Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
آمون للملك العظيم. فالشكر لامون)
فسجد الجميع، مرة أخرى وقام الملك سائرا نحو الكاهن الأعظم وكانت خطاه مترددة مضطربة. ثم قال بصوت مختنق متهدج (المجد لآمون) فعلت عند ذلك ضجة من الجمع الخاشع كأنها ضجة التهليل والتسبيح.
وارتفع صوت الكهنة بنشيد الملك: (لاح حودماخيس، يملأ الأرض بأنوار الصباح) ثم حمل الكهنة تمثال آمون الذهبي وداروا به حول الفناء أمام الحضور حتى أتوا أمام عرش الملك فوقفوا واقبل التمثال محمولاً على الأعناق لكي يبارك الملك المحبوب المؤمن.
لقد تجلى آمون (لتوت عنخ) ورضى عنه لما في قلبه من الإيمان، وقام الملك بعد ذلك يتعثر في مشيته وقد زاد وجهه شحوبا على شحوبه وغارت عيناه وترددت فيهما قطرات تكاد تعيشهما. وعند ذلك علا صوت الكهنة مرة أخرى بنشيد
(أآمون بارك سليل العلا)
فتجاوبت به الأصداء بين جدران المعبد وتماوجت نغماته وكان بعضها يفنى كما تفنى الموجة إذا اتسعت دائرتها وبلغت مداها وتجددت من أعقابها موجة أخرى لا تلبث أن تبلغ مداها.
وعند ذلك انجلى الظلام وأسفر المنظر فإذا بإخواني ينشدون نشيدهم على آلات الكمان والعود والقانون. وإذا بي لا زلت منتحيا منهم ناحية راقدا على جانب حجر مكتوب الصفحات.
محمد فريد أبو حديد
стр. 2487
العدد ٣٠ - بتاريخ: ٢٩ - ٠١ - ١٩٣٤
стр. 2488
إلى الأقصر. . .
- ١ -
كان لا بد للاّغب أن يستجم، وللصائم أن يعيد، وللمجادل في مجد الفراعين أن يزور الأقصر.
وكان (قطار الآثار) قد جرأ الجيوب الهزيلة على أن تباري الجيوب الأمريكية في (وادي الملوك)! وقطار الآثار كقطار البحر فكرة سديدة، تنفذها إرادة رشيدة. .
ولكن حرف (لكن) لا يزال وا أسفاه أكثر أخوات (إن) استعمالاً، وأشدها بحياتنا اتصالاً! فأنا مضطر أن أقول: ولكن هذا القطار لا يصلح إلا لأقوياء البنية، أشداء العصب، ممن يستريحون على الوقوف، وينامون على الرفوف، ويغمضون على ضيق المكان، وكظّة الديوان، وحرج الأسِرة. أما أخو الجسد المهدود، والعصب المجهود، فلا مناص أن يقضي ليله كما قضيت: مقسم النفس بين القلق والأرق، ولا يجد نفسه ولا يملك قلبه!
سار بنا القطار المثقل في منتصف الساعة التاسعة من مساء يوم الاثنين أول أيام أمس العيد، وكان المفروض على راكبه أن يبيت قائماً في الممشى، أو نائماً على (الرف)، أما الجلوس لو أراد، فلا سبيل إليه إذ لا محل له! وكان من الميسور تلطيف هذا المقدور بشيء من لهو الحديث ولو جمعنا الحظ العنيد برفقة من أهل الأنس، ولكنني كنت أنا وصديقي بين أربعة لا يصل أحدهم بالآخر سبب من جنسية أو لغة، فحملونا مكرهين إلى الفراش النابي والوساد القلق. . . ولا أريد أن أثقل عليك وعلى إدارة القطار بذكر ما أعقب ذلك من أزمة الصدر، وضمة القبر، وإزعاج الصحب، وإغاثة الإسعاف، وقضاء الليل الطويل قابعاً أمام الباب لا يخدع في عيني نعاس، ولا ينفس عن صدري فرج، فان علاج ذلك كله إعداد عربة للجلوس يتنفس فيها الساهد المكروب باللهو والسمر.
القطارالجاهد يخوض في أحشاء الليل المظلم، والهواء البارد يسفي غبار الطريق الخانق، والركب المترجح يغط في النوم غطيط الخلي، والكرى الجائر قد غلبني على أخوي فأوى بهما إلى المضجع! وأنا وحدي في هذا القفص الطائر أرعى نجوم الكهرباء في سمائه المحصورة الرفيعة، وأقول في آخر ليلة من ليالي رمضان المحتضر: متى يا اله الناس يصبح هذا الليل؟!
стр. 2489
وأخيراً، أخذ نور المصابيح الزاهر يشحب قليلاً فقليلا، وستر الظلام الصفيق يرق عن جوانب القطار شيئاً فشيئا، وأنفاس الفجر الندية تخلص إلي من خلال النوافذ، وكنا حينئذ نمر على الجسر الحديدي (بنجع حمادي)، ففتحت الشباك القريب وأرسلت طرفي الكليل في شمال الوادي، فرأيت رءوس الشجر الرفيفة، وذوائب النخل الرفيعة، طافية في سيل من الضوء المشوب المبهم، وتبينت القرى الجاثمة على الضفاف الخضر تستيقظ مطلولة الجنبات مع الطبيعة، والصبح الوليد يهتك عن مهده الوردي كلَّة السحر الداكنة، وأبصرت من وراء (قنا) خطاً من ذائب المرجان قد ارتسم على قمم الجبال اللوبية، ثم أخذ ينتشر رويداً على الظلال المتخلفة من بقايا الليل حتى غمر الوادي، فاستبانت في سهوله الخصيبة حقول القمح والفول والعدس يكللها الطل، ويهفو فوقها رقيق الضباب.
أشرقت الشمس علينا كما كانت تشرق منذ آلاف السنين على سيتي ورمسيس، فهي وحدها المخلوق الذي شهد ضخامة الماضي، ويشهد الآن ضآلة الحاضر! فليت شعري ماذا تقول ذكاء في هؤلاء الأقزام الذين يحجبون اليوم (طيبة) مختالين على مركب ليس في صنعه قسط من حديد أو خشب؟ ماذا تقول ذكاء وقد رأت ملوكنا العماليق وهم في طفولة البشرية ينقلون قطع الجبال من أدنى الشمال إلى أقصى الشلال على عجلات وآلات من خلق عقولهم وصنع أيديهم، ثم ترانا معشر الأعقاب نلوك الفخر أمام الغربيين بعظمة الأقدمين، ونتبجح أمام الأقدمين بعبقرية الغربيين، فنحن كخلفة الدوحة العتيقة تنبت رخوة على جوانب الجذر الثابت، ثم يقعد بها الوهن عن مطاولة الجذع، فلا هي في رسوخ الأصل وقوته، ولا هي في سموق الفرع وإشرافه!!
لا يكاد الصعيد يختلف اليوم عما عهده الفراعين منذ أربعة آلاف سنة! فالشمس المعبودة هي الشمس، والنيل المقدس هو النيل، والقمح الذي خزنه (يوسف) هو القمح، وجوارح الطير التي تحوم فوق ساحلي النهر هي بأنواعها وأشكالها وألوانها التي كانت تحلق في أجواء (طيبة)، لأن الحيوان والنبات قلما ينالهما التغير. أما الذي نال منه الحدثان، وغير من حاله الزمان، فهو هذا الإنسان المسكين، فإنسان النيل لم يعد ذلك الذي قارع الدهر، وصارع البلى، وحاول الخلود، وقدس القوة، وأخضع العراق والشام وفلسطين والسودان والحبشة، وإنما أصبح من فعل القرون وإلحاح الجور شيئاً من المتاع تابعاً للأرض، يُملك
стр. 2490
ولا يَملك، وينتج ولا يٌهلك!
على أن القبس الإلهي العربي الذي بعث الضوء في شبابه الكادي، والحرارة في جسمه المنحل، لا يزال قديراً على إحياءه، جديراً برفعه.
وإذا كان البحر يتعاوره الجزر والمد، والشمس يتعاقبها الغروب والشروق، والطبيعة يتناوبها الخريف والربيع، فأن مصر الناهضة تشارف بثروتها المد، وتطالع بقادتها الشروق، وتستقبل بشبابها الربيع!
ضحت الشمس واستطاع النظر القصير أن يجمع الوادي في نظرة! وهيهات لابن (الدلتا) الفسيحة أن يفهم معنى الوادي إلا في أعالي الصعيد! فهناك تتقارب السلسلتان بما ورائهما من موات وجدب، وينساب بينهما النهر العظيم بما يحمل من حياة وخصب، ويشعر المصري الذي يرى هذا المنظر أول مرة فيجد واديه كله في عينه وفي قلبه، بنوع من الغبطة لم يحسه من قبل، ويستغرق في نشوة من الذكريات والأماني لا يخرجه منها إلا وقوف القطار في محطة الأقصر. . .
احمد حسن الزيات
стр. 2491
ربع مية. . .
للدكتور طه حسين
يا دار مية بالعلياء فالسند … أقوت وطال عليها سالف الأمد
وقفت فيها أصيلاً لا أسائلها … عيت جواباً وما بالربع من أحد
ولم يكن ربع مية بالعلياء فالسند، وإنما كان في صحن الأزهر، وعند القبلتين القديمة والجديدة، حيث كانت الحركة المتصلة في الليل والنهار، وحيث كان ذلك الدوي الغريب الذي لم يكن ينقطع إلا في أوقات الصلاة العامة. والذي كثيراً ما فكرت فيه وسألت نفسي عن هذه الأجزاء التي لا تحصى، والذرات التي لا تعد، والتي كانت تؤلف جوهره وتكون مزاجه، وتجعل منه وحدة لا يظهر فيها الاختلاف، ولا يحس فيها التباين، فإذا حللتها رأيت اختلافاً لا حد له، وتبايناً ليس له آخر: رأيت أصوات قوم يتحدثون في متاع الدنيا ولهوها، وأصوات قوم آخرين يتحدثون في جد الحياة وآلامها، وقوماً يذكرون الله، وقوماً يدرسون العلم، وقوماً يتلون القرآن، وقوماً يقرأون ما يخطر لهم وما لا يخطر لك على بال، وقوماً يخوضون فيما تظن وما لا تظن من فنون الحديث، ومن هذه الأصوات كلها ينعقد صوت واحد قوي ضخم عميق عنيف متحدٍ يملأ فضاء الأزهر منذ تدخله إلى حين تخرج منه، ويملأ فضاء الأزهر من أي باب ولجته، إلى أي باب تجاوزته، ويملأ فضاء الأزهر في جميع أرجائه وأنحائه على كثرة ما فيها من الانحناء والالتواء والانعطاف.
نعم في هذا الربع الذي لم يكن يخلو في نهار ولا في ليل، ولم يكن يهدأ في شتاء ولا في صيف، ولم يكن يشعر بالحاجة إلى الحياة لأنه كان حياة كله. وكان حياة كأشد ما تكون الحياة قوة وحركة وإنتاجا. في هذا الربيع وقفت كما وقف النابغة في ربع مية، ولكني لم أقف أصيلاً وإنما وقفت بعد صلاة العتمة ففهمت هذا النحو من شعر القدماء، أو قل أحسست هذا النحو من شعر القدماء، فما أكثر ما نفهم الشعر القديم والحديث دون أن نحسه كما يحسه قائلوه. ودون أن نتأثر به كما يتأثر به الشعراء.
وكانالأزهر كربع مية، خلا بعد عمران، وسكن بعد حركة، وأعيا عن جواب السؤال حين وجه إليه السؤال، وكان الأزهر كربع مية قد طال عليه الأمد وبعد به العهد. طال عليه الأمد أكثر مما طال على ربع مية فما أضن أن ذلك الأمد الذي ذكره النابغة والذي طال
стр. 2492
على ربع مية كان طويلا مسرفا في الطول يكاد يبلغ ألف سنة كهذا الأمد الذي أذكره حين حين أتحدث عن الأزهر والذي ذكرته حين تحدثت إلى الأزهر منذ أسبوعين. وكان الأمد بين الأزهر وبيني قد طال. فما أذكر أني دخلته منذ بضع عشرة سنة، وما أذكر أني طوفت فيه منذ أكثر من عشرين عاما، ولكني حملت في نفسي دائما للأزهر صورة حية قوية شديدة الحركة عظيمة النشاط رائعة الدوي عسيرة التحليل) وكنت أسعى إلى الأزهر منذ أسبوعين وإن قلبي ليخفق سعادة واغتباطاً وحنينا إلى هذه الصورة التي صحبتني ربع قرن وطوفت معي في أقطار الأرض واستقبلت معي الوان الخطوب لم تضعف ولم تفتر ولم تتضاءل. والتي كنت أسعى بها إلى أصلها الأصيل في صحن الأزهر وعند القبلتين لتستمد قوة إلى قوتها وحياة إلى حياتها، فلما بلغت الربع - وليتني لم أبلغه - نظرت فإذا الصورة أقوى من الأصل، وإذا الأزهر الذي أحمله في قلبي أشد حركة وأعظم نشاطا وأقوى حياة من الأزهر القائم هناك في حي القاهرة.
