Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
وحدثت كما في الإصابة.
فهلا تحذوها أوانس اليوم اللائى نسين واجباتهن وفرطن في كل شي عدا زينتهن وترفهن.
فلتأتس الشابات الكرائم بنسيبة ذلك العصر، ولطيفة هذا الوقت ليقمن بما عليهن لهذا البلد الأمين فينشئن له من فلذات أكبادهن رجالاً أولي قوة، شداداً صلاباً ينقذونه مما هو فيه.
أسعد طلس
стр. 2452
التعليم العالي للنساء
للآنسة أسماء فهمي
درجة شرف في الآداب
ما زال التعليم العالي للنساء في مصر وليداً في المهد، ولم تتهيأ أغلبية العقول بعد للإقلاع عن المبدأ القديم الذي يقول إن المرأة لم تخلق إلا للدار وإنجاب الأطفال ويكفيها لقضاء مهمتها الخاصة اقل قسط من التعليم. وتحت تأثير هذا الزعم كان قبول الفتيات بالجامعة المصرية سنة ١٩٢٨ بطريق الاحتيال والتآمر كما ذكر أحد رجالات التعليم في مصر في حفلة تكريم أولى خريجات الجامعات بدار الاتحاد النسائي في الشهر الماضي. والواقع، ما زال التعليم العالي للنساء في بلادنا نبتا يخشى عليه من تقلبات الجو السياسي وزوابع الآراء الرجعية بالرغم من إن النساء في البلاد الأوربية الراقية التي تحذو مصر حذوها في كثير من نواحي حضارتها، قد حصلن على هذا الحق منذ أكثر من ثمانين عاما.
ولما يخامر النفس من شكوك ومخاوف، على مستقبل التعليم العلي للمرأة المصرية، رأينا أن نتأهب للدفع، بعرض قضية المرأة اليوم على بساط البحث بادئين ببيان الغرض من التعليم العالي ثم يترتب عليه من نتائج بالنسبة للمرأة والمجتمع يمتاز التعليم العالي والصحيح الذي يتحرر فيها الطالب من كل القيد بكونه يهيئ مجالا واسعا لتكوين الشخصية ولإظهار المواهب بما إن من أول شروطه البحث المستقل والاطلاع الواسع والاعتماد على النفس في تكوين الآراء والوصول إلى النتائج تدعمها الحجج القوية والبراهين. كما إن من مزايا هذا التعلم أيضاً فيما لو سار على أسسه الصحيح، الاتصال بالمجتمع ودراسة أزمانه وظواهره المختلفة من سياسي واقتصادي وتدريب النشء على أعمال الجماعات والقيادة بان يشتركوا في تكوين الجمعيات الصغير للبحوث والألعاب والأغراض المختلفة التي تنشأ في ظل الجامعة. وبهذه الطريقة يعتادون العمل المشترك والتعاون وتضع فيهم النزعات الأنانية. وبذلك يصبحون أعضاء نافعين للمجتمع والإنسانية.
والمرأة أحوج ما تكون إلى مثل هذا التعليم الذي يتضمن كل هذه المزايا فلها عقل كعقل الرجل هو الفارق بينهما وبين الحيوانات غذاؤه الطبيعي العلومونموه وصقله في استقلالها واستثمارها وبما إن المرأة إنسان فلا يصح أن تمنعها الأمومة أو الحياة المنزلية من إن
стр. 2453
تستكمل أول ميزات الإنسان بان تستمتع بالتعليم العالي الوافي الطليق. . ثم إن المرأة في حاجة أعظم من حاجة الرجل إلى الناحية الاجتماعية من هذا التعليم فهي بسب انزوائها الطويل في عقر دارها وحرمانها من الاختلاط الحر وتناول الآراء قد عجزت عن تنمية الصفات الاجتماعية في نفسها. تلك الصفات التي يمتاز بها الرجل المثقف وهي الميل. إلى الأعمال المشتركة، وسعة الصدر في المناقشة والتفكير المتواصل الرصين ولو تحلت المرأة بتلك الصفات فوق ما تمتاز به من حنان ورقة لارتفع ولا شك مستوى المجتمع. لهنأت الحيات المنزلية. وتلك الصفات يمهد السبيل لا كتسابها التعليم العالي أو الجامعة، ففي أثناء هذا التعليم تختلط المرأة بأناس مختلفي الطباع والنزعات.، متنوعي الأفكار والمذاهب، فيداوي ما بها من نقص ونظرة محددة متأثرة بالمرغبات الشخصية إلى الأمور. . والواقع إن الحياة الاجتماعية في الجامعة لا تقل أهمية عن الحياة العلمية بما أنها تعد الطلاب للحياة العملية الراقية ولذلك اهتمت بها كل الاهتمام الجامعات العريقة مثل اكسفورد وكمبردج التين أخرجتا للعالم مهرة الساسة والمصلحين. . وقد يعترض معترض: وما شأن المرأة بهذه الأمور وهي لا ينتظر أن تكون من الأحكام أو الساسة الماهرين؟ حقاً إن المستقبل القريب لا يبشر بمثل هذا التقدم وان كنا لا نيأس من حصوله في وقت ما بلادنا أسوة بالبلاد الأخرى المتدينة ولكن الفتاة المصرية كما بينا تفتقر إلى الصفات الاجتماعية وفوق ذلك تعدها الحياة الجامعية الصحيحة لأن تقوم بنصيبها في ميدان الإصلاح وليس هنالك من يجهل نواحي النقص الكثيرة في بلادنا وقد جمع أحد مفكري الأمريكان الغرض من التعلم العالي للجنسين في قوله (إن من يصرح بان الثقافة وتحرير المواهب الفردية هما غرض التعليم الاعلى، لا يذكر في الواقع غير نصف الحقيقة فالتعليم يكون ناقصاً مبتوراً إذا استمر منفصلا عن معالجة الشؤون الاجتماعية، فهل بعد ذلك تحرم المرأة من التعليم العالي الذي ينمي مداركها ويجعلها أداة نافعة لإصلاح المجتمع خصوصا وأنها مطبوعة على التضحية، شديدة الحساسية، تؤثر فيها أثيرا بليغا مظاهر الشكوى والألم؟
تلك هي أغراض التعليم العالي ولم يبق إلا أن نذكر شيئا عن بعض نتائجه التي يتخذها أنصار التردد والهزيمة حجة ضد التعليم العالي للنساء: فهم يقولون مثلا: أو ليس من نتائج التعليم العالي للفتيات إذا صدقت الإحصائيات إن اكثر من ٥٠ في المائة من المتعلمات
стр. 2454
تعليما عاليا في أوربا وأمريكا يحجمن عن الزواج ويفضلن حياة الإنتاج والكسب والاستقلال على الحياة المنزلية التي لا تهيئ لهن الميدان الكافي لاستثمار معلوماتهن بالذات فيقل عدد النسل ويضمحل إذ تترك تلك العملية الهامة لأغلبية من غير المتعلمات؟ ثم ألا تصبح أولئك المتمردات على الحياة البيتية عامل خطرا من عوامل الأزمات الاقتصادية إذ ينافسن الرجال في ميادين الأعمال فيزداد عدد العاطلين والمعوزين من الأسر؟.
إن مجرد النظر السطحي إلى مثل هذه الاعتراضات يظهر المرأة بمظهر الخارج على القوانين الطبيعية العامل على فناء النوع الإنساني ومضاعفة أخطار الأزمة الاقتصادية. ولكن الموضوع اخطر من أن نكتفي بالنظر السطحي إليه. لنسلم جدلا بان اكثر من ٥٠ في المائة من خريجات الجامعات يحجمن عن الزواج عندما يجدن لذة كافية في الأمور العلمية واستثمار تعليمهن العالي. ولكن تسليمنا بذلك ما هو إلا تسليم بجانب من الحقيقة فقط، ويجب أن نذكر إنصافاً للمرأة وإقراراً للحق إن المرأة التي لا تتزوج تخدم المجتمع في الغالب بطريق مباشر، طريق الإنتاج والعمل وإصلاح المساوئ الاجتماعية فعمل المرأة البيولوجي لا يصل وحده بالمجتمع إلى الرقي والرخاء وإنما الإنسانية بحاجة إلى مجهودها الموفق واستغلال مواهبها خارج المنزل كما هي بحاجة إلى عملها الخاص داخله. أما ما يقال عن نتاج من يتزوج من المتعلمات تعليما عاليا وان كن الأقلية فهو أن العبرة بالنوع لا بالعدد، وبالكيف لا بالكم. فلو لم تتعلم النساء هذا التعلم لكنا حقا اكتسبنا زيادة في عدد الأطفال ولكنا من ناحية أخرى كنا نفقد الإضافة إلى الإنتاج العقلي والثروة المعنوية، والأطفال الممتازين الذين لا ينجبهم غير الأمهات المتعلمات تعليما عاليا.
أما المشكلة الأخرى وهي زيادة مزاحمة المرأة للرجل فيما لو تعلمت تعليما عاليا فيكفي أن نقول لهدم هذا الاعتراض انه ناتج عن أنانية الرجل فلو لم يكن الرجل أنانياً حقا لما عمل تضحية المزايا المعنوية التي تترتب على تعليم المرأة تعليما عاليا في سبيل الاستئثار بالمزايا المادية بأبعاد المرأة عن ميدان العمل بل هو قد يقدم على اكثر من ذلك فيعمل على أن يحرمها متعة التعليم العالي واللذة الروحية حتى يضمن عدم منافستها المادية في أحد الأيام. إن مثل هذا الاعتراض لا يتفق مع شهامة الرجولة ولا مع إقدام الرجل.
стр. 2455
الشافعي واضع علم أصول الفقه
للأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرزاق
أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب
- ٧ -
أ - الدراسات الفقهية إلى عهد الشافعي. ب - أهل الرأي وأهل الحديث
ج - الشافعي بين أهل الرأي وأهل الحديث آثاره وكتبه
د - وضع الشافعي علم أصول الفقه
ومذهب الشافعي الجديد وصل إلينا فيما ألفه بمصر من الكتب وقد سرد البهيقي المتوفى سنة ٤٥٨هـ - ١٠٦٥ - ١٠٦٦م كتب الشافعي ولخصها عنه ابن حجر في ص٧٨
(الرسالة القديمة، ثم الجديدة - اختلاف الحديث، جماع العلم - أبطال الاستحسان - أحكام القرآن - بيان الفرض - صفة الأمر والنهي - اختلاف مالك والشافعي - اختلاف العراقيين - اختلافه مع محمد ابن الحسن - كتاب علي وعبد الله - فضائل قريش - كتاب الأم -. . .)
وعدة كتب الأم: مائة ونيف وأربعون كتاباً وحمل عنه حرملة كتابا كبيرا يسمى (كتاب السنن) وحمل عنه المزني كتابه (المبسوط) وهو المختصر الكبير والمنثورات وكذا المختصر - المشهور - قال البهيقي: وبعض كتبه الجديدة لم يعد تصنيفها وهي: الصيام - والصداق - والحدود - والرهن الصغير - والأجارة - والجنائز فانه أمر بقراءة هذه الكتب عليه في الجديد وأمر بتحريق ما يغاير اجتهاده قال: وربما تركه اكتفاء بما نبه عليه من رجوعه عنه في مواضع أخرى.
قلت: وهذه الحكاية مفيدة ترفع كثيرا من الإشكال الواقع بسبب مسائل اشتهر عن الشافعي الرجوع عنها وهي موجودة في بعض هذه الكتب.
ثم نقل ابن حجر: إن لأصحاب الشافعي من أهل الحجاز والعراق عنه مسائل وزيادات قال: وهذا يدل على إن (كتبا أخرى حملها عنه هؤلاء لان هذه المسائل ليست في الكتب المقدم ذكرها) وقد ترك ابن حجر في تلخيصه: كتاب (مسند الشافعي) ولا ندري: إن كان
стр. 2456
البهيقي قد تركه أيضاً أم لا؟ ويقول الرازي (ان كتابه المسمى (بمسند الشافعي) كتاب مشهور في الدنيا، ص١٤٦) كان اتجاه المذاهب الفقهية قبل الشافعي إلى جمع المسائل وترتيبها وردها إلى أدلتها التفصيلية عندما تكون دلائلها نصوصا.
