتها إلى نزع السلاح الحقيقي طبقاً لما نصت عليه معاهدة الصلح، أو إنها تعمد من جانبها إلى تسليح نفسها تحقيقاً لمبدأ المساواة ومقتضيات الدفاع القومي.
كانت مسألة التسليح إذن أهم مشكلة دولية تواجهها ألمانيا عند قيام الحكومة الوطنية الاشتراكية، ومسألة الدفاع القومي من أهم المسائل التي أثارتها الوطنية الاشتراكية وخصتها بكثير عنايتها، والوطنية الاشتراكية أشد ما تكون بغضاً لمعاهدة فرساي واحتجاجاً على نصوصها وفروضها الظالمة، وهي تعتبرها مصدر كل مصائب ألمانيا، متاعبها، وترى وجوب إلغائها أو تعديلها على الأقل تعديلاً يتفق مع كرأمة ألمانيا وحاجتهاالقومية، وألمانيا تجاهد في هذا السبيل منذ أعوام، وقد استطاعت في الواقع أن تظفر بتعديل كثير من نصوص المعاهدة، ولكنها لم تستطع أن تحقق شيئاً في مسألة نزع السلاح والدفاع القومي.
ولألمانيا في مسألة نزع السلاح نظرية تستمدها من معاهدة الصلح ذاتها، ذلك إن معاهدة الصلح قضت بتجريد ألمانيا من سلاحها، وحددت جيشها العامل بمائة ألف، وحصرت حقها في اقتناء الذخائر والأسلحة في أضيق الحدود، وحرمت عليها أنواع الأسلحة الضخمة، وأنزلت أسطولها إلى وحدة بحرية ضئيلة وحرمت عليها إنشاء الطيارات الحربية، وقضت عليها بإلغاء الخدمة العسكرية الإجبارية، وحرمت عليها إنشاء أية تحصينات على حدودها الغربية عل بعد خمسين كيلو متراً من شرق نهر الرين، وغير ذلك من الفروض المرهقة التي تجعل ألمانيا من حيث الدفاع القومي أضعف من أية دولة ثانوية، وتجعلها غير قادرة على الدفاع عن نفسها إزاء الطوارئ. (معاهدة فرساي - القسم الخامس - المادة ١٤٩ وما بعدها). ولكن ميثاق عصبة الأمم الذي هو قطعة من معاهدة الصلح ينص من وجهة نظر
стр. 2424
أخرى على إن أعضاء العصبة يعترفون بأن تأييد السلام يقتضي تخفيض التسليحات القومية إلى الحد الذي يتفق مع السلأمة القومية وتنفيذ التعهدات الدولية. . . وعلى (أن مجلس العصبة ينظم وسائل هذا التخفيض) (المادة ٨)، ونص من جهة أخرى في ديباجة القسم الخامس من المعاهدة وهو الخاص بتجريد ألمانيا من سلاحها، إن هذا التجريد إنما هو وسيلة لتمكين تنظيم تحديد السلاح تحديداً عاماً بالنسبة لجميع الأمم، وقد أنشأت عصبة الأمم لجنة نزع السلاح ومؤتمره منذ عشرة أعوام تنفيذاً لما يقتضي به ميثاقها، واشتركت ألمانيا في أعمال المؤتمر نزع السلاح منذ دخولها في العصبة، وجاهدت بكل ما وسعت في سبيل تخفيض السلاح؛ ولكنها لم تظفر بأية نتيجة، لأن دول الحلفاء وفرنسا بنوع خاص، لا تريد أن تجري في تسليحاتها أي تخفيض يذكر، ولهذا تقول ألمانيا اليوم إنه ما دام إن نصوص المعاهدة في شأن تخفيض السلاح لم تنفذ، وما دام إن تجريدها من السلاح كان مقروناً بوجوب إجراء هذا التخفيض، فهي من جوانبها في حل من أن تسترد حقها كاملاً في تسليح نفسها وتنظيم دفاعها القومي، وهذا منطق سليم واضح، ولألمانيا فيه كل الحق، ولكنه قوبل من فرنسا بأشد اعتراض؛ وأبت فرنسا وبريطانيا العظمى على ألمانيا كل حق في المساواة الفعلية في التسليح، واقترحتا وضع رقابة دولية على موقفها ورأت أن تختم هذا الجدل العقيم، فانسحبت من مؤتمر نزع السلاح ومن عصبة الأمم في منتصف أكتوبر الماضي، وكانت خطوة جريئة ولكن موفقة من جانب الحكومة الاشتراكية؛ وكان لها أكبر وقع في سير السياسة الدولية، وفي نفس اليوم الذي أقدمت فيه الحكومة الألمانية على هذه الخطوة الحاسمة، أستصدر هر هتلر مرسوما بحل الريخستاج وإجراء انتخابات جديدة ليستفتي الأمة في سياسته الخارجية؛ وأجريت هذه الانتخابات في ١٢ نوفمبر الماضي وخرج منها هتلر بما يشبه إجماع الشعب الألماني على تأييده في العمل لاستعادة مركز ألمانيا الدولي كدولة عظمى والاعتراف لها بحق المساواة في الدفاع القومي وسائر الحقوق القومية الأخرى واضطرت فرنسا إزاء هذا التطور أن تدخل في مفاوضات مباشرة مع ألمانيا لبحث الموقف. وتجري هذه المفاوضات منذ أسابيع. وتحاول إنجلترا وإيطاليا أن تقوما بدور الوساطة والتوفيق. وبينما تؤيد إيطاليا وجهة النظر الألمانية إذا بإنجلترا تتراوح بين التأييد والمعارضة، فهي لا تريد أن تبقى فرنسا محتفظة بزعأمة أوربا
стр. 2425
العسكرية، وتخشى من جهة أخرى أن تعود ألمانيا إلى زعامتها العسكرية القديمة. وقدمت الحكومة الألمانية مقترحات في هذا الشأن خلاصتها أن يرفع عدد الجيش الألماني العامل إلى ثلاثمائة ألف، وأن تعاد الخدمة العسكرية، وأن يكون لألمانيا حق استعمال وسائل الدفاع المختلفة، وأن ينقح دستور عصبة الأمم لكي تكون أداة صالحة محررة من كل ضغط ونفوذ. وقد ردت فرنسا برفض هذه المقترحات باعتبارها مناقضة لمعاهدة الصلح، وقالت بأن تسوية مسألة التسليح لا تكون بزيادته وإنما تكون بتخفيضه، وأن تخفيض السلاح لا يمكن أن ينظم إلا في جنيف وعلى يد عصبة الأمم طبقاً لمعاهدة الصلح، وما زالت المفاوضات تجري بين باريس وبرلين من جهة، وبين لندن وباريس ورومة من جهة أخرى، ولكن الذي لا ريب هو إن ألمانيا قد كسبت أول مرحلة في المعركة، وأنها تتقدم في سبيل غايتها من تحطيم الأغلال التي فرضتها معاهدة فرساي على دفاعها القومي، بل نعتقد إن ألمانيا قد بدأت تعمل بالفعل في هذا السبيل دون انتظار لرأي فرنسا وحلفائها.
وتثير ألمانيا إلى جانب مشكلة الدفاع القومي عدة مشاكل أخرى ترى أنها تمس مصالحها القومية. من ذلك مسألة وادي السار الألماني الذي انتزعته فرنسا لتستغل مناجمه الغنية حتى سنة ١٩٣٥؛ فألمانيا تطالب برده أو يجري الاستفتاء المنصوص عليه في المعاهدة؛ ومنها مسألة المستعمرات الألمانية التي وزعت بين فرنسا وبريطانيا العظمى فألمانيا تطالب الآن بردها لأنها تضيق بسكانها، ومصالحا الاقتصادية الحيوية تقتضي أن يكون لها مستعمرات؛ ومنها مسألة الممر البولوني الذي يمزق بروسيا الشرقية إلى قسمين، فألمانيا ترى أنها لا تستطيع الصبر على هذا التمزيق إلى الأبد، وإن كانت اليوم على تفاهم مؤقت مع بولونيا.
على إن الوطنية الاشتراكية الألمانية لم تكن موفقة في ناحيتين خطيرتين من نواحي السياسة الخارجية، هما المسألة النمسوية، ومسألة العلائق الألمانية الروسية.
فأما في المسألة الأولى فقد حاولت الحكومة الألمانية أن تتدخل في شئون النمسا بطرق شتى. ووجهت الوطنية الاشتراكية الألمانية إلى النمسا كثيراً من ضروب الوعيد والتحدي، وحاولت أن تبث في دعوتها وأن تصبغها بصبغتها. ونذكر أنالعمل على اتحاد الأمم الجرمانية من الغايات الأساسية التي ترمي إلى تحقيقها الوطنية الألمانية. والنمسا هي الأمة
стр. 2426
الجرمانية المقصودة بهذا النص، وهي ترتبط مع ألمانيا بكثير من الروابط الاقتصادية والاجتماعية. وكانت النمسا تضطرم من قبل بدعوة قوية إلى الاتحاد مع ألمانيا سياسياً واقتصادياً ولهذا أرادت الوطنية الألمانية أن تقوم بمحاولاتها الأولى في سبيل هذا الاتحاد.
ولكنها لجأت كعادتها إلى الاندفاع والعنف، وحاولت أن تعامل النمسا كدولة تابعة وأن تملي عليها أرادتها ووحيها، وأن تثير فيها القلاقل والإضطراب، وأن تؤثر فيها بجميع وسائل الضغط والإرغام. ولكن هذه السياسة القصيرة النظر انتهت إلى عكس ما أريد بها. فقد أذكت في الشعب النمسوي عواطف العزة القومية، فنسي خلافاته الحزبية والتف حول حكومة المستشار دلفوس التي أبدت في مقاومة الوطنية الألمانية حزما يثير الإعجاب وأعلنت النمسا أرادتها صريحة في إنها لا تريد أن تكون تابعة لحكومة برلين، وقمعت الحكومة النمسوية كل شغب أثارته الدعوة الألمانية بمنتهى القوة وطاردت دعاة الوطنية الاشتراكية بلا رأفة، وأنهارت في الوقت نفسه دعوة الاتحاد (الآنشولس) وأنفض عنها أنصارها بعد أن رأوا ألمانيا تفسرها بالقضاء إلى الإستقلال النمسوي واستطاعت حكومة فينا أن تجعل من المشكلة النمسوية مشكلة دولية وأن تغتنم تعضيد إنجلترا وفرنسا وإيطاليا في الدفاع عن وجهة نظرها ضد ألمانيا.
