Полный текст (65 431 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
أن يكون ملك الجمال قسمة بين الشعوب تتبادل سلطانه فيما بينها، تظفر به فرنسا ثم تمره إلى بلجيكا، وهذه تمره إلى هولندا، وعلى هذا النحو حتى يكون لكل شعب حظه من هذه السيادة العالمية البريئة. البريئة؟ مسألة فيها نظر! فهي سيادة بريئة بالقياس إلى الشعوب والأقاليم والمدن والقرى، ولكن براءتها تتعرض للشك والخطر في كثير من الأحيان، ذلك أن هذا الملك الطارئ السريع الزوال يعبث برؤس الملكات وأسرهن، ومن طبيعة الملك أن يعبث برؤس الا إذا اعتمد على دستور صحيح متين، وليس لملك الجمال دستور، وملك الجمال لا يعبث برؤس الملكات وحدهن، وإنما يعبث برؤس كثير من الرعية أيضا، من الشبان والشيوخ وأصحاب الملاعب والمراقص والسينما، ثم ملك الجمال فصيح على هذا العبث، فهو يجري أقلام الكتاب في الصحف، ويطلق ألسنة السيدات في الصالونات، ويزيد هذا كله في الدوار واضطراب العقول. لذلك لا تكاد ملكة ترقى إلى عرش الجمال حتى يصبح مصيرها بعد الخلع - أستغفر الله - بعد الاعتزال مشكوكا فيه. وأكبر الظن أنها صائرة إلى ملعب من ملاعب اللهو، أو ناد من أندية الرقص، أو دار من دور السينما، أو إلى هذه جميعا.
فملك الجمال في حاجة إلى دستور يضمن الملكة الا يكون ارتقاؤها إلى العرش وسيلة إلى ابتذالها.
على أن ناحية أخرى من نواحي هذا العبث الذي يعبثه ملك الجمال بالعقول خليقة بالملاحظة، فملكات الجمال يؤمن بملكهن عادة، ويصدقن أنهن ملكات حقا، وكثيرا ما تؤمن لهن الجماعات بهذا الملك، فيصبح المزاح جداً واللعب حقا لا شك فيه، وينشأ عن هذا الجد الطارئ وعن هذه الحقيقة الإضافية الموقوتة التي لم يفكر فيها اينيشتين بعد، لون من الحياة الذي يبعث هذه الابتسامات المترددة التي تحدثت عنها أول هذا الفصل.
أنظر إلى ملكة الجمال التي شرفت مصر بزيارتها هذه الأيام لم تكد تهم بهذه الزيارة حتى سبقتها الأنباء فطربنا واستشعرنا شيئا من الغبطة لا حد له وتفضلت صاحبة الجلالة الصحافة فقامت لزميلتها في الملك بما يجب من الإعلان ونشر الدعوة. ثم وصلت ملكة الجمال فلم يكن بد لصاحبة الجلالة الجميلة من أن تتناول الشاي عند صاحبة الجلالة الفصيحة البليغة. وكانت دار الجهاد ملتقى الملكتين على مائدة صديقي توفيق دياب،
стр. 282
وتفضلت الملكتان ملكة الجمال وملكة الكلام بشيء من العطف الغالي الكثير على طائفة من الرعية المولهة المفتونة، وكنت ممن مسهم هذا العطف. ولكن ملكة أخرى ثقيلة ممقوتة تبسط سلطانها الآثم على الناس في الشتاء وهي صاحبة الجلالة البغيضة الأنفلونزا حالت بيني وبين الاستمتاع بهذا العطف السامي من صاحبة الجلالة الجميلة وصاحبة الجلالة الفصيحة. فأسفت وما أشد ما أسفت!
وملكة الجمال ظريفة كما ينبغي أن تكون فلم تكد تصل إلى مصر حتى أدت طائفة من الواجبات بفرضها عليها جلال الملك وسماحة الجمال فقيدت اسمها في قصرها الملكي العالي ثم ثبت فزارت رئيس الوزراء. فلما فرغت من السلطة التنفيذية تعطفت على السلطة التشريعية فتفضلت بزيارة البرلمان. فأدى وكلاء الأمة واجبهم بين يدي جلالتها كأحسن ما تكون التأدية.
ثم لم تكد صاحبة الجلالة تفرغ من مصر الرسمية حتى تفضلت ففكرت في مصر المعارضة. والملك فوق الأحزاب فتعطفت بزيارة حضرة صاحب الدولة رئيس الوفد المصري ثم فكرت في مصر التي لا تشتغل بالسياسة وإنما تشتغل بالإصلاح الاجتماعي والاقتصادي فتفضلت بزيارة حضرة صاحبة العصمة رئيسة الاتحاد النسائي وزارت دار الاتحاد وشهدت فيه التمثيل وزارت دور الصناعة والتجارة وهي في هذه الزيارات تؤدي لكل حقه بما فطرت عليه من جمال وظرف وأدب ورشاقة وخفة روح، وإذا جلالة أخرى رسمية تشرف مصر وهي الجلالة الإيطالية فينقطع حديث الجمال ويبتدئ حديث السياسة. وليست هذه الصحيفة من السياسة في قليل ولا كثير، فلتكتف إذا بأن ترحب في صدق وإخلاص بصاحبي الجلالة الإيطالية ثم لتعد إلى ملكة الجمال، فلتتمن لها التوفيق بعد الملك كما وفقت أثناء الملك ولتلتفت بعد ذلك إلى القارئ الكريم فننصح له بأن يقرأ قصة تمثيلية بديعة أنشأها الكاتبان الفرنسيان جورج بيرولويس فرنويل، موضوعها ملكة الجمال وعنوانها (مس فرانس) فسيجد القارئ في هذه القصة جداً وهزلاً وفكاهة وصراحة ولذة قوية على كل حال.
стр. 283
شعر جديد
لأستاذ كبير
في يوم واحد هو يوم ١٩ من هذا الشهر قرأت في جريدتين محترمتين من جرائد الصباح قصيدتين إحداهما من شعر آنسة تلقب نفسها (فتاة الصعيد) والأخرى لشاب شاعر من إخواننا السوريين.
فتاة الصعيد توجه تغريدها المنظوم إلى رجل كبير من زعمائنا فتقول:
احبك مهما أثار الخبر … كوامن حقد إذا ما انتشر
أرى صورة لك في لوحة … فيلهب قلبي هوى مستعر
وشاعر الشباب السوري يقرظ سيدة كبيرة هي أيضا في كل شيء الا في سنها، ألقت محاضرة في بعض النوادي فيهتف على آثارها:
الله اكبر من سحر البيان ومن … سحر بعينيك خلى الحفل نشوانا
هذا يدير على الألباب خمرته … وذا يدير على الأسماع ألحانا
وما علمنا في الأدب العربي أن امرأة أرسلت كلمة (أحبك) في شعر سائر إلا رابعة العدوية حين قالت تخاطب ربها:
أحبك حبين حب الوداد … وحبا لأنك أهل لذاكا
فابتدعت فنا من الشعر الغرامي صوفيا لا يدرك مراميه الا أهل الأذواق والمواجد.
قد يكون في سن الآنسة أو في شكلها أو في غير ذلك من أمرها ما يغفر لها التصايح بالحب في الميادين العامة. ولكنا على ثقة من أن فتيات الصعيد لا يعرفن الهوى المستعر.
ومن صليت منهن نار الحب ماتت شهيدة الكتمان تردد أنفاسها الخامدة قول العباس بن الأحنف:
لأخرجن من الدنيا وحبكمو … بين الجوانح لم يشعر به أحد
فصاحبتنا بلا ريب ليست صعيدية ونسبتها إلى الشعر كنسبتها إلى الصعيد، يشهد بذلك قولها في منظومتها على سبيل المدح:
وغيرك في زعمه كاذب … ومن ذا سواك زعيم، فشر
أما شاعر الشباب السوري فقد كان من حقه إذ يحضر مجالس العلم والأدب أن يشغله شيء
стр. 284
آخر عن ملء عينيه من شيء غيره.
وليس بمنكر أن يتحدث الشعر عن العيون السواحر، لكن حديث العيون لا يكون في محاضرة أدبية ولا يكون في النادي الكاثوليكي.
غير أن شاعرنا المسكين يعترف بأنه كان سكران حين نحت قريضه. وما كان أجدره بحد السكر حتى يصحو من خمر العيون ثم لا يقول الشعر إلا صاحيا ولا يسكر بعدها إلا في ألحان من خمر الدنان.
ليت شعري ما الذي يزين هذه البدع في أذواق شبابنا؟ ويا خوفي أن يحسبوها من أثر ثقافة لاتينية أو سكسونية على حين لا من ثقافة هي ولا من ذوق!
стр. 285
خواطر وصور
بعض الناس
للأستاذ محمد عبد الواحد خلاف
عرفت فيمن عرفت من الناس رجلا اجتمع له كل ما يشتهي من جمال في المظهر، كان مديد القامة في غير شذوذ، مكتنز العضلات في غير ترهل، حسن قسمات الوجه في غير تخنث، اشرب لونه حمرة تنطق بما حباه الله من عافية في بدنه، محمود الملبس لا تنقصه فيه أناقة ولا حسن انسجام. وكان يغشى ناديا اختلف إليه جماعة من الإخوان فاستشعرت له أول الأمر هيبة وتوسمت فيه خطرا، وكان أحد الرفاق يتحدث في أمر شديد الاتصال بذاته فرأيت لهذا الرجل نظرة ساخرة. أدركت معها أنه يعلم عن هذا الحديث ما لا يعلم قائله، ولم يطل بي الانتظار حتى رأيته قد استولى على الحديث وأخذ يذكر عن نفسه وتجاربه المتصلة به كثيراً، وتشعب الحديث، وأثار الاستطراد ذكر مسائل مختلفة، وكان هو فارس كل ميدان والحجة في كل موضوع، وكان إذا ما اشتد الجدل علا صوته حتى غلب على كل صوت، وإذا أعوزه في دعوى أن يقيم الدليل، أفحم مناظريه بالضجيج والتهويل. وتكرر التقائي به حتى هان عليّ أمره، وصرت لا أحفل لقول يقوله. ولكني كنت أجد في دعواه العريضة شيئا من الفكاهة يروح عن النفس بعض ما تلقاه من جد الحياة.
وقرأ خبيث من الرفاق في إحدى الصحف خبر اعتصاب الحمالين لخلاف بينهم وبين رؤسائهم، فبيَّت في نفسه أمراً يهتك به ستر هذا الدعي. وأقبل صاحبنا يتهادى في مشية بطيئة وقورة وقد تدلى من بين شفتيه سيكار فاخر. واشرق وجهه بتلك الابتسامة الساخرة التي توحي إلى الرائي هو أن الناس عليه، وعلمه من حقائق الأمور ما لا يعلمون. فتلقاه المداعب الخبيث بتهليل المعجب الذي وقف على ما أخفاه من فعال، وبدا عليه ما يشبه الخجل والحياء لافتضاح مكرمة يأبى عليه تواضعه أن تنشر وتذاع. وقال له الصديق المداعب: (لك الله من بطل! لقد لمست في الأمر أصبعك، وشممت منه ريحك، وقلت منذ قرأت الخبر أنها لا شك إحدى أياديك في نصرة الضعفاء. ولكن نبئني كيف وفقت في جمع كلمة أولئك الحمالين مع انقطاع كل صلة بينك وبينهم، وكيف تم لك تدبير أمرهم؟).
وأشفقت من وقع تلك السخرية اللاذعة المكشوفة على نفس صاحبنا، ووجدت فيها قسوة
стр. 286
شديدة على هذا الغر. ولكني عجبت حين وجدته يهز رأسه في أناة هزة الواثق، ويذكر أنها بداية حملات يقوم بها في رد حقوق المهضومين، وأن هذا شيء لا يستحق الذكر إلى جانب ما ستظهره الأيام من جهوده العظيمة في هذا السبيل.