وأهل الحديث لكثرة اعتمادهم على النص كانوا اكثر تعرضا لذكر الدلائل من أهل الرأي.
فلما جاء الشافعي بمذهبه الجديد كان قد درس المذهبين ولاحظ ما فيهما من نقص بدا له أن يكمله واخذ ينقض بعض التفريعات من ناحية خروجها عن متابعة نظام متحد في طريق الاستنباط.
وذلك يشعر باتجاهه في الفقه اتجاه جديدا هو اتجاه العقل العلمي الذي لا يعني بالجزئيات والفروع.
ويدل على إن اتجاه الشافعي لم يكن إلى تمحيص الفروع: ما نقله ابن عبد البر في (الانتقاء) من: إن احمد ابن حنبل قال: (قال الشافعي لنا: أما انتم فاعلم بالحديث والرجال مني فإذا كان الحديث صحيحا فأعلموني أن يكون كوفيا، أو بصريا أو شاميا اذهب إليه إذا كان صحيحا) ص٧٥.
وطريقة علاجه لمسائل العلم تدل على منهجه قال أبو محمد بن أخت الشافعي عن أمه قالت: ربما قدمنا في ليلة واحدة ثلاثين مرة أو اقل أو اكثر المصباح بين يدي الشافعي، وكان يستلقي ويتذكر ثم ينادي الجارية هلمي مصباحا فتقدمه ويكتب ما يكتب ثم يقول: ارفعيه، فقيل لأحمد: ما أراد برد المصباح؟ قال: الظلمة أجلى للقلب. مفتاح السعادة ج٢ص٩١.
وليس هذا النوع من التفكير الهادئ في ظلمة الليل تفكير من يهتم بالمسائل الجزئية والتفاريع.
بل يعني بضبط الاستدلالات التفصيلية بأصول تجمعها، وذلك: هو النظر الفلسفي.
قال ابن سينا في الشفاء (إنا لا نشتغل بالنظر في الجزئيات لكونها لا تتناهى وأحوالها لا تثبت وليس علمنا بها من حيث هي جزئية تفيدنا كمالا حكيما أو تبلغنا غاية حكيمة، بل الذي يهمنا هو النظر في الكليات).
وكان احمد يقول: الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة - واختلاف الناس -
стр. 2457
والمعاني - والفقه (الرازي ص٣٥)
وقد حاول الشافعي: ان يجمع أصول الاستنباط الفقهي وقواعدها علما ممتازا وان يجعل الفقه تطبيقا لقواعد هذا العالم.
وبهذا يمتاز مذهب الشافعي من مذهب أهل العراق وأهل الحجاز.
د - وضع الشافعي لعلم أصول الفقه.
إذا كان الشافعي هو أول من وجه الدراسات الفقهية إلى ناحية علمية فهو أيضا: أول من وضع مصنفا قي العلوم الدينية الإسلامية على منهج علمي بتصنيفه في أصول الفقه، قال الرازي: اتفق الناس على: إن أول صنف في هذا العلم - أي علم أصول الفقه - الشافعي وهو الذي رتب أبوابه وميز بعض أقسامه من بعض وشرح مراتبها في القوة والضعف.
وروى: أن عبد الرحمن بن مهدي التمس من الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابا يذكر فيه شرائط الاستدلال بالقران والسنة، والإجماع والقياس، وبيان الناسخ والمنسوخ ومراتب العموم والخصوص فوضع الشافعي رضى الله عنه (الرسالة) وبعثها إليه.
فلما قرأها عبد الرحمن بن المهدي قال: ما أظن أن الله خلق مثل هذا الرجل ثم قال الرازي: واعلم: أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة (ارسططاليس) إلى علم (المنطق) وكنسبة (الخليل) بن احمد إلى علم (العروض).
وذلك لأن الناس كانوا قبل (أرسططاليس) يستدلون ويعترضون بمجرد طباعهم السليمة لكن ما كان عندهم قانون مخلص في كيفية ترتيب الحدود والبراهين.
فلا جرم. كانت كلماتهم مشوشة ومضطربة فأن مجرد الطبع إذا لم يستعن بالقانون الكلي، قلما أفلح. فلما رأى (أرسططاليس) ذلك اعتزل عن الناس مدة مديدة واستخرج علم (المنطق) ووضع للخلق بسببه قانونا كليا يرجع إليه في معرفة الحدود والبراهين.
وكذلك الشعراء كانوا قبل (الخليل بن احمد) ينظمون أشعارا وكان اعتمادهم على مجرد الطبع فاستخرج (الخليل) علم (العروض) فكان ذلك قانونا كليا في معرفة قانون الشعر ومفاسده فكذلك هنا الناس كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل (أصول الفقه) ويستدلون ويعترضون، ولكن مكان لهم قانون كلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة وفي كيفية معارضتها، وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم (أصول الفقه) ووضع للخلق
стр. 2458
قانونا كليا يرجع إليه في معرفة أدلة الشرع ٠٠ ثم يقول الرازي: واعلم إن الشافعي صنف كتاب (الرسالة) ببغداد ولما رجع إلى مصر أعاد تصنيف كتاب (الرسالة) وفي كل واحد منهما: علم كثير ص ٨٩ ـ١٠٢
ويقول (بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي) المتوفي سنة ٧٤٩هـ ١٣٩١ ـ١٣٩٢ في كتاب في أصول الفقه المسمى بالبحر المحيط (فصل): الشافعي أول من صنف في (أصول الفقه) صنف فيه كتاب (الرسالة) وكتاب أحكام القرآن واختلاف الحديث وأبطال الاستحسان وكتاب (جماع العلم ـ كتاب القياس ـ الذي ذكر فيه؛ تضليل المعتزله ورجوعه عن قبول شهادتهم)
ثم تبعه المصنفون في علم الأصول، قال احمد بن حنبل (لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد الشافعي)
وقال الجويني في شرح الرسالة: لم يسبق الشافعي أحد في تصانيف (الأصول) ومعرفتها، وقد حكي عن ابن عباس (تخصيص عموم) وعن بعضهم (القول بالمفهوم) ومن بعدهم لم يقل في الاصول شئ ولم يكن لهم فيه قدم فانا رأينا كتاب السلف من التابعين وتابعي التابعين وغيرهم فما رأيناهم صنفوا فيه (من نسخة خطية بالمكتبة الأهلية بباريس)
ويقول ابن خلدون في المقدمة: (وكان أول من كتب فيه أي في (علم أصول الفقه) الشافعي ﵁ أملى فيه (رسالته المشهورة) تكلم فيها في: الأوامر والنواهي، والبيان، والخبر، والنسخ، وحكم العلة المنصوصة، من القياس
ثم كتب (فقهاء الحنفية) فيه، وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها، وكتب المتكلمون أيضاً) ص ٣٩٧
وفي كتب (طبقات الفقهاء) للقاضي شمس الدين العثماني الصفدي: وابتكر الشافعي ما لم يسبق إليه من ذلك (أصول الفقه) فانه أول من صنف (أصول الفقه) بلا خلاف
ومن ذلك: (كتاب القسامة ـ وكتاب الجزية ـ وكتاب قتال أهل البغي) من نسخة خطية بدار الكتب الأهلية بباريس
ويقول صاحب كتاب (كشف الظنون): وأول من صنف فيه (الإمام الشافعي) ذكره الأسنوي في التمهيد وحكى الإجماع فيه ص ٣٣٤
стр. 2459
والباحثون في هذا الشأن من الغربيين يرون في (الشافعي) واضعاً (لأصول الفقه) يقول (جولد زيهر) في مقالته في كلمة (فقه) في دائرة المعارف الإسلامية: (واظهر مزايا محمد بن إدريس الشافعي): انه وضع نظام الاستنباط الشرعي من أصول الفقه وحدد مجال كل أصل من هذه الأصول وقد ابتدع في (رسالته) نظاما للقياس العقلي الذي ينبغي الرجوع إليه في التشريع من غير إخلال بما للكتاب والسنة من الشان المقدم ريث الاستنباط من هذه الأصول ووضع القواعد لاستعمالها بعدماكان جزافاً).
على أنا نجد في كتاب الفهرست في ترجمة (محمد بن الحسن) ذكر كتاب له يسمى (كتاب أصول الفقه).
ويقول الموفق المكي في كتابه (مناقب الإمام الأعظم) نقلا عن طلحة بن محمد بن جعفر؛ إن ابا يوسف أول من وضع الكتب في (أصول الفقه) على مذهب أبي حنيفة ج ٢ ص٢٤٥ ونقل ذلك طاش كيري زاده في كتابه (مفتاح السعادة) ج ٢ ص ١٠٢
ولم يرد كتاب في هذا العدد فيما أورده صاحب (الفهرست) لأبي يوسف من الكتب وإذا صح. إن لأبي يوسف أو لمحمد كتاباً (في أصول الفقه) فهو فيما يظهر كتاب لنصرة ما كان يأخذ به أبو حنيفة ويعيبه أهل الحديث من الاستحسان.
وقد يؤيد ذلك، إن صاحب (الفهرست) ذكر في أسماء كتب أبي يوسف. كتاب الجوامع ألفه ليحيى ابن خالد يحتوي على أربعين كتاب، ذكر فيه اختلاف الناس والرأي المأخوذ به ولم يكن فيه طبيعة مذهب أهل الرأي الذين كان من همهم؛ إن يجمعوا المسائل ويستكثروا منها، النزوع إلى تقييد الاستنباط بقواعد لا تتركه متسعا رحبا على إن القول بان أبا يوسف هو أول من تكلم في (أصول الفقه) على مذهب أبي حنيفة لا يعارض القول بان الشافعي هو الذي وضع (أصول الفقه) علما ذا قواعد عامه يرجع إليها كل مستنبط لحكم شرعي وقد لا يكون بعيدا عن غرض (الشافعي) في وضع (أصول الفقه): إن يقرب الشقة بين أهل الرأي وأهل الحديث ويمهد للوحدة التي دعا إليها الإسلام.
стр. 2460
صفي الدين الحلي
- ٣ -
(تتمة)
كانت مصر إذ رحل إليها الشاعر في عهد زاهر مثمر من اكثر نواحي الحياة، فهبط إليها كما يهبط الطائر الصادي على الروض الندى اليانع؛ ينهل من موارده في شوق ويتنقل على دوحاته في طرب، ثم ينثني عنه وقد ارتوى إلى وطنه شاديا مترنما!
فقد أصبحت بعد إن شل المغول عرش بني العباس وأسدلوا على بغداد الستار، مركز الثقافة الإسلامية الأكبر وموئلها الحصين، تنهض فيها جامعة الأزهر والمدارس الأخرى بأعباء الرسالة العظمى للعلم والأدب، وتشترك سلاطينها بأيدٍ عاملة نشيطة في تعضيد هذهالحركة وتغذية روحها بعوامل القوة؛ بما تحدثه من المدارس وما تغدقه في كرم على العلماء والأدباء من هبات وصلات.