وأما في مسألة العلائق الروسية فقد ارتكبت الوطنية الاشتراكية الألمانية أيضاً خطأ فادحا. وكانت ألمانيا منذ خاتمة الحرب تعمل دائما على توثيق صلاتها السياسية والتجارية بروسيا السوفيتية، وتتخذ من هذه الصلات دعأمة لسياستها الخارجية؛ وكانت روسيا أعظم سوق للصناعات الألمانية بعد لأن أغلقت في وجهها الأسواق الغربية؛ وكان التفاهم بين الدولتين محور التوازن السياسي في أوربا الشرقية حيث تطوق ألمانيا بدولتين خصيمتين هما بولونيا وتشيكوسلوفاكيا، ولكن الوطنية الاشتراكية لم تراع هذه السياسة التقليدية، ولم تفرق في كفاحها للشيوعية بين الاعتبارات الداخلية والخارجية، فألقيت تصريحات شديدة ضد روسيا السوفيتية من المستشار هتلر وبعض زملائه، وردت الصحافة الروسية هذه الحملات بمثلها، وكان لموقف حكومة برلين وقع سيئ في حكومة موسكو؛ وظهر أثر هذا التوتر في علائق البلدين واضحاً في إتجاه السياسة الروسية إلى وجهة جديدة. وانتهزت فرنسا هذه الفرصة فعملت على توثيق علائقها مع روسيا باتفاقات جديدة؛ واعترفت
стр. 2427
الحكومة الأمريكية لأول مرة بحكومة السوفيت. ونظمت المبادلات التجارية بين البلدين؛ واتجهت بريطانيا العظمى إلى توسيع نشاطها التجاري في روسيا؛ وفقدت ألمانيا بذلك دعأمة سياسية قوية ومصالح اقتصادية خطيرة. وكان في وسع الوطنية الاشتراكية أن تحرص على علائق ألمانيا وروسيا من الجهة الخارجية، وأن تمضي في نفس الوقت في كفاحها ضد الشيوعية داخل ألمانيا على نحو ما فعلت الفاشية الإيطالية، ولكن الظاهر إن الوطنية الاشتراكية الألمانية لم تعرف بعد أن تفرق نزعاتها الشخصية وبين مصالح ألمانيا العأمة، وأنها لا تتمتع بذلك الإتزان الذي تمتاز به الفاشستية الإيطالية رغم صرامتها.
هذه خلاصة الظروف والأدوار التي تقلبت فيها الوطنية الاشتراكية الألمانية. وهي تعمل حتى اليوم كثيراً لألمانيا، ولكنها عملت كثيراً لإثارة الأحقاد الجنسية والقومية، وسحق الديمقراطية والحريات العأمة. وقد أثارت بذلك كثيراً من الخصومات على ألمانيا، وأساءت بوسائلها المثيرة إلى هيبة ألمانيا وسمعتها، وأفقدتها كثيراً من العطف العالمي، وجمعت كلمة الديمقراطية ضد ألمانيا في خصومة موحدة مشتركة، وبدت الفاشستية الإيطالية للعالم اليوم، بعد الذي شهده من جموح الوطنية الاشتراكية الألمانية وعنفها، أجدر بالتقدير والاغضاء والتسامح من وليدتها.
تم البحث
محمد عبد الله عنان
стр. 2428
الفن المصري القديم
- ١ -
تمهيد
تؤلف الكتب، وتحبر الأوراق، يتبارى في آخراجها أبناء الأمة ذات الفن أو التاريخ. ومصر، أم التاريخ، التي نهل منها جميع الوجود، ومصدر الفن والذي غذى بنعمته ونوره العالم من مبدأ الحياة. مصر، التي هي البقعة الوحيدة التي هبط عليها طائر الفن الجميل، ونزل على أرضها وحي العظمة والعرفان، أفقر الأمم جميعا. اعتزازا بفنها وتاريخها.
وكم مجهود من مجهودات المصريين الحاضرين بذل في سبيل تحقيق تلك الغاية وتمجيدها؟! وكم هو عدد المؤلفات التي وضعتها أيدي مصرية عن الفن المصري القديم؟! وهذه جهود الإفرنج تملأ مصر بحثا ودرسا، وتغشى أرضها تنقيبا واستكشافا. ثم هذه مؤلفاتهم عن الآثار المصرية وما فيها من فن وقدرة وجمال تغمر الدنيا جميعا. بل إن في متحفنا المصري وحده مكتبة تجمع نحو تسعة عشر ألفا من بعض الكتب التي وضعت بلغات مختلفة عن آثار مصر.
الأجانب هنا وهناك، هم الذين يأخذون وحدهم بشؤون تاريخنا. وهم الجادون في دراسة حضارتنا القديمة، ينشرون بحوثهم فيها على العالم ما كان لمصر في التاريخ القديم من فضل. ونحن، نحن الذين كنا أولى من غيرنا بتلك الدعاية واجدر من كل الناس دراسة لآثارنا وأخذاً لمعالم تاريخنا، لا نتقدم إلى الميدان بأقصر يد. ولا ننهض لاعتزاز بمجدنا بأيسر حال.
أليس هذا من بواعث الأسف؟ ثم أليست حالنا في ذلك أدعى إلى النقد والسخرية؟
نعم هناك بعض جهود مصرية، لا ننكرها. وبعض أيادٍ وطنية، على التاريخ المصري، لا يجب أن نجحدفضلها. ولكنها بضعة ضئيلة. أملنا أن تتجسم وتتضاعف، حتى تفيض على الناس خيرا.
ولعلنا جميعا، نوقن في أنفسنا بأننا مهما بذلنا في خدمة وطننا الجهود، ومهما ملأنا الأرض جدا وسعيا، ووصلنا أركان القطر ذكريات وأثارا، فلن نبلغ إلى غاية الخلود والعظمة ما بلغ أجدادنا المصريون القدماء، الذين بهروا العالم إعجاباً وإعجازاً ولقد نفخر بهم، ونعتز
стр. 2429
بمخلفاتهم، ونشير إليهم كلما أعوزتنا الحقيقة إلى إثبات شخصيتنا، وأخذتنا النشوة بالتيه. نفخر بهم، ونتحدث بمجدهم، ولا نخجل من أنفسنا لا يكون لنا، نحن أبناء الحاضر، في ذلك فضل. بل نقف موقف الغراب الذي لبس ريش الطاووس فما كان ذلك يرفعه عن أن يظل غرابا. . .
أولئك الأجداد العظام النابهون، لهم علينا ذمة، ما أحرى بنا أن نفى دينها، ونؤدي حقوقها. فهم لم يتركوا لنا ما تركوا ليلزمونا الفخر بهم جزافا، ونحن قعود. ولكن لنكون جديرين بأن نرث عنهم ذلك المجد، وبررة بجميل ذلك التراث الموهوب فحبذا لو نعمل جميعا لوصل حلقات هذه العظمة، واضعين نصب أعيننا دائما هذه العبارة الخالدة
إن سئلنا ما تركنا … بعدهم ماذا نجيب؟
مصدر المدنيات
كان فريق من علماء الغرب ينسبون الأسبقية في تاريخ الفن الجميل إلى الإغريق. وإنها المصدر الذي تدرجت عنه ثقافات البشر وقلما كان يعترفون بفضل لمصر.
وبالرغم من إن البحوث الأثرية والاستكشافات قد نشرت على الأفكار نورا بان الإغريق إنما أخذت قسطا كبيرا من ثقافتها عن مصر التي سبقت حضارتها حضارة الإغريق بأكثر من ثلاثة آلاف عام، فان بعض آراء المتعنتين نحو مصر ظلت إلى حين، على نكران فضل مصر وعدم اقتباس الأمم عنها.
وقد يكفي أن ندلل على ذلك بتلك الكلمة النزيه التي انصف بها مصر (السير دنيسون روس) مدير مدرسة العلوم الشرقية بانجلترا، في الكتاب الذي قدمه علماء الإنجليز إلى حضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر، بأسم (الفن المصري في جميع العصور، والتي دحض بها تلك الآراء العتيقة. حيث قال: - (مصر هي مهد الفنون. ولولا بقاء كثير من آثارها الأولى حتى يومنا هذا، لقامت معلوماتنا عن التاريخ الأول للفنون على الحدس والتخمين. وكلما زدنا علما بأعمالها الجليلة تبين لنا ما تدين به الفنون المتآخرة لمصر، وزاد جلاء، خذ مثلا الأبحاث الأخيرة التي جرت في صقارة، فإنها أثبتت نهائيا إن العمود المزماري (الذي يشبه الناي أو المزمار) - تطور ووضعت فكرته بواسطة الفنانين المصريين (١) ومن جهة أخرى فان تأثير مصر في آراء البشر وأفكارهم ليس اقل شأنا
стр. 2430
من تأثيرها في عالم الفنون وسجلاتها تعتبر اقدم كنز في تاريخ الإنسانية بأجمعها (وحينما بدأت مصر تسترعي انتباه الغرب كان شارحو مدنيتها هم رجال اللغة والمؤرخون. وأما قيمة آثارها، وما فيها من معان، فكانت من الأشياء التي تكاد لا تعرف. وقد حلت رموز الكتابة الهيروغليفية وقرأت. ولكن ما كان عندنا من تعصب موروث من ثقافتنا القديمة وتفكيرنا الحديث، عاقنا عن أن نقدر فنا كهذا الفن، كل ما فيه غريب علينا. ولقد كان حتما على عالم الفنون أن يجاهد زمنا طويلا، كي يتخلص من براثن الفكرة الإغريقية، ويقترب من آثار الفراعنة البديعة، ويلقي عليها نظرة بريئة خالية من التحيز).
وإليك كلمة أخرى، للأميرة بيبسكو، وقد يذكر القراء اسم سموها حيث تردد ذكره في مؤتمر الطيران الذي عقد بمصر أخيراً. وهي عقيلة رئيس المؤتمر - في رسالة لها بعنوان (يوم مصر) ' إذ قالت عند ذكرها للعمود المزماري في سقارة الذي سبق الكلام عنه:
(لقد وجدت مهد الفن الإغريقي. فان (إمحتب) وهو مهندس الملك (زوسر) أول من استعمل الحجارة الرملية في مصر). وجاء بين كتابات المصريين القدماء إن هذا الفنان رفع إلى صفوف الآلهة لقيامه ببناء الهياكل. وليس هناك ما يدعو للدهشة في ذلك، لان عليها مسحة قدسية، ولأنها اجمل بكثير من تلك المشاهدة في الاكروبول، التي تشابهها. وقد تفوقها من أنها أتم تهذيباً. ويرجع تأريخ هذه الأعمدة المصرية إلى ما قبل (فدياس) بثلاثين قرنا. (وإني لاحس، عندما انظر اليها، بذلك الصلف الذي كان يركب رؤوس ما سبقونا. وها مصر قد فازت أخيراً بقصب السبق. أما هؤلاء الذين تحيزوا للفن الإغريقي ضد الفن المصري، فيجب أن يخفضوا رؤوسهم من الخزي بعد استكشاف أعمدة صقارة).