وانطلقت من الأفواه ضحكات طويلة عددتها سخرية وعدها هو طرب إعجاب وتقدير، وبدأت بعد هذا أرثي للرجل وأشفق عليه مما سيحيق به من السخرية والازدراء في كل مجتمع يغشاه، حتى كانت بعض الحركات العامة فوجدت الرجل يتصدر مجالسها مسموع الكلمة عالي المنزلة!
أدركت عند ذلك أن أولى الناس في هذا البلد بالرثاء، هم ذوو الفضل والحياء.
أقيلوا عثرات الناس
نشأت نشأة محافظة جعلتني أغلو في استنكار زلات الشباب. واشتد بالنقمة على كل عاثر، ولا يتسع صدري لتلمس عذر لخاطئ. وكنت أجافي من أعرف عنهم ذلك واشتط في الحكم عليهم، فلا أرجو منهم خيرا أبداً.
وكان لي صديق ألف الله قلبينا برباط من الود الصادق أنزله من نفسي أكرم منزل، وباعد بيننا طلب الرزق حينا، فلما التقينا بعد طول غياب وجدت على وجهه غمامة من الاكتئاب دلتني على انه يعاني بين جنبيه هماً مبرحاً ثقل عليه حمله. وكان كلما هم أن يفضي إلي بوجيعته ساوره شيء من الخوف فطواه في صدره. وما زلت أترفق به، حتى قص علي قصته، وعلمت انه في إحدى ثورات العواطف جمحت به نفسه، وأفلت منه قيادها فزلت قدمه، وأتى ما يأتيه كثير من الناس. ولم يجد فيما روى به حسه من متع غناء عما فقده من رضى نفسه وطمأنينة وجدانه، فهو لهذا بائس حزين.
وسكت الصديق ونظر إلي نظرة جازعة لما يعلمه عني من القسوة في الحكم على مثل تلك العثرات. والعجيب من أمري أني وجدتني أكثر محبة لهذا الصديق بعد أن قص علي قصته، وأشد فهما لظروفه ووجدتني أرى عثرته مقالة، وزلته مخفورة ورحت أهون عليه الخطب وأتلمس السبيل لتهدئة أعصابه.
وخلوت لنفسي بعد ذلك وفكرت كيف يتغير حكمنا على الأشياء بتغير فاعليها، ليس منا من أمن العثار. وإذا وقانا الله شرها في أنفسنا فقد يعثر حميم نعزه. فلم نقبل عثرات الأولياء
стр. 287
ونتلمس العذر لأخطاء أنفسنا ومن نحبهم ثم نقسو في الحكم على من بعدت بيننا وبينهم الصلات؟
علمتني هذه الحادث أن أقيل كل عاثر وارحم كل خاطئ. وانظر إلى كل زلات الناس على أنها أمراض تعالج بالرفق والعطف والرحمة.
اللذائذ والآلام أوهام
ليست اللذائذ الا بعض خدع الطبيعة تغرينا بها على أداء وظائفنا الحيوية، الست ترى أحدنا إذا مر وهو جائع بمقربة من طعام وفاحت رائحته فمست خياشيمه، أو لاحت صور فرأتها عيناه سال له لعابه وتحرق شوقا إلى التهامه حتى إذا ما ملأ منه معدته وأدى ما تتطلبه الطبيعة لحفظ الذات صد عنه كارها ولم تثر فيه رائحته ومرآه شهوة.
كذلك الحال في كل لذائذ الحس لا تبهر الا جائعا ولا تثير غير صادئ فإذا ارتوى منها زهد فيها.
ومثل اللذائذ الآلام فهي إحساس خادع ينبه المحروم من أداء وظائفه الحيوية إلى أدائها.
واحسبنا نستطيع بشيء من رياضة النفس والمران على حكم الاعصاب، أن نصل إلى منزلة نغالب بها إلى حد كبير خداع الطبيعة فلا تثيرنا كثيرا لذائذ الحس وآلامه.
стр. 288
السلوة
للأستاذ عبد الحميد العبادي
. . . . . . وكان صاحبي كلما سئم تكاليف الحياة، وضاق ذرعا بمعاشرة الناس، التمس الراحة فيما تيسر له من أمور ثلاثة: العزلة، والطبيعة، والماضي البعيد.
أما العزلة فتفرغ عليه هدوء السر: وراحة البال: ثم هي فوق ذلك تهيئ له أسباب التفكير في نفسه، وتعينه على أن يستعرض عمله، وأن ينقده في تؤدة وأناة. وصاحبي شديد الأخذ لنفسه. مسرف في تعهدها ومحاسبتها على الصغيرة والكبيرة، فربما بات ساهرا متململا لبادرة بدرت منه، أو زلة زلها لسانه. وهو بعد حريص على راحة ضميره وطمأنينة قلبه. فان استطاع أن يقيم علاقته بالناس على أساس من العدل والأنصاف فذلك، وإلا فليكن المظلوم غير الظالم والمقتول غير القاتل. من أجل ذلك كانت العزلة كثيرا ما تفتح عليه باب ألم معنوي شديد، بيد أنه ألم في شرعه محتمل مستعذب، يصلى ناره، راغبا ويخلص منها مغتبطا راضيا.
وأما الطبيعة، فهي عنده الأم الرءوم: إليها يستريح ويسكن، ومن جمالها ينهل ويعل، وفي حجرها تنبعث نفسه المجهودة، وتهيج عاطفته المكدودة. قد فتن بالطبيعة وحياة الطبيعة، حتى ليكاد مزاجه يساير فصول العام إنبساطاً وانقباضاً، وابتهاجاً واكتئابا، ولولا بقية إيمان لانقلب صابئا يسجد للشمس عند شروقها وغروبها. ويهتف للقمر حين بزوغه وأفوله، ويساهر النجوم والأفلاك من طلوعها لمغيبها. ولصار حلوليا يرى في ثنايا الجبال وأهضاب الأودية وفي الأجمة الملتفة والصحراء البلقع، جنا تراءى له في غدواته وروحاته، ولفتاته ولمحاته، تحاول أن تستدرجه لتستهويه، وتستميله لتفتنه، أجل! ولولا أثارة من تماسك وتصاون، لحنا على النبتة الواهية، ولكبر للدوحة العالية، ولأجهش للصخرة الراسية على ساحل البحر المتغلغل: ولا ندفع بقول الشعر يساجل الطير: لحنا بلحن وتغريداً بتغريد.
على أن صاحبي ليس بالناسك ولا الزاهد. وقد يكون في قرارة نفسه، وحقيقة أمره، مرحا طروباً، ويود، على شدة انصرافه عن الدنيا؛ ألا ينسى نصيبه منها، ولكنه متزمت متشدد؛ يريد للقوم صفواً من النفاق والدهان، خلوا من الحقد والاضطغان، فأما وقد أعجزه ذلك؛ فقد
стр. 289
أصبح يرى ضالته المنشودة في الغابرين الأولين من أهل القرون الخالية: أصبح يراها في الماضي البعيد، والماضي عنده عالم حافل بأعلامه وأحداثه، زاخر بخيره وشره: لا عيب فيه سوى أن القدم قد صهره ومحصه، وأن الموت قد نفى خبثه عن طيبه، وزغله عن صميمه، فبدت فيه كل نفس على حقيقتها، ومثَّل كل حادث على جليته، من أجل ذلك اصطفى صاحبي من الماضين خلانا وأصدقاء، قد أصفاهم الود، وأخلص لهم الحب؛ وأن اختلفت الدار، وبعد المزار؛ لقد أدرك صاحبي أن الموت حق والحياة باطل.
تكاءدت الهموم هذا الفيلسوف يوما، فخرج من منزله، وقد طفلت الشمس للغروب، فما زال يتخير الأمكنة والبقاء؛ حتى آوى إلى صخرة قد استقبلت بحرا خضما، واستدبرت مرجا معشوشبا مدهاماً؛ وفي شرقيها المدينة هائجة مائجة؛ صاخبة داوية؛ وفي غربيها قصر عتيق مثلم الجنبات متداعي الأركان.
فأخذ الفيلسوف مجلسه من ذلك المنظر الفخم؛ وجعل تارة يسرح الطرف في البحر الواسع؛ فتطير شعاعا فوق صفحته أشجانه؛ وتذوب في هدير أمواجه آهاته وأحزانه، وتارة ينثني نحو المرج يداعب منثور زهره؛ ويتسمع سجع طيره، وأخرى يلتفت إلى القصر يسأله أخبار من نزلوه ثم ارتحلوا عنه، وكانوا أحاديث. حتى إذا ما ارتوى الفيلسوف من نسيم البحر؛ وعبير الزهر، وحديث القصر؛ تناول هراوته، وزر معطفه، وعاد يؤم المدينة متثاقل الخطى، مرددا قول الشاعر:
أن الطبيعة أم نستجير بها … من جانب للبرايا غير مأمون!
стр. 290
مسارح الأذهان
مشروع مقالة
للأستاذ احمد أمين. أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب
١
جلست إلى مكتبي وأمسكت بالقلم واستعرضت ما مر علي أثناء الأسبوع لأختار منه موضوعا أكتب فيه، فخطر لي أن أكتب في المساجلات الأدبية التي دارت بين شيخ العروبة والأستاذ مسعود في (الطرطوشي ولاردة)، وبين الدكتور زكي مبارك والأستاذ عبد الله عفيفي في كتاب (زهرات منثورة)، وبين الدكتور طه حسين والأستاذ العقاد في (اللاتينيين والسكسونيين). وقلت أن هذا موضوع طريف جدير أن يكتب فيه الكاتب ويعرض فيه لنوعي النقد اللذين ظهرا في كتابة هؤلاء الأدباء؛ فأحد النوعين قاس عنيف، تورط فيه الأربعة الأولون حتى يخيل إلي أنه لم يبق إلا أن يتسابوا بالآباء، أو يتضاربوا بالأكف، ويتبارزوا بالسيوف! والآخر عفيف خفيف كالذي سلكه طه والعقاد، فيه لذع، ولكن بالإيماء والإشارة، وفيه مهاجمة عنيفة، ولكن للفكرة لا لقائلها، ويخيل إلي أنهما إذ تقابلا تعانقا، ومهما أطالا فلن يتباغضا، ليس في أسلوبهما إدلال وفخر وإعجاب وعجب، كالذي بين شيخ العروبة ومسعود، وليس فيه إسفاف وتنابز بالألقاب وإدخال للعمامة والقبعة في وسط المعمعة، كما بين عبد الله عفيفي وزكي مبارك! يدعو أحدهما الآخر إلى التلمذة له، ويلقي كلاهما درسا في النحو على أخيه، ويذكر أن من الألفاظ ما لو ذكرته لهاج بي قراء الرسالة يوسعونني تأنيبا وتجريحا، ولغضب عليً صاحب الرسالة فعاقب مقالتي بإهمالها.
وقلت من الحق أن تصرخ في وجه هؤلاء، وأن تعلن أن نقدهم يعجبك موضوعا ولكن لا يعجبك شكلا، وأن الذوق إذا رقى اكتفى في الخصام بلمحة، وأن الأديب يعجبه التعريض والتلميح، ويشمئز من الهجو المكشوف والتصريح، وأن العامة إذا تسابوا أقذعوا، وأن أولي الذوق إذا تخاصموا كان لهم في الكناية ومراتبها، والإيماء ودرجاته، والتعريض ومقاماته، مندوحة من الأسلوب العريان والصراحة المخزية، وأن الحقيقة الواحدة يمكن أن تقال على ألف وجه، يتخير الأديب أحسنه، على حين لا يعرف العامي إلا وجها واحدا يتلوه
стр. 291
الضرب، وأن في أعناق شيوخ الأدب حقا للناشئة من المتعلمين الذين يضربون على قالبهم ويسيرون على منوالهم، وأن هؤلاء الناشئة ليجدون في هذه الصحف والمجلات مدرسة تثقفهم وتغذيهم، ثم هم بعد قادة الأدب وهداة الأمة، فلو أنا علمنا النشء هذا النقد الذي لا يرعى صداقة ولا يأبه لوفاء كان علينا وزرهم، ووزر الأجيال بعدهم، وكانت مدرستنا التي ننشئها قاسية البرامج فاسدة الطريقة.