قال أصحابي وكلهم مثلي أبناء الأزهر الذين بعد عهدهم به وطال فراقهم له: وما يمنعنا أن نختم رمضان بزيارة قصيرة للأزهر نحيي بها العهد القديم ونذكر بها أيام الشباب. قلت وأني في ذلك لراغب، وأني إلى ذلك لمشوق. ومضينا إلى الأزهر ونحن نقدر أن سنجد فيه تلك الصورة التي الفناها، وأن سنسمع فيه ذلك الدوي الذي عرفناه، وأن سنختلط به اختلاطاً، ونمتزج به أمتزاجاً، ونقف فيه كما كنا نفعل أيام الشباب وقفات فيها الجد الخصب، وفيها هزل يشوبه الحب والعطف. نتنقل بين هذه الحلقات المنبثة في أرجائه نسمع لهذا الشيخ وهو يقرأ الحديث أو التفسير أو يقص قصص الوعاظ فيعجبنا صوته وإلقاؤه وفهمه وإفهامه فنعجب به ونبسم له. ونتجاوزه إلى ذلك الشيخ فيضحكنا صوته أو القاؤه أو لازمة من لوازمه أو بعض ما يدفع إليه من الخطأ في الفهم أو السخف في الإفهام فننصرف عنه ضاحكين متفكهين، حتى إذا قضينا من هذا كله إربا خرجنا وقد ذكرنا أنفسنا وسعدنا بلقاء تلك الأيام العذاب.
كنا نقدر هذا كله فلما دخلنا الأزهر لم نرى إلا وحشة ولم نحس إلا صمتاً، لم نعرف شيئاً ولا أحدا، ولم يعرفنا شئ ولا أحد. وإنما كنا أشبه شئ بالأشباح أو الأطياف تمضي في مكان خال موحش لا حياة فيه ولا عمران، وأشهد لقد لقينا خدم الأزهر باسمين لنا محتفين
стр. 2493
بنا، يسعون بين أيدينا ومن حولنا، كأنما نحن جماعة من السائحين الذين لا علم لهم بالأزهر ولا معرفة لهم بخفاياه، فهم يهدوننا ويدلوننا ويرفقون بنا في الحديث. ويحكم! فأنا أعلم منكم بالأزهر وأعرف بمعالمه، وإنا لم نأت لنلقى منكم هذا الرفق، وإنا لنفضل أن تلقونا بما كان يلقانا به أسلافكم من ذلك العنف الذي كانت تحبه نفوسنا وان أظهرنا منه النفور. أين الجبلاوي وأعوان الجبلاوي؟ اين تلك العصي التي كانوا يهزونها فتسمع لها أصوات خفيفة ولكنها مخيفة؟ أين الغراب وأيام الغراب؛ وأين رضوان وجنود رضوان؟ أين الجندي وأعوان الجندي؟ أين هؤلاء جميعا وما كان يحيط بهؤلاء جميعا من جلال كنا نزدريه وكنا نضيق به، وها نحن أولاء نذكره الآن فتذهب نفوسنا في أثره حسرات. ولست أدري من هذا الذي عرفنا فأسرع بأسمائنا إلى رجل كريم من أصحاب الفضيلة المفتشين. وإني لأطوف مع صاحبي في الأزهر يتحدث إلي وأتحدث إليه بهذا الصوت الهادئ الخافت الذي نصطنعه إذا خلا أحدنا إلى صاحبه. كأنما نحن في دار من الدور أو في بيعة من البيع التي يحسن فيها الهمس لا في الأزهر الذي لم يكن يحب ألا الجهر ورفع الصوت، وما راعنا إلا صاحب الفضيلة وقد أقبل علينا طلق الوجه باسم الثغر مبسوطالأسارير يحينا تحية الرجل الكريم، ويدعونا إلى ضيافته ويلح علينا في أن نصعد معه إلى حيث يتلى القران ويشرب الشاي. .
وكنا نود لو استطعنا أن نخلو إلى هذه العمد القائمة لنجدد عهدنا بها، ولنبثها ذكرى تلك الايام، ولنسألها عما ألم بها من الحوادث وأختلف عليها من الخطوب منذ فارقناها، ونظفر منها بهذا الصمت الذي هو أفصح من الكلام وأبلغ منه أثراً في النفوس، ولكن الشيخ دعى فلم يكن بد من أن نستجيب، فمضينا مع الشيخ إلى حيث أراد، وصعدنا معه إلى غرفة من تلك الغرفات التي كنا نذكرها أيام الصبا فتمتلئ قلوبنا لذكرها مهابة وإجلالا ورهبة وإكبارا. في تلك الغرف كان يستقر شيخ الأزهر ومفتي الديار. وفي تلك الغرف كانت تدبر أمور الأزهر وتصرف شؤون العلماء والطلاب، وحول تلك الغرف كانت تتطاير طائفة من الأحاديث والأساطير عن حياة الشيوخ وأقوالهم وأعمالهم. وكانت هذه الأحاديث تصل إلينا فنعجب بها ونبسم لها ونلتمس فيها العبرة والعضة والفكاهة. وكنا نتنقل بهذه الأحاديث إلى بلادنا في الريف فنقصها على آبائنا وإخواننا فيعجبون بها ويكبرون أصحابها ويتخذونها
стр. 2494
ذخراً لما يعقدون من مجالسهم إذا أشرق الصبح أو أقبل المساء.
صعدنا مع الشيخ إلى تلك الغرفات ونحن نسأله عن الأزهر ما خطبه، وعن هذا الصمت ما مصدره. والشيخ صامت كالأزهر لا يستطيع رجع الجواب. ثم انتهينا مع الشيخ إلى طائفة من أصحابه كرام مثله لقونا لقاء حسنا، وحيونا تحية حسنة، كما لقينا الشيخ وكما حيانا، ونسألهم عن الأزهر ما خطبه؟ وعن هذا الصمت ما مصدره فإذا هم صامتون كالأزهر، وإذا هم صامتون كالشيخ، وإذا هم لا يستطيعون رجع الجواب.
ثم تدور علينا أكواب الشاي، ثم تتلى علينا آيات الله في صوت عذب ولهجة حلوة وقراءة صحيحة مستقيمة نقية تصل إلى أعماق القلوب. ولكن من القارئ؟ من أين جاء؟ ما شكله؟ وما زيه؟ انه رجل مطربش قد اتخذ زيا غير زي الأزهر، لأنه ليس من أهل الأزهر وإنما هو من عمال العنابر. تبارك الله! رجل من غير الأزهريين يتلو القرآن بين الأزهريين! هذا خير، هذا خير كثير ولكنه غريب لم نكن نقدر أن نلقاه في أيامنا تلك. وكنا نحب أن نلقاه الآن والأزهر معمور يموج بالناس وترتفع فيه أصوات الشيوخ بقراءة القرآن. ولكن الأزهر ساكن صامت، وهذه الطائفة الكريمة من العلماء الواعظين قد استمعوا وأنصتوا لتلاوة القرآن الكريم تخرج من رأس عليه طربوش. هذا خير ما في ذلك شك. ولكن هذه الصورة ما زالت غريبة في أنفسنا، وما زال موقعها من قلوبنا شاذا قلقا، ومع ذلك فقد يقال إن الشيوخ محافظون، وإننا نحن من أصحاب التجديد. ثم انصرفنا محزونين مستيئسين، جئنا نزور الأزهر فلم نر الأزهر، وإنما رأينا أطلاله ولم نستطع أن نطيل عندها الوقوف. قلت لأصحابي: ولكن ما هذا الصمت وكيف انتهى الأزهر إليه؟ وأيكم كان يظن أن ذلك الصوت العظيم يقضى عليه في يوم من الأيام أو في ليلة من الليالي بهذا الخفوت المنكر المخيف. قال أصحابي فانك تنسى أن الأزهر قد كان جامعاً فاصبح جامعة. وإنك تنسى أن الجامعة إن استيقظت في النهار فهي تنام في الليل، وأنك تنسى ان للجامعة نظام يحد حظها من الحركة وحظها من النشاط. فأذكر هذا كله وأذكر أنك تخطئ اشد الخطأ إن ظننت ان التجديد مقصور على الجامعة وأصحاب الجامعة، فالتجديد أقوى وأنشط وأوسع سلطاناً مما تظن. أنظر إليه كيف وصل إلى الأزهر فعلمه كيف يكون الكلام في النهار والصمت في الليل. وقد كان الأزهر متصل الكلام في الليل والنهار. قلت لأصحابي يا بؤسي للتجديد إذا
стр. 2495
انتهى بالأزهر إلى هذه الحال! كم كنت أوثر أن يظل الأزهر جامعا وإلا يمسخ جامعة.
طه حسين
стр. 2496
منطق اللغة
للأستاذ أحمد أمين
قال صديقي: ألا تنظر إلى هذه الظاهرة الغريبة؟ أنا في مجلس يتجادل أحيانا فيما يعرض عليه باللغة العربية، وأحيانا باللغة الإنجليزية، فإذا تجادل باللغة الإنجليزية فالحجة تقرع بالحجة في إيجاز، وداخل حدود معينة. قل ان يكون هناك استطراد. وقل أن يكون لعب بالألفاظ، وقل أن يكون خروج عن الموضوع، وقل أن يكرر المجادل نفسه فيما يقول. فما أن يأتي بحجة جديدة وأفكار جديدة، وأما أن يسكت. وما هي إلا هنيهة حتى يؤخذ الرأي، ويفصل في الأمر. وذا تجادلنا باللغة العربية فهناك يطول الجدل، ويكثر الحديث، وكثيراً ما تقرع الحجة لا بأختها، ولكن بنت عمها، وكثيراً ما يستطرد من موضوع إلى موضوع لأقل مناسبة أو بدونها، وبعد طويل من الزمان يعودون إلى ما بدءوا فيه، وتثار مسائل كثيرة لا يفصل في واحدة منها، ويقول المجادل الآن ما قال من قبل، فيرد عليه صاحبه بمثل ما رد من قبل، وتتشعب الآراء حتى يصعب حصرها. وحتى ينسى أخيراً ما بدئ به أولا، ثم يؤخذ الرأي وقد مل المتجادلون، وسئموا الجدل، وودوا أن يفصل في الأمر على أي شكل. ولذلك قد يكون الرأي يؤخذ أخيرا شرا من الرأي يؤخذ أولا، بل قد يكون الرأي الذي قرر لا علاقة له بالمسألة التي أثيرت من قبل.
