← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

هذه من غير شك أقوى حجة طبيعية يستند إليها القائلون بوجود قارة أطلنطس، ولكنها للأسف لا تخلو من شيء من الضعف. ذلك أنه - على فرض أن ماء البحر يحلل اللافا ويذيب عناصرها في مدة لا تتجاوز الخمسة عسر ألف عام - يجب أن نذكر أن اللافا عادة تتراكم طبقات بعضها فوق بعض، ذات غلظ عظيم. وقد يتحلل الجزء الأعلى ويبقى الجزء الأسفل والذي يليه وهكذا. ولابد لها من مئات أو آلاف الأزمنة التي ذكرت قبلاً - لكي يتم تحللها جميعاً. فهذه الحجة اذن - وإن لم تخل من قوة - فإنها لا تثبت إثباتاً قاطعاً سوى أن قاع المحيط الأطلسي في بعض جهاته كان يوماً ما قطعة بارزة من اليابس ثم هبط تحت سطح الماء. ولازلنا في حاجة إلى دليل أقوى من هذا يثبت لنا أن هذا الهبوط كان منذ زمن حديث مقدر بعشرة آلاف من السنين. كذلك التشابه الذي يشاهد اليوم بين أنواع من الحيوان في شرق المحيط وغربه، دليل على وجود قارة أطلنطس، بل على اتصال قديم جداً في أزمنة جيولوجية غابرة، بين طرفي المحيط شرقاً وغرباً. فالأدلة الطبيعية قليلة الغناء، ولا يبقى بعدها سوى الأدلة البشرية أو الأنثروبولوجية، أي التي تتصل بالإنسان جنساً أو لغة أو ديناً وتقاليد أو ما شابه ذلك. وتتلخص هذه الأدلة البشرية فيما يأتي: ١ - أنه قد ظهر في أوربا أثناء العصر الحجري القديم جنس من الناس طوال القامة عظام الهامة حسان الصورة في وقت لم يكن فيه بأوربا سوى جماعات من جنس ذي صفات منحطة دنيئة. وقد أطلق العلماء على هذا الجنس العظيم اسم جنس (كرومانيون) - (نسبة إلى ناحية في فرنسا وجدت بها هياكل عظيمة كاملة لأفراد من هذا الجنس). ولا يعرف أحد على وجه التحقيق من أين جاء هذا الجنس، الذي ظهر في

стр. 2522

أوربا فجأة فاحدث في ثقافتها ثورة هائلة. والآن يريد أصحاب قارة أطلنطس أن يخبرونا أن هذا الجنس إنما جاء من قارتهم المفقودة! افتراض جميل سيخلصنا من مشكلة عويصة وهي نشأة هذا الجنس الذي لا نعرف تماماً أين نشأ! ولكن هل من العقل أن نتخلص من مشكلة لكي نقع في مشكلة أعظم منها؟ إن القائلين بأن هذا الجنس مصدره القارة المفقودة يزعمون أن هنالك شبهاً بينه وبين جنس قديم منقرض وجدت بقاياه قي البرازيل. وهذا الزعم لو صح لكان من غير شك حجة قوية لا تدحض. ولكن أكثر علماء الأجناس لا يرى مطلقاً وجه شبه بين هذا الجنس البرازيلي القديم الذي وجدت بقاياه في لاجواسانتا وبين جنس (كرومانيون). ٢ - في أوربا شعب اسمه شعب الباسك يعيش على حدود فرنسا وإسبانيا. في الإقليم الملاصق لخليج غسقونية. هذا الشعب القديم يعيش شطره في فرنسا وشطره في إسبانيا ويتكلم لغة ليس لها نظير في لغات العالم كلها. وفي زعم أصحاب نظرية القارة المفقودة أن الباسك هم بقية الأطلانطيين الذين هاجروا من قارتهم إلى أوربا قبل الميلاد بعشرة آلاف سنة. وأن لغتهم تشبه لغات سكان أمريكا الأصليين بينما هي تختلف عن سائر لغات أوربا. وهذه الحجة البراقة لا تستند هي أيضاً على أساس متين، لأن لغة الباسك لا تزال عقدة العقد. وقد رأى فقهاء اللغات فيها آراء متناقضة متضاربة، ولم يبلغ العلم في أمرها إلى حل مقبول. وليس القول بأنها تشبه لغات أمريكا بأقوى من الرأي الذي يرى شبهاً بينها وبين لغات البربر في أفريقية ولغة المصريين القدماء. ٣ - أما الأدلة البشرية الأخر التي يوردها أنصار قارة

стр. 2523

أطلنطس، فتنحصر في وجود تشابه حقيقي أو موهوم بين بعض العقائد الدينية والعادات والتقاليد والآلهة في العالمين القديم والجديد، ومجرد ذكر هذه الأمور كاف لأن يثبت للقارئ أن هذه الأدلة ليست بالشيء الذي يسهل الركون اليه، ولا نستطيع أن نستند إليها في القول بأن تلك الأشياء المشتركة مصدرها واحد وهو هذه القارة المفقودة، التي انطلق منها فريق إلى الشرق وآخر إلى الغرب فنشروا آراءهم وعقائدهم وآ لهتهم في عالمين بينهما الآن آلاف من الأميال. وهكذا يرى القارئ أن فكرة قارة أطلنطس لا تزال مفتقرة إلى دليل أقوى بما بأيدينا اليوم، ولكنا على كل حال يجب أن نرتاح إلى أن موضوعها أصبح اليوم معرضاً للبحث العلمي بالأساليب العلمية بعد أن كان مجالاً للظن والخيال. ولهذا يسرنا، أن نسمع الخبر الذي رواه أحد الكتاب في عدد الشهر الحالي من مجلة فورتنبتلي من أن بعثة ألمانية قد سافرت حديثاً إلى إقليم جزر الأزور لتفتش في قاع البحر عن أدلة جديدة عن هذه القارة المفقودة. محمد عوض محمد

стр. 2524

الشعر والفن يتمتع قليل من الناس بإحساس راق مهذب، ينفعل انفعالا قوياً حينما يشهدون جمال الطبيعة أو يتأملون أسرارها، وهذا الإحساس السامي لا يصلون إليه من كثرة القراءة والاطلاع، ولا من كثرة الحفظ والاستظهار، ولا من تأبط الدواوين والكتب، وإنما يأتيهم من تدريب احساساتهم وتمرينها على التأثر بجمال الطبيعة والتأمل فيما يغمرها من أسرار، ويشرق عليها من نظام، وما يزالون يدربون احساساتهم، ويتعهدونها بالتمرين، وحتى إذا أوفوا من ذلك على الغاية، وضاقت قلوبهم عن حبيس ما يجيش فيها من عواطف وانفعالات، اضطروا اضطراراً إلى إخراج هذا الفيض القلبي متدفقاً في هذه الأنهار الجميلة التي نسميها فناً، من موسيقى ورسم ونحت وعمارة وشعر، وما أشبه قلوب هؤلاء الناس بالبؤرة الصالحة ترد إليها أشعة الاحساسات الصادرة عن صور الطبيعة المختلفة، فتحلل فيها، ثم تنعكس فكراً جميلة، وصوراً بديعة، وسرعان ما يجد الفنان نفسه مضطراً إلى إبرازها وإظهارها لأنه لا يستطيع أن يؤويها في نفسه، ولا يمكنه أن يخفيها في زوايا قلبه، فيقدمها للناس في هذه الثياب الساحرة، ثياب الفن الجميل فتسترعي ألبابهم، وتستهوي أفئدتهم. والفنون جميعها تعبر عن عواطف مشتركة، وتسعى إلى غاية واحدة هي إظهار ما في الكون من جمال، ولهذه الصلة الواضحة بين أنواعها كان لزاماً على من يخصص نفسه في فرع من فروعها أن يتزود ما أمكن بالفروع الأخرى، وأن يتثقف بها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وقد فقه الغربيون ذلك وعرفوا قيمته فراح شعراؤهم يدرسون الفنون الجميلة، ويمدون شاعريتهم بما يلذ لها من صنوف طعامها، وألوان رحيقها، وبينما هم مجدون في ذلك مبالغون فيه، نجد كثيراً من شعرائنا قد استناموا إلى حياة شعرية غريبة، حياة كلها تقليد وقطيعة للفنون، فهم لا يستمدون غذاء شاعريتهم إلا من فتات مائدة، هي هذه الدواوين الشعرية التي ورثوها عن الأقدمين، يحفظون ألفاظها، ويجودون أساليبها ويبتغون مثلهم العليا في معانيها وصورها، فترى الواحد منهم إذا أراد أن يقول شعراً راجع ما قاله القدماء، والتقط ما نثروه من ألفاظ وأساليب، ونطقوا به من معان وصور، حتى إذا اجتمعت إليه مجموعة لا بأس بها من هذا كله، سلكها في هذه السلاسل التي يسميها أوزاناً شعرية، وقد نشأ عن ذلك أن قل الابتكار في الشعر. وأصبحنا لا نكاد نتأثر أو نحس به لأنه موسيقى متكررة توقع من حين لآخر على نغمة واحدة، وشاعت السرقات الشعرية عن هذه

стр. 2525

الطائفة من الشعراء، فاستباحوا حمى أسلافهم الأقدمين وأغاروا على دواوينهم، واجتلبوا منها سبايا الأساليب والصور، ولكنها سبايا باردة جامدة لا تنبض قلوبها بحرارة ولا بحياة، والشركات كثيراً ما تعقد في هذه السبايا، ولكن الشعر للأسف لا يرج منها إلا ألفاظاً لا غناء فيها ولا قيمة لها ولو كان للشعر العربي حكومة لأخذت على أيدي هؤلاء المتشاعرين الذين لا يقعون منا إلا موقع الضوضاء الممقوتة المنكرة، فحرمت عليهم اجتراح هذا الإثم، أيا كان لونه، وأياً كان شكله، وإذن لاستراح الشعر العربي من عبء ثقيل يتعبه ويشقيه، ويمرضه ويضنيه. ومما يدعو إلى العجب أن بعض النقاد أخذ يهيب بهؤلاء الشعراء، ويضع أيديهم على ما هم فيه من عيب ونقص، علهم يصلحونه أو يتخلصون منه، ولكنهم يعرضون عنه، ويصرون على ما يجلل آثارهم الشعرية من عيب، وما يسومها من نقص، وتضيع من وقت لآخر هذه الدعوات المخلصة، وتذهب كأنها نفخة في رماد، لا تبعث لهيباً ولا توقد ناراً، أو صحة في صحراء، تضيع في متسع الاجواء، وتفنى في منفسح الآفاق، ولو أنصف هؤلاء الشعراء أنفسهم لأصاخوا إلى هذه الدعوات المباركة واستجابوا إليها، وهل يحسن بهم أن يؤثروا العقم على الإنتاج، أو يستحبوا التقليد على الحرية؟ إنهم لو تدبروا لسارعوا إلى تخليص أنفسهم من ذل الجمود ورق التقليد، ففكوا عن أعناق شعرهم هذه الأفعى التي تحاول أن تخنقه على أن هذه الحياة الجديدة التي نأمل فيهم أن يستبقوا إليها، لن تكلفهم مشقة كبيرة. فان السبيل إليها سهل ميسر، وما عليهم إلا أن يلقوا محبة من نفوسهم على عوالم الفن الأخرى، فيثقفوا بها، ويجدوا في ذلك التثقيف، حتى يدربوا احساساتهم، حاسة حاسة، تدريباً طويلاً، وأكبر ظني أن هذا هو السبيل الواضح الذي يصل بهم على عجل إلى غايتهم المنشودة، ولعل من أمس هذه العوالم الفنية بالشعر، عالم الخطوط والحركة، أو ما يسمونه باسم (الرسم) ففي هذا العالم يستطيع الشاعر أن يمرن احساساته تمريناً تاماً كاملاً على التأثر بجمال الطبيعة والانفعال بمشاهدها الرائعة ومظاهرها الساحرة، ويظن كثير من الناس أن جمال الصورة يتركز في ألوانها وأضوائها، ولو كان الأمر كذلك، لكانت الصورة قليلة الجدوى، والواقع أن جمالها البديع يتركز في الخطوط وحركاتها واتجاهاتها، تلك الخطوط التي تعدل الصورة وتقومها وتنتهي بها إلى