وقلت: ان هذه الطريقة لا تخدم الحق كما يزعم أصحابها، فلسنا نطلب منهم أن يسكتوا على باطل، وأن يغمضوا عن خطأ. بل نحمد منهم جدهم في خدمة الحق، وسهرهم في كشف الصواب، ولكنهم يسيئون إلى الحق إذا ظنوا أنه لا يؤدي الا بهجر، ولا يكشف إلا بسباب، والحق إذا عرض في أدب كان أجمل وأجدى على رواده، وإذا عرض في سفه حمل المعاند أن يصر على عناده، وحمل الخجول أن يكتم آراءه في نفسه حتى لا ينهش عرضه ولا تبتذل كرامته، فقل التأليف وضعف الإنتاج.
جال كل هذا في نفسي، ولكني خفت أن أكتب مقالتي في هذا الموضوع، وقلت إن فعلت هاجوا بك وتركوا خصومتهم لخصومتك، وتصادقوا لعداوتك، وقالوا أتلقي علينا درساً في الأدب ونحن أساتذة الأدب؟ ومن أنت وما شأنك؟ وجلسوا مني مجلس الملكين يسألون ويسفهون. وأنت ما أغناك عن هذا الموقف! وما أبعدك من هذا المأزق! فتركت هذا الموضوع وعدلت عن المشروع.
ففيم أكتب إذن؟
٢
كنت في الترام عصر يوم من هذا الأسبوع، فصاح بائع الجرائد: المقطم! البلاغ! فلم ألتفت إليه لأني كنت قرأتهما. فلم يصدق أني سمعت فصاح صيحة أنكر من الأولى، فكان موقفي منه هو موقفي، فأمعن في الصراخ وأمعنت في البرود، فما وسعه إلا أن صعد لترام ومسني بالمقطم والبلاغ، فاضطررت إلى أن أقول أني قرأتهما ليصدق أني سمعت وفهمت!
وقلت: إن هذا موضع للكتابة طريف، أدعو فيه إلى دقة الحس ورقة الشعور وظرف المعاملة، فان ذلك لو كان لأغنانا عن كثير مما نلاقي من عناء وجفاء، وما معاملاتنا الا كالآلة بلا زيت: تسير ولكن تصدِّع.
стр. 292
على أنني قلت أن هذا الموضوع من جنس الأول، فلو أن أساتذة الأدب رقوا في نقدهم، لرق بائعو الجرائد في عرضهم.
فعرضت عن هذه إذ عرضت عن تلك.
٣
وجلست في مجلس يجمع طائفة مختارة من الأدباء، فعُرضَت بعض القصائد والمقالات، فما من قصيدة أو مقالة إلا استحسنها قوم واستهجنها آخرون، ورأيت من استحسن لم يستطع أن يقنع من استهجن، ولا من استهجن قد استطاع أن يقيم الدليل على من استحسن، ورأيتهم إذا تناقشوا في المعقولات أطالوا حججهم وسددوا براهينهم، وذكروا لقولهم الأسباب والنتائج، وهم أعجز ما يكون عن ذلك في الفنون والآداب.
فقلت هذا موضوع جيد، أليس من الممكن أن يوضع للذوق منطق كما وضع أرسطو للعقل منطقا؟ فلتكتب في (الذوق الفني) ولتحاول أن تبين أسباب الخلاف ووجه الصواب ووجه الخطأ، وترسم سلما للرقي في الذوق تعرف به من اخطأ ومن أصاب، وتبين به علة الخطأ في المخطئ والإصابة للمصيب، وكيف تحكم على ذوق بأنه أرقى من ذوق، كما تحكم على عقل أنه أرقى من عقل.
ولكني رأيت الموضوع عميقا يحتاج إلى أن أفرغ له وأهجم عليه ابتداء من غير أن أشتت فكري في موضوعات مختلفة فأرجأته إلى حين.
وقلت: ما الذي يمنع أن أجعل مشروع المقالة مقالة؟ فليكن!
стр. 293
إلهتي
ما رونق البدر إلاّ … أشعة من عيونك
ما سحر بابل إلا … إشارة من جفونك
هديتي لآلهي … فنوره في جبينك
وحيرتي فيه بعض … من حيرني في شئونك
وأنت سر وجودي … فكيف أحيا بدونك؟
صالح جودت
стр. 294
قلب!!
يا حسان النبات هاكن قلبي … زهرة لا تزال في الأكمام
ملؤه في الصميم عرف شذى … من حنان ورقة وهيام
طله باكر الندى فهو غض … لم تفارقه روعة الاحتشام
لقنته الطيور في الأيك لحنا … وقعته قيثارة الإلهام
وهو نسج الطبيعة الحر قد صا … نته عن كلفة وعن أوهام
يرقب الشمس أن تغذيه بالن … ور حتى يبيح سر الختام
يوم يفتر بعد طول اغتماض … عن غرام لم يفوق كل غرام
جنين - فلسطينح أ
стр. 295
أثر الثقافة العربية في العلم والعالم
بقلم أحمد حسن الزيات
٣
لم يشهد الشرق فاتحا قبل العرب يفتح البلدان والأذهان ويستعمر
الألسنة والأفئدة في وقت معا. فاليونان والرومان غزوه بالسيف
والحضارة والعلم، ولبثوا الحقب الطوال يمكنون لأنفسهم فيه، ويطبعون
آثارهم في أكثر نواحيه، حتى إذا وهنت اليد القوية، وأمكن من يده
السلطان الغريب، تنكرت المعارف وعفت الآثار.
وكان ما كان من ملك ومن ملك … ثم انقضى فكأن القوم ما كانوا!
ولكن العرب تدول دولتهم وتزول صولتهم ويعمل الفاتح الغشوم في رجالهم السيف، وفي آثارهم النار، حتى إذا ظن انه ملك، وان عدوه هلك، إذا بالعرب يقولون له في كل مكان وفي كل إنسان؛ أنا هنا! وإذا بالمغير المزهو يستسلم لهذه القوة الخفية فتحتل خواطره ومشاعره وكيانه، ثم ينقلب على الرغم منه داعيا لخلافتها ناشرا لثقافتها! فهل رأى التاريخ مثيلا لهذه الأمة التي حكمت الناس ظاهرة ومضمرة؟ وهل رأى التاريخ ضريباً لهذا الشعب الذي طبع قسما كبيرا من الدنيا بطابعه منذ ثلاثة عشر قرنا ثم لا يزال هذا الطابع على رغم العوادي جلي السمات واضح الدلالة؟ فسلطان العرب على العالم قد زال منذ قرون، ولكن ثقافتهم ما تنفك قائمة في الشرق الإسلامي حتى اليوم! ومن الشبيه باللغو أن نفصل أثر هذه الثقافة في أفريقيا وآسيا، فان من خضع للعرب من شعوب هاتين القارتين قد انقطع ما بينهم وبين أسلافهم من صلات اللغة والأدب والعقائد والتقاليد، فأصبحوا لا يتكلمون ولا يفكرون ولا يعتقدون ولا يعيشون إلا بما للعرب من جميع ذلك. وذو الحيوية القوية منهم كالفرس استطاع بعد حين أن يجمع فلول لغته من يد البلى فأعادها إلى الحياة بعد ما اقتبس لها من الألفاظ العربية ما يشارف الستين في كل مائة، فضلا عن استمداده من العربية الروح والحرارة والبلاغة والخط. ومع ذلك ظل الفرس ومن فعل فعلهم يستعملون العربية إلى وقت قريب في التأليف والتعليم والأدب كما كان الأوربيون في
стр. 296
القرون الوسطى يستعملون اللاتينية لمثل ذلك. على أن الثقافة العربية لم تقف في الشرق عند حدود الفتوح وإنما تجاوزتها إلى حدود الهند والصين على يد التجار من العرب، والمهاجرين من الفرس، والغازين من الترك والمغول، فالعرب نقلوا في رحلاتهم التجارية طائفة كبيرة من المعارف إلى تلك البلاد ظنها الأوربيون فيما بعد أصيلة فيها. وقد ألح العلامة سديو الفرنسي صاحب كتاب تاريخ العرب في التدليل على هذا الرأي. والرياضي النابغ محمد بن احمد البيروني المتوفى سنة ٤٣٠ نقل إلى الهند أثناء اتصاله الطويل بمحمود الغزنوي خلاصات قيمة من العلوم العربية نقلها الهنود إلى السنسكريتية في مثنويات من النظم. وكوبلاي خان المغولي أدخل في الصين طب العرب وبعض ما ألف من الكتب في بغداد والقاهرة. ثم أخذ الفلكي الصيني (كوشيوكنج) أزياج ابن يونس المصري من جمال الدين الفارسي ونشرها في بلاده.