وكان عصر السلطان الناصر بن قلاوون من خير عهود دولة السلاطين الأولى؛ إذ كان السلطان نفسهـ كما يقول السير وليم موير - (مثقفاً ثقافة عالية، درس علوم الفقه والقانون ونال شهادة فيها فكان يحب العلم والعلماء ويشاركهم في كل أمر يفيضون فيه) وكثيرا ما يكون الملوك المثقفون نعمة على رسل الثقافة لما يملكون من حسن التقدير لأعمالهم، وصدق الشعور بحلاوةثمراتهم، وقد روي عنه انه اقطع أبا الفداء المؤرخ الشهير ولاية حماة تقديراً لمكانه وجزاء لما قدمه إليه من معونة في بعض الحروب. وفي عهده كانت مصر تنعم بشيء من راحة الظافر بعد أن شلت حركات المغول وأنقذت الشرق العربي من بين براثنهم المسمومة، وبعد أن طاردت حملة الصليب المستكلبين في هدم الإسلام والشرق، وقذفت بهم في قوة إلى البحر! ولكنها مع ذلك لم تكن تغفوا عن حراسة هذا الملك وقطع أذناب العدو كلما امتدت اليه، وهو ملك شاسع مترام يمتد ما بين الفرات والحجاز وآسيا الصغرى وجنوب النوبة، ولما كانت إذ ذاك لا تزال طريق التجارة والرحلة بين أوربا والشرق قبل أن يكشف رأس الرجاء الصالح، وعرفت مصر كيف تستغل هذا المورد الثرى أحسن استغلال، وكانت تجبى إليها ثمرات تلك (العاهلية) الكبرى، فقد حازت من المجد المالي ما يمكنها من مواصلة السير في طريق مجدها العلمي والحربي.
стр. 2461
لذلك لا نعجب أن نرى القاهرة حينذاك تموج بوفود رجال العلم والأدب فتحسن وفادتهم، وان نسمع صفى الدين وقد أقبل إليها فانتظم زمنا في حاشية الملك الناصر يصوغ آيات المدح لمصر ومليكها، ويعود إلى وطنه فيلهج بأجمل الذكريات لما لقي فيها من روعة الكرم وحسن الضيافة. وقد اتصل أثناء أقامته في مصر بحلقاتها الأدبية التي كان يمثل زعامتها الكتابية (علاء الدين بن الأثير) رئيس ديوان الإنشاء، وزعامتها الشعرية (جمال الدين بن نباتة) الأديب الشهير، وتوثقت بينهم جميعا روابط الصداقة والإخلاص، فلم يفتأ بعد رحيله يتراسل معهم في مساجلات أدبية ممتعة تعبر عن عواطف الشوق ويعترف في إحداها بزعامة ابن نباتة لجميع الشعراء
والآن نستعرض إحدى قصائده التي تجمع بعض هذه الأمور، وقد قالها يوم احتفال مصر بيوم الخليج وابتدأها بوصف الربيع في مصر:
خلع الربيع على غصون البان … حللا فواضلها على الكثبان
وتتنوجت هام الغصون وضرجت … خد الرياض شقائق النعمان
وتنوعت بسط الرياض فزهرها … متباين الأشكال والألوان
والظل يسرق في الخمائل خطوه … والغصن يخطر خطرة النشوان
وكأنما الأغصان سوق رواقص … قد قيدت بسلاسل الريحان
واستمر هكذا في أوصافه الجميلة التي يعبر بها عما أودعته طبيعة مصر الفاتنة في نفسه حتى قال:
إني وقد صفت المياه وزخرفت … جنات مصر وأشرق الهرمان؟
واخضر واديها وحدق زهره … ونيل فيه ككوثر بحنان
وبه الجواري المنشآت كأنها … أعلام بيد أو فروع قنان
نهضت بأجنحة القلوع كأنها … عند المسير تهم بالطيران
والماء يسرع في التدفق كلما … عجلت عليه يد النسيم الواني
وأخذ بعد ذلك يصف السلطان بقوة والفصاحة والسيادة على جميع الملوك، وليس الملوك في الحقيقة إلا مظاهر للأمم من أكثر الوجوه، فإذا كانوا أقوياء أو كرماء فما ذلك إلا فيض أممهم ومنحة رعاياهم، وإذن فكل مدح للملك إنما يتجه إلى الأمة التي أكسبته أسباب المدح
стр. 2462
ووهبته ما يتيه به من أثواب المجد. ونود أن نشير هنا إلى أن مصر لم تكن تنظر إلى سلاطينها الذين كانوا في الأصل مماليك إلا بعين التجلة؛ لأنها كانت إذ ذاك تفهم معنا الوطنية كما يقرره الإسلام، دينها الذي تعتز به، وهو دين ديمقراطي حر يأمر أهله ألا يأنفوا من الحاكم المسلم العادل ولو كان عبد حبشياً. كذلك لم يكن هؤلاء السلاطين في نظر مصر إلا جنداً مسلمين تربوا في أرضها ودافعوا طويلاً عن مجدها ثم ارتقوا باستيلائهم على شؤونها الحربية إلى عرش الملك، فرضيت بهم وعهدت إليهم بتمثيل قوتها في السياسة والعلم والحرب، فمثلوها احسن تمثيل، ثم لما فرغ دورهم أرخت عليهم السدول وبقيت مصر هي مصر الخالدة.
ومما قاله صفي الدين في أحدهم وهو الناصر المذكور:
لا عيب في نعماه إلا أنها … يسلو الغريب بما عن الأوطان
شاهدته فشهدت لقمان الحجا … ونظرت كسرى العدل في الإيوان
وشهدت منه فصاحة وسماحة … أعدى بفيضهما يدي ولساني
ملك إذا اكتحل الملوك بنوره … خروا لهيبته إلى الأذقان
وقال:
أبقا قلاوون الفخار لولده … إرثاً وفازوا بالثناء مكسبا
قوم إذا سئموا الصوافن صيروا … للمجد أخطار الأمور مراكبا
عشقوا الحروب تيمنا بلقا العدا … فكأنهم حسبوا العداة حبائبا
وكأنما ظنوا السيوف سوالفا … واللدن قدا والقسىّ حواجبا
يا أيها الملك العزيز ومن له … شرف يجر على النجوم ذوائبا
أصلحت بين السلمين بهمة … تذر الأجانب بالوداد أقاربا
وحرست ملكك من رجيم مارد … بعزائم أن صلن كن قواضبا
كان لصفي الدين قدرة فائقة في رسم المناظر الأخاذة بدقة الفني وتأثر الشاعر، وذلك لما وهبه من ميزتين عظيمتين: إحداهما دقة النظر وصدق المشاهدة، والأخرى قوة الابتكار والتخيل. فقد كان يدرك بالأولى جزئيات الأمور ونواحي المناظر التي تخفى على غير الموهوب، ثم يتولى خياله ما أدركه فيحكم نسجه ويضفي عليه الوانه، ويزيد فوقه نقوشه،
стр. 2463
فإذا بوصفه قطعة فنية رائعة تثير الإعجاب.
قام الشاعر برحلات عدة كما ذكرنا قبل، في صحاري العرب والشام ومصر، وانتظم أزمنة طويلة في حواشي الملوك الذين كان لهم غرام وشغف بالنزه الخلوية في أودية حماة والحلة وماردين فكان ذلك داعيا لشدة قربه من الطبيعة ومذكيا حبه لها، ولما كان بفطرته يملك نفسا شاعرة فقد استجاب دعوة الجمال واخذ يرصد الطيور حائمة في الجو، والوحوش هائمة في الصحراء، والحيوان الأليف والسائم ينقش صورها جميعا في شعره نقش المصور الماهر، وفي ديوانه أمثلة كثيرة لكل هذه الأوصاف.
ومن مظاهر أوصافه الدقيقة أيضاً وصفه للخمر ومجالس الندامى، فان الصفي كان رجلا طروبا متهافتا على موارد اللهو والسرور، يشرب من لذائذه الكؤوس الدهاق: يعاقر الخمر ويعشق النساء والولدان ويختال بين الرياض، ويتجول في الصحراء؛ غير آبه لما حرم من اللذة أو حل، وذلك لأنه اتخذ لنفسه مذهبا خاصا في فهم أحكام الدين يطاوع هواه كل المطاوعة، وقد عبر عن هذا المذهب بقوله:
فارتكب اجمل الذنوب لنفع … واعتقد في ارتكابه التحريما
ثم تب واسأل الإله تجده … لذنوب الورى غفورا رحيما!
وتمادى في هذا المذهب حتى احل الخمر صراحة فقال:
نهى الله عن شرب المدام لأنها … محرمة إلا على من له علم
وذاك بقدر الشاربين وعقلهم … ففي معشر حل وفي معشر حرم
ولو شاء تحريما على كل معشر … لقال رسول الله لا يغرس الكرم!
ولو صدق هذا المنطق المموه لكان العلم رخصة مؤذنة لأهله أن يرتكبوا كل لذة أثيمة، ولأنه قد مارسها فعلا واغتبق من كؤوسها واصطبح، عرف كيف يتغزل في محاسنها ويصف آثارها بمهارة تشهد له بالقدرة الفنية. ومما قاله:
سلاف تميت العقل في حال شربها … وتنعش منها الروح والجسم والقلبا
محجبة وسط الدنان ونورها … يمزق من لألاء غرتها الحجبا
إذا مسها وقع المزاج تألمت … وأزبد منها الثغر وامتلأت رعبا
واعجب من بكر لها الماء والد … وترجع إني رام تقبيلها غضبى
стр. 2464
هي الشمس إلا أنها في شروقها … إذا مزجت في كأسها اطلعت شهبا
يعض عليها التائبون بنانهم … ويندب كل منهم عقله ندبا
وعلى كل فلا يتردد المرء بعد أن يقرا أوصاف الحلي أن يحكم له بان مرتبته في الصف الأول من شعراء الوصف في الأدب العربي أما الغزل فقد كبا فيه جواده وخانه ذكاؤه إذ العقل لا يغني وحده في هذا الميدان، وإنما مرد الأمر إلى القلب الخفاق والعاطفة المشبوبة، وشاعرنا لم يكن من فئة المحبين الذين يؤمنون باتصال الوجدان ويظلون في نجواهم باكين من هول الذكرى وألم الهجر وإنما كان رجلا حسيا يعترف حقا باللذائذ المادية ليس غير.
لهذا كان غزله قسمين متباينين، أولهما الغزل النسائي المألوف، والثاني غزل الولدان أو ما يسمونه بالغزل المذكر، ونأسف إذا نقول إن النوع الثاني كان ارق وأصفى وأدل على الصدق من الأول، ولكنا لاندهش كثيرا إذا ذكرنا مبادئه الخلقية التي وصفناها قبل؛ ويلوح لنا إن هذا الانحلال الخلقي لم يكن قاصرا عليه وحده وإنما كان ظاهرة عامة للولاة والأمراء الذين يستقلون في أطراف المملكة ببعض المناطق؛ لان وفرة المال وتحقق أسباب النعيم مع قلة الشواغل الادارية، كانت تغريهم بالعكوف على الملاهي والتمادي في الإباحة. أما غزله الأول ففيه جفاف وتكلف وترى عليه سمات التقليد واضحة ومما قاله في مذهبه:
خلياني من فترة النسوان … وانعشاني بنشطة الغلمان!
ليس يصبو لربة الخال قلبي … بل برب الأقراط جن جناني!
تلك هي الأغراض البارزة التي تستحق الدراسة في شعر صفي الدين، أما الأغراض الأخرى فهي لا تخرج عن السبل التي طرقتها إخوتها، وجملة القول فيها إن الزهد والألغاز ليسا إلا مثلين من التقليد والتكلف، لان الرجل كما عرفنا كان متهتكا مسرفا، وإنما أراد إن يعارض قصائد ابن الفارض وأمثاله من المتصوفة المخلصين، ولان نوع الألغاز ابعد ما يكون عن معنى الشعر. وهو، وان أجاد في الرثاء حقا، وأبدع في تصوير فجائع الموت!، نستطيع أن ندرك إجادته فيما درسنا من مدحه، لان معناهما واحد وان اختلفا في مناسبة كل منهما مع الحياة أو الموت. غير انه أتى في باب الحكمة بكثير من التجارب الصادقة وآداب الاجتماع، فلم يبقى إذن غير المجون وهي ما نستميح القارئ أن يعفينا منه صونا لحياء القلم وحرصا على وقار (الرسالة).