стр. 2431
مقدمة الأعاصير
للشاعر القروي رشيد الخوري
تعليق
كانت نفسي تجمجم منذ شهرين بكلمة تريد أن تعلن بها إلى جمهور القارئين صدور هذا الديوان منذ دفع إلي لأكتب عن كلمة في (مجلة الشباب المسلمين) - وقد أهداه صاحبه إليها -، لان بمقدمتها آراء أدين بها، واحب أن يدين شعرائنا وكتابنا بين يدي زمانا هذا؛ ولكن التواني في آخراج الفكرة حين ولادتها وحرارتها، طالما جر إلى موتها ونسيانها وخمود دواعيها، وهذا ما حدث لي بشأن الكلام عن هذا الديوان.
بيد إن كلمة الأستاذ الكبير عبد الوهاب عزام، عن هذا الديوان في عدد مضى من الرسالة قد جددت في نفسي حرارة الأفكار التي في مقدمته، مما تقاضاني أن أسرع إلى الكتابة عنها.
ولئن كانت كلمة الدكتور عزام كافية في إعطاء القارئ صورة عن وطنية صاحب (الأعاصير) وعروبيته وتساميه. . الخ. فأني أرى جمهور قراء الرسالة بحاجة إلى أن يعلن إليهم عن الأفكار التي في مقدمته النثرية، فان فيها دعوات ثائرة، من العار ألا يتردد صداها في نوادي الأدب في الشرق العربي وسط عصر الجهاد والفداء والزلزلة! وليس من الإنصاف للذي هتف بها على بعد الدار ونأى الشقة، أن نمر بها كما نمر بأية فكرة أدبية، فأننا نعتد ذلك عقوقا لهذه النفس البرة التي لم تتطرف عينها خوالب الدنيا الجديدة ولم تشغلها عن النظرة الراثية الآسية للوطن الأول. . .
وعجيب أن يكون القلب الخافق بهذه الوجيعة، والبوق الهاتف بأصواتها التي سيسمعها القارئ خلال ما ننقله من السطور، نزيل ديار فاتنة بافانين حياتها وحريتها، مما يجر إلى نسيان الوطن الأول. بينما نجد الكثرة الراقدة بين فكي الحوادث وتحت مناسمها من أدبائنا الذين يأخذ أمتهم الضغط والاضطهاد مصبحة وبالليل، نجدهم كما يقول صاحب الأعاصير: (بين متهافت على وظيفة يخسر نفسه ليربحها. . وعابد بغيا يسفح شبابه على أقدامها. . و (علاك) أوزان تمر به القوافل الحياة قطارا تلو قطار، رازحة بعبر الدهر وعظات الأجيال، وهو واقف إزاءها وقفة الغر الأبله يتلهى بتشطير أو تخميس! أو يباري في وصف ساعة
стр. 2432
معلقة على جدار كأن ليس فيمل يجري خلفه وبين يديه من ساعات الهول وأهوال الساعة ما يحرك له خاطرا أو يهيج له شاعريه. .! أو ليس من الغبن الفاضح ومن دواعي اليأس القاتل أن يموت في الأمة شاعر فتصبح الأمة بأسرها شعراء ترثيه وتبكيه، وتموت بأسرها فلا تجد لها شاعرا يرثيها؟!) أجل أيها الأخ النازح! انه لغبن فاضح وجهل بحقوق الأمم في أعناق الرجال، وغفلة عن رسالة الشعر والأدب، وعن وصايا الأدباء على أممهم، أن يهمل المتأدبون ناحية الجهاد في هذه الحقبة من تاريخ العرب، وان يعكفوا على أدب الخليين الذين يذهبون إلى إشباع الحاسة الفنية فيهم لا غير. . . وإني لأفهم قلم الشاعر والكاتب، ولسان الخطيب، في عصرنا هذا، يجب أن تشيع في منتوجه ألوان من آلام أمته، وأن يخلد من وقائع جهادها صورا تتيح للأجيال المقبلة أن ترى فيها حياة الألم الذي يأكل إحساس الجماعة المثقفة في هذا العصر لأنهم بشاعريتهم المصقولة، واحتكاكهم بالزمن، وتيقظهم لمروره يعكسون صور من يدركون من الحوادث بوضوح واستيعاب، فإذا حولوا هذه الحساسية المصقولة إلى حياة المتاع واللهو والخلو، فقد تضيع معالم هذه الحقبة من تاريخنا أو تنبههم، فضلا عما يصيب إحساسنا القومي من تبلد ونزوع إلى حياة المتعة حيث الكتابات الداعية إليها تأخذ على عين القارئ مسالك الصحف. وفي هذا خسران الروح المعنوية في عصر الجهاد، وفي ذاك خسران أيضاً لأننا في جيل انتقال أحوج ما نكون إلى تسجيل الأحداث مع المشاعر التي تصاحبها ولن يسجل المشاعر إلا شاعر.
ولن يستطيع الداعون إلى بناء الوطن العربي أن يخلقوا في نفوس الشباب حرمة له ما لم يأتوا إليهم من طريق الجد والمرارة! فانهم يستطيعون حينذاك يشيدوا البناء بنجوم السماء!
والآن أضع بين يدي الرسالة نص مقدمة (الأعاصير) لتنتقي من أفكارها ما تتسع له صفحاتها ومنهاجها، ولو إن الأمر إلي لوضعتها كاملة تحت عين القارئ ليرى ذلك القلب الخافق رحمة لأمته، والصوت الصارخ لآلامها، والقلم الوفي لقضيتها.
أما بعد فأني كتبت ما تقدم قبل أن اقرأ المقال الذي كتبه صديقي الأستاذ الأديب علي الطنطاوي الدمشقي في عدد مضى من الرسالة والذي ينعى فيه على أدبائنا الذين لم يعرفوا حتى القومية في عصر الجهاد والذين اعتنقوا الأدب للفن لا للحياة. . وقد عجبت لهذا التوافق في ظهور هذه الأفكار بينه وبين صاحب الأعاصير.
стр. 2433
ويلوح لي إن الأمر جد، وان زمان ظهوره قد شأنه المقادير، وان هذه الدعوة يجب أن يلقى التبشير بها ما له الاعتبار عند أدباء العربية، وانه يجب أن ترسم الخطة التي ينبغي أن يتجه إليها أدب أمة تتنزى ألما في السياسة والاجتماع.
وإني لاستقبل المغرب وأرسل للشاعر القروي تحيتي حارة خالصة لا يطفئ من حرارتها عبور ما بيننا وبينه من ديار وقفار وبحار. ثم استقبل المشرق فاحيي صديقي الأستاذ الطنطاوي تحية طيبة. ومنى نفسي أن يكون لهذين الصوتين المنبعثين من مشرق الشمس ومغربها، صدى بالغ إلى القلوب قراء الرسالة.
المقدمة
هذه الأعاصير! وهي مختارات من شعري الوطني، نحيتها عن سائر أشعاري لتعصوصف في جو وحدها. إنها خواطر جامحة، وأفكار ثائرة، بلورت من صراعها في صدري مع أخواتها الوادعات، ما أشفقت معه أن اجمع بينهن في كتاب، يسمنه من تنابذهن وحراشهن ما سمني من عذاب. ولم أخصها بالنشر، على ما فيها من شدة وعُرام، قبل مختلف المواضيع التي يشتمل عليها ديواني، إلا لاعتقادي أننا إلى ما يبعث فينا الأثرة ويقوي العصبية، أحوج منا إلى ما يزيدنا حباً للإنسانية، وإصلاحا للبشرية.
هذه آيات أنبيائنا وأسفار حكمائنا، تشهد بان لنا من فيض العاطفة الاجتماعية، وحرارة الروح الإنسانية وسطوعها، ليس لسائر الأمم بعضه، ولكن هذا الذي أردنا به السلام للعالم يعمل به أحد سوانا فلم يهد الناس شيئاً وعاد علينا نحن وبالاً شديداً فلقد وزعنا الحب على أهل الدنيا، حتى لم يبق لنا منه فضلة لذواتنا، ولقد بلغنا من إنكار النفس والتطوع بخدمة الغرباء مبلغا جاوز بنا رياض فضيلة الكرم، وشرف التضحية إلى سباخ التمرغ والذل والدناءة. إننا اسلس المطايا قياداً، والينها شكيمة، واحنها ظهرا، وأتعسها مركبا، بل نحن صيد شهي سائغ، ليس اقرب منه منالاً ولا اسهل منه مأخذا، فبدلا من أن يتكلف القانصون مشقة نصب الفخاخ لنا أو مطاردتنا ووهقنا، باتوا وجهادهم محصور في كيف يتقون تهافتنا عليهم، ووقوعنا على اقدامهم، كما يدفع الرجل كلبه عنه حذرا منه على لباسه، لفرط ما يرى من تحببه إليه وتوثبه عليه.
أما والله لو كنت شاعرا فرنسيا أو إنكليزيا لحبست النفس على التبشير بالسلام، ووقفت
стр. 2434
القلم على الدعوى إلى الرافة والحنان. لأن الرافة والحنان زينة الأقوياء. أما وأنا سوري، ومن لبنان، فإني لا غرض لي في الحياة اشرف من دعوة شعبي إلى بغض الشعوب، ولا مثل عندي أعلى من استنهاض أمتي لمحاربة الأمم. وانه لبغض أسمى من الحب! وإنها لحرب اقدس من السلم! فما دمنا عبيدا ضعفاء فدعوتنا العالم إلى الإسلام ليست من الفضيلة في شئ اكثر من فضيلة العفو بغير اقتدار، حجة الذليل اللئيم! فلنصافح السيوف! فإذا تحررنا فلنصافح الأعداء! نحن نحب أوربا، ولذلك يجب أن نبغضها أولاً! نبغضها لنحاربها، ونحاربها لنتحرر منها، ونتحرر منها لنستطيع خدمتها بأحسن مما تخدم نفسها. نحن اصح الخلق أبداناً وأرجحهم عقولاً، وأحسهم أرواحاً، فلو فكت عنا أغلال القوة الغاشمة لسبقنا العالمين في مضامير العمران، ولأسبغنا على العلم من دماثة أخلاقنا ما يروض أوابده ويصرف أعنته على اكمل وجوه الخير والصلاح. ولكننا، دون هذه الأمم الحرة أمة شلتها قيود التقاليد الرثة والتعصبات المقيتة، كلما فتحنا عيوننا على عيوبنا وحاولنا تحطيم أصفادنا لتسري فينا الدماء، ونعود فنعد في الأحياء، احكم الظلم وثاقنا، وضاعف إرهاقنا وألقى بنا في مطارح الخسف والهوان، طرحك الخرق البالية في القمامات!