نعم يا صديقي. أنا أعتقد أن لكل لغة منطقا يخالف منطق اللغة الأخرى، وإن المسالة لا ترجع إلى عقلية المتجادلين وحدها، فقد يتجادل جماعة - كما ذكرت - باللغة الأجنبية، ثم هم أنفسهم يتجادلون باللغة العربية فيكونون في الأولى أكثر توفيقا، وليس من الصحيح أن ترجع هذا إلى ضعفهم في اللغة الأجنبية. وقوتهم في اللغة العربية، فهذا القول ينطبق تماما على من أجادوا اللغتين، وحذقوا اللسانين
وتعليل ذلك قد يبدو غريبا، فأن أول ما يتبادر إلى الذهن أن اللغة ليست إلا وسيلة للتعبير عن المعاني، وليست إلا مظهرا من مظاهر العقلية، فإذا كان التفكير صحيحا سليما كان التعبير عنه كذلك مادام صاحبه يجيد التعبير ويتقن اللغة، وإذا كان التفكير فاسدا كان التعبير عنه فاسدا متى وفق صاحبه للتعبير عما يريد، ولكن يظهر لي أن المسالة أعمق من ذلك وأن هناك تفاعل بين اللغة والتفكير، فاللغة المنظمة تعمل في تنظيم الفكر، والفكر
стр. 2497
المنظم يعمل في تنظيم اللغة - وكذلك العكس - وان المتكلم إذا تحدث باللغة الإنجليزية أو الفرنسية خضع لمنطقها وطرق تفكيرها كما يخضع لاختيار كلماتها، واختيار أساليبها وكيفية معالجة الموضوع، فيؤثر ذلك كله في تفكيره وجدله وحججه، وعلى الجملة فهو يحاول أن يكون إنجليزيا أو فرنسيا في تفكيره كما هو إنجليزي أو فرنسي في لغته - يشعر هذا تمام الشعور من أجادوا لغتين أو أكثر، فهم إذا تكلموا بلغة أجنبية راقية شعروا مثلا - بأن هناك غرضا محدوداً واضحا يرمون إليه في حديثهم وحججهم وانهم يضعون لذلك خططا ثابتة معينة تشبه خطط الحرب يضعها قادتها لتسلم كل خطوة إلى التي تليها، أو كالخطط التي يضعها، لاعب الشطرنج الماهر إذا لعب لعبة علم ماذا يريد منها وما هي الألعاب التي تترتب عليها فتنتج الفوز، وهو هو إذا تكلم باللغة العربية لم يتضح القصد له وضوحه باللغة الأجنبية، ولم يرتب حججه ذلك الترتيب الذي يرتبه باللغة الأجنبية - ومن أوضح الأمثلة على ذلك أن مجيد اللغتين كثيرا ما يفكر باللغة الأجنبية، ويترجم تفكيره إلى اللغة العربية، وقلما يعكس، مع أن اللغة العربية هي لغته الأصيلة، وهي التي نشأ عليها وتربى في أحضانها، فكان معقولا أن تكون هي لغة تفكيره فإذا عبر بلغة أجنبية نقل تفكيره إليها - وليس من الهين تعليل هذه الظاهرة، ولكن يمكن أن يقال أن السبب في ذلك أن اللغات الأجنبية الراقية قد استكملت أدواتها، من حيث الألفاظ الموضوعة لكل آلة مخترعة ولكل معنى مستكشف، كما استكملت أدواتها من حيث أساليب التفكير وصياغة المعاني صياغات مختلفة، أدخل في الذهن، وأقبل للعقل، وأجمل في الذوق، وأن اللغة العربية أبطأت في تاريخها الحديث ولم تسرع في السير، برغم ما يقوله الدعاة من أنها أغنى اللغات وأجمل اللغات، ثم ينامون على ذلك من غير أن يعملوا على تكميل نقصها، ومعالجة ضعفها، وكيف يعمل على معالجة الضعف من لم يشعر بألم المرض؟ وكيف يعمل على تكميل النقص من لم يشعر بنقص؟ - لهذا كان فكر المفكر إذا أجاد اللغتين يتبع - من غير اختيار - أرحبها صدراً وأغزرها مادة وتعبيراً.
وسبب آخر: وهو أن الأمم الأجنبية الراقية قد مرنت طويلاً على المجالس النيابية والمناظرات المدرسية والجامعية، وتكونت لها مع طول الزمن تقاليد معروفة مألوفة غير مكتوبة، وأثرت في جدلهم ومناظراتهم ومجالسهم أثراً كبيراً، كما أثرت في طرق تفكيرهم
стр. 2498
ولغتهم التي يتبعونها في الجدل والمناظرة.
ثم - مما لا شك فيه - أن هناك ارتباطاً قوياً بين اللغة والخلق، فلست تجد في لغة أجنبية من ألفاظ الملق وعباراته ما تجده في اللغة العربية مما أدخله عليها الفرس والأتراك، ولا تجد من عبارات الحشو التي تدل على الذل والخضوع ما تجد في لغتنا العربية الحديثة كانت اللغة ديمقراطية شريفة نبيلة يوم كانت اللغة العربية لغة العرب الديمقراطيين الذين لا يفرقون كثيراً بين مخاطبة الأمير ومخاطبة بعضهم بعضاً، ثم أصبحت لغة العبيد يوم تسرب إلى أهلها الذل والعبودية - لقد جلست أول أمس إلى رجل يحدث (باشا) فكان ما أحصيت في حديثه من (سعادة الباشا) أكثر من كلماته في الموضوع - ومالي أذهب بعيداً - مدلول الكلمة في اللغة العربية أصبح غير مدلوله في اللغة الأجنبية، فإذا قال الألماني أو الإنجليزي (نعم أفعل) لم تدل على نفس المعنى الذي يقوله المتكلم باللغة العربية (نعم أفعل) (فنعم أفعل) العربية تدل على قد يفعل وقد لا يفعل - والسامع إذا سمعها شك في مدلولها (هل يفعل أو لا يفعل) فاحتاج إلى أن يكرر عليه الطلب والرجاء. واحتاج المتكلم أن يعيد (نعم أفعل) وربما أقسم، وربما استعمل كل صيغ التأكيد، وهي بعد هذه الأيمان وهذه التأكيدات كلها لا يزال مدلولها أنه قد يفعل وقد لا يفعل - وهو إذا لم يفعل لم يخجل، لأنه حقق وجهاً من وجوه الجملة - بل المتكلم الشرقي إذا قال (سأفعل) باللغة الأجنبية كانت أقوى في نظره وأكثر التزاماً مما إذا قالها باللغة العربية، والمتكلم هو هو، لم يتغير في الكلمة إلا التعبير عنها بإحدى اللغتين، فإذا قالها العربي لأجنبي كان لها أشد احتراما ولتنفيذها أشد رغبة وأقوى إرادة - أليس في هذا كله دليل على شدة الارتباط بين اللغة والعقل واللغة والخلق، وأن العقل واللغة والخلق كلها تتفاعل، فإذا رقيت اللغة تبعها - نوعاً ما رقي العقل والخلق، وإذا رقي العقل تبعه - نوعاً ما - رقي اللغة والخلق، وهكذا. ومن هذا تنتج معادلات جبرية معقدة الحل.
إن الغيرة القومية والنهضة الشرقية تتطلبان أن يعنى قادتها بهذه المظاهر، وأن يضعوا للأمة تعاليم جديدة في اللغة والتفكير، فهم مطالبون بكل الوسائل أن يميتوا ألفاظ الملق من اللغة العربية ويحيوا ألفاظ الأدب النبيل، وأن يربطوا أشد الربط بين الألفاظ ومدلولاتها، فلا يسمحوا أن يضيعوا مدلول الألفاظ كما هي ضائعة اليوم - وأن يضربوا الأمثال
стр. 2499
للناشئين في الجدل والمناظرات فيعلموهم كيف تؤدي المعاني على وجوهها، وكيف تلتزم حدود الجدل فلا تتخطى، وكيف يرسم الغرض الذي يرمي إليه الباحث، وكيف يختط السبيل اليه، وكيف يوفر الزمن إذا هو التزم ألا يقول إلا جديداً في المعنى، وكيف يصل إليه من أقرب طريق.
ولو فعلنا ذلك لوفرنا على المجالس زمنها وتفكيرها ولوصلنا في مسائلنا إلى نتائج خير مما نصل إليه الآن، بل عندي أن السرعة مع الخطأ أحياناً خير من الإبطاء الممل والتفكير الراكد مع الصواب دائماً.
أحمد أمين
стр. 2500
أحاديث الناس؟!
للأستاذ حسن جلال
المنظر الأول
(في الطريق)
رجلان يسيران إلى جانب الطريق. فيصادفهما ثالث يعرف أحد الرجلين دون الآخر فيستوقفه. ويدور بينهما الحوار الآتي بينما ينتحي الرجل الآخر ناحية ريثما ينتهي صاحبه من الحديث.
١ - أين أنت يا رجل؟ لا نكاد نراك إلا مرة في كل عام!
٢ - أنا (تحت الأنظار) يا فندم!
١ - كن فوقها واظهر!
٢ - ها. ها!
١ - سلامات!
٢ - أوحشتنا!
١ - طيبون!
٢ - الله يحفظك!
١ - إلى أين؟
٢ - أرافق صاحبي هذا (ويشير إليه)
١ - طيب يا أخي (أروفوار)!
٢ - مع السلامة يا عزيزي!
يتصافحان بشدة ويعود الرجل إلى صاحبه الذي كان ينتظره ويقول:
روح الله لا يرجعك. إنك ثقيل!
الصاحب - من هذا؟
- والله لست أعرف اسمه!
- ظننت من حرارة حديثكما أنه أحد أقاربك المقربين!
стр. 2501
- على العكس. فإني لم أره في حياتي قبل هذه المرة إلا مرة واحدة. وكان ذلك في (قطار البحر) هذا الصيف حيث كنا نحن الاثنين في طريقنا إلى الإسكندرية فقطعنا الطريق في الحديث ولكني لم أقابله بعد ذلك إلا الآن
(ينصرفان وهما آخذان في مثل هذا الكلام)
المنظر الثاني
(في التلفون)
رجل يعزي صاحباً له في وفاة والده
٢ - آلو. فلان؟
٢ - نعم أنا فلان!
١ -
٢ - آلو! آلو!
١ -
٢ - ماذا تقول؟
١ - أقول!!
٢ - لست أسمعك جيداً!
١ - ألم يتوف المرحوم والدك؟
٢ - نعم مات.
١ - إني أعزيك. البقية في حياتك!
٢ - متشكر يا أخي. أبقى الله حياتك!
١ - أنا تألمت جداً. ولكن هذا حال الدنيا!
٢ - أي نعم. ربنا يلهمنا الصبر!
١ - (شد حيلك) أنت. والبركة فيك (برضو)!
٢ - بارك الله فيك. أنا متشكر لسؤالك.
١ - العفو يا حبيبي!
стр. 2502
ويضع السماعة في ضجر وهو يقول:
جاتك داهية في أبوك مطرح ما راح!
المنظر الثالث
(في النادي)
جماعة من الأصحاب يجلسون حول منضدة يتحدثون:
١ - ألم يعد يأتي (فلان) إلى النادي؟ إني لم أره هنا منذ زمان.
٢ - أعوذ بالله من غضب الله! أنا عارف إيه اللي فكرك (باللهو الخفي) ده دلوقت؟
٣ - سبحان الله يا أخي ما تفهمش ليه أنا كمان ما أقبلوش الجدع ده! أهو تجدني أكرهه كده لله في لله!
٤ - جات دا داهية في غلاسته بعيد عنك!
١ - آه. أفتكرنا القط جانا ينط!
٢ - أتفرج يا سيدي داخل نافش ازاي زي الديك الرومي
يقبل (فلان) ويدخل عليهم
الجميع - أهلا. . . . . ن وسهلاً فلان بك!
١ - اتفضل هنا.
(ويقدم له مقعد)
٢ - لا والله. تعال جنبي أنا هنا!
أيها القارئ:
صدقني لقد حضرت هذه الأحاديث جميعها بنفسي. وسمعتها بأذني. ولست أظنك إلا سمعت لها أشباهاً ونظائر كثيرة. فأنا إنما أذكرك بها الآن لأهمس في أذنك قبل أن أتركك:
(ما هكذا تكون (أحاديث الناس) الطيبين! وخليق بذي الوجهين الذي يستقبل (الوجوه) بلسان، ويشيع (الأقفية) بلسان آخر، أن يعقد لسانيه، إن كان لا يملك أن يتخلى عن أحد وجهيه!)
حسن جلال
стр. 2503
الروضة
بحث طريف لم ينشر
للعلامة المغفور له أحمد باشا تيمور
الروضة جزيرة بها مقياس النيل واقعة بين مصر القديمة والجزيرة، وملخص تاريخها أنها من الجزر القديمة الحادثة قبل الفتح الإسلامي ولكن لا يعلم زمن حدوثها. وبسبب قربها من قاعدة الديار المصرية وطيب هوائها وموقعها ظلت في كل جيل مطمح أنظار الملوك والأمراء وذوي اليسار، وتعاقب عليها حالان فكانت تارة تجعل حصنا للدولة وأخرى متنزها حاويا للبساتين والدور والمساجد والحمامات كما يأتي.