وبينما كان الشرق من أدناه إلى أقصاه مغمورا بما تشعه منائر بغداد والقاهرة من أضواء المدينة والعلم، كان المغرب من بحره إلى محيطه يعمه في غياهب من الجهل الكثيف والبربرية الجموحة، وكان حظه من الثقافة يومئذ ما تضمه حصون الأمراء المتوحشين من بعض الكتب، وما يعلمه الرهبان المساكين من قشور العلم. وانقضى القرن التاسع والقرن العاشر للميلاد وأولئك الأمراء في قصورهم يتبجحون بالأمية ويرتعون في الدماء، وهؤلاء الرهبان في ديورهم يمحون الكتابة من روائع الكتب القديمة لينسخوا على صفحاتها الممحوة كتب الدين، حتى أزال الله الغشاوة عن بعض العيون فرأوا من وراء هذا الظلام الداجي بقعة من المغرب تسطع فيها شمس المشرق، فلما تبينوا أن البقعة هي جزء من أسبانيا، وان النور قبس من نور بغداد، استيقظفي نفوسهم طموح الكمال الإنساني فطلبوا العلم فلم يجدوه إلا عند العرب. ففي سنة ١١٣٠ أنشئت في طليطلة مدرسة للترجمة تولاها الأسقف (ريموند) وأخذت تنقل جلائل الأسفار العربية إلى اللاتينية وأعانهم على ذلك إليهود، فبعثت هذه الترجمة في أوربا الخامدة شعورا لطيفا وروحا طيبة، وتضافرت على هذا المجهود النبيل قواعد أخرى للترجمة طوال القرون الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر حتى بلغ ما ترجموه من العربية يومئذ ثلاثمائة كتاب أحصاها الدكتور (لكلارك) في كتابه تاريخ الطب العربي وأحصاها غيره أربعمائة. وكان أكثر ما ترجم في هذه العهود
стр. 297
كتب الرازي وأبي القاسم الزهراوي وابن رشد وابن سينا وما نقل إلى العربية من اليونانية لجالينوس وأبقراط وافلاطون وأرسطو واقليدس الخ. . . وظلت هذه الكتب المنقولة منهاجا للتعليم في جامعات أوربا خمسة قرون أو ستة، واحتفظ بعضها بقوته وقيمته حتى القرن التاسع عشر ككتب ابن سينا في الطب مثلا، وكان ابن رشد هو المهيمن المطلق على الفلسفة في جامعات فرنسا وإيطاليا وبادو على الأخص ابتداء من القرن الثالث عشر. ولما أراد لويس الحادي عشر تنظيم التعليم سنة ١٤٧٣ أدخل في المنهج فلسفة ابن رشد وارسطو. فلولا وجود العرب في الأندلس وترجمة علومهم في صقلية والبندقية لما تهيأ للقرون الوسطى أن تظفر بكتاب من كتب اليونان ولا أثارة من علم العرب، ولما تيسر لطلاب العلم من الأوربيين أن يردوا مناهله الصافية في جامعات اشبيلية وقرطبة وطليطلة. قال المؤرخ الإنجليزي جورج ملر في كتابه فلسفة التاريخ: إن مدارس العرب في أسبانيا كانت هي مصادر العلوم، وكان الطلاب الأوربيون يهرعون إليها من كل قطر يتلقون فيها العلوم الطبيعية والرياضية وما وراء الطبيعة. وكذلك أصبح جنوب إيطاليا منذ احتله العرب واسطة لنقل الثقافة إلى أوربا. وممن ورد تلك المناهل الراهب جربرت الفرنسي. فانه بعد أن ثقف علوم اللاهوت في (أورياق) مسقط رأسه جاب عقاب (ألبيرانس) والوادي الكبير حتى ورد اشبيلية. فدرس فيها وفي قرطبة الرياضيات والفلك ثلاث سنين. ثم ارتد إلى قومه ينشر فيهم نور الشرق وثقافة العرب فرموه بالسحر والكفر، ولكنه ارتقى إلى سدة البابوية سنة ٩٩٩ باسم سلفستر الثاني. كذلك تخرج على علماء قرطبة (شانجة) ملك ليون واستوريا، وأولع بعض أمراء إيطاليا بالعربية وعدوها لغة الأدب العالي، وأوصى قومه الراهب (روجر بيكون) الإنجليزي في كتبه بتعلم اللغة العربية وقال: (إن الله يؤتي الحكمة من يشاء، ولم يشأ أن يؤتيها اللاتين، وإنما آتاها اليهود والإغريق والعرب) وروى فولتير أن جميع ملوك الفرنج كانوا يتخذون أطباءهم من العرب واليهود، وذكر مثل ذلك (جيبون) في الفصل الثاني والخمسين من كتابه تاريخ اضمحلال الدولة الرومانية وسقوطها، وزاد عليه أن مدرسة (سالرنو) التي نشرت الطب في إيطاليا وسائر أوربا كانت غرس العبقرية العربية. وقال المسيو ليبري (امح العرب من التاريخ تتأخرنهضة الآداب في أوربا قرونا طويلة) وتلك حقيقة لا ريب فيها. فان العرب كانوا الحلقة التي لابد منها لصلة المدنية
стр. 298
القديمة بالمدنية الحديثة. فهم الذين وقفوا أوربا على مخلفات اليونان وغير اليونان، وهم الذين عالجوا هذه العلوم بالتجربة والاختبار لا بالحفظ والتكرار، حتى جلوا غامضها ونقدوا زائفها ورفعوا مباحثها على أساس من النظر الصحيح. ومالنا نحمل تبعة الكلام ونتعرض للنقض والإبرام وقد كفانا الأمر ثقاتهم ومنصفوهم؟ قال المؤرخ الإنجليزي (ولز) في كتابه ملخص التاريخ: (هب العرب يظهرون ما خفي من مواهبهم فبهروا العالم بما أتوه من معجزات العلم وأصبح لهم السبق بعد اليونان فبعثوا كتبهم من مراقدها. ونفخوا فيها من روحهم الحياة والقوة، فجعلوا بذلك سلسلة العلوم متصلة الحلقات محكمة السرد لا يمسها انقطاع ولا وهن. فإذا كان اليونان آباء الأبحاث العلمية المبنية على الصراحة والأمانة والوضوح والنقد، فان العرب مربوها؛ وما جاءنا العلم والمدنية الا عن طريقهم لا عن طريق اللاتين) وأنكر كاتب من الإنجليز فضل اليونان على العلم الحديث وعزاه كله إلى العرب قال: إن العلم الحقيقي إنما دخل أوربا عن طريق العرب لا عن طريق اليونان، فان الرومان أمة حربية، واليونان أمة ذهنية، وأما العرب فكانوا أمة علمية.
لبث الفرنج يا سادتي في طور التخرج والنقل حين أخذوا عن العرب، أكثر مما لبث العرب في هذا الطور حينما أخذوا عن اليونان. فان من اليسير أن نعد كثيرا من العرب قد بذوا أساتذتهم من اليونان قبل انقضاء قرن على الترجمة، ولكن من المستحيل أن نعد من الفرنج مؤلفا واحدا قبل القرن الخامس عشر كان يعمل شيئا غير النقل عن العرب أو الجري على أسلوب العرب، فرجور بيكون، وليونارد دبيز، وأرمان دفيلنوف، وريمون لول، وهرمان الدلماشي، وميخائيل سكوت، ويوحنا الاشبيلي، وسان توما، وألبيرلجراند، والفونس العاشر أمير قشتاله، لم يكونوا غير تلاميذ للعرب أو نقله عنهم. قال مسيو رنان: إن البير لجراند مدين بعلمه كله لابن سينا، وسان توما مدين بفلسفته لابن رشد.
أسمعوا يا سادتي ما يقول (بترارك) شاعر إيطاليا العظيم ينعى على قومه تخلفهم في مضمار العلم وقعودهم عن مجاراة العرب، والشاعر من رجال القرن الرابع عشر فلا جرم أن شهادته حجة: قال في لهجة مرة من الإنكار والتعجب:
(ماذا! ماذا! أبعد ديموستين يستطيع شيشرون أن يكون خطيبا، وبعد هوميروس يستطيع فرجيل أن يكون شاعراً، وبعد العرب لا يستطع أحد أن يكتب؟ لقد ساوينا الإغريق غالبا
стр. 299
وشأوناهم حينا. وإذا شأونا الإغريق فقل شأونا جميع الأمم ولكن ما عدا العرب! يا للجنون! يا للضلال! يا لعبقرية إيطاليا الراقدة أو الخامدة!!)
هذه يا سادتي صفحة واحدة من صفحات الثقافة العربية تعب فيها الإيجاز وضاق عنها الوقت. ظهر فيها أثرها العلمي العالمي على عموميته وإجماله ناصع البيان مشرق الدلالة. وتراءى من خلالها الذهن العربي ساطع العبقرية باهر الجلالة، فهل من الإخلاص للإنسانية والمدنية أن نترك هذا التراث الفكري العجيب يذهب ضحية لخطأ الحكم في الماضي وسوء الفهم في الحاضر؟ أن الثقافة اليونانية وهي أقدم من العربية لا تزال تستغل، وأن الأدب الأوربي ليستمد من روحها قوة ومن قديمها جدة، وأن ثقافة العرب وهي عصارة أذهان الشعوب وخلاصة أديان الشرق لحرية أن تبعث في آدابنا القوة وفي أخلاقنا الفتوة وفي نهضتنا الطموح والحركة على أن هناك صفحات ناصعات من هذه الثقافة في الخلق والأدب والفن سنجعلها موضوع محاضرة أخرى في فرصة أخرى. . .
стр. 300
رفائيل
للدكتور عبد الوهاب عزام
البارحة بعد نصف الليل أتممت قصة رفائيل قراءة. وكنت بدأت قراءتها منذ زمان بعيد فتطاول الأمد، وتثاقلت النفس، تثاقل الغم والحزن على قلبي جوليا ورفائيل.
ما حسبت قط أن الحزن الذي شربته جرعات، وأشربه قلبي وأحسسته حينا بعد حين يبلغ بي هذا المبلغ. بلى؛ أذكر أني في إحدى الليالي وقفت القراءة إشفاقاً على نفسي حينما بلغت برفائيل وجوليا حديقة منسو. وحم هنالك الوداع! أذكر أني حينئذ وضعت الكتاب على حافة السرير، وألقيت على الوسادة رأسا بنوء بالهموم، فماج بي الليل وطار الفكر في أرجاء السماوات، وقذف القلب بأحزانه زفرات، ودارت النفس في أعماق من الظلام والفكر ما لها من قرار. ولكني ما حسبت قط أن الحزن آخذ بي إلى هذه الغاية. وأذكر في هذه القصة مواقف موجعة، ومشاهد مروعة. أذكر جوليا ورفائيل، وهما في نفسيهما مأساتان أحكم الله تأليفهما. وبعث بهما إلى الأرض في صفحات الحادثات أو في صفحات لا مرتين ليقرءوا على مر الأيام. . وأذكر البحيرة، بحيرة (برجيه) يوم جمع القضاء بين حبيبين لا يعرف أحدهما الآخر، فكأنهما التقيا على موعد بعد أن برح يهما الشوق، وأمضهما الانتظار، ويوم حان فراق اكس، ورحلت جوليا إلى باريس فتبعها رفائيل يرقبها عن كثب وهي لا تدري، وينجدها كلما عرض لها ما تكره؛ حتى أبلغها دارها ثم رجع، وأذكر تلاقيهما في باريس يجتمعان على هوى عذري، وفرح هو أشد ضروب العذاب، في ملتقى حبيبين هو أشبه بمأتم تهيأ فيه للقضاء الذي ليس منه مفر. ويوم يبيع رفائيل لؤلؤة أمه وهو يبلها بدمعه ليستطيع الإقامة على مقربة من جوليا، ويوم ذهب إلى أمه فأخبرها أن الطبيب أشار عليه بالمسير إلى سافورا، فلا تجد أمه بدا أن تقسو على أعز صديق وأنفس ذخيرة وأجمل ذكرى: الشجرات اللاتي يظللن المنزل واللاتي حنون على هذه الأسرة دهراً طويلا! فكان في ظلالهن مسارح اللهو ومدارج الصبا لرفائيل وأمه وأبيه. فانظر كيف تضطرها الأقدار، أن تسلط الفأس على هذه الأشجار!
كل أولئك أذكره، وأنها لذكرى ممضة. ولكن ما حسبت قط أن يبلغ الحزن بي هذا المدى!
البارحة بعد نصف الليل أخذت الكتاب أقرأ الوريقات القليلة الباقية ونفسي تضطرب فزعا
стр. 301
مما سيلقاها في ثنايا هذه الصفحات التي بدت كأنها صحف الغيب تنفتح عن المقادير واحدا بعد آخر.
حتى إذا بلغ رفائيل الكوخ الذي حمل إليه جوليا، فلم ير الا ظلاما ولم يسمع بين الظلام نأمة حي، فدار يقبل الجدار والجدار، حتى بلغ المكان الذي ركع فيه بين يدي جوليا وهي في غشيتها يوم البحيرة. ثم يتحامل إلى جدول يأكل على حافته ما يمسك ذماءه. على ذكرى قاتلة، وحرقة يعيا بها الوصف.
قرأت حتى جاء الملاح إلى رفائيل برسالة من صديقه لويس يبلغه رسائل جوليا، فعاد رفائيل إلى حجرته يسير إلى مهلكه على شعاع ذاو من أشعة الشمس الغاربة. يفض رفائيل الغلاف عن رسالة لويس ثم عن رسائل باريس فإذا كتاب معلم بالسواد، وإذا خط (ألن) لا خط جوليا. يقرأ سطورا سوداء تنعى إليه جوليا. وينظر بصره الزائغ فإذا خط جوليا نفسها، أجل خط جوليا نفسها، ولكنها كلمة أرادت قلمها عليها وهي في غمرات الموت تعزي رفائيل عن نفسها، فلله ما أفظعها تعزية! تركت رفائيل يخر مغشيا عليه. وخررت على فراشي فبكيت ثم بكيت ثم لج بي البكاء.
وحاولت سدى أن أسكن جأشي أو أكفكف دمعي، ما تعمدت البكاء ولا رجوته، ولا خلت أن أنتهي إليه، ولكنه كان وحيا من الحزن والدمع لا أعرف من أين هبط، بل ثورة من هموم راكدة، وأحزان كامنة، كانت قصة رفائيل لها كقداحة الزناد. أو كضربة مسحاة على نبع يدافع الثرى لينفجر.
كذلك انتهت بي قصة رفائيل، وكذلك أبكي لامرتين بعد مائة سنة شاعراً مجهولا يشبه لامرتين طبعاً مكتئباً، وقلبا منقضباً، ونفساً ملتهبة. شاعرا قد يبلغ به الاعتداد بنفسه أن يظن أن ليس بينه وبين أن يكون لامرتينا آخر الا (التأملات).
كذلك فعلت بي قصة رفائيل، فلما أفقت لم أدر أأساء إلى لامرتين أم أحسن، ولم أدر أأحمد صديقي الزيات أم ألحاه؟.
стр. 302
هذا الغروب. . .