فيا أبناء وطني - لكم تجدون بينكم من دعاة الاستعمار، نفرا يدعون الحكمة ويتكلفون الوقار - يجلس واحدهم جلسة الوثن متر صنا جامدا، كأنما ركز المصور أو المزين رأسه على شكل لا ينحرف عنه. ثم يبسط كفيه على ركبتيه، ويزوي بين عينيه، ويقول خافضا صوته: - مالكم ولهؤلاء الشعراء، إن هم إلا صبية أغرار، يحرضونكم على المطالبة بالحرية، ولا سلاح لديهم غير ألسنتهم وأقلامهم، فيجلبون عليهم النقمة ويسوقونهم إلى الهلاك. . . إلا اعرضوا عنهم! كلوا أمركم إلى ولية الأمر فيكم، إنها أمكم الحنون، وحاشا لامكم الحنون أن تريد بكم شرا. . . إنها تهي لكم خيرا جزيلا. تدربكم على الحرية، فإذا صرتم لها أهلا وهبتها لكم لوجه الله لا تبغي أجراً ولا شكورا، فأسعفوها في إصلاح نفوسكم تستقلوا، فالاستقلال رهن بأهليتكم، ووقف على استحقاقكم. إلى ما شاكل من عظات تخثر النفوس وتوهن العزائم، وتطفئ جذوة الحماسة في الصدور - أما أنا فأقول لكم: يا أبناء وطني لا يؤهلكم للاستقلال إلا الاستقلال نفسه. نفوسكم ضائعة. نفوسكم مغصوبة.
стр. 2435
جدوها أولاً واستردوها ثم أصلحوها! فانتم مسؤولون عما لا تملكون؟
إن هؤلاء المضللين يلهونكم عن السعي إلى تحقيق مطلبكم الأسمى، ببهرج من وعد، وزيف من رجاء، لتلبثوا حيث انتم أو تمشوا القهقري. انهم يحاولون إقناعكم بأن العبودية وسيلة إلى الرقي، والرقي وسيلة إلى الاستقلال. انهم يعدون الجائع بقميص، ويمنون العاري بكأس ثليج، أرأيتم منطقا أسد من منطق المستعمرين؟ يا أبناء وطني! الاستقلال رهب من حمام، وطب من سقام، كما إن النقه درجه بين الداء والصحة، هكذا الحرية مرحلة بين العبودية والمجد. الاستقلال غاية بالنسبة إلى الرقي الذي انتم فيه، ووسيلة بالنظر إلى الرقي الذي تنشدون، فمزقوا هذه العصائب وحطموا هذه القيود ثم رودوا نجع الإصلاح، وحاضروا في أشواط الفلاح، فلا هدى للعميان، ولا عدو لمقعدين.
ولقد يقول الناقدون، ما شأن السياسة في الشعر؟ إن الشعر لأرفع من هذه الأباطيل. انه تنكب عن أغراض الدنيا وأعراض عن سفساف الحياة، وتلمس للمثل الأعلى. ثم يقولون من ناحية أخرى؛ - الشعر الحقيقي هو ما مثل الحياة اكمل تمثيل، والشاعر العظيم هو صورة محيطة الناطقة. هو دليل أمته الذي يتقدمها كعمود النور في ليالي محنتها. رافعا لواء الحق. هو بشيرها في الشدة ينعشها في الرجاء. ونذيرها في الرخاء يقيها مزالق البطر. فنقول لحضرات الناقدين: - أنا إذا وإياكم لجد متفقين، ولا خلاف بيننا إلا أن ما نسميه نحن وطنية أخطأتم انتم فدعوتموه سياسة. إننا في هذا الشعر لم نخض معارك انتخاب، ولا تدخلنا في أحزاب، ولكننا جهرنا بالحرية ونادينا بالاستقلال، وطالبنا بالحق ونشدنا العدل والحرية والحق والعدل ليست من أباطيل الحياة كما تزعمون، ولكنها من اشرف مبادئها وانبل غاياتها ولقد عبرنا في شكاوينا المحرقة عن اعمق جراحات امتنا المطعونة في صميم عزتها وإبائها، وأعربنا في صيحاتنا عن أسمى ما تغامر بلادنا في سبيل استرداده من شرف مروم، كما فوق النجوم، فبات سحيقا تحت أقدام الغزاة وسنابك خيل الغاصبين.
أما ذلك الشعر الذي تضحك فيه الحياة، وترن قوافيه بالحان الحب والغزل، وتعبق أنفاسه بنفحات الشباب، فله ساعات تخلص فيها النفس من أعبائها وتتناسى إلى حين ما هي فيه من شقاء، وقد اتفق لنا منه قدر معلوم سننشره في كتاب وحده، ولكنه على كل حال ليس
стр. 2436
بالشعر الذي يتسم به أدب أمة مقهورة كأمتنا الراهنة، انه لدولة مرفوعة لواء المجد ممدودة رواق العز كدولة أجدادكم في الشام وبغداد والأندلس لا كدولة الانيار التي تحتها ترزحون، والأصفاد التي حديدها ترسفون.
إن صراخ سوريا وعويلها يكاد يقض مضاجع النائمين في المريخ ودخان غيظها يوشك أن يبطن القبة الزرقاء بقبة سوداء، أفتريدون منا أن نخرج المعجزات فنسمعكم همس الأزهار وسط هذا الضجيج، ونصور لكم ألوان الشفق وراء هذا القتام إن لم نكن غرباء الشعور عن هذه الأمة وإن لم تكن بعيون غيرها نبصر، وبآذان غيرها نسمع، ومثل غيرها ننشد؟ ألا على رسلكم أيها الناقدون! فأما أن تأتونا بغير هذا الإفلاس الوطني آية وإلا فحسبكم تضليلا.
وهبوكم لا تؤمنون بغير الأرض وطنا، وغير الإنسانية عشيرة، أفتعتقدون إن الأرض قد صارت جنة والناس فيها ملائكة ينعمون؟ وإذا كنتم ولا شك تشعرون بفقرها إلى الإصلاح فلماذا لا تباشرونه من اقرب أقطارها إليكم؟ إن الذي يغضب لحق هضم في الصين أولى به أن يناضل لدفع حيف نزل ببلاده، والذي ينفر إلى نصرة مظلوم في آخر الدنيا لحري أن يذود عن ضعيف يصرعه البغي بين شماله ويمينه! إن الحرية هي الحياة بمعناها الشريف وهي أول حقوق الإنسان، فهل من شروط حبكم للإنسانية أن تنكروا الحياة على اقرب أبناء الإنسانية إليكم؟ ألا فاشتروا لوجوهكم براقع أيها المراؤون أو فاستروها بأكفكم خجلا! إن الذي لا يستطيع أن يحب نفسه وأهله فلن يحب من الناس أحداً.
يا أبناء وطني! ويقول لكم صنائع المستعمرين نحن مثلكم نحب الحرية ولكن اين عدتكم للحرب والصدام؟ أين مدافعكم وأساطيلكم وطياراتكم وغازاتكم الخانقة؟ فأقول للرعاديد لا تحتجوا بحاجتكم إلى السلاح فانتم إلى الآباء وعزة النفس أحوج! اشعروا أولا بهوانكم واغضبوا لكرامتكم فإذا فعلتم فأنا الكفيل بأنكم تجدون غير هذه الجبانة جواباً لمن يسألكم أين عدتكم للحرب والصدام! فوالله إنكم بطول نومكم على هذا الضيم واستكانتكم لهذا الذل قد برهنتم على إن اصبر الناس على الكريهة! فلماذا تتقون الحرب؟ أو تخافون موتا شرا من الموت الذي انتم فيه؟!
أفأنتم أكلف بالسلام من مسيح السلام؟ أأنتم أودع من حمل الجلجلة؟ أما غضب فانهال
стр. 2437
بالصوت على الصيارفة وباعة الحمام يطردهم من الهيكل غيرة على بيت أبيه؟ فبربكم أيها الشياطين الأتقياء كونوا آلهة أشرارا ولو مرة واحدة وذودوا عن بيوت آبائكم وأجدادكم! وإذا كان يشق على أيديكم الحريرية الناعمة أن تجلد بالسياط أو تضرب بالسيوف فحاربوا بسعف النخل وأغصان الزيتون! حاربوا بالسهام! حابوا بالغندية! إن الشريف لا يعدم سلاحا ينافح به عن الحق، أما الجبان فيموت الحق شهيدا بين سمعه وبصره وهو في غاب من بنادق وحراب. ألا ليت الجبان كان لعينا يزجر الطير ويفزع الثعالب فان هذا اللعين يخاف كل شي ولا يخيف أحداً!!. . . . . . الشاعر القروي.
стр. 2438
إبرة المغناطيس
للدكتور عبد الوهاب عزام
جلست إلى مكتبي البارحة، فوقع بصري على (بيت الإبرة) فانفتحت أمامي سبل من الفكر لا تحدها غاية. واني إذ أحاول أن أقيد هذه الفكر على القرطاس لمَحاول أن أسلسل بهذه الأحرف خطرات الفكر الخاطفة التي تطوي الأجيال والأقطار في لمحات. وتجمع السماء والأرض في طرفة عين:
قلت ما اعجب هذه الإبرة! إنها هادية لا تضل، عارفة لا تخطئ. تنتحي الشمال مهما أدرتها عنه، ولا تنسى عهد المغناطيس مهما أبعدتها منه. ومهما جمعت عليها من الحجب والظلمات، وأضعفت لها في المسافات، فهي مولية وجهها شطره محسة جذبه، موصولة به، خبيرة بوحيه، لا تنساه ولا تشرك في هواه. ليت شعري أأهدى من الإنسان هذه الإبرة الصغيرة! اجل إنها لتهدي الإنسان في البر والبحر والسفر والحضر.