стр. 2526

شكلها الفني الجميل، أما الألوان فهي شيء إضافي يلحق بالخطوط بعد تكونها ووجودها، والشاعر كالمصور لا يختلف عنه في شيء إلا في المادة التي يصور بها، وان في الصورة المجتمعة، وندرة العناصر، وتناسب الجمع، لنوعاً سامياً من القوة الإلهية كما يقول فلوبير، وأهمية الصورة في الشعر ترجع إلى أنه لا يعبر عن الحقيقة كما هي وكما نجد عند النثر، وإنما يتخذ للإفصاح عنها طريقاً آخر، هو تمثيلها وتخييلها، وعرضها في صور خلابة ورسوم ساحرة، وهذا هو الذي حدا باليونان منذ القدم إلى أن يخصوا الشعر ببرهان قائم بنفسه، برهان لا يقوم على اليقين ولا يتخذ مقدماته من المنطق، وإنما يقوم على الإقناع والتمثيل، ويتخذ طريقه من التأثير والتخييل، ونحن نلحظ مع الأسف أن الشعر العربي لا يهتم بالصورة الاهتمام الواجب، وإنما يضع همه كله في الألوان والأضواء، ولا نكاد نجد فيه الخطوط الكثيرة التي تخلق الصورة خلقاً، وتبتكرها ابتكاراً، وتعمر قلبها بالحرارة والحياة، فمعظم شعرائنا يقف همهم من الصورة عند هذا النوع التافه الذي يسمونه مجازاً أو كناية، وما عرفوا أن هذه الأشياء هي أقل أنواع الصور قيمة بل هي في الواقع لا تزيد على أنها طريق من طرق التعبير، أما الصورة الصحيحة فهي أسمى من ذلك وأرفع، ولا بد فيها من تحضير لمواد طويل، وجمع للعناصر كثير. وعلاقة الشعر بالرسم علاقة قوية شديدة، ولكن يظهر أن علاقته بالموسيقى أقوى منها بأي فن آخر، فقد نشآ معاً، ولكن تقدم الفنون فصل بعضهما عن بعض فاستقل كل منهما بوظيفة خاصة، على أن الموسيقى لا تزال تحتل الشعر ولا يزال أثرها واضحاً فيه، والشاعر في الواقع ليس إلا موسيقياً ساحراً يلعب بأنامله على قيثارته الشعرية فيطربنا بأنغامه، ويشجينا بألحانه، ويأخذنا بفيض وحيه وقوة إلهامه. والواجب على شعرائنا أن يدرسوا الموسيقى، وأن يعنوا بدراستها عناية كبيرة، فكثير من الألوان التي يؤديها الشعر ترجع إلى الموسيقى نفسها، ولقد استفاد اليونان قديماً من هذه الدراسة فوجدوا طريق الشعر في العقيدة كلها، بل في الرواية التمثيلية على طولها، واختلاف أشخاصها خلا الشعر الغنائي الذي كان يتخللها، ولقد كان الرومان يفهمون الشعر على أنه غناء أكثر منه شيئا آخر حتى تجوز بعضهم فسمى الشعراء باسم الموسيقيين، ويقول بعض النقاد أن الموسيقى هي سر السحر في الشعر وهي نفس صناعته، وكيفية تأثير الموسيقى الشعرية فينا يختلف فيها النقاد اختلافا

стр. 2527

كثيراً، ومهما يكن فهي تحدث تغيرا في أسلوب الوجدان، وكل نغمة تصلنا منها تؤثر في ادراكنا، وترتفع معها نغمات عاطفية في نفوسنا، ولا ينكر أحد ما لموسيقى الألفاظ من قيمة في الشعر، فهي ذلك الجمال الخفي الذي يستمد من غير المنظور مؤثرات ساحرة بديعة، ولقد كان شاكسبير يعنى بها عناية فائقة، حتى قيل انه يحب الألفاظ من أجل الألفاظ، لكن ينبغي أن ننبه إلى أن موسيقى كل لفظة موجودة معها في اللغة قبل وجود الشاعر، ولكن لا ننس أنه هو الذي يختار الألفاظ، ينتقيها ويجمعها في سلك واحد فلا نحس تنافراً ولا شذوذاً، وإنما نجد جمال التناسب والتوافق يتجلى فوقها ساحراً بديعاً، واللغات نفسها تهتم بموسيقى الألفاظ، ويتضح هذا في اللغة العربية في ألفاظ الاستغاثة والندبة والتعجب فان قدماءنا قلبوا ياء المتكلم التي تنتهي بها ألفاً حتى يشبعوا النغمة في هذه الألفاظ ويستتموا بها التأثير في الوجدان، وقد زادوا في ذلك فجعلوا لبعضها حرف نداء مخصوصاً هو (وا) ليزيدها قوة في الصورة، ويتناسب مع شدتها في المنطق، وهم قد فعلوا هذا كله ليدلوا على الانفعال الوجداني ويكون التأثير في قلب السامع أوفى وأقوى. وليس من شك في أن تتابع المقاطع والأصوات وصور النبرات يجعل العقل مستعداً لنغمة خاصة، وينقل القلب إلى حالات وجدانية متماثلة، ويتبين هذا في أننا نصبح بعد قراءة بيت أو بيتين من الشعر مهيئين لسماع ما يوافق هذه الحالات الوجدانية التي هيجتها فينا الأصوات والنبرات الأولى، فإذا فوجئنا بمقاطع ونغمات جديدة أحسسنا بالفرق الظاهر والانتقال الواضح، على أننا يجب ألا نبالغ في ذلك، فان التأثير الذي يفد إلينا من الشعر لا يأتي من الضغط والمقاطع وتشديد الصوت وقوته، نعم تؤثر فينا هذه الأشياء تأثيرات مختلفة، ولكن هذه التأثيرات ليست كل شيء في الشعر فان قراءة الشعر ليست نغماً خالصاً، ولا شكلاً غنائياً تاماً. شوقي ضيف بكلية الآداب

стр. 2528

التفاؤل والتشاؤم وهل لهما أسباب تاريخية بعض غرائب الخرافات عند الغربيين والشرقيين - ٢ - نباح الكلب في الليل من الخرافات الفاشية عند أكثر الأمم وبين الفلاحين عندنا، التشاؤم من إهلال الكلب، أي الصياح بين الأنين والنباح الغير العادي في الليل، ويسميه أهل الشام (العواء المقلوب) وفيه يقف الكلب وقفة منكرة ينظر فيها إلى القمر، ويشرع في عوائه الغريب الذي يكاد يقرب من عواء الذئب، فيظن من يراه على هذه الحالة أنه يدعو على أحد، ويناجي القمر لعله يساعده على جعل هذه الدعوة مستجابة، فيتشاءمون من هذا الصوت ويقولون أنه نذير شؤم يقع منه موت لأحد الناس. وأسلافنا المصريون هم في الأغلب الأصل في هذه الخرافة، فقد كانوا يؤمنون أن عزرائيل يتشكل في شكل ابن آوى، وكانوا يرسمونه في حفلات الجنازة والموت والحساب، وابن آوى يشبه الكلب كثيراً في هيئته، وربما كان له وللكلب قديماً اسم واحد، أو ربما كان الاعتقاد سائداً بأن الكلب يتلاقح مع ابن آوى، فلما زالت عقائد المصريين من الناحية الدينية الرسمية بقيت بين الفلاحين وانتشرت بين عامة الأمم الأخرى. وربما يرجع هذا التشاؤم إلى الاعتقاد بأصل النجاسة التي يوسم بها الكلب عند العرب، ولكن يجب ألا نبالغ في الاعتقاد بنجاسة الكلب فان من العرب من كان يجله ويرعاه، ويعرف له فضله في الأمانة والحرص على مصالح مولاه. وقد قال كتاب (فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب)، تصنيف الإمام أبي بكر بن خلف المرزبان في سنة ٣٨١ هجرية: (والكلب أيدك الله منافعه كثيرة فاضلة على مضاره بل هي غامرة لها وغالبة عليها. ولم تزل القضاة والفقهاء والعباد والولاة والنساك الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا ينكرون اتخاذها في دورهم، وهم مع ذلك يشاهدونها في دور الملوك. فلو علموا أن ذلك يكره لتكلموا ونهوا عن اتخاذها. بل عندهم أنهم إذا قتلوا الكلب كان فيه عقوبة.)

стр. 2529

وعلى هذا النسق مضى المؤلف يعدد فضائل الكلال، وأتى في الكتاب بطائفة من الأقوال البارعة والأبيات اللطيفة التي قيلت في الكلاب ومنها يتبين للقارئ نظر العرب لهذا الحيوان. القط يتشاءم بعض الناس بأن القط الأسود مجلبة للشر وطالع نحس وعنوان كل كارثة مقبلة. . . ويتطير الغربيون بالقط الأسود إذا عبر طريقهم. وكان الإنجليز حتى عهد قريب يحتفلون سنوياً بمدينة (شرفتيد) بالإتيان بقطة سوداء، رمز الظلام، ويضربونها بالسوط حتى تموت. وربما يرجع هذا التشاؤم إلى سواده، والسواد رمز للحزن أو ربما يرجح إلى عقائد قديمة كانت شائعة عند القدماء بشأن سواد القط. ولا يزال الايطاليون والهنغاريون يعتقدون بان القطة التي تنب فوق سطوح المنازل لابد أن تكون قد تقمصتها روح ساحرة شريرة. والبراهمة على العموم يعتقدون بحلول أرواح البشر في القطط. وذلك أيضاً هو اعتقاد أهل السيام الذين يقدمون للقطط على سبيل الهدية أقفاصاً من ذهب يضعونها في المعابد، وقد شوهدت قطة سوداء في موكب الاحتفال بتتويج ملك سيام في سنة ١٩٢٦. وكثيراً ما كانت القطة في القرون الوسطى سبباً في قتل صاحبتها من العجائز لاتهامها بالسحر وكانت القطة تعتبر دليلاً على ممارسة العجوز لهذا (الفن الأسود) في الخفاء لمساعدة الأرواح العديدة التي تسكن جسم القطة. ومن الخرافات المصرية التي شاعت في العالم أن للقطط سبع أرواح أو تسعاً. وقد يعزى إلى هذه الخرافة بعض القسوة في معاملة القط، ولكن أصلها يرجع إلى حرمة القط بل إلى تقديسه، فقد كان قدماء المصريين يقدسون هذا الحيوان ويحنطون جسمه ويشيدون له المقابر، وكانت (بشط) ربة مصرية لها رأس قطة، وكان المصريون يعتقدون أن لها تسع أرواح. وذكر المؤرخ اليوناني (هرا بللون) أن الإغريق كانوا يصنعون تماثيل القطط بمعبد الشمس بمدينة هليوبوليس، لأن عين هذا الحيوان تتبع الشمس في انتقالها في الأفق وقد عثر المنقبون في سنة ١٨٩٠ على مقبرة كبيرة بجهة بني حسن موجودة بها جثث القطط