للأستاذ راشد رستم
شهدت غروب الشمس في كل ناحية من نواحي هذا الوادي الفسيح الممتد: رأيت الشمس من أعلى الهرم الأكبر تذهب مع ذهب الصحراء، ورأيتها تختفي وراء صفحة الماء، أو تودع حسرى خلف جبال ليبيا، أو تغيب كاسفةً وراء الأفق بين أطلال وآثار، أو تغوص في لجة الغيب تحت إشراف المنائر وأعالي الأشجار، أو تحتجب عن الأبصار وسط جمع من كثيف السحاب، أو تذوب في سماء صافية تمسحها من لوحة النهار يد الليل القاتمة، ولها في كل حال ما شاءت لها الأيام من وحشة ومن وراء.
وهؤلاء القدماء آباء هذا القطر القديم كانوا يسيرون، هادئين طائعين، مع الشمس حتى الغروب: كم أعطتهم حياة وحرارة! وكم أمدتهم بأسباب الخلود في الجلمود! وهم اليوم قد غابوا عنها. أما هي فما غابت عنهم ولن تغيب عنا وإنما يأتي اليوم الذي نغيب نحن فيه كما غابوا وكما تلقيناها نحن عن الأجداد سيتلقاها عنا الأحفاد.
وهذه الشمس المانحة، تسير عبر الوادي سابخة، كما كانوا يقولون، تقبل عليهم نياما وتتركهم أيقاظا، تمنهحم بهجة النهار، وتنزل عليهم سكينة الليل، ولكنها بين ذلك قد تأتيهم وقت الغروب بالوحشة ذات الخفايا والظلمات، حتى ليظنون في يقين أن هذا الغروب وداع للنور وتسليم بظلمة الوجود.
ينقطعون عن الحي الصاخب المتحرك، ويدخلون البيوت الهادئة الساكنة كأنهم يدخلون القبور، وفي السكون مع الهدوء تنشأ الحركات - ولكنهم يتركون الفضاء الواسع والنجم الساطع ويخضعون لكابوس الليل الزائل، يسيرون بالركب وئيدا مستسلمين، يضمهم وينضمون إليه وهم فيه صامتون، إلا ما كان أمراً لصارخ بالسكوت، أو زجراً لسريع بالهدوء، أو همساً لآمل باليأس الممقوت. . .
أما أنا فما ساءني غروب في هذا الوادي الخصيب، بل دلني كل غروب، في اختلاف حالاته، على انه حركة تتلوها حركات، وانه علامة للفصل، تنبئ عن وجه جديد بشروق جديد، في نور جديد بأمل جديد. . وهكذا حييت مع هذا الفاصل، متصلا دائما بالأمل الجديد. . .
стр. 303
ولم أسأل نفسي ولن أسألها عما يكون مع الشروق الجديد، ولن أسأل غيرها عن غدها إذ الكل على الغد عيال، وما عرفنا عند الناس علم الغيب ولا عناوين الأيام.
إنما أناجي نفسي كل غروب: ماذا أعددت للغد أيتها النفس الساكنة في قلق، الآملة في يقين؟ ماذا هيأت من أثر يضاف إلى آثار سابقات، أو من حسنة تمحو سيئات، أو من بسمة تذهب بالآهات، فيكون ذلك منك فهماً لمعنى الواجب بل لمعنى الحياة. . .
حتى إذا سحبت الشمس بعد غروبها ذيل ضيائها وتمكن الليل من الأحياء، فأني أودع صاحبي وأقول: قم يا صاح فللغروب شروق، وللمساء صباح. . .
стр. 304
فلسفة نيتشه
للأستاذ زكي نجيب محمود
لسنا نحسب أن داروين، حينما أذاع رأيه في تنازع البقاء وبقاء
الأصلح، كان يدور في خلده أن ذلك الرأي سيكون له من العمق
والسيطرة الفكرية ما له اليوم، وأنه لن يقتصر على الأحياء من نبات
وحيوان، بل سيتعداها إلى كل لون من ألوانالنشاط الإنساني؛ فأساليب
الحكم، والدين، والأدب، والفن، والفلسفة، كل هذا وما هو أدق من هذا
وأجل، يحاول الكتاب الآن أن يخضعوه إخضاعاً لقانون تنازع البقاء.
فعسانا لا نسرف في القول إذا زعمنا أن داروين هو رب الفكر
لحديث، يتأثر خطاه آلاف المفكرينوالكتاب، وأصبح بقاء الأصلح
غرض الرمي في الكثير الغالب من أبحاث العلم والفلسفة والفن جميعاً.
وفلسفة نيتشه هي واحدة من تلك الفلسفات العديدة التي يرجع نسبها إلى قانون داروين، فقد استولد نيتشه ذلك القانون واتخذ منه مقدمة، ثم استخرج فلسفته كنتيجة لازمة لتلك المقدمة، ولم يجد التردد إلى نفسه سبيلا في إذاعتها في الناس على خطورتها، واقعة ما وقعت من نفوسهم.
ما دام قانون تنازع البقاء وبقاء الأصلح يسيطر على كل مظاهر الحياة، فلابد للواهن أن يخور ويتلاشى، ولابد للقوة في كل شيء أن تظفر آخر الأمر، وإذا فالمثل الأعلى للفضيلة هي القوة دون سواها، والضعف هو علة العلل وآفة التقدم. فأيا كانت الأخلاق التي تثبت قدمها في معترك البقاء، فهي الفضيلة وهي الخير، وأيا كانت الأخلاق التي تخور قواها فتسقط صريعة في الميدان لتخلي الطريق لسواها فهي الرذيلة وهي الشر.
هكذا يبدأ نيتشه منطقه ثم يتابع هذا المنطق إلى نهايته، حتى يصل آخر الأمر إلى نتيجة خطيرة كل الخطر: إلى نبذ المسيحية بل إلى نبذ الأديان جميعا ما دامت تنتشر مبادئ العطف والإيثار والاستسلام؛ ثم ينادي بدوره بوجوب القسوة والقوة والعنف لأنها قوية،
стр. 305
ولأنها أقدر على البقاء.
الإنسانية في حياتها وفي تقدمها تحتاج إلى القسوة دون الرحمة، وإلى الكبرياء دون التواضع، وإلى الذكاء والسيطرة دون الإيثار. أما هذه المساواة والديمقراطية التي اتجهت إليها الشعوب في التاريخ الحديث، فإنما تقف عقبة كؤوداً في سبيل الانتخاب الطبيعي للبقاء، فليس في الكثرة العددية والجموع البشرية كمال الإنسانية المنشود. ولكن في الصفوة القوية العبقرية وحدها. إذا فليس من المنطق في شيء أن تكون المساواة أساس الأجتماع، تلك المساواة التي تحد من قوة القوي، وتضيف إلى الضعيف قوة مصطنعة أبتها عليه الطبيعة. فلننبذ الديمقراطية نبذ النواة، ولنخل الطريق أمام القوة لكي تستطيع أن تتبوأ مكانها وتتحكم في أعناق الجماهير، وليكن المثل الأعلى في الحكم هو بسمارك وأشباهه الذين يسوسون الشعوب بالنار والحديد.
الأخلاق
أراد نيتشه أن يقوض بناء الأخلاق السائدة من أساسه، ليقيم على أنقاضه بناء خلقياً جديداً. أراد أن يبيد هذا النوع الإنساني ليخلق ضرباً آخر من الإنسان قوياً عنيفاً ذكياً كما يريد: هو السوبرمان (الإنسان الأعلى).
فقد شهد التاريخ نوعين مختلفين من الأخلاق: أخلاق نبيلة سامية، كانت شعار الشعوب القديمة، وبخاصة الرومان. إذ كانت الفضيلة تعني الرجولة والجرأة والشجاعة، وأخرى وضيعة دنيئة ظهرت في الشرق، اصطنعها اليهود اصطناعاً أيام ضعفهم. حيث الفضيلة عبارة عن مجموعة من صفات ترجع في أصولها إلى الخوَّر والاستكانة والذل. فالخضوع قد خلق التواضع خلقا، والعجز كون الإيثار تكويناً، وهكذا نسج القوم حولهم نسيجا من الأخلاق الهزيلة الخائرة يدرعون بها حيث لا مقدرة لهم ولا سلطان، ونزعت النفوس إلى السلم والتماس لنجاة، بعد أن كانت تلتمس مواضع القوة والخطر؛ فحل الخداع والمكر محل القوة، والإشفاق والعطف مكان الصلابة والعنف، وجاء التقليد دون الابتكار والإنشاء، وقام الضمير حكماً يلتجأ إليه مقام التفاخر بالشرف. . فالشرف وثني، روماني، أرستقراطي؛ أما الضمير فأثر من آثار اليهودية فالمسيحية فالديمقراطية.
ويقول نيتشه إن الأنبياء استطاعوا بما أوتوا من قوة الشخصية. وسحر البيان أن يزينوا
стр. 306
للناس ذلك النوع الهزيل من الأخلاق، حتى رسخت في نفوسهم وأصبحت عقيدة ليس إلى نبذها من سبيل، فإتقلبت الأوضاع، وأصبح الفقر والضعف هما جوهر الفضيلة، والقوة والثراء عنوان الرذيلة.
وقد بلغ هذا التقدير الخلقي أقصى حدود التقديس أيام المسيح الذي جعل الناس جميعا سواسية، ومن هنا أشتق العصر الحديث مبادئ الديمقراطية والاشتراكية، التي يعتقد نيتشه أنها الطريق المؤدية إلى الدمار والخراب.
ولكن الطبيعة تأبى الا أن تهدي الإنسانية سواء السبيل، فزودتها بإرادة غريزية لا تخطئ ولا تطيش لها سهام، فأنت إذا أمعنت النظر في الطبائع البشرية، أيقنت أن هذه الأخلاق السائدة من عطف ورحمة وإيثار وتضحية وما إلى ذلك، ليست الا ستاراً رقيقاً يخفي وراءه دافعاً غريزياً يمتلك من الإنسان قياده، نعم ذا أنت أمعنت في تحليل النفس الإنسانية، وجدت (إرادة لقوة) مستقرة في صميم الأعماق، تسير بالإنسان حيث تشاء. أعني أن الإنسان يلتمس القوة والسيطرة في كل ما ينزع إليه من أعمال وما يجيش في نفسه من مشاعر، وهذا الحب الذي يتخذه كثيرون دليلا على الإيثار بحجة أن التضحية فيه واضحة لا تحتاج إلى دليل هو في أعماقه رغبة في التملك، فما يبذله المحب في سبيل حبيبه يدفعه ثمنا للسيطرة على مخلوق آخر!! بل يزعم نيتشه أكثر من هذا فيقول إن من يتفانى في البحث عن الحقائق، لا يصرف مجهوده في سبيل الله من دونه. بل هو في الواقع يحاول أن يمتلك الحقائق قبل الآخرين.
وإرادة القوة هذه تملي على الإنسان ألوان الفلسفة وشتى ضروب الفكر، فمخطئ واهم من يحسب أنها تمثل الحقائق الواقعة، وإنما هي صورة منعكسة لرغباتنا، فالفيلسوف لا يضع المقدمات الصحيحة ثم يستنبط منه حكمته، ولكن الفكرة تنشأ وتتكون في ذهنه أولاً ثم يجيء بعد ذلك المنطق الذي يبررها.
فهذه الرغبات الغريزية المستترة وراء تلك الحجب الكثيفة من الأخلاق الظاهرة، هذه (إرادة القوة) هي التي توجه ميولنا وتكون آراءنا.