стр. 2465
(وبعد) فهذه شخصية كبيرة تجمع بين الوسامة والدمامة، ولكنها في جملتها جديرة بالخلود، على أنها آية بينة تقرر إن الأدب العربي قد ظل بعد موت بغداد يتنسم الحياة قويا ناظرا؟
دار العلوم
ضياء الريس
стр. 2466
من طرائف الشعر
النشيد!
للشاعر الوجداني علي محمود طه
عندما ظلَّلني الوادي مساء … كان طيفٌ في الدجى يجلس قربي
في يديه زهرةٌ تقطر ماء … سَمِعَتْ أذني بها أنَّاتِ قلبي!
قلت من أنتَ؟ فلباني مُجيبا … نحن يا صاحِ غريبان هنا!
قد نزلتُ السهلَ والليلَ الرهيبا … حيث ترعاني وأرعاك أنا!!
قلت يا طيفُ أثرت النفس شكا … كيف أقبلت وقلْ لي من دعاكا؟
قال أشفقتُ من الليل عليكا … فتتبعتُ إلى الوادي خطاكا!
ودنا مني وغنَّاني النشيدا … فعرفت الصوت واللحن الشجيا
هوَ حبِّي هام في الليلِ شريداً … مثلما هِمْتُ لنلقاك سويَّا!
وتعانقنا وأجهشنا أنيناً … وانطلقنا في حديثٍ وشجونْ
ودَنا الموعدُ فاهتجنا حنينا … وتنظرناكَ والليلُ عيونْ
أقْبَلَ الليلُ فأقبَلَ مَوهنا … والتمس مجلسَنَا تحت الظلالِ
وافِنِي نصدحْ بألحان المنى … ونعُبُّ الكأسَ من خمر الخيال
أقبِل الليلةَ وانظر واسمعِ … كلُّ ما في الكونِ يشدو بمزاركْ
جِئتُ بالأحلامِ والذكرى معي … وجلسنا في الدجى رهن انتظاركْ
سترى يا حسنُ ما أعددتُه … لك من ذخرٍ وحسن ومتاعْ
هو قلبي في الهوى ذوبتهُ … لك في رفَّاف لحنٍ وشعاعْ
وهو شعرٌ صَوَّرَتْ ألوانه … بهجةَ الفجر وأحزانَ الشفقْ
ونشيدٌ مَثَّلَت ألحانهُ … همساتِ النَّجم في أذن الغَسق
ذاك قلبي عارياً بين يديك … أخذتْه منك روعاتُ الإله
فتأملْه دماً في راحتيك … وذَماءً منكَ يستوحي الحياه
باكيَ الأحلامِ محزونَ المنى … ضاحك الآلام بسَّامَ الجراح
لم يكن إلاَّ تقيَّا مؤمناً … بالذي أغرى بحبيكَ الطماح
стр. 2467
يتمنى فيكَ لو يفنى كما … يتفانى الغيمُ في البحر العُباب
أو يُلاشي فيك حياً مثلما … يتلاشى في الضحى ومض الشهاب
زهرةٌ اطلعها فردوسُ حبك … استمدت نورَها من ناظريك
خفقت أوراقُها في ظلِّ قربك … وسرت أنفاسُها من شفتيك
هي من حسنكَ تحيا وتمون … فاحمها يا حسنُ إعصارَ المنون
أولِها الدفَء من الصدر الحنون … أو فهبها النورَ من هذي العيون
دمعُها الأنداءُ والعطر الشَّجا … وصدى أناتها همسُ النسيم
فاحبُها منكَ الربيعَ المرتجى … تصدح الأيامُ باللحن الرخيم
لو أمكنتني فرصة!
ريان من ماء الحياة … وسرها في وجنتيه
كالجدول المفتون في … وشى الرياض أنبيه
غنَّى بلحن مسكر … وبلابل الوادي لديه
لا يرتوي منه الظما … ء ولا ترى طيراً عليه
ومن العجائب أن ترى … ناراً تشب بوجنتيه
فتثير نيراناً بقلبي … كلما أرنو إليه
لو أمكنتني فرصة … أطفأتها من شفتيه
شرق الأردن
حسني فرير
إبليس
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
أسرفتَ يا إبليس في الوسواس … فأعوذ منك بربِّ هذا الناسِ
أغويتني من بعد ما استدرجتني … مستحوذاً حتى على أنفاسي
حسَّنت في عيني الشرور فجئتها … وضممتُ أرجاساً على أرجاسِ
стр. 2468
ونفذت في أعماق قلبي فاتحا … حتى ملكت منافذ الإحساس
فتعاورتني للشكوك وساوس … سودٌ وعافت مجلس جُلاّسي
أفرغت قلبي من رِضى يقينه … وملأت بالشكّ المبرّح راسي
من بعد ما جرَّعتني مر الأسى … أترعت بالمصل المخدر كأسي
إبليس ما أشركتني في صفقة … إلا قضيت عليَّ بالإفلاس
إبليسُ أنت وليُّ كل ذوي الهوى … إبليس انك في الولاية قاس
لم يبقى مما كان لي قبلاً سوى … ثوب كخائبة المُنى أدراس
تُلقِي العداوةَ موغراً بين الورى … فتثير أجناسا على أجناس
لو اعتقدتَ بهم شعوراً في الردى … لتبعتَهم تغوى إلى الأرماس
تُذكي الحروب وأنت فيها سالم … مما يضر بالنفس الأحلاس
أتعستَ أقواماً لتسعد غيرهم … والشر كل الشر في الإتعاس
كوخٌ حقيرٌ ثم قصرٌ شاهقٌ … ومآتمُ في جانب الأعراس
لا تسترح وأنت عنهم في غنًى … حتى توسوس في صدور الناس
مالي سوى دمعٍ يفيض ندامةً … ما سوف أكتبه على القرطاس
ذكريات في الجزيرة
للأستاذ الحاج محمد الهراوي
لي في الجزيرة ذكريات كلما … خطرت تهز من الحنين فؤادي
فلقد لبست الغيّ في شرخ الصبا … ومضيت طوع مراده ومرادي
وشربت من كأس الهوى وأبحته … وعصيت فيه رويتي وسدادي
أيام انعم بالشباب وبالمنى … ولقاء من أهوى على ميعاد
نلهو ونمرح، والهوى ما بيننا … نجوى يراوح بيننا ويغادي
تتحدث العينان في لحظيهما … عما يحز الشوق في الأكباد
متجاذبين ما حديث صبابة … ولذيذ وصل بعد طول بعاد
متبادلين على الشراب ونقله … قبلات شوق في عناق وداد
стр. 2469
فوق الغدير وبين أزهار الربى … في ظل غصن الدوحة المياد
نخشى النسيم تشي بنا خطرات … إن مر بالعذال والحساد
مستأثرين نغار من عبث الصبا … ونخاف جامحة الزمان العادي
متعانقين نهيم في وادي الكرى … متيقظين على الحمام الشادي
متساقيين من الرضاب، وانه … خمر الهوى في غيه المتمادي
تمضي بنا الساعات لا ندري لها … كيف انقضت في يقظتي ورقاد
فدع الهوى العذري بعد زمانهم … ما مر من زمن فغير معاد
جمح الشباب وما ثنيت عنانه … وجرى، وما من وازع أو هاد
فإذا الغواية موبقات كلها … تأتي على الأرواح والأجساد
فغسلت بالحج المبارك حويتي … ورجعت حين رجعت في الزهاد
ولقد مررت على الجزيرة لا كلما … عهدته في غي مع الوراد
فإذا بها وكأنها حجت معي … أو أننا عدنا معاً لرشاد
стр. 2470
بين الموسيقى الشرقية والغربية
- ١ -
تقوم الآن حركة طيبة في الأوساط الموسيقية، غايتها النهوض بالموسيقى الشرقية إلى المستوى الذي يلق بها كفن له آدابه وأوضاعه وأصوله. وكان طبيعيا أن تتشعب الآراء، وتنوع الأفكار، والمدار هو الكيفية التي بها ترتفع الموسيقى الشرقية إلى مكانتها.
وسمعنا أثناء ذلك اسم الموسيقى الغربية تلوكه الألسن وتتجه إليه الأفكار كأنه الغاية التي إليها نتجه، والمستوى الذي إليه نرتفع، غير إن هناك السناً لم تنطق به وأنظاراً لم تتجه إليه، بل بقيت رابضة في وكرها لا تحيد عنه. وبين هذه وتلك تقف الفكرة الأساسية مترددة محجمة، وان سارت ففي خطى بطيئة متمهلة.
وقد رأيت أن اجمل في نقط بسيطة غير مركبة، أهم الاختلافات التي بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية، وذلك بأن أضع أمام القراء صورة حقيقية للأصل الذي أتكلم عنه، وان اقسم تلك الفوارق التي بينهما تقسيما منظما صحيحا لتكون أمام من يطلع عليها صورة مرتبة غير مشوشة، مع اختصاري قدر ما اصل إليه.
فمن رأى هذه الكلمة خلوا من الإفاضة والشرح فليعذرنا فلسنا نكتب كتاباً ليحفظ ويكون حجة ومرجعاً، وإنما هو مقال يجمع بين الفائدة والترويح، وعلينا العهد عندما نريد أن نكتب كتاباً أن نراعي الدقة جهدنا وان نختصر فيه أو نجمل.
تنقسم الفروق بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية إلى ناحيتين رئيسيتين، الناحية الأولى: وهي الناحية العامة، وفيها تظهر روح كل موسيقى وترتيبها وموافقتها لأخيلة وأمزجة مؤلفيها، ومناخ البلاد التي وضعت فيها وما لها من رقي وانحطاط، وهذه الناحية قد يكتب فيها الأديب المطلع كما يكتب الموسيقي، ولعل الأديب يكون اكثر توفيقاً في الشرح والوصف. أما الناحية الثانية فهي التي تتناول الناحية الفنية من بحث الأغراض التي يذهب إليها التأليف إلى اختلاف الأنغام إلى طريق التلحين، ثم إلى شرح الأوزان والمقاييس وما إلى ذلك من أقسام تتصل بالموسيقى من ناحيتها الفنية. وهي الناحية التي أرجو أن اقصر عليها عنايتي وان أستطيع توضيحها وتقريبها إلى الإفهام.