стр. 2530

المحنطة موضوعة في صفوف منظمة، ولسوء الحظ أن الفلاحين تشاءموا من وجودها فأحرقوها. وبدأ الناس في فجر المسيحية يمقتون آلهة الأقدمين فاعتبروا القطة رمزاً للشيطان ومجلبة للشر. قتل الثعبان من أغرب العادات عند بعض سكان مصر أنه لا يرضى بقتل ثعبان البيت ويتشاءم من هذه الفعلة إذا حدثت، وقد كان الثعبان مؤلهاً عند أسلافنا. فالحرمة التي يحوطه به بعضنا الآن هي في الحقيقة حرمة دينية نسينا أصلها وغايتها وبقي رسمها. نعل الفرس يتفاءل الناس بنعل الفرس ويعلقونها على الحوانيت وأبواب المنازل لتجلب السعد لساكنيها. ومن وجد نعلاً في الطريق عد ذلك حظاً حسناً يستأنس به طول يومه بل طول عامه. وأصل هذا الاعتقاد، أن نعل الفرس كانت في الزمن القديم رمز الربة (عشتروت) فكان كل نم بجد نعلاً يتفاءل بها كأن الربة عد أهدتها إليه، وربما يرجع أيضاً إلى أنها تشبه الهلال. ونعل الفرس حديثة العهد في التاريخ لأنه لا يمكن أن يعدو تاريخ الحديد المصنوع منه. والحديد لم يعرف إلا منذ ثلاثة آلاف سنة. ولذلك قد يتوهم الإنسان أن الاعتقاد في حسن الحظ من النعال هو من مبتكرات المتمدينين الذين عرفوا الحديد، وأن المتوحشين لا علاقة لهم بهذا الاعتقاد، ولكن الحقيقة أن هذه الخرافة آتية من المتوحشين نزلت منهم إلى المتمدينين. فنعل الفرس تشبه الهلال الجديد. والمرجح أن الإنسان كان يصنع هلالاً من خشب أو عظم للتيمن، فلما ظهر الحديد صار يصنعه من الحديد. ثم لما عرف نعال الخيل استغنى بها الإنسان عن الأهلة القديمة وصار يعلقها على الأبواب والحوانيت بدلاً منها، للمشابهة، وبدلاً من أن يرسم الهلال. والأوربيون يتفاءلون بها مثلنا ويتعلقون بهذه العادة أكثر منا. إبراهيم تادرس بشاي يتبع

стр. 2531

المعتصم بن صمادح على فراش الموت للدكتور عبد الوهاب عزام الأندلس في أمر مريج، زال عنها سلطان الخلافة فاضطربت، وفقدت رواسيها من بني أمية فمادت. وأصبحت كرقعة الشطرنج يتغالب الملوك على كل بيت فيها. كل قوي يحوز ما وسع حوله وهمته، والعيش غلاب. (والبر أوسع والدنيا لمن غلبا). في هذا المعترك ملك محمد بن أحمد بن صمادح التجيبي (مدينة (وشقة) وملك بنو عمه مدينة (سرقسطة). ثم غلبوه على مدينته. ثم ملك ابنه معن بن محمد مدينة (المرية) غصبها من عبد العزيز بن أبي عامر. وخلفه ابنه أبو يحيى المعتصم بالله وهو في سن الرابعة عشرة. نشأ في ملك ضيق الرقعة، فاستعاض منه سعة الخلق وبعد الهمة، وحلية العلم والادب، والسخاء الشامل، والجود العمم، حتى طاول المعتمد بن عباد كبير ملوك الطوائف ونافسه، وحتى قال أمير المسلمين يوسف بن تاشفين حينما لقيهما بالأندلس (هذان رجلا هذه الجزيرة). قال ابن خلكان: (وكان رحب الفناء، جزيل العطاء، حليماً عن الدماء، طافت به الآمال، واتسع في مدحه المقال، وأعملت إلى حضرته الرحال، ولزمه جماعة من فحول الشعراء) وقال الفتح بن خاقان: (ملك أقام سوق المعارف على ساقها، وأبدع في انتظام مجالسها واتسقها، وأوضح رسمها، وأثبت في جبين أيامه وسمها. لم تخل أيامه من مناظرة، ولا عمرت إلا بمذاكرة أو محاضرة. . . وكانت دولته مشرعاً للكرم، ومطلعاً لهمم، فلاحت بها شموس، وارتاحت فيها نفوس. ونفقت فيها أقلام الأعلام، وتدفقت بحار الكلام، كإجادة ابن عمار وإبداعه، في قوله معتذراً من وداعه. أمعتصماً بالله والحرب ترتمي … بأبطالها والخيل بالخيل تلتقي دعتني المطايا للرحيل وإنني … لأفرق من ذكر النوى والتفرق وإني إذا غربت عنك فإنما … جبينك شمس والمرية مشرقي وكان المعتصم، كالمعتمد بن عباد، شاعراً مجيداً: كتب إلى الوزير الشاعر بن عمار؛

стр. 2532

وزهدني في الناس معرفتي بهم … وطول اختباري صاحباً بعد صاحب فلم ترني الأيام خلاً تسرني … مباديه إلا ساءني في العواقب ولا قلت أرجوه لدفع ملمة … من الدهر إلا كان إحدى المصائب طوى الأمير أربعين عاماً في إمارته، شاع فيها ذكره ونبه اسمه، وحلب الدهر أشطره، ورأى أحداثه وعبره. ثم حم القضاء وبعث ابن تاشفين جنوده على ملوك الطوائف تثل عروشهم، وتعفي على آثارهم. ولقي (رجلا الجزيرة) الصدمات الأولى فدارت على المعتمد الدائرات، فإذا هو أسير أغمات، وللمعتمد بن عباد قصة ملؤها العبرات والزفرات. وعلم ابن حماد بما أصاب صاحبه فملكه الغم، وناء به الحزن، وكان أسعد من صاحبه جداً، نجاه الموت من الإسار، وأنقذه الحمام من المذلة: رب عيش أخف منه الحمام. ولله ابن بسام حين يقول: (وكان بين المعتصم وبين الله سريرة أسلفت له عند الحمام يدا مشكورة. فمات وليس بينه وبين حلول الفاقرة به إلا أيام يسيرة، وفي سلطانه وبلده، وبين أهله وولده). دع ما نمق الكتاب، وأنشد الشعراء، ودع أربعين طواها الزمان كأنها أحلام، وانظر المعتصم ليلة الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة - الليلة التي طلع عليه بالردى فجرها - هاهو ذا على فراش الموت في قصره بالمرية، ومعسكر ابن تاشفين على مقربة من المدينة ترى خيامه، وتسمع ضوضاءه. ويسمع المعتصم وجبة من الجيش اللجب، والجند المصطخب، فيقول كأن لم ينعم بالملك والجاه أربعين عاماً! لا إله إلا الله! نغص عليها كل شيء حتى الموت، قالت (أروى) إحدى جواريه: (فدمعت عيني، فلا أنسى طرفاً إلي يرفعه، وإنشاده لي بصوت لا أكاد أسمعه) (ترفق بدمعك لا تفنه … فبين يديك بكاء طويل) عبد الوهاب عزام

стр. 2533

الحرص على الحياة للعلامة الأمير مصطفى الشهابي عضو المجمع العلمي العربي بدمشق لكم تساءل الإنسان عن هذه الحياة ومعناها، ومبدأها ومنتهاها، ولكم أجهد نفسه بلا جدوى للحصول على جواب مقنع تسكن إليه نفسه الكليمة من أحاجي هذا الكون. وهو بين الأزل والأبد يمر في هذه الحياة الدنيا كأسرع من إيماضة كهربائية تطوي الأرض في أقل من ثانية!. ما هي هذه الحياة الكامنة في جنين بزور النبات، وكيف تحتفظ بعض البزور المجففة بخاصة (الانتاش) عشرات من السنين، حتىإذا زرعت وابتلت دبت فيها الحياة فضربت (نتشها) عن الأرض وأبرزت سداها فوق التراب يتلمس الشمس والهواء وهو أحرص على الحياة من الشيخ الفاني والهم البالي. وراقب جذور هذه النبتة كيف تخترق ذرات التراب وتتغلغل فيها سعياً وراء الماء اللاصق بها حيث تجد غذاءها مذاباً صالحاً لامتصاص. والغريب أنك كيفما أدرت ذلك الماء دارت الجذور معه وسعت إليه كأنها تدرك أن لا حياة لها إلا به. وإذا ما وضعت حاجزا معدنيا بينها وبين ذرات التراب المبتلة دارت حوله حتى تتخطاه، وان أعياها الأمر أرزت حوامض تذيبه، حتى إذا ثقبته دخلت في الثقب كما يفعل الكماة عندما يخرقون سور المدينة الحصينة، ويدخلون من الخرق فيستولون عليها وينعمون بها. وانظر إلى الأزهار الموضوعة في نافذة غرفتك كيف تميل إلى الخارج تستقبل الضياء حتى لكأنها تفر من الظلام إلى النور. والحظ الأشجار المغروسة بجانب أحد الجدران كيف تبتعد عنه بأغصانها النوامي فتبدو عريانة فيما يليه كان قضبانها اللدنة لا تلتذ برغد العيش إلا حيث يتماوج النور ويتلاعب الهواء. وهذه زهرة تدور مع الشمس من مبزغها إلى مغربها حتى سموها عبادة الشمس. وتلك ورقة مركبة تفتح وريقاتها في النهار وتضمها في الليل مرتقبة شروق الشمس في اليوم التالي وهي أحرص ما تكون على الانتفاع من شعاعها المتناثر. واعجب لتلك النبتة الحساسة التي يسمونها (مستحية)، وخجولة إذ تنطبق