الحصن القديم والحصن الطولوني:
لما فتح الله على المسلمين مصر وملكوا الحصن الشرقي المعروف بقصر الشمع لجأ المقوقس وقومه إلى حصن كان بهذه الجزيرة، وبعد تمام الفتح خرب الأمير عمرو بن العاص بعض أبراجه وأسواره ثم نما عمرانها بعد ذلك فكانت في ولاية عبد العزيز بن مروان على مصر عامرة بالدور المشرفة على النيل من كل جهة، وكان بها خمسمائة عامل معدة لحريق يطرأ أو هدم. وفي إمارة أحمد بن طولون بنى بها حصناً ليحرز فيه حرمه وماله وذخائره لما بلغه مسير موسى بن بغا من العراق قاصداً مصر ثم أهمل بعد الدولة الطولونية فأخذه النيل شيئاً فشيئاً.
المختار والروضة:
وكانت بها الصناعة لعمل السفن الحربية فلما تولى محمد بن طغج الإخشيد على مصر نقل الصناعة إلى ساحل الفسطاط وأنشأ موضعها بستاناً سماه المختار وبنى فيه قصراً وأماكن له ولغلمانه، وكان يفاخر به أهل العراق، وبقى بعده فكان يتنزه فيه المعز الفاطمي وابنه العزيز، ثم في أيام استيلاء الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي على وزارة الفاطميين وحجره على الخليفة أنشأ في شمالي الجزيرة مكانا نزها سماه الروضة وبنى فيه المناظر البديعة، فمن حينئذ عرفت الجزيرة كلها بالروضة وكانت تعرف في أول الإسلام بالجزيرة وبجزيرة مصر ثم بجزيرة الحصن. هذا قول عامة المؤرخين، وقال ابن المتوج
стр. 2504
انم سميت بالروضة لأنه لم يكن بالديار المصرية مثلها. وبعد قتل الأفضل بنى بها المأمون البطائحي الوزير منظرة بقيت إلى آخر الدولة الفاطمية، ويذكر المؤرخون انه بناها مكان الصناعة بعد أن نقل الصناعة إلى مكانها القديم بالفسطاط، ولا يخفى أن نقلها أول مرة من الجزيرة كان زمن الإخشيد كما تقدم، ولم نرهم ذكروا أنها أعيدت إليها ولا رأينا منهم من تنبه لذلك غير الإمام السيوطي في كوكب الروضة فانه علق على هذا الخبر بقوله (وهو يدل على أن الصناعة أعيدت إلى الروضة بعد أن نقلها الإخشيد إلى ساحل مصر حتى نقلت ثانياً).
الهودج:
ولما تولى الآمر بأحكام الله الخلافة أنشأ بها قصراً على النيل بجوار البستان المختار سماه الهودج وأسكن به زوجته الغالية البدوية، وسبب ذلك أنه كان مغرما بالجواري العربيات فبلغه أن بصعيد مصر جارية من أكمل العرب وأظرف نسائهم جميلة شاعرة فأرسل إلى أهلها وخطبها وتزوجها، فلما نقلت إلى القصر انقبضت نفسها من حيطانه واشتاقت إلى تسريح طرفها في الفضاء على ما اعتادته فبنى لها الهودج على شاطئ النيل بالجزيرة في شكل غريب وصار يتردد عليه إلى أن قصده رابع ذي القعدة سنة ٥٢٤ فلما بلغ رأس الجسر مما يلي الروضة وثب عليه قوم من النزارية كانوا كامنين له هناك وضربوه بالسكاكين حتى أثخنوه فحمل إلى منظرة اللؤلؤة بشاطئ الخليج وقد مات. قال ابن سعيد وقد أكثر الناس من ذكر الآمر والبدوية وابن عمها حتى صارت رواياتهم كأحاديث البطال وألف ليلة وليلة وما أشبه ذلك. فمما روي عنها أنها بقيت متعلقة الخاطر بابن عم لها ربيت معه يعرف بابن مياح فكتبت إليه من قصر الخليفة الآمر:
يا ابن مياح إليك المشتكى … مالك من بعدكم قد ملكا
كنت في حي مطاعا آمرا … نائلا ما شئت منكم مدركا
فأنا الآن بقصر موصد … لا أرى إلا خبيثاً ممسكا
كم تثنينا كأغصان النقا … حيث لا نخشى علينا دركا
وتلاعبنا برملات الحمى … حيثما شاء طليق سلكا
فأجابها بقوله
стр. 2505
بنت عمي والتي غذيتها … بالهوى حتى علا واحتبكا
بحت بالشكوى وعندي ضعفها … لو غدا ينفع منا المشتكى
مالك الأمر إليه يشتكى … هالك وهو الذي قد أهلكا
شأن داود غدا في عصرنا … مبدياً بالتيه ما قد ملكا
وبلغت الآمر الأبيات فقال لولا أنه أساء الأدب في البيت الرابع لرددتها إلى حيه وزوجتها به. قال القرطبي وللناس في طلب ابن مياح واختفائه أخبار تطول. وكان من عرب طيء في عصر الأمير طراد بن مهلهل، فلما بلغته قصة الآمر مع الغالية قال:
ألا أبلغوا الآمر المصطفى … مقال طراد ونعم المقال
قطعت الأليفين عن ألفة … بها سمر الحي بين الرجال
كذا كان آباؤك الأكرمون؟ … سألت فقل لي جواب السؤال
فقال الآمر لما بلغته الأبيات جواب سؤاله قطع لسانه على فضوله وأمر بطلبه في أحياء العرب ففر ولم يقدر عليه فقالت العرب ما أخسر صفقة طراد! باع أبيات الحي بثلاثة أبيات. وفي خطط المقريزي أن الهودج بقي متنزهاً للخلفاء الفاطميين بعد الآمر إلى أن خرب وجهل مكانه بالروضة.
قلنا ما أشبه الليلة بالبارحة فقد وقع لوالي مصر عباس باشا الكبير المتولي سنة ١٢٦٤ مثل ما وقع للآمر في بدئه ونهايته فانه كان مشغوفاً بإحدى البدويات أيضا فتزوجها وأسكنها قصرا في ضاحية من القاهرة وصار يتردد عليه خفية ثم كانت نهاية أمره أنه قتل غيلة في قصره بينها سنة ١٢٧٠. قتله مملوكان من الجركس بإغراء رجال الدولة العثمانية على ما قيل لأنهم آنسوا منه ميلا للخروج عن طاعتهم والاستقلال بمصر، وقد أدركنا الناس في مصر يلهجون بحديث البدوية ويروون فيه روايات شتى، وسمعنا العامة يلوكون أغنية قيلت في ذلك الزمن أولها (يا حالي ع البدوية) وقليل من أهل مصر الآن من يعرف هذا الخبر وهو من غريب ما يتفق وقوعه لملكين في مملكة واحدة.
القلعة الصالحة:
وفي أواخر الدولة الأيوبية بنى الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل محمد قلعته بهذه الجزيرة وأنشأ بها الدور والقصور وغرس الأشجار وبنى بها جامعاً وعمل لها ستين
стр. 2506
برجاً وأنفق عليها أموالاً جمة فعرفت بالقلعة الصالحية وبقلعة المقياس وبقلعة الروضة وبقلعة الجزيرة واحتاج بسببها إلى هدم أماكن كثيرة من دور وقصور ومساجد ليدخلها فيها وخرب الهودج والمختار، ويقال إنه قطع من الموضع الذي أنشأها فيه ألف نخلة مثمرة كان رطبها يهدى لملوك مصر لحسن منظره وطيب طعمه، ولما كملت جعلها مقر ملكه وسرير سلطانه وأسكن بها جنوده البحرية وشحنها بالأسلحة وآلات الحرب وما يحتاج إليه من الأقوات خشية محاصرة الإفرنج فانهم كانوا حينئذ عازمين على قصد البلاد المصرية. وكان سور هذه القلعة الشرقي مطلاً على فرع النيل الشرقي الذي بين الجزيرة ومصر وكان بها الإيوان الملكي العديم المثال، وفيها يقول ابن سعيد الأندلسي (وكنت أشق في بعض الليالي بالفسطاط على ساحلها فيزدهيني ضحك البدر في وجه النيل أمام سور هذه الجزيرة الدري اللون ولم أنفصل عن مصر حتى كمل سور هذه القلعة وفي داخله من الدور السلطانية. ما ارتفعت إليه همة بانيها وهو من اعظم السلاطين همة في البناء وأبصرت في هذه الجزيرة إيوانا لجلوسه لم تر عيني مثاله ولا أقدر ما أنفق عليه وفيه من صفائح الذهب والرخام الأبنوسي والكافوري والمجزع ما يذهل الأفكار ويستوقف الأبصار ويفضل عما أحاط به السور أرض طويلة وفي بعضها حاظر حظر به على أصناف الوحوش التي يتفرج عليها السلطان وبعدها مروج تنقطع فيها مياه النيل فينظر بها أحسن منظر، وقد تفرجت كثيراً في طرف هذه الجزيرة مما يلي بر القاهرة فقطعت فيه عشيات مذهبات، لم تزل لأحزان الغربة مذهبات) انتهى. واستيعاب ما قبل في محاسن هذه القلعة يطول ويخرج بنا عن المقصود.
ولما ملك المعز أيبك التركماني أول ملوك الدولة التركية البحرية أمر بهدم هذه القلعة ليعمر منها مدرسة المعزية واقتدى به ذوو الجاه فأخذوا كثيرا من سقوفها وشبابيكها وغيرها، ثم لما ملك الظاهر بيبرس البندقداري اهتم بإعادتها كما كانت فأصلح بعض ما تهدم منها، ولما تولى المنصور قلاوون نقل منها ما يحتاج إليه في بناء البيمارستان والقبة المنصورية، ثم نقل منها ابنه الناصر محمد ما احتاج إليه في أبنيته فدب إليها الخراب إلى أن ذهبت كأن لم تكن قال المقريزي وبقي من أبراجها عدة قد انقلب أكثرها وبنى الناس فوقها دورهم المطلة على النيل. قلنا أما موضعها بالروضة فقد صرح ابن اياس (ج ١ ص ٨٣) أنها
стр. 2507
بنيت بالقرب من المقياس أي في الجهة الجنوبية للجزيرة، ونقل الإمام السيوطي في كوكب الروضة في كلامه على جامع الريس المعروف اليوم بزاوية البسطامي نصوصا من التوقيع الذي كتبه الملك المظفر بيبرس الجاشنكير لمنشئه يعلم منها أن هذا المسجد بني موضع برج الطراز أحد أبراج هذه القلعة. وقال ابن دقماق في انتصار بناه الرئيس صدقة على أول برج من أبراج قلعة الروضة. وذكر السيوطي أيضا في كلامه على جامع المقياس المعروف اليوم بجامع عبد الرحمن بن عوف أن الملك الصالح عمره بقلعة الروضة ونرى في المصور الملحق بهذه المقالة أن كلا المسجدين في في الجهة الجنوبية من الجزيرة. وقد ظهر لنا من هذا ومما استخلصناه من أقوال غيرهم من المؤرخين أن هذه القلعة كانت في الثلث الجنوبي للجزيرة آخذة من مقياس النيل في المواضع الشمالية منه إلى زاوية البسطامي الواقعة في موضع برج الطراز أول برج من أبراجها من الشمال وأنها كانت مطلة من الشرق والغرب على فرعي النيل الصغير والكبير، ومما يدل أيضا على إشرافها على النيل من الجانبين قول ابن سعيد الأندلسي في وصفها (وركبت مرة هذا النيل أيام الزيادة مع الصاحب محيي الدين بن ندا وزير الجزيرة وصعدنا إلى جهة الصعيد ثم انحدرنا واستقبلنا هذه الجزيرة وأبراجها تتلألأ والنيل قد انقسم عليها فقلت:
تأمل لحسن الصالحية إذ بدت … وأبراجها مثل النجوم تلالا
وللقلعة الغراء كالبدر طالعا … تفرج صدر الماء عنه هلالا
ووافي إليها النيل من بعد غيبة … كما زار مشغوف يروم وصالا
وعانقها من فرط شوق لحسنها … فمد يمينا نحوها وشمالا
فانه أبان بتشبيهه ماء النيل بالهلال عن استدارته بطرفها الجنوبي، ثم أبان عن امتداد في جانبيها بتشبيهه بمشوق يعانقها باليمين والشمال وإذا عرفنا ذلك وعرفنا فيما تقدم أن المختار والهودج كانا مطلين على النيل وأن الملك الصالح خربهما ليدخلهما في القلعة كسائر ما خربه من الأماكن، تبين لنا أنهما كانا في الجهة الجنوبية أيضا. والغالب على الظن أنهما كانا على الفرع الكبير للنيل الذي بين الجزيرة والجيزة أي في أحد المواضع الواقعة بين المقياس وجسر عباس لأن المختار أنشئ موضع الصناعة ويستبعد أن تكون الصناعة على الفرع الصغير الشرقي.