الموسيقى كأدب اللغة صورة ناطقة حية للعصر الذي وضعت فيه، والأمة التي نشأت منها،
стр. 2471
وتكاد أغراض الموسيقى تشابه الأغراض التي يذهب إليها أدب اللغة في كثير من الحالات، (فالموسيقى الحماسية) هي التي توضع إما لتعبر عن عاطفة قومية وطنية أو لتثير الحمية والإقدام في النفوس، وهي تكون تلحينا لأناشيد كنشيد المرسليين الافرنسي ونشيد اسلمي يا مصر. المصري ونشيد الجمهورية التركية، أو تكون في موسيقى صامتة في (مسير الحرب) لشوبرت أو (مسير الحرية) لصوصة ولعل هذا النوع من الموسيقى الصامتة في الموسيقى الشرقية غث لا قيمة له لا يكاد يبعث حماسة أو يوقد حمية إذا استثنينا بعض المسيرات الحربية التركية. يلي هذا النوع من الموسيقى، موسيقى اللهو والمراقص، وهي التي تعزف في الحانات ودور اللهو والتي يرقص على أنغامها الراقصون والراقصلات، وهذا النوع من الموسيقى هو أساس الموسيقى الشرقية قديماً وما زال متصلا بها إلى الآن وإن كان التهذيب قد ادخله في كثير من نواحيه. أما في الموسيقى الغربية فالتطور عكسي فبعد أن كان هذا النوع في بدء النهضة الموسيقية راقياً فنياً من نوع الكلاسيك صار يتدهور حتى الحرب العظمى فسقط سقوطاً شنيعاً واصبح خلواً من أي شاعرية أو فن والآن أتكلم عن الموسيقى الدينية فهي في الموسيقى الغربية أساس باقي الانواع، فمن معابد روما وهياكلها انتشرت الموسيقى الدينية قي العالم الغربي، وكان رجال الدين في أول أمرهم يقاومون تسرب موسيقاهم إلى الخارج بكل شدة، وكانوا يحافظون عليها كل المحافظة ولكنها ذاعت وانتشرت رغم كل حيطة أو صد، وكل من حملوا علم النهضة الموسيقية كانوا في بدء اشتغالهم بالموسيقى يدخلون الكنائس منتظمين في سلك المنشدين أو لاعبي الأرغن وبعد مضي مدة على اشتغالهم وتمرينهم كانوا يخرجون فينشرون تلك الروح التي تأثروا بها في فجر حياتهم الفنية، واذكر من هؤلاء النوابغ شوبرت مؤلف أوبرا فيرا براس، فقد كان أحد المنشدين بكنيسة ليتشتنتال وهاندل مؤلف (نيرو) و (الميرا) و (وراد ميستر) كان عازفا على الأرغن في كنيسة جويرتزبرج ونشأ هايدن في كنيسة القديس اسطفان بفينا. وكانوا جميعا عندما تنضج أرواحهم وتكمل فيهم بوادر النبوغ، يتمردون على الكنيسة ويخرجون إلى العالم الحر الطليق لتحلق أرواحهم في فضائه متحررة من القيود التي فرضت عليها في المعابد. واعظم القطع الدينية هي (الأوراتوريو) التي منها نشأت (الأوبرا). أما في الموسيقى الشرقية فكيان الموسيقى الدينية
стр. 2472
متهدم لا أساس له، هذا باستثناء الهند والصين فان لموسيقاهم الدينية طابع من الرهبة العميقة والتأثير ومن اكبر مؤلفيهم الموسيقيين (تاجور)، أما في الإسلام فالموسيقى تكاد تكون بدعة لا تحليل لها وان كان هناك شيع وطرق تقيمها في أذكارها فهي منظور إليها نظرة بغيضة، وان كنا لا نستطيع أن نغفل ذكر (المولوية) ومركزهم الموسيقى بين موسيقى الأتراك القدماء. وأما الديانة القبطية فللكنائس تراتيلها وأناشيدها ولكنها على حال من السذاجة الفطرية لا تجعل لها أهمية من الوجهة العملية وإن لم تخل من خطرها في التاريخ الموسيقي فهي اصل موسيقى العالم إذا وصلنا موسيقى القبط بموسيقى الفراعنة. ننتهي من الموسيقى الدينية لنتكلم عن الموسيقى التمثيلية، فهي ركن هام من أركان الموسيقى لا يشتغل به إلا منأوتي قدرة واستعداداً خاصا، فكثيرون من نوابغ الموسيقيين الغربيين من أوتوا في أنواع كثيرة من الموسيقى حظاً وافراً ولكنهم لما وصلوا إلى الموسيقى التمثيلية رأوا انهم لا يستطيعون أن يضربوا فيها بسهم وخير مثال لنا هو (بتهوفن) الخالد فقد حاول محاولة واحدة في الموسيقى التمثيلية هي (اوبرا فيدليو) رأى بعدها انه ليس من رجالاتها فرجع إلى السينفوني والسونات واعظم من وضع في الموسيقى التمثيلية الغربية هو (فاجنر) اله الأوبرا و (لوهنجرين) (ودانهوزر) ومقطوعاتهم تشهد لما نقول أما في الموسيقى الشرقية فلم يعرف هذا النوع إلا حديثا وما زال في مهده لم يشب عن الطوق. بقي أمامنا بعد ذلك آخر قسم وهو قسم الموسيقى التصويرية وهو في رأينا اجل الأقسام أخطرها ويكون عادة موسيقى صامتة تصور وتشرح مختلف العواطف والمناظر والمؤثرات ومن أوائل من بدأوا بعمل السيمفوني التصويرية (هايدن) ثم (موزارت) ثم سيدهم أجمعين (بتهوفن) وفي الحق يمكننا بوجه عام اعتبار كل أنواع الموسيقى تصويرية، إذ الموسيقى كالشعر يعبر كل بيت منها أو قصيدة عن فكرة أو يصف موضوعاً، ويستثنى من ذلك (الدراسات) الخاصة وهي التي يطلقون عليها اسم فإنها تكون عادة لدراسة النغم في دائرة قواعده وأصوله
والموسيقى الشرقية خلو من الموسيقى التصويرية، وما جلها إلا دراسات الأنغام ولا يمكن اعتبار البشارف والسماعيات والبستات إلا نوعا من تعبر عن فكرة أو تصف موضوعا
ولعل معترضاً يقول، أو ليس ذلك الراعي الجالس على حافة الغدير أو وسط المراعي ينقل
стр. 2473
أصابعه على مزماره وهو يرعى غنمه فيبعث أنغاماً هي السحر تأثيراً؛ أليس يصور بأنغامه ما يجيش بصدره من عواطف وآمال وما يتلاعب بفؤاده من أميال وافكار؛ واليس يصور بأنغام مزماره ذلك الغدير بعذوبته وتلك المراعي بخضرتها ونضارتها، وما إلى ذلك من تصوير. هذا هو الحق ولكنه تصوير ساذج ضعيف إلا أن جعلنا من مصوري القرية الذين يرسمون صور عودة الحجاج وما شابه ذلك مصورين لهم خطرهم وأهميتهم ولكن في الموسيقى الشرقية الحديثة، هناك من قام بمحاولات في هذا النوع علها تسير إلى التقدم بعد في مهدها.
والآن نتكلم عن الفروق بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية من الوجهة العامة فأول ما نلاحظه هو تعدد النواحي التي ذهبت إلى التعبير عنها الموسيقى الغربية واقتصار الموسيقى الشرقية على نوع يكاد يكون واحد، ويشبه ذلك شعر أمتين، تناول في الأول كل ما تذهب إليه أغراض الشعر من وصف وغزل ومدح وهجاء ورثاء. . .، واقتصر الثاني على غرض واحد لا يتعداه من تلك الأغراض.
كذلك الأمر في الموسيقى الشرقية. لم تعد كونها موسيقى لهو ومرقص وهي تكاد تقصر نفسها على هذا اللون فقط لا تبدله ولا تنهض عنه بينما نجد إن للموسيقى الغربية مذاهب وأغراضا متعدد متلونة لا يكاد ينتهي منها الباحث. ولعل ذلك راجع كما أرى إلى إن نشأة الموسيقى الشرقية لم تكن بالنشأة اللائقة بها كفن سام له آدابه، فهي قد نشأت في بلاد الفرس والعرب بين الموالي والقيان وفي الحانات التي كان ارتيادها محرما على ذوي المكانة الأدبية. مع إن بعضاً من الخلفاء قد اهتموا بأمر الموسيقى وعطفوا على المشتغلين بها فان ذلك كان ليرفهوا عن أنفسهم في مجلس شراب وانس لا مجلس جد واحترام وظل الأمر كذلك حتى انتقلت الخلافة إلى الأتراك فابتدأت الموسيقى ترفع رأسها لتحل محلها الذي كان ينبغي لها إن تحله من قبل. وكان ذلك باشتغال سلاطين آل عثمان أنفسهم بالموسيقى وما زال (سوزدلار بيشروي) - تأليف السلطان سليم - خليفة المؤمنين آية من آيات الموسيقى الشرقية.
وما يؤسف له حقاً، إن التراث الفني للموسيقى العربية قديما مفقود، إذ لم تكن الحروف الموسيقية (النوتة) متداولة، أو لعلها كانت متداولة إلا إن ما وصل إلينا منها كالطلاسم لا
стр. 2474
حل له ولا بيان. وكانت النتيجة إننا لم نرث عنهم سوى الناحية الأدبية وهي كما قلنا لا تشرف في قليل ولا كثير، بل لعلها قد أثرت أثرها السيئ في الإفهام.
بقيت الآن ملاحظة ثانية على الفروق بين موسيقى الشرق وموسيقى الغرب، تلك هي ضعف الأولى وخلوها، وامتلاء الثانية وقوتها، وهذا فيما أرى يرجع لسبب لا نملكه.
ينشأ الموسيقي الغربي بين جبال وصخور وبحار عظام تمثل قوة الطبيعة وعظمتها وتهب عليه العواصف وتنقض الصواعق وترعد في سمائه الرعود فعندما تجول في مخيلته الموسيقية فكرة نراه تأثر فيها بتلك المؤثرات التي أحاطت به والتي تكيفت بها عاقلته ومخيلته. فنراها في صوته الأجش القوي وفي موسيقاه الممتلئة الضخمة.
أما نشأة الموسيقي الشرقي فعلى ضفاف نهر عذب تسطع عليه شمس صافية وتهب من حوله نسمات تتهافت في الرقة واللطف، وشد ما قاساه من قسوة الطبيعة وبطشها لفحة حر أو قرصة برد لا تلبث حتى يصفوا الجو ويعتدل النسيم.
ذلك ما يحيط بالموسيقي الشرقي وذلك ما يوحي إليه بفكرة موسيقاه وهذا ما ترتاح إلى سماع التعبير عنه أذاه وهذا سر تلك الرقة التي نشاهدها في موسيقاه وهي ليست منقصة أو عيباً ولكن الضعف هو ضعف التعبير عن الفكرة كالبيت من الشعر يصف البستان النظر والمنظر الجميل في أسلوب ضعيف وفكرة غنة وليس العيب فيها عيب الموصوف بل عيب القصور في التعبير وضعف شاعرية الشاعر.
ورقة الموسيقى ليس معناها ضعفها من الناحية الفنية، بل لعلها تكون قوية كل القوة وهي تسيل رقة ولطفاً، ولعل من يسمع لبتهوفن يمكنه أن يفهم ما اعنيه تماما بقوة الموسيقى ورقتها مجتمعين معا.
بقي الآن الحديث عن تركيب الأنغام في كلتا الموسيقتين والأوزان والتآلف فيهما، وارجوا أن تتاح لي الفرصة قريبا للكلام عنهما في أعداد قادمة من (الرسالة).
مدحت عاصم
стр. 2475
العلوم
جراحة المخ
للدكتور فريدرك دامرو
استخلصها الدكتور احمد زكي
تقدمت جراحة الأبدان تقدما كبيراً ألفه الناس ففتر إعجابهم به إلا فيما تستجد الأيام منه، وكان طبيعياً أن يأتي دور الرأس، ذلك العضو المخوف المرهوب، لتظهر الجراحة فيه من المهارة والبراعة مثل الذي أظهرته في سائر الأعضاء.
وقد بلغ التقدم في هذه الناحية في العصر الحاضر مبلغا قمينا بإعجاب العلم، هواته ومحترفيه، إعجابا قد يبلغ حد الهلع إذا لمح اللامح بعينه داخل حجرات العمليات فرأى تلك الجرأة التي يأتيها الأطباء في تناول المخ الحي حتى كأنه بعض الأحشاء، ورأى كذلك شدة استمساك المخ نفسه بالحياة رغم ما تلعب به تلك الأيدي اللبقة وتقطع منه تلك (المشارط) و (المكاشط).
في عام ١٩٣١ بمدينة كليفليد بالولايات المتحدة، اقتطع الدكتور جيمس جاردنار النصف الأيمن كله من المخ، ومع ذلك صحت المريضة وقامت بعافية! وكانت امرأة في الحادية والثلاثين، ولها ولدان صغيران، عانت داء الصرع عشر سنين، وانتهى بها إلى أوجاع مريعة في الرأس، والى بصر اخذ يتضاءل، حتى أوشك يضيع، كل هذا بسبب خراج داخل جمجمتها كان ينمو فيزداد ضغطه فيكاد يقتلها ألماً. حلق النصف الأيمن من رأسها، ثم أزال الدكتور جاردنار جزءاً من الجمجمة قطره أربع بوصات ونصف، وقطع بطانة المخ فتراءى له شئ غريب نام كالقرنبيط، امتد وتفرع كالسرطان حتى عم النصف الأيمن كله من المخ. أما النصف الأيسر، فقد كان صحيحا سليما، وهو النصف الأخطر لاحتوائه مراكز الكلام والكتابة فضلاً عن سيطرته على النصف الأيمن من الجسم.