стр. 2534

أوراقها عندما يمسها الإنسان، وتنكمش أغصانها وتتدانى كأنها تشعر بالخطر المحدق بها فتبتعد عنه، وكأنها تستعد لمغالبة ذاك الذي جاء ينتزع منها الحياة. وأغرب منها قواتل الحشرات التي تنطبق أزهارها على الذباب فتميته وتعصره وتغتذي بعصارته بعد أن تحتال عليه بشتى الحيل لئلا يفلت منها فيفوتها رزقها وتفوتها الحياة. أما الحشرات فلها أفانين وأعاجيب في التشبث بالحياة والتعلق بها ولا سيما بواسطة أنسالها. والذي يتاح له أن يربي مثلي بعض أنواعها ويتابع سير حياتها بالمجهر أو بالعين أو بالعدسات يذهل من أساليب التلاقح والتسافد بين الذكر والأنثى ومن ضروب الحيل والقسوة التي ربما أدت بأحدهما إلى الهلاك في سبيل حفظ النسل وضمانة بقاء النوع حياً. وما من أحد إلا وله معرفة بخلية النحل ويعسو بها، وقرية النمل وأنابيرها، وخيوط العناكب ومصايدها، دع الحيوانات العليا وما تفتقه قرائحها من ضروب الحيل إما في اتقاء عدو أو تلمس قوت أو إخلاف نسل. والنتيجة في كل ذلك واحدة وهي بقاء أنواع ببقاء الحياة فيه. لكن ابن آدم الذي سمت مداركه، كيف تلذ له الحياة على ما فيها من شرور وآثام وآلام مبرحة، ولماذا ترتعد فرائصه من الموت، ويقف شعره لشدة فزعه منه؛ وما هذه الشهوة الشديدة التي تدفعه إلى الأنسال، وتلك العاطفة الغريزية التي تجشمه أشد المتاعب وأضناها في تربية الأبناء وإعدادهم للحياة. تخر كل هذه الأسئلة في خاطر الإنسان فلا يحير لها جواباً لأنه لا يفقه شيئاً عن ماهية الحياة ولا عن الغاية نمها. وإذا بأصحاب مذهب العدم أي العدميين ينتصبون قائلين: أما والحياة ليست سوى مجموعة من الآلام التي لا حد لها ولا نهاية، فما علينا إلا أن نقضي عليها بقتل كل حي على هذه الكرة الأرضية الحمقاء. فيضحك العالم من هذا الرأي ويجيب: هبوا الناس قبلوا رأيكم هذا وعملوا به، فماذا يحصل بعد أن تفقد الحياة على هذه الكرة؟ هل تظل الأرض خالية من الأحياء، تدور أن يدرك أحد دورانها، ويتعاقب الليل والنهار دون أن يحص أحد تعاقبهما؟ هذا ما لا يقبله العقل السليم. والراجح أن العلة التي أوجدت الحياة ستعيدها سيرتها الأولى مهما تعددت آراء الصحاب الأديان والمذاهب والفلسفات المختلفة والعقائد المناقضة والعلوم الحياتية المحدودة في تفسير هذه العلة وفي تحديد ماهيتها. وعندئذ تعود الحياة إلى ما كانت عليهن ويعود الأحياء إلى

стр. 2535

التكاثر والتنوع والتناحر والتفاني وتكون نتيجة العمل برأي العدميين وقف الحياة بضعة ملايين من السنين، وهي بعد لا تعد شيئاً مذكوراً في هذه الدهور الأبدية، والكائنات السرمدية. مسكين أنت أنها الإنسان! ما أشقاك بهذه الحياة! عقل قاصر وجد عاثر، وإدراك بسيط، وحواس محدودة. تأتي إلى هذه الحياة وأنفك راغم، فتعيش بأوهامك وأخيلتك الشعرية التي لا ظل للحقيقة فيها، ثم تجالد وتكافح وتتألم وتشقى وتتوهم السعادة أحياناً، لكنك سرعان ما تهلك مقهوراً مدحوراً، فلئن كانت لك أمنية في حياتك هذه فأجلها أن يسمو العقل البشري حتى يصير قادراً على اكتناه أحاجي هذا الكون الغامض.

стр. 2536

من طرائف الشعر شوقية لم تنشر نظمها شاعر الخلود شوقي بك في الطلاب المصريين الذين يتعلمون في أوربا قف حيّ شبان الحمى … قبل الرحيل بقافيه عوْدتهم أمثالها … في الصالحات الباقيه من كل ذات إشارة … ليست عليهم خافيه قل يا شباب نصيحةً … مما يزوّد غاليه هل راعكم أن المدا … رس في الكنانة خاويه هجرت فكل خليَّة … من كل شهد خاليه وتعطلت هالاتها … منكم وكانت حاليه غدت السياسة وهي آ … مرة عليها ناهيه فهجرتمو الوطن العز … يز إلى البلاد القاصيه أنتم غداً في عالم … هو والحضارة ناحيه واريت فيه شبيبتي … وقضيت فيه ثمانيه ما كنت ذا القلب الغلي … ظ ولا الطباع الجافيه سيروا به تتعلَّموا … سرّ الحياة العاليه وتأملوا البنيان وادّ … كروا الجهود البانيه ذوقوا الثمار جنية … ورِدوا المناهل صافيه واقضوا الشباب فان سا … عته القصيرة فانيه والله لا حرج علي … كم في حديث الغانيه أو في اشتهاء السحر من … لحظ العيون الساجيه أو في المسارح فهي بالن … فس الطيفة راقيه

стр. 2537

المحزون!! لشاعر سورية الأستاذ خليل مردم بك أعِن اللهم من صوّ … رته من حَزَن ألف الحزنَ فلو فا … رقه الحزنُ بكاه وجفا اللهو فلو وا … صله اللهو شكاه نفسه ليس لها غي … ر الأسى من سكن الأسى في مقلتيه … قد محا كل ضياء جاعل في مسمعيه … كل صوت كالبكاء إن ما يبصر أو يس … مع داعي الشجن درج الطفل إليه … ضاحكاً مستبشرا ناشراً كلتا يديه … كالمصلي كبرا أو كطيرٍ همَّ بالاس … فاف عن غُصن ضمه المحزون لا يم … لك رد العبراتِ ذاكراً يوماً وإن طا … ل التراخي فهو آت تصدع الشمل به جو … راً صروف الزمن لو تراه والتي ها … م بها عند التلاقي خلْته يلفظ روحاً … بلغت منه التراقي مغمض الجفنين للغص … ة لا للوسن قال: لا آسى إذا لا … قيت يوماً مصرعي إنما أخشى على حبي … أن يودِي معي فاحفظ اللهم هذا ال … حب واحرس وصُن وإذا قبلي ماتت … ما عساني أصنع هل يؤدي حق حزني … أن بفيض الأدمع لا وربي دون أن نم … سي معاً في كفن ورأى الظالم لا ير … قب في المظلوم ذِمه

стр. 2538

فبكى حزناً لمن عُرَّ … ي من عدل ورحمه وعلى من بشديد ال … جور والظلم مُني قال: يا ذا المال ما في ال … مال لي من مطمع أي شيء هو أغلى … من لآلي الأدمع هل رأت عيناك دراً … غيرها في الأعين؟ فأنا أملك منها … ثروة لا تنفد وأنا، إلا بها في … كل مال أزهد وحدها كم كشفت … عني ظلال المحن لا ترد مني شعراً … ولو أن الشعر سحر كلما أنشدت شطراً … فاض من روحي شطر يا لروح بين أبيا … ت له مرتهن نبذ الأديان يعتد … بها كل غبي وجفا الإسلام لو لم … يك دين العرب فهمو لو عبدوا الأو … ثان أمسى وثني ما أحب العرب إلا … منذ لاقوا المحنا فهم قد زرعوا … لكن سواهم قد جنى كم لقوا سوءاً بصنع … قدموه حسن ضاق بالأحزان ذرعاً … فانتحى الروض النضير يتغنى بنشيد … مثل أسجاع الطيور نفسه قد نشزت مَعْ … هـ ولما تنثن وهزار مع ورقا … ء عليه عكفا قال للورقاء ما با … ل أخي البلوى غفا؟ قالت الورقاء بل ير … حمه الله فنى!

стр. 2539

السكك الحديدية تحت الأرض للأستاذ فخري أبو السعود خَلَصْت من زحمة الدنيا وضجتها … إلى طرائق تحت الأرض تنسرب جَرتْ مفاوزها في كل ناحية … فلم تزل تتلاقى ثم تنشعُب ظلماء جونٌ كأحجار الأراقم قد … مدُّوا لها سببا في إثره سبب تجري بها مركباتٌ ما يزال لها … تحت الثرى والدياجي مسلك عجبُ سَرَى بها دافع للكهرباء فلم … تَقذفْ دخاناً ولم يزفر بها لهب شتيمةَ الوجه إذ تنسل ساربة … مثل الثعابين في أنيابها العطبُ ترى على سَفَر طوّل المَدَى فإذا … حُوَاتها صَفَروا سالت بها القضب إن يبتغوا انطلقت أو يبتغوا وقفت … لم تشكُ أنْياً ولم يعلق بها لغبُ تظل ذاهبة منهم وآيبة … تمضي مولولةً صْخبى وتنقلبُ يرمي بها نفقٌ داج إلى نفق … وينطوي سَرَبٌ من بعده سرب كأنما هي سعلاة بها كلَبٌ … أو أنها طالب قد شفَّه الطلبُ تجري النهارَ وما تدري له وَضَحاً … ودَاجَى الليل لا تبدُو له شهبُ تظل تقطع أنحاء المدينة لم … يشعر على الأرض من جاءوا ومن ذهبوا وتنثني في الدياجي غير حافلة … بمن مَشَوْا في ضياء الشمس أو ركبوا فكلُّ نَهْجٍ لها أنى مَضَتْ جَدَدٌ … وكل قاصٍ إذا رَامَتْهُ مقترب -

стр. 2540

إلى شباب العيد للأستاذ محمود الخفيف جددوا العزم فالزمان أهابا … وخذوا الحذر واستحثوا الوكابا ألبسوا العيد روقة وجلالا … قد ظمأنا إليهما أحقابا واملأوا مهرجانكم كبرياء … وطموحاً وعزة وغِلابا وانشدوا المجد بكرة وأصيلا … وذكروا مصر جيئة وذهابا وابعثوا في البلاد صوتاً قويا … فستلقون صوتكم مستجابا وأفيضوا من الحماس علينا … فسينصب في القلوب انصبابا وانظموا العزم والوفاء كتابا … وانشروا في الجموع ذاك الكتابا واتركوا الكيد والخصام لقوم … لا يرون الجهاد الا سبابا أيها المنكر الحياة غلينا … أقصر اللوم هل رأيت الشبابا؟ انظر اليوم كيف قاموا بأمر … يملأ الشرق كله إعجابا! رأوا النيل راسفاً في قيود … صاغها الجور تستذل الرقابا جنة الأرض أصبحت نهب قوم … أخذوا الشرق عنوة وانتهابا يشرب الرَّنق أهلها في هوان … ويبيتون في حماها سغابا يمرح الطامعون فيها اختيالا … ويقاسي الأحرار فيها اغترابا فأبت نخوة الشباب عليهم … أن يناموا ومصر تلقى العذابا فسعوا للكفاح سعياً حثيثا … أرأيت الشبول هبت غضابا؟ نَضَّرَ الله وجه مصر بقوم … مسحوا عن جبين مصر الترابا أجمعوا أمرهم وساروا جموعا … يتخطون بالثبات الصعابا لهم المجد تالدا وطريفا … والمعالي وراثة واكتسابا كل يوم لهم بمصر نداء … ولهم عزمة تذيب الصلابا اسألوا مصر عنهمو يوم قاموا … لا يخافون بطشة أو عقابا يرفعون اللواء صفاً ويمشو … ن سهاماً إلى الردى أسرابا زمر تبدل النفوس وتحدو … ضاحكات لدى المنون طرابا!