стр. 2508
قصر نجم الدين:
ذكر الفرنسيس في كتابهم وصف مصر (ج١٥ ص ٤٥٠و٤٦٥) أنهم أدركوا زمن الاحتلال بقايا قصر بالمقياس ملاصق له من الشرق ومطل على الفرع الشرقي للنيل يعرف بقصر السلطان الملك الصالح نجم الدين ولم يكن باقياً منه وقتئذ غير قاعة كبيرة تتصل بها عدة أماكن أكثرها خرب، وهو بلا ريب من قصور القلعة الصلاحية، ولعل الذي حفظه من الدثور عناية الدول في كل جبل بالمقياس وأبنيته، ولكن يظهر لنا أن الذي أدركوه منه لم يكن من الأبنية الصلاحية القديمة بل كان مما جدده فيه السلطان الغوري من القاعات والمساكن. ومما يذكر عن هذا القصر نزول السلطان سليم العثماني به مدة مقامه بمصر فانه لما تم له فتحها وصفا له الوقت بعد قتل السلطان طومان باي استطاب السكنى بالروضة فانتقل إليها ونزل بالمقياس. قال ابن اياس في حوادث ربيع الثاني من سنة ٩٢٣هـ (وفي يوم الاثنين سادسه أشيع أن ابن عثمان عدى إلى المقياس وكان في ذلك اليوم رياح عاصفة فكاد يغرق، فلما سلم من الغرق أقام بالمقياس ونقل وطاقه إلى الروضة ومصر العتيقة، ثم أن أمراءه طردوا السكان الذين بالروضة وبمصر العتيقة وسكنوا في دورهم فحصل للناس الضرر الشامل بسبب ذلك فأعجبه المقياس فأقام به مدة أيام). ثم إنه أنشأ منظرة من خشب فوق المقياس جعل إقامته بها وهي التي سماها ابن إياس بالقصر فقال عنها في حوادث جمادى الثانية من هذه السنة (وفيه أشيع أن السلطان سليم شاه أنشأ له قصراً من خشب بالمقياس من فوق القصر الذي أنشأه السلطان الغوري فوق بسطة المقياس وصار يجلس به في اليوم الحر وأحضر جماعة من النجارين والبنائين وشرع في بنائه حتى فرغ منه في أيسر مدة). قلنا وفي هذه المنظرة حاول (قانصه العادلي) أحد أمراء الجراكسة قتله انتقاما لطومان باي وقومه ذكر ذلك ابن زنبل الرمال في تاريخ فتح السلطان سليم لمصر فقال معبراً عن هذه المنظرة بالطيارة (فدبر في نفسه أن يلبس مثل العرب ويأخذ معه جماعة من أهل القوة وينزل إلى مركب ليلا ويسير بها تحت المقياس ويجعل له سلم تسليم ويصعد عليه وينزل إلى داخل المقياس ويقتل السلطان سليماً ويأخذ بثأر قومه وما علم أن الحي ما له قاتل ثم إنه فعل ذلك حتى وصل إلى الطيارة التي فوق المقياس وهي محل السلطان فوجد الحراس مستيقظين) الخ وعبر عنها الإسحاقي في تاريخه
стр. 2509
بالكشك متابعة للأتراك فقال (وكان مقام السلطان سليم بالروضة وبنى له كشكاً فوق قاعات المقياس وهو مشرف على بحر النيل والروضةوالمقياس، ولما رحل السلطان سليم منه أقفل ومنع من يجلس فيه حرمة لمولانا السلطان سليم). وروى قطب الدين الحنفي في تاريخ مكة المسمى بالاعلام أنه راى بيتين من الشعر كتبهما السلطان سليم بخطه على رخامة بهذا (الكوشك) مدة مقامه به فقال (ورأيت بيتين بالعربي بخطه الشريف كتبهما في علو المقياس في (الكوشك) الذي أمر ببنائه لما افتتح مصر وسكن الروضة وقد انمحى لطول الزمان مداده، ومال إلى لون البياض سواده، وكان هذا (الكوشك) محترما مقفلا لا يصل إليه أحد لعظمة بانيه، ولا يبتذل بالدخول إليه تعظيما لراعيه، فلما قدمت مصر في سنة ٩٤٣ وكان يوم كسر النيل السعيد ففتحوا هذا الكوشك لبكلربكي) مصر يومئذ خسرو باشا وكنت مصاحبا لمعلمه مولانا عبد الكريم العجمي فطلع وأطلعني معه في صحبة خسرو باشا المذكور فرأيت مكتوبا على الرخام الأبيض كتابة خفية لا تكاد تظهر إلا بتأمل، هذين البيتين وهما
الملك لله من يظفر بنيل غني … يردده قسراً ويضمن منه ما أدركا
لو كان لي أو لغيري قدر أنملة … فوق التراب لكان الأمر مشتركا
وتحتهما ما صورته (كتبه سليم) بذلك الخط وذلك القلم ولعمري أن كان هذان البيتان من نظم المرحوم فهما غاية في البداعة، ونهاية التمكن من الصناعة، فيدل على تمكنه ﵀ أيضا في اللسان العربي لأنهما من أعلى طبقات الشعر العربي الفصيح لبليغ المنسجم وإن كان قد تمثل بهما وهما لغيره فهذه أيضا مرتبة عالية في حسن التمثيل ولطف الاستحضار لفهم الأشعار العربية والذوق لها وهذا القدر يستكثر على علماء الروم وعلماء العجم المكبين على علوم العربية فضلا عن سلاطينهم المشغولين بضبط الممالك) انتهى. قلنا البيتان معروفان لأبي العلاء المعري في لزوم ما لا يلزم وصحة العجز في البيت الأول (يردده قسرا وتضمن نفسه الدركا)، وأما القصر وما يتبعه من الأبنية فلم يبق لها أثر ودخلت كلها في قصر حسن باشا المناسترلي وحديقته.
الجزيرة في حكم الأسرة المحمدية العلوية:
في زمن العزيز محمد علي أنشأ ولده العزيز إبراهيم في خرطوم الجزيرة الشمالي بستاناً
стр. 2510
كبيراً جلب له الأشجار الغريبة من البلاد البعيدة وبنى به منظرة عالية ومغارة مجللة بالودع، وقد أدركنا بقايا ذلك. وكان من مزايا هذا البستان احتواؤه على أنواع كثيرة من الأشجار والنباتات المحتاج إليها في الطب، ومن طالع كتاب المادة الطبية للرشيدي المسمى عمدة المحتاج يرى عجباً مما كان فيه من هذه الأنواع، وكان قصد العزيز إبراهيم ﵀ الاستغناء بها عن جلب العقاقير من البلاد الإفرنجية بقدر المستطاع.
وقد أنشأ أمراء ذلك العصر وسراته القصور والبساتين الأنيقة بالجزيرة، وكان للخديو إسماعيل بن العزيز إبراهيم قصر بديع في وسطها على الشاطئ الشرقي تحيط به حديقة غناء ثم أهملت من بعدهم وهجرت فدب إليها الخراب وأدركناها جميعاً وهي خاوية على عروشها، وانحط شأن الجزيرة إلى أن أنشئت فيها الجسور الثلاثة: جسر محمد على، وجسر الملك الصالح بينها وبين مصر القديمة، وجسر عباس بينها وبين الجيزة، فعاد إليها الانتعاش وأقبل الناس على البناء بها فهدمت قصورها وبيعت أراضيها قطعاً وامتلأ الثلث الجنوبي بالدور الصغيرة والكبيرة ولكن على الطراز الإفرنجي الجديد وقطع ما كان بها من الشجر والنخل وحطمت عروش الكروم فعريت من الظلال وزالت عنها مسحة الملاحة القديمة بعد أن كانت ببساتينها وحقولها قرة للعيون وفرجة للمحزون.
стр. 2511
أبو عبد الله آخر ملوك الأندلس
للأستاذ محمد عبد الله عنان
- ١ -
مأساة شهيرة في التاريخ الإسلامي، هي مصرع غرناطة آخر معقل للإسلام بالأندلس، وشخصية محزنة هي شخصية آخر ملك أندلسي مسلم، طويت على يده تلك الصفحة المجيدة الباهرة التي افتتحها موسى وطارق في تاريخ الإسلام بإسبانيا قبل ذلك بثمانية قرون.
لبث الإسلام في إسبانيا خلال هذه القرون الثمانية يغالب النصرانية وتغالبه، والإسلام مذ انهار صرح الدولة الأموية دائم الخلاف والتفرق، سائر أبداً في طريق الضعف والانحلال؛ والنصرانية تجتمع دائماً على غزوه ونضاله، وتنتزع منه تباعاً قواعده وثغوره، حتى إذا جاء القرن الثامن لم يبق من دولة الإسلام الشامخة بالأندلس سوى مملكة غرناطة الصغيرة، تواجه وحدها داخل الجزيرة عدوها القوي. وسطعت هذه الأندلس الصغيرة مدى حين، ولكنها لم تنج من خطر التفرق؛ وإسبانيا النصرانية أثناء ذلك متربصة بها تكاد تلتهمها من وقت إلى آخر، لولا أن كانت صولة الإسلام في الضفة الأخرى من البحر - في المغرب الأقصى - تروعها وتردها. وكانت مملكة غرناطة كلما تبينت شبح الخطر الداهم تستغيث بجارتها المسلمة القوية فيما وراء البحر، دولة بني مرين. ولكن بني مرين لم يستجيبوا دائما إلى دعوة الإسلام المحتضر بالأندلس، وكانت لهم أحياناً مطامع ومشروعات في الأندلس ذاتها. وكانت إسبانيا النصرانية كلما استيقنت تصرم العلائق بين الشقيقتين انقضت على الأندلس فاقتطعت منها ثغراً أو قاعدة جديدة. وكان رجالات الأندلس يستشفون من وراء ذلك خطر الفناء المحقق، بل لقد استشعر به ابن الخطيب وزير الأندلس وكاتبها الكبير قبل تحققه بأكثر من قرن، وصرح به في إحدى رسائله إلى ملك فاس إذ يدعوه إلى غوث الأندلس ونجدتها ويقول: (ولاشك عند عاقل أنكم إن انحلت عروة تأميلكم أو أعرضتم عن ذلك الوطن استولت عليه يد عدوه) وهكذا نرى الأندلس منذ أوائل القرن التاسع الهجري تسير بسرعة في طريق الانحلال والفناء، حتى إذا كانت أواخر هذا القرن لم يبق للإسلام في إسبانيا سوى مملكة غرناطة الصغيرة وفيها مدن وثغور قلائل تتربص
стр. 2512
بها النصرانية وتعد العدة لسحقها.