فالمنطق إذا ثوب رياء نخدع به أنفسنا، أو بعبارة خرى، تتخذ إرادة القوة من المنطق مبررا لأعمالها أمام العقل الإدراكي، ولكن الرجل القوى لا يحاول أن يستر إرادته وراء
стр. 307
هذا الستار المنطقي الشفاف، الرجل القوي لا يعرف الا منطقا بسيطاً ينحصر في كلمتين، هما: (أنا أريد) ومتى أراد فلا حاجة إلى التماس المبررات. ولكن جاءت المسيحية فعكست الأوضاع الطبيعية. وأصبح الرجل القوي يستحي من قوته، ولابد له من البحث عن منطق لرغباته. وبذلك أخذت الأخلاق الأرستقراطية القوية الصالحة تذوي وتندثر، ونهضت قطعان الشعوب تقيم على أنقاضها صرحاً جديداً للأخلاق التي تلائم ضعفهم، وليس من سبيل إلى الشك في أنه إذا أرغمت أنوف الأقوياء، وأخذت السوقة تتبوأ مكان الزعامة من الإنسانية، فهي سائرة بخطى حثيثة إلى الدمار والفساد. ولسنا بحاجة إلى أن نقول إذا كانت الشفقة والرحمة والسلام خيراً، فليست الصراحة والعنف والحروب بأقل منها نفعا للمجتمع الإنساني: وبديهي أن هذه الأخلاق قد دافعت عن بقائها طوال العصور، ولم تبق الا لأنها نافعة وصالحة. ولولا أن (الشر) خير لاختفى من الوجود. فمن الحمق أن ننشد خيراً مطلقاً. بل لابد للأخلاق أن تتطور في الخير والشر على السواء، أي لابد للخير والشر أن يقفا جنبا إلى جنب، وأن يأخذ كل سبيله إلى الارتقاء.
السوبرمان
ما دامت الأخلاق تنزع إلى القوة في تطورها، فغرض الإنسانية لا يجوز أن يلتمس في السمو بالطبقات جميعا، وإنما يلتمس في تكوين نخبة صالحة؛ في تكوين السوبرمان، ومن العبث أن ينصرف المجهود البشري نحو إسعاد السوقة. بل يجب أن يتجه بكل قوته نحو إبادة هذا النوع من البشر، وإيجاد نوع أعلى مرتبة في الأخلاق؛ وانه لخير للإنسانية ألف مرة أن تتلاشى وتندثر من الوجود إذا لم تكن سائرة نحو تحسين النوع والارتفاع به. فليس المجتمع غرضا في ذاته، إنما هو أداة لزيادة قوة الفرد ونمو شخصيته، وهذا الفرد القوي السامي هو السوبرمان. الذي يؤمل نيتشه أن يخرج من أحضان الإنسان الحالي، وهو لا يعتمد في ذلك على الانتخاب الطبيعي، بل يريد أن يتعمد تكوينه بوسائل التربية، لأنه لاحظ أن تطور الحياة الطبيعي لا يعمل على إيجاد الفرد القوي الممتاز، وأن الطبيعة أقسى ما تكون على خيرة أبنائها، فلا سبيل إلى السوبرمان إلا بالانتخاب الصناعي والأخذ بوسائل (اليوجنية) والتربية الكاملة، وهو يقترح لتحقيق ذلك أن نعني بزواج الرجال الأقوياء من نساء ذوات قوة ممتازة، حتى لا يكون الزواج لمجرد التكرار، بل أداة للتسامي،
стр. 308
فإذا ما أنتج ذلك الزواج نسلا، أعددنا له مدرسة خاصة تروضه على القسوة والعنف والجرأة والشجاعة، لا يتردد في تنفيذ أغراضه مهما اعترض سبيله من عقبات، غير عابئ بشر أو بخير، فليس الخير إلا ما يزيدنا شعورا بالقوة، وليس الشر الا ما تخور معه العزائم.
الأرستقراطية
الأرستقراطية وحدها هي الطريق إلى السوبرمان، فيجب أن نبحث الديمقراطية من أصولها، وأن نحطم في سبيل ذلك المبادئ المسيحية بأسرها لأنها والديمقراطية صنوان.
الديمقراطية معناها الدمار، معناها أن يتصرف كل جزء من الكل العضوي كيفما شاء، معناها التحلل والفوضى، معناها استخفاف بالعبقرية والنبوغ. معناها استحالة ظهور العظماء، إذ كيف يخضع العظيم لمهزلة الانتخابات، وهذه الشعوب تنبذ النفوس الكبيرة الحرة الجريئة نبذ الكلاب للذئب الجسور؟ نعم تنبذ النفوس الثائرة على القيود والعبادات، والتي لولاها لظلت الإنسانية حيث بدأت في ركود مميت. فكيف السبيل إلى استنبات السوبرمان في مثل هذه التربة الجدباء؟ كلا! لا سبيل إلى ذلك في مثل هذا المجتمع الذي يرفع على أكتافه رجل الأغلبية دون الرجل العبقري العظيم. في مثل هذا المجتمع الذي يحاول عبثا أن يسوي بين أفراد جعلتهم الطبيعة درجات بعضها فوق بعض.
وإذا كان نيتشه ينادي باقتلاع الديمقراطية وتحطيمها. فهو بالتالي يسخر من الاشتراكية لأنها وليدة الديمقراطية وربيبتها، فإذا كانت المساواة السياسية عدلاً، أفلا تكون المساواة الاقتصادية عدلا كذلك؟
لا! العدل أن لا مساواة بين الرجال، والطبيعة نفسها تأبى هذه المساواة وتسعى جهدها في تباين الأفراد والطبقات والأنواع.
الحوت الكبير يلتهم السمك الصغير، هذه سنة القوة وخلاصة الحياة؛ فلتكن كذلك سنة الإنسانية ومثلها الأعلى في الأخلاق بغير مواربة ولا رياء.
نقد
يدعو فردريك نيتشه الإنسان الحالي إلى الفناء والتضحية بنفسه في سبيل السوبرمان، ومن
стр. 309
التناقض الظاهر أن يصدر عنه نداء بالتضحية في الوقت الذي يؤكد فيه أن الأخلاق القوية الصحيحة هي التي تدور حول الأنانية والاعتزاز بالنفس! كيف تريدني على إنكار نفسي وتمهيد الطريق لسواي، أستغفر الله بل تدعوني إلىإخلائها وتركها لمن هو خير مني، وفي هذا من الاستكانة والضعف ما يعود نيتشه فينكره أشد إنكار؛ ولم لا أثبت أنا في الميدان؟ ولم لا أكون أنا السوبرمان المنشود بعد إصلاح ما اعوج من طبيعتي؟ كذلك يريد نيتشه أن يقوض الأخلاق السائدة التي تعتمد على الرحمة والإيثار والعطف، ويقول أن ذلك خلقه الضعيف خلقا ليتقي به القوي وقسوته؛ وكم كنا نود أن نسأله كيف تغلب الضعيف حتى سادت آراؤه وأصبحت أخلاقا معترفا بها؟ وأين كانت الأرستقراطية القوية عندما شهرت صفوف الشعب في وجهها هذا السلاح الرهيب؟
الحق الذي لا شك فيه أن النزعات والأخلاق جميعا قد فرضها القوي على الضعيف فرضا، فان كان بها من الوهن شيء، فلا يقع تبعته إلا على عاتق القوي الذي يروج لحكمه نيتشه.
стр. 310
بين كرامة الثقافة وضآلة المهنة
في العالم الأوربي والأميركي ملايين المثقفين الذين تلقي بهم المقادير مكرهين إلى المهن الضئيلة في غير رفق ولا رحمة، فلا يقال إن العلم بذلك قد أهينت كرامته وانتهكت حرمته، لأنهم يفهمون العلم على أنه سبيل الرجولة التي تدفع بصاحبها إلى الضرب في زحمة الحياة في غير ترددأوتبرم حتى يساهم في الإنتاج وقد أنف من أن يعيش حميلة على غيره. . أما نحن فنفهم العلم على أنه الوسيلة إلى المكاتب الفخمة والمراوح الجميلة والأبهة المرموقة والفخفخة المغبوطة، ولذلك أصبحت للعلم في مصر كرامة (محلية) خاصة بهذا البلد التعس ينبغي إن ذكرتها أن ترفق بها , وألا تشتد عليها وإلا فقد أدميتها بشدتك وآذيتها بقسوتك. .!
هذا الترفه في مظاهر الحياة آية الأمم عندما تدب إليها الشيخوخة ويمضي عهد شبابها. ولست أجد شاهدا على صدق هذا أعدل من الدولة الرومانية التي أصابت في عهد فتوتها من الغنى والثراء والأسرى ما أدخل الغرور إلى نفوس أبنائها، فمالواعن فلاحة الأرض واستثمارها، وجنحوا عن الاشتغال بالجندية إلى اللهو والترف، فلم يغن عنهم ما لهم وعبيدهم وفنونهم وآدابهم وقوانينهم وعلومهم. وارتج عرش دولتهم أمام القبائل المتوحشة من الصقلب والكلت والجرمان. وما لبث التاريخ أن شهد مصرع الدولة العظيمة ومجدها يتوارى، وعزها يغرب، وجلالها يميل إلى الانحدار. .!
نعلم أن من طبيعة المجتمع أن يحن إلى الكمال، وينزع إلى المثل الأعلى، ولا يقيم على حب (الواقع) فيطمح إلى ما ينبغي أن يكون. ولا أكاد أشك في أن المجتمع لا يسعه أن يحقق مثله الأعلى كما ينبغي أن يحقق إن ظلت المهن التافهة مقصورة على الأميين والجهلة. لأن جمودهم الذهني وظلامهم العقلي يحولان دون تطور هذه المهن وتدرجها إلى الكمال. وهكذا حدثنا تاريخ الزراعة في مصر. . شغل بها الجهلة ومال عنها المثقفون من طلاب الزراعة الذين انطلقوا كلما أتموا دراستهم يبحثون عن وظيفة يظفرون فيها بالمكتب والمروحة وما إليهما من راحة ونعيم. . فكانت النتيجة أن الفلاح المصري ما زال يستخدم من الآلات ما كان يستخدمه أجداد أجداده الأولين. ولو مارس المهنة المثقفون من طلاب الزراعة لتطورت على أيديهم وسارت إلى الكمال بين الحين والحين. وبدت آياتها في شتى مناحيها، ولكن هؤلاء قد جهلوا أن غاية العلم تنحصر في (خدمة المجتمع). ولست
стр. 311
في شك من أن السائح الذي يرى معالم النهوض تبدو في مصر واضحة في العمارة والعلم والفن والاقتصاد، ثم يشهد الانحطاط لذي يدب في مهنة الزراعة عندنا سيأخذه الذهول والعجب. . . إذا أردنا أن نحقق للمجتمع مثله الأعلى الذي ينشده ويحن إلى تحقيقه فلنعد إلى شتى طبقاته ونوجد بينها التعاون الفكري ليوجد التوازن في التطور الذي يعم الحياة ويسود مرافقها. . .
وأظن أن المجتمع يحسن إلى نفسه كثيرا إن هو غير نظرته إلى المهن التافهة، لأن الاحتقار الذي يصبه الناس عليها يباعد بينها وبين رغبة المثقفين في الاشتغال بها. . كان توماس كارليل يتغنى بالبطولة ويناشد الإنسانية عبادة أصحابها وإجلال شأنهم. فما تاريخ الإنسانية في زعمه الا تاريخ العظماء من أبنائها. .! ولكن سبنسر يقول إن البطل يبني عظمته على حساب من يبخل عليهم المجتمع باحترامه. . . فمن جهاد الجندي المسكين استعار القائد عظمته ومن شقوة العامل المعذب استمد الثري راحته. فمن الظلم والجور أن نقول أن تاريخ الإنسانية بأسرها تاريخ العظماء من أفرادها. .
ولكن الإنسانية قد بدأت تكفر عن سيئاتها حين هبت تحيي الجندي المجهول (في ميدان الحرب) وترفع من شأنه وتجل من ذكره، وقد بقي عليها أن تمضي إلى إجلال الجندي المجهول في ميدان السلم، إذ ما زالت تعيش على عرق جبينه في الكثير من مناحي حياتها. وأكبر ظني أن هذا الإجلال الذي سيظفر به الجندي المجهول قبل أن يواريه التراب خير ما يمهد للمثقفين الطريق إلى الاشتغال بالمهن الضئيلة.