стр. 2541

كتبوا صفحة العزاء لمصر … بدم كان كالعباب انسيابا يا شبول العرين في مصر هيا … أبعدوا عن ربوع مصر الذئابا لست أدعوكمو لكيد ولكن … أبتغي الرشد عندكم والصوابا نافسوا الطامعين بالجد وامضوا … قد كفانا تصايحاً واعتصابا لا تقولوا ضيوفنا بعد هذا … أسمعتم عواءهم والسبابا؟ نحن أولى إذا أردتم ملاما … فاصرفوا اللوم عنهمو والعتابا وأهيبوا بقومكم أن أفيقوا … إن للمحسنين منكم ثوابا قد سئمنا تردداً ونكولا … وخنوعاً وغفلة وارتيابا سبل العيش مهدوها وسيروا … في حمى النيل جحفلاً غلابا أنتم اليوم للبلاد عتاد … وغدا سوف تدركون الطلابا

стр. 2542

الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية - السلم الموسيقي - - ٢ - هل توجد حقاً فروق بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية؟ يقول الموسيقيون الغربيون بوجود هذه الفروق ظاهرة واضحة لا سبيل إلى إنكارها أو الشك فيها، ويؤمن الموسيقيون الشرقيون بهذا الرأي، ويذهبون إلى أبعد حدود الفكر، ثم تقوم القائمة بين مفكريهم، في هل تظل هذه الفروق على ما هي عليه أبداً، أم نقرب بينهما لفائدة الموسيقى الشرقية ونهضتها. ولكل رأي أنصاره ولكل رأي الداعون إليه بقوة وإيمان. أما من أين نشأ هذا الخلاف، وهل كان منذ أن عرف العالم شيئا اسمه موسيقى، أم أنها كانت واحدة في بدئها ثم انقسمت إلى فرق وشيع باختلاف أذواق من اشتغلوا بها والمؤثرات التي أحاطت بهم. للجواب على هذا السؤال يلزمنا أن نمهد له بذكر شيء يسير من تاريخ الموسيقى ونشأتها وتطورها والنواحي التي اتجهت إليها. يقول التاريخ إن أقدم حضارة عرفها العالم هي في الأمة المصرية القديمة، وان أقدم موسيقى عرفها التاريخ هي موسيقى قدماء المصريين. لا يخالفنا في ذلكم مخالف، غير أن بعض من بحثوا في تاريخ الموسيقى من الغربيين يميلون إلى نسبة الموسيقى القديمة إلى فلاسفة الإغريق، وأنهم أول من وضعوا قواعدها وأصولها، ولعل في ذلك روحاً من تعصبهم في البحث وعدم إيرادهم الحقيقة في كثير منها ما دام الفضل سيعود من ورائها إلى الشرق وأهله. أم لعل ذلك راجع إلى أن أقدم ما عثروا عليه من كتب الموسيقى، هو لفلاسفة اليونان القدماء. ومما لا شك فيه أن الموسيقى كانت تدرس عند قدماء المصريين وكانت لها قواعدها وآدابها، ففي الحروب كانت تذكي نيران الإقدام والبسالة، وفي المعابد كانت تبعث الخشوع والإيمان، وفي قصور الملوك وفي دور النبلاء كان للموسيقى المكان الأسمى. ذلك ما تدلنا عليه آثارهم المحفورة في المعابد والهياكل والقبور. وأقدم الآلات التي عرفها التاريخ هي الناي والمزمار واللير وهي من صنع قدماء المصريين. ويقول هيرودتس المؤرخ القديم. . إن أعظم الاحتفالات المصرية، الاحتفال بعيد الإله أزوريس، فكان الكهان

стр. 2543

يحملون تماثيل الإله من الذهب الخالص، وفريق منهم ينشد الأغاني الدينية وفريق منهم يعزف على الناي. وأخذ بنو إسرائيل الموسيقى عن المصريين، ونبغ منهم أفراد، وفي أقاصيصهم عن سحر مزمار داود وأثره في الطير والحيوان الكثير. وعند خروجهم من مصر نشروا في مختلف البطاح والوديان ما عرفوه من العلوم الموسيقية، ولعل أقدم نشيد عرفه التاريخ هو نشيد مبيريام الذي أنشد عند عبورهم البحر الأحمر. وأخذ الإغريق الموسيقى وأصولها عن المصريين والعبرانيين، وتدرجت الموسيقى في الغرب من المعابد إلى قصور الخاصة ثم إلى المحافل العامة وتطورت بتطور المجتمع الغربي وتأثرت بما تأثر به من مختلف التأثيرات. وانتشرت في الشرق من بلاد الفرس إلى العرب إلى ما يجاورها من بلاد الشرق وتأثرت بما تأثر به المجتمع الشرقي من عادات وأخلاق وطبائع، وعرفنا نحن من هذا أن أصل الموسيقى في العالم واحد وأنها كانت في بدايتها ولا اختلاف فيها ولا تقاسيم. ولنتكلم الآن عن أول تقسيم للسلم الموسيقي عرف في التاريخ وهو المسمى سلم فيثاغورس وتقسيمه كما يلي من اليسار إلى اليمين دوسلاصول فا ميريدو ــــ ـــــــــ ـــــــــــــــــــــ ليما مسافة كبيرة مسافة كبيرةمسافة كبيرة ليما مسافة كبيرةمسافة كبيرة أي أنه مقسم إلى مسافتين صوتيتين كاملتين ثم نصف مسافة صوتية ناقصة ثم ثلاث مسافات صوتيات كاملات ثم ليما. وهذا السلم يكاد يقابل سلماً شرقياً لنغمة (عجم عشيران) من حيث نسب المسافات الموجودة بين مقاماته وترتيبها كما يلي من اليسار إلى اليمين تصاعدياً: عجم. . . حسيني. . . نواه. . . جهاركاه. . . كرد. . . دوكاه. . . راست. . . عجم عشيران وهذا ما يطلق عليه بالاصطلاح العربي الحديث اسم السلم الكبير وأول سلم شرقي عرف هو السلم الفارسي العام وترتيب درجاته كما يلي: هفتاه. . . ششكاه. . . بنجكاه. . . جهاركاه. . . سيكاه. . . دوكاه. . . يكاه ولما استعملت الاصطلاحات الموسيقية الفارسية في المجتمعات العربية حصل بعض تعديل

стр. 2544

في أسماء المقامات فتغير اسم هفتتكاه إلى اوج واسم ششكاه إلى حسيني وبنجكاه إلى نواه ويكاه إلى رصد واستعمل اسم مقام يكاه للمقام الأول في ترتيب أوتار العود وهي نغمة قرار النواه. المسافاة الصوتية العامة. ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ - ١ - المسافة الصوتية العامة - ٢ - ٦٥٥٣٦٥٩٠٤٩ - ٣ - نصف المسافة الكاملة - ٤ - الناقصة ٢٥٦٢٤٣ - ٥ - الفرق بين المسافة الناقصة والمسافة الكاملة وتسمى كوما ٥٣١٤٤١٥٢٤٢٨٨ ولتفهيم معنى بلك القيم الكسرية للمسافات، نفرض أن هناك نغمتين متتاليتين الأولى اوالثانية ب، وأردنا أن نعرف قيمة المسافة الصوتية الموجودة بينهما. لذلك نضبط وتر الصونو متر (جهاز يستعمله علماء الطبيعة لقياس الأصوات بواسطة الأوتار) حتى يصدر النغمة افيكون طوله عبارة عن مقام الكسر، ثم نحرك ضابط الصونو متر المتحرك على الوتر حتى يصدر النغمة ب فيكون طوله حينئذ عبارة عن بسط الكسر ويصبح عندنا كسراً حسابياً يدلنا على قيمة المسافة الصوتية بين نغمتي اوب (وهذا باعتبار أن نغمة اأوطأ من نغمة ب). تلك المسافات هي المقاييس الصوتية العامة سواء كانت للموسيقى الشرقية أم الغربية، ولكن الموسيقيين الغربيين لا يتبعون الآن في تقسيم سلمهم إلا المسافة الكاملة ونصف

стр. 2545

المسافة المقرب وهو يساوي عددياً ١٦١٥ ويطلقون عليه اسم السلم المقرب مسافاته كما يلي ١٦١٥. . ٩٨. . ٩٨. . ٩٨. . ١٦١٥. . ٩٨. . ٩٨ بينما يتبع السلم الموسيقي الشرقي في مسافاته وتقسيمه العام هكذا . . ٩٨. . ٢١٨٧٢٠٤٨. . . . ٦٥٥٣٦٥٩٠٤٩. . . . ٩٨. . . . ٢١٨٧٢٠٤٨. . . . ٦٥٥٣٦٥٩٠٤٩. . . . ٩٨. . ومن هنا نشأ خلافان أساسيان أولهما أن السلم الغربي لا يستعمل المسافة الناقصة، وثانيهما أن نصف المسافة الثانية في السلم الغربي يقع آخر مسافة، بينما في السلم الشرقي يوجد نصف المسافة الثانية بين المقامين السادس والسابع. تقسيم المسافات الصوتية في السلم الغربي الحديث قسم الموسيقيون الغربيون المسافة الصوتية إلى قسمين متساويين فالمسافة بين مثلاً دو، ري يقع في منتصفها تماماً نصف مقام يسمى عند نسبته تصاعدياً دو دييز وعند نسبته تنازلياُ ري بمول وفي التقسيم العلمي الصحيح نجد أن علامة دييز تكون لرفع المقام الذي تنسب إليه خمس كومات كاملة، وعلامة بمول لخفضه خمس كومات كاملة، ولما كانت المسافة الكاملة مقسمة إلى تسع كومات وهو التقسيم الذي يقر به فيثاغورس، إذا أصبح موقع دو دييز غير موقع ري بمول، أي أننا عندما نريد تقسيم المسافة بين دوري بحساب علامتي الدييز والبمول، يلزمنا تقسيمها إلى ثلاثة أقسام كما يلي: ري. . . . دو ديز. . ري بمول. . . . دو غير أن علماء الصوت والموسيقى يحتجون بأن الأذن لا يمكنها التمييز بين نغمتين الفرق بينهما كومة واحدة، ولذا استغنوا عن ذلك التقسيم الصحيح الدقيق واعتبروه نظرياً بحتاً، وأصبح لا يوجد فرق بين دو دييز وري بمول وأصبح موقعهما واحداً كما في البيان. وإن كان هناك بعض الموسيقيين اللملاسيك ممن لا يخضعون لهذا التقسيم ولا يستعملون الآلات ذات الدرجات الثابتة.

стр. 2546

تقسيم المسافات الصوتية في السلم الشرقي ظل الموسقيون الشرقيون القدماء يستعملون التقاسيم الدقيقة في سلمهم الموسيقي، وما زالت المسافات الصوتية في السلم الشرقي هي الخمس المسافات التي بيناها وهي المسافة الكاملة والمسافة الناقصة ونصف المسافة الكاملة ونصف المسافة الناقصة ثم الكومة، وسنبين الآن كيفية التقسيم ليتضح لنا عظم الفرق بين التقسيم الشرقي ودقته، والتقسيم الغربي وبساطته. ١ - المسافة الصوتية الكاملة ٩٨ تقسم إلى أربعة أقسام، فمثلاً بين الرصد والدوكاه توجد النيم زير كولاه، وبعدها عن مقام الرصد عبارة عن نصف مسافة ناقصة ثم تليها الزير كولاه تبعد عن الرصد نصف مسافة كاملة، ثم التيك زير كولاه وبينها وبين الرصد مسافة ناقصة ثم الدوكاه وبعدها عن الرصد مسافة كاملة. دوكاه. . تيك زير كوله. . زير كوله. . . نيم زير كوله. . . رصد ٢ - المسافة الصوتية الناقصة ٦٥٥٣٦٥٩٠٤٩ تقسم إلى ثلاثة أقسام فمثلاُ من الدوكاه إلى السيكاه يوجد الكردي وبعده عن الدكاه نصف مسافة صوتية ناقصة ثم التيك كردي ويبعد عن الدوكاه نصف مسافة كاملة، ثم السيكاه سيكاه. . . . تيك كردي. . . . كردي. . . . دوكاه ٣ - نصف المسافة الكاملة ٢١٨٧٢٠٤٨ تقسم إلى ثلاثة أقسام، فمثلاً من السيكاه إلى الجهاركاه، يوجد البوسلك وبعده عن السيكاه كومه واحدة ثم التيك بوسلك وبعده عن السيكاه نصف مسافة ناقصة ثم الجهاركاه وبعده عن السيكاه نصف مسافة كاملة جهاركاه. . . تيك بوسلك. . . بوسلك. . . سيكاه وعلى ذلك يكون ترتيب الرباعي الأول ولثاني اللذان يكونان السلم الشرقي هكذا رصد ٢١٨٧٢٠٤٨ عراق ٦٥٥٣٦٥٩٠٤٩ عشيران ٩٨ يكاه الرباعي الأول