وكان على عرش غرناظة يومئذ السلطان أبو الحسن علي بن سعد النصري الأحمري. ولي الملك سنة ٨٧١ هـ (١٤٦٦م)، ولكنه لم يستخلص الملك لنفسه إلا بعد نضال عنيف بينه وبين منافسيه وعلى رأسهم أخوه أبو عبد الله المعروف (بالزغل). وكانت الحرب الأهلية تضطرم في مملكة غرناطة كلما لاحت فرصة للتنازع على العرش. فلما استقر أبو الحسن في عرشه، أبدى همة فائقة في تحصين المملكة وتنظيم شئونها، وبث فيها روحاً جديداً من البأس والطمأنينة، واستطاع أن يسترد عدة من الحصون والقواعد التي افتتحها النصارى، ولاح للنصرانية أن الأندلس المحتضرة تكاد تبدأ حياة جديدة. بيد أن هذا البعث الخلب لم يطل أمده. ذلك أن عوامل الخلاف الخالدة عادت تعمل عملها، وبذر أبو الحسن حوله بذور السخط والغضب بما ارتكبه في حق الأكابر والقادة من العسف والشدة، وبما أغرق فيه من صنوف اللهو والعبث. وكان أبو الحسن قد اقترن بالأميرة عائشة ابنة عمه السلطان أبي عبد الله الأيسر، ورزق منها ولدين هما محمد ويوسف. ولكنه عاد فاقترن بنصرانية رائعة الحسن تعرف في الرواية العربية (بثريا الرومية). وتقول الرواية الإسبانية أن (ثريا) هذه كانت ابنة عظيم من عظماء إسبانيا هو القائد (سانكو كمنيس دي سوليس) وأنها أخذت أسيرة في بعض المعارك وهي صبية فتية، وألحقت وصيفة بقصر الحمراء، فهام أبو الحسن بجمالها حباً، ولم يلبث أن تزوجها واصطفاها على زوجه الأميرة عائشة المعروفة (بالحرة) تمييزاً لها من الجارية الرومية أو إشادة بعفتها وطهرها ولم يكن اقتران السلطان بنصرانية بدعة، ولكنه تقليد قديم في قصور الأندلس، وقد ولد كثير من خلفاء الأندلس وأمرائها العظام من أمهات من النصارى مثل عبد الرحمن الناصر وحفيده هشام المؤيد. وكان لهذا التقليد أثره السيئ في انحلال عصبية الدولة الإسلامية، بيد أنه كان أشد خطرا وقت الانحلال العام. وكان وجود أميرة أجنبية في قصر غرناطة تستأثر بالسلطان والنفوذ في هذا الظرف العصيب، عاملا جديدا في إذكاء عوامل الخصومة والتنافس. ذلك لأن (ثريا) أعقبت من السلطان أبي الحسن ولدين، وأرادت أن يكون العرش لأحديهما، وبذلت كل ما استطاعت من الإغراء والدس لإبعاد خصيمتها الأميرة عائشة عن كل نفوذ وحظوة، وحرمان ولديها محمد ويوسف من كل حق في الملك، وكان أكبرهما محمد ولقبه أبو عبد
стр. 2513
الله ولي العهد المرشح للعرش، فنزل أبو الحسن عند سعي حظيته وأعصى عائشة وولديها عن عطفه ورعايته: ولا زالت ثريا في سعيها ودسها حتى اعتقلهم أبو الحسن في أحد أبراج الحمراء وضيق عليهم وأخذ يعاملهم بمنتهى الشدة والقسوة، فأثار هذا التصرف غضب كثير من الكبراء الذين يؤثرون الأميرة الشرعية وولديها بعطفهم وتأييدهم، وانقسم القصر وانقسم الزعماء والقادة إلى فريقين خصيمين، واضطرمت الأهواء والشهوات والأحقاد، واشتد السخط على أبي الحسن وحظيته التي أضحت سيدة غرناطة الحقيقية، واستأثرت بكل سلطة ونفوذ.
وكانت الأميرة عائشة امرأة وافرة العزم والشجاعة فلم تستسلم إلى قدرها الجائر، بل عمدت إلى الاتصال بعصبتها وأنصارها، وأخذت تدبر معهم وسائل الفرار والمقاومة. وفي ذات ليلة استطاعت أن تفر من الحمراء مع ولديها محمد ويوسف بمعاونة بعض الأصدقاء المخلصين. وتقدم الرواية إلينا عن هذا الفرار صورا شائقة، فتقول إن الأميرة استعانت بأغطية الفراش على الهبوط من نوافذ البرج الشاهق في جوف الليل، وأبدت في ذلك من الجرأة والشجاعة ما يخلق بأبطال الرجال. وكان ذلك في ليلة من ليالي جمادى الثانية سنة ٨٨٧ هـ (١٤٨٢م). واختفى الفارون حيناً حتى قويت دعوتهم وظاهرهم فريق كبير من أهل غرناطة، وظهر الأمير الفتى محمد أبو عبد الله في وادي آش حيث مجمع عصبته وأنصاره ونشبت الثورة وانقضت العاصفة على أبي الحسن، وكانت عصبته أقلية ففر إلى مالقة وكان بها وقتئذ أخوه الأمير أبو عبد الله محمد بن سعد (المعروف بالزغل) يدافع عنها جيشا جرارا من النصارى سيره ملك قشتالة (فرديناند الخامس) لافتتاحها. وجلس أبو عبد الله محمد بن السلطان أبي الحسن مكان أبيه على عرش غرناطة (أواخر سنة ٨٨٧ هـ) وأطاعته غرناطة ووادي آش وأعمالهما وبقيت مالقة وغرب الأندلس على طاعة أبيه. وكان أبو عبد الله يومئذ فتى في نحو الخامسة والعشرين.
وكان ملك قشتالة يرقب سير الحوادث في مملكة غرناطة بمنتهى الاهتمام. فلما اضطرمت بنار الحرب الأهلية ولاحت له فرصة الغزو والفتح، سير جيشه إلى مالقة لافتتاحها ولكن المسلمين تأهبوا لرد النصارى بعزم وقوة وهزموهم في عدة مواقع فيما بين مالقة وبلش (فيليز وهزم النصارى في ظاهر مالقة هزيمة ساحقة وقتل وأسر منهم عدة آلاف بينهم
стр. 2514
عدة من الزعماء والأكابر (صفر ٨٨٨ هـ - مارس ١٤٨٣م) وكان منظم هذا الدفاع الباهر الأمير أبو عبد الله (الزغل) فانتعشت آمال المسلمين نوعاً وسرت الحماسة إلى غرناطة واعتزم ملكها الفتى أن يحذو حذو عمه الباسل في الجهاد والغزو وأن ينتهز فرصة اضطراب النصارى عقب الهزيمة، فخرج في قواته في ربيع الأول من هذا العام (أبريل ١٤٨٣) متجهاً نحو حصن قرطبة شمال شرقي غرناطة؛ واجتاح في طريقه عدداً من الحصون والضياع، ومزق النصارى في عدة معارك محلية؛ ثم ارتد مثقلاً بالغنائم يريد العودة فأدركه النصارى في ظاهر قلعة اللشانة (لوتشينا وكان يزمع حصارها: ونشبت بين الجيشين معركة هائلة ارتد فيها المسلمون إلى ضفاف شنيل والنصارى في اثرهم، فهزم المسلمون هزيمة شديدة وغرق كثير منهم في شنيل. وقتل وأسر كثير من قادتهم وفرسانهم، وكان بين الأسرى السلطان أبو عبد الله محمد نفسه، عرفه الجند النصارى من الأسرى أو عرفهم بنفسه خشية الاعتداء عليه وأخذوه إلى قائدهم الكونت كابرا، فاستقبله بحفاوة وأدب وأنزله بأحد الحصون القريبة تحت رقابة حرس قوي) وأخطر في الحال ملكي قشتالة بالنبأ السعيد؛ وعاد المسلمون إلى غرناطة دون ملكهم، فارتاعت غرناطة للنكبة واضطرب الشعب؛ واجتمع الكبراء والقادة وقرروا استدعاء أبي الحسن السلطان المخلوع ليجلس على العرش، ولكن أبا الحسن كان قد هدمه الإعياء والمرض وفقد بصره ولم يستطع أن يضطلع طويلاً بأعباء الحكم، فنزل عن العرش لأخيه محمد أبي عبد الله (الزغل) حاكم مالقة وارتد إلى المنكب فأقام بها حينا حتى توفي، وجلس (الزغل) على العرش يدير شئون المملكة وينظم الدفاع عن أطرافها.
أما السلطان أبو عبد الله بن أبي الحسن فلبث يرسف في أسره عند النصارى وأدرك ملك قشتالة في الحال ما للأمير الأسير من الأهمية، وأخذ يدبر أفضل الوسائل للاستعانة به في تحقيق مآربه في مملكة غرناطة. وبذل أبو الحسن حين عوده إلى العرش مجهوداً لافتداء ولده لا حباً فيه وشفقة عليه، ولكن لكي يحصل في يده ويأمن بذلك شره ومنافسته، وعرض على فرديناند نظير تسليمه أن يدفع فدية كبيرة وأن يطلق عدداً من أكابر النصارى المأسورين عنده فأبى فرديناند وآثر أن يحتفظ بالأسير إلى حين، وبذلت الأميرة عائشة من جهة أخرى مجهوداً آخر لإنقاذ ولدها بمؤازرة الحزب الذي يناصره، واقترحت على ملك
стр. 2515
قشتالة معاهدة خلاصتها أن يتولى أبو عبد الله الملك في طاعة ملك قشتالة، وأن يدفع له جزية سنوية، وأن يطلق كل عام عدداً معيناُ من النصارى، وأن يدفع مقابل إطلاقه فدية كبيرة وأن يفرج في الحال عن أربعمائة من أسرى النصارى يختارهم ملكهم، وأن يقدم المعاونة العسكرية كلما طلبت اليه، وأن يقدم ابنه الوحيد كفالة مع عدد من أبناء الأسر الكبيرة ومع أن عقد هذه المعاهدة كان خطوة كبيرة في سبيل القضاء على مملكة غرناطة، فإن فرديناند رأى قبل عقدها أن يستغل أسر ملك غرناطة وأن يستعين به على تنفيذ برنامجه الحربي. وكان أبو عبد الله أميراً ضعيف العزم والإرادة، قليل الحزم والخبرة، كثير المطامع والاهواء، ولم يكن يتمتع بشيء من تلك الخلال الباهرة التي امتاز به أسلافه وأجداده العظام بنو الأحمر، وكان الملك والحكم غايته يبتغيها بأي الأثمان والوسائل. وقد ألفى ملك قشتالة القوي في ذلك الأمير الضعيف المستهتر بحقوق أمته ودينه، أداة صالحة يوجهها كيفما شاء، فاتخذه وسيلة لبث دعوته بين أنصاره ومؤيديه في غرناطة وغيرها، وليقنع المسلمين بأن الصلح مع ملك قشتالة خير وأبقى، وسير ملك قشتالة في الوقت نفسه قواته في أنحاء مملكة غرناطة لكي تنتزع أثناء الاضطراب العام كل ما يمكن انتزاعه من القواعد والحصون الإسلامية، فاستولت على عدة منها، ونشبت من جهة أخرى في غرناطة حرب أهلية لم تكن بعيدة عن وحي أبي عبد الله وحزبه، وقامت (البيازين) ضاحية غرناطة بدعوته، وشغل ملك غرناطة (أبو عبد الله الزغل) بإخماد الثورة عن مقاتلة النصارى. وفي نفس هذه الآونة العصيبة أطلق فرديناند سراح أبي عبد الله بعد أن ارتضى عقد المعاهدة التي عرضت عليه مع تعديل يسير في بعض نصوصها، وبعد لقاء تم بين الملكين في قرطبة أعلن فيه أبو عبد الله خضوعه وطاعته لملك قشتالة، واتفق أن تكون الهدنة لعامين وأن تطبق في جميع الأنحاء التي تدين بالطاعة لأبي عبد الله. وظهر أبو عبد الله يبث دعوته في الأنحاء الشرقية والحرب الأهلية قائمة في غرناطة (أوائل سنة ٨٩١هـ - ١٤٨٦م) وبدأت المفاوضة بينه وبين عمه (ملك غرناطة) في الصلح. ولكن حدث أثناء ذلك أن هاجم النصارى مدينة لوشة جنوب غربي غرناطة واستولوا عليها (جمادى الأولى سنة ٨٩١هـ) وكان موقف أبي عبد الله ' ثناء هذه الحوادث مريباً؛ وكان يمزج الدعوة لنفسه بالدعوة لملك قشتالة، وشيد بمزايا الصلح المعقود معه، ولم يكن خافياً
стр. 2516
أنه يستظل بمظاهرة النصارى وفي شوال سنة ٨٩١ ظهر أبو عبد الله في (البيازين) فجأة واجتمع حوله أنصاره، وأعلن الثورة على عمه؛ ونشبت بينهما الحرب في ظاهر غرناطة، وأمد فرديناند حليفه أبا عبد الله بالجند والذخائر والمؤن. واستمر القتال بينهما مدى أشهر. وفي ربيع الثاني سنة ٨٩٢ (١٤٨٧م) سير فرديناند قواته إلى بلش مالقة (فيليز مالاجا) الواقعة على مقربة من ثغر مالقة ليفتتحها تمهيداً للاستيلاء على مالقة، وأدرك أبو عبد الله الزغل أهمية بلش الحربية فهرع إلى الدفاع عنها مع بعض قواته، وترك البعض الآخر لقتال أبي عبد الله وأهل البيازين ولكن إقدام الزغل وعزمه وشجاعته لم تغن شيئاً، وسقطت بلش في يد النصارى (جمادى الأولى ٨٩٢ - أبريل ١٤٨٧) وعاد الزغل بجنده ميمماً صوب غرناطة، ولكنه علم أثناء مسيره أن غرناطة قامت أثناء غيابه بدعوة أبي عبد الله، وأنه دخلها وتبوأ العرش مكانه (جمادى الأولى)، فارتد إلى وادي أش وامتنع بها، وانقسمت بذلك مملكة غرناطة الصغيرة إلى شطرين يتربص كل منهما بالآخر: غرناطة وأعمالها ويحكمها أبو عبد الله محمد، ووادي آش وأعمالها ويحكمها عمه أبو عبد الله الزغل، وتحقق بذلك ما كان يبتغيه ملك قشتالة من تمزيق شمل البقية الباقية من دولة الإسلام بالأندلس تمهيداً للقضاء عليها.