أحسست حينئذ خفقان قلبي يذكرني إن في صدر الإنسان إبرة أخرى مرشدة هادية، تتوجه شطر معدنها أبداً ولا يصدها عنه تطاول الأمد وبعد المدى.
ألم تهد هذه الإبرة الأمم في ظلمات الجاهلية، وغيابات القرون، فعصمتهم على العلات من الهلاك، وأخرجتهم إلى النور على تكاثف الظلمات ولا تزال هادية بصيرة بالغاية، خبيرة بالسبيل إليها - كم عبدت الإنسان شهواته؛ وأضلته عن الخير مطامعه. فما زالت هذه الإبرة تضطرب في صدره حتى اهتدى سبيل النجاة، ووضع على هداها منار الطريق. كم طغت بالإنسان ضغائنه وأحقاده، فما زالت هذه الإبرة تخفق في جوانحه حتى عرف إلى الحب والألفة والمودة السبيل، واستقام على النهج لا يميل. وكم غلا الإنسان في ظلمه وعدوانه، فما زالت تتحرك في أضلاعه حتى أشعرته نفسها ثم ردته إلى خطة للعدل محمودة، وسبيل إلى الإنصاف رشيدة. وكم غدر الإنسان ثم اهتدى بها إلى الوفاء فندم على ما قدم، واغتبط بما اهتدى. وكم أجرم الإنسان فوخزته فأفاق، فكأنما صور خلقا آخر ينفر من الإجرام، ويركن إلى السكينة والسلام. وكم سفلت بالإنسان سجاياه، فعملت في صدره حتى سمت به إلى العلياء، وطارت به من الحضيض إلى عنان السماء. وكم وقفت بالإنسان همته فدفعته هذه الإبرة العجيبة فمضى قدما إلى العمل، وهمزته فداب لا يعرف
стр. 2439
الكلل. وكم اظلم على الإنسان طريقه، وعميت عليه أرجاؤه. وأطبقت عليه سحائب سوداء، وأحاطت به ظلمات لاشية فيها من الضياء، فنظر إليها فإذا هي إلى الغاية دليل، وإذا هي على الظلمات قد استقامت على السبيل - وكم حارت بالإنسان آراء مظلة. وأفكار غائلة، وأقوال ساحرة، ملما هلك أو كاد، ودارت به الحيرة والإلحاد، أحس اضطرابها في نفسه فسكن، فتهافت الآراء وتهاترت الأقوال، وثاب إليه هداه فوجد أمامه الله.
إيه أيتها الإبرة الهادية! ضل الإنسان في صباه وهرمه، وجهله وعلمه، وسعادته وشقائه، ووحدته واجتماعه، وحله وترحاله، لولا هداية من الله فيك. وبصيص من نوره في نواحيك، وصلة به لا تنقطع، وشعور به لا يضل، وجذوة من حبه لا تخمد.
وأما الذين أضلتهم الأهواء، فعميت عليهم الانباء، وتخطفتهم في الحياة المآرب، فتذبذبوا بين شتى المذاهب. وشرق بهم مطمع وغرب آخر، وتلونت لهم غيلان من الآمال والأعمال، والذين فقدوا أنفسهم وهم لايشعرون، وظل سعيهم وهم يحسبون انهم مهتدون، والذين يلبسون كل يوم دينا، ويبدلون كل حين رأيا، ويلبسون لكل دولة وجها، ولكل سلطان زيا، ويتخذون لكل ساعة لسانا، ولكل فرصة وجدانا، فأولئك اغفلوا النظر إليك فحرموا الاهتداء بك، بل أولئك في إبرتهم خلل قد عرض، أو أولئك في قلوبهم مرض.
عبد الوهاب عزام
стр. 2440
الجمال الطبيعي والفني
للأديب الإنجليزي كلاتون بروك
-
عن كتابه (مقالات في الفن
للطبيعة جمالها وللفن جماله، وقد بذلت مساع كثيرة لإيضاح الفرق بين الجمال الفني والجمال الطبيعي؛ لكن نظرية (سيجنرجروس كثيرة الأنصار اليوم، وهي تقول: (إن الطبيعة تمد الفنان بالمواد الأولية فقط، وان الشعور بجمال الطبيعة هو مبدأ التدرج الفني، وان عقل الفنان موجد الترتيب والتناسب في الطبيعة المهوشة، وان الناس جميعهم قادرون على إيجاد هذا الترتيب ولكن بدرجة محدودة. أما الفنان فيظهر هما اكثر جمالا وكمالا، الفنان قوي الإحساس يستطيع أن يصنع الجمال الذي يحسه، الاحساس جزء من الصنعة).
ويقول جروس: (إذا كان الفنان يصنع جمال الطبيعة بشعوره به، وإذا كان من الممكن أن يتولد هذا الجمال بعمل عقله، يكون جمال الطبيعة حينئذ من نفس الجمال الذي يظهر في فنه، ثم إذ ظهر لنا أن فن الفنان يختلف عن جمال الطبيعة فما ذلك إلا لأننا أنفسنا لم ننظر جمال الطبيعة كما نظره الفنان. ولأننا لم نحول كل التهويش إلى ترتيب. واعلم إن هذا الاختلاف بين عمل الفن وعمل الطبيعة ليس اختلاف نوع بل اختلاف قدر، وانه لا اختلاف في الحقيقة بين جمال الطبيعة وجمال الفن لا في النوع ولا في القدر. إن ما يصنعه الفنان يرى، وما يراه يصنعه، كل الجمال فني، وان حديثك عن جمال طبيعي حديث خرافات).
رغما عن (جروس) وكل حذقه وما في نظريته المتطرفة من حق لا يمكن أن نعتقد أننا نصنع الجمال حينما نراه، وان الفنان يصنعه حينما يحسه، ولن نعتقد إن الجمال الذي يصنعه هو من نفس طبيعة الجمال الذي شعر به، ولا هوـ مثلنا ـ يقدر الجمال الذي يحسه حق قدره لأنه يعلم إن لابد له من صنعه، وانه شئ مستقل عن نفسه. الفن ليس اكثر من تأثر عقل الفنان
بجمال الطبيعة، وعلى قدر ما في العمل الفني من عاطفة وإحساس يكون ما فيه من جمال.
стр. 2441
إذا عرف الفنان إن الجمال الذي يحسه هو نتاج عقله، لا يستطيع بعدها أن يقدره حق قدره، وانه إذا تمسك بنظرية (جروس) خرج عن كونه فناناً واصبح ذا صفة أخرى ; لا شئ يقتل الفن مثل الجري وراء إيجاد جمال من نفس طبيعة الجمال الذي نراه في الطبيعة. نشاهد في جمال الطبيعة في الإتقان، وأنها كذلك غاية في الإتقان ; لأنه لا يوجد في الحقيقة ثمة صنعة، الأشياء الطبيعية لم تصنع وإنما ولدت، اعمل الفنالتي صنعت والأشياء التي ولدت، ثم بين جمال هذه وجمال تلك.
لابد وان يظهر في كل من الأعمال الفنية جهد الصنعة ونقصها وخشونتها، وان هذا الجهد والنقص والخشونة إنما هو في الحقيقة روح جمال الأعمال الفنية وانه هو الذي يميزها من جمال الطبيعة، وحالما يمتنع الناس عن فهم ذلك ويستخفون هذا الجهد والنقص والخشونة، تراهم على الغالب لا يظفرون حين يطلبون من الفن الجمال الطبيعي بغير جمال ميت.
يمكننا أن نفهم احسن فهم الفرق بين نوعى الجمال إذا نحن تدبرنا كيف ينسل الجمال في اللغة، هذا الفن الذي نمارسه جميعنا قليلاً أو كثيرا، والذي يصعب فيه الم يكن مستحيلاً تقليد غاية الجمال الطبيعي؛ لا يوجد جمال في جملة: (سينال المعتدين جزائهم) لأنها تؤدي المعنى المراد تماما بلا زيادة ولا نقصان، ويوجد جمال في مثل جملة (ليال سرقناها من الدهر. . .) لان فيها، وان كانت تظهر أيضاً غاية في البساطة، يحاول الشعر إن يقول اكثر بألف مرة مما يستطيع أن يقوله، إن السعي في عمل ما هو خارج عن طاقة الكلمات هو الذي يحمل الجمال إلى الكلمات؛ تلك هي طبيعة الجمال الفني التي بها يتميز من الجمال الطبيعي، الأعمال الفنية هي دائماً وليدة السعي لتمام المستحيل، لإتمام ما يعرفه الفنان انه مستحيل، وانه حينما لا يوجد هذا السعي، حينما يكلف الفنان نفسه عملاً في وسعه اتمامه، عملاً لا يدل على غير المهارة، حينئذ يخرج عن كونه فناناً. يقول (جروس) إن شعورنا بالجمال يتوقف علىقوة إحساسنا بعظمة الأشياء، هذا صحيح؛ غير إن قوة إحساسنا هذه تبقى قوة إحساس غير قادرة على صنع ما تحسه! إن الفن ليس مجرد اتساع طريق الشعور كما يزعم (جروس)، وإنما هو تجربة عمليه لإظهار مقدار شعور رجل الفن. فن الفنان جواب لجمال الطبيعة وعبادة له.
الفن إيضاح حالات خاصة، حالات إعجاب وتقدير، هو التسليم ببعض أشياء اعظم من
стр. 2442
الإنسان وحيث لا يوجد هذا التسليم يموت الفن.
إن هذا الفرق بين جمال الطبيعة وجمال الفن لا يرى في الجمعية التي تعتقد أنها تستطيع إن ترفع سماء بمهاراتها وعلمها وحكمتها، إن الفن في مثل هذه الجمعية يفقد كل خواص جمالة. إن الرجل الذي يتطلع إلى الكمال في الفن إنما يخدع نفسه إذ الكمال لله وحده، ولا ريب إن من عرف الله حق المعرفة اصبح شبيها به وأمكنه أن يكون الجمال مثله، ولكن أبى للإنسان ذلك، بل إن العجز ليجعله غير قادر على إتمام موضوعاته التي توحي إليه بها معرفته الله، معجبا بسمو لا يد له فيه؛ وهكذا نرى النقص باديا في كل جمال فنى ليس في الفكر فحسب، بل في العمل أيضا، وأنه لنقص يحسبه خيبة وشناعة أولئك الذين يتطلعون إلى مسمى الجمال الطبيعي في الفن والى الواقع رؤيته نظريا لا صنيعاً، مثل هؤلاء.