стр. 2547

جهاركاه ٢١٨٧٢٠٤٨ سيكاه ٦٥٥٣٦٥٩٠٤٩ دوكاه ٩٨ رصد الرباعي الثاني ومن هذين الرباعين يتكون السلم الموسيقي الشرقي العام مع إضافة مسافة صوتية كاملة بعد الجهاركاه ليختتم السلم بجواب مقام اليكاه وهو النواه. ويصبح ترتيبه كاملاً كما يلي نواه ٩٨ جهاركاه ٢١٨٧٢٠٤٨ سيكاه ٦٥٥٣٦٥٩٠٤٩ دوكاه ٩٨ رصد ٢١٨٧٢٠٤٨ عراق ٦٥٥٣٦٥٩٠٤٩ عشيران ٩٨ يكاه بقي بعد توضيح الفوارق بين تقسيم السلمين الشرقي والغربي أن نذكر شيئاً عن الأنغام والأوزان في كلتي الموسيقتين، وأرجو لو سنحت فرصة قريبة إن شاء الله على صفحات من الرسالة المقبلة. مدحت عاصم

стр. 2548

العلوم العنصرية للدكتور أحمد زكي قامت النازية الألمانية على مبادئ عدة، منها السياسي ومنها الاقتصادي ومنها الإداري، ولكن لعل أخطر من هؤلاء جميعاً وأكثر وروداً على ألسنة خطبائها، وأسرع إذكاءً لحمية مستمعيهم، ذلك المبدأ الغالي الذي يعتمد على القومية الخالصة والدم الصريح، في استنهاض الشعب الجرماني إلى كل ما تقول به النازية وتدعو إليه من العقائد والأعمال. لو أن النازية قصدت إلى تمجيد قومها، وغالت في ذلك ما شاءت وشاءت لها الدعاية، لما شكا أحد مما تقول، ولو أنها غالت حتى ألهتهم، لنظرت إليها الأمم بابتسامة عريضة يستتر وراءها اغتباط هادئ من تذوق فكاهة هائلة، في عالم يحسن أن تكثر فيه الملح والنكات. أما وقد أرادت أن تمجد قومها بتجريد غيرها من الأقوام، وأن تزيد في أولئك بانتقاص هؤلاء، فقد أثارت حفائظ الأمم، وأيقظت عزة الأجناس البشرية، فاستقاموا في جلستهم يستمعون لجد حسبوه مزاحاً، وتقطبت من جباههم أسارير للتفكير، بعد أن كانت قد انبسطت وجوههم بالبشر، وذلك لما رأوا المهزلة تستحيل إلى مأساة، ووجدوا النازية تطرح على كتفيها روب الأستاذ العالم الأنثروبولوجي، ينظر في أصول الأمم، ويقدر قيم الأصلاب، ويضع الخلق في منازل تعلوها جميعاً تلك النطف الجرمانية التي ادخرتها الآلهة على الأجيال، لتنحدر إلى الوجود في القرن العشرين فتكون للناس سادة أمثالاً، وتكون هدى وبشرى للعالمين. وكل ذلك باسم العلم. لذلك تصدى للرد على هذه النظرية التي اتخذت صورة علمية رجال من رجالات العلم، ولعل أكثر هؤلاء اعتدالاً رجل متحدر هو نفسه من أصلاب جرمانية، ذلك هو (ملكولم بيسل) الأستاذ بجامعة كاليفورنيا. قال: قل من يخالف في أن الجنس الجرماني جنس عظيم، وأما أنه أعظم جنس كان في كل زمان ومكان، وأن كل مدنية كانت وتكون، اعتمدت وستعتمد على هذا الجنس، فذلك ما لا تحتمله أكبر المخيلات إسرافاً، ولا تتسع له أكثر الحلوم رخاوة وسماحة. ومثل هذه المغالاة، لاسيما إذا استعير لها لسان العلم، ستظل دائماً نذيراً بأن الإنسان لا تزال عواطفه

стр. 2549

سيدة عقله، وهواه حاكم صوابه. يدخل الأمر نفوسنا ويستأذن في لطف على قلوبنا، فيجد كل أهوائنا توافقه، وكل ميولنا تناصره، فنألف هذا الأمر، ثم نعتقده، ثم من بعد ذلك نتطلب الحجج على أنه الحق. نعتقد صواب شيء، نعتقد أن الجرمانيين سادة الجناس لأننا نحن جرمانيون، أو أن النصرانية أقوم الأديان لأننا نحن نصرانيون، أو أن هذا الحزب أصدق الأحزاب لأننا له متحزبون، ثم من بعد هذا، ومن بعد هذا فقط، ننظر في الأدلة لنصرة معتقدنا، ونخرج في سهولة أو يسر تلك البراهين التي تعزز مذهبنا، وتلك الأدلة لا شك آتية، وتلك البراهين لا شك غير مستعصية وبذلك نحسب أن عملية التخريج تمت، وأن العلاقة بين السبب والمسبب استبانت، فيتأكد بذلك معتقدنا ويزيد به إيماننا، ونحن نتبع أسلوب هذا المنطق الطريف غير شاعرين ولا متيقظين اليه، ويتبعه العلماء كما يتبعه السوقة بمثل تلك الغفلة، فهو أسلوب متستر خفي، أخطر ما فيه تستره وخفاؤه. ليس في دعاوى النازية اليوم من جديد، فهي تكملة للدعوى التي بدأت في القرن التاسع عشر، وهي مثل من أمثلة عدة لم يسلم منها قرن من القرون ولا شعب من الشعوب فالشعوب دائماً تميل للسيطرة على الشعوب بدعوى تفوق الجنس، وتستغلهم بحجة قوة الدماء وخلوصها، وتبعث فيهم حسا ًبحقارة أنفسهم لفقر وخلط في دمائهم، وخسة في أصولهم، فهي إذن دعاوى للعيش وأسباب للغلبة، أكثر منها دعاوى في العلم وقضايا في المنطق. ليس مذهب الجرمانية إلا فرعاً من مذهب الآرية، وكان من أكبر دعاة هذا المذهب وشارحيه، الكونت (جوزف دي جوبينو كان فرنسياً أرستقراطياً مات عام ١٨٨٢ ادعى جوبينو أن الآريين خلقوا ثم أمدوا بالروح والعمر كل ما هو جميل وعظيم في الحضارة. ونسي أن يثبت وجود هؤلاء الآريين كجنس واحد نقي خالص. ان فكرة الآرية نشأت من دراسة لغات بعض الأمم الأوروبية وبعض الأمم الآسيوية، والاهتداء إلى وجود أشباه بين تلك اللغات، أدى إلى افتراض أنها جميعاً مشتقة من لغة واحدة هي الآرية، وذلك فرض علمي لا شبهة فيه. استنتج جوبينو وأشياعه من وجود لغة آرية وجود شعب آري قديم عزا إليه حضارات الأزمان الخوالي، وزعم أن هذا الجنس الآري هاجر إلى شمال أوروبا فتحدرت منه الشعوب التيوتونية والانجلو سكسونية، فهي لذلك سبب الحضارات الحالية

стр. 2550

والعلة في استمرار وجودها. وفات جوبينو أن وجود لغة واحدة ليس بدليل قاطع على وجود جنس واحد، وأن اتحاد اللغات في أمتين أو أمم، ليس بحجة على اتحاد الأصلين أو الأصول فقديماً ما أعارت الأمم اللغات واستعارت، فوجود جنس آري كالذي تحسبه النازية اليوم، لم يقم عليه أي دليل. والعنصر الجرماني نفسه مجهول الأصل، وفوق هذا فلا يستطيع أحد أن يدعي له أرومة خالصة. إنه عنصر شديد قوي، ولا شك أن اختلاط دمه بدماء أوروبا الوسطى والجنوبية كان له أثر كبير فيما حدث هناك من التقدم والارتقاء، ولكن ما يقال في العنصر الجرماني يقال في سائر العناصر، فكثيراً ما أدى اختلاط عنصرين إلى عنصر جديد أشد وأكثر حياة من أصليه. على أن العلم إلى اليوم لا يستطيع بثقة أن ينسب إلى أية مجموعة بشرية، خصالاً خاصة عتيقة ثابتة فيها، لأنه إلى اليوم لا يدري كيف يقيس هذه الخصال برغم ما أسموه (مقاييس الذكاء)، فتلك مقاييس ثبت مراراً وتكراراً أنها لا تقيس الذكاء وحده وإنما تقيس معه آثاراً من البيئة والثقافة لا يمكن عزلها عنه. ومع هذا لا نفتأ نسمع الخرافة الجرمانية تلوكها الألسن، وتردد على الأسماع، فمجد الإغريق كان بسبب غزو الجرمان، وروما دام عزها وبقي سلطانها ببقاء دمها الجرماني خالصاً صريحاً، فلما اختلط حاق بها ما حاق، وإسبانيا لم تستيقظ إلى ما استيقظت إليه إلا بسب ما دخل عروقها من الدم التيوتوني، (والنهضة) الأوروبية نفسها لم تكن إلا ظاهرة جرمانية صرفة. يقولون أن الرومان والإغريق كانوا وهم في أوج عزهم جرمانيين صرحاء. ليس من السهل الحكم على ما كانت تتألف منه أمم قديمة كالإغريق والرومان، ولكن من الثابت أنه في العصور التي سبقت، كانت حروب وكانت فتوح، وكانت غلبة وكان انغلاب، وكانت هجرة وكان تشتت، فلم يرتبط قوم بأرض، ولم ينعزل جنس بسبب ذلك عن جنس، فلم يكن في عصر الإغريق ولا في عصر الرومان دم لم يختلط، ولا عنصر لم يتلقح، فكل ما يقال عن خلاص السابينن والاترسكانيين وحتى عن نقاء الرومان والأغريق، لا يمكن تدعيمه على ما هو معروف اليوم في علم الأجناس. قالوا وشادوا بان الإسبرطيين جرمانيون خلصاء ومع ذلك أدخلهم (دكسن) في عداد الألبيين وقالوا وشادوا بأن الاترسكانيين