(للبحث بقية)
стр. 2517
أطلنطس القارة المفقودة!
للدكتور محمد عوض محمد
في زعم طائفة من الكتاب أن المحيط الأطلسي الشمالي لم يكن في جميع العصور بحراً خالصاً، بل كانت تحتله قارة عظيمة تصل ما بين العالم القديم والعالم الجديد. وهذا الزعم هو ما نريد أن نعرض له في هذا المقال.
من أهم ما يمتاز به المحيط الأطلسي - في وقتنا هذا - أنه قليل الجزر. فإذا صرفنا عن الجزائر الملاصقة للسواحل، مما يعده الجغرافيون جزءاً متمماً للقارات، فان هذا المحيط عبارة عن مساحة هائلة من الماء، ليس فيها من الجزر سوى الشيء القليل جداً.
هذه حالة المحيط اليوم، لكن هذه لم تكن حالة المحيط في كل عصر وزمن. فان تعاقب الماء واليابس على الجزء الواحد من سطح الأرض، من الحقائق الجيولوجية المسلم بها. وليس هنالك خلاف في أن أمريكا الشمالية كانت متصلة بأوربا، وأمريكا الجنوبية بأفريقية في زمن جيولوجي قديم.
غير أن القائلين بوجود جزيرة عظيمة أو عد جزر كبيرة في وسط المحيط الأطلسي ما بين ما هو اليوم أمريكا، وبين ما هو اليوم أوربا وأفريقية، أطلقوا عليها اسم قارة اطلنطس - هؤلاء الكتاب يزعمون أن هذه القارة لم تكن موجودة في زمن جيولوجي قديم، يرجع إلى ملايين السنين، بل إلى عهد حديث جداُ، عهد نشأة الإنسان واستعماره لسطح الأرض. ولقد يسرف بعضهم فيزعم أن هذه (القارة) كانت موجودة قبل العصر التاريخي، بحيث كان المصريون القدماء يعلمون من أمرها الشيء الكثير.
من المهم إذن أن نقرر أن الاتصال بين شرق المحيط وغربه في زمن جيولوجي قديم، ليس موضع البحث، وليس هو بالأمر الذي يعنى به هؤلاء الكتاب، بل الذي يعنيهم وجود اليابس في هذه المساحة العظيمة التي لا نرى فيها اليوم سوى الماء، وذلك في عصر حديث شهده الإنسان في أول نشأته.
والآن نتساءل: هل هناك من شاهد على صحة ما ذهب إليه أولئك الكتاب؟
قبل أن نعرض لآراء أصحاب هذا المذهب يحسن بنا أن نكون على حذر من أمرين: أولهما أن وجود هذه القارة أمر يرتاح إليه الخيال البشري المولع دائماً بالغريب المدهش
стр. 2518
من المسائل العلمية: وكثير من الكتاب في هذا الموضوع يبدأون بحثهم وفي نفوسهم رغبة في أن يثبتوا وجود هذه القارة المزعومة. كالقاضي الذي يبدأ تحقيق الحادث وفي قلبه رغبة في أن تثبت التهمة على المتهمين. وهذه الرغبة قد تصبغ الأدلة الضعيفة بصبغة قوية. وتحمل الباحث على التغاضي عن مواطن الضعف فيما يعرض له من الحجج.
الأمر الثاني الذي يجب أن نحذره، هو أن وجود مثل هذه القارة أمر مرغوب فيه جداً من الوجهة العلمية. . . لأنها تصبح مرجعا نرجع إليه في كثير من المسائل التي صعب علينا فهمها أو تعليلها. فإذا رأينا - مثلاً - في أوربا أو في أفريقية شعباً أو جماعة لا نعرف لها مصدراً، أمكننا أن نقول بكل بساطة إنها بقية من سكان القارة المفقودة - فالرغبة في التخلص من بعض المسائل العويصة قد تجعلنا في اشتياق لأن نسلم بوجود هذه القارة المزعومة وأن نقبل من أجل هذا كثيراً من الاقتراحات الواهية الضعيفة.
إن أول من ذكر قارة أطلنطس فيما بين أيدينا من الكتب هو أفلاطون. فقد حكى في كتابه (طيماوس) رواية عن أحد أجداده أن صولون حكيم اليونان الأشهر لما قدم إلى مصر، وتحدث إلى كاهن من كهنتها، أخبره هذا الكاهن أنه كان في المحيط الأطلسي إلى غرب عمودي الهرقل (بوغاز جبل طارق) جزيرة عظيمة تزيد في الحجم على ليبية (أفريقية) وآسيا الصغرى معاً. وأنها كانت عامرة يسكنها شعب قوي ذو بأس وصولة، استطاع أن يبسط سلطانه على جميع قارة أطلنطس وعلى ما جاورها من الأقطار في أفريقية وأوربا. وأن سلطان هؤلاء (الأطلنطيين) قد امتد حتى بلغ إلى مصر وبلاد اليونان. غير أن اليونان استطاعوا أن يردهم على أعقابهم.
وهذه القارة العظيمة كانت عرضة للزلازل العنيفة والبراكين الثائرة، فلم تلبث أن أخذتها الرجفة فهبطت تحت سطح الماء واختفت. وذلك قبل عهد صولون بنحو تسعة آلاف من السنين!
هذه هي القصة التي ذكرها أفلاطون نقلاً عن أحد أجداده. وليس هنالك ما يثبت أن هذه القصة قد رواها صولون حقيقة، وأنها ليست من اختراع أفلاطون نفسه. وعلى كل حال، وأياً كان مصدر هذه القصة، فان مجرد روايتها على هذه الصورة، لا يفيد الباحث عن أمر هذه القارة شيئاً.
стр. 2519
إن اختفاء جزيرة صغيرة تحت سطح الماء بسبب هبوط في قشرة الأرض ليس بالشيء المستغرب، وقد يكون اليونان أنفسهم قد شهدوا مثل هذا الحادث في بلادهم الكثيرة الزلازل، وهذا وحده كاف لأن يوحي إليهم بأن جزيرة قد وجدت ثم اختفت في وسط المحيط، ولهذا فان أكثر الباحثين لم يكن يرى في حديث هذه القارة أكثر من أنه أسطورة جميلة. غير أن كثيراً مما كان يراه العلماء مجرد أساطير قد أثبت البحث العلمي وجوده. وقد أخذ الباحثون يهتمون حديثاً بتحقيق أمر هذه القارة.
إن هبوط جزء عظيم من سطح الأرض واختفاءه تحت سطح الماء ليس بدعاً في الحوادث الجيولوجية الطويلة المدى، التي تستغرق عشرات الملايين من السنين. وكذلك ليس بعجيب أن تختفي جزيرة صغيرة تحت الماء في زمن وجيز بسبب حادث بركاني خطير. لكن الأمر الذي يصعب تصوره هو أن كتلة هائلة من اليابس تهبط نحو ثلاثة آلاف متر في زمن يعد وجيزاً جداً بالنسبة إلى ما يستدعيه مثل هذا الانقلاب الخطير في سطح الأرض. وبالطبع ليس إثبات هذا الأمر بالشيء السهل، لأن أكثر الأدلة مقبور تحت غمار البحار، في أعماق يصعب جداً الوصول إليها.
ولننظر الآن في الأدلة التي يدلي بها القائلون بصحة هذه الأسطورة.
لعل أول جهة يجب أن يتجه إليها البحث أن نتساءل: هل في قاع المحيط الأطلسي أو في جزء من قاعه ما يدل على أن هذا القاع أو هذا الجزء من القاع كان أرضاً ظاهرة فوق سطح الماء في زمن حديث يقدر بنحو عشرة آلاف من السنين؟ وهل في السواحل الشرقية والغربية للمحيط ما يدل على أنها كانت إلى وقت قريب متصلة؟
يجب أن نجيب أو أن نحاول الإجابة على هذين السؤالين. ولكن يجب علينا أن نحذر فلا نخلط بين الاتصال الجيولوجي القديم، وبين الاتصال الحديث بواسطة قارة أطلنطس المزعومة.
من المعلوم أن قاع المحيطات ليس أرضاً مستوية. بل فيه المرتفعات والمنخفضات والسهول والجبال. وقد أصبح ثابتاً ان في وسط المحيط الأطلسي جبال طويلة جداً تمتد من شماله إلى جنوبه، وفي بعض الأحيان تظهر طائفة من قمم هذه السلسلة فوق سطح الماء فتتألف منها جزر مثل جزر الأزور. في الشمال وجزيرة الصعود في الوسط. وجزيرة
стр. 2520
(ترستان داكنها) في الجنوب. وفي زعم القائلين بوجود القارة المفقودة أن جزر الأزور هي البقية الباقة منها. وأن الجزء الأوسط من المحيط الأطلسي قليل العمق لأنه هبط حديثاً.
كذلك يشير أصحاب هذا الرأي إلى التشابه العظيم بين السواحل الشرقية والغربية للمحيط الأطلسي، مما يدل على اتصال الساحلين في زمن قديم. وليس من شك في هذا التشابه، لكنه يرجع إلى اتصال في الأزمنة الجيولوجية القديمة. ولا فائدة لأنصار هذا الرأي من الرجوع إلى هذا الدليل الذي لا يفيدهم في قضيتهم شيئاً.
أما الأبحاث الخاصة بقاع المحيط الأطلسي، والتي أريد بها إثبات أن هذا القاع كان إلى وقت قريب بارزاً فوق سطح الماء، فهي على قصورها أقوى البراهين - أو على كل حال أقلها ضعفا - التي يدلي بها القائلون بوجود هذه القارة العظيمة.
وخلاصة هذا الدليل أنه في عام ١٨٩٨ كانت إحدى السفن تبحث عن سلك تلغرافي قد انقطع في وسط المحيط الأطلسي، وفي أثناء بحثها عن هذا السلك كانت تستخرج من قاع البحر قطعاً من الطين والصخر، وقد فحصت هذه المواد فتبين أنها مما تقذفه البراكين الثائرة، وأن هذه الصخور البركانية كانت مادة منصهرة ذائبة ثم تجمدت وكان تجمدها فوق سطح الأرض لا تحت سطح الماء كما هي حالها اليوم. وذلك لأن حمم البراكين (اللافا) إذا تجمدت في الهواء كان لها شكل خلاف شكلها إذا تجمدت في الماء.
والنتيجة التي يراد الوصول إليها من هذا، هي بالطبع أن هذه البراكين هي براكين قارة أطلنطس وأن هذه اللافا قد تجمدت على سطح القارة المفقودة قبل أن تختفي تحت عباب الماء. لكن لابد لنا للوصول إلى هذه النتيجة الخطيرة من أن نثبت أن هذا الجزء من قاع المحيط الأطلسي الذي استخرجت منه هذه المواد قد كان في وقت حديث - أي منذ نحو اثني عشر ألف سنة. بارزاً فوق سطح الأرض.
ولاثبات هذا الأمر يقول بعض الحتاب أنه في نظر كثير من الجيولوجيين لا يمكن اللافا أن تبقى تحت سطح الماء اكثر من ١٥٠٠٠ سنة، لأنها في هذه المدة تتحلل عناصرها تماماً فلا يبقى لها أثر. إذن فاللافا التي استخرجت من قاع المحيط والتي ثبت أنها قد تجمدت فوق سطح الأرض. لابد أن تكون قد غمرتها المياه حديثا ً - أي أن هبوط القاع حدث في وقت حديث لا يتجاوز الخمسة عشر ألف سنة!