تساءل صاموبل سمايلر: أيهما يخفض أو يرفع من شأن الآخر: المهنة أم الإنسان. .؟ إنما يرفع من شأن المهنة التافهة ناضج الفكر سليم العقل، وكأنما تستعير المهنة من جلاله جلالة، ومن رهبة مكانته قداسة. . وهذا بالإضافة إلى نتاجها الذي سيربو ويزداد على يديه. . واعتبر عكس هذا في المهن الرفيعة العالية يوم يشغلها من ليس أهلا لها.
ولا ينبغي أن نخشى على عبقرية المثقفين أن تنزوي وتفنى في تفاهة المهنة، فان العبقرية الصحيحة لا تستكين لظلم الزمان ولا تخضع لحكم القدر، وان آياتها لتبدو وتلوح ولو كرهت ظروف صاحبها وعملت على طمس معالمها. . فاتركوا المثقفين يعملوا ويضربوا في زحمة الحياة حيثما ألقت بهم المقادير، والجهاد خير محك للعبقرية وأصدق ميزان لها.
стр. 312
توفيق الطويل
стр. 313
في الأدب العربي
العوامل المؤثرة في الأدب
٢
ومن العوامل المؤثرة في الأدب الأديان وما يتصل بها من الأخلاق والمعتقدات، وتأثير الأديان في الأدب أمر ثابت بأدلة الطبع والسمع فأنها تخلق موضوعات جديدة لمصنفات جديدة. وتؤثر في الأخلاق والعواطف تأثيرا يتردد صداه في مناحي الأدب. على أن تأثيرها الذي يعنينا الآن هو إيجادها لأنواع خاصة من النظم والنثر، فان بنى الإنسان منذ أفزعتهم تهاويل الطبيعة وأدهشتهم تعاجيب الفلك أحسوا بقوة القوى فألهوها كما فعل اليونان والهنود، أو نسبوا الأعاجيب الممتعة الخيرة لمبدأ، والتهاويل المفزعة الشريرة إلى مبدأ آخر كما فعل الإيرانيون الأقدمون، ثم امتلأت نفوسهم بجلالها وجمالها وعظمتها ففاضت على ألسنتهم بالأناشيد والصلوات، فكان من ذلك الشعر الديني وهو مبدأ كل شعر في كل أمة، ومن أقدمه أناشيد (رع) عند المصريين، وأناشيد (فيدا) عند الهند البرهميين، وأناشيد (جالا) عند الإيرانيين، وأناشيد (أرفيه) عند اليونانيين، وسفر أيوب عند العرب.
وعندي أن الشعر العربي لم ينشأ في الصحراء على ظهور الإبل وإنما نشأ كذلك في المعابد العربية أبان انفصال العرب عن الأسرة السامية الأولى، فظهر على ألسنة الكهان باسم السجع ومن أقدمه سفر أيوب على أرجح الآراء. وربما عدت إلى بسط هذا الرأي في فرصة أخرى.
وتأثير الأديان في الآداب غير متحد ولا متشابه لاختلاف العقول في إدراك هذه القوة الخفية، فاليونان قد عددوا آلهتهم وجسدوها على صور البشر، ونسبوا إليها ما للإنسان من كرم ولؤم وغضب وحلم وحرب وسلم وعفة ودعارة وزواج ولذة، ولم يميزوهم من الناس الا بالقوة والخلود. لذلك كان شعرهم الديني في الآلهة أشبه بشعرهم الدنيوي في الملوك: يصف الخوارق والعظائم والقوة، ولا ينم عن رحمة الخالق وخشوع المخلوق، ولا يدل على الرجاء الذي يبعث على الطاعة، ولا على الخوف الذي يردع عن المعصية.
أما بنو إسرائيل فقد وحدوا الله وبرءوه من النقص، ونزهوه عن المثل وملئوا صدورهم بهيبته وعزته وجلالته، فكان شعرهم في ذاته العليا فياضاً بالتقديس والإجلال والابتهال
стр. 314
والاتكال وللبكاء والرجاء والخوف. كذلك يختلف تأثير الدين الواحد في الأدب باختلاف الأزمان والبلدان وطبقات الناس ونظام الحكم، فان في كل دين من الأديان السماوية قسما وجدانيا اجتهاديا يختلف أبناؤه في فهمه اختلافهم في الطبائع والمنازع والغاية. فأشعار الخوارج مثلا تنضح بالدماء وتطفح بالحماسة لتعصبهم وتصلبهم وجعلهم غاية الإسلام جهاد مخالفيهم في الرأي، وأشعار الشيعة تفيض بإجلال زوج البتول وصهر الرسول وتمجيد ذكرى بنيه وتمثيل آلامهم، ورثاء من قتل من أعلامهم. وأشعار الصوفيين تصف مقاماتهم وتذكر إشاراتهم وتكثر من الكناية بالخمر والسكر والعشق والعبق عن شدة تعلقهم بالله. ولا يقتصر تأثير الأديان على النظم وإنما يؤثر كذلك في النثر، فلولاها لما كانت النبوءات عند الإسرائيليين، ولا التعازي عند الفرس، ولا خطب المنابر ومقامات الوعظ عند المسلمين والمسيحيين.
ومنها: العلوم النظرية والتجريبية. وتأثيرها العام في ترقية العقل وتقوية الشعور وتنمية الصور لا يحتاج إلى تمثيل ولا تدليل، ولكن لها تأثيراً خاصاً في خلق أنواع طريفة من الآداب كالشعر التعليمي مثلا وهو نوع من الشعر يجمع بين رشاقة اللفظ ولطف التخيل وجودة الوصف ودقة البحث وحقائق العلم. وتراه في الآداب الأجنبية القديمة والحديثة أرفع وأمتع منه في الآداب العربية، فان من الغضاضة على الفن والإساءة إلى الذوق أن ندخل فيه منظومة ابن عبد ربه في التاريخ، وألفية ابن مالك في النحو. وقد استحدث اليونان في النثر المحاورات الفلسفية كمحاورات أفلاطون، وهي نوع طريف من الأدب الإغريقي قلده شيشرون في محاوراته في الأخلاق والفلسفة والبلاغة. كذلك احدث انتشار العلوم نوعا من القصص الخيالية تمتزج فيها حقائق العلم بروعة الخيال وغرابة الحوادث تحقيقا لرأي من الآراء أو تشويقا لعلم من العلوم كما فعل الفرنسيان فلا مريون الفلكي وجول فيرن القصصي. وكما صنع من قبلهما أبو بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل الأندلسي في رسالة حي بن يقظان، فقد أراد بوضع هذه القصة أن يشرح كيف يستطيع الإنسان بمجرد عقله أن يتدرج من المحسوسات البسيطة إلى أسمى النظريات العلية، ولكنه يعجز عن إدراك أرقى الحقائق بغير وحي من الله أو هداية من نبي، ثم كان من نفاق العلوم التاريخية في صدر القرن التاسع عشر، وميل الجمهور إلى دراسة الماضي، أن ظهر في إنجلترا
стр. 315
القصص التاريخي، ابتدعه الكاتب الإنجليزي (ولترسكوت) واقتفاه في فرنسا (الفريد دفني) في رواية خمسة مارس. وفي ألمانيا (جورج ايسبرس) في قصته المصرية وردة. وفي مصر جرجي زيدان في رواياته الإسلامية. وللعلوم فضل ظاهر على اللغة في المادة والاسلوب، وأثر قوي في ترقية النثر خاصة لأنها تكسبه القوة والدقة والوضوح. وما ارتقى النثر في أمة من الأمم إلا بعد تقدمها في الحضارة ورقيها في العلم، لأن النثر لغة العقل كما ان الشعر لغة الخيال. فالنثر اليوناني لم يرق الا بعد عصر هوميروس بأربعة قرون حين دون تاريخ توسيديد ومحاورات أفلاطون وخطب ديمستين. والنثر العربي لم يرق الا أوائل الدولة العباسية على يد ابن المقفع، والنثر الفرنسي لم يرق الا بتأثير الفلاسفة والرياضيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر كبسكال وديكارت.
ومن تلك العوامل: أحوال السياسة الداخلية، فإن لمدها وجزرها، ولانتقاض حبلها أو أتساق أمرها، أثراً بالغا في فنون الآداب يختلف باختلاف حاله.
ففي خلافة معاوية مثلا انتشر الهجاء المقذع في العراق، وفاضت بحور الغزل الرقيق في الحجاز، وما علة ذلك إلا سياسة هذا الخليفة، فقد كان يخشى العراق على عرشه الواهي الدعائم، فساسه بالتفريق وإحياء العصبية وإذكاء التنافس بين الشعراء والقبائل ليشغل الناس عن الخصومة في خلافته بالخصومة في أمر جرير والفرزدق والأخطل، وكان يستوحش من ناحية الحجاز فاعتقل شباب الهاشميين في مدنه، وسلط عليهم الترف وشغلهم بالمال وخلى بينهم وبين الفراغ فعكفوا على اللهو والصبابة والغزل. وبعد خلافة المتوكل العباسي ازدهر الأدب العربي وازداد ابتكارا وانتشارا وكثرة. وعلة ذلك السياسة أيضا، فان الخلافة العباسية قد انتقض حبلها في أواخر عهد المأمون وانصدع شملها في عهد المتوكل باستقلال الولاة في فارس والشام ومصر والمغرب. فكان ضعف السياسة قوة للأدب لأن الشعراء والأدباء والعلماء بعد أن كانوا مكدسين في بغداد لا يريمون عنها تفرقوا في الممالك الجديدة فوجدوا من أمرائها وأجوائها ما ساعدهم على وفرة الإنتاج ورفع شأن الأدب. وللأحوال السياسية كذلك أثر في خلق فنون جديدة من الأدب أو ترقية ما كان منها، ومثل ذلك النوع الذي يسميه الفرنج بالخطابة السياسية كالخطب الرائعة التي ألقاها ديمستين في مجالس اليونان العامة حين كان فيلبس ملك مقدونيا يتربص بحرية أثينا
стр. 316
وسلامتها ريب المنون، وكتلك التي ألقاها شيشرون في مجالس الأعيان دفاعا عن شؤون الجمهورية الرومانية، وقد نفق هذا النوع في مصر الحديثة على لسان الزعيمين الكبيرين مصطفى باشا كامل وسعد باشا زغلول، وهذا الفن وليد الحرية السياسية والحياة الديمقراطية والأنظمة الدستورية. فإذا منيت الشعوب بالاستعباد أو طغيان الاستبداد تلاشى وانقرض، كما تلاشى في اليونان حينما وقعوا في العبودية، وانقرض عند الرومان حين فدحهم طغيان القياصرة، وهناك الشعر السياسي أيضا كالشعر الذي كانت تصطنعه الأحزاب والفرق في صدر الدولة الإسلامية. ومن ذا الذي ينسى فيضان بحور الشعر وطغيانها في بغداد ودمشق حين أعلن الدستور العثماني؟ لقد كان الظلام ضاربا على العيون، والجهل غالبا على الافئدة، والجمود مستوليا على العواطف، وقوى العرب المنتجة معطلة، وأياديهم العاملة مغللة، فكان إعلان الدستور بسمة الأمل في قطوب اليأس، وومضة المنارة في بحر مكفهر الجو بالضباب مضطرب الموج بالعواصف، فاهتزت النفوس وانطلقت الألسن وصدحت البلابل تنعى الليل وتبشر العيون بالصباح.
كذلك من هذه العوامل اختلاط الأجناس المختلفة العقليات والعادات والاعتقادات بالمصاهر والمجاورة في أمة واحدة، وأثر هذا العامل أظهر ما يكون في دولة العباسيين في بغداد ودولة الأمويين في قرطبة، فان حضارتيهما نتيجة اختلاط شعوب مختلفة لكل شعب منها خصائص ومزايا أكملت نقص الآخر وساعدته على العمل والإنتاج ففي البلدين اتصلت المدنية السامية بالمدنية الآرية فالتقى التصور العميق بالتصوير القوي، والعقلية العلمية بالوجدان الشعري، وكان من أثر هذا اللقاح في الفكر والعقل ما يعلل لنا وفرة المعاني الجديدة في شعر بشار وأبي نواس وأبي العتاهية وابن الرومي. ولولا هذا اللقاح المخصب العجيب لظل الأدب العربي ظامئ الجذوع دقيق الفروع ذابل الأوراق واحد المذاق قليل الثمر.