стр. 2551

جرمانيون خلصاء ومع ذلك قال عنهم هرتس مؤلف (الشعوب والمدنية) أنهم لم يكونوا من المجموعة الهندية الجرمانية، وأن هذا ثابت ثبوت يقين. ان العنصر له أثر لا ينكر في أحداث المدنيات وتنشئ الشعوب ولكن هناك أمور أخرى لا تقل آثارها عن أثره، ولا نتائجها عن نتائجه، وهي تلك التي ينكرها لمتصلفون من دعاة العنصرية وغلاتها. ليس من العلم في شيء أن ننسب عظمة الإسبان مثلاً إلى دخول الدم الجرماني إليهم، وسقوطهم إلى دخول دماء أخرى غير جرمانية، ثم نغفل العوامل التاريخية والجغرافية الكبرى التي كان لها أثر كبير في تلك الرفعة وهذا الهبوط. وإذا عزونا كل مدنية إلى الدم الجرماني وكل تقدم إليه، فكيف نفسر تلك المدنية العربية التي ازدهرت يوماً ما في الأندلس وطالت ما حولها من المدنيات الأوروبية طولاً كبيراً. إن إبطال الدعوى الجرمانية بل تسخيفها عمل يسير هين. ولكن العمل الشاق الذي يتعب الإفهام ويجهد العقول، إنما هو تسبيب نشوء المدنيات، وتسبيب انحطاطها أو زوالها. الناس تجنح دائماً كما يجنح الألمان اليوم إلى جعل العنصر العامل الوحيد في ذلك، الذي تتضاءل دونه العوامل، والسبب الذي لا تستأهل سائر الأسباب إلى جانبه ذكراً. خطأ كبير تغذيه العاطفة، وسهولة في تبسيط القضايا لا تسيغها العقول العلمية الهادئة. من بدء أزمان لا تقدر، إلى ما قبل قرون قلائل كان الجنس الجرماني يكن شمال القارة الأوربية، وكان جنساً غير مذكور ولا مأبوه له، وكان أحط الأمم الأوربية سكاناً، فأين كانت خواصه الإلهية، وصفاته السماوية كل تلك القرون؟ أكان عاجزاً عن خلق مدنية لنفسه؟ أم هي المدنية نشأت عند غيره وقريباُ منه، ومع ذلك خاب برغم قرب المساس عن اقتباسها واستعارتها؟ أم الحقيقة هي التي نقول، أن العنصر وحده غير كاف لخلق المدنيات واستنباط الحضارات. بدأت الحضارات في مصر والعراق والهند وشرق البحر الأبيض، ومشى التاريخ قدماً فانتقلت مراكزها إلى أواسط هذا البحر ثم إلى غربه، ثم مشى التاريخ خطوات أخرى فبلغت الحضارة بحر الشمال والمحيط الأطلسي، وعندئذ، وعندئذ فقط، بدأ العنصر الجرماني يظهر في التاريخ، فان كان العنصر وحده قميناً بكل شيء فكيف ظل الجرمان ابرة كل الأحقاب بينما كانت العناصر الأخرى، وهي وطيئة في زعمهم، تخترع الحروف وتبتدع الأرقام وتخط البحار بالتجارة وتبني الدول وتقيم الحضارات.

стр. 2552

إن الجزر البريطانية تألفت سكانها في القرن الثاني عشر من نفس العناصر التي تتألف منها في القرن العشرين، إلا في اليسير الحقير، وقد كانت في أوائل القرن السادس عشر جزراً لا شأن لها ولا خطر، ولم يمض على ذلك العهد غير قرنين حتى وجدناها قوة عظيمة في دول العالم، فكيف جاءها هذا الشأن وذلك الخطر، والعنصر هو هو لم يتغير؟ أليست العوامل التاريخية والجغرافية إذن أبعد أثراً من كل ما عداها؟ كانت الجزر البريطانية في طرف أوربا، والحضارة متركزة في شرق البحر الأبيض أو وسطه، فلم يكن لبريطانيا ذلك المساس الذي لا بد منه لاشتعال الثقاب، لذلك لم يكن لها في الحضارة قول كبير ولا عمل خطير، ثم استكشفت أمريكا، وبين عشية وضحاها انقذفت بريطانيا في وسط المسرح العالمي، فلم يكن لها بد من تمثيل دورها، وانتقل مركز المدنية إلى غرب أوربا حيث بقي ويبقى سنين طوالاً، حتى أصبحت لفظة الغرب علماً على المدنية، وأصبحت إنجلترا قائدة الأمم، وإن كان لعنصرها الجرماني أثر في هذا الانقلاب، فهو لا يقارب في شدته الأثر الذي للحوادث والتاريخ والجغرافيا معاً. ولنفس تلك الأسباب زالت عن إيطاليا تلك السيادة التي كانت لها يوم تربعها في وسط المسرح العالمي، في وسط البحر الأبيض المتوسط حينما كان هذا البحر عظيماً لوقوعه في الطريق إلى الشرق وأممه، ولكن كشف أمريكا قذف بإيطاليا حفيدة الرومان من بؤرة الرقعة إلى طرفها، وفي الوقت نفسه كشفوا عن طريق الهند الآخر، فلم يكن بد من نزول إيطاليا حفيدة الرومان عن قوتها وثروتها وجاهها نزولاً سريعاً كسرعة الحوادث في ذلك المكان الغربي النائي من سطح الأرض. فهل ننسب هذا النزول إلى العنصر وهو الذي إليه نسبنا الصعود في سالف الدهور؟ ثم المخترعات الحديثة وعلى رأسها البخار، أحدثت في العالم السياسي والاجتماعي والاقتصادي أحداثاً أين منها أثر العنصر؟ أن التاريخ في القرنين الفائتين كتب بالفحم الأسود والحضارات قيست بعدد الأحصنة البخارية التي للأمم، حضارات بنيت على الفحم والحديد، فالفحم والحديد عاملان جغرافيان أين منهما أثر العنصر؟ فلو لم يكن في صخور إنجلترا وأمريكا ذلك الذخر الكبير من الوقود الصلب والسائل لكان للتاريخ الأخير مجرى غير الذي كان برغم العنصرية ودعاتها.

стр. 2553

إن الأمم كالأفراد يتألف نجاحها من عاملين، عامل الوراثة وعامل البيئة، ومن عوامل البيئة العوامل الجغرافية التي ذكرنا مثلاً منها، ولعوامل البيئة هذه أثر لا يناهض في تقدم الإنسان أو تأخره، وهي على الأقل تضع حداً جازماً لتقدمه لا يمكنه تجاوزه. والحضارات أنتجت إنسانية نادرة نشأت من الأرض في بقاع متفرقة، كانت كلها نتيجة انفعال الإنسان لبيئته وتفاعله معها وتغيير نفسه وحاله وفقاً لها، وعلى هذا لا يمكن مقارنة مدنية ولا مقدرة شعب بشعب الا إذا قارنا بيئتيهما وهذا جد عسير، ودون هذا لا تمكن إقامة الدعوى على أن قوماً غير أهل لمدنية لأنهم وهم في بيئة خاصة خابوا فيما حاولوه. إن الماياس واليوكاتان قبيلان من الناس كبيران كانت لهما مدنيتان زاهرتان في أمريكا الوسطى قبل الفتح الكولومبسي بقرون فلو أنك قرنتهما بالإغريق فربما خرجت بأنهما دون هؤلاء عنصراُ، لأنهما لم يأتيا بمثل ما أتى الإغريق. ولكن إذا علمت أن هذين القبيلين كانا يعملان في عسر من الطبيعة شاق، فقد حرمتهما الدواب وحرمتهما الحديد، فلم يعرفا لهذه رسماً ولا لهذا اسماً، وامتحنت بعد ذلك ما خلفا لوقعا من نفسك موقعاً قد يناهض موقع الإغريق أو يعلوه. أحمد زكي

стр. 2554

العالم المسرحي والسينمائي مسارحنا في الأعياد لناقد (الرسالة) الفني جرت تقاليد المسارح الكبرى، ودور اللهو في أوربا عامة، وفي إنجلترا خاصة، على إعداد برامج حافلة في مواسم أعياد الميلاد ورأس السنة، تعنى بعرض مشاهد مسلية يجد فيها الأطفال متعة ولهواً بريئاً يثير في نفوسهم الغضة ألواناً من السعادة والجذل، ويجعلهم ينعمون بأمسيات طيبة في ليالي العيد، تبهج قلولبهم، وتبعث فيها الحياة والمرح. وتزدحم المسارح في أيام العيد بروادها من الأطفال مع أهلهم الذين يصحبونهم يشاركونهم اللهو والسرور جذلين فرحين بأن ينعم أبناؤهم بما أعدوه لهم من مباهج العيد ومسراته في المنزل أو في المسرح على السواء. وتستمر حفلات الأعياد في المسارح قرابة شهر، وأكثر البرامج من نوع (البانتوميم) الذي يمثل بعض الخرافات الشائعة، أو القصص الصغيرة المسلية، التي لا يعيا ذهن الطفل الحدث في تفهمها ومتابعتها، وتصحب بالموسيقى والأغاني الرقيقة التي يسهل على الطفل حفظها وترديدها بلفظها الجزل، ولحنها السهل، ونغمها الشجي العذب. وهناك بعض الروايات على المسرح الإنجليزي، تعد خصيصاً لحفلات أعياد الميلاد ورأس السنة، وقد أصبح تمثيلها من التقاليد الموروثة التي لا مندوحة عنها، وبعضها يرجع تاريخ ظهوره إلى حوالي نصف قرن، ولكنها تظهر كل عام في مظهر أنيق، فتعد لها الملابس الجديدة الزاهية، والمناظر الدقيقة الجميلة، وقد تضاف إليها بعض الأناشيد والأغاني لتجعل لها لوناً جديداً جذاباً. وأشهر الروايات التي عرضت هذه السنة على مسارح لندن في مواسم الأعياد (سندرلا) و (الأطفال في الغابة) و (ديك وتنجتن) و (علاء الدين) ويرجع تاريخ ظهورها إلى سنة ١٨٩٣، أعني إلى واحد وأربعين سنة مضت. ومن أحسن الروايات التي عرضت هذه السنة، ولها تاريخ ماض طويل، رواية (بيتربان) التي يحتفظ بطلها بنضارة الصبا على مدى الحياة، وهو خالد على مر الدهور لأنه يمثل روح الشباب الخالدة أبداً.

стр. 2555

ومثلت رواية (هانسل وجريثل) على مرح كامبردج، وقد ظهرت لأول مرة على مسارح لندن سنة ١٨٩٥ حيث مثلتها فرقة كاروزو. وتعد بموسيقاها من أحسن الروايات الغنائية، ولها شهرتها البعيدة في إنجلترا وألمانيا على السواء، بل في القاهرة أيضاً وقد كتبت قصتها للأطفال خاصة. ومن الروايات القديمة التي تمثل في هذا الموسم في رواية (أين ينتهي قوس قزح) التي يرجع تاريخ ظهورها إلى حوالي عشرين سنة مضت، وهي رواية وطنية تثير في الطفل الإنجليزي ألواناً شتى من العاطفة القومية، وموضوع القصة خرافي ولكنه من موضوعات الشائقة التي يكون لها في قلب المشاهد أبلغ الأثر. وبعض هذه القصص والروايات تمثل في لندن وفي كثير من المدن الإنجليزية الكبرى في وقت واحد أثناء أعياد الميلاد. ولا نريد أن نمضي في هذه الناحية من الحديث إلى غير نهاية، فإنما أردنا بذلك أن نمهد لما نريد أن نقوله للمشتغلين بالمسرح في مصر، وإنا لنرى منهم إهمالا تاماً وعدم احتفاء بأعيادنا القومية أو الدينية وإنها لتمر عليهم كغيرها من سائر الأيام، فلا يعدون لها برنامجاً خاصاً ولا روايات معينة، بل يحشدون فيها رواياتهم القديمة المعروفة فلا جديد في أيام العيد ولا ما يشبهه، وما يعنون بإعداد مشاهد مسلية طريفة يستطيع أطفالنا أن يجدوا فيها متعة ولهواً، ويكون في مقدورنا أن نصحب صغارنا إلى دور المسارح مطمئنين إلى أنهم سوف يلقون قصصاً تبهجهم وتسعدهم وتناسب عقليتهم الساذجة البسيطة. وبينما يجد الطفل الإنجليزي في العيد من الروايات والمشاهد ما يحي في قلبه عاطفة قوية أو يبث في نفسه الحمية الوطنية، أو يدفعه إلى حب الخير وينمي فيه حاسة العطف على الفقير والبائس والمحروم، أو يريه من نواحي الفضيلة ما يحببه فيها، ومن صور الرذيلة ما يزهده في اقترافها، ومن معاني تقدير الآباء واحترامهم، وتجيل الأهل وإيتاء ذوي القربى، ما ينشئه نشأة صالحة طيبة، بينما يجد الطفل في إنجلترا وفي غيرها من الممالك الأوربية هذه الروايات الطيبة التي تسليه وتربيه معاً، ويراها يوم عيد ونفسه أحسن ما تكون استعداداً لنلقى ما يلقى إليها من المعاني السامية والأغراض الجليلة، لا يجد طفلنا شيئاً من هذا، وأنه ليمضي نهاره وليله حبيس غرفته وقد نمضي به إلى حديقة أو إلى زيارة بعض