كان الدكتور جاردنار يعلم إن حذاقاً من الأطباء قبله حاولوا إزاحة النصف الأيمن من المخ لبعض المرضى، وان الموت كان نتيجة مؤكدة في كل حالة، ومع علمه هذا اقدم على ما اقدم عليه لانه كان المختص الوحيد الذي بقي للتعيسة المسكينة. وبيدين بارعتين لبقتين
стр. 2476
عقد الشرايين والأوردة باناشيط محكمة أوقفت نزف الدماء، ثم اخذ يكشط المادة المخية بما فيها الخراج حتى افرغ نصف الجمجمة، وعندئذ ملأ الفراغ بمحلول دافئ من الملح، ثم رد العظمة إلى موضعها، فسد الرأس. ثم أثبتها بالحرير ولم أطراف جلدة الرأس فخاطها، وانتهت العملية بسلام.
وبعد ساعات أفاقت المريضة فتعرفت أصدقاءها وتحدثت اليهم، واسرع شفاؤها، وكانت في نقاهتها تقرأ وتكتب، وذهبت عنها أوجاع الرأس ونوبات الصرع. مع وان ذراعها ورجلها اليُمنيين ظل بهما شئ من تيبس وصلابة، إلا أنها استطاعت أن تمشي، وبعد ثلاثة اشهر ونصف من يوم العملية كانت من الصحة بحيث استطاعت أن تعود إلى ما كانت عليه من العناية بولديها بنفسها.
إن من اغرب خصائص المخ الإنساني مقدرته على الاستفادة من عثرات تخال قاضية. اذكر حادثة من حوادث الحرب الكبرى: جئ بجندي من خط النار، وكانت مقدمة رأسه مرصعةبشظايا قنبلة، فأخرجنا قطعة منها قطرها بوصتان سكنت من المخ مسكنا عميقا بين فصيه الأماميين ولم نجرؤ أن نمس بقية القطع لتباعد ما بينها، ومع ذلك شفي المريض شفاء معجزاً. لم يشل. ولم تصب حواسه بسوء، وكل ما بقي عنده بطء في الكلام ونسيان للمواعيد.
وفي الرابع من يوليو عام ١٩٣٠ وضع يافع في الثامن عشرة من عمره صاروخين مشتعلين في اسطوانة مضخة هواء من تلك التي تستخدم لنفخ إطارات العجلات، فانسفا بشدة عظيمة قذفت بعود المضخة الحديد في رأس الشاب، دخل من قرب عينه اليمنى واخترق مخه حتى برأ من ناحية الرأس الأخرى وجاءه الدكتور (جويل سوانسون) فأعطاه سمماً يقيه كزاز الفك وعقم مانتا من طرفي العود باليود، ثم انتزعه. واشتفى الشاب واستكمل سنة في دراسته الثانوية ولم يتأثر عقله من الحادث أي تأثر ظاهر.
وفي إحدى المصحات الأوربية تسجلت حادثة أخرى غريبة: رجل حذّاء انتابه جنون وفي أثناء إحدى النوبات أراد أن ينتحر فدق المسامير في رأسه وجيء به إلى المستشفى وبرأسه خمسة مسامير طول الواحد منها بوصتان كلها غائرة في المخ. فانتزعها الجراح فصح المريض بعدها وغادر موفور العافية. واغرب من هذا كله قصة فاعل عاش عشرين
стр. 2477
سنة من بعد أن نفذ في رأسه قضيب سمكه بوصة بسبب انفجار دخله من دون عظمة الصدغ الأيسر ومر في العين اليسرى ففقأها، وبجزء كبير من المخ فأتلفه، ثم خرج من قمة الجمجمة. استعاد هذا العامل صحته واستمر يعمل في الحقل حيناً ويشتغل حوذياً حيناً ويحيد في كلا العملين على السواء فلم تكن منه يوماً شكاة على اختلاف مستأجريه.
لقد أفادت هذه الحوادث العلم، وقعت اتفاقاً فأعانت الأطباء على تفهم هذا العضو الخطير من الجسم، فاخذوا شيئاً فشيئاً يجمعون عنه الحقائق بما يأتيهم عفواً من هذه الإصابات وبما يقصدون من دراسته في مرضاهم، وبتشريحه وفحصه بعد الموت إذا خاب العلاج، وكذلك بتهيجة مراكزه بتيارات الكهرباء في رؤوس القردة والكلاب.
في الحرب الفرنسية البروسية استخدم الكهرباء طبيبان ألمانيان (جوستاف فرتش) و (ادوارد هتسج) استخدماها في تنشيط أمخاخ الجرحى واحدثا لأول مرة حركة في الجسم الإنساني بواسطة التيار والجسم فاقد الشعور. مسا بقطب التيار موضعاً من المخ فتحرك الرجلان، ومسا موضعاً آخر فتحرك الرأس. ثم مسا ثالثاً فتحركت الأصابع. وزاد في إيضاح العلاقة التي بين مراكز المخ وأعضاء الجسد تجارب أمثال تلك، أجراها العلماء على الكلاب والشامبانزي، فاصبح الطبيب اليوم يستدل بأعراض الجسد على موقع الفساد في المخ فيشق الرأس حيث اصل الداء بلا حدس ولا تقريب، فجراحة الرأس لا تحتمل حدساً ولا تقريباً.
أنت نفسك تستطيع أن ترسم على رأسك خريطة تدلك على مواضع تلك المراكز. ابدأ بأصل انفك عند ملتقى الحاجبين، وارسم خطاً يمر بانتصاف جبهتك ويعلوا إلى أعلى جمجمتك ثم يمتد خلفاً إلى بصلة رأسك، بعد ذلك نصف هذا الخط، واذهب نصف بوصة وراء هذا المنتصف. ومن هذه النقطة ارسم خطين يميلان عن الخط الأول إلى جانب رأسك بزاوية قدرها سبعون درجة، وبذلك تكون انقسمت الرأس إلى خانات اربع، ففي الخانتين الأماميتين توجد المراكز التي تهيمن على الحركة في الجسم، في الخانتين الأخريين توجد المراكز التي تضبط الاحساسات التي يتعرض لها الجسد.
ووراء جبهتك توجد مراكز التفكير، فان كان هذا الموضع من رأسك عظيماً فاعلم انك مفكر كبير، وان وجدته في رأس غيرك صغيراً ضئيلاً فاعلم عكس هذا منه. وفي الإنسان
стр. 2478
المستوحش وفي البسطاء تتراجع الجبهة إلى الوراء. انضماراً لان هذا الجانب من المخ لديهم لا يستكمل نماءه. ومن العجيب المستغرب إن هذه المراكز إذا أصابها تلف بخراج أو سلعة نهض جانب آخر من المخ ليتولى التفكير مكانه.
ولقد ورث كثير من العبقريين رؤوسهم من بعد موتهم للعلم ليفحصها رجل الطب. من أولئك الكاتب الفرنسي الكبير اناتول فرانس، كانت لفات مخه عظيمة وخلاياه السمراء كبيرة كبراً غير عادي. كذلك لينين، مؤسس الجمهورية الروسية وواضع البلشفة، جزئ مخه ٣١٠٠٠ جزءاً، فحصت جميعها.
كذلك (ترجوينف) الروائي الروسي كان له مخ من اكبر الأمخاخ المقيسة، كانت زنته اكثر من أربعة أرطال. ومع هذا فحجم الرأس ليس مقياساً دقيقاً مطرداً للذكاء، دليل ذلك إن من الأمخاخ المعروفة مخين زادا وزناً عن مخ (ترجوينف) وكان أحدهما لأبله. وإذا زاد مخ عن مخ فليس معنى هذا زيادة في عدد وحداته فالوحدات سواء وإنما تزيد الوحدة عن أختها حجماً ووزناً.
وفي النصف الخلفي للرأس توجد مراكز الإبصار، فإذا نمت فيها نامية أو أصابتها اصابة، سببت العمى. وجزء المخ المجاور للأذن يحكم السمع، وأمام الجزء الأسفل لمراكز الحركة يوجد مركز الصوت، فنحن نسمع الكلمات مقولة بجزء من المخ، ونراها مكتوبة بجزء آخر، ونقولها بجزء ثالث
وإذا حدث اضطراب لأي من هذه المراكز، حدثت أحداث غريبة. كان أستاذ يحسن اللغتين الإغريقية واللاتينية، فأصيب في حادث بضربة على رأسه فلما أفاق واشتفى مما أصابه وجد انه فقد اللغتين جميعاً وعبثاً حاولت أن تسترجع ذاكرته كلمة من ايهما، وذلك إن خلايا مخه التي تختزنهما أصابهما التلف لا إصلاح لها.
وفي حادث آخر انسد شريان دقيق يحمل الدم إلى بعض الخلايا المخية بمنطقة الإبصار من رأس امرأة مثقفة، وما أمسى الليل وانفلق النهار بالنور حتى وجدت هذه المسكينة أنها عجزة عن القراءة وأصبحت الكتب لا تحمل إليها من المعاني اكثر مما تحمله إلى الفلاح الأمي. كانت تنضر إلى الكلمة فتراها رسما لا صلة له باللغة. أصابها عمى الكلم وعلى هذا المثال يحدث صمم الكلم. تصاب الخلايا الخاصة به فيسمع المنكوب كل الأصوات،
стр. 2479
ويسمع الكلمات، ولكن خلوا من المعاني.
ومنذ اشهر قليلة حدث حادث عجيب في (لوس انجلس) بأمريكا الشمالية. فتاة مكسيكية دخلت مستشفاها العام للعلاج فقاس الأطباء فيما قاسوا درجة حرارتها فكانت ٤٣ , ٣والمعروف في الطب إن درجة ٤٢ قاتلة. واستمرت هذه الحرارة عالية شهراً من الزمان. فحصها المختصون فاجمعوا على إن سلعة درنية نمت من مخها في المنطقة التي تضبط درجة الحرارة في الإنسان فساء ضبطها.
إن الجراح يستطيع اليوم أن يرسم خريطة للمخ كاملة يتبين فيها خلايا المخ وما تخص به من وظائف أعضاء الجسم المختلفة فهو إذا أتاه مريض عرف من أوجاعه وأعراضه أي مناطق الرأس اختل فيذهب إليها قدماً فلا ينحرف عنها قيد إصبع
اذكر رجل شفيناه من الصرع استهداء بتلك الخريطة كانت تبدأ الرجفة في وجهه فعرفنا من هذا إن اصل الداء واقع بمنطقة الحركة بمؤخر المخ. وأردنا زيادة التحقق ودقة في تحديد الموضع، فخرقنا ثقبين في مؤخر الرأس، وغرزنا في مادة المخ إبرتين جوفاوين ومصصنا من سائله بعضه، ثم ملانا الفجوة التي خلت بالهواء، ثم أخذنا صورة سينية أرتنا إن تلك الفجوة غير منتظمة وان شكلها استطال في ناحية وابعج في أخرى بسبب ضغط سلعة لم تتراجع مع مادة المخ تحت ضغط الهواء المحقون. . بهذا الكشف الجديد تعرفنا على موضع السلعة التي لكأنما رأيناها رأى العين، ثم أزلناها.
ويختلف حس المخ اختلافا كبيرا تبعا للموقع الذي يحصل الفساد فيه، فقد لا تتعدى البثرة رأس الدبوس حجما فتحدث أعراضا مريعة هائلة، ثم قد تبلغ في موضع آخر قبضة اليد حجماً قبل أن تحدث حدثاً خطيراً.