ومنها التقليد والاحتذاء، والتقليد فطري في الإنسان لا يستطيع بدونه أن يتكلم ولا أن يتعلم ولا يملك لنفسه اكتساب عادة ولا تربية خلق، ولولا الاحتذاء لما كانت فنون الآداب، لأن الشعر والنثر إنما يصاغان على قواعد وأساليب خاصة. وما مراعاة هذه القواعد والأساليب إلا اقتداء الأديب بمن سبقه سواءً أكان إقتداؤه مقصودا منه أم غريزيا فيه.
стр. 317
على أن التقليد الذي نقصد إليه هنا هو تقليد أمة لأخرى لشدة ارتباطها بها، أو لاعتقادها السمو في آدابها، وقد أشرت منذ هنيهة إلى مثال من ذلك وهو ظهور القصص التاريخية في إنجلترا وانتقالها إلى الأمم الأخرى بالاحتذاء، ولقد كان للتقليد في الآداب القديمة شأن نابه وأثر ظاهر. فالشعر اللاتيني في عصر أغسطس عاف أساليبه الفطرية وأوزانه القديمة، واغترف من بحور الشعر اليوناني فحاكاه في أوزانه وأنواعه ومعانيه، والأدب الفرنسي قبل (رنسار) و (ماليرب) كان حائراً بين اللاتينية والإغريقية، والتمثيل إنما نشأ بديا في كنائس رومية وباريس أثناء القرون الوسيطة لتمثيل صلب المسيح وآلام الشهداء الذين أوذوا وقتلوا في سبيل المسيحية على نحو ما يفعل الفرس من تمثيل ما أصاب أهل البيت من الخطوب والاضطهاد والمحن، ثم انتشر التمثيل بالتقليد في سائر الأمم. ولما حييت الآداب اليونانية واللاتينية واطلع أدباء الغرب على ما صنف فيهما من الروايات التمثيلية تهافتوا على تقليدها واقتباسها فدخل فن التمثيل من جراء ذلك في طور جديد. ولو شاء الله لأدبنا الكمال من نقصه لألهم المترجمين في عصر المأمون أن ينقلوا روائع الأدبين الإغريقي واللاتيني من الشعر والقصص والروايات والخطب والملاحم كما نقلوا العلم والحكمة، إذن لقلدهم أدباء العرب في ذلك ولسدوا في الأدب العربي خللا ما بريء منه حتى اليوم. إنما استفادالأدب العربي من التقليد في فن الحكايات والأمثال حين ترجم ابن المقفع وبعض الكتاب شيئا من القصص الفارسي ككليلة ودمنة وهزار افسانه ودارا والصنم الذهب، فكان ما ترجموه حديا للعرب ونموذجا لهم في وضع ما وضعوه منها.
أما الأدب الفارسي والأدب التركي فهما صنيعة التقليد ونفحة من نفحات الأدب العربي، فان الفرس حينما استولى الإسلام على أفئدتهم ولغته على ألسنتهم ظلوا زهاء قرنين يقرضون الشعر بالعربية دون الفارسية. فلما هبوا في القرن الثالث يستردون مجد أجدادهم، ويطاردون العربية ونفوذها من بلادهم، ويوحون إلى شعرائهم من أمثال الدقيقي والفردوسي أن يجددوا مفاخر الأسلاف بتأليف المنظومات القصصية والأناشيد القومية لم يجدوا ذلك ميسورا إلا باحتذاء الشعر العربي واقتباس أوزانه وبديعه وكذلك فعلوا في النثر فقد أخذوا يوشونه منذ أوائل القرن الخامس برشيق الألفاظ وغريب المجاز وزخرف البديع اقتداء بما نشر في أقاليم العجم الشمالية الشرقية من الكتب التاريخية العربية التي كتبت
стр. 318
بالسجع المونق ككتاب اليميني الذي ألفه أبو نصر العتبي للسلطان محمود الغزنوي.
وأما الأتراك العثمانيون فانهم حين أخذوا يدونون أشعارهم في أوائل القرن الثامن اقتبسوا من الفرس بعض الأوزان العربية مدداً لأوزانهم القديمة، ولكنهم ابتداءً من القرن التاسع أغفلوا أوزانهم واصطنعوا العروض الفارسي فجروا علىمناهجه وفنونه. وظل الأدب التركي صورة من الأدب الفارسي يترسم خطاه ويردد صداه حتى منتصف القرن الماضي حين هب الوزير ضيا باشا المتوفى سنة ١٢٩٥ للهجرة يقوض دعائم الشعر القديم وينعى على الشعراء ما هم فيه من جمود وقصور ورق، فانضوى إليه رهط من الشعراء المجددين ككمال يكن وأكرم بك وناجي أفندي فأنقذوا أدبهم من سخف التقليد، وقووه بالابتكار والتجديد، هذا مثل من التقليد العاجز الذليل الأعمى. أما التقليد البصير القوي المستقل فهو الذي يهذب أدبنا اليوم ويتمم نقصه، فالأقصوصة والقصة والرواية، والأسلوب المهذب والفن التمثيلي، كل أولئك قد أخذ بفضل تقليد الفرنج ينبت في حقوله، ويضيف فصولا خالدة على فصوله.
هذه هي أقوى العوامل التي تؤثر في الآداب على اختلاف لغاتها، وهي تعمل أما مجتمعة وأما منفردة، والواجب على مؤرخ الآداب أن يحلل ما تركب من أفعالها المتنوعة كما يحلل العالم بالميكانيكا القوة الناتجة ثم يردها إلى القوى البسيطة الفاعلة. وهيهات أن يقف الأديب على هذه العوامل ما لم يكن المؤرخ في عونه، ولا يتسنى للمؤرخ أدراك كنهها الا بالاستقصاء البالغ والبحث الشديد في أحوال الشعب الذي يدرسه ويؤرخه. وكل تعليل لأطوار الأدب وظواهره قبل دراسة هذه العوامل ضرب من التخرص لا يطمئن عليه القلب.
стр. 319
البيروني
(إنه أكبر عقلية عرفها التاريخ في كل عصوره). . سخاو
تمهيد:
قرأت في العدد الأول من الرسالة في مقالة (حلقة مفقودة للأستاذ أحمد أمين) ما يلي:
(وبالأمس كنت أتحدث إلى طائفة من المتعلمين عن البيروني العالم الإسلامي الرياضي المتوفى سنة ٤٤٠هـ وما كشف من نظريات رياضية وفلكية، وأن المستشرق الألماني (سخاو) يقرر انه أكبر عقلية عرفها التاريخ في كل عصوره وانه يدعو إلى تأليف جمعية لتمجيده وإحياء ذكره تسمى جمعية البيروني. فحدثني أكثرهم أنه لم يسمع بهذا الاسم ولم يصادفه في جميع قراءاته، وهو يعرف عن ديكارت وبيكون وهيوم وجون ستوارت مل كثيراً ولكنه لا يعرف شيئا عن فلاسفة الإسلام).
عند قراءة هذه القطعة تبادر إلى ذهني أمران: أولاً روح الإنصاف عند بعض علماء الفرنج، ثانياً جهل المتعلمين منا بفلاسفة الإسلام والعرب وفحول علمائهم. . . أما الأمر الأول فليس بغريب على رجل سيطرت عليه روح العلم الصحيحة التي لا تعرف غير توخي الحقيقة أن يجاهر بما يعتقد حتى ولو كان ما يجاهر به مما لا يسر أبناء وطنه، على حين أننا نجد بعض علماء الغرب قد أغار على الكتب العربية وادعى ما فيها لنفسه، وبعضهم لم يذكر المصادر العربية التي اعتمد عليها أو نقل عنها، وقد أتينا بأمثلة على ذلك وعلى أن العرب سبقوا الفرنج إلى اكتشاف بعض النظريات والأبحاث الرياضية في مقالات نشرناها في مجلة المقتطف الغراء.
وأما الأمر الثاني فقد يكون لدى هؤلاء المتعلمين مبرر ولا سيما أن تاريخ بعض رجالنا السالفين قد أحيط بسحب كثيفة من الإبهام، وفقد البعض الآخر منه، وكان لكسلنا وخمولنا الأثر الأكبر في إهمال نوابغ العرب وتبيان مآثرهم في مختلف فروع المعرفة، ولكن مما لا شك فيه أن هذا التبرير حجة علينا ومن واجبنا بل من دعائم نهضتنا القومية أن نتولى أمر الكشف عن حقيقة رجالنا ومآثرهم بأنفسنا، وبذلك (وعلى الأقل) نضع حدا لادعاءات بعض المتعصبين وبعض المتفرنجين منا الذين يزعمون أن العرب لم يكونوا مخترعين مستنبطين، وانهم لم يكونوا الا نقلة عن غيرهم. وقد عنيت بوضع كتاب يبحث في أثر
стр. 320
العرب على العلوم الرياضية وما أخذه الغربيون من هذه العلوم، وتأثير ذلك في تقدمها. والمقالة التالية مجمل من ترجمة نابغة من نوابغ العلماء المسلمين قال عنه سخاو: (انه اكبر عقلية عرفها التاريخ في كل عصوره).
مولده ومنشؤه
هو محمد بن أحمد أبو الريحان البيروني الخوارزمي أحد مشاهير رياضيي القرن الرابع للهجرة ومن الذين جابوا الأقطار ابتغاء البحث والتنقيب. ولد أبو الريحان في خوارزم عام ٣٦٢هـ - ٨٧٣م ويقال أنه اضطر أن يغادر مدينة خوارزم على أثر حادث عظيم إلى محل في شمالها اسمه (كوركانج) وبعد مدة تركه وذهب إلى مقاطعة جرجان حيث التحق بشمس المعاني قابوس أحد أحفاد بني زياد وملوك وشمكير، ثم عاد إلى كوركانج وتمكن بدهائه أن يصبح ذا مقام عظيم لدى بني مأمون ملوك خوارزم. وبعد أن استولى سبكتكين على جميع خوارزم ترك أبو الريحان كوركانج وذهب إلى الهند فبقي مدة طويلة (ويقال انه سافر فيها أربعين سنة) يجوب البلدان ويقوم بأبحاث علمية كان لها تأثير في تقدم بعض العلوم. وقد استفاد البيروني من فتوح الغزنوبين في الهند وتمكن من القيام بأعمال جليلة؛ فانه استطاع أن يجمع معلومات صحيحة عن الهند، ويلم شتات كثير من علومها ومعارفها القديمة. وأخيرا رجع إلى غزنة ومنها إلى خوارزم ولم يعرف بالضبط تاريخ وفاته. وإنما الراجح أنه توفي سنة ٤٤٠ هجرية - ١٠٤٨ ميلادية.
تنقلاته العلمية ومآثره:
كان البيروني رياضيا وفلكيا وطبيباً ومؤرخا وجغرافيا. وهو أبرز شخصية بين علماء عصره الذين بفضلهم كان للعرب عصر ذهبي تقدمت فيه العلوم تقدمها المعروف. قرأ فلسفة الهند وله فيها وفي الرياضيات والفلك مؤلفات كثيرة، وهو من أوسع علماء الإسلام اطلاعا على آداب الهند وعلومها ويقال انه ضرب بسهم وافر في الجغرافيا حتى أن أبا الفداء كان يعتمد أحياناً في أبحاثه الجغرافية على كتب أبي الريحان. قال سيديو: إن أبا الريحان (اكتسب معلوماته المدرسية البغدادية ثم نزل بين الهنود حين أحضره الغزنوي فأخذ يستفيد منهم الروايات الهندية المحفوظة لديهم قديمة أو حديثة، ويفيدهم استكشاف أبناء
следующие страницы →