стр. 2556

الأقرباء، وليس في كل هذا جديد عليه. ولست أدري من ألوم. المؤلف المصري أو مديري الفرق التمثيلية؟ فلو أن مؤلفاً كتب قصة من هذه التي تماثل ما ذكرنا من قصص المسرح الإنجليزي التي تعرض في مواسم الأعياد هل كان يجد الفرقة التي تقبلها وتعرضها؟ إن مؤلفنا لا تنقصه الموضوعات إن شاء وفي كثر من الخرافات الشائعة مجال واسع لقلمه إن أحب، وأنه ليستطيع أن يخلق من بعض هذه الخرافات التي يتلقاها الأطفال في المنزل وتفسد عليهم تفكيرهم البريء موضوعات شائقة تنقلب بها الخرافة من النقيض إلى النقيض وتزيح عن عقل الصغير شيئاً ما نظنه بالهين ولا باليسير. وهذا (البعبع) الذي خلقته العجائز لإخافة الطفل وإفزاعه أما نستطيع أن نعيده رجلاً طيباً يحنو على الأطفال ويحبهم ويهبهم ليلة العيد العطايا والمنح الطيبة من اللعاب والحلوى، أسوة ببابا نويل الذي خلقته الخرافة في الغرب فجعلت منه معبوداً للأطفال الصغار؟! و (أبو رجل مسلوخة) ما ذنب المسكين في سلخ رجله، وما ذنب أطفالنا نقيمه لهم مخافة ومفزعاً؟ أما في مقدورنا أن نضع حول خرافته قصة لطيفة مسلية نبرزه فيها الرجل الطيب الذي يحب الأطفال الذين يحترمون أباءهم ويبجلون أساتذتهم، ويهب النشيطين منهم والمكبين على الدرس الهدايا واللعب الحلوى، وننتزع بذلك تلك الصورة المشوهة التي نلقيها في ذهن أطفالنا وندفعهم إلى التقرب منه عن طريق حبه ورجاء خيره، بدل أن نفزعهم بصورته البشعة ورجله المسلوخة؟ وفي العيد الكبير ألا تصلح قصة كبش الفداء موضوعاً لرواية سهلة يرى فيها أطفالنا أصل هذه العادة الإسلامية التي تدفعنا إلى ذبح الكباش يوم العيد وتوزيع لحومها على الفقراء والمعوزين؟ إننا نستطيع أن نخلق عشرات الروايات من تاريخ مصر القومي ومن تاريخنا الإسلامي تدور حول موضوعات تبث في قلوب الأطفال حب الوطن وتقدير تاريخهم المجيد، كما تبذر فيهم بذرة طيبة صالحة من الخلق القويم والأدب الرفيع، غير ما ندخله على نفوسهم من ألوان المرح والسرور بهذه القصص الشائقة المسلية، ونجعل العيد متعة لهم ومبعث سعادة وفرح، ونجعلهم مشوقين إليه جد الشوق، يحسبون مبلغ عنايتنا بالترفيه عنهم وإدخال

стр. 2557

السرور على نفوسهم، ونجعل من العيد حياة زاخرة قوية، ومن أيامه أفراحاً وأعراساً للصغار وللكبار على السواء ونقيم فارقاً بين ساعاته التي يجب أن نملأها نعيماً وهناء، وبين أيام السنة التي تمضي بين الجد والعمل، وتمر فاترة مملولة. وبعد. . . هل تجد هذه الكلمة أذناً صاغية من مؤلف أو مدير فرقة؟ لقد مرت فرصة العيد الصغير ولكن ما يزال في الوقت فسحة للعيد القادم، فلعل صغارنا يلقون فيه بعض ما يلقى صغار الأمم والشعوب يوم العيد. محمد علي حماد

стр. 2558

القصص أمير النوبة بقلم الأديب حسين شوقي عاد أمير النوبة إلى (نباتا) بعد أن قضى سنوات طويلة في مصر، على زعم أنه يتلقى الدروس بجامعة (عين شمس) الدينية العظيمة، ولكن الواقع هو أنه قضاها في مغازلة وصيفات الإله (رع) الحسان، وما كاد الأمير يرجع إلى وطنه حتى شعر بحنين شديد إلى مصر، وطنه الثاني، فتذكر في حسرة شوارع منفيس الواسعة، وحوانيتها الفخمة، وبائعاتها الرشيقات، ومراقصها. . أما هنا في (نباتا) فكل شيء يضايقه: فقصر أبيه الملك لا يزيد شأناً على الأعشاش التي يقيمها بعض وجهاء المصريين - في المصايف - على شاطئ البحر، والنساء كلهن بدينات متزينات بالريش والودع، دميمات المنظر مثل (سحمت) الإله المصري الذي يلتهم المذنبين في العالم الثاني. . أما أصدقاؤه من النوبيين فكلهم خشن الطباع، يلتهمون الطعام بأيديهم في وحشة وقذارة. . إنه يؤثر عليهم العزلة ليخلو إلى خياله فيتذكر أصدقاءه المصريين المرحين في (عين شمس) الذين قضى معهم أياماً سعيدة في قصورهم الشامخة على ضفاف النيل. ما أبهج تلك الليالي التي قضاها معهم في احتساء (الجعة) اللذيذة المخصصة لقرابين الإله رع، والتي كانوا يحصلون عليها خفية!. أما النوبيون فكانوا لا يميلون اليه، بل كانوا يسخرون من عاداته التي اكتسبها من مصر، ويرمونه بالخنوثة. . حقاً! إنآلام الأمير النفسية كانت شديدة، خصوصاً وهو لم ينس قط (تايا) الحسناء بنت معلمه الكاهن (منتو)، كم ود أن تصحبه هذه الفتاة إلى (نباتا)، ولكن ماذا يعمل أمام رفض والدها الكاهن وهو رجل يحافظ على التقاليد. لم يرض أن تتزوج ابنته من أجنبي دنس في نظر الدين. . وبينما هو سابح في هذه الأحلام، يذكر هذه المناظر المصرية خلال الدخان المتصاعد من (غليونه)، إذا بأبيه الملك يدخل عليه فجأة فيقول: ولدي! أتحب أن تعود إلى مصر؟ فأجاب الأمير وقد تهلل وجهه:

стр. 2559

ما أشد سروري بذلك يا أبت! هذه غاية مناي الملك - ولكنك ستعود هذه المرة طالباً ملكهم لا علمهم! فستقود الجند الذين سيزحفون على مصر في الغد، لأن الوقت مناسب لهذا الهجوم، أما أنا فصحتي لا تسمح لي بالسفر، أنظر إلى ساقي، إن ورمهما يزداد كل يوم. . هذا بلا شك أهر لسحر تلك الجارية التي طردتها في الأسبوع الماضي، آه من السحر! كان يجب أن أدق عنقها بدلاً من أن أطردها، ومع ذلك فأنت تعرف مصر جيداً، ولا بد أنك مغتبط بهذه المهمة. . قال الأمير (في غضب) - كلا يا والدي! لا أريد أن أذهب إلى مصر جلاداً. . فصاح الملك متعجباً ماذا تقول يا ولدي؟ من علمك هذه الترهات؟ إني آمرك بذلك. أفهمت؟ قال الأمير - إني آسف يا والدي إذ لا أستطيع أن أرافق جيشك في هذه الغزوة! فصاح به الملك - (في غضب) - إني آمرك حقاً لقد أخطأت في إرسالك إلى مصر لتتعلم، إن القوم مهرة في علم السحر، فهم قد سحروك. . الأمير - أجل! إنهم سحروني بحضارتهم! الملك - (يضحك بصوت عال) - حضارتهم! أين هي؟ أتسمي حضارة هذا (الغليون) الذي يكتم أنفاسي بدخانه؟ الأمير - ولكن يا أبت ما الفائدة التي نجنيها من هذه الحرب؟ إن المصريين أقوياء وجيشهم مجهز بأحدث الأسلحة. . الملك - ولكنهم منقسمون، يحارب بعضهم بعضاً، إنها فرصة ثمينة لغزوهم الآن. . الأمير - ولكن ألا تخشى غضب آلهتهم العظام؟ الملك - (يضحك) - ليست آلهتهم إلا ضفادع المستنقعات وقطط الحيطان. . (ثم قال في جد) كفى الآن مزاحاً، إذهب! فارصد أهبتك للرحيل الأمير - لن أذهب يا أبت! الملك - (محتداً) - بل ستذهب أنها الولد العاق! غادر الملك الحجرة فشعر الأمير بعد أن هدأت ثورته بحزن عميق، لأنه لا يستطيع بحال

стр. 2560

أن يحارب المصريين الذين تعلم في ديارهم، وتثقف بثقافتهم، واتخذ من بينهم أصدقاء كثيرين. . انه لا يستطيع أن يتصور الني مصبوغاً بالدماء، ورياضه وخمائله جرداء، وقصوره تلتهمها النيران. . كلا! هم ان المصريين لم يعتدوا من جانبهم على النوبة حتى يكون هناك مبرر لهذا الزحف، كلا! هذا أمر فظيع! إنه يؤثر عليه الموت. . ألقى الأمير بنفسه على السرير واخذ يبكي طويلاً، ثم نهض فتذكر قنينة السم التي أعطاها إياه معلمه الكاهن (منتو) عندما ذهب ليودعه يوم سفره، كما تذكر قول الكاهن وقتئذ: (ولدي! إن في الحياة أوقاتاً يفضل الموت فيها، وأنتم معشر الملوك والأمراء معرضون لأخطار كثيرة كالأسر أو المنفى، ثم إن هذا السم لا يحدث ألماً وإنما يشعر شاربه كأنه في الفردوس. .) قصد الأمير دون تردد زاوية من الحجرة حنث كانت حقيبته التي صحبته في رحلاته إلى مصر، فنظر بعين ملؤها العطف إلى البطاقات الكثيرة التي تحملها الحقيبة من الفنادق الكبيرة في منفيس وطيبة والحجر، فأخرج منها قنينة السم ثم شربها جرعة واحدة وتطرح على السرير. . وفي صباح اليوم التالي خاء خادمه لإيقاظه من النوم كالعادة، ولكنه امتنع هذه المرة عن تأدية هذا الواجب لأن وجه سيده كان يفيض بشاشة، فلم يشأ أن يعكر عليه أحلامه اللذيذة. . حقاً! إن الكاهن (منتو) لم يكذب حين قال أن شارب سمه يحلم بالفردوس، ولكن الواقع أن روح الأمير كانت فعلاً في الفردوس، لأن الآلهة أرادوا مكافأته على تضحيته وإنقاذه مصر فردوسهم الثاني في هذه الأرض. . حسين شوقي
следующие страницы →