стр. 2521
هذه من غير شك أقوى حجة طبيعية يستند إليها القائلون بوجود قارة أطلنطس، ولكنها للأسف لا تخلو من شيء من الضعف. ذلك أنه - على فرض أن ماء البحر يحلل اللافا ويذيب عناصرها في مدة لا تتجاوز الخمسة عسر ألف عام - يجب أن نذكر أن اللافا عادة تتراكم طبقات بعضها فوق بعض، ذات غلظ عظيم. وقد يتحلل الجزء الأعلى ويبقى الجزء الأسفل والذي يليه وهكذا. ولابد لها من مئات أو آلاف الأزمنة التي ذكرت قبلاً - لكي يتم تحللها جميعاً.
فهذه الحجة اذن - وإن لم تخل من قوة - فإنها لا تثبت إثباتاً قاطعاً سوى أن قاع المحيط الأطلسي في بعض جهاته كان يوماً ما قطعة بارزة من اليابس ثم هبط تحت سطح الماء. ولازلنا في حاجة إلى دليل أقوى من هذا يثبت لنا أن هذا الهبوط كان منذ زمن حديث مقدر بعشرة آلاف من السنين.
كذلك التشابه الذي يشاهد اليوم بين أنواع من الحيوان في شرق المحيط وغربه، دليل على وجود قارة أطلنطس، بل على اتصال قديم جداً في أزمنة جيولوجية غابرة، بين طرفي المحيط شرقاً وغرباً.
فالأدلة الطبيعية قليلة الغناء، ولا يبقى بعدها سوى الأدلة البشرية أو الأنثروبولوجية، أي التي تتصل بالإنسان جنساً أو لغة أو ديناً وتقاليد أو ما شابه ذلك.
وتتلخص هذه الأدلة البشرية فيما يأتي:
١ - أنه قد ظهر في أوربا أثناء العصر الحجري القديم جنس
من الناس طوال القامة عظام الهامة حسان الصورة في وقت
لم يكن فيه بأوربا سوى جماعات من جنس ذي صفات منحطة
دنيئة. وقد أطلق العلماء على هذا الجنس العظيم اسم جنس
(كرومانيون) - (نسبة إلى ناحية في فرنسا وجدت بها
هياكل عظيمة كاملة لأفراد من هذا الجنس). ولا يعرف أحد
على وجه التحقيق من أين جاء هذا الجنس، الذي ظهر في
стр. 2522
أوربا فجأة فاحدث في ثقافتها ثورة هائلة.
والآن يريد أصحاب قارة أطلنطس أن يخبرونا أن هذا الجنس إنما جاء من قارتهم المفقودة!
افتراض جميل سيخلصنا من مشكلة عويصة وهي نشأة هذا الجنس الذي لا نعرف تماماً أين نشأ! ولكن هل من العقل أن نتخلص من مشكلة لكي نقع في مشكلة أعظم منها؟
إن القائلين بأن هذا الجنس مصدره القارة المفقودة يزعمون أن هنالك شبهاً بينه وبين جنس قديم منقرض وجدت بقاياه قي البرازيل. وهذا الزعم لو صح لكان من غير شك حجة قوية لا تدحض. ولكن أكثر علماء الأجناس لا يرى مطلقاً وجه شبه بين هذا الجنس البرازيلي القديم الذي وجدت بقاياه في لاجواسانتا وبين جنس (كرومانيون).
٢ - في أوربا شعب اسمه شعب الباسك يعيش على حدود
فرنسا وإسبانيا. في الإقليم الملاصق لخليج غسقونية. هذا
الشعب القديم يعيش شطره في فرنسا وشطره في إسبانيا ويتكلم
لغة ليس لها نظير في لغات العالم كلها. وفي زعم أصحاب
نظرية القارة المفقودة أن الباسك هم بقية الأطلانطيين الذين
هاجروا من قارتهم إلى أوربا قبل الميلاد بعشرة آلاف سنة.
وأن لغتهم تشبه لغات سكان أمريكا الأصليين بينما هي تختلف
عن سائر لغات أوربا.
وهذه الحجة البراقة لا تستند هي أيضاً على أساس متين، لأن لغة الباسك لا تزال عقدة العقد. وقد رأى فقهاء اللغات فيها آراء متناقضة متضاربة، ولم يبلغ العلم في أمرها إلى حل مقبول. وليس القول بأنها تشبه لغات أمريكا بأقوى من الرأي الذي يرى شبهاً بينها وبين لغات البربر في أفريقية ولغة المصريين القدماء.
٣ - أما الأدلة البشرية الأخر التي يوردها أنصار قارة
стр. 2523
أطلنطس، فتنحصر في وجود تشابه حقيقي أو موهوم بين
بعض العقائد الدينية والعادات والتقاليد والآلهة في العالمين
القديم والجديد، ومجرد ذكر هذه الأمور كاف لأن يثبت للقارئ
أن هذه الأدلة ليست بالشيء الذي يسهل الركون اليه، ولا
نستطيع أن نستند إليها في القول بأن تلك الأشياء المشتركة
مصدرها واحد وهو هذه القارة المفقودة، التي انطلق منها
فريق إلى الشرق وآخر إلى الغرب فنشروا آراءهم وعقائدهم
وآ لهتهم في عالمين بينهما الآن آلاف من الأميال.
وهكذا يرى القارئ أن فكرة قارة أطلنطس لا تزال مفتقرة إلى دليل أقوى بما بأيدينا اليوم، ولكنا على كل حال يجب أن نرتاح إلى أن موضوعها أصبح اليوم معرضاً للبحث العلمي بالأساليب العلمية بعد أن كان مجالاً للظن والخيال. ولهذا يسرنا، أن نسمع الخبر الذي رواه أحد الكتاب في عدد الشهر الحالي من مجلة فورتنبتلي من أن بعثة ألمانية قد سافرت حديثاً إلى إقليم جزر الأزور لتفتش في قاع البحر عن أدلة جديدة عن هذه القارة المفقودة.
محمد عوض محمد
стр. 2524
الشعر والفن
يتمتع قليل من الناس بإحساس راق مهذب، ينفعل انفعالا قوياً حينما يشهدون جمال الطبيعة أو يتأملون أسرارها، وهذا الإحساس السامي لا يصلون إليه من كثرة القراءة والاطلاع، ولا من كثرة الحفظ والاستظهار، ولا من تأبط الدواوين والكتب، وإنما يأتيهم من تدريب احساساتهم وتمرينها على التأثر بجمال الطبيعة والتأمل فيما يغمرها من أسرار، ويشرق عليها من نظام، وما يزالون يدربون احساساتهم، ويتعهدونها بالتمرين، وحتى إذا أوفوا من ذلك على الغاية، وضاقت قلوبهم عن حبيس ما يجيش فيها من عواطف وانفعالات، اضطروا اضطراراً إلى إخراج هذا الفيض القلبي متدفقاً في هذه الأنهار الجميلة التي نسميها فناً، من موسيقى ورسم ونحت وعمارة وشعر، وما أشبه قلوب هؤلاء الناس بالبؤرة الصالحة ترد إليها أشعة الاحساسات الصادرة عن صور الطبيعة المختلفة، فتحلل فيها، ثم تنعكس فكراً جميلة، وصوراً بديعة، وسرعان ما يجد الفنان نفسه مضطراً إلى إبرازها وإظهارها لأنه لا يستطيع أن يؤويها في نفسه، ولا يمكنه أن يخفيها في زوايا قلبه، فيقدمها للناس في هذه الثياب الساحرة، ثياب الفن الجميل فتسترعي ألبابهم، وتستهوي أفئدتهم.
والفنون جميعها تعبر عن عواطف مشتركة، وتسعى إلى غاية واحدة هي إظهار ما في الكون من جمال، ولهذه الصلة الواضحة بين أنواعها كان لزاماً على من يخصص نفسه في فرع من فروعها أن يتزود ما أمكن بالفروع الأخرى، وأن يتثقف بها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وقد فقه الغربيون ذلك وعرفوا قيمته فراح شعراؤهم يدرسون الفنون الجميلة، ويمدون شاعريتهم بما يلذ لها من صنوف طعامها، وألوان رحيقها، وبينما هم مجدون في ذلك مبالغون فيه، نجد كثيراً من شعرائنا قد استناموا إلى حياة شعرية غريبة، حياة كلها تقليد وقطيعة للفنون، فهم لا يستمدون غذاء شاعريتهم إلا من فتات مائدة، هي هذه الدواوين الشعرية التي ورثوها عن الأقدمين، يحفظون ألفاظها، ويجودون أساليبها ويبتغون مثلهم العليا في معانيها وصورها، فترى الواحد منهم إذا أراد أن يقول شعراً راجع ما قاله القدماء، والتقط ما نثروه من ألفاظ وأساليب، ونطقوا به من معان وصور، حتى إذا اجتمعت إليه مجموعة لا بأس بها من هذا كله، سلكها في هذه السلاسل التي يسميها أوزاناً شعرية، وقد نشأ عن ذلك أن قل الابتكار في الشعر. وأصبحنا لا نكاد نتأثر أو نحس به لأنه موسيقى متكررة توقع من حين لآخر على نغمة واحدة، وشاعت السرقات الشعرية عن هذه
стр. 2525
الطائفة من الشعراء، فاستباحوا حمى أسلافهم الأقدمين وأغاروا على دواوينهم، واجتلبوا منها سبايا الأساليب والصور، ولكنها سبايا باردة جامدة لا تنبض قلوبها بحرارة ولا بحياة، والشركات كثيراً ما تعقد في هذه السبايا، ولكن الشعر للأسف لا يرج منها إلا ألفاظاً لا غناء فيها ولا قيمة لها ولو كان للشعر العربي حكومة لأخذت على أيدي هؤلاء المتشاعرين الذين لا يقعون منا إلا موقع الضوضاء الممقوتة المنكرة، فحرمت عليهم اجتراح هذا الإثم، أيا كان لونه، وأياً كان شكله، وإذن لاستراح الشعر العربي من عبء ثقيل يتعبه ويشقيه، ويمرضه ويضنيه.
ومما يدعو إلى العجب أن بعض النقاد أخذ يهيب بهؤلاء الشعراء، ويضع أيديهم على ما هم فيه من عيب ونقص، علهم يصلحونه أو يتخلصون منه، ولكنهم يعرضون عنه، ويصرون على ما يجلل آثارهم الشعرية من عيب، وما يسومها من نقص، وتضيع من وقت لآخر هذه الدعوات المخلصة، وتذهب كأنها نفخة في رماد، لا تبعث لهيباً ولا توقد ناراً، أو صحة في صحراء، تضيع في متسع الاجواء، وتفنى في منفسح الآفاق، ولو أنصف هؤلاء الشعراء أنفسهم لأصاخوا إلى هذه الدعوات المباركة واستجابوا إليها، وهل يحسن بهم أن يؤثروا العقم على الإنتاج، أو يستحبوا التقليد على الحرية؟ إنهم لو تدبروا لسارعوا إلى تخليص أنفسهم من ذل الجمود ورق التقليد، ففكوا عن أعناق شعرهم هذه الأفعى التي تحاول أن تخنقه على أن هذه الحياة الجديدة التي نأمل فيهم أن يستبقوا إليها، لن تكلفهم مشقة كبيرة. فان السبيل إليها سهل ميسر، وما عليهم إلا أن يلقوا محبة من نفوسهم على عوالم الفن الأخرى، فيثقفوا بها، ويجدوا في ذلك التثقيف، حتى يدربوا احساساتهم، حاسة حاسة، تدريباً طويلاً، وأكبر ظني أن هذا هو السبيل الواضح الذي يصل بهم على عجل إلى غايتهم المنشودة، ولعل من أمس هذه العوالم الفنية بالشعر، عالم الخطوط والحركة، أو ما يسمونه باسم (الرسم) ففي هذا العالم يستطيع الشاعر أن يمرن احساساته تمريناً تاماً كاملاً على التأثر بجمال الطبيعة والانفعال بمشاهدها الرائعة ومظاهرها الساحرة، ويظن كثير من الناس أن جمال الصورة يتركز في ألوانها وأضوائها، ولو كان الأمر كذلك، لكانت الصورة قليلة الجدوى، والواقع أن جمالها البديع يتركز في الخطوط وحركاتها واتجاهاتها، تلك الخطوط التي تعدل الصورة وتقومها وتنتهي بها إلى
следующие страницы →