منذ أعوام جاءني صديق يهوى لعبة التنس يشكو من ذراعه انه لا يتجه بالكرة الجهة التي يريدها وانه عبثاً حاول استرجاع الأصابة التي كانت له منذ حين، وهذه كانت كل شكاته. فامتحناه فتبين إن سبب ذلك سلعة بقدر البندقة فأزلناها وبذهابها رجعت إليه رمايته الأولى. رجل مبخوت هذا الصديق الذي نحن بحديثه، فلولا ملاحظته الدقيقة لما فطن أحد إلى دائه الخبيء، ولزادت سلعته حتى لنشق استأصالها أو استحال. وقد اصبح أطباء العصر من اجل ذلك وأمثاله حريصين على تعرف السلع في المخ ولما تكبر ويستفحل أمرها
стр. 2480
منذ أعوام كانت خراجات المخ تحتسب من العلل الوبيلة التي لا رجاء فيها، وكانت جراحات المخ تنتهي بالموت بنسبة لا تقل عن ٨٥ في المائة. أما اليوم فقد تحسنت طرقها واحكم تفصيلها وجد الطب في استبانة عللها قبل أن تشب، فزاد عدد الناجين من الموت الذي كان محققا بالأمس زيادة تطرد على السنوات.
وقد ثبت إن ١٠ في المائة من المجانين يختل صوابهم من جراء إصابات تقع لرؤوسهم. وقد ثبت إن رجالا محترمين موقرين استحالوا أشراراً مجرمين بسبب صدمة أو دقة على رؤوسهم آذت أمخاخهم. ومن الغريب إن نتائج هذه الصدمات قد لا تظهر إلا بعد أسابيع من وقوعها. مثال ذلك إن رجلا من أهل السواد أصابته رصاصة ضلت سبيلها ودخلت من مؤخر رأسه، فأسرعوا به إلى المستشفى وكان أول ما يعمل لفحصه بطبيعة الحال تصوير رأسه بأشعة س، ولكن كان وقع بالمستشفى حريق في أيام قريبة سابقة فقضى على جهاز الأشعة، فلم يجرؤ الجراح على سل مشرطه وهو لا يعلم موضع الرصاصة، فتركت حيث كانت وتعافى المرض ظاهرا وغادر المستشفى، ولكن بعد سبعة أسابيع اخذ بصره يضعف وآذن بالعمى، فعاد إلى المستشفى فصوروا رأسه فتراءى لهم إن الرصاصة صارت في المخ رويداً حتى حلت منه في موقع الأبصار، ولما انتزعوها عاد إلى الكفيف بصره
وغير هذا ما حكاه السير (وليم هويلر) الجراح الايرلندي الشهير، ذكر إن الرصاصة دخلت راس رجل وضلت هناك أربع سنوات حتى سكنت من المخ حيث تترابط الأفكار فأصابت ذاكرته وبصره وسمعه وأخرجت فعادت إليه كل هذه جمعاء.
ومن ذلك قصة طفل في الشهر الحادي عشر من عمره، سقطت على رأسه لَبِنة فكسرت جمجمته، فكانت تأتيه لهذا السبب ارتجافات عنيفة، ثم انقطعت. ولما بلغ عامه السابع عشر أخذ ينتابه صرع شديد اشتفى منه بإحدى براعات الطب أتاها الدكتور (شارل هرِس) من (تكساس) بأمريكا. ذلك أنه ارتأى أن الصرع جاء من ضغط العظم الصديع على المخ، ففتح الجمجمة فتحة أطالها وراء الرأس من الأذن إلى الأذن على شكل حذاء الفرس، ثم رفع الجمجمة، وقطع شريحة دهنية من فخذ المريض فوضعها تحت عظام الرأس حيث الصدع لتفعل فعل الوسادة فتلقى الضغط دون المخ. وقد نجحت العملية نجاحاً تاماً وزال الصرع وعاد الشاب إلى مدرسته يستعد للحياة استعداد أقرانه، ويأمل منها مثل آمالهم عمراً
стр. 2481
مديداً وعيشاً رغيداً.
стр. 2482
القصص
نشيد الكرنك
للأستاذ محمد فريد أبو حديد
لقد كانت أياماً مليئة بالحياة. جادها الغيث إذا الغيث همى
جلسنا بعد سير طويل عند مدخل البهو ذي الأعمدة، واخذ بعض الرفقة ينطقون أوتار المزهر والكمان والقانون فترتفع مقاطعها المتآلفة المتناسقة بأحسن الأنغام وأطيب الألحان ثم تجاوبت الأصداء العجيبة من نواحي ذلك البهو الفسيح، فإذا الجو له يطن بأمواج مختلفة القوة من أصوات عذبة ساحرة، واستلقيت على مسافة من الجمع إذ كنت من أكثرهم تعبا، ولكن وان عزبت عن الضجة والصخب لم تفتني نفحات الموسيقى الحلوة وقد صفاها البعد ونقاها
وفيما أنا كذلك إذا بي وقد تمثل ذلك الهيكل منذ كان في شبابه، ورونقه، وقد قامت فيه الأعمدة باسقة تحمل تيجانها النيلوفرية وتكسوها النقوش البديعة الذهبية، وفي مداخلها المسلات النحيلة الرشيقة تلمع رؤوسها النحاسية في ضوء الشمس المائلة إلى الغروب، ثم تمثلت منظر الهيكل يوم عيد عظيم وقد ازدحم بالكهنة يصطفون للقاء فرعون وهم ينشدون نشيد الترحيب والتكريم، حتى إذا ما اقبل خروا إلى الأذقان ركعاً لابن الآلهة وسليل حوريس. فخيل إلي وأنا وسط هذه التأملات إن ذلك الصوت المنبعث إلى آذاني من موسيقى أصدقائي هو صوت هؤلاء الكهنة يتردد بين جدران المعبد القائم الجديد. وغرقت في خيالي وإذا بي وقد لف الظلام ما حولي. وإذا بي أرى من خلال الظلام عالماً سحرياً عجيباً ينشر من بين هذه الأطلال الهرمة:
رأيت (فرعون) مقبلاً يحمل في يداه عصا مذهبة وعلى رأسها تاج تحف به من أسفله الحية الملكية.
فخر الوقوف ساجدين وتعالت في جنبات المعبد أصداء موسيقى بديعة بالنشيد الملكي وألقى في روعي إن معناه
لاح حورماخيس يملأ الأرض بأنوار الصباح
يا ابن اوزيريس روحك الأقدس من روح بتاح
стр. 2483
وكان (فرعون) نحيل الجسم قصير العود تعلو وجهه الأسمر صفرة كصفرة النرجس الذابلة. ولما رأيته وتبينت ملامحه لم املك نفسي إن صحت صيحة مكتومة هائلة. (أتعرف توت عنخ آمون؟) إذا كان صاحب الصورة التي ألفنا رؤيتها منذ كشف المقبرة المشهورة.
وقد كان المنظر الذي حولي يدعوني إلى الخشوع والرهبة. غير إني مع ذلك وجدت من نفسي كبراً أن اسجد لمخلوق، فلم اسجد مع الساجدين، وكنت أخشى أن يمسني من ذلك سوء. غير إني تعجبت إذ رأيت الحاضرين لم يزعجهم ذلك بل كأنهم لم يلحظوا شيئا.
فتجرأت وقمت أسير وراء موكب الملك بين صفوة المتقربين وهامات رجال الجيش وكبار الكهنة.
وسار (فرعون) في سبيل مرسومة إلى أن بلغ قدس الأقداس خلال الأغصان الملتفة والأوراق المتعانقة المتراقصة. كأنها الرقراق من جدول يجري بعد الترويق، أو النسيم يسري من تعدد المسارب والثنيات، فكانت إذا بلغتني تتوارد هينة مصقولة فتخلف عنه القواد وسجدوا إيذانا بالوقوف عند حد الحرم الممنوع، ولكني دخلت وراء الموكب ولم يبقى فيه إلا الملك والكاهن الأعظم وبعض كبار الكهنة يحملون في أيديهم هدايا الملك إلى إله طيبة الأعظم (آمون). فلما أن بلغوا المذبح وضعوا ما بأيديهم وانحنوا إجلالا، ثم وضعوا البخور في المجامر وعلا صوتهم بنشيد قدس الأقداس:
أأمون بارك سليل العلا … ومن فيه يجري دم الاقدسين
ولكنهم وقفوا حيث انتهى بهم السير، ودخل الملك وحده إلى الحرم الأقدس يتبعه الكاهن الأعظم، فترددت قليلا ثم عاودتني الجرأة فسرت وراء الملك إلى قلب ذلك المكان المحرم، ولكني عجبت إذ لم يمنعني أحد ولم تلتفت إلي عين. ولقد راعني الأمر وهالني مخافة أن أكون أقدمت على انتهاك حرمة جزاء الاعتداء عليها الهلاك. فقد كنت اعرف إن ذاك الحرم لا يحل دخوله إلا للملك ولرئيس الكهنة، وان الموت هو العقاب لمن يدخله من غيرهما. غير إني مع ذلك لم الو على شيء، بل سرت قدماً وسط الظلام الدامس الذي لا تضيء فيه إلا ذبالة ضئيلة في زجاجة حمراء لا يكاد الإنسان يتبين فيها إلا أشباحاً كأنها الظلال المتحركة.
ولما صار الملك هناك وحده مع الكاهن، أقول وحده لان كل الأدلة تدل على انه لم يلحظ
стр. 2484
وجودي - استلقى على مقعد استلقاء المجهد السقيم وان أنة المتوجع المكلوم.
وسمعت صوت الكاهن الهادئ يخترق ذلك الظلام بنبرات خفية متزنة ولست اذكر ألفاظه ولكني كنت افهم ما اسمع بإلهام عجيب: قال (أي بني! شملتك رحمة آمون).
فصاح الملك صيحة مكبوتة (أيها الشيخ! نحن هنا وحدنا)
فقال الكاهن (اعرف ذلك ولهذا اطلب لك رحمة آمون)
فقال الملك بالصيحة ذاتها (ليتني كنت لا اعرف! ليتني كنت أستطيع أن اصدق!)
فقال الكاهن (أي بني! انك لا زلت شاباً وقد يغتفر للشاب أن يشك أحياناً)
فصاح الملك (اشك؟ إنني لا اشك. إنما انطق عن عقيدة. فلماذا يكون لتمثال مصنوع من الذهب في قلبي من الاحترام؟)
فقال الكاهن بلهجة مرة (ولكنك ملك. وان كنت لا تستطيع أن تصدق فعليك أن تصدق.)
فقال الملك محتدا (ماذا اصدق؟ هل اصدق إن آمون اله يرحم، أو جبار ينتقم؟ نحن هنا وحدنا فلا بأس أن تقول الحقيقة مجردة. ليس آمون هو الذي يتطلب مني الإيمان والخضوع بل هو (آي) الكاهن الأعظم وليس هو آمون الذي يرضى أن يسخط بل هم الكهنة الذين يحملون رمزه ويقومون على سدانة تمثاله الأخرس. هم كهنة آمون اللذين يطلبون مني الخضوع والعبادة) فقال الكاهن بهدوء (ثم ماذا؟) فقال الملك (ومع ذلك فقد كنت صريحا مع نفسي ورضيت بتغيير اسمي من (توت عنخ آتون) إلى (توت عنخ آمون) فتركت الإله الواحد القادر وآمنت بإله مزيف وأنا عالم بأنني إنما أؤمن بإله مزيف ولكي اضلل وأزيف.
فقاطعه الكاهن وقد بلغ الغضب على هدوءه وسخريته المرة قائلا:
(حسبك يا ساكاي) فصاح الملك (ساكاي!)