يفشلون أبداً في العمال الفنية العظيمة لما يعروهم من قنوط وكد وجهد؛ انهم موازين قدرة الإنسان واعترافه بالعجز في إن واحد؛ بيد إن هذا الاعتراف القائم على الصدق والإخلاصإن هو إلا الجمال بعينه، وأن الصفاء ليبدو في جمال الفن أبداً ولكنه صفاء الإذعان لا صفاءالرضى، صفاء القداسة، وليس لصفاء التجمل، إن العظمة غير المحدودة في كل ما يأتي به الفن ليست سوى اثر مهارة يلدها سعي الفنان الدائم ليعمل اكثر مما يستطيع. ليس للفنان أن ينشد مجرد الثناء وتصفيق الاستحسان بل يجب أن يعبد أيضاً وان يبدع ما يقدمه بين يدي عبادته، ذلك خير وأبقى، ليس الرعاة وحدهم الدين تقدموا إلى قبر السيد المسيح بل الحكماء أيضاً جاءوا يحملون إليه كنوزهم، وفن الإنسانية إنما يكون بآثار حكمائها، بل هو عبادة المجوس اكثر الناس بساطة في عبادتهم.
(ايها الحكماء لقد قطعتم كل طرق المعرفة وانتهى بكم المطاف إلى حيرة الراعي؛ ولكنها الحيرة التي لا تذهب بالحكمة) التي عندما تقف حائرة وتتوجه معرفة الإنسان ومهارته وكامل شعوره إلى الإقرار لما هو اعظم من الحكماء أنفسهم يكون ذلك الإقرار هو الفن، له من الجمال ما يفوق جمال الطبيعة القدسي.
стр. 2443
الحقيقة. . . والخبز!
للأستاذ علي الطنطاوي
كانت ليلة باردة. تزأر فيها الرياح زئيرا مرعبا - ويهبط فيها البرد مجنونا، فيصطدم بالنوافذ والجدران. ويكون لوقعه على نافذة النادي الوطني في تورينو (في بيه مونت) صوت كصوت الطبل. وكان النادي خاليا تلك الليلة إلا من نفر جاءوه على رغم هذا البرد. . وتجمعوا حول الموقد يحتسون الخمر، حتى إذا كان اكثروا من الشراب، واثقل رؤوسهم جو النادي الثقيل، المليء بالدخان، استرخت أعضائهم، وتممدوا في كراسيهم، يتجاذبون أطراف الأحاديث في فوضى واضطراب. ولم يكن فيهم مصغ، بل كانوا جميعا متحدثين صاخبين. .
ورأى خادم النادي تثاقلهم عم الذهاب، فعلم انهم لا ينوون براحا قبل الصباح. فمشى إلى الباب على حذر، ثم أغلقه دونهم وخرج وهو يذهب عنقه في كتفيه، ويتنفس الصعداء. وهرول يريد بيته وعياله.
ولبث القوم على صخبهم حتى صاح منهم (دافئ):
- هو. . . ألا ترون هذه الفوضى مضجرة؟
وكأنما نبههم بصياحه فأنصتوا. وقال صولين
- وماذا تريد؟
- أريد أن اشرب قدحا آخر على روح الدكتور!
فتبسم صولين ضاحكا من قوله، وانبرى له بيبر بحدة كالذي لدغته عقرب وقال:
- أتعود إلى ذكره؟ لقد ذهب إلى الشيطان!
- ولكنه كان مخلصا
- نعم، كان مخلصا للنمسا (عدوة الوطن) للنمسا التي عاش سبعة اعوام يتلقى العلم في جامعاتها، ويتلقى معه بذور الخيانة للبلد الذي أنشأه، حتى إذا عاد أنكر هذا البلد الذي غادره، طيعا هادئا؛ يؤثر السلم والطمأنينة، ولو في ظل الأجنبي الغاصب، على الجهاد في سبيل الحرية، فوجده حين عاد متيقظا قد غمرته الروح المقدسة، روح الجهاد من اجل الوحدة الإيطالية، وانتشرت فيه كالسيل الجارف الذي لا يقف أمام شيء، قد آمن بها
стр. 2444
الرجال جميعاً، وتخطت جدران المنازل فاعتنقها النساء، وجازت أبواب المدارس فاستقرت في نفوس الأطفال، ودخلت قصور الحكومة فأحست بها، ووقفة منها موقف الصديق المرحب، آملة أن ترفع لها راية حمراء، تقود الشعب تحتها لانتزاع حرياتها من فم الأسد، من النمسا! وجد الدكتور ذلك فهاله وعمل على محاربته، فسقط في الميدان صريع خيانته.
- لا تقل خيانة. إن إلقاء محاضرة علمية عن قيمة الإمبراطورية الرومانية لا يعد خيانة. وحسب الدكتور أنه أرضى ضميره العلمي. وأظهر تاريخنا للناس مجردا من ثوب الغرور الوطني.
- انه خالف الحقيقة. فروما سيدة العالم لا يمكن أن تكون من عنصر العالم. هي من أسمى. هي أم الشعب المختار.
- لو كانت كذلك، لما انقرضت، الصلح يبقى أبدأ. . .
وعلت الأصوات. حتى صارت المناقشة ضجة جوفاء. . فأسكتها صولين. . وقال بهدوء.
- وماذا يعنيكما من الحقيقة حتى تتقاتلا من اجلها. مهما تكن حقيقة الإمبراطورية الرومانية (فالغرور الوطني) خير منها. ما دام هو السبيل إلى حياتنا واستقلالنا.
فصاح به دافي:
- هذه أراء خطرة؟ قل لي من ذا الذي لا تعنيه الحقيقة؟
- الجائع المشرف على الموت ان الحقيقة الواحدة هي في النظرة الرغيف، ورغيف يابس ابلغ لديه من كل حوت مكتبة روما.
- قد يكون ذلك، ولكن الحقيقة تبقى لها قيمتها.
- عند من تبقى لها هذه القيمة؟ انك لم تفهم ما قلت؟ إن الحقيقة يهتم بها ويفكر فيها من يشبع من الطعام. كما يفكر في الحلوى ويتشهى الفاكهة. أما الجائع المشرف على الموت فينكرها. لا يحس بوجودها. يصبح عقله في معدته. أفهمت؟
ولاحت على شفتي ابتسأمة تهكم خفية، إغتاظ منها دافي فقال بحنق:
- وماذا تعني؟
ثم بدا له إن هذا الحنق انهزام منه فتكلف الوقار وقال:
- وضح كلامك من فضلك.
стр. 2445
- كلامي واضح، فإذا لم تتبنه فليس الذنب على. اعني انه يجب على الإنسان أن يعيش ثم يتفلسف. كما قال المثل اليوناني. وكذلك الامه، لتستقل أولاً وتبن لها كيانا قائما ثم تبحث عن الحقيقة. أما البحث عن الحقيقة أولاً فجريمة!
- ولاكن إذا لم نراع المبادئ الأخلاقية في بنائنا كياننا قام على مبدأ الوحشية. وارتكز على عظام غيرنا، أفنبني كياننا على عظام الأبرياء؟
- إذا لم يوجد غيرها. فلم لا؟ إذا لم يكن بد من قتل أحدكما فكن أنت القاتل.
- ولماذا؟
وظن انه سيعجزه بهذا الاعتراض. وخالطه الاشمئزاز من آراء صولين والشعور بأنه يفوق علما وذكاء فمط شفته السفلى متهكما وردد.
- ولماذا بالله؟
لماذا؟ لأن حياتك اثمن من كل شيء. ولأن تنال حيات وحشية خير لك من أن تعدم الحياة.
- ولكن الفضيلة.
- لا دخل للفضيلة في أمر الحياة - إن الفضيلة والعدل والحقيقة والجمال الفني - كل أولئك وسائل ابتدعها الإنسان إلى ترف الحياة واستمرارها قوية، فإذا استحالت وسيلة إلى فقد الحياة فلتذهب إلى لعنة الله.
- وماذا تقول في مبدأ الإنسانية؟ وكيف يتفق ودعوتك إلى قتل إخواننا من البشر؟
- أنا لا أدعو إلى قتل أحد. ولكن من أراد قتلك فلا تقف منه مكتوف اليدين، أما مبدأ الإنسانية فلا أنكر انه من اجمل (السخفات) التي اخترعها الأقوياء لتكون قيدا جميلا، يقيدون به الضعيف.
- أتقول انه (سخافة)؟ يا لله! لست أطيق سماع أرائك الشاذة.
- أولاً تظنها كذلك؟
- من؟ أنا؟ أبداً!
- وتراها حقيقة؟
- طبعا
- وترى البشر كلهم إخواننا؟
стр. 2446
- بلا شك
- إذا فأنت أيها الإيطالي أخو النمساوي الذي غلبك على بلادك ونازعك على خبزك واتخذك عبدا له؟ لا أحسبك من البلاهة بحيث تقول إن الجلاد الذي يعذب السجين ويشوي جلده بالسياط هو أخوه
- انك تهدم الأخلاق من أساسها!
- ذلك خير من أن تنهدم أمتي التي تبني الآن. ولست من رأي الدكتور الذي بحث عن الحقيقة في شعب يبحث عن الخبز. وقد يأتي يوم يصبح فيه من الشهداء. ينصب له تمثال. أما الآن فليس إلا خائنا.
ولم يعد يطيق البقاء بين هؤلاء السخفاء الذين يذبحون أمتهم بسيف من الذهب. فخرج من النادي والسماء تهبط على الأرض في رعد وبرق، ففتح فاه ونشق الهواء الطلق، وصاح صيحة النشوان:
- بهذه الثورة السماوية، تكون حياة الأرض. .
دمشق
علي الطنطاوي
стр. 2447
الفن المصري القديم
- ٢ -
قد يكون من بعض الأسباب التي يقوم عليها عذر أولئك المنكرين لفضل الفن المصري على انه أساس الفنون الأخرى، إن الفن المصري هو فن فذ، ذو أسلوب فريد يختلف عن بقية الفنون، يجعله كما يعتقدون - أو يتوهمون - جافا ليس حرا. أو انه فن محلى بحت لقيامه على قواعد وشروط خاصة، أو غير متوافق مع مزاج كل أمة لشذوذ عن المعروف عندها. بخلاف الفن الإغريقي. فهو فن متفق مع جميع الفنون الأخرى في الغرض والأسلوب. أو هو فن دولي، فهو لذلك الفن الجدير الصادق. ولهذا أغضوا عن الفن المصري القديم، وقام في أعينهم مكانه الفن الإغريقي كأساس لكل فنون العالم، وذهبت هذه الفكرة الواهية بمعالم الحقيقة.