فأجاب (آي) (نعم ساكاي. انك لا تمت إلى الملوك إلا بصلة النسب والاعتقاد. وقد بطل ذلك الاعتقاد الفاسد في إلهك (آتون) منذ مات ذلك المجرم الذي كان يحكم في (آختاتون) وأما علاقة النسب فمن السهل البحث عن علاقة أقوى منها واجدر بالملك)
وعند ذلك لاح شبح الملك وهو ينهض غاضباً ويرفع رأسه متحدياً. ولكنه لم يقل كلمة واحدة بل بقى واقفاً وصدره يزدحم بأنفاسه. ونهض الكاهن كذلك ووقف أمامه واستمر في
стр. 2485
قوله، وكان في حماسته يحرك رأسه ولحيته الطويلة بشي من العنف ويرفع رأسه عالياً مع ما في ظهره من انحناء الشيخوخة: قال (لا تغضب من الحق.) وان شئت أن تغضب ففكر في العاقبة قبل أن تخطو في سبيلك خطوة واحدة. إنني أحذر. إنني انذر. والبلاد كما ترى في اشد حالات الاضطراب والفوضى وقد صارت كالنسر المجرد من ريشه أو الأسد الذي قلمت أظافره).
فعاد الملك إلى مقعده وأن أنة أخرى اعمق من الأولى واشد مرارة ثم استمر الكاهن فقال:
(ومع ذلك فأسمع قصة قصيرة قد تكون مغنية عن قول كثير. إننا نحتفل اليوم بعيد اختيار آمون لجد زوجتك الملكية، الملك تحوتمس الثالث. ولقد كان ذلك الملك العظيم كما تعرف غير مرشح للملك لانه ابن محظية لا تجري في أمه دماء الآلهة. ولكن آمون رضى عنه ومال إليه في أول دورة، ووقف أمامه في يوم احتفال كهذا. فاظهر بذلك ارتياحه إليه وصار المُلك من ذلك اليوم اليه، فتنحى أبوه عن الملك وتنحى أخوه بل لقد تنحت أخته نفسها وهي التي تجري في عروقها دماء الآلهة. أتعرف هذا؟)
فتمتم توت عنخ قائلا (نعم. اعرفه) فقال الكاهن (وإذاً فلك الخيار. سأقول اليوم كلمتي إذا ما خرجنا من هنا على مسمع من رجال الدولة والكهنة والأمراء. وإذا شئت فارفض ما أقول)
قال هذا ثم نهض رافعا رأسه واتبعه الملك الصغير مطأطئ الرأس حزيناً ولما مر (توت عنخ) على مقربة مني وقعت على وجهه شعاعة من ضوء الذبالة فإذا على وجنته دمعة تترقرق وتلمع في الضوء الخافت.
ولما بلغ الكاهن الأعظم مكان المحراب عرج عليه لكي يؤدي فرضاً من الفروض المرسومة وألقى بعض البخور في المجامر المتقدة ثم سار وراء الملك حتى بلغا الفناء الفسيح في وسط الهيكل، وكان هناك الحشد الحافل من أهل الدولة والكهنة والقواد والأمراء فخروا جميعا للأذقان سجداً يتلقون الملك والكاهن الأعظم، ثم جلس الملك على عرش منصوب في الصدر، وقام الكاهن الأعظم فألقى كلمة قصيرة قال فيها:
(أيها القواد العظام والأمراء الكرام! لقد دخل الملك العظيم ابن الآلهة إلى قدس الأقداس وتجلت له أسرار آمون وظهر من إيمانه وبره ما جعل الإله العظيم يتجلى له. ولكن تجلى
стр. 2486
آمون للملك العظيم. فالشكر لامون)
فسجد الجميع، مرة أخرى وقام الملك سائرا نحو الكاهن الأعظم وكانت خطاه مترددة مضطربة. ثم قال بصوت مختنق متهدج (المجد لآمون) فعلت عند ذلك ضجة من الجمع الخاشع كأنها ضجة التهليل والتسبيح.
وارتفع صوت الكهنة بنشيد الملك: (لاح حودماخيس، يملأ الأرض بأنوار الصباح) ثم حمل الكهنة تمثال آمون الذهبي وداروا به حول الفناء أمام الحضور حتى أتوا أمام عرش الملك فوقفوا واقبل التمثال محمولاً على الأعناق لكي يبارك الملك المحبوب المؤمن.
لقد تجلى آمون (لتوت عنخ) ورضى عنه لما في قلبه من الإيمان، وقام الملك بعد ذلك يتعثر في مشيته وقد زاد وجهه شحوبا على شحوبه وغارت عيناه وترددت فيهما قطرات تكاد تعيشهما. وعند ذلك علا صوت الكهنة مرة أخرى بنشيد
(أآمون بارك سليل العلا)
فتجاوبت به الأصداء بين جدران المعبد وتماوجت نغماته وكان بعضها يفنى كما تفنى الموجة إذا اتسعت دائرتها وبلغت مداها وتجددت من أعقابها موجة أخرى لا تلبث أن تبلغ مداها.
وعند ذلك انجلى الظلام وأسفر المنظر فإذا بإخواني ينشدون نشيدهم على آلات الكمان والعود والقانون. وإذا بي لا زلت منتحيا منهم ناحية راقدا على جانب حجر مكتوب الصفحات.
محمد فريد أبو حديد
стр. 2487
العدد ٣٠ - بتاريخ: ٢٩ - ٠١ - ١٩٣٤
стр. 2488
إلى الأقصر. . .
- ١ -
كان لا بد للاّغب أن يستجم، وللصائم أن يعيد، وللمجادل في مجد الفراعين أن يزور الأقصر.
وكان (قطار الآثار) قد جرأ الجيوب الهزيلة على أن تباري الجيوب الأمريكية في (وادي الملوك)! وقطار الآثار كقطار البحر فكرة سديدة، تنفذها إرادة رشيدة. .
ولكن حرف (لكن) لا يزال وا أسفاه أكثر أخوات (إن) استعمالاً، وأشدها بحياتنا اتصالاً! فأنا مضطر أن أقول: ولكن هذا القطار لا يصلح إلا لأقوياء البنية، أشداء العصب، ممن يستريحون على الوقوف، وينامون على الرفوف، ويغمضون على ضيق المكان، وكظّة الديوان، وحرج الأسِرة. أما أخو الجسد المهدود، والعصب المجهود، فلا مناص أن يقضي ليله كما قضيت: مقسم النفس بين القلق والأرق، ولا يجد نفسه ولا يملك قلبه!
سار بنا القطار المثقل في منتصف الساعة التاسعة من مساء يوم الاثنين أول أيام أمس العيد، وكان المفروض على راكبه أن يبيت قائماً في الممشى، أو نائماً على (الرف)، أما الجلوس لو أراد، فلا سبيل إليه إذ لا محل له! وكان من الميسور تلطيف هذا المقدور بشيء من لهو الحديث ولو جمعنا الحظ العنيد برفقة من أهل الأنس، ولكنني كنت أنا وصديقي بين أربعة لا يصل أحدهم بالآخر سبب من جنسية أو لغة، فحملونا مكرهين إلى الفراش النابي والوساد القلق. . . ولا أريد أن أثقل عليك وعلى إدارة القطار بذكر ما أعقب ذلك من أزمة الصدر، وضمة القبر، وإزعاج الصحب، وإغاثة الإسعاف، وقضاء الليل الطويل قابعاً أمام الباب لا يخدع في عيني نعاس، ولا ينفس عن صدري فرج، فان علاج ذلك كله إعداد عربة للجلوس يتنفس فيها الساهد المكروب باللهو والسمر.
القطارالجاهد يخوض في أحشاء الليل المظلم، والهواء البارد يسفي غبار الطريق الخانق، والركب المترجح يغط في النوم غطيط الخلي، والكرى الجائر قد غلبني على أخوي فأوى بهما إلى المضجع! وأنا وحدي في هذا القفص الطائر أرعى نجوم الكهرباء في سمائه المحصورة الرفيعة، وأقول في آخر ليلة من ليالي رمضان المحتضر: متى يا اله الناس يصبح هذا الليل؟!
стр. 2489
وأخيراً، أخذ نور المصابيح الزاهر يشحب قليلاً فقليلا، وستر الظلام الصفيق يرق عن جوانب القطار شيئاً فشيئا، وأنفاس الفجر الندية تخلص إلي من خلال النوافذ، وكنا حينئذ نمر على الجسر الحديدي (بنجع حمادي)، ففتحت الشباك القريب وأرسلت طرفي الكليل في شمال الوادي، فرأيت رءوس الشجر الرفيفة، وذوائب النخل الرفيعة، طافية في سيل من الضوء المشوب المبهم، وتبينت القرى الجاثمة على الضفاف الخضر تستيقظ مطلولة الجنبات مع الطبيعة، والصبح الوليد يهتك عن مهده الوردي كلَّة السحر الداكنة، وأبصرت من وراء (قنا) خطاً من ذائب المرجان قد ارتسم على قمم الجبال اللوبية، ثم أخذ ينتشر رويداً على الظلال المتخلفة من بقايا الليل حتى غمر الوادي، فاستبانت في سهوله الخصيبة حقول القمح والفول والعدس يكللها الطل، ويهفو فوقها رقيق الضباب.
أشرقت الشمس علينا كما كانت تشرق منذ آلاف السنين على سيتي ورمسيس، فهي وحدها المخلوق الذي شهد ضخامة الماضي، ويشهد الآن ضآلة الحاضر! فليت شعري ماذا تقول ذكاء في هؤلاء الأقزام الذين يحجبون اليوم (طيبة) مختالين على مركب ليس في صنعه قسط من حديد أو خشب؟ ماذا تقول ذكاء وقد رأت ملوكنا العماليق وهم في طفولة البشرية ينقلون قطع الجبال من أدنى الشمال إلى أقصى الشلال على عجلات وآلات من خلق عقولهم وصنع أيديهم، ثم ترانا معشر الأعقاب نلوك الفخر أمام الغربيين بعظمة الأقدمين، ونتبجح أمام الأقدمين بعبقرية الغربيين، فنحن كخلفة الدوحة العتيقة تنبت رخوة على جوانب الجذر الثابت، ثم يقعد بها الوهن عن مطاولة الجذع، فلا هي في رسوخ الأصل وقوته، ولا هي في سموق الفرع وإشرافه!!
لا يكاد الصعيد يختلف اليوم عما عهده الفراعين منذ أربعة آلاف سنة! فالشمس المعبودة هي الشمس، والنيل المقدس هو النيل، والقمح الذي خزنه (يوسف) هو القمح، وجوارح الطير التي تحوم فوق ساحلي النهر هي بأنواعها وأشكالها وألوانها التي كانت تحلق في أجواء (طيبة)، لأن الحيوان والنبات قلما ينالهما التغير. أما الذي نال منه الحدثان، وغير من حاله الزمان، فهو هذا الإنسان المسكين، فإنسان النيل لم يعد ذلك الذي قارع الدهر، وصارع البلى، وحاول الخلود، وقدس القوة، وأخضع العراق والشام وفلسطين والسودان والحبشة، وإنما أصبح من فعل القرون وإلحاح الجور شيئاً من المتاع تابعاً للأرض، يُملك
стр. 2490
ولا يَملك، وينتج ولا يٌهلك!
على أن القبس الإلهي العربي الذي بعث الضوء في شبابه الكادي، والحرارة في جسمه المنحل، لا يزال قديراً على إحياءه، جديراً برفعه.
وإذا كان البحر يتعاوره الجزر والمد، والشمس يتعاقبها الغروب والشروق، والطبيعة يتناوبها الخريف والربيع، فأن مصر الناهضة تشارف بثروتها المد، وتطالع بقادتها الشروق، وتستقبل بشبابها الربيع!
ضحت الشمس واستطاع النظر القصير أن يجمع الوادي في نظرة! وهيهات لابن (الدلتا) الفسيحة أن يفهم معنى الوادي إلا في أعالي الصعيد! فهناك تتقارب السلسلتان بما ورائهما من موات وجدب، وينساب بينهما النهر العظيم بما يحمل من حياة وخصب، ويشعر المصري الذي يرى هذا المنظر أول مرة فيجد واديه كله في عينه وفي قلبه، بنوع من الغبطة لم يحسه من قبل، ويستغرق في نشوة من الذكريات والأماني لا يخرجه منها إلا وقوف القطار في محطة الأقصر. . .
احمد حسن الزيات
следующие страницы →