وسأحاول أن أدافع عن هذه الحقيقة، وأقاوم تلك الفكرة التي لا ينبغي أن تلبس العقول. وقد أتمنى أن أوفق لإثبات الجدارة للفن المصري القديم، وللتدليل على انه الاساس، إن لم يكن لكل تلك الأساليب من الفن التي يبهر بها الغربيون أعيننا الآن، فلا اقل من أن يكون صاحب الفضل على جميع أقوام العالم في تدريبهم على كيفية رسم المجسات وعلاج الألوان. أو أن يكون قد وضع النموذج المبدئي في كيف ترسم اليد جسم الإنسان رسما صحيحا، وكيف تتقن تصوير أعضائه وتمثيل عضلاته. ثم كيف بعد ذلك ينتخب ذوق الإنسان الألوان التي تنساق وتتفق تحت العين.
ارتباط الفن بالدين
ان فنون العالم، وقد بدأت كلها حياتها في خدمة الديانات، وفي تحقيق أغراضها المختلفة تدرجت الحال بها كلما تقربت الأمة إلى فهم معاني الجمال، وتوغلت في أساليب المدنية إلى طرح التقاليد الدينية جانبا. وتخطتها إلى التعبير عن الأغراض الدنيوية، والكشف عن أسرار الطبيعة بما فيها من جمال وروعة. فاتفقت كلها على أن تعطينا أخيراً تلك الخلاصة البارعة فيما نتمتع به اليوم من مبدعات الفن.
إلا الفن المصري القديم. فانه ظل للديانة المصرية خادما أميناً، محافظاً على غايته وأغراضه مدى الخمسين قرنا الطويلة التي عاشها في التاريخ ولم يخن عهوده يوما ما، ولم
стр. 2448
يتزعزع عن خدم الديانة حتى في انشط أدواره، في غضون عصر الأسرة الثامنة عشرة عندما جنحت الفكرة بفن تل العمارنة إلى الإغراق في تزويق القصور.
ومن ذلك كان الفن في كل أدواره مرتبطا مع الدين برباط وثيق. يتأثر تبعا للانقلابات الدينية، أو الحركات العبادة ذاتها. أو قل إن الكهنة كانوا غالبا يسيطرون على دفة الفن، فيوجهونها حيثما شاءوا، بحسب العقيدة والأهواء الدينية. لما كان للكهنة من سلطة عظيمة في البلاد، تقارب سلطة الملك ذاته، بل إن سلطته كانت في بعض الأحيان، تفوق سلطة الملك.
ولكن الفن الذي تركه لنا أولئك القدماء، أعطانا، مع ذلك، افخر ما يشهد بقدرتهم وكفايتهم، واصدق ما يعبر عن نضوج أذهانهم واكتمالها. بل أعطانا في كل أسباب شواهد لا تحصر من البراعة والسمو والإبداع مع وفر من الرشاقة والجمال. في حين انى كل فن، قام أو يقوم بخدمة الديانة بعده، وقف طويلا في طريق الجمود.
ومصر لا يجب أن تعتبر وثنية بكل المعنى. لأنها في كل أدوار تاريخها كانت متغلغلة في أسباب الديانة، مراعية للخير والصلاح بكل دقة، تقدر الحساب والعقاب، وتعمل للآخرة، حتى طبعت أرضها بطابع ديني. يقرب كثيرا في بعض الأحيان من الحقيقة. وفنها من اجل ذلك، في مسحته القدسية، يجعلنا بعيدا عن الحقائق الأرضية، بما يفوق الفن الإغريقي. ولكنه في الوقت نفسه نابض بكل معاني المقدرة والرزانة، متواضع مع الأفكار البشرية، مخلص كل الإخلاص في التعبير عن الإنسانية الأولى.
إلى الآنسة لطيفة النادي
стр. 2449
صور خالدة من بطولة المرأة العربية
نسيبة بنت كعب المازنية
سيدة امتلأت كرما ونبلا وفاضت شجاعة وحماسة وازدانت بكل ما يزين المرأة من قلب رقيق وحساسة قوية وعطف شديد، كما تحلت بإقدام الرجال وحزمهم.
خرجت هي وزوجها زيد بن عاصم وولداها عبد الله وحبيب في ذلك النيف والسبعين من الأنصار يوم العقبة الثانية يريدون رسول الله المصطفى يبايعونه مستخفين لئلا يؤذيهم الجاهلون، فبايعوه والناس نيام في ثلث الليل الأخير في اليوم الأوسط من أيام التشريق من السنة الثالثة للبعثة؛ وعادوا إلى المدينة ووجوههم تطفح بالبشر بما نالوا من خير، وقلوبهم ترقص طربا بما نفحهم الحق سبحانه من نوره، من نعمة الإيمان ونور الهدى.
كان يوم أحد - يوم تلك الغزوة التي كاد أن يقضى فيها على المسلمين - فأظهرت نسيبة - رضوان الله عليها - من رباط الجأش والاستبسال في القتال ما لم يكن للأبطال المذاويد من فرسان العرب المغاوير.
فقد التحم الجيشان وكانت الدائرة - أول الأمر - على المشركين فمال المسلمون على الغنائم وشغلتهم الأسلاب؛ فتجمع المشركون ثانية وزحفوا عليهم زحفة أطارتهم كل مطار ولم يبق حول رسول الله إلا نفر قليل فيهم أبو بكر وعمر وعلي وسعد وطلحة والزبير ونسيبة هذه وزوجها وابناها. وما رأت نسيبة دم المصطفى يسيل على وجهه، ورباعيته قد كسرت ودخلت حلقة المغفر في رأسه حتى طرحت قربتها التي كانت تسقي منها العطاش وانتضت مهندا تقاتل دون الرسول ببسالة وإقدام فائقين حتى قال رسول الله ﷺ فيها (ما التفت يمينا وشمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني).
ولقد جرح ابنها عمارة في عضده اليسرى ضربه رجل كأنه الرقل (النخلة) ومضى عنه فجعل الدم ينزف فقال رسول الله، اعصب جرحك فأقبلت أمه ومعها حقائب في حقويها قد أعدتها للجراح - والنبي واقف ينظر فضمدت جرحه وقالت انهض بني فضارب القوم! فجعل النبي يقول (ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة) وإذا بضارب ابنها يظهر فقال المصطفى (هذا ضارب ابنك) فاعترضت له وضربت ساقه فبرك فابتسم الرسول وقال (استقدت يا أم عمارة) ثم أخذت تعل الرجل بالسلاح حتى أتت عليه. فقال الرسول (الحمد
стр. 2450
لله الذي ظفرك واقر عينك من عدوك وأراك ثأرك بعينك). وقد جرحت اثني عشر جرحا وهي لا تعنى حتى ضربها ابن قمئة ضربة غائرة في عنقها، فنادى رسول الله (عمارة أمك! أمك، اعصب جرحها بارك الله عليكم من أهل البيت، مقام أمك خير من مقام فلان وفلان) فلما سمعته قالت (ادع الله أن نرافقك في الجنة) فقال (اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة) فقالت (ما أبالي ما أصابني في الدنيا).
ولنستمع إليها تحدثنا عن بلائها ذلك اليوم: (قالت خرجت أول النهار وأنا انظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ﷺ فقمت أباشر القتال عنه بالسيف وارمي عن القوس حتى خلصت الجراح إلي) قالت راوية الحديث فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور فقلت من أصابك بهذا؟ قالت (ابن قمئة أقمأه الله لما ولى الناس عن رسول الله ﷺ اقبل يقول دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس من ثبت مع رسول الله فضربني بهذه الضربة ولقد ضربته ضربات ولكن عدو الله كانت له درعان).
وهناك موقف آخر من مواقف بطولتها الخالدة يوم خرج خالد بن الوليد في جيش فيه ولداها لقتال مسيلمة الحنفي. فأسر مسيلمة ابنها حبيبا فعذبه وأراد فتنته عن دينه، ولكن أنى لهذا الشهم الكريم سلسل تلك السيدة الكريمة الباسلة التي غرست فيه الشمم وقوة الإيمان يوم إن أرضعته. أنى له أن يفتن في دينه أو يصبأ عن عقيدته.
روى ابن هشام في السير ما نص (. . . وابنها حبيب الذي أخذه مسيلمة صاحب اليمامة فجعل يقول له أتشهد أن محمدا رسول الله فيقول نعم، فيقول أفتشهد إني رسول الله فيقول له اسمع فجعليقطع منه عضواً عضواً حتى مات في يده لا يزيد على ذلك: إذا ذكر رسول الله آمن به وصلى عليه، وإذا ذكر مسيلمة قال له اسمع، فلما بلغها هذا خرجت إلى اليمامة مع المسلمين فباشرت الحرب بنفسها حتى قتل الله مسيلمة ورجعت وبها اثنا عشر جرحاً ما بين طعنة وضربة).
هذه هي نسيبة بنت كعب التي كانت مثلا عاليا في التضحية والإقدام، والبسالة والنبل. على أنها ما كانت لتقتصر على هذا فقد كان لها نصيب وافر من العلم فقد روت عن النبي
стр. 2451
وحدثت كما في الإصابة.
فهلا تحذوها أوانس اليوم اللائى نسين واجباتهن وفرطن في كل شي عدا زينتهن وترفهن.
فلتأتس الشابات الكرائم بنسيبة ذلك العصر، ولطيفة هذا الوقت ليقمن بما عليهن لهذا البلد الأمين فينشئن له من فلذات أكبادهن رجالاً أولي قوة، شداداً صلاباً ينقذونه مما هو فيه.
أسعد طلس
стр. 2452
التعليم العالي للنساء
للآنسة أسماء فهمي
درجة شرف في الآداب
ما زال التعليم العالي للنساء في مصر وليداً في المهد، ولم تتهيأ أغلبية العقول بعد للإقلاع عن المبدأ القديم الذي يقول إن المرأة لم تخلق إلا للدار وإنجاب الأطفال ويكفيها لقضاء مهمتها الخاصة اقل قسط من التعليم. وتحت تأثير هذا الزعم كان قبول الفتيات بالجامعة المصرية سنة ١٩٢٨ بطريق الاحتيال والتآمر كما ذكر أحد رجالات التعليم في مصر في حفلة تكريم أولى خريجات الجامعات بدار الاتحاد النسائي في الشهر الماضي. والواقع، ما زال التعليم العالي للنساء في بلادنا نبتا يخشى عليه من تقلبات الجو السياسي وزوابع الآراء الرجعية بالرغم من إن النساء في البلاد الأوربية الراقية التي تحذو مصر حذوها في كثير من نواحي حضارتها، قد حصلن على هذا الحق منذ أكثر من ثمانين عاما.
ولما يخامر النفس من شكوك ومخاوف، على مستقبل التعليم العلي للمرأة المصرية، رأينا أن نتأهب للدفع، بعرض قضية المرأة اليوم على بساط البحث بادئين ببيان الغرض من التعليم العالي ثم يترتب عليه من نتائج بالنسبة للمرأة والمجتمع يمتاز التعليم العالي والصحيح الذي يتحرر فيها الطالب من كل القيد بكونه يهيئ مجالا واسعا لتكوين الشخصية ولإظهار المواهب بما إن من أول شروطه البحث المستقل والاطلاع الواسع والاعتماد على النفس في تكوين الآراء والوصول إلى النتائج تدعمها الحجج القوية والبراهين. كما إن من مزايا هذا التعلم أيضاً فيما لو سار على أسسه الصحيح، الاتصال بالمجتمع ودراسة أزمانه وظواهره المختلفة من سياسي واقتصادي وتدريب النشء على أعمال الجماعات والقيادة بان يشتركوا في تكوين الجمعيات الصغير للبحوث والألعاب والأغراض المختلفة التي تنشأ في ظل الجامعة. وبهذه الطريقة يعتادون العمل المشترك والتعاون وتضع فيهم النزعات الأنانية. وبذلك يصبحون أعضاء نافعين للمجتمع والإنسانية.
والمرأة أحوج ما تكون إلى مثل هذا التعليم الذي يتضمن كل هذه المزايا فلها عقل كعقل الرجل هو الفارق بينهما وبين الحيوانات غذاؤه الطبيعي العلومونموه وصقله في استقلالها واستثمارها وبما إن المرأة إنسان فلا يصح أن تمنعها الأمومة أو الحياة المنزلية من إن
стр. 2453
تستكمل أول ميزات الإنسان بان تستمتع بالتعليم العالي الوافي الطليق. . ثم إن المرأة في حاجة أعظم من حاجة الرجل إلى الناحية الاجتماعية من هذا التعليم فهي بسب انزوائها الطويل في عقر دارها وحرمانها من الاختلاط الحر وتناول الآراء قد عجزت عن تنمية الصفات الاجتماعية في نفسها. تلك الصفات التي يمتاز بها الرجل المثقف وهي الميل. إلى الأعمال المشتركة، وسعة الصدر في المناقشة والتفكير المتواصل الرصين ولو تحلت المرأة بتلك الصفات فوق ما تمتاز به من حنان ورقة لارتفع ولا شك مستوى المجتمع. لهنأت الحيات المنزلية. وتلك الصفات يمهد السبيل لا كتسابها التعليم العالي أو الجامعة، ففي أثناء هذا التعليم تختلط المرأة بأناس مختلفي الطباع والنزعات.، متنوعي الأفكار والمذاهب، فيداوي ما بها من نقص ونظرة محددة متأثرة بالمرغبات الشخصية إلى الأمور. . والواقع إن الحياة الاجتماعية في الجامعة لا تقل أهمية عن الحياة العلمية بما أنها تعد الطلاب للحياة العملية الراقية ولذلك اهتمت بها كل الاهتمام الجامعات العريقة مثل اكسفورد وكمبردج التين أخرجتا للعالم مهرة الساسة والمصلحين. . وقد يعترض معترض: وما شأن المرأة بهذه الأمور وهي لا ينتظر أن تكون من الأحكام أو الساسة الماهرين؟ حقاً إن المستقبل القريب لا يبشر بمثل هذا التقدم وان كنا لا نيأس من حصوله في وقت ما بلادنا أسوة بالبلاد الأخرى المتدينة ولكن الفتاة المصرية كما بينا تفتقر إلى الصفات الاجتماعية وفوق ذلك تعدها الحياة الجامعية الصحيحة لأن تقوم بنصيبها في ميدان الإصلاح وليس هنالك من يجهل نواحي النقص الكثيرة في بلادنا وقد جمع أحد مفكري الأمريكان الغرض من التعلم العالي للجنسين في قوله (إن من يصرح بان الثقافة وتحرير المواهب الفردية هما غرض التعليم الاعلى، لا يذكر في الواقع غير نصف الحقيقة فالتعليم يكون ناقصاً مبتوراً إذا استمر منفصلا عن معالجة الشؤون الاجتماعية، فهل بعد ذلك تحرم المرأة من التعليم العالي الذي ينمي مداركها ويجعلها أداة نافعة لإصلاح المجتمع خصوصا وأنها مطبوعة على التضحية، شديدة الحساسية، تؤثر فيها أثيرا بليغا مظاهر الشكوى والألم؟
تلك هي أغراض التعليم العالي ولم يبق إلا أن نذكر شيئا عن بعض نتائجه التي يتخذها أنصار التردد والهزيمة حجة ضد التعليم العالي للنساء: فهم يقولون مثلا: أو ليس من نتائج التعليم العالي للفتيات إذا صدقت الإحصائيات إن اكثر من ٥٠ في المائة من المتعلمات
стр. 2454
تعليما عاليا في أوربا وأمريكا يحجمن عن الزواج ويفضلن حياة الإنتاج والكسب والاستقلال على الحياة المنزلية التي لا تهيئ لهن الميدان الكافي لاستثمار معلوماتهن بالذات فيقل عدد النسل ويضمحل إذ تترك تلك العملية الهامة لأغلبية من غير المتعلمات؟ ثم ألا تصبح أولئك المتمردات على الحياة البيتية عامل خطرا من عوامل الأزمات الاقتصادية إذ ينافسن الرجال في ميادين الأعمال فيزداد عدد العاطلين والمعوزين من الأسر؟.
إن مجرد النظر السطحي إلى مثل هذه الاعتراضات يظهر المرأة بمظهر الخارج على القوانين الطبيعية العامل على فناء النوع الإنساني ومضاعفة أخطار الأزمة الاقتصادية. ولكن الموضوع اخطر من أن نكتفي بالنظر السطحي إليه. لنسلم جدلا بان اكثر من ٥٠ في المائة من خريجات الجامعات يحجمن عن الزواج عندما يجدن لذة كافية في الأمور العلمية واستثمار تعليمهن العالي. ولكن تسليمنا بذلك ما هو إلا تسليم بجانب من الحقيقة فقط، ويجب أن نذكر إنصافاً للمرأة وإقراراً للحق إن المرأة التي لا تتزوج تخدم المجتمع في الغالب بطريق مباشر، طريق الإنتاج والعمل وإصلاح المساوئ الاجتماعية فعمل المرأة البيولوجي لا يصل وحده بالمجتمع إلى الرقي والرخاء وإنما الإنسانية بحاجة إلى مجهودها الموفق واستغلال مواهبها خارج المنزل كما هي بحاجة إلى عملها الخاص داخله. أما ما يقال عن نتاج من يتزوج من المتعلمات تعليما عاليا وان كن الأقلية فهو أن العبرة بالنوع لا بالعدد، وبالكيف لا بالكم. فلو لم تتعلم النساء هذا التعلم لكنا حقا اكتسبنا زيادة في عدد الأطفال ولكنا من ناحية أخرى كنا نفقد الإضافة إلى الإنتاج العقلي والثروة المعنوية، والأطفال الممتازين الذين لا ينجبهم غير الأمهات المتعلمات تعليما عاليا.
أما المشكلة الأخرى وهي زيادة مزاحمة المرأة للرجل فيما لو تعلمت تعليما عاليا فيكفي أن نقول لهدم هذا الاعتراض انه ناتج عن أنانية الرجل فلو لم يكن الرجل أنانياً حقا لما عمل تضحية المزايا المعنوية التي تترتب على تعليم المرأة تعليما عاليا في سبيل الاستئثار بالمزايا المادية بأبعاد المرأة عن ميدان العمل بل هو قد يقدم على اكثر من ذلك فيعمل على أن يحرمها متعة التعليم العالي واللذة الروحية حتى يضمن عدم منافستها المادية في أحد الأيام. إن مثل هذا الاعتراض لا يتفق مع شهامة الرجولة ولا مع إقدام الرجل.
стр. 2455
الشافعي واضع علم أصول الفقه
للأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرزاق
أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب
- ٧ -
أ - الدراسات الفقهية إلى عهد الشافعي. ب - أهل الرأي وأهل الحديث
ج - الشافعي بين أهل الرأي وأهل الحديث آثاره وكتبه
د - وضع الشافعي علم أصول الفقه
ومذهب الشافعي الجديد وصل إلينا فيما ألفه بمصر من الكتب وقد سرد البهيقي المتوفى سنة ٤٥٨هـ - ١٠٦٥ - ١٠٦٦م كتب الشافعي ولخصها عنه ابن حجر في ص٧٨
(الرسالة القديمة، ثم الجديدة - اختلاف الحديث، جماع العلم - أبطال الاستحسان - أحكام القرآن - بيان الفرض - صفة الأمر والنهي - اختلاف مالك والشافعي - اختلاف العراقيين - اختلافه مع محمد ابن الحسن - كتاب علي وعبد الله - فضائل قريش - كتاب الأم -. . .)
وعدة كتب الأم: مائة ونيف وأربعون كتاباً وحمل عنه حرملة كتابا كبيرا يسمى (كتاب السنن) وحمل عنه المزني كتابه (المبسوط) وهو المختصر الكبير والمنثورات وكذا المختصر - المشهور - قال البهيقي: وبعض كتبه الجديدة لم يعد تصنيفها وهي: الصيام - والصداق - والحدود - والرهن الصغير - والأجارة - والجنائز فانه أمر بقراءة هذه الكتب عليه في الجديد وأمر بتحريق ما يغاير اجتهاده قال: وربما تركه اكتفاء بما نبه عليه من رجوعه عنه في مواضع أخرى.
قلت: وهذه الحكاية مفيدة ترفع كثيرا من الإشكال الواقع بسبب مسائل اشتهر عن الشافعي الرجوع عنها وهي موجودة في بعض هذه الكتب.
ثم نقل ابن حجر: إن لأصحاب الشافعي من أهل الحجاز والعراق عنه مسائل وزيادات قال: وهذا يدل على إن (كتبا أخرى حملها عنه هؤلاء لان هذه المسائل ليست في الكتب المقدم ذكرها) وقد ترك ابن حجر في تلخيصه: كتاب (مسند الشافعي) ولا ندري: إن كان
следующие страницы →